٢ - قال قتادة: (أحكمها الله من الباطل، ثم فصلها بعلمه، فَبيَّنَ حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته). وقال مجاهد: ﴿فُصِّلَتْ﴾، قال: فُسِّرت).
قال ابن كثير: (﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾، أي: هي محكمة في لفظها، مُفَصَّلةٌ في معناها، فهو كامل صورة ومعنى).
وقال ابن جرير: (معناه: أحكم الله آياته من الدَّخل والخَلَل والباطل، ثم فَصَّلها بالأمر والنهي. وأما قوله: ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ فإن معناه: ﴿حَكِيمٍ﴾، بتدبير الأشياء وتقديرها، ﴿خَبِيرٍ﴾، بما تؤول إليه عواقبُها). وعن قتادة: (﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾، يقول: من عند حكيم خبير).
قلت: والإحكام يشمل إحكام الآيات من الدَّخل والخلل والباطل، وإحكام منهج بيان هذه الآيات لمقاصد الشريعة، ثم فصلت قواعد الحلال والحرام، وأمور الثواب والعقاب.
وقوله تعالى: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾.
أي: إن هذا القرآن الذي أحكم منهاجه وفصلت آياته قد نزل لعبادة الله وحده وإفراده سبحانه بالتعظيم. قال النسفي: (﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ أي لئلا تعبدوا، أو أن مفسرة). والتقدير: قال لا تعبدوا إلا الله، أو أمركم ألا تعبدوا إلا الله. قال القاسمي: (وقوله تعالى: ﴿إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ كلام على لسان الرسول، أي إنني أنذركم، من الحكيم الخبير، عقابَ الشرك وتبعته، وأبشركم منه بثواب التوحيد وفائدته).
وقوله: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾. أَمْرٌ من الله تعالى بالاستغفار من الذنوب السالفة والتوبة منها فيما يُستقبل، فإنكم إذا فعلتم ذلك قابلكم ربكم سبحانه ببسط العيش وَزينَتِه، والاستمتاع في العمر بطاعة الله، وما يؤدي إليها من العمل الصالح. قال قتادة: (﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: وهو الموت). قال ابن جرير: (فإنكم إذا فعلتم ذلك بسط عليكم من الدنيا، ورزقكم من زينتها، وأنسأ لكم في آجالكم إلى الوقت الذي قضى فيه عليكم الموت).
وعن مجاهد: (﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾، قال: ما احتسب به من ماله أو عمل بيده أو رجله أو كلمة، أو ما تطوَّع به من أمره كله).
أي يثيب كل من تفضل بعمل صالح مِنْ مَالِهِ أو قوته أو جهده على غيره، وهو يحتسب ذلك عند الله تعالى، فإن الله سبحانه قد وعد أهل الفضل بجزيل الثواب.
стр. 2067
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩].
ومن كنوز السنة الصحيحة في آفاق هذا المفهوم أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي مسعودٍ عقبةَ بن عَمْرو الأنصاري البَدْريِّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [من دَلَّ على خَيْرٍ فله مِثْلُ أجْرِ فاعِلِهِ] (١).
الحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [كُلُّ مَعْروفٍ صَدَقَةٌ] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الشيخان من حديث سعد بن أبي وقاص، قال له النبي ﷺ : [وإنك لن تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبتغي بها وَجْهَ الله إلا أُجِرْتَ عَليها حتى ما تجعلُ في في امرأتك]. وقال له: [إنك لن تُخَلَّفَ فتعملَ عملًا تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجةً ورِفعةً] (٣).
ويروي ابن جرير بسنده عن سعيد بن جبير، عن ابن مسعود في قوله: ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾، قال: (من عمل سيئة كتبت عليه سيئة، ومن عمل حسنة كتبت له عشر حسنات. فإن عوقب بالسيئة التي كان عملها في الدنيا بقيت له عشر حسنات. وإن لم يعاقب بها في الدنيا أخذ من الحسنات العشر واحدة، وبقيت له تسع حسنات. ثم يقول: هلك من غلب آحاده أعشارَه).
وقوله: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ - تهديد ووعيد لمن أدبر وأعرض عن طاعة الله وتعظيم حرماته، بأن العذاب ينتظره لا محالة يوم الحساب.
стр. 2068
وقوله تعالى: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. تأكيد ليوم الحساب والرجوع إلى الله سبحانه والوقوف بين يديه لنيل الثواب والعقاب، فهو القدير على الإحياء والإماتة والبعث من القبور ونشر صحف الأعمال وتفريق الخلق إلى فريقين: فريق في الجنة وفريق في السعير.
٥ - ٨. قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٥) وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨)﴾.
في هذه الآيات: إِخْبَارُ الله تعالى عن سلوك المشركين وهم يستخفون بباطلهم والله مطلع على سرائرهم. إنه ما من دابة إلا ورزقها من عند الله، وقد علم منتهى سيرها ومأواها قبل خلقها. هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليختبركم - أيها الناس - أيكم أفضل عملًا، والكافرون منكرون للبعث مستهزئون بقدوم العذاب وهو واقع بهم لا محالة، وسيحيق بهم ما كانوا به يستهزئون.
فقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾ - قال البخاري: ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾: شك وامتراءٌ في الحق. ﴿لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾: من الله إن استطاعوا).
فكان أهل الجاهلية يفعلون ذلك جهلًا منهم بالله، وظنًا أن الله يخفى عليه ما تضمره صدورهم إذا فعلوا ذلك. والآية لها أكثر من تأويل عند المفسرين:
التأويل الأول: هو ما سبق ذكره. قال ابن عباس: (يخفون ما في صدورهم من الشَّحناء والعداوة، ويظهرون خلافه).
قال القرطبي: (﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾ أخبر عن معاداة المشركين
стр. 2069
للنبي ﷺ والمؤمنين، ويظنون أنه تخفى على الله أحوالهم. ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ أي يطوونها على عداوة المسلمين).
التأويل الثاني: قال مجاهد: (﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ شكًا وامتراءً). وقال الحسن: (يثنونها على ما فيها من الكفر). وهو وجه من التأويل ذكره البخاري.
التأويل الثالث: قيل: قال المنافقون إذا غلقنا أبوابنا، واستغشينا ثيابنا، وثَنَيْنَا صدورنا على عداوة محمد فمن يعلم بنا؟ فنزلت الآية.
التأويل الرابع: قيل: إن قومًا من المسلمين كانوا يتنسّكون بستر أبدانهم ولا يكشفونها تحت السماء، فَبَيَّن الله تعالى أن التنسُّكَ ما اشتملت عليه قلوبهم من معتقد، وأظهروه من قول وعمل. وقد صح إسناد هذا إلى حبر الأمة ابن عباس ﵁ في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه - عند تفسير هذه الآية - عن محمد بن عباد بن جعفر: أنه سمع ابن عباس يقرأ: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ قال: سألته عنها فقال: [أناسٌ كانوا يستخفون أنْ يَتَخَلَّوا فَيُفْضُوا إلى السماء، وأن يجامعوا نِساءهم فَيُفْضُوا إلى السماء، فنزل ذلك فيهم] (١).
الحديث الثاني: أخرج البخاري - كذلك - عنه أن ابن عباس قرأ: (أَلَا إِنَّهُمْ تَثْنَوني صُدُورَهُمْ)، قلت: يا أبا العَبَّاس، ما تَثْنَوني صدورُهم؟ قال: [كان الرَّجُلُ يجامع امرأتَه فيستحي أو يَتَخَلَّى فيستَحي، فنزلت: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾] (٢).
الحديث الثالث: أخرج البخاري عن سفيان: [حدّثنا عَمْروٌ قال: قرأ ابنُ عَبَّاس: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾. وقال غيره عن ابن عباس: ﴿يَسْتَغْشُونَ﴾: يغطون رؤوسهم] (٣).
والخلاصة: يحتمل البيان الإلهي لهذه الآية المعاني السابقة من التأويل، وهو من إعجاز هذا الوحي العظيم، الذي يضم جوامع الكلم ويشع بنوره وهديه إلى آفاق شتى من خلاف التنوع لا التضاد.
стр. 2070
وقوله: ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. - فيه أكثر من تأويل:
التأويل الأول: قال ابن عباس: (﴿يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾: يُغَطُون رؤوسهم) - أخرجه البخاري.
التأويل الثاني: قال قتادة: (﴿يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾ قال: أخفى ما يكون الإنسان إذا أسَرَّ في نفسه شيئًا وتَغَطّى بثوبه، فذلك أخفى ما يكون، والله يطلع على ما في نفوسهم والله يعلم ما يسرُّون وما يعلنون).
وبنحوه ذكر عكرمة عن ابن عباس قال: (الشك في الله، وعمل السيئات، فيستغشي ثيابه، ويستكنّ من الله، والله يراه، ويعلم ما يسرون وما يعلنون). وقال: (﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾، يقول: يكتمون ما في قلوبهم، ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾، يعلم ما عملوا بالليل والنهار).
التأويل الثالث: قال ابن أبي مليكة: سمعت ابن عباس يقرأ: "ألا إنهم تَثْنَوني صدورهم"، قال: (كانوا لا يأتون النساء ولا الغائط إلا وقد تغشوا بثيابهم، كراهة أن يُفْضُوا بفروجهم إلى السماء) - وبنحوه روى البخاري.
التأويل الرابع: عن مجاهد والحسن: (أي إنهم كانوا يثنون صدورهم إذا قالوا شيئًا أو عملوه، يظنون أنهم يستخفون من الله بذلك، فأخبرهم الله تعالى أنهم حين يستغشون ثيابهم عند منامِهم في ظلمة الليل، ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ﴾ من القول: ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، أي: يعلم ما تُكِنُّ صدورُهم من النيات والضمائر والسرائر) - ذكره ابن كثير، وهو يشبه التأويل الثاني.
قلت: والبيان الإلهي يحتمل آفاق هذه المعاني كلها، وهو من إعجاز هذا الوحي العظيم.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.
إخبار من الله تعالى أنه متكفِّل بأرزاق خلقه من جميع أصناف الدواب في الأرض، إنْسيها وجِنِّيها، بَحريها وبَرِّيها، صغيرها وكبيرها. وأنه تعالى يعلم منتهى سيرها ومأواها قبل خلقها وبعد إخراجها من أصلاب ذكورها وأرحام إناثها، وكل ذلك مكتوب عنده سبحانه في اللوح المحفوظ.
стр. 2071
قال ابن عباس: (﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ قال: كل دابة). وقال الضحاك: (يعني كل دابة، والناس منهم).
وقال مجاهد: (﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾، قال: ما جاءها من رزق فمن الله، وربما لم يرزقها حتى تموت جوعًا، ولكن ما كان من رزق فمن الله).
ومن أقوال أهل التأويل في المستقر والمستودع:
١ - عن ابن عباس: (﴿مُسْتَقَرَّهَا﴾، حيث تأوي، ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾، حيث تموت).
٢ - وعن مجاهد: (﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا﴾، في الرحم، ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾، في الصلب، مثل التي في "الأنعام").
٣ - وعن إبراهيم، عن عبد الله: (المستقر: الرحم، والمستودع: المكان الذي تموت فيه).
٤ - وقال الربيع بن أنس: (مستقرها: أيام حياتها، ومستودعها: حيث تموت، ومن حيث تُبْعث).
قال ابن جرير: (ويعني بقوله: ﴿كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾، مبين عدد كل دابة، ومبلغ أرزاقها، وقدر قرارها في مستقرها، ومدّة لبثها في مستودعها. كل ذلك في كتاب عند الله مثبت مكتوب، ﴿مُبِينٍ﴾، يبين لمن قرأه أن ذلك مثبت مكتوب قبل أن يخلقها ويوجدها. وهذا إخبارٌ من الله جل ثناؤه الذين كانوا يثنون صدورهم ليستخفوا منه، أنه قد علم الأشياء كلها وأثبتها في كتاب عنده قبل أن يخلقها ويوجدها).
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)﴾ [الأنعام: ٣٨].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩].
ومن كنوز السنة الصحيحة في آفاق هذا المعنى أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو قال: قال
стр. 2072
رسول الله ﷺ : [إن الله كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء] (١).
الحديث الثاني: أخرج أبو نعيم في الحلية بسند حسن عن جابر، عن النبي ﷺ قال: [لو أن ابن آدم هرب من رزقه كما يهرب من الموت، لأدركه رزقه كما يدركه الموت] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الترمذي في جامعه بسند صحيح أن النبي ﷺ قال لابن عمه ابن عباس: [يا غلام، إني أعلمك كلمات، احفظ الله يَحْفَظْكَ، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، جفت الأقلام ورفعت الصحف] (٣).
وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾.
إِخْبَارٌ من الله تعالى عن بدء الخلق، إذ خلق سبحانه السماوات والأرض وما فيهن في هذه الأيام الستة، وكان عرشه على الماء. قال ابن عباس: (إنما سمي العرش عرشًا لارتفاعه). وغاية الخلق هي عبادة الله تعالى، والاختبار يكون على ذلك: أيكم أحسن له طاعة وشكرًا.
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)﴾ [ص: ٢٧].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦].
٣ - وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ
стр. 2073
الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)﴾ [المؤمنون: ١١٥, ١١٦].
٤ - وقال تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣)﴾ [فصلت: ٩ - ١٣].
وفي السنة الصحيحة آفاق هذه المعاني في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه، وأحمد في مسنده، عن أبي هريرة قال: [أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال: خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يومَ الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبثَّ فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة، في آخر الخلق، في آخر ساعةٍ من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل] (١).
الحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه من حديث عِمرانَ بن حُصَيْنٍ ﵄ قال: [دخلت على النبي ﷺ وعَقَلْتُ ناقتي بالباب، فأتاه ناسٌ من بني تميم فقال: اقبلوا البشرى يا بني تميم، قالوا: قد بَشَّرْتَنا فأعْطِنا، مَرَّتين، ثم دخل عليه ناسٌ من اليمن فقال: اقبلوا البُشْرى يا أهل اليمن أن لمْ يقبَلْها بنو تميم، قالوا: قبلنا يا رسول الله، قالوا: جِئْنَا نَسْأَلُكَ عن هذا الأمر، قال: كان الله ولم يكُنْ شيءٌ غيرُهُ، وكان عرشُهُ على الماء، وكتب في الذكر كُلَّ شيءٍ، وخلقَ السماوات والأرض] (٢).
الحديث الثالث: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: [قال الله : أَنْفِقْ أُنْفِقْ عليك، وقال: يدُ الله ملأى لا يَغيضُها نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ الليلَ والنهارَ. وقال: أرأيتم ما أنفقَ مُنْذُ خَلَقَ السماء والأرضَ
стр. 2074
فإنه لم يَغِضْ ما في يده، وكان عرشه على الماء، وبيده الميزانُ يخفضُ ويرفع] (١).
الحديث الرابع: أخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن أبي ذر الغفاري قال: قال رسول الله ﷺ : [ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة] (٢).
وقوله: ﴿وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : ولئن قلت لهؤلاء المشركين من قومك: إنكم مبعوثون أحياء من بعد مماتكم! فتلوت عليهم بذلك تنزيلي ووحيي، ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾، أي: ما هذا الذي تتلوه علينا مما تقول، إلا سحر مبينٌ لسامعه عن حقيقته أنه سحر).
وقوله: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾. قال ابن عباس: (﴿إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾: إلى أجل محدود) (٣). وقال مجاهد: (إلى حين). وقال ابن جريج: (﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ يقول: أمسكنا عنهم العذاب. ﴿لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾، قال: للتكذيب به، أو إنه ليس بشيء).
وأصل الأمة الجماعة من الناس تجتمع على مذهب ودين، ثم تستعمل في معان كثيرة، منها السنون المعدودة والحين. قال ابن جرير: (وإنما قيل للسنين "المعدودة" والحين، في هذا الموضع ونحوه: ﴿أُمَّةٍ﴾، لأن فيها تكون الأمة).
وقوله: ﴿أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. أي: ألا يوم يأتيهم العذاب، فينزل بهؤلاء الشاكين المكذبين، فهنالك ليس يصرفه عنهم صارف، ولا ينجيهم منه منقذ، بل يحل بهم فيهلكهم وليس له دافع، ويحيط بهم جزاء ما كانوا به يستهزئون.
قال مجاهد: (﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، قال: ما جاءت به أنبياؤهم من الحق).
стр. 2075
٩ - ١١. قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١)﴾.
في هذه الآيات: إخبار الله تعالى عن سلوك فاسد يصيب الإنسان، فهو ما أسرعه إلى اليأس عند نزع النعمة منه، وما أسرعه إلى العجب والغرور عند نزول النعمة به بعد الضراء التي مسته، وما يسلم من هذا الخلق الذميم، إلا أهل الصبر والعمل الصالح الذين غفر الله لهم وأعدّ لهم الأجر الكريم.
فقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾. قال ابن جريج: (يا ابن آدم، إذا كانت بك نعمة من الله من السعة والأمن والعافية، فكفور لما بك منها. وإذا نزعت منك نبتغي قَدْعك (١) وعقلك، فيؤوس من روح الله قنوط من رحمته. كذلك المرء المنافق والكافر).
وهذه الآية في ذكر بعض الصفات الذميمة التي تعتري الإنسان - إلا من رفعه الله بالتقوى - فإنه إن فقد نعمة عاشها طويلًا أصابه اليأس والقنوط مِمّا يستقبل من الخير، ونسي الماضي الذاخر بالفضل والنعم والعطاء، وربما أساء الظن بالله تعالى.
قال ابن جرير: (﴿إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾، يقول: يظل قَنِطًا من رحمة الله، آيسًا من الخير. هو كفور لمن أنعم عليه، قليل الشكر لربّه المتفضّل عليه بما كان وَهَبَ له من نعمته).
وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. هو كما في التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
стр. 2076
٢ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾ [المعارج: ١٩ - ٢٢].
قال ابن جريجِ: (﴿ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي﴾، غِرّة بالله وجراءة عليه، ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ﴾، والله لا يحب الفرحين، ﴿فَخُورٌ﴾، بعدما أعطي، وهو لا يشكر الله. ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ عند البلاء، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، عند النعمة، ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾، لذنوبهم، ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾، قال: الجنة).
قال ابن كثير: (وهكذا إن أصابته نعمةٌ بعد نِقمة ﴿لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي﴾، أي: يقول: ما ينالني بعد هذا ضيمٌ ولا سوءٌ، ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾، أي: فَرِحٌ بما في يده، بَطِرٌ فخورٌ على غيره. قال الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾، أي: في الشدائد والمكاره، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: في الرَّخاء والعافية، ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾، أي: بما يصيبهم من الضرَّاء، ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾، بما أسلفوه في زمن الرخاء).
وقد حفلت السنة الصحيحة بذكر آفاق هذه المعاني في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن صهيب قال: قال رسول الله ﷺ : [عجبًا لأمر المؤمن، إنّ أمره كُلَّهُ له خيرٌ، وليسَ ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سَرَّاء شكَرَ، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرَّاء صَبَر، فكان خيرًا له] (١).
الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند، والدارمي في السنن، بسند صحيح عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب قال: [بينا رسول الله ﷺ قاعد مع أصحابه إذ ضحك، فقال: ألا تسألوني مم أضحك؟ قالوا: يا رسول الله! ومم تضحك؟ قال: عجبت لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، إن أصابه ما يحب حمد الله وكان له خير، وإن أصابه ما يكره فصبر كان له خير، وليس كل أحد أمره كله خير إلا المؤمن] (٢).
الحديث الثالث: أخرج عبد الله بن أحمد في مسند أبيه بسند رجاله ثقات، عن
стр. 2077
أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : [عجبًا للمؤمن لا يقضى الله له شيئًا إلا كان خيرًا له] (١).
وفي لفظ: [عجبت للمؤمن إن الله تعالى لم يقضِ له قضاءً إلا كان خيرًا له].
الحديث الرابع: أخرج البيهقي والطيالسي بسند صحيح عن سعد مرفوعًا: [عجبت للمسلم إذا أصابته مصيبة احتسب وصبر، وإذا أصابه خيرٌ حمد الله وشكر، إن المسلم يؤجر في كل شيء حتى في اللقمة يرفعها إلى فيه] (٢).
الحديث الخامس: أخرج البخاري عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : [ما مِنْ مصيبة تُصيبُ المسلمَ إلا كَفَّرَ الله بها عنه حتى الشوكةُ يشاكُها] (٣).
الحديث السادس: أخرج الشيخان وأحمد والترمذي عن أبي سعيد الخدري، وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [ما يُصيبُ المُسلمَ مِنْ نَصَبٍ ولا وَصَبٍ ولا هَمٍّ ولا حَزَنٍ، ولا أذىً، ولا غَمٍّ - حتى الشوكة يُشاكها- إلا كفَّر الله بها من خطاياه] (٤).
١٢ - ١٤. قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤)﴾.
في هذه الآيات: خِطَابٌ من الله تعالى ذكره لنبيه ﷺ : فلعلك - يا محمد - تارك بلاغ
стр. 2078
بعض ما يوحى إليك وضائق صدرك ببعض هذا الوحي الذي أمرت بتبليغه مخافة أن يقولوا: أين المال أو الكنز الذي أنزل معه أو الملك الذي جاء مصدقًا له من الله بأنه رسول، فاعلم أنه إنما أنت نذير لقومك والله القيم على الأمور والتدبير. أم يقولون لك - يا محمد - افتريت هذا القرآن! فقل: الله يتحداكم بأن تأتوا بعشر سور مثله مستعينين بمن شئتم من دون الله إن كنتم صادقين. فإن أخفقوا وعجزوا فاعلموا - أيها المؤمنون - وازدادوا إيمانًا أن هذا القرآن منزل من الله بعلمه، وهو الإله الواحد لا شريك له فهل أنتم حقًا مسلمون.
فقوله: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾.
قال مجاهد: (قال الله لنبيه: فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك أن تفعل فيه ما أمرت، وتدعو إليه كما أرسلت. قالوا: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ﴾، لا نرى معه مالًا! أين المال؟ ﴿أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ ينذر معه! ، ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾، فبلغ ما أمرت).
وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾. قال ابن جرير: (يقول: والله القيم بكل شيء، وبيده تدبيره، فانفذ لما أمرتك به، ولا تمنعك مسألتهم إياك الآيات من تبليغهم وحيي، والنفوذ لأمري).
وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
قال ابن جريج: (﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾، قد قالوه، ﴿أَقُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾، وادعوا شهداءكم، قال: يشهدون أنها مثله).
وقوله تعالى: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
قال ابن كثير: (أي فإن لم يأتوا بمعارضة ما دعوتموهم إليه، فاعلموا أنهم عاجزون عن ذلك، وأن هذا الكلام منزَّلٌ من عند الله، متضمِّنٌ عِلمَهُ وأمرَه ونَهْيَه، ﴿وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾).
وعن مجاهد: (﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ قال: لأصحاب محمد ﷺ ).
стр. 2079
١٥ - ١٧. قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦) أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١٧)﴾.
في هذه الآيات: تحذير الله تعالى عباده من الرياء. فإنه من كان يريد بعمل الآخرة الدنيا يعجل الله له ثوابه فيها وليس له في الآخرة من نصيب. أفمن كان على صفاء الفطرة، ونور الوحي: القرآن، والتوراة من قبله، كمن يكفر بهذا القرآن من مشركي مكة ومن سيجيء على منهاجهم، ممن هم إلى النار مصيرهم. فاثبت - يا محمد - فإن هذا القرآن حق، ووعد الله ووعيده حق، ولكن أكثر الناس غافلون غير مصدقين.
فقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ الآية.
قال مجاهد: (من عمل عملًا مما أمَرَ الله به، من صلاة أو صدقة، لا يريد بها وجه الله، أعطاه الله في الدنيا ثوابَ ذلك مثلَ ما أنفق، فذلك قوله: ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾، في الدنيا، ﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾، أجر ما عملوا فيها، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا﴾، الآية).
وقوله: ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
قال ابن عباس: (قوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾، الآية، وهي ما يعطيهم الله من الدنيا بحسناتهم، وذلك أنهم لا يظلمون نقيرًا. يقول: من عمل صالحًا التماس الدنيا، صومًا أو صلاة أو تهجدًا بالليل، لا يعمله إلا لالتماس الدنيا، يقول الله: أوفّيه الذي التمس في الدنيا من المثابة، وحبط عمله الذي كان يعملُ التماس الدنيا، وهو في الآخرة من الخاسرين).
وهذه الآية حرب على الرياء وأهله لو كانوا يفقهون، وحرب على النفاق وأهله لو كانوا يعلمون، فإنه لا ينفع من العمل إلا ما التمس به وجه الله تعالى.
стр. 2080
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ [الشعراء: ٨٨، ٨٩].
٢ - وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠)﴾ [الشورى: ٢٠].
٣ - وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١)﴾ [الإسراء: ١٨ - ٢١].
ومن كنوز السنة الصحيحة في معنى هاتين الآيتين أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك، أنه حَدَّثَ عن رسول الله ﷺ : [إن الكافِرَ إذا عَمِلَ حَسنَةً أُطْعِمَ بها طُعْمَةً من الدنيا، وأما المؤمن فإن الله يَدَّخِرُ له حسناتِه في الآخرة ويُعْقِبُهُ رِزْقًا في الدنيا على طاعته] (١).
الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه، وأحمد في مسنده، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنته، يعطى بها (وفي رواية: يثاب عليها الرزق في الدنيا) ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزى بها] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الترمذي وابن حبان عن الوليد بن أبي الوليد أبي عثمان المديني أن عُقْبَةَ بنَ مسلم حدَّثه، أن شُفَيًّا الأصبحي حدثه: [أنه دخل المدينة فإذا هو برجل قد اجتمع عليه الناسُ، فقال: من هذا؟ قالوا: أبو هريرة، قال: فدنوت منه، حتى قعدتُ بين يديه، وهو يحدث الناس، فلما سكت وخلا، قلت له: أسألك بحقّ وبحقّ، لمّا حَدَّثتني حدِيثًا سمعته من رسول الله ﷺ وعَقِلْتَهُ وعَلِمْتَه، فقال أبو هريرة: أفعلُ، لأُحَدِّثَنَكَ حديثًا حَدَّثنيه رسول الله ﷺ عَقِلْتُهُ وعلمتُهُ، ثم نشغَ أبو هريرة نشغة
стр. 2081
فمكثنا قليلًا ثم أفاق، فقال: لأحدِّثَنَك حديثًا حدثنيه رسول الله ﷺ أنا وهو في هذا البيت، ما معنا أحدٌ غيري وغيرُه، ثم نَشَغَ أبو هريرة نشغةً أخرى، ثم أفاق ومسح عن وجهه، فقال: أفعلُ، لأحدِّثنك حديثًا حدثنيه رسول الله ﷺ أنا وهو في هذا البيت، ما معنا أحدٌ غيري وغيره، ثم نَشَغَ أبو هريرة نشغةً شديدة، ثم مال خارًّا على وجهه، فأسندته طويلًا، ثم أفاق، فقال: حدثني رسول الله ﷺ :
إن الله ﵎ إذا كان يومُ القيامة، ينزِلُ إلى العباد، ليقضي بينهم، وكُلُّ أمة جاثية، فأول من يُدعى به رجلٌ جمع القرآن، ورجلٌ قُتِلَ في سبيل الله، ورجلٌ كثير المال، فيقول الله للقارئ: ألم أُعلِّمكَ ما أنزلتُ على رسولي؟ قال: بلى يا ربِّ، قال: فما عملتَ فيما عَلِمتَ؟ قال: كنت أقومُ به آناء الليل وآناء النهار، فيقول الله له: كَذَبْتَ، وتقول له الملائكة: كذَبْتَ، ويقول الله ﵎: بل أردت أن يقال فلان قارئ، وقد قيل ذلك.
ويؤتى بصاحب المال، فيقول الله : ألم أُوسِع عليك حتى لم أَدَعْكَ تحتاجُ إلى أحدٍ؟ قال: بلى يا ربِّ، قال: فماذا عَمِلتَ فيما آتيتُك؟ قال: كنتُ أصِلُ الرحمَ وأتصدقُ. فيقول الله له: كَذَبْتَ، وتقول الملائكة: كَذَبْتَ، ويقول الله ﵎، بل أردتَ أن يقال: فلانٌ جوادٌ، وقد قيل ذلك.
ويؤتى بالذي قُتِلَ في سبيل الله، فيقول الله له: فيماذا قُتِلتَ؟ فيقول: أي ربِّ! أَمَرْتَ بالجهاد في سبيلك فقاتلتُ حتى قُتِلتُ، فيقول الله له: كذَبْتَ، وتقول الملائكة: كذبْتَ، ويقول الله: بل أردْتَ أن يقالَ: فلانٌ جريءٌ، فقد قيل ذلك.
ثم ضرب رسول الله ﷺ على ركبتي فقال: يا أبا هريرة أولئك الثلاثةُ أولُ خلق الله تُسْعر بهم النار يومَ القيامة.
قال الوليدُ أبو عثمان المديني: وأخبرني عُقبة أن شُفَيًّا هو الذي دخل على معاوية فأخبره بهذا، قال أبو عثمان: وحدثني العلاء بن أبي حكيم أنه كان سيّافًا لمعاوية قال: فدخل عليه رجلٌ فأخبره بهذا عن أبي هريرة. فقال معاوية: قد فُعِلَ بهؤلاء هذا، فكيف بمنْ بَقِيَ مِنَ الناس؟ ثم بكى معاوية بكاء شديدًا، حتى ظَننّا أنه هالك، وقلنا: قد جاءنا هذا الرجل بِشَرٍّ. ثم أفاق معاوية، ومسح عن وجهه، وقال: صدق الله ورسوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ
стр. 2082
لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾] (١).
وقوله: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ﴾.
قال ابن كثير: (يخبر تعالى عن حال المؤمنين الذين هم على فطرة الله تعالى التي فطر عليها عبادَه، من الاعتراف له بأنه لا إله إلا هو، كما قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠]).
قلت: فالفطرة نور، والوحي نور، والمؤمن في نور على نور: نور الوحي على نور الفطرة.
ومن كنوز السنة الصحيحة في آفاق هذا المعنى أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عياض بن حِمار، عن رسول الله ﷺ قال: [يقول الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحَرَّمت عليهم ما أحْلَلْتُ لهم، وأمرتهم أن يشركوا بني ما لم أنزل به سلطانًا] (٢).
الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد والنسائي بسند حسن عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: [أخذ الله ﵎ الميثاق من ظهر آدم بنعمان - يعني عرفة - (وفي رواية: يوم عرفة) فأخرج في صُلبِه كل ذرية ذرأها فنثرهم بين يديه كالذّر ثم كلمهم قبلًا قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣)﴾ [الأعراف: ١٧٢, ١٧٣]] (٣).
الحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 2083
[كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يُهَوِّدانه أو يُنَصِّرانه أو يُمَجِّسَانه، كما تُولد البهيمة بهيمةً جمعاء، هل تُحِسَّون فيها من جَدْعاء] (١). - زاد عبد الرزاق في رواية: [ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾].
قلت: وهذه الفطرة هي نتيجة من نتائج ذلك الميثاق الذي أخذه الله على ذرية آدم ﵇، وأشهد الخلق أمام أبيهم أنه لا حجة لهم أن يشركوا بالله شيئًا وحذرهم من أمرين:
١ - أن يدّعوا الغفلة.
٢ - أن يدّعوا التقليد.
الحديث الرابع: أخرج الطبراني بسند صحيح عن الأسود بن سريع مرفوعًا: [كل مولود يولد على الفطرة - وفي لفظ: على هذه الملة -، حتى يُعْربَ عنْهُ لسانُه، فأبواه يهوِّدانه، أو يُنَصِّرَانه، أو يمجِّسانه] (٢).
وعن ابن عباس: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾: إنه جبريل ﵇. وقال قتادة: (هو محمد ﷺ ) - والمعنى متكامل، فجبريل مبلغ عن الله إلى محمد ﷺ الذي هو مبلغ لجميع الأمة.
وقوله: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾.
قال النسفي: (﴿وَمِنْ قَبْلِهِ﴾ ومن قبل القرآن ﴿كِتَابُ مُوسَى﴾ وهو التوراة، أي ويتلو ذلك البرهان أيضًا من قبل القرآن كتاب موسى ﵇ ﴿إِمَامًا﴾ كتابًا مؤتمًا به في الدين قدوة فيه ﴿وَرَحْمَةً﴾ ونعمة عظيمة على المنزل إليهم - وهما حالان (٣) - ﴿أُولَئِكَ﴾ أي: من كان على بينة ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ بالقرآن).
وقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾.
قال قتادة: (﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾، قال: الكفار أحزاب كلهم على الكفر). وعن سعيد بن جبير: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾، قال: من الملل كلها).
стр. 2084
أي: ومن يكفر بهذا القرآن من أهل مكة والمتحزبين من المشركين على رسول الله ﷺ ، وكذلك ممن جاء بعدهم من ملل الباطل فقد وعدهم الله جميعًا نار جهنم.
وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: [والذي نَفْسُ محمد بيده! لا يَسْمَعُ بي أحَدٌ من هذه الأمة يهودي ولا نَصْراني، ثم يموتُ ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار] (١).
قال ابن جرير: (﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾، يقول: فلا تك في شك منه، من أن موعدَ من كفر بالقرآن من الأحزاب النارُ، وأن هذا القرآن الذي أنزلناه إليك من عند الله).
وقوله: ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ - فيه أقوال متكاملة.
١ - قال القرطبي: ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ﴾ أي القول الحق الكائن، والخطاب للنبي ﷺ ، والمراد جميع المُكَلَّفين).
٢ - قال ابن جرير: (إن هذا القرآن الذي أنزلناه إليك، يا محمد، الحقُّ من ربك لا شك فيه، ولكن أكثر الناس لا يصدقون بأن ذلك كذلك) - واختاره ابن كثير.
٣ - وقال النسفى: (﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ﴾ شك ﴿مِنْهُ﴾ من القرآن أو من الموعد ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾).
قلت: وكلها أقوال يكمِّلُ بعضها بعضًا، فالقرآن حق، والوعد والوعيد حق، وأمر الله وخطابه لرسوله حق، ولكن أكثر الناس عن ذلك غافلون غير مصدقين.
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١١٦].
٣ - وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٢٠].
стр. 2085
والخلاصة: الفطرة مع الوحي هديتان من الله تعالى للعباد، فمن أصَرَّ بعد ذلك على اتباع الأهواء والشبهات والشهوات فقد اختار البقاء في الظلمة بعدما جاءه النور.
وفي المسند وصحيح ابن حبان عن عبد الله بن عمرو ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: [إن الله تعالى خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل] (١).
١٨ - ٢٢. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (١٩) أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠) أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢١) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٢٢)﴾.
في هذه الآيات: إخبارٌ من الله تعالى عن الكفار والمنافقين الذي يفترون على الله الكذب أنهم يُحضرون يوم القيامة وتشهد عليهم الرسل بما كذبوا على ربهم لتحيق بهم لعنة الله. أولئك الذين يقعدون في طريق المؤمنين فيصدون عن سبيل الهدى والرشاد، ويحبون نشر الفواحش والفساد، وهم بلقاء ربهم كافرون. أولئك لم يكونوا ليفلتوا من عذاب الله، بل يضاعف لهم العذاب ولا نصير يدفع عنهم، فما كانوا يألفون سماع الحق والقرآن ولا يبصرون سبيل الهداية. أولئك الذين ربحوا الخسارة في الدنيا والآخرة وحاق بهم ما كانوا يكذبون ويفترون.
فقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾. قال ابن جريج: (الكافر والمنافق). وقال أبو جعفر: (يقول تعالى ذكره: وأي الناس أشد تعذيبًا اختلق على الله كذبًا فكذب عليه).
وقوله: ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ﴾. قال ابن جريج: (فيسألهم عن أعمالهم).
стр. 2086
وقوله: ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ﴾. قال الضحاك: (يعني الأنبياء والرسل، وهو قوله: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ [النحل: ٨٩]. قال: وقوله: ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾، يقولون: يا رَبَّنا أتيناهم بالحق فكذبوا، فنحن نشهد عليهم أنهم كذبوا عليك، يا رَبَّنا).
وقال قتادة: (والأشهاد: الملائكة، يشهدون على بني آدم بأعمالهم).
والخلاصة: فإن في الآية بيانًا لحال المفترين على الله الكذب وفضيحتهم في الدار الآخرة على رؤوس الخلائق من الملائكة والرسل والأنبياء، وسائر البشر والجان.
وقوله: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾. أي: ألا إن غضب الله وسخطه على المعتدين الذين تجرؤوا على الحق بالكذب والافتراء.
وفي الصحيحين عن صَفْوانَ بنِ مُحْرِزٍ المازِنِيِّ قال: [بينما أنا أمشي مع ابن عمرَ ﵄ آخذٌ بيده، إذ عَرَضَ رجلٌ فقال: كيف سمعت رسول الله ﷺ في النَّجْوى؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله يُدْني المؤمنَ فَيَضَعُ عليه كنَفَهُ ويَسْتُرُهُ فيقول: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كذا؟ أتعرِفُ ذنْبًا كذا؟ فيقول: نَعَمْ أيْ رَبِّ، حتى قَرَّرَهُ بذنوبه ورأى في نفسهِ أنه هَلَكَ، قال: سترتُها عليك في الدنيا، وأنا أغفِرُها لك اليوم، فَيُعْطى كتابَ حَسَناتِهِ، وأما الكافر والمنافقون فيقول الأشهادُ: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾] (١).
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾.
أي: ألا لعنة الله على الظالمين الذين يفتنون الناس عن الدين الحق خوفًا على مناصبهم ومصالحهم وأهوائهم، ويلتمسون بدلًا منه زيغًا وميلًا وانحرافًا عن الاستقامة، وهم بالبعث بعد الممات وبالنشور والحساب والقصاص والميزان جاحدون.
وقوله: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾.
قال النسفي: (أي ما كانوا بمعجزين الله في الدنيا أن يعاقبهم لو أراد عقابهم، ﴿وَمَا
стр. 2087
كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ من يتولاهم فينصرهم منه ويمنعهم من عقابه، ولكنه أراد إنظارهم وتأخير عقابهم إلى هذا اليوم، وهو من كلام الأشهاد).
وفي التنزيل: قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢].
وفي الصحيحين عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الله ليُملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفْلِته، قال: ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]] (١).
وقوله: ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ﴾. قال القرطبي: (أي على قدر كفرهم ومعاصيهم).
قلت: بل هو بسبب كفرهم أولًا، وصدهم الناس عن الدين الحق ثانيًا، يُضَعِّفُ الله لهم بذلك العذاب.
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل: ٨٨].
٢ - وقال تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥].
وفي السنة المطهرة:
أخرج الإمام الترمذي في جامعه، والإمام أحمد في مسنده، بسند حسن عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: [يُحْشَرُ المتكبرون يوم القيامة أمثالَ الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يُساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار، يُسْقون من عُصارة أهل النار، طينةِ الخبال] (٢).
وقوله: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾.
أي: إنهم كانوا لا يستطيعون سماع الحق سماع منتفع باحث عن الصواب، ولم
стр. 2088
يكونوا يبصرونه إبصار صادق في النظر إلى سبيل الهداية والرشاد، بل شغلهم الكفر والفجور والشهوات وصد الناس عن سبيل الله، ظنًا منهم أن ذلك يحفظ مصالحهم ودنياهم الفانية، فَعَطّلَ لديهم فائدة السمع والبصر.
قلت: وهذه الآية نص في مفهوم الاستطاعة الموافقة للعمل. فإن الاستطاعة كما وردت في الكتاب والسنة نوعان:
النوع الأول: الاستطاعة قبل العمل - وتعني سلامة الجوارح والآلات وأعضاء البدن - بمعنى: حضور القدرة الجسدية والإرادة العقلية، وهي استطاعة مخلوقة مع الإنسان وليس ابتداء عند العمل، لأن العقل لا يكون عقلًا ما لم يكن مريدًا مميزًا، والقوي لا يقال عنه قوي ما لم يكن معروفًا بالقوة وأسبابها، وإلا فغياب العقل سبب لرفع التكليف.
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧].
٢ - وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
٣ - وقال تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤].
وفي صحيح البخاري عن عمران بن حصين، عن النبي ﷺ قال: [صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب] (١).
النوع الثاني: الاستطاعة الموافقة للعمل - وهي خلق القدرة على ذلك العمل - وتأتي بمعنى التوفيق.
كما قال جل ثناؤه: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠) الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف: ١٠٠, ١٠١].
وكقوله في آية هود: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾.
وفي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد
стр. 2089
في الدنيا رياء وسمعة، فيذهب ليسجد، فيعود ظهره طبقًا واحدًا] (١).
فلا يوفقهم الله للسجود إليه أحوج ما يحتاجون إلى قبوله وعونه لهم على السجود لوجهه، إذ كانوا من المبطلين المنافقين المرائين في سجودهم في الدنيا فحرمهم من ذلك بحكمته في الآخرة.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.
أي: أولئك القوم الذين خسروا سعادة أنفسهم وراحتها، واشتروا بريائهم ونفاقهم وصدهم عن سبيل الله شقاوتها وعذابها وآلامها، وغاب عنهم شفاعة آلهتهم المزعومة، ومن ضحك عليهم من الطواغيت ولم يجدوا ما وعدوهم إلا كذبًا.
وقوله تعالى: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾.
أي: حقًا ولا محالة أن هؤلاء يوم القيامة هم أصحاب الخسران المبين، وأهل التجارة الفاشلة الخاسرة، إذ ضيّعوا الآخرة بدنيا وشهوات فانية.
قال ابن كثير: (يخبر تعالى عن حالهم أنهم أخسر الناس صفقة في الدار الآخرة، لأنهم استبدلوا بالدركات عن الدرجات، واعتاضوا عن نعيم الجنان بحميم آن، وعن شُرب الرحيق المختوم، بسَموم وحَميم، وظِلٍّ من يحموم، وعن الحور العين بطعام مِنْ غِسْلين، وعن القصور العالية بالهاوية، وعن قُرْبِ الرحمن ورؤيته بغضَب الديَّان وعقوبته، فلا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون).
٢٣ - ٢٤. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٣) مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٤)﴾.
في هذه الآيات: إخبار الله تعالى عن حال السعداء، بعد ذكر حال الأشقياء، فأهل الإيمان والعمل الصالح الذين تواضعوا لأمر ربهم هم سكان الجنة هم فيها خالدون. إن مثل الفريقين كمثل الأعمى والبصير، والأصم والسميع، هل يستويان مثلًا؟ ! لا يستويان، فهلّا انتفعتم بضرب الله هذا المثل! .
стр. 2090
فقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾. أي: جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح والتواضع والتخشّع والخوف والإنابة إلى الله تعالى. ومن أقوال أهل التأويل:
١ - عن ابن عباس: (﴿وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ - قال: "الإخبات"، الإنابة) أو قال: (يقول: خافوا). وقال قتادة: (يقول: وأنابوا إلى ربهم).
٢ - وعن مجاهد: (﴿وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾، قال: اطمأنوا).
٣ - وقال قتادة: (الإخبات: التخشُّعُ والتواضع).
قلت: وكلها معان يحتملها البيان الإلهي، وإن كان أبرز معاني الإخبات في كلام العرب الخشوع.
وقوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
قال ابن جرير: (يقول: هؤلاء الذين هذه صفتهم، هم سكان الجنة الذين لا يخرجون عنها، ولا يموتون فيها، ولكنهم فيها لابِثُون إلى غير نهاية).
ومن كنوز السنة الصحيحة في آفاق هذا المعنى أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [ينادي مناد إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا. وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدًا. وإن لكم أن تَشِبُّوا فلا تهرموا أبدًا. وإن لكم أن تنعموا فلا تَبْأَسوا أبدًا] (١).
الحديث الثاني: أخرج الترمذي بسند حسن عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: [أهل الجنة جُرْدٌ، مُرْدٌ، كُحْلٌ، لا يفنى شبابهم، ولا تبلى ثيابهم] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم من حديث جابر مرفوعًا: [يأكل أهل الجنة ويشربون ولا يمتخطون ولا يتغوطون ولا يبولون، طعامهم ذلك جشاء كريح المسك، يلهمون التسبيح والتكبير كما تلهمون النفس] (٣).
стр. 2091
وقوله: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ﴾ - فيه أقوال متقاربة:
١ - قال مجاهد: (الفريقان: الكافران والمؤمنان. فأما الأعمى والأصم فالكافران، وأما البصير والسميع، فهما المؤمنان).
٢ - وقال ابن جريج، قال ابن عباس: (الأعمى والأصم: الكافر. والبصير والسميع: المؤمن).
٣ - وقال قتادة: (هذا مثلٌ ضربه الله للكافر والمؤمن. فأما الكافر فصم عن الحق فلا يسمعه، وعمي عنه فلا يبصره. وأما المؤمن، فسمع الحق فانتفع به، وأبصره فوعاه وحفظه وعمل به).
وقوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ أي: تشبيهًا، و ﴿مَثَلًا﴾ منصوب على التمييز، والمعنى: كما لا يستوي عندكم الأعمى والبصير، والأصم والسميع، فكذلك لا يستوي عند الله المؤمن والكافر، والطائع والعاصي، والمسلم والفاسق.
وقوله: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾. قال النسفي: (فتنتفعون بضرب المثل).
٢٥ - ٢٧. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (٢٧)﴾.
في هذه الآيات: شَرَعَ الله تعالى في إخباره عن إرساله الرسل إلى أهل الأرض، وأولهم نوح ﵊، بعثه الله نذيرًا إلى قومه يحذرهم مغبة الشرك والكبر والغرور الذي كانوا عليه، ويدعوهم لإفراد الله تعالى بالعبادة والتعظيم، ويحذرهم عذاب يوم أليم، فما كان من الملأ الكافر من قومه إلا الاستهزاء، والاستخفاف بالأتباع، واتهام المؤمنين بالكذب ليحيق بالمستكبرين العذاب.
فقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾.
إخبار عن إرساله تعالى نبيّه نوحًا ﷺ إلى قومه الذين امتلأت الأرض يومئذ من شركهم وشرورهم، فكان نوح أول الرسل إلى أهل الأرض، ظاهر النذارة لقومه من
стр. 2092
عذاب الله وغضبه إن أصروا على شركهم وعبدوا غير الله الواحد الأحد.
وقد صَبَرَ نوح - صلوات الله وسلامه عليه - على تمرد قومه وغرورهم واستهزائهم، وهو يدعوهم القرون الطويلة، إذ مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، ويؤكد لهم التمسك بـ "لا إله إلا الله" وأن يعيشوا لأجلها ويموتوا عليها، حتى كان ذلك آخر ما وصى به ابنه عند الموت.
فقد أخرج الإمام أحمد في المسند، والبيهقي في الأسماء، بإسناد صحيح من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: [إن نبيّ الله نوحًا ﷺ لما حضرته الوَفاةُ قال لابنه: إني قاص عليك الوصية، آمرك باثنتين وأنهاك عن اثنتين، آمرك بـ "لا إله إلا الله" فإن السماوات السبع والأرضين السبع لو وضعت في كفة ووضعت لا إله إلا الله في كفة، رجحت بهن لا إله إلا الله، ولو أن السماوات السبع والأرضين السبع كن حلقة مبهمة قصمتهن لا إله إلا الله، وسبحان الله وبحمده فإنها صلاة كل شيء وبها يرزق الخلق، وأنهاك عن الشرك والكِبْر.
قيل: يا رسول الله! هذا الشرك قد عرفناه فما الكبر؟ قال: أن يكون لأحدنا نعلان حسنتان لهما شراكان حسنان؟ قال: لا، قال: هو أن يكون لأحدنا أصحاب يجلسون إليه؟ قال: لا. قيل: يا رسول الله فما الكبر؟ قال: سفه الحق وغمص الناس] (١).
وقوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾. أي: إن أصررتم على طريق الكبر والشرك والبغي في الأرض بغير الحق فإنه ينتظركم العذاب الأليم الشاق الموجع يوم الحساب.
وقوله: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾. قال ابن كثير: (والملأ هم: السادة والكبراء من الكافرين منهم: ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا﴾، أي: لستَ بمَلَك ولكنّك بشرٌ، فكيف أوحِيَ إليك من دُوننا؟ ثم ما نراك اتَّبَعَك إلا أَراذلنا كالباعة والحاكَة وأشباههم، ولم يتبعك الأشرافُ ولا الرؤساء منّا، ثم هؤلاء الذين اتبعوك لم يكن عن تَرَوٍّ منهم ولا فكرةٍ ولا نظر، بل بمجرَّد ما دعوتهم أجابوك فاتَّبعوك، ولهذا قالوا: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾، أي: في أول بادئِ الرأي).
стр. 2093
وقوله: ﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾.
قال القاسمي: (﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ﴾ خطاب لنوح وأتباعه ﴿عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾ أي تقدّم يؤهلكم للنبوة واستحقاق المتابعة، لأن الفضل محصور عندهم بالغنى والمال. ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ أي فيما تدعونه من الإصلاح وترتب السعادة والنجاة عليه).
٢٨ - ٣١. قوله تعالى: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (٢٨) وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٩) وَيَاقَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣٠) وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٣١)﴾.
في هذه الآيات: ذِكْرُ الله تعالى جواب نوح ﷺ إلى قومه: أرأيتم أيها القوم إن كنت على يقين برحمة الله المهداة إليّ وهي النبوة التي خفيت عليكم، ولم تقدروا حقها بل قابلتموها بالسخرية والتكذيب، فكيف لي أن أجبركم عليها وأنتم لها كارهون. يا قوم إني لا أبتغي من دعوتي لكم مالًا بل أجري على الله ولا يمكنني طرد المؤمنين الصادقين، وإنما أنتم قوم تجهلون. ثم يا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون. إني لا أملك خزائن السماوات ولا أعلم الغيب ولست بملك ولا أتجرأ القول على الله أن هؤلاء الذين تزدرون لن ينالوا من الله خيرًا، فالله أعلم بأنفسهم، فإني إن تجرأت على ذلك كنت من الظالمين.
فقوله: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ﴾. قال ابن جريج: (قال نوح: ﴿يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾، قال: قد عرفتها، وعرفت بها أمره، وأنه لا إله إلا هو، ﴿وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ﴾، الإسلام والهدى والإيمان والحكم والنبوة).
وقوله: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾. قال قتادة: (أما والله لو استطاع نبيُّ الله ﷺ لألزمها قومه، ولكن لم يستطع ذلك ولم يملكه).
стр. 2094
وغاية المعنى: يجيبُ نوح ﷺ قومه: أرأيتم إن كنت على يقين من أمري، في رسالتي ونبوتي الصادقة، وهي الرحمة العظيمة المهداة من الله لي ولكم، ثم خفيت عليكم فلم تهتدوا إليها، ولم تعرفوا قدْرها، بل قابلتم تلك النعمة والهداية الكبيرة بالتكذيب والاستهزاء والعناد، فكيف لي أن أغصبكم عليها وأنتم لها كارهون.
وقوله: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾. قال ابن جرير: (قال لهم: يا قوم لا أسألكم على نصيحتي لكم، ودعايتكم إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له، مالًا أجرًا على ذلك، فتتهموني في نصيحتي، وتظنون أن فعلي ذلك طلبُ عرض من أعراض الدنيا، ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾، يقول: ما ثواب نصيحتي لكم، ودعايتكم إلى ما أدعوكم إليه، إلا على الله، فإنه هو الذي يجازيني ويثيبني عليه).
وقوله: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾. قال ابن جريج: (قالوا له: يا نوح، إن أحببت أن نتبعك فاطردهم، وإلا فلن نرضى أن نكون نحن وهم في الأمر سواء. فقال: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾، فيسألهم عن أعمالهم).
وقوله: ﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾. قال القرطبي: (في استرذالكم لهم، وسؤالكم طردهم).
قلت: ويبدو أن هذه سنة في الملأ الكافر على مر الدهور والأزمان، فهم يرون إيمانهم مع الضعفاء انتقاصًا لشأنهم وما اعتادوه من أحوال الظلم والكبر واستضعاف الناس، فكان الوحي النازل يقرعهم دومًا للتخلي عن هذه الأبهة الكاذبة.
ففي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٢٨].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣].
٣ - وقال تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٢].
стр. 2095
وقد جاءت السنة الصحيحة كذلك بتحذير النبي ﷺ الاستجابة لهذا المطلب الساقط من الملأ الكافر، وفي ذلك أحاديث:
الحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن سعد قال: [فيَّ نزلت: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ - قال: نزلت في ستة: أنا وابن مسعود منهم، وكان المشركون قالوا: تدني هؤلاء] (١).
الحديث الثاني: أخرج ابن ماجه في السنن، وابن جرير في التفسير بسند صحيح عن المقدام بن شريح عن أبيه عن سعد قال: [كنا مع النبي ﷺ ستة نفر، فقال المشركون للنبي ﷺ : اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا. قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقع فحدث نفسه، فأنزل الله : ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾] (٢).
الحديث الثالث: أخرج ابن جرير بسنده من طريق ابن مسعود قال: [مرَّ الملأ من قريش على رسول الله ﷺ وعنده خباب وصهيب وبلال وعمار، فقالوا: يا محمد، أرضيت بهؤلاء من قومك؟ أهؤلاء الذين مَنَّ الله عليهم من بيننا؟ أنحن نصير تبعًا لهؤلاء؟ اطردهم فلعلك إن طردتهم نتبعك، فنزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢) وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾] (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾.
أي: ويا قوم من يمنعني من بأس الله وانتقامه لأوليائه إن طردتهم أفلا تتعظون!
وقوله: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾. قال ابن
стр. 2096
جريج: (قوله: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾، التي لا يفنيها شيء، فأكون إنما أدعوكم لتتبعوني عليها، لأعطيكمْ منها، ولا أقول: إني ملك نزلت من السماء برسالة، ما أنا إلا بشر مثلكم، ولا أعلم الغيب، ولا أقول اتبعوني على علم الغيب).
وقوله: ﴿وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
قال القرطبي: (أي ليس لاحتقاركم لهم تبطل أجورهم، أو ينقص ثوابهم. ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ فيجازيهم عليه ويؤاخذهم به. ﴿إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ إن قلت هذا الذي تقدم ذكره).
٣٢ - ٣٥. قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢) قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣) وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (٣٥)﴾.
في هذه الآيات: استعجال قوم نوح العذاب والوعيد، وردّ نوح ﷺ أمر ذلك إلى الله، ومواجهته قومه أنكم لستم بمعجزين. وأن نصحي لكم لا ينفعكم إن كان الله قضى في سابق علمه إضلالكم لفساد قلوبكم وهو العليم الحكيم. أم يقول هؤلاء أو قومك يا محمد: افتراه، فأخبرهم إن جزاء افترائي سيحيق بي، كما سيحيق بكم نكال إجرامكم.
فقوله: ﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا﴾. قال مجاهد: (ماريتنا).
وقوله: ﴿فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾. قال ابن جريج: (تكذيبًا بالعذاب، وأنه باطل).
وقوله: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ - يعني قد خاصمتنا فأكثرت خصومتنا ومحاجّتنا، فإن كنت صادقًا في دعواك أنك رسول لله فأت بالعذاب واستعجل الوعيد.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾. يعني: إن الذي بيده
стр. 2097
العذاب وموعده ووقته هو الله سبحانه الذي خلقكم وخلق كل شيء ولا تعجزونه ولا يعجزه شيء.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
قال ابن كثير: (أي: أيُّ شيء يُجْدي عليكم إبلاغي لكم وإنذاري إياكم ونُصحي، إن كان الله يريد إغواءكم ودمارَكم، ﴿هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. أي: هو مالك أَزِمَّةِ الأمور، والمتصرِّفُ الحاكمُ العادلُ الذي لا يجورُ، له الخلقُ وله الأمرُ، وهو المبدئ المعيدُ، مالكُ الدنيا والآخرة).
وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾.
قال ابن عباس: (هو من محاورة نوح لقومه). وقيل: بل هو كلام معترِضٌ وسط القصة والحديث عن مشركي قريش إذ زعموا أن محمدًا ﷺ افترى هذا القرآن. واختار ابن جرير الثاني فقال: (أيقول، يا محمد، هؤلاء المشركون من قومك: افترى محمد هذا القرآن؟ وهذا الخبر عن نوح؟ قل لهم: إن افتريته فتخرصته واختلقته ﴿فَعَلَيَّ إِجْرَامِي﴾، يقول: فعليَّ إثمي في افترائي ما افتريت على ربي، دونكم، لا تؤاخذون بذنبي ولا إثمي، ولا أؤاخذ بذنبكم، ﴿وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾، يقول: وأنا بريء مما تذنبون وتأثمون بربكم، من افترائكم عليه). واختار القرطبي أنه من محاورة نوح لقومه، ثم قال القرطبي: (وهو أظهر، لأنه ليس قبله ولا بعده إلا ذكر نوح وقومه، فالخطاب منهم ولهم ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ﴾ أي اختلقته وافتعلته، يعني الوحي والرسالة، ﴿فَعَلَيَّ إِجْرَامِي﴾ أي عقاب إجرامي، وإن كنت محقًا فيما أقوله فعليكم عقاب تكذيبي).
قلت: والبيان الإلهي يحتمل التأويلين معًا، وهو من إعجاز هذا القرآن العظيم، وجوامع كلمه وخطابه الجامع، فيجوز أن يكون الوصف لحوار نوح مع قومه، أو لاعتراض المشركين على نبينا محمد ﷺ ، فإن الشرك ملة واحدة عبر العصور والأزمان.
٣٦ - ٣٩. قوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي
стр. 2098
الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧) وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٩)﴾.
في هذه الآيات: وَحْيُ الله تعالى إلى نوح أنه قد انتهى كل شيء بينك وبين قومك فلن يؤمن إلا من قد آمن، فانهض لصناعة الفلك برعاية ربك ولا تسأل عن الذين ظلموا فإنهم مغرقون. ويستجيب نوح لربه ويصنع الفلك، وكلما مرّ ملأ من قومه سخروا من فعله فيواجههم نوح بصلابة وقوة أنّ السخرية سترتد بالوبال عليكم، وبالعذاب المقيم الذي يخزيكم.
فقوله: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾. أي: أوحى الله تعالى إلى نوح، أن المؤمنين هم من قد آمن معك من قومك، ولا طمع بغيرهم، وقد أظل المجرمين أمر الله وحق عليهم القول.
وقوله: ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾. قال مجاهد: (لا تحزن). وقال قتادة: (لا تأس، ولا تحزن).
وقد كان نوح ﷺ دعا على قومه لما عاجزوه واستعجلوا نقمة الله وعذابه لينزل بهم فقال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦].
وفي التنزيل أيضًا: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠].
فهنالك أوحى الله إليه: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾.
قال مجاهد: (﴿الْفُلْكَ﴾، السفينة). وعن ابن عباس: (﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾، وذلك أنه لم يعلم كيف صنعةُ الفلك، فأوحى الله إليه أن يصنعها على مثل جُؤْجُؤ الطائر). وعن مجاهد: (﴿وَوَحْيِنَا﴾، قال: كما نأمرك). وعن قتادة: ﴿بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾، قال: بعين الله ووحيه). وقال ابن كثير: (﴿بِأَعْيُنِنَا﴾، أي: بمرأى منا). وعن ابن جريج: (﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي﴾، قال: يقول: ولا تراجعني. قال: تقدَّم أن لا يشفع لهم عنده).
стр. 2099
وقوله تعالى: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾.
قال ابن جرير: (ويصنع نوح السفينة، وكلما مرّ عليه جماعة من كبراء قومه، ﴿سَخِرُوا مِنْهُ﴾، يقول: هزئوا من نوح، ويقولون له: أتحوّلت نجارًا بعد النبوة، وتعمل السفينة في البر؟ فيقول لهم نوح: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا﴾ إن تهزؤوا منا اليوم، فإنا نهزأ منكم في الآخرة، كما تهزؤون منا في الدنيا).
وقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾.
أي: فسوف تعلمون معشر المستهزئين إذا جاء أمر الله مَن الهالك، وَمَنْ ينزل به عذاب يهينه ويُذِلّه، ثم مَنْ ينزل به في الآخرة عذاب لا خلاص منه ولا نجاة ولا مخرج من ألمه.
٤٠ - ٤٤. قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (٤٠) وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١) وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (٤٢) قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣) وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤)﴾.
في هذه الآيات: نُزولُ أمر الله في قوم نوح، فيأمر الله تعالى نبيّه نوحًا ﷺ أن يحمل في السفينة من كل صنف من المخلوقات زوجين، وكذلك أهل بيته وأرحامه وقرابته - إلا من سبق القول أنه لن يؤمن -، ويحمل كذلك مَنْ آمن معه من قومه وهم نزر قليل. فيركب نوح ﷺ والمؤمنون ويقول: بسم الله مجريها ومرساها إن ربي لغفور رحيم. وأثناء سير السفينة على وجه الماء الآخذ في الارتفاع يبصر نوح ابنه يام - وكان كافرًا انعزل عن أبيه وعن السفينة - فيدعوه للركوب وَأَخْذِ سبيل النجاة كيلا يكون مع
стр. 2100
الهالكين. فيأبى ويفضل الانحياز إلى الجبل للتحصن فيه من أمواج الماء، فيخبره نوح أنه لا نجاة اليوم إلا في هذه السفينة، ويمضي أمر الله ليكون ابن نوح مع المغرقين. ثم يأمر الله تعالى الأرض بتشرب الماء والسماء بالإقلاع عن المطر، وقضي الأمر بإهلاك قوم نوح، وأرست السفينة على جبل الجودي، وقيل سحقًا لقوم نوح الذين غضب الله عليهم وكانوا من الظالمين.
فقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ - وذلك حين حلول وعيد الله بالطوفان، وإغراق الكفار من الأنام.
قال ابن عباس: (التنّور: وجه الأرض). والتقدير: انبجس الماء من وجه الأرض. قال ابن كثير: (أي: صارت الأرض عيونًا تفور، حتى فار المار من التنانير التي هي مكانُ النار، صارت تفورُ ماءً. وهذا قول جمهور السَّلف وعلماءِ الخلف).
وفي التنزيل: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر: ١١ - ١٤].
وقوله: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾.
قال مجاهد: (﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾، قال: ذكر وأنثى من كل صنف). وقال الضحاك: (يعني بالزوجين اثنين، ذكر وأنثى). وقال ابن جرير: (يعني بالأهل: ولده ونساءه وأزواجه - إلا من قلت فيهم: إني مهلكه). أي: فلما جاء ميعاد إهلاك القوم الكافرين، أمر الله نوحًا ﷺ أن يحمل معه في السفينة من صنوف المخلوقات ذات الأزواج، قيل: وغيرها من النباتات - اثنين، ذكرًا وأنثى، وكذلك أهل بيته وأرحامه وقرابته إلا من سبق عليه القول منهم ممن لم يؤمن بالله وكفر برسوله نوح ﷺ ، فكان منهم ابنه يام الذي انعزل وحده، وكذلك امرأة نوح، التي كانت كافرة بالله ورسوله.
وقوله: ﴿وَمَنْ آمَنَ﴾. أي: واحمل معك كذلك في السفينة مَنْ آمَنَ مِنْ قَومِكَ. وقوله: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾. أي: نزر يسير ممن صدّقه وتابعه من أهله وقومه.
وقوله: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾. أي: كما قال مجاهد: (حين يركبون ويجرون ويرسون). أو قال: (قال: بسم الله حين يجرون وحين يرسون).
والتقدير: أي باسم الله يكون جَرْيُها على وجه الماء، وباسم الله يكون منتهى سيرها، وهو رُسُوُّها.
وقرأ عامة قراء الكوفة: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ بفتح الميم من ﴿مَجْرَاهَا﴾
стр. 2101
وضمها من ﴿وَمُرْسَاهَا﴾. في حين قرأ عامة قراء المدينة والبصرة: "بسم الله مُجْراها ومُرْساها" كلاهما بضم الميم. وقرأ أبو رَجَاء العَطَاردي: "بسم الله مُجْرِيها وَمُرْسِيها" بضم الميم فيهما، ويصيرهما نعتًا لله.
قلت: وذكر الله عند بداية الإقلاع على الدابة وفي السفر وكذلك التسمية عند ابتداء الأمور مشروع في الكتاب والسنة.
ففي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٨, ٢٩].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٢ - ١٤].
ومن السنة الصحيحة في آفاق ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه وأبو داود في سننه عن عبد الله بن عمر ﵄: [أن النبي ﷺ كان إذا ركب راحلته كبَّر ثلاثًا ثم قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾. ثم يقول: اللهمَّ، إني أسألك في سَفَري هذا البرّ والتقوى، ومن العمل ما ترضى. اللهم هوِّن علينا السفر واطْوِ لنا البعيد. اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل. اللهم اصحَبنا في سَفَرنا، واخلُفنا في أهلنا]. وكان إذا رجع إلى أهله قال: "آيبون تائبون إن شاء الله، عابدون، لربنا حامدون" (١).
الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن أبي لاسٍ - محمد بن الأسود بن خلفٍ - الخزاعي قال: [حملنا رسول الله ﷺ على إبلٍ من إبل الصدقة إلى الحج، فقلنا: يا رسولَ الله، ما نرى أن تحملنا هذه! فقال ﷺ : ما من بعير إلا في ذرْوَتِه شيطانٌ، فاذكروا اسم الله عليها إذا ركبتموها كما آمركم، ثم امتهِنُوها لأنفسكم، فإنما يحمل الله ] (٢).
стр. 2102
الحديث الثالث: أخرج أحمد والدارمي وابن حبان بسند حسن من حديث أسامة بن زيد عن محمد بن حَمْزَة: أنه سمع أباه يقول: سمعت رسول الله ﷺ [يقول: على ظهر كُلِّ بعير شيطانٌ، فإذا ركبتموها فسمّوا الله ، ثم لا تُقَصِّروا عن حاجاتكم] (١).
وقوله: ﴿إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قال القرطبي: (أي لأهل السفينة).
وذكر المغفرة والرحمة هنا مناسب عند ذكر الانتقام من الكافرين بإغراقهم أجمعين. وفي التنزيل نحو هذا كثير:
١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٦٧].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الرعد: ٦].
٣ - وقال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩, ٥٠].
وفي مسند البزار بسند حسن عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [قال الله تعالى: وعزتي وجلالي لا أجمع لعبدي أمنين ولا خوفين، إن هو أمنني في الدنيا أخفته يوم أجمع عبادي، وإن هو خافني في الدنيا أمَّنْتُهُ يوم أجمع عبادي] (٢).
وقوله: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾. قال ابن كثير: (أي: السفينة سائرةٌ بهم على وجه الماء، الذي قد طَبَّقَ جميع الأرض، حتى طَفَت على رؤوس الجبال).
وقال النسفي: (يريد موج الطوفان، وهو جمع موجة كتمر وتمرة، وهو ما يرتفع من الماء عند اضطرابه بدخول الرياح الشديدة في خلاله، شبه كل موجة منه بالجبل في تراكمها وارتفاعها).
وقوله: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾.
أي: ونادى نوح ابنه يام، وهو كما رُوي الابن الرابع، وكان كافرًا، فانعزل عن أبيه وعن السفينة، فدعاه أبوه نوح ﷺ ليؤمن ويركب وينجو مع الناجين ولا يكون مع الهالكين فأبى.
стр. 2103
وقوله: ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾.
قال ابن جرير: (قال ابن نوح، لما دعاه نوح إلى أن يركب معه السفينة، خوفًا عليه من الغرق: ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ يقول: سأصير إلى الجبل أتحصّن به من الماء، فيمنعني منه أن يغرقني. وقوله: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾، يقول: لا مانع من أمر الله الذي قد نزل بالخلق من الغرق والهلاك، إلا من رَحمَنا فأنقذنا منه، فإنه الذي يمنع من شاء من خلقه ويعصم).
ومضت السفينة تسير على وجه الماء تحمل الأمن والطمأنينة لساكنيها، وتخفي وراءها الدمار والهلاك للطغاة والعتاة والمجرمين، كما في التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١١, ١٢].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٣ - ١٥].
وقوله: ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾.
أي: كتب الله الغرق على ابن نوح الضال، فدخل في جملة الغرقى الهالكين.
وقوله: ﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾.
أي: قال الله للأرض - بعد نزول نقمته بأهل الكفر وغرقهم - يا أرض تَشرَّبي ماءك، ويا سماء أقلعي عن المطر وأمسكي، فذهبت الأرض بالماء الذي كان عليها ونَشِفَتْه، وقضي الأمر بإهلاك قوم نوح، وأرست السفينة على جبل الجودي - الذي هو بناحية الموصل أو الجزيرة - فيما ذكر.
وعن مجاهد: (﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾، قال: نقص، ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾، قال: هلاك قوم نوح).
وقال ابن جريج: (﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾، نَشِفَتْهُ الأرض).
وعن ابن عباس: (﴿وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي﴾، يقول: أمسكي، ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾، يقول: ذهب الماء).
стр. 2104
وعن مجاهد: (﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾، قال: الجودي جبل بالجزيرة، تشامخت الجبال يومئذ من الغرق وتطاولَت، وتواضع هو لله، فلم يغرق، وأرسيت سفينة نوح عليه).
وعن الضحاك يقول: (﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ هو جبل بالموصل) - والله تعالى أعلم.
وقوله: ﴿وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. أي: سحقًا لقوم نوح الذين حاق بهم غضب الله فنزل بهم عذابه.
٤٥ - ٤٨. قوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥) قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٤٧) قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٨)﴾.
في هذه الآيات: مناجاة نوح ربه لنجاة ولده، وجواب الله له أنه ليس من أهله، ووعظه له أن لا يسأل ما ليس له به علم، واستغفار نوح ﵊ من ذلك. ثم أَمْرُ الله نوحًا الهبوط بسلام عليه وعلى من معه، وعلى كل من تبعه على الحق، وأما من خالف منهاجه دخل في متاع قليل ينتهي بعذاب أليم.
فقوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾.
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ونادى نوح ربه فقال: ربِّ إنك وعدتني أن تنجيني من الغرق والهلاك وأهلي، وقد هلك ابني، وابني من أهلي، ﴿وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾، الذي لا خلف له، ﴿وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ بالحق، فاحكم لي بأن تفي لي بما وعدتني، من أن تنجّي لي أهلي، وترجع إليَّ ابني).
وقوله: ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾. قال ابن عباس: (ما بغت امرأة نبي قط. وقوله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾، الذين وعدتك أن أنجيهم معك). وقال:
стр. 2105
(هو ابنه، غير أنه خالفه في العمل والنية).
وهو يرد بذلك على من زعم أنه ليس ابنه على الحقيقة، بل ولد على فراشه، أو ولد زنية. قال سعيد بن جبير: (قال الله، وهو الصادق: وهو ابنه، ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾).
وكان قد جاءه رجل فسأله: أرأيتك ابن نوح ابنه؟ فَسَبَّح طويلًا، ثم قال: (لا إله إلا الله، يحدِّث الله محمدًا: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ وتقول: ليس منه؟ ولكن خالفه في العمل، فليس منه من لم يؤمن).
وقال الضحاك: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾، يقول: ليس من أهل ولايتك، ولا ممن وعدتك أن أنجي من أهلك، ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾، يقول: كان عمله في شرك).
وهناك من قرأها: "إنه عَمِلَ غيرَ صالح" - وروي ذلك عن ابن عباس (١). والجمهور على قراءتها: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ - وتأويل ذلك كما ذكر مجاهد قال: (سؤالك إياي، عمل غير صالح). ولذلك قال بعدها: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ - وفيه أكثر من تأويل:
١ - أي فلا تسألن ما ليس لك به علم بجواز مسألته - ذكره النسفي.
٢ - أي أنهاك عن هذا السؤال، وأحذرك لئلا تكون من الجاهلين أي الآثمين - ذكره القرطبي.
٣ - أي فلا تسألن عما قد طويتُ علمه عنك من أسباب أفعالي وقد أخبرتك سبب إهلاك ابنك - ذكره ابن جرير.
قلت: وكل ما سبق يدل على آفاق مفهوم الآية ويزيد في توضيح معانيها.
قال القاسمي: (﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ أي أنهاك أن تكون منهم بسؤالك إياي ما لم تعلم).
وقال ابن العربي: (وهذه زيادة من الله وموعظة يرفع بها نوحًا عن مقام الجاهلين، ويعليه بها إلى مقام العلماء والعارفين).
وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. فيه ذكر إنابة نوح ﵇ بالتوبة إلى الله من زلته في مسألته.