وضمها من ﴿وَمُرْسَاهَا﴾. في حين قرأ عامة قراء المدينة والبصرة: "بسم الله مُجْراها ومُرْساها" كلاهما بضم الميم. وقرأ أبو رَجَاء العَطَاردي: "بسم الله مُجْرِيها وَمُرْسِيها" بضم الميم فيهما، ويصيرهما نعتًا لله.
قلت: وذكر الله عند بداية الإقلاع على الدابة وفي السفر وكذلك التسمية عند ابتداء الأمور مشروع في الكتاب والسنة.
ففي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٨, ٢٩].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٢ - ١٤].
ومن السنة الصحيحة في آفاق ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه وأبو داود في سننه عن عبد الله بن عمر ﵄: [أن النبي ﷺ كان إذا ركب راحلته كبَّر ثلاثًا ثم قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾. ثم يقول: اللهمَّ، إني أسألك في سَفَري هذا البرّ والتقوى، ومن العمل ما ترضى. اللهم هوِّن علينا السفر واطْوِ لنا البعيد. اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل. اللهم اصحَبنا في سَفَرنا، واخلُفنا في أهلنا]. وكان إذا رجع إلى أهله قال: "آيبون تائبون إن شاء الله، عابدون، لربنا حامدون" (١).
الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن أبي لاسٍ - محمد بن الأسود بن خلفٍ - الخزاعي قال: [حملنا رسول الله ﷺ على إبلٍ من إبل الصدقة إلى الحج، فقلنا: يا رسولَ الله، ما نرى أن تحملنا هذه! فقال ﷺ : ما من بعير إلا في ذرْوَتِه شيطانٌ، فاذكروا اسم الله عليها إذا ركبتموها كما آمركم، ثم امتهِنُوها لأنفسكم، فإنما يحمل الله ] (٢).
стр. 2102
الحديث الثالث: أخرج أحمد والدارمي وابن حبان بسند حسن من حديث أسامة بن زيد عن محمد بن حَمْزَة: أنه سمع أباه يقول: سمعت رسول الله ﷺ [يقول: على ظهر كُلِّ بعير شيطانٌ، فإذا ركبتموها فسمّوا الله ، ثم لا تُقَصِّروا عن حاجاتكم] (١).
وقوله: ﴿إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قال القرطبي: (أي لأهل السفينة).
وذكر المغفرة والرحمة هنا مناسب عند ذكر الانتقام من الكافرين بإغراقهم أجمعين. وفي التنزيل نحو هذا كثير:
١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٦٧].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الرعد: ٦].
٣ - وقال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩, ٥٠].
وفي مسند البزار بسند حسن عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [قال الله تعالى: وعزتي وجلالي لا أجمع لعبدي أمنين ولا خوفين، إن هو أمنني في الدنيا أخفته يوم أجمع عبادي، وإن هو خافني في الدنيا أمَّنْتُهُ يوم أجمع عبادي] (٢).
وقوله: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾. قال ابن كثير: (أي: السفينة سائرةٌ بهم على وجه الماء، الذي قد طَبَّقَ جميع الأرض، حتى طَفَت على رؤوس الجبال).
وقال النسفي: (يريد موج الطوفان، وهو جمع موجة كتمر وتمرة، وهو ما يرتفع من الماء عند اضطرابه بدخول الرياح الشديدة في خلاله، شبه كل موجة منه بالجبل في تراكمها وارتفاعها).
وقوله: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾.
أي: ونادى نوح ابنه يام، وهو كما رُوي الابن الرابع، وكان كافرًا، فانعزل عن أبيه وعن السفينة، فدعاه أبوه نوح ﷺ ليؤمن ويركب وينجو مع الناجين ولا يكون مع الهالكين فأبى.
стр. 2103
وقوله: ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾.
قال ابن جرير: (قال ابن نوح، لما دعاه نوح إلى أن يركب معه السفينة، خوفًا عليه من الغرق: ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ يقول: سأصير إلى الجبل أتحصّن به من الماء، فيمنعني منه أن يغرقني. وقوله: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾، يقول: لا مانع من أمر الله الذي قد نزل بالخلق من الغرق والهلاك، إلا من رَحمَنا فأنقذنا منه، فإنه الذي يمنع من شاء من خلقه ويعصم).
ومضت السفينة تسير على وجه الماء تحمل الأمن والطمأنينة لساكنيها، وتخفي وراءها الدمار والهلاك للطغاة والعتاة والمجرمين، كما في التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١١, ١٢].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٣ - ١٥].
وقوله: ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾.
أي: كتب الله الغرق على ابن نوح الضال، فدخل في جملة الغرقى الهالكين.
وقوله: ﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾.
أي: قال الله للأرض - بعد نزول نقمته بأهل الكفر وغرقهم - يا أرض تَشرَّبي ماءك، ويا سماء أقلعي عن المطر وأمسكي، فذهبت الأرض بالماء الذي كان عليها ونَشِفَتْه، وقضي الأمر بإهلاك قوم نوح، وأرست السفينة على جبل الجودي - الذي هو بناحية الموصل أو الجزيرة - فيما ذكر.
وعن مجاهد: (﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾، قال: نقص، ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾، قال: هلاك قوم نوح).
وقال ابن جريج: (﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾، نَشِفَتْهُ الأرض).
وعن ابن عباس: (﴿وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي﴾، يقول: أمسكي، ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾، يقول: ذهب الماء).
стр. 2104
وعن مجاهد: (﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾، قال: الجودي جبل بالجزيرة، تشامخت الجبال يومئذ من الغرق وتطاولَت، وتواضع هو لله، فلم يغرق، وأرسيت سفينة نوح عليه).
وعن الضحاك يقول: (﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ هو جبل بالموصل) - والله تعالى أعلم.
وقوله: ﴿وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. أي: سحقًا لقوم نوح الذين حاق بهم غضب الله فنزل بهم عذابه.
٤٥ - ٤٨. قوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥) قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٤٧) قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٨)﴾.
في هذه الآيات: مناجاة نوح ربه لنجاة ولده، وجواب الله له أنه ليس من أهله، ووعظه له أن لا يسأل ما ليس له به علم، واستغفار نوح ﵊ من ذلك. ثم أَمْرُ الله نوحًا الهبوط بسلام عليه وعلى من معه، وعلى كل من تبعه على الحق، وأما من خالف منهاجه دخل في متاع قليل ينتهي بعذاب أليم.
فقوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾.
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ونادى نوح ربه فقال: ربِّ إنك وعدتني أن تنجيني من الغرق والهلاك وأهلي، وقد هلك ابني، وابني من أهلي، ﴿وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾، الذي لا خلف له، ﴿وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ بالحق، فاحكم لي بأن تفي لي بما وعدتني، من أن تنجّي لي أهلي، وترجع إليَّ ابني).
وقوله: ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾. قال ابن عباس: (ما بغت امرأة نبي قط. وقوله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾، الذين وعدتك أن أنجيهم معك). وقال:
стр. 2105
(هو ابنه، غير أنه خالفه في العمل والنية).
وهو يرد بذلك على من زعم أنه ليس ابنه على الحقيقة، بل ولد على فراشه، أو ولد زنية. قال سعيد بن جبير: (قال الله، وهو الصادق: وهو ابنه، ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾).
وكان قد جاءه رجل فسأله: أرأيتك ابن نوح ابنه؟ فَسَبَّح طويلًا، ثم قال: (لا إله إلا الله، يحدِّث الله محمدًا: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ وتقول: ليس منه؟ ولكن خالفه في العمل، فليس منه من لم يؤمن).
وقال الضحاك: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾، يقول: ليس من أهل ولايتك، ولا ممن وعدتك أن أنجي من أهلك، ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾، يقول: كان عمله في شرك).
وهناك من قرأها: "إنه عَمِلَ غيرَ صالح" - وروي ذلك عن ابن عباس (١). والجمهور على قراءتها: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ - وتأويل ذلك كما ذكر مجاهد قال: (سؤالك إياي، عمل غير صالح). ولذلك قال بعدها: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ - وفيه أكثر من تأويل:
١ - أي فلا تسألن ما ليس لك به علم بجواز مسألته - ذكره النسفي.
٢ - أي أنهاك عن هذا السؤال، وأحذرك لئلا تكون من الجاهلين أي الآثمين - ذكره القرطبي.
٣ - أي فلا تسألن عما قد طويتُ علمه عنك من أسباب أفعالي وقد أخبرتك سبب إهلاك ابنك - ذكره ابن جرير.
قلت: وكل ما سبق يدل على آفاق مفهوم الآية ويزيد في توضيح معانيها.
قال القاسمي: (﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ أي أنهاك أن تكون منهم بسؤالك إياي ما لم تعلم).
وقال ابن العربي: (وهذه زيادة من الله وموعظة يرفع بها نوحًا عن مقام الجاهلين، ويعليه بها إلى مقام العلماء والعارفين).
وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. فيه ذكر إنابة نوح ﵇ بالتوبة إلى الله من زلته في مسألته.
стр. 2106
قال ابن جرير: (أي: أستجير بك أن أتكلف مسألتك ما ليس لي به علم، مما قد استأثرت بعلمه، وطويتَ علمه عن خلقك، فاغفر لي زلتي في مسألتي إياي ما سألتك في ابني، وإن أنت لم تغفرها لي وترحمني فتنقذني من غضبك، ﴿أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، يقول: من الذين غبنوا أنفسهم حظوظها وهلكوا).
وقوله تعالى: ﴿قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
إخبارٌ من الله تعالى عن قيله لنوح ﷺ حين أرست السفينة واستوت على جبل الجودي: أن سلام عليك وعلى من معك من المؤمنين، وعلى كل مؤمن من ذريتك إلى يوم القيامة. كما قال محمد بن كعب القرظي: (دخل في ذلك السلام كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة، ودخل في ذلك العذاب والمتاع كل كافر وكافرة إلى يوم القيامة).
وعن ابن زيد قال: (هبطوا والله عنهم راض، هبطوا بسلام من الله. كانوا أهل رحمة من أهل ذلك الدهر، ثم أخرج منهم نسلًا بعد ذلك، أممًا، منهم من رحم، ومنهم من عذب. وقرأ: ﴿وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾، وذلك إنما افترقت الأمم من تلك العصابة التي خرجت من ذلك الماء وسلمت).
وعن الضحاك: (يقول في قوله: ﴿يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾، الآية، يقول: بَركات عليك وعلى أمم ممن معك لم يولدوا، أوجب الله لهم البركات لما سبق لهم في علم الله من السعادة، ﴿وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾، يعني: متاع الحياة الدنيا، ﴿ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، لما سبق لهم في علم الله من الشقاوة).
وقال الحسن: (فأنجى الله نوحًا والذين آمنوا، وهلك المتمتعون! حتى ذكر الأنبياء، كل ذلك يقول: أنجاه الله وهلك المتمتعون).
٤٩. قوله تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩)﴾.
في هذه الآية: إخبار الله تعالى نبيّه محمدًا ﷺ أن هذه القصة من أخبار الغيب يقصها عليه بالوحي، وما كان له ولقومه العلم بدقائقها قبل هذا، فاصبر - يا محمد - كما صبر نوح والرسل قبلك فالنصر والعاقبة للمتقين.
стр. 2107
قال النسفي: (أي - أخبار - تلك القصة بعض أنباء الغيب موحاة إليك مجهولة عندك وعند قومك ﴿مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ الوقت، أو من قبل إيحائي إليك وإخبارك بها ﴿فَاصْبِر﴾ على تبليغ الرسالة وأذى قومك كما صبر نوح، وتوقع في العاقبة لك ولمن كذبك نحو ما كان لنوح ولقومه ﴿إِنَّ الْعَاقِبَةَ﴾ في الفوز والنصر والغلبة ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ عن الشرك).
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ [الصافات: ١٧١, ١٧٢].
أخرج الخطيب في "التاريخ"، والديلمي في "مسند الفردوس"، بسند رجاله ثقات عن أنس مرفوعًا: [النصر مع الصَّبر، والفَرَجُ مع الكَرْبِ، وإنَّ مع العُسْر يُسْرًا، وإن مع العُسْر يُسْرًا] (١).
٥٠ - ٥٢. قوله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (٥٠) يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٥١) وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢)﴾.
في هذه الآيات: إخبار الله تعالى عن إنذار هود ﷺ قومه ليفردوا الله تعالى بالعبادة والتعظيم، قبل حلول نقمة الله بهم ونزول العذاب الأليم. قال يا قوم لا أبتغي ببلاغي ودعوتي لكم مالًا بل أجري على الله الذي فطرني وأرسلني إليكم أفلا تعقلون. ويا قوم الزموا استغفار ربكم، فإنه من فضله ونعمه يزيدكم، فيرسل عليكم المطر والرزق ويزيدكم قوة إلى قوتكم، ولا تستكبروا عن طاعته وتسلكوا سبيل المجرمين.
стр. 2108
فقوله: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾. أي: وأرسلنا كذلك إلى قوم عاد أخاهم هودًا.
قال القرطبي: (وقيل له أخوهم لأنه منهم، وكانت القبيلة تجمعهم).
وقوله: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾. أي: أفردوا الله تعالى بالدعاء والتعظيم ولا تصرفوا العبادة لغيره، فهو الله الواحد الأحد المستحق للعبادة.
وقوله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾. قال ابن جرير: (يقول ما أنتم، في إشراككم معه الآلهة والأوثان، إلا أهل فرية مكذبون، تختلقون الباطل، لأنه لا إله سواه).
وقوله تعالى: ﴿يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
قال ابن كثير: (أخبرهم أنه لا يريد منهم أجرة على هذا النصح والبلاغ من الله، إنما يبغي ثوابه من الله الذي فطره ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ من يدعوكم إلى ما يُصْلِحُكم في الدنيا والآخرة من غير أجرة).
وقوله تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾.
بيان لما أرشدهم به هود ﷺ من الإنابة والاستغفار والتوبة إلى الله وما يعقب ذلك من إرسال الله تعالى السماء بالمطر والخير، وزيادة الشوكة والقوة والمال، وتوضيح لمغبة الإعراض عن دين الله وعن اتباع رسوله. قال مجاهد: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾، قال: شدة إلى شدتكم).
قال النسفي: (إنما قصد استمالتهم إلى الإيمان بكثرة المطر وزيادة القوة لأنهم كانوا أصحاب زروع وبساتين فكانوا أحوج شيء إلى الماء، وكانوا مدلين بما أوتوا من شدة البطش والقوة، وقيل أراد بالقوة المال. ثم قال: ﴿وَلَا تَتَوَلَّوْا﴾ ولا تعرضوا عني وعما أدعو إليه ﴿مُجْرِمِينَ﴾ مصرين على إجرامكم وآثامكم).
وفي التنزيل - قول نوح ﷺ : ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢].
وعن ابن عباس: (قوله: ﴿مِدْرَارًا﴾، يقول: يتبع بعضها بعضًا).
وعن ابن زيد: (﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾، قال: يدر ذلك عليهم قطرًا ومطرًا).
стр. 2109
٥٣ - ٥٦. قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾.
في هذه الآيات: مجادلة قوم هُودٍ نبيّهم بالباطل، وإعلانهم كفرهم بما جاء به، وأنّ الذي هو عليه سوء مما اعتراه بعض آلهتهم. ومقابلة هود ﷺ لهم بإعلانه البراءة من شركهم، وتحديهم بأن يكيدوا له كما يشاؤون فهو متوكل على الله ربهم ورب كل دابة وكل شيء، وهو سبحانه له الصراط المستقيم والدين القويم.
فقوله: ﴿قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ﴾ - هو جواب قوم هود له، قالوا: ما أتيتنا بحجة ولا برهان على دعواك فيما تأمرنا من توحيد الله والإقرار بنبوتك.
وقوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾. أي: وما نحن بتاركي آلهتنا من أجلك أو لقولك، وما نحن بمقرين لك الرسالة أو النبوة.
وقوله: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ - فيه أقوال متقاربة:
١ - قال مجاهد: (أصابتك الأوثان بجنون)، أو قال: (سَبَبْتَ آلهتنا وعِبْتَها، فَأَجَنَّتْكَ).
٢ - وعن قتادة قال: (ما يحملك على ذمّ آلهتنا إلا أنه أصابك منها سوء).
٣ - وقال الضحاك: (يقولون: نخشى أن يصيبك من آلهتنا سوء، ولا نحب أن تعتريك، يقولون: يصيبك منها سوء).
٤ - وقال ابن زيد: (يقولون: اختلَط عقلك فأصابك هذا، مما صنعت بك آلهتنا).
وقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾ - بيان لمنهج المفاصلة عند الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وفي هذا البيان فوائد عظيمة:
стр. 2110
أولًا - أشهد هود صلوات الله وسلامه عليه الله على براءته من دينهم، وأن الله هو وليه وناصره.
ثانيًا - أشهدهم مخالفة رأيهم وتوجههم ودينهم وما يعبدون.
ثالثًا - أكَّدَ اعتزازه بالله بالاستهانة بما هم عليه، وبما هم عاكفون على تعظيمه، وبأنهم لو اجتمعوا على شفاء غيظهم منه، وعاجلوه ولم يمهلوه، لم ينالوا منه إلا ما كتب الله له.
وقوله تعالى: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
قال القرطبي: (﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ - أي: رضيت بحكمه، ووثقت بنصره. ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ أي نفس تدب على الأرض. ﴿إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ - أي يصرفها كيف يشاء، ويمنعها مما يشاء، أي فلا تصلون إلى ضري).
والناصية قُصاص الشعر في مقدم الرأس، وكان العرب إذا أسروا أسيرًا فأرادوا إطلاقه والمنّ عليه، جزّوا ناصيته، ليعتدوا بذلك عليه فخرًا عند المفاخرة.
قال ابن جريج: (إنما خص الناصية، لأن العرب تستعمل ذلك إذا وصفت إنسانًا بالذلة والخضوع، فيقولون: ما ناصية فلان إلا بيد فلان، أي إنه مطيع له يصرفه كيف يشاء).
وعن الفراء: (﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ قال: مالكها، والقادر عليها). وقال القتبي: (قاهرها، لأن من أخذت بناصيته فقد قهرته). وقال الضحاك: (يحييها ثم يميتها) - وكلها أقوال متقاربة.
وعن مجاهد: (﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، قال: الحق).
٥٧ - ٦٠. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧) وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٨) وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ
стр. 2111
وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٥٩) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠)﴾.
في هذه الآيات: إعلان هود ﷺ إقامته الحجة على قومه، وأن تماديهم بالغَيِّ مآله إلى الهلاك، وقد يستبدلهم الله ولا يضرونه شيئًا فالله على كل شيء حفيظ. ولما نزل العذاب نجّى الله هودًا والذين آمنوا وأهلك الطغاة والعتاة والمجرمين، وأتبعهم لعنة إلى يوم الدين، ويوم القيامة هم من المبعدين المقبوحين الهالكين.
فقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ﴾. أي يقول هود ﷺ لقومه: فإن أعرضتم عن الحق وتَنَكَّرْتُم لهذا الوحي فقد أقمت عليكم الحجة فيما يجب عليكم من إفراد الله تعالى بالتعظيم والعبادة.
وقوله: ﴿وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾.
أي: والله تعالى هو الذي يهلككم ولا تعجزونه، ويستخلف قومًا بعدكم خيرًا منكم يقومون بمقتضى التوحيد وإخلاص العبادة له سبحانه، ثم إنه لا يضره هلاككم كما لا تضرونه بكفركم بل يعود وبال ذلك عليكم.
وفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر مرفوعًا: [قال الله تعالى: يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني] (١).
قال ابن جرير: (﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾، يقول: إن ربي على جميع خلقه ذو حفظ وعلم. يقول: هو الذي يحفظني من أن تنالوني بسوء).
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾.
أي: وحين جاء ميقات عذاب قوم هود بإرسال الريح العقيم لتستأصلهم عن آخرهم، نجّى الله تعالى نبيّهُ هودًا والمؤمنين معه بفضل منه وبكرمه ورحمته. قال النسفي: (﴿بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾ أي بفضل منا لا بعملهم، أو بالإيمان الذي أنعمنا عليهم. ﴿وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾. قال: وتكرار "نجينا" للتأكيد أو الثانية من عذاب الآخرة ولا عذاب أغلظ منه).
стр. 2112
وفي صحيح مسلم عن جابر قال: سمعت النبي ﷺ يقول: [لا يُدْخِلُ أحدًا منكم عَمَلُهُ الجنة، ولا يُجيرُهُ من النار، ولا أنا، إلا برحمة من الله] (١).
وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾.
قال ابن كثير: (﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾، كفروا بها، وعصوا رسل الله، وذلك أنَّ من كَفَرَ بنبيٍّ فقد كَفَرَ بجميع الأنبياء، لأنه لا فرق بين أحد منهم في وجوب الإيمان به، فعادٌ كفروا بهودٍ، فَنُزِّلَ كفرُهم منزلة من كفر بجميع الرسل).
وقال القاسمي: (﴿وَأُتْبِعُوا﴾ أي أطاعوا في الشرك ﴿كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ لا يستدل بدليل، ولا يقبله من غيره. يريد رؤساءهم وكبراءهم، ودعاتهم إلى تكذيب الرسل).
وقوله تعالى: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾.
أي: أتبع قوم هود في هذه الدنيا غضبًا من الله، ولعنة عليهم من عباده المؤمنين كلما ذكروا. قال السُّدي: (ما بُعِثَ نبيٌّ بعد عاد إلا لُعِنُوا على لسانه).
ثم إنهم تنالهم يوم القيامة لعنة أخرى بعد تلك اللعنة التي سلفت لهم في الدنيا، وينادى على رؤوس الأشهاد: ﴿أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ - أي أبعدهم الله من الخير.
٦١ - ٦٣. قوله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١) قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢) قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣)﴾.
في هذه الآيات: يقص تعالى خبر ثمود مع نبيهم صالح ﵊، إذ دعاهم إلى إفراد الله تعالى بالعبادة والتعظيم، وشكره على ما أعطاهم واستغفاره فهو الغفور الرحيم. فما كان منهم إلا أن أظهروا الشك والاتهام وأعلنوا لآلهتهم الولاء،
стр. 2113
والتمسك بما كان يعبد الآباء. فأجابهم صالح ﵊ بتمسكه بيقين النبوة، وخوفه من معصية رب البرية، فلا أحد يستطيع دفع عذاب الله وسخطه مهما أوتي من القوة.
فقوله: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾.
أي: وكذلك أرسلنا صالحًا إلى ثمود أن أفردوا الله تعالى بالدعاء والتعظيم، وأخلصوا له العبادة والألوهة، فإنه لا إله إلا هو.
وقوله: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾. يقول: هو ابتدأ خلقكم من تراب الأرض، بلا روية أجالها، ولا تجربة استفادها، ثم جعلكم عُمّارًا فيها، فأسكنكم إياها أيام حياتكم، لتعمروها وتستغلونها في مصالحكم.
أخرج الإمام أحمد في المسند، والترمذي في الجامع، وأبو داود في السنن، بسند صحيح، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: [إنّ الله تعالى خَلَقَ آدمَ من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأحمرُ، والأبيضُ، والأسودُ، وبين ذلك، والسَّهل والحَزْنُ، والخبيثُ والطيبُ، وبين ذلك] (١).
وعن مجاهد: (﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾، قال: أعمركم فيها).
وقوله: ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾.
أي: فاستغفروا ربكم لسالف ذنوبكم، ثم توبوا إليه فاتركوا من الأعمال ما يكرهه ربكم، وأحسنوا التوجه والعمل فيما تستقبلونه، إنَّ ربي قريب من المخلصين له، التائبين الحريصين على مرضاته، مجيب لدعائهم ومفرج لكروبهم.
وفي التنزيل: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦].
وفي جامع الترمذي عن أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [قال الله تعالى: يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك
стр. 2114
ولا أبالي، يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عَنان السماء، ثم استغفرتني غفرت لك، يا ابن آدم، إنك لو أتيتني بقُراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة] (١).
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾.
ذِكْرُ إجابة ثمود لنبيهم صالح ﵊: أَنْ كُنّا نرجو أن تكون فينا سيدًا قبل أن يصدر عنك ما قلت، وكنا نرجوك في عقلك ونفتخر برأيك قبل أن تقول في الألوهية غير ما ألفناه. قال النسفي: (﴿مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾ للسيادة والمشاورة في الأمور، أو كنا نرجو أن تدخل في ديننا وتوافقنا على ما نحن عليه).
وقال القاسمي: (﴿أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ أي من الأوثان ﴿وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ أي من التوحيد ﴿مُرِيبٍ﴾ أي موقع في الريبة، وهي قلق النفس، وانتفاء الطمأنينة).
وقوله: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ﴾.
قال ابن جرير: (يقول: إن كنت على برهان وبيان من الله قد علمته وأيقنته، ﴿وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً﴾، يقول: وآتاني منه النبوة والحكمة والإسلام، ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ﴾، يقول: فمن الذي يدفع عني عقابه إذا عاقبني إن أنا عصيته).
وقوله: ﴿فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾. قال مجاهد: (ما تزدادون أنتم إلا خسارًا).
وقال الفراء: (أي تضليل وإبعاد من الخير). قال القرطبي: (والتخسير لهم لا له ﷺ ، كأنه قال: غير تخسير لكم لا لي. وقيل: المعنى ما تزيدونني باحتجاجكم بدين آبائكم غير بصيرة بخسارتكم، عن ابن عباس).
قلت: والسياق يدل على حديثه ﷺ عن نفسه، أي: لو تركت دعوتكم إلى الحق وإفراد الله سبحانه بالعبادة والتعظيم، وعصيت ربي بمجاراة أهوائكم، لما نفعتموني ولما زدتموني إلا خسارة بتعريضي لسخط الله.
стр. 2115
٦٤ - ٦٨. قوله تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (٦٤) فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥) فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ (٦٨)﴾.
في هذه الآيات: إجابة صالح ﷺ قومه عندما سألوه آية كحجة وبرهان على صدق دعوته ونبوته، فأعلمهم أن تلك الناقة آية لهم، رِزْقُها على الله، وإنما حذرهم من قتلها أو مسّها بسوء لئلا ينزل بهم عذاب من الله غير بعيد، فما كان منهم إلا أن عقروها وتجرؤوا على التحدي فأخبرهم: أن استمتعوا في دار الدنيا بحياتكم ثلاثة أيام، وعد من الله غير مخلوف. ولما جاء ميقات هلاكهم نجَّى الله صالحًا والمؤمنين برحمته وهو القوي العزيز، وأنزل بأسه بالقوم الظالمين فأخذتهم الصيحة فأصبحوا هلكى في ديارهم خامدين. كأن لم يغنوا بالأمس ألا إن ثمود عتوا عن أمر ربهم فأبعدهم ربهم من رحمته وأنزل بهم أليم عذابه.
وعن قتادة: (﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾، قال: بقية آجالهم). وعنه قال: (﴿بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾، قال: نجاه الله برحمة منه، ونجاه من خزي يومئذ).
وقال النسفي: (﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ أي صيحة جبريل ﵇، ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ﴾ منازلهم ﴿جَاثِمِينَ﴾ ميتين).
وعن ابن عباس: (﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾، قال: كأن لم يعيشوا فيها).
وقال ابن جرير: (﴿أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾، يقول: ألا إن ثمود كفروا بآيات ربهم فجحدوها، ﴿أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾، يقول: ألا أبعد الله ثمود! لنزول العذاب بهم).
وقد سبق تفصيل هذه القصة في سورة الأعراف بما يغني عن إعادته هنا ولله الحمد والمنة.
стр. 2116
٦٩ - ٧٣. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١) قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣)﴾.
في هذه الآيات: ذِكْرُ قصة لوط ﵇، وكانت قرى لوط بنواحي الشام، وإبراهيم ﵇ ببلاد فلسطين، فلما أنزل الله الملائكة بعذاب قوم لوط مروا بإبراهيم ونزلوا عنده، وكان يحسن قِرى من ينزل عنده، وكانوا مروا ببشارة إبراهيم، فظنهم أضيافًا. قيل: هم جبريل وميكائيل وإسرافيل ﵈، قاله ابن عباس، وقال الضحاك: كانوا تسعة. وقال السدي: كانوا أحد عشر ملكًا على صورة الغلمان الحسان الوجوه، فأقبلوا ببشرى الولد أو بإهلاك قوم لوط، فجاءهم إبراهيم بعجل مشوي يناسب حسن الضيافة، فلما رآهم لا يأكلون خافهم فأخبروه مُطمئنِين، أنهم ملائكة رب العالمين، أرسلهم سبحانه لإهلاك قوم مجرمين. فضحكت سارة لسماع بشرى إهلاك القوم المفسدين، فزادوها بشارة بإسحاق ثم يعقوب هدية رب العالمين. فتعجبت من الإنجاب وهي عجوز وبعلها شيخ كبير، فأعلموها أن ذلك أمر الله الحميد المجيد.
فقوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾. أي: جاءت الملائكة إبراهيم خليل الله تبشره بإسحاق، وقيل بهلاك قوم لوط. وفي التنزيل مما يشهد للأول: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾.
وقوله: ﴿قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾ - أي: عليكم. والتقدير: فسلموا عليه سلامًا فرد عليهم بقوله سلام، بمعنى: عليكم السلام، أو بمعنى: سلام منكم، أو أمركم سلام.
قال علماء البيان: (هذا أحسنُ ما حَيَّوه به، لأن الرفع يدلُّ على الثبوت والدوام) - ذكره الحافظ ابن كثير.
стр. 2117
وقوله: ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾. أي: انصرف مسرعًا لإحضار الضيافة والقيام بآداب الاستقبال، فأتاهم بعجل مشوي على الحجارة المحماة.
قال ابن عباس (﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾، يقول: نضيج). وقال مجاهد: (﴿بِعِجْلٍ﴾، حَسِيل البقر، و"الحنيذ"، المشوي النضيج). وقال: (﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾، نضيج، سُخِّنَ، أنضج بالحجارة). وقال السدي: (ذبحه ثم شواه في الرَّضف) - وهي الحجارة المحماة. وفي لغة العرب: حنذت الشاة أي شويتها، وجعلت فوقها حجارة مُحْمَاة لتنضجَها فهي حنيذ.
وفي الآيات من آداب الضيافة:
١ - ردّه السلام بسلام أحسن منه. فالرفع يدل على الثبوت والدوام - ﴿قَالَ سَلَامٌ﴾.
٢ - انسحب بسرعة للقيام بحسن الضيافة - ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ - أي ما أبطأ مجيئه، و"ما" نافية.
٣ - قرّب إليهم الطعام، فإن كرامة الضيف تعجيل التقديم، وكرامة صاحب المنزل المبادرة بالقبول، فلما قبضوا أيديهم نكرهم إبراهيم، لأنهم خرجوا عن العادة وخالفوا السنة، وخاف أن يكون وراءهم مكروه يقصدونه، فإن العرب إذا رأوا الضيف لا يأكل ظنوا به شرًا. وهو قوله: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾.
٤ - من حسن الضيافة مسارقة الضيف النظر للتأكد من أنه يأكل، وذلك بين الفينة والفينة بتلفت ومسارقة لا بتحديد النظر.
وفي التنزيل: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧)﴾ [الذاريات: ٢٦, ٢٧].
وقد حفلت السنة الصحيحة كذلك بذكر فضائل وآداب الضيافة، في أحاديث من جوامع كلم النبوة:
الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي شُرَيح الخزاعي قال: [سَمِعَ أُذُنايَ وَوَعاهُ قلبي النبي ﷺ يقول: "الضيافة ثلاثةُ أيام، جائزتُهُ"، قيل: وما جائِزتُهُ؟
стр. 2118
قال: يوم وليلة، قال: ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليُكْرِمْ ضَيْفَه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو لِيَسْكُت] (١).
الحديث الثاني: أخرج أبو داود بسند صحيح عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: [الضيافة ثلاثة أيام، فما سوى ذلك فهو صدقة] (٢).
الحديث الثالث: أخرج ابن ماجه بسند صحيحِ عن أبي شُرَيْح الخزاعي، عن النبي ﷺ قال: [مَنْ كان يؤمنُ بالله واليوم الآخر، فلْيُكرِمْ ضَيْفَهُ. وجائزتُهُ يومٌ وليلةٌ. ولا يحِلُّ له أن يَثْويَ عند صاحِبِهِ حتى يُحْرِجَهُ. الضيافة ثلاثة أيام. وما أنفق عليه بعد ثلاثة أيام، فهو صدقة] (٣).
الحديث الرابع: أخرج أبو داود بسند صحيح عن عقبة بن عامر، أنه قال: قلنا: يا رسول الله، إنك تبعثنا فننزل بقوم فما يقروننا، فما ترى؟ فقال لنا رسول الله ﷺ : [إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا، فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حقّ الضيف الذي ينبغي لهم] (٤).
قال أبو داود: (وهذه حجة للرجل يأخذ الشيء إذا كان له حقًا).
الحديث الخامس: أخرج ابن ماجه بسند صحيح عن المقدام أبي كريمة قال: قال رسول الله ﷺ : [ليلةُ الضيف واجبة. فإن أصبح بفنائه، فهو دَيْنٌ عليه. فإن شاء اقتضى، وإن شاء ترك] (٥).
وقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾.
قال قتادة: (وكانت العرب إذا نزل بهم ضيف، فلم يطعم من طعامهم، ظنوا أنه لم يجئ بخير، وأنه يحدث نفسه بِشَرّ). ﴿نَكِرَهُمْ﴾: أي تنكّرهم.
стр. 2119
وقوله: ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾. قال ابن جرير: (قالت الملائكة، لما رأت ما بإبراهيم من الخوف منهم: لا تخف منا وكن آمنا، فإنا ملائكة ربّك، ﴿أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾).
وقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾.
إِخْبَارٌ عن سارة امرأة إبراهيم ﵉ إذ كانت قائمة من وراء الستر تسمع كلام الرسل وكلام إبراهيم ﵇. أو قيل: كانت قائمة تخدمُ الرسل، وإبراهيم جالسٌ مع الرسل. فضحكت استبشارًا بهلاك قوم لوط لشدة فسادهم وغِلظ فجورهم في البلاد، فَبُشِّرت بالولد بعد الإياس: إسحاق ومن ورائه يعقوب.
وهناك أقوال عند المفسرين غير مناسبة نحو: (ضحكت: حاضت) أو ضحكت لروع إبراهيم. وإنما يفيد من تلك الأقوال:
١ - يروي ابن جرير بسنده عن السدي قال: (بعث الله الملائكة لتهلك قوم لوط، أقبلت تمشي في صورة رجال شباب، حتى نزلوا على إبراهيم فتضيَّفوه. فلما رآهم إبراهيم أجلّهم فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين، فذبحه ثم شواه في الرَّضف، فهو "الحنيذ" حين شواه. وأتاهم فقعد معهم، وقامت سارة تخدمهم. فذلك حين يقول: "وامرأته قائمة وهو جالس"، في قراءة ابن مسعود. فلما قرّبه إليهم قال: ألا تأكلون؟ قالوا: يا إبراهيم، إنا لا نأكل طعامًا إلا بثمن. قال: فإن لهذا ثمنًا! قالوا: وما ثمنه؟ قال: تذكرون اسم الله على أوله، وتحمدونه على آخره. فنظر جبريل إلى ميكائيل فقال: حُقَّ لهذا أن يتخذه ربه خليلًا! فلما رأى أيديهم لا تصل إليه - يقول: لا يأكلون - فزع منهم وأوجس منهم خيفة، فلما نظرت إليه سارة أنه قد أكرمهم وقامت هي تخدمهم، ضحكت وقالت: عجبًا لأضيافنا هؤلاء، إنّا نخدمهم بأنفسنا تكرمة لهم، وهم لا يأكلون طعامنا! ).
٢ - وعن قتادة أنه قال: (ضحكت تعجبًا مما فيه قوم لوط من الغفلة، ومما أتاهم من العذاب). - واختاره ابن جرير.
٣ - وعن وهب بن منبه يقول: (قالوا: لا تخف إنا نبشرك بغلام حليم مبارك! وبشّر به امرأته سارة، فضحكت وعجبت: كيف يكون لي ولد وأنا عجوز، وهو شيخ كبير؟ فقالوا: أتعجبين من أمر الله، فإنه قادر على ما يشاء! فقد وهبه الله لكم، فأبشروا به).
وقوله تعالى: ﴿قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾.
стр. 2120
هذا قولها عند التعجب من إمكانية الولادة وقد أسنّت وزوجها في الشيخوخة، وقد حكى الله فعلها أثناء تعجبها في آية الذاريات: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ - على عادة النساء عند تعجبهن في أقوالهن وأفعالهن.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾.
قال ابن كثير: (أي: قالت الملائكة لها: لا تعجبي من أمْرِ الله فإنه إذا أراد شيئًا أن يقول له: كن فيكون. فلا تعجبي من هذا وإن كنت عجوزًا عقيمًا وبعلك شيخًا كبيرًا فإن الله على ما يشاء قدير. ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾، أي هو الحميد في جميع أفعاله وأقواله، محمودٌ ممجَّدٌ في صِفاته وذاته، ولهذا ثبت في الصحيحين أنهم قالوا: قد علمنا السلامَ عليك، فكيف الصلاة عليك يا رسول الله؟ قال: "قولوا: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيمَ، وبارك على محمد وعلى آل محمدٍ، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد" (١)).
٧٤ - ٧٦. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥) يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦)﴾.
في هذه الآيات: محاولة إبراهيم ﷺ بعد زوال الخوف عنه وحصول البشرى له ردّ العذاب عن قوم لوط، بمجادلة الملائكة فيهم إنه حليم أواه منيب، وإجابة الملائكة له بقطع الجدال في شأنهم، فقد نزل أمر الله فيهم، فهم قادمون لا محالة على عذاب يستأصلهم.
وعن مجاهد: (﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ﴾، قال: الفَرَق). وقال قتادة: (ذهب عنه الخوف). والمقصود: لما ذهب عن إبراهيم ما أوجسه في نفسه من الخوف من ضيوفه حين رأى أيديهم لا تصل إلى طعامه، وأمن أن يكون قُصِدَ في نفسه وأهله بسوء.
стр. 2121
وقوله: ﴿وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى﴾. قال قتادة: (حين أخبروه انهم أرسلوا إلى قوم لوط، وانهم ليسوا إياه يريدون). وقال ابن إسحاق: (﴿وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى﴾ بإسحاق).
وقوله: ﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾. قال مجاهد: (يخاصمنا).
وعن ابن إسحاق قال: (جادل عن قوم لوط ليرد عنهم العذاب).
وعن السدي فيها: (قال: ما خطبكم أيها المرسلون؟ قالوا: إنا أرسلنا إلى قوم لوط. فجادلهم في قوم لوط، قال: أرأيتم إن كان فيها مئة من المسلمين أتهلكونهم؟ قالوا: لا! فلم يزل يُحطّ حتى بلغ عشرة من المسلمين، فقالوا: لا نعذبهم، إن كان فيهم عشرة من المسلمين. ثم قالوا: "يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه ليس فيها إلا أهل بيت من المؤمنين"، هو لوط وأهل بيته) - والله تعالى أعلم (١).
والخلاصة: إن إبراهيم ﵊ أخذ يحاول ردّ العذاب عن قوم لوط، ولكن أمر الله قد مضى في الانتقام منهم مقابل جرائمهم وبغيهم وعتوهم في الأرض.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾. قال مجاهد: (﴿أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾: القانت الرَّجَاع). وقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: إن إبراهيم لبطيء الغضب، متذلل لربه، خاشع له، منقاد لأمره، ﴿مُنِيبٌ﴾، رجّاع إلى طاعته). قلت: وهذه صفات مدح وثناء على إبراهيم ﵇ تتلوها الأجيال المتعاقبة إلى يوم القيامة.
وقوله تعالى: ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾
أي: يا إبراهيم دع عنك هذا الجدال في مصير قوم لوط، فإنه قد نزل فيهم قضاء الله الذي لا رادّ له، وإنهم يمضون قريبًا نحو عذاب غير مدفوع.
قال النسفي: (﴿يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ الجدال وإن كانت الرحمة ديدنك ﴿إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ قضاؤه وحكمه). وقال القرطبي: (﴿وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ﴾ أي نازل بهم ﴿عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ أي غير مصروف عنهم ولا مدفوع).
٧٧ - ٧٩. قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ
стр. 2122
يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨) قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (٧٩)﴾.
في هذه الآيات: وصول الملائكة - رسل الله - إلى لوط ﵊، وهم في أجمل صورة على شكل شبان حسان، فتوقّع لوط ﷺ بقدومهم إليه الابتلاء، وقد علم القوم بمجيئهم، فهرعوا إليهم لأجل شهواتهم وبغيهم، فناشدهم لوط ﷺ احترام الأضياف، واتخاذ النساء للنكاح، فركبوا أهواءهم مصرين على حمل لوط تسليمهم لهم.
فقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا﴾ - وذلك بعد انطلاقهم من عند إبراهيم ﵊ وإخبارهم بحلول هلاك قوم لوط هذه الليلة، فجاؤوا لوطًا في أرضه أو منزله على صورة شبان حسان في أجمل صورة، ابتلاء من الله.
وقوله: ﴿سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾. قال ابن عباس: (ساء ظنًا بقومه، وضاق ذرعًا بأضيافه).
وعن قتادة، عن حذيفة، أنه قال: (لما جاءت الرسل لوطًا أتوه وهو في أرض له يعمل فيها، وقد قيل لهم، والله أعلم، : لا تهلكوهم حتى يشهد لوط. قال: فأتوه فقالوا: إنا مُتَضيّفوك الليلة. فانطلق بهم، فلما مشى ساعة التفت، وقال: أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية؟ والله ما أعلم على ظهر الأرض أناسًا أخبث منهم! قال: فمضى معهم. ثم قال الثانية مثل ما قال، فانطلق بهم. فلما بصرت بهم عجوز السَّوْء امرأته، انطلقت فأنذرتهم).
وقوله: ﴿وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ - أي شديد البلاء. قال ابن عباس: (أي: يوم شديد). وقال ابن إسحاق: (خرجت الرسل، فيما يزعم أهل التوراة، من عند إبراهيم إلى لوط بالمؤتفكة، فلما جاءت الرسل لوطًا سيء بهم وضاق بهم ذرعًا، وذلك من تخوف قومه عليهم أن يفضحوه في ضيفه، فقال: ﴿هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾).
وقوله: ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾. قال مجاهد: (يهرولون، وهو الإسراع في المشي). وقال الضحاك: (يسعون إليه). وعن قتادة: (﴿يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾ قال: يسرعون إليه).
وقال سفيان بن عيينة: (كأنهم يدفعون).
стр. 2123
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وجاء لوطًا قومه يستحثون، يُرْعَدُون مع سرعة المشي، مما بهم من طلب الفاحشة).
وقوله: ﴿وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾. قال ابن جريج: (يأتون الرجال).
أي: ومن قبل مجيئهم إلى لوط لتحسس أخبار ضيوفه، كانوا على شأنهم القبيح من إتيان الرجال في أدبارهم.
وقوله: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾.
قال ابن كثير: (يرشدهم إلى نسائهم، فإن النبيَّ للأمة بمنزلة الوالد، فأرشدهم إلى ما هو أنفع لهم في الدنيا والآخرة). وبنحوه ذكر أهل التأويل:
١ - قال مجاهد: (لم يكُنَّ بناتِه، ولكن كُن من أُمَّتِهِ، وكل نَبِيٍّ أبو أُمَّتِه).
٢ - وقال ابن جريج: (أمرهم أن يتزوجوا النساء، ولم يعرض عليهم سفاحًا).
٣ - وقال سعيد بن جبير: (يعني نساءهم، هن بناته، وهو أبٌ لهم). أو قال: (هو نبيّهم، وقال في بعض القراءة: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أبٌ لهم﴾ [الأحزاب: ٦]).
٤ - وعن الربيع: (﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾، يعني التزويج). قال قتادة: (أمرهم أن يتزوجوا النساء. وأراد نبي الله ﷺ أن يقيَ أضيافه ببناته).
٥ - وعن السدي: ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾، قالوا: أولم ننهك أن تضيف العالمين؟ قال: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾، إن كنتم فاعلين، أليس منكم رجل رشيد).
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٥, ١٦٦].
٢ - وقال تعالى: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (٧٠) قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٠ - ٧٢].
وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾.
أي: خافوا الله وعظموه واقبلوا ما شرع لكم من النكاح والتزويج والاقتصار على
стр. 2124
نسائكم، ولا تفضحوني في سيئاتكم أمام ضيوفي، أليس منكم رجل راشد ينهى أصحابه عن فواحشهم ورذيلتهم!
قال ابن جرير: (﴿وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾، يقول: ولا تذلوني، بأن تركبوا مني في ضيفي ما يكرهون أن تركبوه منهم).
وعن ابن إسحاق: (﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾، أي: رجل يعرف الحق وينهى عن المنكر).
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾.
أي: لا رغبة لنا في النساء - يا لوط - ولا نشتهيهن، بل نرغب في الرجال، وأنت تعلم ذلك.
قال ابن إسحاق: (أي: إن بغيتنا لغير ذلك). وعن السدي: (﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ إنا نريد الرجال).
قال ابن كثير: (﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾، أي: إنك تعلم أن نساءنا لا أرب لنا فيهن ولا نشتَهيهنَّ، ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾، أي: ليس لنا عَرَضٌ إلا في الذكور، وأنت تعلم ذلك، فأيُّ حاجةٍ في تكرار القول علينا في ذلك؟ ! ).
٨٠ - ٨٣. قوله تعالى: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١) فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)﴾.
في هذه الآيات: تمني لوط ﵊ حين حاصره قومه يريدون اصطياد أضيافه لفاحشتهم المنعة والنصرة والقوة، فأخبرته الملائكة حين رأوا ما نزل به من الكرب أنهم رسل الله جاؤوا لإهلاك قومه، وأمروه بالخروج بأهله - سوى زوجته - ببقية من الليل وأن يتبع أدبارهم ولا يلتفت أحد منهم لما قد يُسمع من هلاك القوم، فإن عذابهم قد دنا مع صبح تلك الليلة. فلما جاء أمر العذاب ونزول الهلاك بهم جعل الله
стр. 2125
عالي قريتهم سافلها وأرسل عليهم حجارة متتابعة معلمة تسحقهم، وما هذا العذاب من الظالمين ببعيد.
فقوله تعالى: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ - فيه أقوال متقاربة:
١ - قال السدي: (قال لوط: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾، يقول: إلى جند شديد، لقاتلتكم). وقال قتادة: (العشيرة).
٢ - وعن الحسن: (﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾، قال: إلى ركن من الناس). قال ابن جريج: (بلغنا أنه لم يبعث نبيٌّ بعد لوط إلا في ثَرْوةٍ من قومه، حتى النبي ﷺ ).
٣ - وعن ابن إسحاق قال: (﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾، أي: عشيرة تمنعني، أو شيعة تنصرني، لحلت بينكم وبين هذا).
والخلاصة: لقد تمنى لوط ﵊ إذ حاصره قومه يريدون السوء والفاحشة بأضيافه، أن يكون في منعة من عشيرة أو نصرة من أعوان يدفعون عنه هؤلاء القوم الفاسدين الأشرار.
أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: [يَغْفرُ الله للوط إنْ كان ليأوي إلى ركنٍ شديد] (١). زاد أحمد: (إذ قال لقومه: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾).
وفي لفظ: [يرحم الله لوطًا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد].
ورواه أحمد والطبري بلفظ: [رحمة الله على لوط، لقد كان يأوي إلى ركن شديد - يعني الله، فما بعث الله بعده من نبيّ إلا في ثَرْوَةٍ من قومه].
وقوله: ﴿قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾. قال ابن جرير: (قالت الملائكة للوط، لما قال لوط لقومه: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾، ورأوا ما لقي من الكرب بسببهم منهم: ﴿يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾، أرسلنا لإهلاكهم، وإنهم لن يصلوا إليك وإلى ضيفك بمكروه، فهوّن عليك الأمر).
وقوله: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾. أي: فاخرج أنت وأهلك ببقية من الليل من
стр. 2126
بين أظهرهم، وأمروه أن يتّبعَ أدبارهم، أي: يكون ساقةً لأهله. وهناك قراءتان مشهورتان: قرأ عامة قراء الكوفة والبصرة ﴿فَأَسْرِ﴾، في حين قرأها عامة قراء مكة والمدينة "فاسْر" بغير همز، وسرى فلان وأسرى في كلام العرب إذا سار بليل، ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ أي من آخر الليل، أو بظلمة من الليل أو بساعة من الليل. قال ابن عباس: (بطائفة من الليل).
وقوله: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾. قال ابن كثير: (أي: إذا سمعت ما نزل بهم، ولا تَهُولنَّكم تلك الأصوات المزعجة، ولكن استمروا ذاهبين).
وقوله: ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ - فيه قراءتان:
١ - قراءة قراء الحجاز والكوفة وبعض قراء البصرة ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ بالنصب، أي فأسر بأهلك إلا امرأتك، فَأُمِرَ أن يُسري بأهله سوى زوجته أُمِرَ بتخليفها مع قومها.
٢ - وأما القراءة الثانية "إلا امرأتُك" - فهي قراءة بعض البصريين. والتقدير: لا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك، فنهى لوط من معه من الالتفات سوى زوجته أخرجها معه وإنها التفتت فهلكت لذلك.
وكلاهما قراءتان مشهورتان، وإن كان النصب أشهر القراءتين، وأنه أمر لوط ﷺ بتخليف زوجته مع قومها، والله تعالى أعلم.
وقوله: ﴿إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾. أي: إنه واقع بها العذاب الذي هو واقع بقومها.
وقوله: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾. قال ابن إسحاق: (أي: إنما ينزل بهم من صبح ليلتك هذه، فامض لما تؤمر).
قال القرطبي: (لما قالت الملائكة: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ [العنكبوت: ٣١] قال لوط: الآن الآن. استعجلهم بالعذاب لغيظه على قومه، فقالوا: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾. قال: ويحتمل أن يكون جعل الصبح ميقاتًا لهلاكهم، لأن النفوس فيه أودع، والناس فيه أجمع).
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾.
أي: وحين جاء أمر العذاب ونزول الهلاك بهم جعل الله عالي قريتهم سافلها وأرسل عليهم حجارة مُسْتَحْجرة قوية شديدة متتابعة.
стр. 2127
قال مجاهد: (قوله: ﴿مِنْ سِجِّيلٍ﴾، بالفارسية، أوّلها حَجَر، وآخرها طين).
وقال ابن عباس: (هو بالفارسية سنك، وجل، "سنك"، هو الحجر، و"جل"، هو الطين. يقول: أرسلنا عليهم حجارة من طين).
وقال البخاري (سِجّيل: الشديد الكبير، سِجّيل وسجِّينٌ، اللام والنون أختان).
وعن قتادة: (﴿مَنْضُودٍ﴾، يقول: مصفوفة). وقال الربيع بن أنس: (﴿مَنْضُودٍ﴾: نضد بعضه على بعض)، وقيل: يتبع بعضه بعضًا عليهم. وعن أبي بكر الهذلي بن عبد الله قال: (أما قوله: ﴿مَنْضُودٍ﴾، فإنها في السماء منضودة معدَّة، وهي من عُدَّة الله التي أَعَدَّ للظلمة).
وقوله: ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ﴾. قال مجاهد: (معلمة). أي معلمة مختومة، قيل: عليها أسماء أصحابها، كل حجر مكتوب عليه اسم الذي ينزل عليه.
والخلاصة كما ذكر المفسرون: أن جبريل ﵇ احتمل القرية بجناحه، ثم صَعِد بها، حتى إن أهل السماء ليسمعون نابحة كلابها، وأصوات دجاجها، ثم كفأها على وجهها، فصار أعلاها أسفلها، ثم أتبعها الله بالحجارة، فاهلكها الله وما حولها من المؤتفكات.
وفي التنزيل: ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾.
وقوله: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾. قال مجاهد: (يُرْهِب بها من يشاء).
قال ابن كثير: (أي: وما هذه النقمة ممن تشبّه بهم في ظلمهم ببعيد عنه).
قلت: وقد جاء التهديد في السنة الصحيحة والوعيد الشديد على من قلد قوم لوط في فعلتهم، وذلك في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد في المسند بسند حسن عن ابن عباس مرفوعًا: [من وجدتموه يعمل عملَ قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به] (١).
الحديث الثاني: أخرج ابن ماجه بسند حسن عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في الذي يعمل عمل قوم لوط. قال: [ارجُموا الأعلى والأسْفَل. ارجُموهما جميعًا] (٢).
стр. 2128
الحديث الثالث: أخرج ابن ماجه بسند حسن عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : [إن أخوفَ ما أخاف على أمتي عَمَلُ قوم لوطٍ] (١).
وقد ذهب الإمام الشافعي وجماعة من أهل العلم أن اللائط يقتل سواء كان مُحصنًا أو غير محصن. واختار أبو حنيفة أن يلقى من شاهق ويُتبع بالحجارة كما فعل الله بقوم لوط، والله تعالى أعلم.
٨٤ - ٨٦. قوله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤) وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦)﴾.
في هذه الآيات: ذِكْرُ الله قصة شعيب ﵇ مع قومه، فقد دعاهم لإفراد الله تعالى بالعبادة والتعظيم، ونبذ التلاعب بالمكيال والموازين، وحذرهم عذاب يوم محيط. ثم أكَّد الأمر لهم بالوفاء في المكيال والميزان بالقسط وإعطاء الناس حقوقهم دون بخس أو ظلم، واجتناب سبيل المفسدين. فإن ما يبقى من الربح الحلال خير لهم من الغش والمكر والخداع إن كانوا حقًا مؤمنين، فإنه لم يُكَلَّف هو بمراقبتهم بل الله هو الرقيب على أعمالهم.
فقوله: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾.
أي: وكذلك أرسلنا إلى ولد مدين أخاهم شعيبًا أن أطيعوا الله وأفردوه بالتعظيم، وتذللوا له بالعبادة ولا تصرفوها إلى غيره، فهو إلهكم الواحد الأحد.
قال ابن جرير: (﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾، يقول: ما لكم من معبود سواه يستحق عليكم العبادة غيره).
وقوله: ﴿وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾. أي: لا تبخسوا الناس أثناء بيعكم في
стр. 2129
مكيالكم وميزانكم، بل أوفوهم حقهم ولا تتبعوا سبيل الغواية والغش والخداع.
وفي آية الأعراف: ﴿أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾.
أخرج ابن حبان في صحيحه، والطبراني في "الصغير والكبير" بسند حسن عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : [من غشنا فليس منا، والمكر والخداع في النار] (١).
وقوله: ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾. قال الحسن: (الغنى ورُخْص السعر).
وقال قتادة: (يعني خير الدنيا وزينتها).
قال ابن كثير: (﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾، أي: في معيشتكم ورزقكم فأخاف أن تُسلَبُوا ما أنتم فيه بانتهاككم محارمَ الله).
وقوله: ﴿وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾. أي: محيط بإهلاكه وعذابه.
قال النسفي: (والمراد عذاب الاستئصال في الدنيا أو عذاب الآخرة).
وقوله: ﴿وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾.
أي: أوفوا الناس كيلهم وميزانهم بالعدل - يقول شعيب لقومه - وأدّوا إليهم تمام حقوقهم بغير بخس ولا نقص ولا تلاعب ولا احتكار.
قال قتادة: (﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾، يقول: لا تظلموا الناس أشياءهم).
وقوله: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. قال الضحاك: (يقول: ولا تسعوا في الأرض مفسدين، يعني: نقصان الكيل والميزان).
وقوله تعالى: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾.
أي: ما يبقى لكم من الربح الحلال بعد إتمام الكيل والميزان ووفاء الناس حقوقهم خير لكم من الغش والمكر والمال الحرام، إن كنتم مصدقين بوعد الله ووعيده، وحلاله وحرامه، وما أنا إلا نذير لكم ولم يوكل إليّ أمر مراقبتكم أثناء مكيلكم
стр. 2130
ووزنكم وبيعكم وتعاملكم، فراقبوا الله تعالى الذي ينظر إلى معاملاتكم ويعلم سركم ونجواكم.
وعن مجاهد: (﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، قال: طاعة الله خير لكم). وقال قتادة: (حظكم من ربكم خير لكم). وقال ابن عباس: (﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ﴾: رزق الله). وقال ابن زيد: (الهلاك في العذاب، والبقية في الرحمة).
وفي التنزيل: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [المائدة: ١٠٠].
أخرج أبو نعيم في "الحلية" بإسناد حسن عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: [إن روح القدس نفث في رُوعي أن نفسًا لن تموت حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله، فإن الله تعالى لا يُنال ما عنده إلا بطاعته] (١).
٨٧ - ٩٠. قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧) قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨) وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠)﴾.
في هذه الآيات: مقابلة قوم شعيب لرسولهم بالاستهزاء والتهكم: هل صلاتك تأمرك بتركنا عبادة الأوثان؟ وترك التطفيف واللعب بالمكيال والميزان؟ وهي أموالنا نفعل فيها ما نشاء! ألست أنت الحليم الرشيد! فأجابهم شعيب مستنكرًا سوء موقفهم: ما ظنكم - أيها القوم - لو كنت على بصيرة وبرهان من ربي فيما أدعوكم إليه، ولست
стр. 2131
ممن يخالف سره علنه، إن أريد إلا إصلاح أحوالكم لما يرضي ربكم، عليه توكلت وإليه أنيب. ويا قوم لا يحملنكم عداوتي على الإصرار على الكفر وظلم الناس أشياءهم، وإنما عليكم الاتعاظ بمن هلك من الأقوام قبلكم، فسارعوا إلى استغفار ربكم والتوبة إليه إن ربي رحيم تواب ودود.
فقوله: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾. أي: أجابوه مستهزئين على سبيل التهكم. ﴿أَصَلَاتُكَ﴾ - قال الأعمش: (قراءتك). وفي لفظ: (قرآنك). وكان شعيب - صلوات الله وسلامه عليه - فيما ذكر كثير الصلاة.
قال القرطبي: (فلما أمرهم ونهاهم عيَّروه بما رأوه يستمر عليه من كثرة الصلاة، واستهزؤوا به). أي: هل صلاتك وقراءتك تأمرنا بترك عبادة الأصنام والأوثان! ! قال الحسن: (إي والله، إن صلاته لتأمرهم أن يتركوا ما كان يعبد آباؤهم).
وإنما أمرهم بتوحيد الله ، والتزام طاعته واجتناب نواهيه، ومن أخص ذلك ما هم عليه من الغش والتطفيف واللعب بالمكيال والميزان.
وقوله: ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾. قال الثوري: (يعنون الزكاة).
وقال ابن كثير: (﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾، فنترك التَّطفيف على قولك، وهي أموالنا نفعل فيها ما نريد).
وقوله: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾.
قال ابن جريج: (يستهزئون). وقال ابن زيد: (المستهزئون، يستهزئون: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾).
قال ابن جرير: (فإنهم أعداء الله، قالوا ذلك له استهزاءً به، وإنما سَفَّهوه وجَهَّلوه بهذا الكلام).
وقوله: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾. أي: ما ظنكم لو كنت على بصيرة وبرهان من ربي فيما أدعوكم إليه من إفراد الله تعالى بالعبادة، وحفظ الأموال وترك الغش والخداع.
وقوله: ﴿وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ - فيه قولان متكاملان:
١ - الرزق الحسن هو الرزق الحلال الطيب.
٢ - الرزق الحسن كناية عن النبوة.
стр. 2132
وقوله: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾.
قال الثوري: (أي: لا أنهاكم عن شيء وأخالفُ أنا في السر فأفعله خفية عنكم).
وقال قتادة: (يقول: لم أكن لأنهاكم عن أمر وأركَبه).
وقوله: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾.
قال النسفي: (ما أريد إلا أن أصلحكم بموعظتي ونصيحتي وأمري بالمعروف ونهيي عن المنكر ﴿مَا اسْتَطَعْتُ﴾ ظرف، أي مدة استطاعتي للإصلاح، وما دمت متمكنًا منه لا آلو فيه جهدًا).
وقوله: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾. أي: وما بلوغي مرامي في إصابة الحق في نصحكم ودعوتكم إلا بعون الله وتوفيقه.
وقوله: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾. أي: اعتمدت في أمري كله.
وقوله: ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. قال مجاهد: (أرجع).
وقوله: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي﴾. أي: لا يحملنكم عداوتي وكراهيتي وما أنا عليه من الدين الحق على الإصرار على كفركم وما فيه سوء عاقبتكم من بخس الناس في المكيال والميزان وعدم الوفاء.
قال قتادة: (﴿لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي﴾، يقول: لا يحملنكم فراقي).
وقال ابن جريج: (﴿لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي﴾، قال: عداوتي وبغضائي وفراقي).
وقوله: ﴿أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾. أي: من الغرق ﴿أَوْ قَوْمَ هُودٍ﴾، من العذاب ﴿أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ﴾ من الرجفة.
وقوله: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾. قال قتادة: (إنما كانوا حديثًا منهم قريبًا، يعني قوم نوح وعاد وثمود وصالح). أو قال: (إنما كانوا حديثي عهد قريب، بعد نوح وثمود).
والمقصود أحد معنيين يكمل بعضهما بعضًا:
١ - وما قومُ لوط - أيها القوم الذين ائتفكت بهم الأرض - ببعيد هلاكهم منكم.
٢ - وما دارُ قوم لوط منكم ببعيد.
стр. 2133
أفلا تتعظون بمهالك هؤلاء الأقوام فَيَحْمِلكم ذلك على أخذ العبرة والحذر أن يصيبكم بشقاقي مثل الذي أصابهم.
وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾.
أي: سارعوا بالمغفرة لنيل عفو الله ورضوانه، والتزموا منهج التوبة لتستقبلوا عظيم رحمته وإحسانه. ﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ - قال النسفي: (يغفر لأهل الجفاء من المؤمنين. ﴿وَدُودٌ﴾ يحب أهل الوفاء من الصالحين). وقال ابن جرير: (يقول: هو رحيم بمن تاب وأناب إليه، أن يعذبه بعد التوبة، ﴿وَدُودٌ﴾، يقول: ذو محبة لمن أناب وتاب إليه، يودُّه ويحبه).
قلت: والودود فعول بمعنى مفعول، من الوُدِّ، فالله تعالى مودود أي: محبوب في قلوب أوليائه، أو هو فعول بمعنى: فاعل، أي: أن الله تعالى يودُّ عباده الصالحين، بمعنى: يرضى عنهم (١).
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج: ١٤].
٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦].
وفي صحيح سنن الترمذي عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [إذا أحب الله عبدًا نادى جبريل: إني قد أحببتُ فلانًا فأحِبَّهُ، فينادي في السماء، ثم تُنْزل له المحبة في الأرض، فذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾] (٢).
٩١ - ٩٥. قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (٩١) قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢) وَيَاقَوْمِ
стр. 2134
اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (٩٣) وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥)﴾.
في هذه الآيات: استمرار استهزاء قوم شعيب برسولهم واستضعافه بل وتهديده. ومفاصلة شعيب لهم محذرًا لهم عذاب الله ونقمته دون جدوى منهم. ونزول أمر الله بعذابهم بالصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين. ونجاةُ شعيب بإذن الله ومن معه من المؤمنين.
فقوله: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾.
إِخْبَارٌ عن إجابة قوم شعيب لشعيب: قالوا يا شعيب ما نعلم حقيقة كثير مما تخبرنا به ومما تقوله، ولا نفهم صحة ما تتكلم به، وهو إنكار منهم وعناد بلا ريب. لأنه كما قال سفيان: (وكان يقال له: "خطيب الأنبياء") (١).
وقوله: ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾. قال النسفي: (لا قوة لك ولا عز فيما بيننا فلا تقدر على الامتناع منا إن أردنا بك مكرهًا.
وقوله: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾. قال ابن زيد: (قالوا: لولا أن نتقي قومك ورهطك لرجمناك). قال ابن جرير: ﴿لَرَجَمْنَاكَ﴾ يعنون: لسببناك. وقال بعضهم: معناه: لقتلناك). والرجم أيضًا اللعن، ومنه: الشيطان الرجيم، أي الملعون المطرود عن الخير.
وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيز﴾. قال القرطبي: (أي ما أنت علينا بغالب ولا قاهر ولا ممتنع).
وقوله: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾. أي: أَبَلَغَ رهطي في قلوبكم أن يكون أعز عليكم وأجل من ربكم ومليككم . ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾. أي: وجعلتم أمره تعالى خلف ظهوركم، فلا تأتمرون بأمره، ولا تجتنبون ما نهاكم عنه، ولا تعظِّمونَهُ حق تعظيمه؟ .
стр. 2135
قال ابن عباس: (وذلك أن قوم شعيب ورهطه كانوا أعز عليهم من الله، وصغر شأن الله عندهم، عزّ ربّنا وجَلّ).
وقال قتادة: (لم تراقبوه في شيء، إنما تراقبون قومي، ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾، لا تخافونه، يقول: عززتم قومكم، وأظهرتم بربكم). أو قال: (واغتررتم بربكم). وقال سفيان: (استخففتم بأمره).
وفي لغة العرب: "نبذ فلان حاجة فلان وراءه ظهره"، إذا تركها ولم يلتفت إليه. والظهريّ منسوب إلى الظهر.
وقوله: ﴿إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾. قال ابن جرير: (يقول: إن ربي محيط علمه بعملكم فلا يخفى عليه منه شيء، وهو مجازيكم على جميعه عاجلًا وآجلًا).
وقوله: ﴿وَيَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ﴾. أي: اعملوا على تمكنكم ومنازلكم ووسعكم وطريقتكم فإني عامل على تمكني ووسعي وطريقتي. قال ابن كثير: (﴿اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾، أي: على طريقتكم. وهذا تهديد ووعيد شديد، ﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾، على طريقتي ومنهجي).
وقوله: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾.
أي: سوف تعلمون من يأتيه عذاب يهلكه ويذله ويهينه، ومن هو المفسد من المصلح، ومن هو كاذب منا فيذوق وبال أمره، وانتظروا العاقبة وما أقول لكم فإني معكم مترقب منتظر. قال القرطبي: (﴿وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾ أي انتظروا العذاب والسخطة، فإني منتظر النصر والرحمة).
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾.
أي: ولما حان ميعاد عذاب قوم شعيب نجّى الله تعالى شعيبًا والمؤمنين الذين ناصروه وتابعوه وآمنوا معه برحمته سبحانه، وانتقم من القوم الذين ظلموا فأخمدهم بصيحة جعلتهم في ديارهم هامدين لا حَرَاكَ بهم.
قال ابن كثير: (وذكر ها هنا أنهم أتتهم صيحة، وفي الأعراف رجفة، وفي الشعراء عذابُ يوم الظُّلَّة، وهم أمةٌ واحدة، اجتمع عليهم يومَ عذابهم هذه النقَمُ كلها، وإنما
стр. 2136
ذكر في كل سياق ما يناسبه، ففي الأعراف لما قالوا: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا﴾ [الأعراف: ٨٨]، ناسب أن يذكر هناك الرجفةَ فَرُجِفَت بهم الأرض التي ظلموا بها، وأرادوا إخراج نبيِّهم منها، وها هنا لما أساؤوا الأدب في مقالتهم على نبيهم ناسبَ ذكر الصيحة التي أسكتتهم وأخمدتهم، وفيِ الشعراء لما قالوا: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، قال: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، وهذا من الأسرار الغريبة الدقيقة، ولله الحمد والمنة كثيرًا دائمًا).
وقوله: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾. أي: كأنهم لم يعيشوا في تلك المساكن والديار قبل ذلك. قال ابن عباس: (﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ يقول: كأن لم يعيشوا فيها).
وقوله: ﴿أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾. أي: ألا أبعد الله مدين بانتقامه منهم، كما أبعد قبلهم ثمود بحلول سخطه بهم.
قال القاسمي: (شبههم بهم، لأن عذابهم كان أيضًا بالصيحة، وكانوا قريبًا منهم في المنزل، نظراءهم في الكفر، وقطع الطريق، وكانوا أعرابًا مثلهم).
٩٦ - ٩٩. قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٩٦) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩)﴾.
في هذه الآيات: خَبَرُ إرسال الله تعالى موسى ﵊ إلى فرعون وملئه، واستكبارهم عن اتباع الحق إلى أمر فرعون المتجبر العنيد. إنه سيقدم قومه يوم القيامة إلى نار الجحيم، وسيتبعهم الله إضافة إلى عذاب الدنيا لعنة، ثم تنالهم لعنة أخرى يوم القيامة، فبئس ما هم فيه من تتابع اللعن عليهم والخزي والشقاء.
فقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٩٦) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾.
إِخْبَارٌ من الله تعالى عن إرساله موسى ﵊ بحججه الدامغة، وبراهينه وأدلته القاطعة، إلى الطاغية فرعون - ملك ديار مصر على أمة القبط - ومن معه في الحكم من الملأ الباغي. قال ابن جرير: (﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾، يعني: إلى أشراف جنده وتبَّاعه).
стр. 2137
وقوله: ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾.
أي آثروا المضي خلف مسلك فرعون ومنهجه في البغي والظلم والضلال، وإن أمر فرعون كله جهل وعناد، وكفر وفساد، وما فيه حكمة أو علم أو هدى ورشاد.
وقوله تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾.
أي يقود قومه يوم القيامة فيمضي بهم إلى النار، وبئس الورد وبئس المصير.
قال قتادة: (﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يقول: يقود قومه. قال: فرعون، يقدم قومه يوم القيامة، يمضي بين أيديهم، حتى يهجم بهم على النار).
وعن ابن عباس: (قوله: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يقول: أضلَّهم فأوردهم النار. قال: ﴿الْوِرْدُ﴾ الدُّخول).
وعن الضحاك يقول في قوله: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾: (كان ابن عباس يقول: ﴿الْوِرْدُ﴾ في القرآن أربعة أوراد: في "هود" قوله: ﴿وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾، وفي "مريم": ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾، وورد في "الأنبياء": ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾، وورد في "مريم" أيضًا: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾. كان ابن عباس يقول: كل هذا الدخول. والله ليردنَّ جهنم كل برٍّ وفاجر: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢]).
وقوله تعالى: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾.
أي: وأتبعهم الله تعالى - إضافة للعذاب الذي أهلكهم به في الدنيا بالغرق - لعنة، ويوم القيامة تنالهم لعنة أخرى، فبئس ما هم فيه من تتابع الطرد والشقاء.
قال مجاهد: (﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾، اللعنة في إثر اللعنة). قال: (زيدوا بلعنته لعنة أخرى، فتلك لعنتان).
وعن ابن عباس: (﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾، قال: لعنة الدنيا والآخرة).
وعن قتادة قال: (ترادفت عليهم اللعنتان من الله، لعنة في الدنيا، ولعنة في الآخرة).
وفي لغة العرب: الرِّفد: العطاء والصلة، ورفَدَه أعطاه وأعانه، والمقصود: ترادف إحدى اللعنتين الأخرى، من الله تعالى على فرعون وملئه، في الدنيا والآخرة.
стр. 2138
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص: ٤١, ٤٢].
٢ - وقال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦].
١٠٠ - ١٠٢. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ (١٠٠) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (١٠١) وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾.
في هذه الآيات: إِعْلامٌ من الله تعالى لنبيّه محمد ﷺ : أنَّ هذه القصص التي ذكرت لك في هذه السورة هي من أخبار القرى التي دكّها الله بكفر أهلها وطغيانهم وفسادهم وتعظيمهم الشهوات فوق أمر الله ودينه الحق. فمن هذه القرى ما هو قائم بنيانه بائد أهله هالك، ومنها ما هو قائم بنيانه عامر، ومنها ما هو خراب دارسٌ لا أثرَ له ولمن كان يسكنه. وما ظلمهم الله، ولا أغنت عنهم آلهتهم حين نزل بهم بأس الله، إن بأس الله بالمجرمين شديد.
فقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾.
قال ابن عباس: (يعني بـ "القائم" قُرى عامرة، و"الحصيد" قرى خامدة).
وقال قتادة: ﴿قَائِمٌ﴾ على عروشها، و ﴿وَحَصِيدٌ﴾ مستأصلة). أو قال: (﴿مِنْهَا قَائِمٌ﴾، يرَى مكانه، ﴿وَحَصِيدٌ﴾، لا يرى له أثر). وقال ابن زيد: (منها قائم يرى أثره، وحصيد بادَ لا يرى أثره). وقال الأخفش: (حصيد أي محصود).
وقوله: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾.
قال ابن زيد: (اعتذر - يعني ربنا جل ثناؤه - إلى خلقه فقال: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾، مما ذكرنا لك من عذاب من عذبنا من الأمم، ﴿وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾).
стр. 2139
قال النسفي: (﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ بإهلاكنا إياهم ﴿وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بارتكاب ما به أهلكوا) - أي من الكفر والمعاصي.
وقوله: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾.
أي: لم تنفعهم أصنامهم ولا أوثانهم التي كانوا يعبدونها من دون الله شيئًا حين نزل بهم أمر الله بالإهلاك والدمار، فلا هم نفعوهم بِرَدِّ بأْسِ الله عنهم، ولا هم أنقذوهم مما حلَّ بهم من التدمير والتشريد والهلاك.
وقوله: ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾. قال مجاهد وقتادة: (غير تخسير).
يقال في لغة العرب: تبَّ فلان إذا خسر، وتبَّبَهُ غيره إذا أوقعه في الخسران.
قال القرطبي: (والتَّبَاب الهلاك والخسران، وفيه إضمار، أي ما زادتهم عبادة الأصنام، فحذف المضاف، أي كانت عبادتهم إياهم قد خسَّرتهم ثواب الآخرة).
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾.
إِخْبَارٌ من الله سبحانه عما جاءت به العادة في إهلاك من بغى من الأمم وظلم، وكفر بالله وأجرم، إن عقوبته سبحانه لأهل الشرك والبغي موجعة غليظة مؤلمة.
أخرج البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الله ليُملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يُفلِته. ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾] (١).
١٠٣ - ١٠٨. قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣) وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤) يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا
стр. 2140
يُرِيدُ (١٠٧) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾.
في هذه الآيات: إِخْبَارُ الله تعالى أن في تلك القصص عبرة لمن خاف عذاب الله يوم القيامة، إنه يوم يجتمع فيه الخلق جميعهم، وتشهده الملائكة، وقد سبق توقيته في قضاء الله، إنه يوم لا يتكلم فيه أحد إلا بإذن الله، ويقسم الناس إلى فريقين: أهل الشقاوة وأهل السعادة. فأهل الشقاوة يصارون إلى منازلهم في نار جهنم خالدين فيها إلا ما شاء الله، فهو الفعال لما يريد. وأهل السعادة يصارون إلى مراتبهم ومساكنهم في الجنة خالدين فيها، تكرمة الله لهم في عطاء غير مقطوع، ونعيم لا حدود له.
فقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ﴾. أي: إن في إهلاك تلك القرى الظالم أهلها لعبرة وعظة لمن أراد النجاة من عذاب الله في الآخرة، فينزجر عن الخوض في ظلمات المعاصي والكفر والآثام، ويعلم أن الله سينصر المؤمنين في الدنيا ويوم يقوم الأشهاد.
قال ابن زيد: (﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ﴾، إنا سوف نفي لهم بما وعدناهم في الآخرة، كما وفينا للأنبياء: أنّا ننصرهم).
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١].
٢ - وقال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١].
٣ - وقال تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٣, ١٤].
أخرج الخطيب في "التاريخ" والديلمي، وأبو نعيم في "الحلية" بسند رجاله ثقات عن أنس مرفوعًا: [النَّصرُ مع الصَّبْرِ، والفَرَجُ مع الكرب، وإن مع العُسْر يُسْرًا] (١).