← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

ذكر في كل سياق ما يناسبه، ففي الأعراف لما قالوا: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا﴾ [الأعراف: ٨٨]، ناسب أن يذكر هناك الرجفةَ فَرُجِفَت بهم الأرض التي ظلموا بها، وأرادوا إخراج نبيِّهم منها، وها هنا لما أساؤوا الأدب في مقالتهم على نبيهم ناسبَ ذكر الصيحة التي أسكتتهم وأخمدتهم، وفيِ الشعراء لما قالوا: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، قال: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، وهذا من الأسرار الغريبة الدقيقة، ولله الحمد والمنة كثيرًا دائمًا). وقوله: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾. أي: كأنهم لم يعيشوا في تلك المساكن والديار قبل ذلك. قال ابن عباس: (﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ يقول: كأن لم يعيشوا فيها). وقوله: ﴿أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾. أي: ألا أبعد الله مدين بانتقامه منهم، كما أبعد قبلهم ثمود بحلول سخطه بهم. قال القاسمي: (شبههم بهم، لأن عذابهم كان أيضًا بالصيحة، وكانوا قريبًا منهم في المنزل، نظراءهم في الكفر، وقطع الطريق، وكانوا أعرابًا مثلهم). ٩٦ - ٩٩. قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٩٦) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩)﴾. في هذه الآيات: خَبَرُ إرسال الله تعالى موسى ﵊ إلى فرعون وملئه، واستكبارهم عن اتباع الحق إلى أمر فرعون المتجبر العنيد. إنه سيقدم قومه يوم القيامة إلى نار الجحيم، وسيتبعهم الله إضافة إلى عذاب الدنيا لعنة، ثم تنالهم لعنة أخرى يوم القيامة، فبئس ما هم فيه من تتابع اللعن عليهم والخزي والشقاء. فقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٩٦) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾. إِخْبَارٌ من الله تعالى عن إرساله موسى ﵊ بحججه الدامغة، وبراهينه وأدلته القاطعة، إلى الطاغية فرعون - ملك ديار مصر على أمة القبط - ومن معه في الحكم من الملأ الباغي. قال ابن جرير: (﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾، يعني: إلى أشراف جنده وتبَّاعه).

стр. 2137

وقوله: ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾. أي آثروا المضي خلف مسلك فرعون ومنهجه في البغي والظلم والضلال، وإن أمر فرعون كله جهل وعناد، وكفر وفساد، وما فيه حكمة أو علم أو هدى ورشاد. وقوله تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾. أي يقود قومه يوم القيامة فيمضي بهم إلى النار، وبئس الورد وبئس المصير. قال قتادة: (﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يقول: يقود قومه. قال: فرعون، يقدم قومه يوم القيامة، يمضي بين أيديهم، حتى يهجم بهم على النار). وعن ابن عباس: (قوله: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يقول: أضلَّهم فأوردهم النار. قال: ﴿الْوِرْدُ﴾ الدُّخول). وعن الضحاك يقول في قوله: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾: (كان ابن عباس يقول: ﴿الْوِرْدُ﴾ في القرآن أربعة أوراد: في "هود" قوله: ﴿وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾، وفي "مريم": ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾، وورد في "الأنبياء": ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾، وورد في "مريم" أيضًا: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾. كان ابن عباس يقول: كل هذا الدخول. والله ليردنَّ جهنم كل برٍّ وفاجر: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢]). وقوله تعالى: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾. أي: وأتبعهم الله تعالى - إضافة للعذاب الذي أهلكهم به في الدنيا بالغرق - لعنة، ويوم القيامة تنالهم لعنة أخرى، فبئس ما هم فيه من تتابع الطرد والشقاء. قال مجاهد: (﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾، اللعنة في إثر اللعنة). قال: (زيدوا بلعنته لعنة أخرى، فتلك لعنتان). وعن ابن عباس: (﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾، قال: لعنة الدنيا والآخرة). وعن قتادة قال: (ترادفت عليهم اللعنتان من الله، لعنة في الدنيا، ولعنة في الآخرة). وفي لغة العرب: الرِّفد: العطاء والصلة، ورفَدَه أعطاه وأعانه، والمقصود: ترادف إحدى اللعنتين الأخرى، من الله تعالى على فرعون وملئه، في الدنيا والآخرة.

стр. 2138

وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص: ٤١, ٤٢]. ٢ - وقال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]. ١٠٠ - ١٠٢. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ (١٠٠) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (١٠١) وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾. في هذه الآيات: إِعْلامٌ من الله تعالى لنبيّه محمد ﷺ : أنَّ هذه القصص التي ذكرت لك في هذه السورة هي من أخبار القرى التي دكّها الله بكفر أهلها وطغيانهم وفسادهم وتعظيمهم الشهوات فوق أمر الله ودينه الحق. فمن هذه القرى ما هو قائم بنيانه بائد أهله هالك، ومنها ما هو قائم بنيانه عامر، ومنها ما هو خراب دارسٌ لا أثرَ له ولمن كان يسكنه. وما ظلمهم الله، ولا أغنت عنهم آلهتهم حين نزل بهم بأس الله، إن بأس الله بالمجرمين شديد. فقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾. قال ابن عباس: (يعني بـ "القائم" قُرى عامرة، و"الحصيد" قرى خامدة). وقال قتادة: ﴿قَائِمٌ﴾ على عروشها، و ﴿وَحَصِيدٌ﴾ مستأصلة). أو قال: (﴿مِنْهَا قَائِمٌ﴾، يرَى مكانه، ﴿وَحَصِيدٌ﴾، لا يرى له أثر). وقال ابن زيد: (منها قائم يرى أثره، وحصيد بادَ لا يرى أثره). وقال الأخفش: (حصيد أي محصود). وقوله: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾. قال ابن زيد: (اعتذر - يعني ربنا جل ثناؤه - إلى خلقه فقال: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾، مما ذكرنا لك من عذاب من عذبنا من الأمم، ﴿وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾).

стр. 2139

قال النسفي: (﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ بإهلاكنا إياهم ﴿وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بارتكاب ما به أهلكوا) - أي من الكفر والمعاصي. وقوله: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾. أي: لم تنفعهم أصنامهم ولا أوثانهم التي كانوا يعبدونها من دون الله شيئًا حين نزل بهم أمر الله بالإهلاك والدمار، فلا هم نفعوهم بِرَدِّ بأْسِ الله عنهم، ولا هم أنقذوهم مما حلَّ بهم من التدمير والتشريد والهلاك. وقوله: ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾. قال مجاهد وقتادة: (غير تخسير). يقال في لغة العرب: تبَّ فلان إذا خسر، وتبَّبَهُ غيره إذا أوقعه في الخسران. قال القرطبي: (والتَّبَاب الهلاك والخسران، وفيه إضمار، أي ما زادتهم عبادة الأصنام، فحذف المضاف، أي كانت عبادتهم إياهم قد خسَّرتهم ثواب الآخرة). وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾. إِخْبَارٌ من الله سبحانه عما جاءت به العادة في إهلاك من بغى من الأمم وظلم، وكفر بالله وأجرم، إن عقوبته سبحانه لأهل الشرك والبغي موجعة غليظة مؤلمة. أخرج البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الله ليُملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يُفلِته. ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾] (١). ١٠٣ - ١٠٨. قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣) وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤) يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا

стр. 2140

يُرِيدُ (١٠٧) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾. في هذه الآيات: إِخْبَارُ الله تعالى أن في تلك القصص عبرة لمن خاف عذاب الله يوم القيامة، إنه يوم يجتمع فيه الخلق جميعهم، وتشهده الملائكة، وقد سبق توقيته في قضاء الله، إنه يوم لا يتكلم فيه أحد إلا بإذن الله، ويقسم الناس إلى فريقين: أهل الشقاوة وأهل السعادة. فأهل الشقاوة يصارون إلى منازلهم في نار جهنم خالدين فيها إلا ما شاء الله، فهو الفعال لما يريد. وأهل السعادة يصارون إلى مراتبهم ومساكنهم في الجنة خالدين فيها، تكرمة الله لهم في عطاء غير مقطوع، ونعيم لا حدود له. فقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ﴾. أي: إن في إهلاك تلك القرى الظالم أهلها لعبرة وعظة لمن أراد النجاة من عذاب الله في الآخرة، فينزجر عن الخوض في ظلمات المعاصي والكفر والآثام، ويعلم أن الله سينصر المؤمنين في الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. قال ابن زيد: (﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ﴾، إنا سوف نفي لهم بما وعدناهم في الآخرة، كما وفينا للأنبياء: أنّا ننصرهم). وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١]. ٢ - وقال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١]. ٣ - وقال تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٣, ١٤]. أخرج الخطيب في "التاريخ" والديلمي، وأبو نعيم في "الحلية" بسند رجاله ثقات عن أنس مرفوعًا: [النَّصرُ مع الصَّبْرِ، والفَرَجُ مع الكرب، وإن مع العُسْر يُسْرًا] (١).

стр. 2141

وقوله: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾. قال مجاهد: (يوم القيامة). وقال الضحاك: (ذلك يوم القيامة، يجتمعٍ فيه الخلق كلهم، ويشهده أهل السماء وأهل الأرض). وفي التنزيل: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧]. قال ابن كثير: (أي: يومٌ عظيم تحضره الملائكة كلهم، ويجتمع فيه الرسل جميعهم، وتُحشَر فيه الخلائق بأسرهم، من الإنس والجن والطير والوحوش والدواب، ويحكم فيه العادل ﴿لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء: ٤٠]). وقوله تعالى: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾. أي: ما نؤخر عنكم مجيء يوم القيامة إلا ليقضي الله ما قضاه من الخلق، وما كتب لهم من الأعمار والأرزاق والأعمال والآجال، فإذا تكامل قضاء الله وقدره في إيجاد ما كتب إيجاده، وسبقت به كلمته وحق قوله، أقام الله الساعة. والحق أن من مات فقد قامت قيامته، وبدأ معايشة ما قدّم من العمل. فقد أخرج البخاري في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت: [كان رجال من الأعراب جُفاةً يأتون النبي ﷺ فيسألونه: متى الساعة، فكان يَنْظُر إلى أصغرهم فيقول: إن يَعِشْ هذا لا يُدْرِكْهُ الهرَمُ حتى تقوم عليكم ساعتكم. يعني موْتَهم] (١). وقوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾. أي: لا يستطيع يوم مجيء ذلك اليوم أحد أن ينطق إلا بإذن الله تعالى. وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨]. ٢ - وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: ٣٨]. وفي صحيح البخاري من حديث أنس بن مالك - في الشفاعة - عن رسول الله ﷺ

стр. 2142

قال: [ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، ودعوى الرسل يومئذ: اللهم سَلِّمْ سَلِّمْ] (١). وقوله: "لا تكلم" الأصل لا تتكلم، وحذفت إحدى التاءين للتخفيف. وقوله: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾. أي: من أهل الموقف بين يدي الله يوم القيامة شقي معذب وسعيد منعم، والشقي من كتبت عليه الشقاوة، والسعيد من كتبت عليه السعادة، والكتابة في ذلك عند الله كتابة علم لا كتابة قهر أو جبر. ففي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٧ - ١٠]. ٣ - وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠]. ومن كنوز السنة الصحيحة في آفاق هذا المعنى أحاديث: الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد والنسائي بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: [خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يده كتابان، فقال أتدرون ما هذان الكتابان؟ قال: قلنا لا إلّا أن تُخبرنَا يا رسول الله، فقال للذي في يده اليمنى: هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أُجْمِلَ على آخرهم، فلا يُزَادُ فيهم ولا ينقصُ منهم أبدًا. ثم قال للذي في شماله: هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدًا. فقال أصحاب رسول الله ﷺ : فلأي شيء إذن نعملُ إنْ كان هذا أمرًا قد فُرِغَ منه؟ قال رسول الله ﷺ : سددوا وقاربوا، فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أي عمل، وإن صاحب النار يختمُ له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل، ثم قال بيده فقبضها، ثم قال: فرغ ربكم من العباد، ثم قال باليمنى فنبذ بها فقال: فريق في الجنة، ونبذ باليسرى فقال: فريق في السعير] (٢).

стр. 2143

الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في مسنده، وابن حبان في صحيحه، من حديث عبد الرحمن بن قتادة السلمي، وكان من أصحاب النبي ﷺ ، مرفوعًا: [إن الله خلق آدم، ثم أخذ الخلق من ظهره، وقال: هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي، وهؤلاء إلى النار ولا أبالي، فقال قائل: يا رسول الله فعلى ماذا نعمل؟ قال: على مواقع القدر] (١). الحديث الثالث: أخرج البيهقي في "الأسماء والصفات"، والآجري في "الشريعة" بسند صحيح عن هشام بن حكيم: [أن رجلًا أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله: أنبتدئ الأعمال أم قد قُضي القضاء؟ فقال: إن الله تعالى أخذ ذرية آدم من ظهورهم وأشهدهم على أنفسهم، ثم أفاض بهم في كفيه، فقال: هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار، فأهل الجنة ميسرون لعمل أهل الجنة، وأهل النار ميسرون لعمل أهل النار] (٢). الحديث الرابع: أخرج الترمذي بسند صحيح عن عمر بن الخطاب قال: [لما نزلت هذه الآية: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ وسألت رسول الله ﷺ ، فقلت: يا نبي الله، فعلى ما نعمل؟ على أي شيء قد فرغ منه، أو على شيء لم يفرغ منه؟ قال: بل على شيء قد فُرغَ منه، وجرت به الأقلام، يا عمرُ ولكنْ كلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلق له] (٣). وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾. قال ابن عباس: (يقول: صوت شديد، وصوت ضعيف). وقال أبو العالية: (الزفير في الحلق، والشهيق في الصدر). قال ابن كثير: (أي تنفُّسُهم زفيرٌ، وأخذهم النفس شهيق، لما هم فيه من العذاب، عياذًا بالله من ذلك). وقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ - أي ماكثين فيها أبدًا.

стр. 2144

قال ابن زيد: (ما دامت الأرض أرضًا والسماءُ سماءً). قال ابن جرير: (وذلك أن العرب إذا أرادت أن تصف الشيء بالدوام أبدًا قالت: هذا دائم دوامَ السماوات والأرض، بمعنى: أنه دائم أبدًا. وكذلك يقولون: هو باق ما اختلف الليل والنهار، وما سمر ابنا سمير، وما لألأت العُفْرُ بِأذنابها، يعنون بذلك كله: ﴿أَبَدًا﴾. فخاطبهم جل ثناؤه بما يتعارفون به بينهم فقال: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾، والمعنى في ذلك: خالدين فيها أبدًا). قلت: وهذا التفسير يخالف القرآن الكريم الذي أثبت عدم بقاء هذه السماوات والأرض يوم القيامة، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨]، فهناك سماوات تعقب هذه السماوات وكذلك أرض تعقب هذه الأرض، وتلك التي أرادها الله بالخلود والبقاء والدوام. وقوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ - له أكثر من تأويل عند المفسرين: الأول: قيل معناه إلا مدة مكثهم في النار. وذلك في أهل التوحيد. فعن قتادة قال: (الله أعلم بثُنَياه. وذكر لنا أن ناسًا يصيبهم سَفْعٌ من النار بذنوب أصابوها، ثم يدخلهم الجنة). وقال الضحاك بن مزاحم: (يخرج قوم من النار فيدخلون الجنة، فهم الذين استثنى لهم). وعن خالد بن معدان: (في قوله: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ وقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ أنهما في أهل التوحيد). الثاني: قيل الاستثناء لأهل التوحيد إلا أن يتجاوز الله عنهم فلا يدخلهم النار، فوجهوا الاستثناء إلى أنه من قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ﴾، ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ لا من الخلود. قال أبو مجلز: (هو جزاؤه، فإن شاء الله تجاوز عن عذابه). الثالث: قيل الاستثناء مدة مقامهم في الموقف. ذكره بعض المفسِّرين. الرابع: قيل: إلا مدة مقامهم في القبور والموقف. فلم يغيبوا عن الجنة أو النار إلا بقدر إقامتهم في البرزخ والمحشر. ذكره الطبري. الخامس: قيل: خالدين في الجنة أو النار دوامَ السماء والأرض إلا مدة تعميرهم في الدنيا. ذكره أهل اللغة. السادس: قيل: هو استثناء الرب ولا يفعله، وهذا متشابه قد وصل بمحكم: "عطاء غير مجذوذ".

стр. 2145

السابع: قيل: هو لإعلامهم بأنهم مع خلودهم ففي مشيئة الله، ولا ينافي ذلك عزيمته وجزمه لهم بالخلود، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾. ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾. ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ - ذكره ابن أبي العز الحنفي في شرح الطحاوية. وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾. أي: يفعل ما يشاء ولا مانع لمضي أمره. وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾. بشارة عظيمة لدوام الخلود والسَّعادة لأهل الجنة في عطاء من الله لهم غير مقطوع عنهم. وأما الاستثناء - قلت: الخلاصة فيه - إن منهج التفسير عند الراسخين يتضمن ردّ المتشابه إلى المحكم، فقوله تعالى: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ محكم، مثل قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾، ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾، ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ مما يدل أن الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ استثناء للوقت الذي لم يكونوا فيه في الجنة. وعن الضحاك ومجاهد: (﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾، قال: غير مقطوع). وقال ابن زيد: (غير منزوعٍ منهم). وقال أبو العالية: (﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾: أما هذه فقد أمضاها، يقول: عطاء غير منقطع). وقد جاءت السنة الصحيحة بمفهوم استمرار النعيم في الجنة ودوام الخلود في روضاتها وملذاتها في عطاء غير مقطوع: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [يؤتى بالموت كهيئة كَبْشٍ أملحَ فينادي منادٍ: يا أهل الجنة، فيشرئِبُّون وينظرون فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموتُ، وكلهم قد رآه، ثم ينادي: يا أهل النار، فيشرئِبُّون وينظرونَ فيقول: هل تَعْرِفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموتُ، وكلهم قد رآه، فَيذْبَحُ، ثم يقولُ: يا أهل الجنة خلودٌ فلا موتَ، ويا أهل النار خلودٌ فلا موت] (١).

стр. 2146

وفي لفظ من حديث ابن عمر: [ثم يذبَحُ، ثم ينادي مناد: يا أهل الجنة لا مَوْتَ، ويا أهل النار لا موتَ، فيزداد أهل الجنة فرحًا إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزنًا إلى حزنهم]. الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [ينادي مُنادٍ: إنّ لكم أن تَصِحّوا فلا تَسْقَموا أبدًا، وإنَّ لكم أن تَحْيَوا فلا تموتوا أبدًا، وإنَّ لكم أن تشِبُّوا فلا تَهرموا أبدًا، وإنَّ لكم أن تَنْعَموا فلا تبأسوا أبدًا] (١). الحديث الثالث: روى مسلم وغيره من أهل السنن عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [مَنْ يَدْخُل الجنة يَنْعَمُ لا يَبْأسُ، لا تَبْلى ثيابُهُ ولا يفنى شبابُه] (٢). ١٠٩ - ١١١. قوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (١٠٩) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١١٠) وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١)﴾. في هذه الآيات: إِثْباتُ الله لنبيّه فساد منهاج قومه في عبادتهم وأنهم سيجدون تمام جزائهم عند ربهم. وَتَسْلِيَةٌ له بذكر اختلاف الناس على رسولهم موسى ﷺ من قبل، وأنه لولا قضاء الله ببلوغ الكتاب أجله لعاجل المكذبين بالإهلاك. وإنما الفصل التام يوم يجمع الله الأولين والآخرين، فيقضي بينهم بحكمه وهو العليم الخبير. فقوله: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ﴾. خِطَابٌ من الله تعالى لنبيه محمد ﷺ : فلا تك - يا محمد - في شك مما يعبد هؤلاء المشركون من قومك من الأوثان والآلهة والأصنام والطواغيت أنه ضلال وجهل وباطل وشرك بالله . وهم بذلك إنما يقتفون منهاج آبائهم في فساد عبادتهم ولا يصدرون عن أمر الله ووحيه ونور شرعه.

стр. 2147

وقوله: ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾. أي: سيجدون عند الله تمام جزائهم دون نقصان. قال ابن عباس: (﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾، قال: ما وُعِدوا فيه من خير أو شر). وقال ابن زيد: (نصيبهم من العذاب). وقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾. قال ابن كثير: (ذكر تعالى أنه آتى موسى الكتاب فاختلف الناس فيه، فَمِنْ مُؤمِنٍ به وَمِنْ كافرٍ به، فَلَكَ بمن سَلَفَ من الأنبياء قبلك يا محمد أسوةٌ، فلا يغيظنّكَ تكذيبُهم لك، ولا يهيدَنَّكَ ذلك). وقوله: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ - فيه تأويلان متكاملان: التأويل الأول: لولا ما تقدم من تأجيله العذاب إلى أجل معلوم لقضى الله بينهم. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ولولا كلمة سبقت، يا محمد، من ربك بأنه لا يعجِّل على خلقه بالعذاب، ولكن يتأنّى حتى يبلغ الكتاب أجله - لقضي بين المكذب منهم به والمصدق، بإهلاك الله المكذب به منهم، وإنجائه المصدق به). التأويل الثاني: لولا قضاء الله ألا يعذب أحدًا إلا بعد قيام حجته البالغة عليه - حجة الوحي والرسل، لأنزل بالمكذبين بأسه. كما في التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ [طه: ١٢٩, ١٣٠]. قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾. أي: وإن الكافرين لفي شك من الوحي والنبوة شديد. قال النسفي: (﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ من القرآن أو من العذاب ﴿مُرِيبٍ﴾). وقال ابن جرير: (وإن المكذبين به منهم، لفي شك من حقيقته أنه من عند الله، ﴿مُرِيبٍ﴾، يقول: يريبهم، فلا يدرون أحقٌّ هو أم باطل؟ ولكنهم فيه ممترون). ثم أخبر تعالى أنه سيجمع الأولين والآخرين من جميع الأمم ليقفوا بين يديه لنيل الثواب ونكال العقاب حسب أعمالهم.

стр. 2148

وهو قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. قال ابن كثير: (أي: عليم بأعمالهم جميعها، جليلها وحقيرها، صغيرها وكبيرها، وفي هذه الآية قراءاتٌ كثيرة، ويرجع معناها إلى هذا الذي ذكرناه، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٣٢]). ١١٢ - ١١٥. قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (١١٣) وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥)﴾. في هذه الآيات: أَمْرُ الله نبيّه والمؤمنين بالاستقامة على المنهج الحق وعدم الركون إلى الطغاة، فإن ذلك سبيل إلى النار والهلاك. وأمْرُهُ كذلك له بإقامة الصلاة في الغداة والعشي وفي ساعات من الليل، فإن الحسنات يذهبن السيئات. وأمره كذلك له بالصبر على أذى المشركين حتى يأتي نصر الله، والله لا يضيع أجر المحسنين. فقوله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾. أي: على الدين الحق. قال سفيان: (استقم على القرآن). وقوله: ﴿وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾. قال القرطبي: (أي استقم أنت وهم، يريد أصحابه الذين تابوا من الشرك ومَنْ بعده ممن اتبعه من أمته). قال ابن عباس: (ما نزل على رسول الله ﷺ آية هي أشد ولا أشق من هذه الآية عليه). ولذلك قال لأصحابه حين قالوا له لقد أسرع إليك الشيب! فقال: [شيبتني هود وأخواتها] (١). وفي صحيح مسلم عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك! قال: [قل آمنت بالله ثم استقم] (٢).

стр. 2149

وقوله: ﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾ قال ابن زيد: (الطغيان: خلاف الله، وركوب معصيته). والطغيان مجاوزة الحد. وقيل: أي لا تتجبروا على أحد. قال ابن جرير: (يقول: ولا تعدوا أمره إلى ما نهاكم عنه). وقوله: ﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. أي: إنه تعالى بصير بأعمال عباده، لا يغفل عن شيء، ولا يغيب عن علمه شيء، قد أحاط بكل شيء علمًا، فلا يخفى عليه شيء. وقوله: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ آية عظيمة من آيات المفاصلة، ونهي الله تعالى عباده المؤمنين الميل إلى أعدائه المشركين أو مداهنتهم أو الرضى بأعمالهم. ومن أقوال أهل التأويل في هذه الآية: ١ - قال ابن عباس: (﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾، يعني: الركون إلى الشرك). ٢ - وقال أبو العالية: (يقول: لا ترضوا أعمالهم). وقال: (يقول: الركون: الرضى). ٣ - وعن ابن جريج: (﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، قال: قال ابن عباس: ولا تميلوا إلى الذين ظلموا). ٤ - وعن قتادة قال: (يقول: لا تلحقوا بالشرك، وهو الذي خرجتم منه). ٥ - وقال ابن زيد: (الركون: الإدهان. وقرأ: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩]. قال: تركن إليهم، ولا تنكر عليهم الذي قالوا، وقد قالوا العظيم من كفرهم بالله وكتابه ورسله). وقوله: ﴿فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾. أي: فتمسكم النار بركونكم لأهل البغي والشرك والظلم، ثم ليس بكم من دون الله من ناصر ينصركم أو ولي يدفع عنكم عذابه، بل يتخلى الله تعالى عن نصركم ويسلط عليكم عدوكم ولا منجى لكم. وقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾. خِطَابٌ من الله تعالى لنبيِّه محمد ﷺ : أن أقم الصلاة في الغداة والعشي وفي ساعات

стр. 2150

من الليل، فإن الإنابة إلى طاعة الله والعمل بما يرضيه، ودعاءه سبحانه يذهب آثام معصية الله ويكفر الذنوب، وهذه الوصايا: من اجتناب الركون إلى الطغاة أو مداهنتهم، ثم تعظيم الله وحده بالصلاة والدعاء والاستغفار من أعظم الذكرى للذاكرين. أخرج البخاري في صحيحه عن ابن مسعود: [أن رجلًا أصاب من امرأة قُبْلةً، فأتى النبي ﷺ فأخبره، فأنزل الله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾. فقال الرجل: يا رسول الله: ألي هذه؟ قال: لجميع أمتي كلهم] (١). ورواه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وابن جرير - واللفظ له - عن ابن مسعود قال: [جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني وجدتُ امرأةً في بُستان، ففعلت بها كُلَّ شيء، غير أني لم أجامِعْها، قَبَّلْتُها ولَزِمتُها، ولم أفعل غير ذلك، فافعل بي ما شئتَ. فلم يقل رسول الله ﷺ شيئًا، فذهب الرجل، فقال عمر: لقد ستَرَ الله عليه، لو ستَرَ على نفسه! فأتبعه رسول الله بصرَه ثم قال: رُدُّوه عليَّ. فردُّوه عليه، فقرأ عليه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾. فقال معاذ - وفي رواية عُمر -: يا رسول الله، أله وحده، أم للناس كافة؟ فقال: بل للناس كافة] (٢). وله تفصيل آخر عند الترمذي في السنن في حديثين صحيحين: الحديث الأول: أخرج الترمذي وابن ماجه عن عبد الله قال: [جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني عالجت امرأة في أقصى المدينة، وإني أصبت منها ما دون أن أمسها، وأنا هذا، فاقضِ فيَّ ما شئت. فقال له عمر: لقد سترك الله، لو سترت على نفسك، فلم يرد عليه رسول الله ﷺ شيئًا، فانطلق الرجل، فأتبعه رسول الله ﷺ رجلًا فدعاه، فتلا عليه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾. فقال رجل من القوم: هذا له خاصة؟ قال: بل للناس كافة] (٣). الحديث الثاني: أخرج الترمذي بسند حسن عن أبي اليسر قال: [أتتني امرأة تبتاع

стр. 2151

تمرًا، فقلت: إن في البيت تمرًا أطيب منه. فدخلت معي في البيت، فأهويت إليها فقبلتها. فأتيت أبا بكر، فذكرت ذلك له، فقال: استر على نفسك وتب، ولا تخبر أحدًا، فلم أصبر. فأتيت عمر فذكرت ذلك له. فقال: استر على نفسك وتب، ولا تخبر أحدًا، فلم أصبر. فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له. فقال له: أَخْلَفْتَ غازيًا في سبيل الله في أهله بمثل هذا، حتى تمنى أنه لم يكن أسلم إلا تلك الساعة، حتى ظن أنه من أهل النار. قال: وأطرق رسول الله ﷺ طويلًا حتى أوحي إليه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾. قال أبو اليسر: فأتيته، فقرأها عليَّ رسول الله ﷺ ، فقال أصحابه: يا رسول الله، ألهذا خاصة أم للناس عامة؟ قال: بل للناس عامَّة] (١). وفي تفسير ﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ - أقوال عند أهل التأويل: ١ - قال ابن عباس: (يعني الصبح والمغرب). وكذلك قال الحسن وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. ٢ - قال الضحاك وقتادة: (هي الصبح والعصر). ٣ - وقال مجاهد: (هي الصبح في أول النهار، والظهر والعصر من آخره). ورجَّح ابن جرير أن الطرفين الصبح والمغرب. قلت: أما الطرف الأول فالصبح وهو باتفاق المفسرين، وتبقى الفسحة في فهم مدلول الطرف الآخر، ولا شك أنه يدل مع مفهوم قوله تعالى: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ على الصلوات الخمس في كل يوم. وفي تفسير: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ - أقوال عند أهل التأويل: ١ - قال مجاهد: (﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾، قال: الساعات من الليل، صلاة العتمة). ٢ - وعن الحسن: (﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾، قال: العشاء). وقال ابن عباس: (يقول: صلاة العتمة). ٣ - وعن سفيان، عن عبيد الله بن أبي يزيد قال: (كان ابن عباس يعجبه التأخير بالعشاء، ويقرأ: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾). ٤ - عن الحسن قال: (هما زُلفتان من الليل، صلاة المغرب، وصلاة العشاء).

стр. 2152

٥ - وقال الأخفش: (يعني صلاة الليل ولم يعين). قال القرطبي: (﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ أي في زُلَفٍ من الليل، والزّلف الساعات القريبة بعضها من بعض، ومنه سميت المزْدَلِفَة؛ لأنها منزل بعد عَرَفَة بقرب مكة). قلت: وقوله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ بعد الأمر بإقام الصلاة آناء الليل وأطراف النهار فيه دلالة كبيرة على عظيم أثر الصلاة في غسل خطايا المؤمن، ويبدأ ذلك من الوضوء والتطهر له، وقد جاءت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة أنه سمعَ رسول الله ﷺ يقول: [أرأيتم لو أنَّ نَهْرًا بباب أحدِكم يغتسل فيه كلَّ يومٍ خَمْسًا، ما تقول ذلك يُبْقي مِنْ دَرَنِه؟ قالوا: لا يُبْقِي مِنْ دَرَنِه شيئًا، قال: فذلك مَثَلُ الصلوات الخمس يَمْحُو الله به الخطايا] (١). وفي لفظ: [وكذلك الصلوات الخمس، يمحو الله بِهنَّ الذنوبَ والخَطايا]. الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ كان يقول: [الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضانُ إلى رمضان، مكفِّراتٌ ما بينهنَّ إذا اجتُنِبَت الكبائر] (٢). الحديث الثالث: أخرج أحمد وأهل السنن عن علي بن أبي طالب، قال: كنت إذا سمعتُ من رسول الله ﷺ حديثًا نفعني الله بما شاء أن ينفعني منه، وإذا حَدَّثني عنه أحدٌ استحلفتهُ، فإذا حلفَ لي صَدَّقته، وحدثني أبو بكر - وصَدَق أبو بكر - أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: [ما من مُسْلِمٌ يُذْنِبُ ذنبًا فيتوضأ ويصلي ركعتين، إلا غُفِرَ له] (٣).

стр. 2153

الحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد والطبراني بسند حسن عن أبي أيوب الأنصاري أن النبي ﷺ كان يقول: [إن كُلَّ صلاةٍ تَحُطُّ ما بين يَدَيْها من خطيئة] (١). الحديث الخامس: أخرج النسائي وابن خزيمة بسند صحيح عن عثمان ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [من توضأ فأسبغَ الوضوءَ، ثم مشى إلى صلاة مكتوبة، فصلاها مع الإمام غُفِرَ له ذنبُه] (٢). وقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾. قال القاسمي: (﴿وَاصْبِرْ﴾ أي على مشاق ما أُمرت به من التبليغ، أو على ما يقولون، أو على الصلاة كقوله: ﴿وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢]، ولا مانع من شموله للكل. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي في أعمالهم فيوفيهم أجورهم من غير بخس). قلت: وهذا الأمر بالصبر على محن الدعوة وآلام الطريق وإن كان موجّهًا للنبي ﷺ إمام الأمة في الصبر والجهاد، فإنه خطاب لكل القادة المسلمين والعلماء العاملين من بعده إلى يوم الدين. أخرج الخطيب في "التاريخ"، والديلمي في "الفردوس" بسند رجاله ثقات عن أنس مرفوعًا: [النَّصْرُ مع الصَّبْر، والفَرَجُ مع الكَرْبِ، وإنَّ مع العُسْرِ يُسْرًا] (٣). ١١٦ - ١١٧. قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ

стр. 2154

وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦) وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (١١٧)﴾. في هذه الآيات: إِثْباتُ الله تعالى نجاة القلة المؤمنة التي كانت تنهى عن الفساد في الأرض فيما مضى، ليكون ذلك توجيهًا لهذه الأمة لحمل الأمانة بصدق، فإن الظالمين في متاع قليل ينتهي باستئصالهم. وتقريرٌ من الله تعالى أنه لا يهلك قرية إلا وأهلها ظالمون. فقوله: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾. أي: فهلّا كان من تلك الأمم الماضية التي دكَّها الله بسبب عتوها وبغيها وكفرها فئة مؤمنة تنهى عن الفساد في الأرض وتأمر بالمعروف! إنه كان قلة من أهل الخير والأمر بالمعروف والنهي عن الشرور والمنكرات في كل قوم مما مضى، وأولئك هم الذين نجاهم الله برحمته من العذاب الذي نزل بقومهم. قال ابن زيد: (﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾: فإذا هم الذين نجوا حين نزل عذاب الله). وقال ابن جريج: (يستقلّهم الله من كل قوم). وهذا توجيه قوي لهذه الأمة أن تحمل الأمانة بقوة ولا تتهاون مع انتشار المنكر والآثام، لئلا ينزل بها ما نزل بالأمم قبلها حين فشت فيها الموبقات والمعاصي والفواحش. قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤]. وقد حفلت السنة الصحيحة بأحاديث كثيرة في آفاق هذا المعنى، منها: الحديث الأول: أخرج أبو داود بسند صحيح عن قيس، قال: [قال أبو بكر، بعد أن حمد الله وأثنى عليه: يا أيها الناس، إنكم تقرؤون هذه الآية، وتضعونها على غير موضعها: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، وإنا سمعنا النبي ﷺ يقول: "إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعُمَّهم الله بعقاب". وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من قومٍ يُعْمَلُ فيهم بالمعاصي، ثم

стр. 2155

يقدرون على أن يُغَيِّروا، ثم لا يغيِّروا إلا يوشك أن يعمهم الله منه بعقاب"] (١). الحديث الثاني: أخرج ابن ماجه بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري: [أنّ رسول الله ﷺ قام خطيبًا، فكان فيما قال: ألا، لا يَمْنَعَنَّ رجُلًا، هيبةُ الناسِ، أنْ يقولَ بحقٍّ، إذا علمه". قال: فبكى أبو سعيد، وقال: قد والله! رأينا أشياء، فهبنا] (٢). الحديث الثالث: أخرج أبو داود بسند صحيح عن رجل من أصحاب النبي: أن النبي ﷺ قال: [لَنْ يهلكَ الناس حتى يَعْذِروا، أو يُعْذِروا، مِنْ أنفسهم] (٣). وقوله: ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾. قال مجاهد: (في ملكهم وتجبّرهم، وتركوا الحق). وقال ابن عباس: (﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ﴾، قال: ما أُنظروا فيه). وقال قتادة: (من دنياهم). قال ابن جرير: (إن الله أخبر تعالى ذكره: أن الذين ظلموا أنفسهم من كل أمة سلفت، فكفروا بالله، اتبعوا ما أنظروا فيه من لذّات الدنيا، فاستكبروا وكفروا بالله، واتبعوا ما أنظروا فيه من لذات الدنيا، فاستكبروا عن أمر الله، وتجبَّروا وصدوا عن سبيله. ﴿وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾، يقول: وكانوا مكتسبي الكفر بالله). وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾. قال ابن كثير: (أخبر تعالى أنه لم يهلك قريةً إلا وهي ظالمة، ولم يأت قرية مصلحةً بأسُه وعذابُه قط حتى يكونوا هم الظالمين، كما قال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [هود: ١٠١]، وقال: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]). ١١٨ - ١٢٣. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ

стр. 2156

الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩) وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠) وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (١٢١) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٢٢) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)﴾. في هذه الآيات: خِطَابُ الله تعالى لنبيّه ﷺ أنه - جلّت عظمته - قادر على جعل الناس كلهم على دين واحد، وإنما اقتضت حكمته تقسيم الهداية والإيمان، واختلاف القلوب والأحوال، فأهل الحق هم الناجون من الاختلاف، وأهل الباطل واقعون في الشقاق ومتاهات الأهواء، وقد قضى - جَلَّت حكمته - امتلاء جهنم من كفرة الجن والإنس. إن هذه القصص التي قصها الله عليك - يا محمد - من أخبار الرسل مع أقوامهم إنما هي لتثبيت فؤادك لمواجهة شرك قومك وعنادهم، وليصبر معك المؤمنون على جهاد أعدائهم، والعاقبة للمتقين. فالله وحده له غيب السماوات والأرض ومرجع جميع الأمور، فأفرده - يا محمد - بالعبادة والتوكل، فما ربك بغافل عَمَّا تعملون. فقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾. قال قتادة: (يقول: لجعلهم مسلمين كلهم). والمقصود: أن الله ﵎ قادر أن يجعل الناس كلهم على دين واحد، من كفر أو إيمان. كما في التنزيل: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩]. وقوله: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾. قال مجاهد: (أهل الباطل، ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾، قال: أهل الحق). أو قال: (﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ قال: أهل الحق وأهل الباطل، ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾، قال: أهل الحق). وقال الحسن: (الناس كلهم مختلفون على أديان شتى، إلا من رحم ربك، فمن رحم غير مختلف). وقال عكرمة: (لا يزالون مختلفين في الهوى). وقال قتادة: (﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾، فأهل رحمة الله أهل جماعة، وإن تفرقت دورهم وأبدانهم. وأهل معصيته أهل فرقة، وإن اجتمعت دورهم

стр. 2157

وأبدانهم). وعن الأعمش: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾، قال: من جعله على الإسلام). وقيل: لا يزالون مختلفين في الرزق، سخّر بعضهم لبعض. قلت: والمعنى الأول هو الذي يدل عليه السياق، فالحديث ليس عن الرزق، وإنما عن الهداية والإيمان، فالمتمسكون بهدي الرسل هم القوم المرحومون الناجون من الاختلاف، والبقية في شقاق وضلال، واتباع للأهواء. أخرج الإمام أحمد في المسند، وأبو داود والترمذي وابن ماجه في السنن، والحاكم من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [إن اليهود افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإنَّ النصارى افترقوا على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كُلُّها في النار إلا فرقة واحدة. قالوا: ومن هُمْ يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي] (١). وقوله: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ - أي لهذا الاختبار، في صدق الإيمان أو اتباع سبيل الكفار، فريق إلى الجنة وفريق إلى النار. ومن أقوال أهل التأويل في ذلك: ١ - قال الحسن: (﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾، قال: للاختلاف). قال: (خلق هؤلاء لجنته، وخلق هؤلاء لناره، وخلق هؤلاء لرحمته، وخلق هؤلاء لعذابه). وقال: (أما أهل رحمة الله فإنهم لا يختلفون اختلافًا يضرهم). ٢ - قال ابن عباس: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾، قال: خلقهم فريقين، فريقًا يرحم فلا يختلف، وفريقًا لا يرحم يختلف، وذلك قوله: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥]). وبنحوه قال الإمام مالك: (خلقهم ليكونوا فريقين: فريقٌ في الجنة، وفريقٌ في السعير).

стр. 2158

٣ - قال مجاهد: (﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾، قال: للرحمة خلقهم). وقال عكرمة: (أهل الحق ومن اتبعه، لرحمته). قلت: والراجح القول الأول والثاني، فإن الله ﵎ امتحن عباده بالإيمان واتباع المرسلين، فآمن من آمن، وكفر من كفر، فجعلهم في الآخرة فريقين: فريق في الجنة وفريق في السعير. وقوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. أي كان ما قضى سبحانه من الامتحان وصدور الجن والإنس فريقين، فريق إلى الجنة وفريق إلى السعير، وتم قضاء الله وقدره بملء جهنم من الجنة والناس أجمعين، جزاء وفاقًا للذين كانوا لا يرجون حسابًا، وأسعد المؤمنين بروضات في جنات النعيم، لقاء صبرهم على الإيمان والدين. وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١]. ومن كنوز السنة الصحيحة في آفاق معنى الآية أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أنس، عن النبي ﷺ قال: [لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ حتى يضع فيها ربُّ العزة قدمه (وفي رواية: حتى يضع رب العزة عليها قدمه) فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول: قَطْ قَطْ، وعزَّتك وكرمك، ولا يزال في الجنة فضل، حتى ينشئ الله لها خلقًا آخر، فيسكنهم في فضول الجنة] (١). قال البغوي في شرح السنة (١٥/ ٢٥٧): (والقدم والرجلان، كما جاء في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما، من صفات الله ، المنزه عن التكييف والتشبيه، وكذلك كل ما جاء من هذا القبيل في الكتاب أو السنة، كاليد، والإصبع، والعين، والمجيء، والإتيان، فالإيمان بها فرض، والامتناع عن الخوض فيها

стр. 2159

واجب، فالمهتدي من سلك فيها سبيل التسليم، والخائض فيها زائغ، والمنكر معطل، والمكيّف مشبه، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ سبحان ربنا رب العزة عما يصفون). الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [اختصمت الجنة والنار، فقالت الجنة: ما لي لا يدخُلني إلا ضَعَفَةُ الناس وسَقَطُهم، وقالت النار: أوثِرتُ بالمتكبرين والمتجبِّرين. فقال الله للجنة: أنت رحمتي، أرحم بك من أشاء. وقال للنار: أنت عذابي، أنتقم بك ممن أشاء، ولكل واحدة منكما مِلْؤُها] (١). الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد في المسند عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [لما خلق الله الجنة قال لجبريل: اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها ثم جاء فقال: أيْ ربِّ! وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها، ثم حفَّها بالمكاره، ثم قال: يا جبريل! اذهب فانظر إليها، فذهب، ثم نظر إليها، ثم جاء فقال: أي رب! وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد، فلما خلق الله النار، قال: يا جبريل! اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها، ثم جاء فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها، فحفّها بالشهوات، ثم قال: يا جبريل اذهب فانظر إليها، فذهب، فنظر إليها فقال: أي رب وعزتك لقد خشيت أن لا يبقى أحد إلا دخلها] (٢). وقوله: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾. أي: إن هذه الأخبار عن أمم الأقدمين وتكذيبهم رسلهم وكيف دارت الأيام وكانت العاقبة والغلبة للمؤمنين هي مما يقص الله عليك - يا محمد - ليثبت به فؤادك عما تلقى من تكذيب قومك وعنادهم. وقوله: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾. قال ابن عباس: (في هذه السورة). وقال قتادة: (في هذه الدنيا). وقول ابن عباس أصح وأنسب للسياق. قال ابن كثير: (والصحيح: في هذه السورة

стр. 2160

المشتملة على قصص الأنبياء وكيف نجّاهم الله والمؤمنين بهم وأهلك الكافرين، جاءك فيها قَصَصٌ حق، ونبأ صِدْقٌ، وموعظة يرتدعُ بها الكافرون، وذكرى يتذكر بها المؤمنون) - وهو قوله: ﴿وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ﴾ - تهديد من الله للكفار على لسان نبيّهم - أي قل لهم يا محمد: امضوا على منهجكم وعلى طريقتكم لتروا مصيركم نهاية المطاف، فإنا ماضون على سنتنا ومنهاج ربنا وكلنا أمل أن النصر والعاقبة لنا. وقوله تعالى: ﴿وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾. أي: ترقبوا ما وعدكم الله فإنا مترقبون ما وعدنا. قال ابن جريج: (يقول: انتظروا مواعيدَ الشيطان إياكم على ما يزيّنُ لكم، ﴿إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾). وفي التنزيل: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٥]. وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾. إِخْبَارٌ من الله تعالى أنه علام الغيوب، والمستقبل بين يديه، ومآل كل أمر إليه، فله الخلق والأمر والكبرياء وحده لا شريك له، وقد أمر عباده بعبادته وحده والتوكل عليه والإنابة إليه، ثم إنه تعالى لا يخفى عليه مكر المجرمين وأحوال الطغاة والمسرفين. وعن ابن جريج: (﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ قال: فيقضي بينهم بحكمه بالعدل). قال ابن جرير: (﴿فَاعْبُدْهُ﴾، يقول: فاعبد ربك، يا محمد، ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾، يقول: وفوِّض أمرك إليه، وثق به وبكفايته، فإنه كافي من توكّل عليه). ثم روى عن عبد الله بن رباح، عن كعب، قال: (خاتمة "التوراة" خاتمة هود). تم تفسير سورة هود بعون الله وتوفيقه، وواسع مَنِّه وكرمه ° ° °

стр. 2161

دروس ونتائج وأحكام ١ - هود وأخواتها، شيَّبَت نبيّنا ﷺ من كثرة أهوالها. ٢ - توحيد الله واستغفاره والإنابة إليه جزاؤه المتاع الحسن في الدنيا والسعادة الدائمة في الآخرة. ٣ - العبرة بأحسن العمل لا بكثرة العمل، فجزاء الأول قد يكون أضعاف أضعاف جزاء الثاني. ٤ - السماع بمحمد ودينه بلاغ يلزم سامعه باتباعه، فما بعد الحق إلا الضلال. ٥ - الضعفاء غالبًا هم أتباع الحق، والكبراء هم مخالفوه. ٦ - عناد قوم نوح دفعهم لاستعجال نقمة الله عليهم، فأغرقهم الله بطوفان عمّ أرجاء الأرض، وتَتَابُع هلاك الأمم بعد ذلك ونجاة الرسل ومن معهم من المؤمنين. ٧ - نساء الأنبياء معصومات من الزنى، وابن نوح ابنه من صلبه. ٨ - الكفار يعبدون الصم البكم العمي، ويذرون عبادة الرب السميع البصير. ٩ - إن أخذ الله تعالى للأمم الكافرة لأخذ أليم شديد. ١٠ - المؤمنون هم السعداء الخالدون في الجنة أبدًا. ١١ - العمل لا يكون مستقيمًا إلا إذا كان مطابقًا لأمر الله. ١٢ - الصلوات كفارات، والحسنات يذهبن السيئات. ١٣ - ما كان الخلاف رحمة، بل المرحومون الذين لا يختلفون. ١٤ - الجماعة رحمة، والفرقة عذاب، والخلاف شر. ١٥ - نصر الله لرسوله وحزبه وعد وبشرى في الدارين.

стр. 2162

١٢ - سُوْرَةُ يُوْسُفَ وهي سورة مكية كلها. وقال ابن عباس وقتادة: (إلا أربع آيات منها). وعدد آياتها (١١١). أخرج الحاكم في مستدركه، وابن حبان في صحيحه، عن سعد بن أبي وقاص قال: [أنزل الله القرآن على رسول الله ﷺ فتلاه عليهم زمانًا، فقالوا: يا رسول الله لو قصصت علينا! فأنزل الله: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِيْنِ﴾ - إلى قوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ - الآية. فتلاها رسول الله ﷺ زمانًا، فقالوا: يا رسول الله لو حدثتنا! فأنزل الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ الآية] (١). موضوع السورة قصة يوسف ﵊ - منهاج الشباب المؤمنين، في التقوى والعفاف والصبر والتمكين -. - منهاج السورة - ١ - انتصار الله لكتابه الكريم، فهو القرآن العربي المبين، فيه أحسن القصص لقوم يعقلون.

стр. 2163

٢ - ابتداء قصة يوسف ﵇ برؤيا رآها فقصّها على أبيه، فيها بشائر العز والتمكين. ٣ - اصطفاء الله تعالى يوسف ﷺ وتعليمه تأويل الأحاديث، واختصاصه كآبائه بالنبوة. ٤ - في خبر يوسف مع إخوته الكثير من الفوائد والعبر. ذِكْرُ تخطيط الإخوة لقتل يوسف أو إلقائه في البئر يلتقطه بعض المسافرين. ٥ - توطئة إخوة يوسف لأبيهم لإرسال يوسف معهم، وخشية الوالد على ولده الضياع أو الذئب، وتأكيد الإخوة الحرص عليه، وَوَحْيُ الله ليوسف وهم لا يشعرون. ٦ - رجوع إخوة يوسف إلى أبيهم عشاء يبكون، وقصة القميص والدم الكذب عليه. ٧ - ورود بعض السيارة إلى البئر، وأخذهم يوسف، وشراء الوزير له بمصر، وتمكين الله يوسف وإعطاؤه العلم والحكمة والله يجزي المحسنين. ٨ - محاولة امرأة العزيز إغراء يوسف، واستحياء يوسف من الله العلي العظيم. ٩ - مسابقة امرأة العزيز يوسف إلى الباب وتمزيقها قميصه، وشهادة الشاهد من أهلها، وبراءة يوسف من كيدهن إن كيدهن عظيم. ١٠ - إشاعة الخبر بمصر، وتكلم بعض نساء الأمراء والكبراء يَعبْنَ على امرأة الوزير ما صدر منها، ومقابلة ذلك من امرأة العزيز بمائدة المكر، وتهديدها يوسف بالسجن، ولجوء يوسف ﵇ إلى الله. ١١ - دخول يوسف السجن، وقصة يوسف مع ساقي الملك وخبازه. ١٢ - دعوة يوسف صاحبيه لإفراد الله تعالى بالعبادة والتعظيم، وتأويله الرؤيا لهما بما أوتيه من توفيق الله الحكيم. ١٣ - وصية يوسف ﵇ الذي ظن خروجه ذكر مظلمته عند سيده، فأنساه الشيطان فكان المكث في السجن بضع سنين. ١٤ - خبر الرؤيا التي رآها الملك، وتذكّر الذي نجا يوسف لتأويلها بعد مضي السنين، وتأويل يوسف لرؤيا الملك بتوفيق الله العزيز الحكيم. ١٥ - طلب الملك إحضار يوسف عند سماعه روائع التأويل، واعتذار يوسف حتى تظهر براءته، واعتراف امرأة العزيز، وإقرار النسوة ليوسف بالبراءة.

стр. 2164

١٦ - استخلاص الملك يوسف لنفسه وتمكين الله يوسف في الأرض. ١٧ - مجيء إخوة يوسف أيام القحط، ومعرفة يوسف بهم، وطلبه إحضار أخيهم، وإعادته بضاعتهم في رحالهم. ١٨ - رجوع إخوة يوسف إلى أبيهم ومفاوضته لإرسال أخيهم معهم. ١٩ - نصيحة يعقوب لبنيه الدخول من عدة أبواب خشية العين عليهم. ٢٠ - دخول إخوة يوسف على يوسف ﵇ واختلاء يوسف بأخيه، واحتياله عليهم بقصة صواع الملك لإبقاء أخيه عنده. ٢١ - تصريح إخوة يوسف تجاه الموقف باللمز بيوسف وتشبيه بنيامين به في صنيعه، وطعن يوسف بمقولتهم في نفسه، واستعطافهم له لإطلاق أخيهم، وإصرار يوسف على مقام العدل. ٢٢ - فَقْدُ إخوة يوسف الأمل بإطلاق أخيهم، ورجوعهم عدا كبيرهم الذي أصرَّ على وصول سماح والده قبل رجوعه. ٢٣ - تلقّي يعقوب الخبر بالتشكيك برواية أولاده، وتذكر يوسف مع شدة الحزن، وعودة إخوة يوسف إلى مصر راجين عفوه حتى كشفت لهم الحقيقة، وإعطاء يوسف القميص لإخوته ليلقوه على وجه أبيهم ليرتد بصيرًا بإذن الله. ٢٤ - شعور يعقوب ﵇ بريح يوسف، وتصديق الشعور بإلقاء البشير القميص على وجهه وعودته بصيرًا، واعتراف الأبناء بخطئهم واستغفار الوالد لهم، ثم قدوم المركب إلى يوسف وتفاصيل الاستقبال المهيب. ٢٥ - التجاء يوسف إلى ربه بالدعاء، بعد تمام نعمته تعالى عليه. ٢٦ - إخبار الله تعالى نبيّه ﷺ بهذا القصص من الغيب تثبيتًا له عما يلقاه من أذى قومه والعاقبة للمتقين. ٢٧ - أكثر الناس لا يفيدون من آيات الله، بل يعيشون مستكبرين مشركين. ٢٨ - التأكيد على لزوم منهاج النبوة في الدعوة إلى الله، والصبر على الأذى. ٢٩ - التأكيد على النصر والتمكين للرسل وأتباعهم في نهاية طريق الجهاد والصبر. ٣٠ - الاعتبار بقصص القرآن، ففيها عبرة لأولي الألباب، وتأكيد على ثوابت المنهج، وهدى ورحمة لقوم يؤمنون.

стр. 2165

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ٣. قوله تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)﴾. في هذه الآياتِ: انْتِصارٌ من الله تعالى لهذا الكتاب المبين، فهو القرآن العربي المعجز لقوم يعقلون، وفيه يقصّ الله سبحانه خير القصص على نبيه ﷺ ما كان يعلمها - لتكون له عونًا في سبيل دعوته، ومجاهدة قومه، وليصبر والعاقبة للصابرين. فقوله: ﴿الر﴾ - هو شأن ما سبقه من الحروف المقطعة التي وردت أوائل بعض السور. وخلاصة القول فيها: هذا القرآن من جنس هذه الأحرف العربية التي تتكلمون وتتخاطبون بها، ولكنه يتألق بإعجازه ليعلو كل كلام للبشر، ولا يرقى كلام أحد له بحال من الأحوال. وقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾. تَأْكيدٌ لما سبق ذكره من آفاق معاني تلك الحروف، وانْتِصارٌ لهذا الكتاب العزيز المبين، فهو القرآن الواضح الجلي الذي يُفصح عن معاني الخلق ومغزى الحياة وخبر الماضي والحاضر والمستقبل، في إعجاز في البيان لا يُسْبَقُ ولا يُجارى. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. قال ابن كثير: (وذلك لأن لغة العرب أفصَحُ اللغات وأبينُها وأوسعُها، وأكثرُها تأديةً للمعاني التي تقوم بالنفوس، فلهذا أُنزِلَ أشرفُ الكُتب بأشرف اللغات على أشرف الرسل، بسِفارة أشرَف الملائكة، وكان ذلك في أشرف بقاع الأرض، وابتُدئ إنزالُه في أشرف شهور السنة وهو رمضان، فكمُلَ من كلِّ الوجوه).

стр. 2166

وقوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾. أي: نحن يا محمد نوحي إليك فنخبرك عن سيرة الأمم الماضية، وأخبار الأقوام السالفة مع رسلها، وإن كنت من قبل أن نوحيه إليك لمن الغافلين عن ذلك لا تعلمه ولا تدري عن تفصيل ذلك. فعن قتادة: (﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾، من الكتب الماضية، وأمور الله السالفة في الأمم). أخرج ابن جرير والحاكم بسند صحيح من حديث سعد قال: [أنزل القرآن على رسول الله ﷺ فتلاه عليهم زمانًا فقالوا: لو قصصت علينا، فنزل: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾] (١). قلت: وهذه الآية الكريمة هي في مدح القرآن الكريم، وأنه أصل العلوم والمعارف والأخبار الصحيحة، وفي ذلك إشارة إلى أن أي فكر لا يتأصل من هذا القرآن فهو فكر قاصر، وأي فلسفة كذلك مرفوضة، وأي قصص وحديث لا يوافق هذا القرآن فهو مرفوض، فمن القرآن الحكم وإليه المرجع مع صحيح السنة. وفي تأصيل هذا المنهج أحاديث: الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد في المسند عن جابر بن عبد الله: [أن عمر أتى النبي ﷺ فقال: إنا نسمع أحاديث من يهود تعجبنا أفترى أن نكتب بعضها؟ فقال: أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى، لقد جئتكم بها بيضاء نقية، ولو كان موسى حيًا ما وسعه إلا اتباعي] (٢). قلت: والتهوك كالتهور، وهو الوقوع في الأمر بغير رؤية، والمتهوك الذي يقع في كل أمر. الحديث الثاني: أخرج الطبراني والبيهقي بسند حسن لشواهده، عن الشعبي، عن عبد الله بن ثابت قال: [جاء عمر إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إني مررت بأخ

стр. 2167

لي يهودي من قريظة، فكتب لي جوامع من التوراة، ألا أعرضها عليك؟ قال: فتغيَّر وجه رسول الله ﷺ ، قال عبد الله بن ثابت: فقلت له: ألا ترى ما بوجه رسول الله ﷺ ؟ فقال عمر: رضينا بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا. قال: فَسُرِّيَ عن النبي ﷺ وقال: والذي نفسي بيده لو أصبح فيكم موسى ﵇، ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم، إنكم حظي من الأمم، وأنا حظكم من النبيين] (١). الحديث الثالث: أخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن أبي شريح الخزاعي قال: [خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: أبشروا أبشروا، أليس تشهدون أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قالوا: نعم. قال: فإن هذا القرآن سبب طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فتمسكوا به فإنكم لن تضلوا ولن تهلكوا بعده أبدًا] (٢). ٤ - ٦. قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤) قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥) وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦)﴾. في هذه الآيات: ابتِدَاءُ قصة يوسف ﵊ برؤيا رآها فقصها على أبيه، فيها بشائر العِزِّ له والقوة والتمكين، فحذَّره والده يعقوب ﵇ مِنْ قَصِّها على إخوته لئلا يكيدوا له، فإن الشيطان للإنسان عدو مبين. إنّ ربك يصطفيك - يا يوسف - ويعلمك تأويل الأحاديث والأحلام ويختصك بالنبوة، كما اختص آباءك إبراهيم وإسحاق، إنه تعالى عليم حكيم.

стр. 2168

فقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾. قال ابن عباس: (كانت الرؤيا فيهم وحيًا). وقال قتادة: (رأى أبويه وإخوته سجودًا له). وقال: (الكواكب إخوته، والشمس والقمر أبواه). وعن ابن جريجٍ: (قوله: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾، إخوته ﴿وَالشَّمْسَ﴾، أمه، ﴿وَالْقَمَرَ﴾، أبوه). فالآية إخبار من الله تعالى لنبيه محمد ﷺ عن قصة أخيه يوسف ﵊ مع أبيه يعقوب صلوات الله وسلامه عليه، وما كان من رؤيته لأحد عشر كوكبًا - والذين كانوا إخوته - أحد عشر رجلًا - والشمس والقمر عبارة عن أبيه وأمه، فوقع تفسير هذه الرؤيا بعد أربعين سنة، وقيل: ثمانين سنة، والله تعالى أعلم. وذلك حين رفع أبويه على العرش، وهو سريره، وإخوته بين يديه، كما قال تعالى في آخر هذه السور: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠]. وقد جاءت السنة الصحيحة بوفير الثناء وأعطره على يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام، في ذرية عطرة اختصَّها الله تعالى بالنبوة: الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه، وأحمد في مسنده، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: [الكريم ابنُ الكريم ابنُ الكريم ابنُ الكريم، يوسف بنُ يعقوبَ بن إسحاقَ بن إبراهيم] (١). الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: [سُئِلَ رسولُ الله ﷺ : أيُّ الناس أكرمُ؟ قال: أكرمُهم عند الله أتقاهم. قالوا: ليس عن هذا نسألُك. قال: فأكرمُ الناس يوسف نبي الله، ابنُ نبي الله، ابن نبي الله، ابنِ خليل الله. قالوا: ليسَ عن هذا نسألك. قال: فعن معادن العرب تسألوني؟ قالوا: نعم. قال: فخيارُكم في الجاهلية خيارُكم في الإسلام إذا فَقِهُوا] (٢).

стр. 2169

وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾. قال ابن جرير: (قال يعقوب لابنه يوسف: ﴿يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ﴾، هذه، ﴿عَلَى إِخْوَتِكَ﴾، فيحسدوك، ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾، يقول: فيبغوك الغوائل، ويناصبوك العداوة، ويطيعوا فيك الشيطان، ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾، يقول: إن الشيطان لآدم وبنيه عدوٌّ، قد أبان لهم عداوته وأظهرها. يقول: فاحذر الشيطان أن يغرِيَ إخوتك بك بالحسد منهم لك، إن أنت قصصت عليهم رؤياك). وعن السدي قال: (نزل يعقوب الشأم، فكان همُّهُ يوسف وأخاه، فحسده إخوته لما رأوا حبَّ أبيه له. ورأى يوسف في المنام كأن أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر رآهم ساجدين، فحدث أباه بها، فقال: ﴿قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾، الآية). قلت: وهذا النظر العميق من يعقوب ﵊ يدل على سعة علم النبوة بطبيعة الناس، وكيف ينبغي التعامل معهم، وقد جاء ذلك في السنة الصحيحة، في أحاديث، منها: الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: [العين حق، ولو كان شيء سابقَ القدر سبقته العين، وإذا اسْتُغْسِلْتُم فاغسلوا] (١). الحديث الثاني: يروي الطبراني بسند صحيح لشواهده، عن معاذ بن جبل، عن النبي ﷺ قال: [استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود] (٢). الحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن أبي قتادة قال: قال النبي ﷺ : [الرؤيا الصالحةُ من الله، والحُلْمُ من الشيطان، فمَنْ رأى شيئًا يَكرَهُهُ فَلْيَنْفِثْ عن شِمالِه ثلاثًا

стр. 2170

وليتَعَوَّذ من الشيطان، فإنها لا تضرُّه، وإنّ الشيطان لا يتراءى بي] (١). الحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد بسند حسن من حديث أبي رزين العقيلي، عن النبي ﷺ قال: [الرؤيا على رجل طائر ما لم تُعبَّر، فإذا عُبِّرتْ وَقَعَتْ] (٢). قال ابن كثير - وقد أورد هذا الحديث -: (ومن هذا يؤخَذ الأمر بكتمان النعمة حتى توجَد وتظهر). الحديث الخامس: أخرج الترمذي بسند حسن عن الزبير بن العوام، أن النبي ﷺ قال: [دبَّ إليكم داء الأمم قبلكم: الحسدُ، والبغضاء هي الحالقة، وفي رواية: (الحسد والبغضاء، والبُغْضة هي الحالقة)، لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين، والذي نفسي بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أنبئكم بما يُثَبِّتُ ذاكُمْ لكم! أفشوا السلام بينكم] (٣). وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾. قال عكرمة: (﴿يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾، يصطفيك). وقال قتادة: (فاجتباه واصطفاه وعلّمه من عَبْر الأحاديث، وهو ﴿تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾). وقال مجاهد: (﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾، قال: عبارة الرؤيا). قلت: لقد أكرم الله يوسف وبعض إخوته الأنبياء بفهم تأويل الأحلام، من خلال وحي الله تعالى لهم، وأما سائر البشر من العلماء والصالحين فلا يصحّ ادعاء أحد منهم بتفسير الأحلام بدقة حدوثها في المستقبل، اللهم إلا الرؤيا الصالحة ودلالتها على المبشرات، والرؤيا المزعجة التي قد تكون من حديث النفس أو الشيطان، وعلى هذا المنهاج جاءت السنة الصحيحة: الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ

стр. 2171

قال: [الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزءٌ من سِتَّةٍ وأربعين جزءًا من النبوة] (١). ورواه من حديث عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ قال: [رؤيا المؤمن جزءٌ من ستةٍ وأربعين جُزءًا من النبوة]. الحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي قتادة عن النبي ﷺ قال: [الرؤيا الصادقة من الله، والحُلْمُ من الشيطان] (٢). وفي الباب عن أبي سعيد الخدري، أنه سمع النبي ﷺ يقول: [إذا رأى أحدُكُم رُؤيا يُحِبُّها فإنما هي من الله، فليحمد الله عليها وليُحَدِّثْ بها، وإذا رأى غير ذلك مِمَّا يَكْرَه فإنَّما هي من الشيطان، فليستعِذْ من شَرِّها ولا يَذْكُرْها لأحد فإنها لا تَضُرُّه] (٣). وله شاهد أخرجه ابن عبد البر في "التمهيد" (١/ ٢٨٧ - ٢٨٨) بإسناد صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [إذا رأى أحدكم الرؤيا تعجبه فليذكرها، وليفسرها، وإذا رأى أحدكم الرؤيا تسوءه، فلا يذكرها، ولا يفسرها]. الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد في المسند، وابن أبي شيبة في "المصنف" بإسناد صحيح عن أبي هريرة مرفوعًا: [الرؤيا ثلاث، فالبشرى من الله، وحديث النفس، وتخويف من الشيطان، فإذا رأى أحدكم رؤيا تعجبه فليقصها إن شاء، وإذا رأى شيئًا يكرهه فلا يقصه على أحد وليقم يصلي] (٤). الحديث الرابع: أخرج البخاري في "التاريخ"، وابن ماجه في السنن، بإسناد صحيح، عن عوف بن مالك عن رسول الله ﷺ قال: [الرؤيا ثلاث، منها أهاويلُ من الشيطان، لِيُحْزِنَ بها ابنَ آدم، ومنها ما يَهُمُّ به الرجل في يقظته فيراه في منامِه، ومنها جزءٌ من ستة وأربعين جزءًا من النبوة] (٥).

стр. 2172

وقوله: ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. أي: يتم الله تعالى نعمته على يوسف ﷺ بالرسالة والاجتباء وتعليمه تأويل الأحاديث والأحلام، كما أتمها على أهل دين يعقوب وملته من ذريته الصالحين، ومن قبلهم باتخاذ إبراهيم خليلًا من بين المرسلين، وإسحاق نبيًا من المخلصين، أخلصه واختصه مع أبيه إبراهيم وابنه يعقوب بذكرى الدار الآخرة، إن ربك عليم بمواضع الفضل وأهل الاختصاص والاجتباء من عباده، حكيم في تقديره وتدبيره وتشريعه. وفي التنزيل: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ [ص: ٤٥ - ٤٧]. ٧ - ١٠. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧) إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (٩) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (١٠)﴾. في هذه الآيات: يخبر تعالى أن في قصة يوسف مع إخوته الكثير من الفوائد والدروس والعبر، فهم قابلوا حبّ أبيهم لأخيهم بالمكر والبغي والحسد، فكان التخطحط منهم لقتله أو إلقائه في بئر على الطريق يلتقطه بعض المسافرين، ثم اختاروا بعد التشاور آخر الأمرين. فقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾. قال ابن إسحاق: (إنما قصَّ الله ﵎ على محمد خبر يوسف، وبَغْيَ إخوته عليه، وحسدهم إياه، حين ذكر رؤياه، لما رأى رسول الله ﷺ من بغي قومه وحسده حين أكرمه الله بنبوته، ليأتسي به).

стр. 2173

والخلاصة: إن في قصة يوسف مع إخوته من العبر والدروس الكثيرة، لمن أراد الفائدة في البحث واستنباط المواعظ من تلك الأخبار. وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. قال السدي: (﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا﴾: يعنون بنيامين. قالوا: وكانوا عشرة). وقال ابن زيد: (﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾: العصبة، الجماعة). وقيل: العصبة العشرة فصاعدًا. والمراد: أنهم حلفوا فيما يظنون أن يوسف وبنيامين - وكان شقيقه لأمه - أحب إلى أبيهما منهم وهم جماعة. وقوله: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. قال ابن جرير: (يعنون: إنّ أبانا يعقوب لفي خطأ من فعله، في إيثاره يوسف وأخاه من أمه علينا بالمحبة). وقال النسفي: (غلط في تدبير أمر الدنيا، ولو وصفوه بالضلالة في الدين لكفروا). وقوله تعالى: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾. قال ابن كثير: (يقولون: هذا الذي يُزاحِمكم في مَحبّة أبيكم لكم أعدِموه من وجه أبيكم ليخلوَ لكم وحدكم، إما بأن تقتلوه، أو تُلقوه في أرض من الأراضي تستريحوا منه، وتَخْتَلُوا أنتم بأبيكم، وتكونوا من بعد إعدامِه قومًا صالحين. فأضمروا التوبة قبل الذنب). قال السدي: (﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾: تتوبون مما صنعتم، أو: من صنيعكم). وقوله تعالى: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾. قيل: قائل ذلك "روبيل"، ابن خالة يوسف. قال ابن إسحاق: (ذكر لي، والله أعلم، أن الذي قال ذلك منهم "روبيل"، الأكبر من بني يعقوب، وكان أقصدهم فيه رأيًا). وقال قتادة: (ذكر لنا أنه روبيل، كان أكبر القوم، وهو ابن خالة يوسف، فنهاهم

стр. 2174

عن قتله). وقال مجاهد: (هو شمعون)، والله تعالى أعلم. و ﴿غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ ما غاب وأظلم من قعر البئر. والخلاصة: إنه أشار عليهم بعدم قتل يوسف وإنما بإلقائه في قعر البئر، حيث يغيب خبره، يأخذه بعض المارة من المسافرين، إن كنتم عازمين على التخلص منه. ولا شك أن الله تعالى هو الذي صرفهم عن قتله لِما أراد له من النبوة والتمكين في بلاد مصر والحكم بها، وإحقاق بعض الآيات العظيمة في حياة خلقه. ولا شك أنهم أقدموا على عمل عظيم الإثم، من قطيعة الرحم وعقوق الوالد، والقسوة على الطفل الصغير ووالده العجوز إذ حرموه من محبوبه الصغير واستغلوا ضعفه وشيخوخته، وحرموا الطفل من حنان والده وقربه ورعايته. وقد جاءت السنة الصحيحة بالترهيب من مثل هذه الأفعال، في أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري في "الأدب المفرد" بسند صحيح عن أبي بكرة، عن النبي ﷺ قال: [ما من ذنب أجدرُ أن يُعَجَّلَ لصاحبه العقوبة مع ما يدخر له، من البغي وقطيعة الرحم] (١). الحديث الثاني: أخرج أبو داود وابن ماجه والترمذي بإسناد حسن، عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : [ثلاثة دعوات مستجابات لهن، لا شك فيهن: دعوةُ المظلوم، ودعوةُ المسافر، ودعوةُ الوالدين على ولدهما] (٢). وفي لفظ: [ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة الوالد، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم]. الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد والترمذي بسند صحيح عن أبي أيوب، عن النبي ﷺ قال: [مَنْ فَرَّقَ بين والدة وولدِها، فرَّق الله بينه وبين أحِبَّتهِ يوم القيامة] (٣). قال الترمذي: (والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم: كرهوا التفريق بين السَّبي بين الوالدة وولدها، وبين الولد والوالد، وبين الإخوة).

стр. 2175

١١ - ١٥. قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (١١) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (١٢) قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (١٣) قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (١٤) فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥)﴾. في هذه الآيات: توطئة إخوة يوسف لأبيهم بعدما بيّتوا أمرهم في إرساله معهم يتنزه ويلعب وهم له حافظون. وتردُّدِ والدهم أول الأمر خشية الذئب أو الضياع على ولده الغلام وهم عنه غافلون. وتأكيد الإخوة لأبيهم حرصهم على أخيهم وهم عصبة وإلَّا فهم خاسرون. وَوَحْيُ الله تعالى إلى يوسف حين علم مكرهم أنه تعالى سيجعل له من ذلك الضيق مَخرجًا، ونَصْرًا وفرجًا، وهم لا يشعرون. فقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾. هو قول إخوة يوسف لأبيهم يعقوب ﵇ بعد تواطئهم على أخذ يوسف وطرحه في البئر، فوطؤوا لوالدهم بهذه المقدمة ليصلوا إلى مرادهم وقد امتلأت قلوبهم بالحسد على يوسف لحب أبيه له. قال ابن جرير: (﴿وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾، نَحُوطُهُ ونكلؤه). وقوله: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾. قال ابن عباس: (يسعى وينشط). أو قال: (يلهو وينشط ويسعى). وقال الضحاك: (يتلهّى ويلعب). وقراءة أبي عمرو: ﴿نرتَعْ ونلعب﴾، وقراءة أهل الكوفة ﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ وهي الأشهر. وقوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ - أي: نحفظه ونحوطه من أجلك فلا يناله سوء. وقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾. إِخْبارٌ من الله تعالى عن مشاعر يعقوب ﵇ تجاه ما سأله أبناؤه من إرساله يوسف معهم إلى الرعي في الصحراء، فإنه وجد أن ذلك يشق عليه لفرط محبته ليوسف
следующие страницы →