← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾. أي: قل - يا محمد - لهؤلاء الذين يفترون على الله الباطل ويتطاولون بانتقاص جلال صفاته وكمالها، فيدعون له ولدًا، لن تفلحوا في طريقتكم بل إنكم تمتعون أيام حياتكم الدنيا، ثم تردون إلى أشد العذاب بما كنتم تكفرون. قال ابن جرير: (﴿لَا يُفْلِحُونَ﴾ يقول: لا يَبْقَوْن في الدنيا، ولكن لهم متاع في الدنيا يمتعون به، وبلاغ يتبلغون به إلى الأجل الذي كُتِبَ فناؤهم فيه، ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾، يقول: ثم إذا انقضى أجلهم الذي كتب لهم، إلينا مصيرهم ومنقلبهم، ﴿ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ﴾، وذلك إصلاؤهم جهنم، ﴿بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ بالله في الدنيا، فيكذبون رسله، ويجحدون آياته). ٧١ - ٧٣. قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (٧١) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢) فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣)﴾. في هذه الآيات: أمْرُ الله تعالى نبيّه ﷺ أن يقصص على كفار مكة نبأ نوح ﷺ مع قومه، إذ تحدّى قومه الذين استكبروا عن وعظه لهم بحجج الله البالغة أن يفعلوا ما بوسعهم فهو متوكل على ربه، ولا يريد منهم أجرًا، بل كان هو أول المسلمين. فلما أصروا على عنادهم وتكذيبهم أغرقهم الله ونجّى نوحًا ومن معه من المؤمنين، فجعلهم خلائف في الأرض من بعدهم وساء عاقبة المنذرين. فقوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ﴾ أي: أخبرهم - يا محمد - واقصص على كفار مكة الذين يكذبونك ويجحدون نبوتك خبر نوح ﵊ ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ﴾. قال ابن جرير: (يقول: إن كان عظُمَ عليكم مقامي بين أظهركم وشق عليكم ﴿وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ﴾، يقول: ووعظي إياكم بحجج الله، وتنبيهي إياكم على ذلك).

стр. 2032

وقوله: ﴿فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾. أي: إن عزمتم على طردي أو قتلي أو التخلص مني فإني لا أبالي بما تبيتون من مكر، فعلى الله اتكالي، وبه ثقتي، وهو سندي ومعيني. وقوله: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾. قال الأعرج: (يقول: أحكموا أمركم، وادعوا شركاءكم). وقد نصب ﴿شُرَكَاءَكُمْ﴾ بالتقدير السابق. أي: وادعوا شركاءكم. وقوله: ﴿ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾ الآية. قال قتادة: (لا يكبر عليكم أمركم). قال ابن كثير: (أي: ولا تجعلوا أمركم عليكم مُلتَبِسًا، بل افصِلُوا حالكم معي، فإن كنتم تزعمون أنكم مُحقُّونَ فاقضوا إلي ﴿وَلَا تُنْظِرُونِ﴾ أي: ولا تؤخروني ساعة واحدة، أي مهما قدرتم فافعلُوا، فإنى لا أبالي بكم ولا أخاف منكم، لأنكم لستم على شيء، كما قال هود لقومه: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٤ - ٥٦]). وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. قال القاسمي: (﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أي عن الإيمان بما جئتكم به ﴿فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ﴾ أي جُعْلٍ على عظتكم، أي فلا باعث لكم على التولي والنفور ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ أي ما ثوابي على التذكير إلا عليه تعالى، يثيبني به، آمنتم أو توليتم، ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي المستسلمين له وحده بالإيمان به، ونبذ كل معبود دونه). وقوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾. إِخْبَارٌ من الله تعالى عن تكذيب قوم نوح لنبيّهم، وما أعقب ذلك من هلاكهم بالغرق، ونجاة المؤمنين معه في السفينة واستخلافهم في الأرض، فانظر يا محمد كيف كانت نهاية القوم المنذَرين بالوحي وحجة الله البالغة، المقابلين ذلك الإنذار والبرهان والحجج بالتكذيب والمكر. ٧٤ - ٧٨. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (٧٤) ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ

стр. 2033

مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (٧٦) قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (٧٧) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ (٧٨)﴾. في هذه الآيات: إِخْبَارُ الله تعالى نبيه ﷺ عن متابعته إرسال الرسل - من بعد نوح - إلى أقوامهم بالحجج الدامغات، وطَبْع الله على قلوب المكذبين. وكذلك كان شأن فرعون وقومه مع موسى ﵇، كذبوه واتهموه بالسحر ومحاولة أخذ الرياسة منهم في الأرض وما كانوا مؤمنين. فقوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ﴾. أي: من بعد نوح ﴿رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ - أي بالحجج الدامغات والبراهين القاطعات على صدق النبوة وما جاؤوا به من الوحي، ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾. قال النسفي: (يريد أنهم كانوا قبل بعثة الرسل أهل جاهلية مكذبين بالحق، فما وقع فصل بين حالتيهم بعد بعثة الرسل وقبلها كأن لم يبعث إليهم أحد). وقوله: ﴿كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾. أي: نختم على قلوب المجاوزين الحدّ في الكفر والعناد والتكذيب. وقوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾. أي: من بعد تلك الرسل والأمم. ﴿مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ - أي أشراف قومه. ﴿بِآيَاتِنَا﴾ - قال القرطبي: (يريد الآيات التسع). وقال ابن جرير: (﴿بِآيَاتِنَا﴾، يقول: بأدلتنا على حقيقة ما دعوهم إليه من الإذعان لله بالعُبودة، والإقرار لهما بالرسالة). وقوله: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾. أي: تكبروا عن الحق وكانوا مشركين آثمين. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾. أي: فلما جاء فرعون وقومه دلائل الحق وبينات الهدى حملوا المعجزات على السحر مخففين من قيمتها لئلا تؤثر في حياة الناس، شأن الطغاة على مدار الزمان، يتفننون في حرف الناس عن صدق الإيمان ومتابعة الرسل خشية على مصالحهم وزينةِ دنياهم الفانية. وقوله: ﴿قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا﴾. إنكار بعد إنكار، فالإنكار

стр. 2034

الأول: ﴿أَتَقُولُونَ﴾ وقولهم محذوف، أي هذا سحر. والإنكار الثاني: ﴿أَسِحْرٌ هَذَا﴾ خبر ومبتدأ. وهو استفهام إنكار من قول موسى وليس من قولهم، لأنهم بتّوا القول بأنه سحر. قال القاسمي: (فهو مستأنف لإنكار كونه سحرًا، وتكذيب لقولهم، وتوبيخ لهم على ذلك إثر توبيخ). وقوله: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ﴾. أي: ولا يظفر الساحرون ولا فلاح لهم ولا بقاء. وقوله: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾. أي: لتصرفنا عن الدين الذي وجدنا عليه آباءنا قبل مجيئك إلينا. قال قتادة: (لتلوينا عما وجدنا عليه آباءنا). وقوله: ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ﴾ - يعني السلطان والملك والعظمة. قال مجاهد: (السلطان في الأرض). أو قال: (الملك). وقال الضحاك: (﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ﴾، قال: الطاعة). وقوله: ﴿وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾. أي: ونحن غير مقرين لكما بالرسالة - يا موسى وهارون. ٧٩ - ٨٢. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (٧٩) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٨٠) فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢)﴾. في هذه الآيات: إِخْبَارُ الله تعالى نبيّه ﷺ عن استنفار فرعون سحرته لمقارعة موسى بما معه من الحق، وتحذير موسى السحرة أن السحر باطل لا يصمد أمام الحق والله لا يصلح عمل المفسدين. بل يحق الله الحق ويرفع أهله ولو كره المجرمون. فقوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ - محاولة من فرعون لطمس الحق المبين، بالبهرجة على الناس بحركات المشعوذين وزخارف السحرة المبطلين، ولكن الأمر مضى بعكس ما أحبّ، فانقلب السحر على الساحر، وآمن السحرة وخروا لله ساجدين. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ - أي من حبالكم

стр. 2035

وعصيّكم. وقوله: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾. قال ابن جرير: (فقرأته عامة قرأة الحجاز والعراق: ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾ على وجه الخبر من موسى عن الذي جاءت به سحرة فرعون، أنه سحر). وهناك من قرأها من المدنيين والبصريين: "ما جئتم به آلسِّحر؟ " على وجه الاستفهام، لكن لا وجه له، لأن موسى لم يكن شاكًا أنه سحر. وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦]. ٢ - وقال تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٧ - ٦٩]. قال ابن كثير: (فأراد موسى أن تكون البَدْأَةُ منهم، ليرى الناس ما صنعوا، ثم يأتي بالحق بعده فيدمغ باطلهم). وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾. أي: إن الله سيظهر بطلان هذا السحر وسيذهب به، فإنه لا يصلح عمل من بغى في الأرض وأراد إفشاء الفساد فيها ونشر المعاصي والآثام. وقوله تعالى: ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾. قال القرطبي: (﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ﴾ أي يبيّنه ويوضحه، ﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾ أي بكلامه وحججه وبراهينه، وقيل: بعداته بالنصر، ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ من آل فرعون). ٨٣ - ٨٦. قوله تعالى: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (٨٣) وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤) فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٨٦)﴾. في هذه الآيات: إِخْبَارُ الله تعالى نبيّه ﷺ أنه لم يؤمن مع موسى إلا طائفة قليلة على خوف من بطش فرعون وملئه، فلقد كان فرعون عاتيًا من المجرمين، فطمأن موسى

стр. 2036

من اتبعه وأمرهم بحسن التوكل على الله إن كانوا صادقين، فاستجابوا له وأعلنوا اعتمادهم على ربهم راجين أن لا يجعلهم فتنة للقوم الظالمين، وأن ينجيهم - تعالى - برحمته من القوم الكافرين. فقوله: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾. أي: فلم يؤمن لموسى ويتابعه على الحق إلا قلة من قومه خائفين من بطش فرعون وملئه. قال قتادة: (كان ابن عباس يقول: "الذرية"، القليل). وقوله: ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾. أي: وإن فرعون كان جبارًا عنيدًا مسرفًا في الظلم والعتو والتمرد، يخشى الناس في زمانه من شدة سطوته وطغيانه، وقد بلغ به الإسراف أن ادعى الربوبية وهو عبد حقير يحتاج للطعام والشراب والنوم والتغوط وما يجري على المخلوق. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾. إخبار من الله سبحانه عن قيل موسى لقومه: يا قوم إن كنتم صدقتم ربكم الإيمان وأفردتموه بالتعظيم والخضوع فثقوا به، وأسلموا لأمره، واستسلموا لقضائه وقدره فإنه تعالى لن يضيع أولياءه. وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]. ٢ - وقال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ٣٦]. ٣ - وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [الملك: ٢٩]. ٤ - وقال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩]. قال ابن القيم: (وحقيقة الأمر أن التوكل حال مركبة من مجموعة أمور لا تتم حقيقة التوكل إلا بها، فأول ذلك معرفة بالله وصفاته: من قدرته وكفايته وقيوميته وانتهاء الأمور إلى علمه وصدورها عن مشيئته وقدرته). وفي صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: [حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها ابراهيم ﷺ حين أُلقِيَ في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا: إن الناس

стр. 2037

قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل] (١). وفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄ أيضًا أن رسول الله ﷺ كان يقول: [اللهم لك أسْلَمْتُ وبِكَ آمَنْتُ، وعليك توكَّلْتُ، وإليكَ أنَبْتُ، وبك خاصمت. اللهم إني أعوذ بعزتك، لا إله إلا أنت أن تُضِلَّني، أنت الحيُّ الذي لا يموتُ، والجِنُّ والإنسُ يموتون] (٢). ثم إن قوم موسى توكلوا على الله وألجؤوا أمرهم إليه ورجوه سبحانه ألا يبتلي قوم فرعون بهم، وهو قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ - وفيه أقوال متكاملة: ١ - قال أبو مجلز: (قالوا: لا تظهرهم علينا، فيروا أنهم خيرٌ منا). ٢ - قال أبو الضحا: (لا تسلطهم علينا، فيزدادوا فتنة). وقال مجاهد: (لا تسلطهم علينا فيفتنونا). أو قال: (فيضلونا). ٣ - وعن مجاهد أيضًا: (﴿لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ لا تعذبنا بأيدي قوم فرعون، ولا بعذاب من عندك، فيقول قوم فرعون: "لو كانوا على حق ما سُلِّطنا عليهم ولا عُذِّبوا"، فيفتنوا بنا). وقوله تعالى: ﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾. قال ابن جرير: (- أي - ونَجِّنا، يا ربنا، برحمتك، فخلِّصنا من أيدي القوم الكافرين، قوم فرعون، لأنهم يستعبدونهم ويستعملونهم في الأشياء القذرة من خدمتهم). ٨٧ - ٨٩. قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٨٧) وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قَالَ قَدْ

стр. 2038

أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾. في هذه الآيات: وَحْيُ الله تعالى إلى موسى وأخيه ﵉ اتخاذ بيوت مناسبة بمصر لأقوامهما وجعلها مساجد للصلاة، والبشرى للمؤمنين. وتضرع موسى إلى ربه تغيير أموال فرعون وملئه التي يفسدون فيها ويصدّون عن الحق إلى غير حالتها لتصير إلى الهلاك كما تصير القلوب إلى الطبع والإقفال فلا يؤمن أصحابها حتى يروا العذاب الأليم. واستجابة الله تعالى دعوة موسى وتأمين هارون عليها وأمره لهما بالاستقامة على سبيل الحق واجتناب سبيل الجاهلين. فقوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾. أي: اتخذوا لقومكما بمصر بيوتًا واجعلوا بيوتكم مساجد تصلون فيها. ومن أقوال المفسرين في هذه الآية: ١ - عن ابن عباس: (﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾، قال: مساجد). وقال: (أمروا أن يتخذوها مساجد). وقال: (كانوا يَفْرَقون من فرعون وقومه أن يصلّوا، فقال لهم: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾، يقول: اجعلوها مسجدًا حتى تصلوا فيها). ٢ - وعن منصور، عن ابراهيم قال: (كانوا خائفين، فأمروا أن يصلوا في بيوتهم). وقال مجاهد: (كانوا لا يصلون إلا في البيع، وكانوا لا يصلون إلا خائفين، فأمروا أن يصلوا في بيوتهم). ٣ - وقال ابن زيد: (﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ قال أبي: اجعلوا في بيوتكم مساجدكم تصلُّون فيها، تلك "القبلة"). ٤ - وقال قتادة: (وذلك حين منعهم فرعون الصلاة، فأمروا أن يجعلوا مساجدهم في بيوتهم، وأن يوجهوا نحو القبلة). وقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ - أمر من الله تعالى لهم بأداء الصلاة المفروضة بحدودها في أوقاتها، والبشرى للمؤمنين الصابرين المخبتين لأوامر ربهم .

стр. 2039

وفي سنن أبي داود بإسناد حسن عن حذيفة قال: [كان النبي ﷺ إذا حَزَبَهُ أمر صَلَّى] (١). وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾. إِخْبَارٌ من الله تعالى عن قول موسى: يا ربنا، إنك أعطيت فرعون وحاشيته من الملأ من أشراف قومه من متاع الحياة الدنيا وزينتها ومن الأموال من أعيان الذهب والفضة وغيرها، وهم مع ما أعطيتهم يضلون عن سبيلك، ويصدون عن سبيلك. قال ابن جرير: (وقوله: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ هذا دعاء من موسى، دعا الله على فرعون وملئه أن يغيّر أموالهم عن هيئتها، ويبدلها إلى غير الحال التي هي بها). قال مجاهد: (﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ قال: أهلكها). وعن ابن عباس قال: (يقول: دمِّر عليهم وأهلك أموالهم، ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾، يقول: واطبع على قلوبهم، ﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾، وهو الغرق). وقال مجاهد (﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾، بالضلالة). وقال الضحاك: (يقول: أهلكهم كفارًا). وقوله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. قال عكرمة: (كان موسى يدعو، وهارون يؤمن، فذلك قوله: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾). وعن ابن عباس: (﴿فَاسْتَقِيمَا﴾ فامضيا لأمري، وهي الاستقامة). وقال ابن جرير: (وقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، يقول: ولا تسلكان طريق الذين يجهلون حقيقة وعدي، فتستعجلان قضائي، فإن وعدي لا خلف له، وإن وعيدي نازلٌ بفرعون، وعذابي واقع به وبقومه). قلت: وهذه الآيات العظيمة جزء من بناء منهج المفاصلة الذي سار عليه الأنبياء والرسل الكرام - صلوات الله وسلامه عليهم - وهو منهاج قائم لمن بعدهم إلى يوم القيامة.

стр. 2040

ففي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٤٠]. ٣ - وقال تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [هود: ١١٢, ١١٣]. ومن كنوز السنة الصحيحة في آفاق ذلك أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه - يعني لما وصلوا الحِجْر ديار ثمود فيما بين المدينة والشام -: [لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم لا يُصيبكم ما أصابهم] (١). وفي رواية: [لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين. ثم قَنَّعَ رسول الله ﷺ رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي]. الحديث الثاني: أخرج ابن حبان في صحيحه عن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : [ليأتين عليكم أمراء يقربون شرار الناس ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها، فمن أدرك ذلك منكم فلا يكونن عريفًا ولا شرطيًا ولا جابيًا ولا خازنًا] (٢). الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد والطبراني بسند صحيح عن أبي أمامة رضي الله

стр. 2041

عنه قال: قال رسول الله ﷺ : [سيكون في آخر الزمان شُرَطة يغدون في غضب الله وَيَرُوحونَ في سخط الله، فإياك أن تكون من بطانتهم] (١). ٩٠ - ٩٣. قوله تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (٩٢) وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٩٣)﴾. في هذه الآيات: قِصَّةُ اختراقِ بني إسرائيل البحر مع موسى ومطاردة فرعون وجنوده لهم، وإعلان فرعون الإيمان لحظة الغرق وقد فات الأوان، وجَعْل الله جسده باقيًا للعبرة تنظر إليه الأمم المتعاقبة. وإخبار الله تعالى عن بعض نعمه الجليلة على بني إسرائيل بعد إهلاكه فرعون، وحصول الخلاف بينهم بعد حصول العلم ظلمًا وبغيًا، والله يقضي بينهم ويجازيهم يوم القيامة بأعمالهم. فقوله: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا﴾ الآية. فإن بني إسرائيل لما خرجوا من مصر صحبة موسى ﵇ في حوالي ست مئة ألف مقاتل - فيما ذكر - سوى الذرية، أتبعهم فرعون وركب وراءهم بجيوش هائلة وفي أبَّهةٍ عظيمة، ولم يتخلف عنه أحد ممن له دولة وسلطان في سائر مملكته، فلحقوهم وقت شروق الشمس. ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١]. وسأل أصحاب موسى نبيّهم كيف المخلص والنجاة مما نحن فيه؟ فيقول: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢]، إني أمرت أن أسلك ها هنا، ثم أمره الله تعالى أن يضرب البحر بعصاه، فضربه فانفلق ﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣]، أي كالجبل العظيم، وصار اثني عشر طريقًا، لكلِ سبط واحد. وأمر الله الريح فنشفت

стр. 2042

أرضه، وهو قوله تعالى: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: ٧٧]، وجاوزت بنو إسرائيل البحر، فلما انتهى فرعون إلى حافة البحر الأخرى اقتحم بجيوشه لينفذ قدر الله فيه، فأمر الله البحر فارتطم بأمواجه فوقهم فما نجا منهم أحد، وجعلت الأمواج ترفعهم وتخفضهم، وغشيت فرعون سكرات الموت فقال عندئذ: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ولكنه آمن حيث لا ينفعه الإيمان، سنة الله فيه وفي أمثاله، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾. قال ابن جرير: (الآن، تقرّ لله بالعبودية، وتستسلم له بالذلة، وتخلص له الألوهة، وقد عصيته قبل نزول نقمته بك، فأسخطته على نفسك، وكنت من المفسدين في الأرض، الصادِّين عن سبيله؟ فَهَلّا وأنت في مَهَلٍ، وباب التوبة لك منفتح، أقررت بما أنت به الآن مقرٌّ؟ ). أخرج الإمام أحمد والترمذي بسند صحيح عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : [لما أغرق الله فرعون قال: آمنتُ أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، قال جبريل: يا محمد! فلو رأيتني وأنا آخِذٌ من حالِ البحر فأدُسُّهُ في فيهِ، مخافةَ أن تدركه الرحمة] (١). وحال البحر: هو الطين الأسود، والتراب اللين، وفي رواية: (من حمأِ البحر). وقوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ قال مجاهد: (﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ قال: بجسدك). وقال عبد الله بن شداد: (جسده رمى به البحر). وعن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: (لما جاوز موسى البحر بجميع من معه، التقى البحر عليهم - يعني: على فرعون وقومه - فأغرقهم، فقال أصحاب موسى: إنا نخاف أن لا يكون فرعون غرق، ولا نؤمن بهلاكه. فدعا ربّه فأخرجه فنبذه البحر، حتى استيقنوا بهلاكه).- والله تعالى أعلم. وقال الحسن: (﴿بِبَدَنِكَ﴾: بجسم لا روحَ فيه). قلت: والذي لا شك فيه أن الله تعالى

стр. 2043

أراد بإخراج جسده وحفظه أن يكون عبرة لكل طاغية على مر الأزمان، ليعلم الظالمون مكر الله بهم، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى. وهو قوله: ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾. وفي صحيح مسلم من حديث أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الله لَيُمْلي للظالم، فإذا أخذه لم يُفْلِتْه، ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾] (١). وقد كان إهلاك الله تعالى فرعون الطاغية يوم عاشوراء، ولذلك جاءت السنة الصحيحة بندب صيام ذلك اليوم لتذكر آيات الله العظيمة، لا كالذين قال فيهم: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ - أي لا يعتبرون ولا يتعظون. أخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس قال: [قدِمَ النبيُّ ﷺ المدينة فرأى اليهود تصومُ يوم عاشوراء فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يومٌ صالحٌ، هذا يومُ نَجّى الله بني إسرائيل من عَدُوِّهم، فصامَهُ موسى، قال: فأنا أحَقُّ بموسى منكم. فصامه وأمر بصيامه] (٢). وفي صحيح البخاري عن عائشة ﵂ قالت: [كان رسول الله ﷺ أمر بصيامِ يومِ عاشوراء، فلما فُرِض رمضانُ كانَ مَنْ شاء صامَ ومَنْ شاءَ أفطر] (٣). وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾. إِخْبَارٌ من الله تعالى عن بعض نعمه الجليلة على بني إسرائيل بعد إهلاكه فرعون، فقد جعل لهم مبوأ صدق في بلاد مصر والشام، مما يلي بيت المقدس ونواحيه، وأغدق عليهم من الرزق الحلال الطيب النافع، فلم يحصل الخلاف والافتراق بينهم إلا بعد حصول العلم بغيًا وظلمًا وعلوًا في الأرض بالشبهات والشهوات، وإن الله سيقضي بينهم يوم القيامة ويجازيهم بأعمالهم.

стр. 2044

وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧]. ٢ - وقال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٧ - ٥٩]. لقد استقرت دولة موسى ﵇ بعد هلاك فرعون - على بلاد مصر، فألح بنو إسرائيل على بيت المقدس وكان فيه قوم من العمالقة، فلما مضى بهم موسى نكلوا عن قتالهم، فشردهم الله في التيه أربعين سنة، ومات فيه هارون، ثم موسى ﵉ وخرجوا بعدهما مع يوشَع بن نون، ففتح الله عليهم بيت المقدس. قال ابن كثير: (واستقرت أيديهم عليها إلى أن أخذها منهم بُخْتَنَصَّر حينًا من الدهر، ثم عادت إليهم، ثم أخذها ملوك اليونان، وكانت تحت أحكامهم مدة طويلة، وبعث الله عيسى بن مريم ﵇ في تلك المدة، فاستعانت اليهود - قَبَّحهم الله - على معاداة عيسى ﵇ بملوك اليونان، وكانت تحت أحكامهم، ووشَوا عندهم، وأوحوا إليهم أن هذا يُفسد عليكم الرعايا. فبعثوا من يقبض عليه، فرفعه الله إليه وشبّه لهم بعض الحواريين بمشيئة الله وقدره، فأخذوه فصلبوه، واعتقدوا أنه هو، ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٥٧, ١٥٨]. ثم بعد المسيح ﵇ بنحو ثلاث مئة سنة، دخل قسطنطينُ - أحد ملوك اليونان - في دين النصرانية، وكان فيلسوفًا قبل ذلك. فدخل في دين النصارى قيل: تقية، وقيل: حيلةً ليفسده، فوضعت له الأساقفةُ منهم قوانين وشريعةً وبِدعًا أحدثُوها، فبنى لهم الكنائسَ والبيَعَ الكبار والصغار، والصوامع والهياكل، والمعابد والقلَّايات (١). وانتشر دينُ النصرانية في ذلك الزمان، واشتهر على ما فيه من تبديل وتغيير وتحريف، وَوَضْعٍ وكذب، ومخالفة لدين المسيح. ولم يبقَ على دين المسيح على الحقيقة منهم إلا القليلُ من الرهبان، فاتخذوا لهم الصوامعَ في البراري والمهامِهِ والقِفار. واستحوذت يدُ النصارى على مملكةِ الشام والجزيرة وبلاد الروم، وبنى هذا الملك المذكورُ مدينة قُسطنطِينيَّةَ، والقُمَامة، وبيتَ لحم، وكنائس بيت المقدس، ومدن

стр. 2045

حَوران كبصرى وغيرها من البلدان بناءات هائلة محكمة، وعَبَدُوا الصليب من حينئذ، وصَلُّوا إلى المشرق، وصَوَّروا الكنائس، وأحلُّوا لحم الخنزير، وغير ذلك مما أحدثوه من الفروع في دينهم والأصول، ووضعوا له الأمانةَ الحقيرة التي يسمونها الكبيرة، وصَنَّفوا له القوانين، وبسطُ هذا يطول. والغَرَضُ أن يَدَهُمْ لم تزل على هذه البلاد إلى أن انتزعها منهم الصحابة ﵃ وكان فتحُ بيتِ المقدس على يَدَي أمير المؤمنين عُمرَ بن الخطاب، ﵁، ولله الحمد والمنة). والخلاصة: أَنَّ الله تعالى صدق بني إسرائيل النصر حين صدقوه، فلما ركبوا الأهواء وتفرقوا وخاضوا في شهواتهم سلط الله عليهم الذل في الأرض، وهذا درس بليغ لهذه الأمة ألا تحذو حذوهم. أخرج الإمام أحمد وأبو داود بسند حسن عن أبي عامر عبد الله بن لُحَيّ قال: حججنا مع معاوية بن أبي سفيان، فلما قدمنا مكة، قام حين صلى صلاة الظهر فقال: إن رسول الله ﷺ قال: [إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين مِلّة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين مِلَّة - يعني الأهواء - كلها في النار إلا واحدة - وهي الجماعة - وإنه سيخرج في أمتي أقوام تُجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقى منه عِرْقٌ ولا مَفْصِلٌ إلا دخله. والله - يا معشر العرب - لئن لم تقوموا بما جاء به نبيكم ﷺ لغيركم من الناس أحرى أن لا يقومَ به] (١). وأخرج أبو داود وابن ماجه بسند حسن عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : [افترقت اليهود على إحدى أو ثِنْتين وسبعين فِرْقَةً، وتَفرَّقت النَّصارى على إحدى أو ثنتين وسبعين فِرْقَةً، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة] (٢). ورواه الحاكم وفيه: [أن اليهود اختلفوا على إحدى وسبعين فِرقة، وأن النصارى اختلفوا على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، منها واحدة في الجنة وثنتان وسبعون في النار. قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي].

стр. 2046

٩٤ - ٩٧. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤) وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٩٥) إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾. في هذه الآيات: تثبيتٌ من الله تعالى لهذه الأمة أن صفة نبيهم ﷺ موجودة في الكتب المتقدمة، وطمأنة للنبي ﷺ للثبات في مواجهة المكذبين المعاندين. وتقرير منه تعالى أن الذين لزمتهم كلمة الله في اللوحِ المحفوظ لا يؤمنون. عقوبة من الله لهم مقابل استكبارهم ليموتوا كافرين، فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم. فقوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾. قال ابن عباس: (التوراة والإنجيل، الذين أدركوا محمدًا ﷺ من أهل الكتاب فآمنوا به. يقول: فاسألهم إن كنتَ في شكٍ بأنك مكتوب عندهم). وعن الحسن، في هذه الآية، قال: (لم يشك رسول الله ﷺ ولم يسأل). وكذا قال سعيد بن جبير: (ما شكَ وما سأل). ووجه ذلكَ كما قال الحافظ بن كثير ﵀: (وهذا فيهِ تثبيتٌ للأمةِ، وإعلامٌ لهم أن صِفةَ نَبِيِّهم ﷺ موجودةٌ في الكُتب المتقدمة التي بأيدي أهل الكتاب، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] الآية). وقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ - أي الشاكين المرتابين. وفي مفهومِ الآية وتوجه الخطاب بها أقوال للمفسرين يكمل بعضها بعضًا: ١ - المقصود تكثير الدلائل وتقويتها، لتزداد قوة اليقين، وطمأنينة القلب، وسكون الصدر. ٢ - الاستدلال على تحقيق ما قص، والاستشهاد بما في الكتاب المتقدم، وأن القرآن مصدق لما فيه.

стр. 2047

٣ - وصف الأحبار بالرسوخ في العلم، بصحة ما أنزل إلى رسول الله ﷺ ، تعريضًا بالمشركين. ٤ - تهييج الرسول - صلوات الله عليه - وتحريضه ليزداد يقينًا كما قال إبراهيم الخليل ﷺ : ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾. ٥ - الخطاب للنبي ﷺ ، والمراد أمته. قال القاسمي: (وفيه من قوة التأثير في القلوب ما لا مزيد عليهِ، بمثابة ما لو خاطب سلطان عاملًا له على بلدته بحضور أهلها بوصاياه وأوامره الرهيبة، فيكون ذلكَ أفعل في النفوس). ٦ - الخطاب لكل من يسمع وهو في شك. قال النسفي: (أو الخطاب لكل سامع يجوز عليه الشك). وقال القُتَبيّ: (هذا خطاب لمن كان لا يقطع بتكذيب محمد ولا بتصديقه ﷺ ، بل كان في شك) - ذكره القرطبي. وقال القاسمي: (وفي الآية تنبيه على أن كل من خالجته شبهة في الدين ينبغي أن يسارع إلى حلها، بمقادحة العلماء المنبهين على الحق). ٧ - وقيل: الشك ضيق الصدر، أي إن ضاق صدرك بكفر هؤلاء فاصبر، واسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك يخبروك صَبْرَ الأنبياء من قبلك على أذى قومهم وكيف عاقبة أمرهم. والشك في اللغة أصله الضيق - ذكره القرطبي وقال: (فالشكُّ يقبض الصدر ويضمه حتى يضيق). وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. قال ابن جرير: (ويقول تعالى ذكره لنبيهِ ﷺ : ولا تكونن، يا محمد، من الذين كذّبوا بحجج الله وأدلته، فتكون ممن غُبنَ حظه، وباع رحمة الله ورضاه، بسخطه وعقابه). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾. أي: إن الذين ثبت عليهم قول الله المكتوب في اللوح المحفوظ أنهم يموتون كفارًا فلا سبيل إلى هدايتهم، فإن الله سبحانهُ كتب كل شيء بعلمه وعدله وحكمته، وهؤلاء صنف يعلم الله تعالى أنهم سيؤمنون به أول مرة حين يبصرون العذاب الأليم.

стр. 2048

وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام: ١١١]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]. ٣ - وقال تعالى - يحكي دعاء موسى على فرعون وملئه -: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨]. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: [كتب اللهُ مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. قال: وعَرْشُهُ على الماء] (١). ٩٨ - ١٠٣. قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (٩٨) وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٠) قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١) فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (١٠٢) ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾. في هذه الآيات: إخبار الله تعالى عن قوم يونس إذ تداركوا أنفسهم بالإيمان قبل حلول العذاب بهم. وأنَّ سنتهُ تعالى ترك اختيار الإيمان للناس وإلا لو شاء الله لأجبرهم عليه. وأنَّه ما كان لنفس اختيار الإيمان إلا بإذن الله. ثم في الآيات دعوة الله العباد للنظر في ملكوتِ السماوات والأرض ليقودهم ذلكَ النظر إلى الإيمان، وكذلكَ الاعتبار

стр. 2049

بمصير الأمم المكذبة عبر الزمان، وقد كتب اللهُ الغلبة في النهاية والنجاة لأهل الصدق في الإسلام. فقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾. قال ابن عباس: (لم تكن قرية آمنت فنفعها الإيمان إذا نزل بها بأس الله، إلا قرية يونس). وقال مجاهد: (فلم تكن قرية آمنت فنفعها إيمانها، كما نفع قوم يونس إيمانهم إلا قوم يونس). وقال قتادة: (لم يكن هذا في الأمم قبلهم، لم ينفع قريةً كفرت ثم آمنت حين حضرها العذاب، فتُرِكت، إلا قوم يونس، لما فقدوا نبيَّهم وظنوا أن العذاب قد دنا منهم، قذف اللهُ في قلوبهم التوبةَ، ولبسوا المسوح (١)، وفرقوا بين كل بهيمةٍ وولدها، ثم عَجُّوا إلى الله أربعين ليلة. فلما عرف الله الصدق من قلوبهم، والتوبةَ والندامة على ما مضى منهم، كشف اللهُ عنهم العذابَ بعد أن تدلَّى عليهم. قال وذكر لنا أن قوم يونس كانوا بنينوى أرضِ الموصل). والمقصود: أنه لم تؤمن قرية بكمالها من القرى في الأمم السالفة برسولها، بل كان التكذيبُ شعار أكثرها، إلا أهل نينوى - قوم يونس - خافوا نزول العذاب بهم إذ أنذرهم به رسولهم وقد خرج من بينهم وشعروا بدنو حلوله، فهنالك جأروا إلى الله تعالى واستغاثوا به وتضرعوا إليهِ، وأحضروا أطفالهم ودوابّهم ومواشيهم ذلكَ المشهد، فآمنوا واستغفروا فقبل اللهُ منهم وكشف عنهم العذاب الذي أنذرهم به رسولهم. وبغير ذلك - يا محمد - كان شعار الأمم الماضية التكذيب بالرسل. كما في التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [يس: ٣٠]. ٢ - وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٥٢]. ٣ - وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣].

стр. 2050

وفي صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: [خرج علينا النبي ﷺ يومًا فقال: عُرِضَتْ عليَّ الأُمَمُ فجعلَ يمرُّ النبيُّ معهُ الرَّجُل، والنبي معهُ الرَّجُلان، والنبيُّ معهُ الرَّهْطُ، والنَّبيُّ ليسَ معه أحد. .] الحديث (١). ولا شكَ أن أمة محمد ﷺ أكثر تلك الأمم إيمانًا واتباعًا لرسولها ﷺ ، فهي لكثرتها تسد الخافقين الشرقي والغربي يوم القيامة، ويليها أمة موسى ﵊ كما يدل على ذلكَ تتمة الحديث السابق. وعن السدي: (﴿وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ - إلى أجلهم). وعن عباس قال: (إلى أن يصيروا إلى الجنةِ أو إلى النار). قال ابن جرير: (يقول: وأخرّنا في آجالهم ولم نعاجلهم بالعقوبةِ، وتركناهم في الدنيا يستمتعون فيها بآجالهم إلى حين مماتهم، ووقت فناء أعمارهم التي قضَيْتُ فَنَاءها). وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾. هو في المشيئةِ الإذنية، فإن المشيئة كما وردت في القرآن والسنة ثلاثة أقسام: أولًا: المشيئة الكونية: وهي نوعان: أ - المشيئة الإجبارية. ب - المشيئة الإذنية. ثانيًا: المشيئة الشرعية. (الأمر والنهي - الثواب والعقاب). ثالثًا: المشيئة المشتركة. وقد فصلت ذلكَ في كتابي: "أصل الدين والإيمان - عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان"، فلله الحمد والمنة. والمقصود هنا أنه لا أحد اختار الإيمان رغم مشيئة الله، ولا أحد اختار الكفر رغم مشيئة الله، بل الكل داخل في اختياره تحت مشيئته سبحانه، فلا يستطيعُ أحد أن يخرجَ بإرادتهِ ومشيئته عن إرادة الله ومشيئته . ففي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤].

стр. 2051

٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام: ١٠٧]. ٣ - وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل: ٩٣]. ٤ - وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]. أي إن آمنوا - يا محمد - فبمشيئة ربكَ لا بإكراهك لهم، ولا بحرصك على ذلك منهم. ٥ - وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٠٠]. قال ابن عباس: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩]، ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٠٠]، ونحو هذا في القرآن، فإن رسول الله ﷺ كان يحرص أن يؤمن جميع الناس ويتابعوه على الهدى، فأخبره الله أنه لا يؤمن إلا من قد سبق له من الله السعادة في الذكر الأول، ولا يضل إلا من سبق لهُ من الله الشقاء في الذكر الأول). وعن سفيان: (﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، قال: بقضاء الله). وعن ابن عباس: (﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾ قال: السَّخَط). أي: ويجعل اللهُ الضلال والخبال والسخط على الذين لا يعقلون حججه وأدلته، ولا يفهمون أبعاد اتباع الهوى ومغبة تعظيم الشبهات والشهوات. وقوله: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. إرشاد من الله تعالى عباده إلى النظر في أرجاء هذا الكون الفسيح والتفكر بدقائق آياته ومخلوقاته: سواء في السموات: كالكواكب النيّرات والأفلاك والمجرّات، الثوابت منها والسيّارات، إلى الشمس والقمر، وتعاقب الليل والنهار، وما أنزل الله من السماء من البرد والثلج والمطر، فأحيا به في الأرض الينابيع والنبات والشجر، ومختلف الدواب وصنوف البشر، وفي الأرض آيات عظيمة أخر، كالجبال والسهول والقفار والوديان والبحيرات والبساتين والنهر، كل ذلكَ يدل على وجوب تعظيم الملك المقتدر. وقوله: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. أي: وما تفيدُ الحجج والعبر والرسل وعظيم الآيات من قومٍ كتب اللهُ عليهم

стр. 2052

الشقاء، نتيجةَ عتوهم وتمردهم على الحق وبغيهم في الأرض بالظلم والإفساد. وقوله: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. قال قتادة: (يقول: وقائع الله في الذين خلوا من قبلهم، قوم نوحٍ وعاد وثمود). وقوله: ﴿قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾. قال الربيع بن أنس: (خوَّفهم عذابه ونقمتهُ وعقوبته، ثم أخبرهم أنه إذا وقع من ذلكَ أمرٌ، أنجى الله رسله والذين آمنوا معهُ، فقال الله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾). فهو حق أوجبه سبحانه على نفسه الكريمة، بنجاة الرسل ونزول الرحمة بهم وبأتباعهم المؤمنين، وهلاك الطغاة والعتاة والمتمردين، سنة الله ولن تجد لسنته تبديلًا. وفي التنزيل: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤]. وفي الصحيحين: عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال النبي ﷺ : [إن الله لما خَلَقَ الخلق كتب كتابًا عنده فوق العرش، إن رحمتي تَغْلِبُ غضبي] (١). وفي رواية: (إن رحمتي سبقت غضبي). ١٠٤ - ١٠٧. قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥) وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧)﴾. في هذه الآيات: دَعْوَةُ الله تعالى نبيهُ ﷺ لإعلان تمسكه بالدين الحق أمام

стр. 2053

المشركين، وأن آلهتهم التي لا تضر ولا تنفع هي التي هزلت فهي في موضع الشك وليس الذي يملك الموت والحياة والنفع والضر. إنه إن يمسسك الله بضر فلا يملك كشفه إلا هو سبحانه، وإن يردكَ بخير فلا يقدر منعه عنك أحد، يصيب تعالى برحمته من يشاء وهو الغفور الرحيم. فقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. خِطَابٌ من الله تعالى لنبيهِ محمد ﷺ : أن قل لهؤلاء المكذبين نبوتكَ والوحي النازل إليكَ من ربك: إن كنتم في شكٍ من ديني الذي أدعوكم إليهِ وأنهُ حق من عند الله، فها أنا لا أشارككم في دينكم الباطل، ودعوتكم الأصنامَ والأوثان التي لا تسمع ولا تبصر، بل أعبد الله ربي وحدهُ لا شريكَ له، ومن ثمَّ فلا أخاف ضررًا من آلهتكم المخلوقة الباطلة، فادعوها إن شئتم فلتضرني، فإنها لا تضر ولا تنفع، وقد أمرني ربي أن أكون بهِ من المؤمنين. قال ابن جرير: (وقوله: ﴿وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾، يقول: ولكن أعبد الله الذي يقبض أرواحكم فيميتكم عند آجالكم، ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، يقول: وهو الذي أمرني أن أكون من المصدقين بما جاءني من عنده). وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. أي: وأمرني ربي أن أستقيم على دينِ الإسلام، ولا أنحرف عنه إلى وثنية أو يهودية أو نصرانية، فإنه من يبتغ غير الإسلامِ دينًا فلن يقبل منهُ، ومن يشرك باللهِ يحبط عمله. أخرج الإمام مسلم عن جابر ﵁، عن النبي ﷺ قال: [من ماتَ لا يشركُ باللهِ شيئًا دخل الجنة، ومن ماتَ يشرك باللهِ شيئًا دخل النار] (١). وفي صحيح مسلم أيضًا عن والد أبي مالك الأشجعي عن النبي ﷺ قال: [من قال لا إله إلا الله وكفر بما يُعبد من دون الله حَرُمَ ماله ودمه] (٢).

стр. 2054

وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. قال القرطبي: (﴿وَلَا تَدْعُ﴾ أي لا تعبد. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ﴾ إن عبدته. ﴿وَلَا يَضُرُّكَ﴾ إن عصيته. ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ﴾ أي عبدت غير الله ﴿فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أي الواضعين العبادة في غير موضعها). وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. أي: إن يصبكَ اللهُ بضر كتبهُ عليكَ فلا دافع له سواه سبحانهُ، وإن يصبكَ برخاء أو فضل أو نعمةٍ أو فرج فلا راد لفضله، فهو يصيب بكل ما أراد من الخير والشر لا يشاركه أحد، وهو الغفور لذنوب عبادهِ وتقصيرهم وزللهم، الرحيم بأوليائه في الآخرة. أخرج الإمام أحمد وأبو داود بسند صحيح عن أبي تميمة عن رجل من قومه، أنه أتى رسول الله ﷺ ، أو قال شهدت رسول الله ﷺ وأتاهُ رجل فقال: أنتَ رسول الله؟ أو قال: أنتَ محمد؟ فقال: نعم. قال: فإلامَ تَدْعو؟ قال: [أدعو إلى ربك الذي إن مسّكَ ضر فدعوتهُ كشفَ عنك، والذي إن ضللت بأرضٍ قفرٍ فدعوتهُ ردّ عليك، والذي إن أصابتكَ سنة فدعوتهُ أنبت لك] (١). ١٠٨ - ١٠٩. قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (١٠٩)﴾. في هذه الآيات: أمرُ الله تعالى نبيه ﷺ أن يُصرِّحَ لقومه أن هذا القرآنَ هو الحق قد جاءكم من ربكم، فمن اتبع الهدى نجا واهتدى، ومن أصر على الكبر والكفر والعناد ضلّ وهلك، وما أنا مُوكَّلٌ بكم حتى تدخلوا في الإسلام. وإنما أنا نذير، وأمرت - كما أمرتم - باتباع هذا الوحي من ربي، والصبر حتى يحكم الله بيني وبينكم وهو خير الحاكمين.

стр. 2055

فقوله: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. أي: قل - يا محمد - للناس، يا أيها الناس قد جاءكم كتاب الله فيه الحق من ربكم. ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾. قال ابن كثير: (فمن اهتدى به واتبعهُ فإنما يعود نفع الاتباع على نفسه - ﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ - ومن ضل عنه فإنما يرجعُ وبال ذلكَ عليه. ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾، أي: وما أنا مُوَكَّلٌ بكم حتى تكونوا مؤمنين به، وإنما أنا نذير لكم، والهداية على الله تعالى). وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾. أمرٌ من اللهِ لرسوله ﷺ أَنْ تمسَّك بهذا الوحي فهو سرُّ النجاةِ والقوة والشوكة في الأرض، وإنما يحتاج ذلك إلى الصبر على مكائد الأعداء والخصومِ حتى يفصلَ اللهُ الأمر بحكمهِ فيعلي لواء المؤمنين ويكسر شوكة الكافرين، واللهُ خير الفاصلين. قال ابن جرير: (﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾، يقول: وهو خير القاضين وأعدل الفاصلين. فحكم جل ثناؤه بينه وبينهم يوم بَدْرٍ، قتلهم بالسيف، وأمر نبيّهُ ﷺ فيمن بقي منهم أن يسلك بهم سبيل من أهلك منهم أو يتوبوا وينيبوا إلى طاعته). وقال ابن زيد (﴿وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾، قال هذا منسوخ، ﴿حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾، حكم الله بجهادهم، وأمره بالغلظةِ عليهم). تم تفسير سورة يونس بعون الله وتوفيقهِ، وواسع منِّهِ وكرمه ° ° °

стр. 2056

دروس ونتائج وأحكام ١ - تعجب الناس من إرسال الله رسولًا إليهم من بينهم إنما هو استكبار على الوحي. ٢ - في جريان الشمس والقمر يُعلم عدد السنين والحساب. ٣ - تحية الله المؤمنين في الجنة: سلام، وكذلكَ في الدنيا: السلامُ تحية أهل الإسلام. ٤ - الإنسان إذا جزع دعا ربه، فإذا فرج عنه أعرض، إلا من رحم الله. ٥ - خُلق العبادُ حنفاء كلهم، فاجتالتهم الشياطين عن دينهم. ٦ - الحسنى: الجنة، والزيادة: رؤية وجهه تعالى في الجنة. ٧ - يتبع كل قومٍ ما كانوا يعبدون في الدنيا، فآلهتهم تمثل أمامهم يوم الحشر. ٨ - القرآن أكبر معجزة خالدة في الأرض إلى يوم القيامة، وهو شفاء لما في الصدور. ٩ - شروط الولاية: الإيمان والتقوى. وأولياء الله تعالى الذين إذا رؤوا ذُكِرَ الله تعالى. ١٠ - طَبْعُ الله على قلوب المعاندين بسبب تكذيبهم للحق. ١١ - كلما ضاق الأمر اتسع، وإن مع العسر يسرًا. ١٢ - نجاة فرعون ببدنه آية من آيات الله، ليتحقق بنو إسرائيل من هلاكه، وليبقى جسدهُ محل اعتبار لكل طاغية إلى يوم القيامة. ١٣ - لا يطاعُ الله تعالى إلا بإذنه، ولا يُعصى إلا بمشيئته. ١٤ - إذا سألت فاسأل الله، وإذ استعنتَ فاستعن بالله، فالضر والنفع كله بيد الله. ١٥ - الصبر مفتاحُ الفرج، وإن مع العسر يسرًا. ° ° °

стр. 2057

التَّفْسِيْرُ المَأْمُونُ عَلَى مَنْهَجِ التَّنْزِيلِ والصَّحِيْحِ المَسْنُونِ تَفْسِيرُ القُرآنِ الكَريمِ عَلَى مِنْهَاجِ الأَصْلَيْنِ العَظِيْمَيْنِ - الوَحْيَيْنِ: القُرآنِ وَالسُّنَّةِ الصَّحِيْحَةِ - عَلَى فَهْمِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِيْنَ تَفْسِيرٌ مَنْهَجِيٌّ فِقْهِيٌّ شَامِلٌ مُعَاصِرٌ الجُزْءُ الرَّابِع تأليف الأستاذ الدكتور مَأْمُون حَمُّوش

стр. 2058

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 2059

التَّفْسِيْرُ المَأْمُونُ عَلَى مَنْهَجِ التَّنْزِيلِ والصَّحِيْحِ المَسْنُونِ

стр. 2060

جميع حقوق الطبع والتصوير محفوظة للمؤلف الطبعة الأولى ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م موافقة وزارة الإعلام رقم: ٩١٠٩٢ ورقم: ٩١٤٥١ تاريخ: ١٦/ ٧/ ٢٠٠٦ م دمشق - سورية يطلب من المؤلف دمشق هاتف: ٣٢١٨٤٧١ المدقق اللغوي الدكتور أحمد راتب حموش

стр. 2061

١١ - سُوْرَةُ هُوْدٍ وهي سورة مكية، وعدد آياتها (١٢٣) فضائلها وما ورد في ذكرها: لقد ورد ذكر هذه السورة في السنة الصحيحة في أحاديث: الحديث الأول: أخرج الترمذي بسند صحيح عن ابن عباس قال: قال أبو بكر: يا رسول الله قد شبت. قال: [شَيَّبَتْني هودٌ، والواقعةُ، والمُرْسلاتُ، وعمَّ يتساءلون، وإذا الشمس كُوِّرَتْ] (١). الحديث الثاني: أخرج الطبراني بسند صحيح عن عقبة بن عامر مرفوعًا: [شيبتني هود وأخواتها] (٢). الحديث الثالث: أخرج ابن مردويه عن أبي بكر مرفوعًا: [شيبتني هود وأخواتها قبلَ المشيب] (٣). الحديث الرابع: أخرج ابن مردويه، والخطيب في "تاريخ بغداد" - بسند حسن - عن عمران بن الحصين مرفوعًا: [شيَّبَتْني هود وأخواتها من المفصَّل] (٤).

стр. 2062

موضوع السورة قصص الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وسنن الله في الأمم - تألق هود ﵇ في إظهار منهج الولاء والبراء - - منهاج السورة - ١ - ثناء الله تعالى على القرآن العظيم، فقد أحكم منهاجه ونظمت آياته في نظام رصين. ٢ - غاية منهج البناء والإحكام في هذا الكتاب الكريم إفراد الله تعالى بالتعظيم، ورسوله ﷺ بالمتابعة والتأسي والتكريم. ٣ - أَثَرُ الاستغفار ببسط الله العيش والاستمتاع في العمر، وأما الإعراض فأثره بتعاسة الدنيا قبل شقاء الآخرة. ٤ - استخفاء المشركين ببَاطلهم ومكرهم والله مطلع على سرائرهم، وما من دابة إلا أمرها ورزقها ومنتهى سيرها قد علمه الله، ثم المرجع إليه، وسيحيق بالمشركين ما كانوا به يستهزئون. ٥ - تناقض سلوك الإنسان بين الشدة والرخاء، ولا ينجو من ذلك إلا أهل الإيمان والصبر على السراء والضراء. ٦ - تثبيت الله تعالى نبيّه ﷺ أمام تكذيب المشركين، وتحدّيهم بأن ياتوا بعشر سور مثله مستعينين بمن شاؤوا ليظهر الله عجزهم، فإن كتابه تعالى عزيز. ٧ - تحذير الله تعالى عباده من الرياء، فإن الرياء من أبواب الشرك. ٨ - إخبار الله تعالى عن خزي الكفار والمنافقين في مشهد الحشر يوم القيامة. ٩ - إخبار الله تعالى عن حال السعداء بعد ذكر حال الأشقياء، وتشبيه الفرق بين الحالين كحال الأعمى والبصير، والأصم والسميع. ١٠ - استعراض الله تعالى أخبار الرسل مع أقوامهم: فأول الرسل نوح ﷺ دعا قومه لإفراد الله تعالى بالتعظيم، وحذرهم من عذاب يوم أليم، فقابلوه بالتكذيب والاستهزاء، والاستخفاف بالأتباع، واستعجال العذاب.

стр. 2063

١١ - أمْرُ الله تعالى نوحًا ﵊ بصناعة الفلك أمام سخرية الكافرين، الذين سيحيق بهم الهلاك المبين. ١٢ - نزول أمر الله في قوم نوح، ونجاة نوح ﷺ ومن معه في السفينة، ومصير ابنه مع الكافرين الهالكين، وقيل بعدًا للقوم الظالمين. ١٣ - مناجاة نوح ربه لنجاة ولده، وتحذير الله له في سؤاله ما ليس له به علم. ١٤ - إخبار الله تعالى نبيّه محمدًا ﷺ أن هذه القصة من أخبار الغيب يقصها عليه الوحي لتكون عونًا له على الصبر والثبات. ١٥ - خبر هود ﷺ مع قومه عاد يدعوهم لإفراد الله تعالى بالتعظيم، ويحذرهم نقمة الله وحلول العذاب الأليم، ويدعوهم لاستغفاره تعالى فإن لوازم الاستغفار وفرة الرزق والخير والقوة والتمكين. ١٦ - مجادلة قوم هود نبيّهم بالباطل، وإعلانهم الكفر بما جاء به، ومقابلة هود ﷺ لهم بإعلانه البراءة من شركهم وتحديهم بكيدهم، ثم نزول نقمة الله بهم ونجاة المؤمنين. ١٧ - خبر صالح ﷺ مع ثمود، يدعوهم لإفراده تعالى بالتعظيم، وشكره على نعمه وِاستغفاره فهو الغفور الرحيم، ومقابلتهم له بالشك والاتهام، فأراهم ناقة الله آية فعَقروها، وحاق بهم العذاب والخراب. ١٨ - ذكر قصة لوط ﵇، ومجيء الرسل إبراهيم ﷺ بالبشرى، وتعجب امرأته وبشارة الله لها، ومجادلة إبراهيم لردّ العذاب عن قوم لوط: إنه حليم أواه منيب، ونزول أمر الله باستئصال القوم المجرمين. ١٩ - خبر شعيب ﷺ مع قومه، فقد دعاهم لإفراد الله تعالى بالعبادة والتعظيم، وترك التلاعب بالمكيال والموازين، فكذبوه فأخذهم الله بالصيحة والعذاب فأصبحوا في ديارهم جاثمين. ٢٠ - خبر موسى ﷺ مع فرعون، وغرق الطاغية ولعنه وجنده إلى يوم الدين. ٢١ - الاعتبار بالآثار الباقية من تلك القرى المُدَمَّرة: فمنها ما هو قائم بنيانه، بائد أهله، ومنها ما هو خراب دارس لا أثَرَ له ولمن كان يسكنه.

стр. 2064

٢٢ - الناس يوم القيامة فريقان: فريق في دار السعادة وهم أهل السعادة. وفريق في دار الشقاوة وهم أهل الشقاوة. ٢٣ - تسلية الله نبيّه ببلوغ الكتاب أجله، ثم العاقبة للمتقين، والدمار على الكافرين. وأمْرُهُ تعالى له وللمؤمنين بالاستقامة على المنهج وعدم الركون للظالمين. ٢٤ - توجيه الأمة لمنهاج النجاة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقلة المؤمنة هي الغالبة بإذن الله. ٢٥ - المشيئة لله، والغيب لله، والمرجع إليه، والتوكل عليه، وما الله بغافل عما تعملون. ° ° °

стр. 2065

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ٤. قوله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣) إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤)﴾. في هذه الآيات: هذا القرآن هو من جنس هذه الأحرف، قد أحكم منهاجه ونظمت آياته نظامًا رصينًا منسجمًا مع منهاج مقاصد هذا الدين العظيم، فلا يقع فيه نقص ولا خلل بل هو محكم البناء، ثم فصلت فيه أحكام الحلال والحرام، وما يترتب على ذلك من الوعد والوعيد، والثواب والعقاب، فهو من عند الحكيم في أقواله وأفعاله وقدره وشرعه، الخبير بشؤون خلقه وما يصلحهم. إنَّ غاية منهج البناء والإحكام والتفصيل في هذا الكتاب العظيم هو إفراد الله تعالى بالتعظيم، ورسول الله ﷺ على ذلك نذير وبشير. استغفروا ربكم - أيها الناس - وتوبوا إليه، يقابلكم ربكم ببسط في العيش واستمتاع في العمر، وإلا فالإعراض يقابله بعذاب يوم كبير، يوم ترجعون إلى الله العلي القدير. فقوله: ﴿الر﴾ - كسابقه في أوائل السور التي ابتدأها الله بحروف الهجاء. ومفاده التحدي والإعجاز - أي: إن هذا القرآن مؤلف من جنس هذه الأحرف التي تتخاطبون بها معشر العرب، وهو يتحداكم أن تأتوا بمثله أو بسورة نحوه. وقوله: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ - فيه قولان متكاملان: ١ - قال الحسن: (﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾، قال: أحكمت بالأمر والنهي، وفصلت بالثواب والعقاب). أو قال: (أحكمت في الأمر والنهي، وفصلت بالوعيد).

стр. 2066

٢ - قال قتادة: (أحكمها الله من الباطل، ثم فصلها بعلمه، فَبيَّنَ حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته). وقال مجاهد: ﴿فُصِّلَتْ﴾، قال: فُسِّرت). قال ابن كثير: (﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾، أي: هي محكمة في لفظها، مُفَصَّلةٌ في معناها، فهو كامل صورة ومعنى). وقال ابن جرير: (معناه: أحكم الله آياته من الدَّخل والخَلَل والباطل، ثم فَصَّلها بالأمر والنهي. وأما قوله: ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ فإن معناه: ﴿حَكِيمٍ﴾، بتدبير الأشياء وتقديرها، ﴿خَبِيرٍ﴾، بما تؤول إليه عواقبُها). وعن قتادة: (﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾، يقول: من عند حكيم خبير). قلت: والإحكام يشمل إحكام الآيات من الدَّخل والخلل والباطل، وإحكام منهج بيان هذه الآيات لمقاصد الشريعة، ثم فصلت قواعد الحلال والحرام، وأمور الثواب والعقاب. وقوله تعالى: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾. أي: إن هذا القرآن الذي أحكم منهاجه وفصلت آياته قد نزل لعبادة الله وحده وإفراده سبحانه بالتعظيم. قال النسفي: (﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ أي لئلا تعبدوا، أو أن مفسرة). والتقدير: قال لا تعبدوا إلا الله، أو أمركم ألا تعبدوا إلا الله. قال القاسمي: (وقوله تعالى: ﴿إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ كلام على لسان الرسول، أي إنني أنذركم، من الحكيم الخبير، عقابَ الشرك وتبعته، وأبشركم منه بثواب التوحيد وفائدته). وقوله: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾. أَمْرٌ من الله تعالى بالاستغفار من الذنوب السالفة والتوبة منها فيما يُستقبل، فإنكم إذا فعلتم ذلك قابلكم ربكم سبحانه ببسط العيش وَزينَتِه، والاستمتاع في العمر بطاعة الله، وما يؤدي إليها من العمل الصالح. قال قتادة: (﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: وهو الموت). قال ابن جرير: (فإنكم إذا فعلتم ذلك بسط عليكم من الدنيا، ورزقكم من زينتها، وأنسأ لكم في آجالكم إلى الوقت الذي قضى فيه عليكم الموت). وعن مجاهد: (﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾، قال: ما احتسب به من ماله أو عمل بيده أو رجله أو كلمة، أو ما تطوَّع به من أمره كله). أي يثيب كل من تفضل بعمل صالح مِنْ مَالِهِ أو قوته أو جهده على غيره، وهو يحتسب ذلك عند الله تعالى، فإن الله سبحانه قد وعد أهل الفضل بجزيل الثواب.

стр. 2067

وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩]. ومن كنوز السنة الصحيحة في آفاق هذا المفهوم أحاديث: الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي مسعودٍ عقبةَ بن عَمْرو الأنصاري البَدْريِّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [من دَلَّ على خَيْرٍ فله مِثْلُ أجْرِ فاعِلِهِ] (١). الحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [كُلُّ مَعْروفٍ صَدَقَةٌ] (٢). الحديث الثالث: أخرج الشيخان من حديث سعد بن أبي وقاص، قال له النبي ﷺ : [وإنك لن تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبتغي بها وَجْهَ الله إلا أُجِرْتَ عَليها حتى ما تجعلُ في في امرأتك]. وقال له: [إنك لن تُخَلَّفَ فتعملَ عملًا تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجةً ورِفعةً] (٣). ويروي ابن جرير بسنده عن سعيد بن جبير، عن ابن مسعود في قوله: ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾، قال: (من عمل سيئة كتبت عليه سيئة، ومن عمل حسنة كتبت له عشر حسنات. فإن عوقب بالسيئة التي كان عملها في الدنيا بقيت له عشر حسنات. وإن لم يعاقب بها في الدنيا أخذ من الحسنات العشر واحدة، وبقيت له تسع حسنات. ثم يقول: هلك من غلب آحاده أعشارَه). وقوله: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ - تهديد ووعيد لمن أدبر وأعرض عن طاعة الله وتعظيم حرماته، بأن العذاب ينتظره لا محالة يوم الحساب.

стр. 2068

وقوله تعالى: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. تأكيد ليوم الحساب والرجوع إلى الله سبحانه والوقوف بين يديه لنيل الثواب والعقاب، فهو القدير على الإحياء والإماتة والبعث من القبور ونشر صحف الأعمال وتفريق الخلق إلى فريقين: فريق في الجنة وفريق في السعير. ٥ - ٨. قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٥) وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨)﴾. في هذه الآيات: إِخْبَارُ الله تعالى عن سلوك المشركين وهم يستخفون بباطلهم والله مطلع على سرائرهم. إنه ما من دابة إلا ورزقها من عند الله، وقد علم منتهى سيرها ومأواها قبل خلقها. هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليختبركم - أيها الناس - أيكم أفضل عملًا، والكافرون منكرون للبعث مستهزئون بقدوم العذاب وهو واقع بهم لا محالة، وسيحيق بهم ما كانوا به يستهزئون. فقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾ - قال البخاري: ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾: شك وامتراءٌ في الحق. ﴿لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾: من الله إن استطاعوا). فكان أهل الجاهلية يفعلون ذلك جهلًا منهم بالله، وظنًا أن الله يخفى عليه ما تضمره صدورهم إذا فعلوا ذلك. والآية لها أكثر من تأويل عند المفسرين: التأويل الأول: هو ما سبق ذكره. قال ابن عباس: (يخفون ما في صدورهم من الشَّحناء والعداوة، ويظهرون خلافه). قال القرطبي: (﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾ أخبر عن معاداة المشركين

стр. 2069

للنبي ﷺ والمؤمنين، ويظنون أنه تخفى على الله أحوالهم. ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ أي يطوونها على عداوة المسلمين). التأويل الثاني: قال مجاهد: (﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ شكًا وامتراءً). وقال الحسن: (يثنونها على ما فيها من الكفر). وهو وجه من التأويل ذكره البخاري. التأويل الثالث: قيل: قال المنافقون إذا غلقنا أبوابنا، واستغشينا ثيابنا، وثَنَيْنَا صدورنا على عداوة محمد فمن يعلم بنا؟ فنزلت الآية. التأويل الرابع: قيل: إن قومًا من المسلمين كانوا يتنسّكون بستر أبدانهم ولا يكشفونها تحت السماء، فَبَيَّن الله تعالى أن التنسُّكَ ما اشتملت عليه قلوبهم من معتقد، وأظهروه من قول وعمل. وقد صح إسناد هذا إلى حبر الأمة ابن عباس ﵁ في أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه - عند تفسير هذه الآية - عن محمد بن عباد بن جعفر: أنه سمع ابن عباس يقرأ: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ قال: سألته عنها فقال: [أناسٌ كانوا يستخفون أنْ يَتَخَلَّوا فَيُفْضُوا إلى السماء، وأن يجامعوا نِساءهم فَيُفْضُوا إلى السماء، فنزل ذلك فيهم] (١). الحديث الثاني: أخرج البخاري - كذلك - عنه أن ابن عباس قرأ: (أَلَا إِنَّهُمْ تَثْنَوني صُدُورَهُمْ)، قلت: يا أبا العَبَّاس، ما تَثْنَوني صدورُهم؟ قال: [كان الرَّجُلُ يجامع امرأتَه فيستحي أو يَتَخَلَّى فيستَحي، فنزلت: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾] (٢). الحديث الثالث: أخرج البخاري عن سفيان: [حدّثنا عَمْروٌ قال: قرأ ابنُ عَبَّاس: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾. وقال غيره عن ابن عباس: ﴿يَسْتَغْشُونَ﴾: يغطون رؤوسهم] (٣). والخلاصة: يحتمل البيان الإلهي لهذه الآية المعاني السابقة من التأويل، وهو من إعجاز هذا الوحي العظيم، الذي يضم جوامع الكلم ويشع بنوره وهديه إلى آفاق شتى من خلاف التنوع لا التضاد.

стр. 2070

وقوله: ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. - فيه أكثر من تأويل: التأويل الأول: قال ابن عباس: (﴿يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾: يُغَطُون رؤوسهم) - أخرجه البخاري. التأويل الثاني: قال قتادة: (﴿يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾ قال: أخفى ما يكون الإنسان إذا أسَرَّ في نفسه شيئًا وتَغَطّى بثوبه، فذلك أخفى ما يكون، والله يطلع على ما في نفوسهم والله يعلم ما يسرُّون وما يعلنون). وبنحوه ذكر عكرمة عن ابن عباس قال: (الشك في الله، وعمل السيئات، فيستغشي ثيابه، ويستكنّ من الله، والله يراه، ويعلم ما يسرون وما يعلنون). وقال: (﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾، يقول: يكتمون ما في قلوبهم، ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾، يعلم ما عملوا بالليل والنهار). التأويل الثالث: قال ابن أبي مليكة: سمعت ابن عباس يقرأ: "ألا إنهم تَثْنَوني صدورهم"، قال: (كانوا لا يأتون النساء ولا الغائط إلا وقد تغشوا بثيابهم، كراهة أن يُفْضُوا بفروجهم إلى السماء) - وبنحوه روى البخاري. التأويل الرابع: عن مجاهد والحسن: (أي إنهم كانوا يثنون صدورهم إذا قالوا شيئًا أو عملوه، يظنون أنهم يستخفون من الله بذلك، فأخبرهم الله تعالى أنهم حين يستغشون ثيابهم عند منامِهم في ظلمة الليل، ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ﴾ من القول: ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، أي: يعلم ما تُكِنُّ صدورُهم من النيات والضمائر والسرائر) - ذكره ابن كثير، وهو يشبه التأويل الثاني. قلت: والبيان الإلهي يحتمل آفاق هذه المعاني كلها، وهو من إعجاز هذا الوحي العظيم. وقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾. إخبار من الله تعالى أنه متكفِّل بأرزاق خلقه من جميع أصناف الدواب في الأرض، إنْسيها وجِنِّيها، بَحريها وبَرِّيها، صغيرها وكبيرها. وأنه تعالى يعلم منتهى سيرها ومأواها قبل خلقها وبعد إخراجها من أصلاب ذكورها وأرحام إناثها، وكل ذلك مكتوب عنده سبحانه في اللوح المحفوظ.
следующие страницы →