وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾.
قال ابن جرير: (أي: وأنتم تنظرون إلى فَرْق الله البحر لكم، والتطام أمواج البحر بآل فرعون، في الموضع الذي صيَّر لكم في البحر طريقًا يبسًا. وذلك كان، لا شك، نظرَ عِيانٍ لا نظرَ علم).
٥١ - ٥٣. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢) وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣)﴾.
في هذه الآيات: ذكْرُ الله تعالى مواعدته نبيه موسى ﵇، وذكر إعطائه الكتاب والفرقان هدى لبني إسرائيل، وانتكاس بني إسرائيل في عبادة العجل وعفوه تعالى عنهم.
قرأ القراء ﴿وَاعَدْنَا﴾ و"وَعَدْنا"، أما القراءة الثانية "وعَدْنا" فهي قراءة أبي عمرو، واختاره أبو عبيد. قال النحاس: (وقراءة "واعدنا" بالألف أجود وأحسن، وهي قراءة مجاهد والأعرج وابن كثير ونافع والأعمش وحمزة والكسائي).
و"موسى" بالقبطية كلمتان يُعنى بهما: ماء وشجر. "فمو"، هو الماء، و"شا" هو الشجر. قال ابن جرير: (وإنما سمي بذلك - فيما بلغنا - لأن أمه لما جعلته في التابوت - حين خافت عليه من فرعون وألقته في اليَمِّ، كما أوحى الله إليها، وقيل: إن اليَمَّ الذي ألقته فيه هو النيل - دفعته أمواج اليم حتى أدخلته بين أشجار عند بيت فرعون، فخرج جواري آسيةَ امرأة فرعون يغتسلنَ، فوجدن التابوت فأخذنه. فسمي باسم المكان الذي أصيب فيه، وكان ذلك بمكان فيه ماء وشجر. فقيل موسى، ماء وشجر) ذكره عن السدي.
وقال أبو جعفر: (وهو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب إسرائيل الله ابن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله، فيما زعم ابن إسحاق).
وأما مفهوم الآية فيما ذكر أهل التفسير:
١ - عن أبي العالية: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾، قال: يعني ذا القَعْدة وعشرًا من
стр. 247
ذي الحِجَّة. وذلك حين خلَّف موسى أصحابه واستخلف عليهم هارون، فمكث على الطور أربعين ليلة، وأنزل عليه التوراة في الألواح - وكانت الألواح من بَرَد - فقربه الربّ إليه نجِيًّا وكلّمه ... ).
٢ - عن ابن إسحاق قال: (وعد الله موسى- حين أهلك فرعون وقومَه، ونجَّاه وقومَه - ثلاثين ليلة ثم أتمها بعشر، فتم ميقات ربِّه أربعين ليلة، يلقاه ربه فيها ما شاء. واستخلف موسى هارونَ على بني إسرائيل، وقال: إني متعجِّلٌ إلى ربي، فاخلفني في قومي ولا تتَّبع سبيل المفسدين. فخرج موسى إلى ربه متعجلًا لِلُقِيِّهِ شوقًا إليه، وأقام هارون في بني إسرائيل ومعه السامريّ، يسير بهم على أثر موسى ليلحقهم به).
٣ - عن السدي قال: (انطلق موسى، واستخلف هارون على بني إسرائيل، وواعدهم ثلاثين ليلة، وأتمها الله بعشر).
والخلاصة: كأن الله سبحانه يقول لبني إسرائيل: اذكروا نعمتي عليكم في عفوي عنكم، إذ عبدتم العجل بعد ذهاب موسى لميقات ربه، عند انقضاء أمد المواعدة، وكانت أربعين يومًا كما قال تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف: ١٤٢].
قال القرطبي: (والأربعون في قول أكثر المفسرين: ذو القعدة وعشرة من ذي الحجة. وكان ذلك بعد أن جاوز البحر وسأله قومه أن يأتيهم بكتاب من عند الله، فخرج إلى الطور في سبعين من خيار بني إسرائيل، وصعِدوا الجبل وواعدهم إلى تمام أربعين ليلة، فعدّوا - فيما ذكر المفسرون - عشرين يومًا وعشرين ليلة، وقالوا قد أخلفنا موعده. فاتخذوا العجل. وقال لهم السامري: هذا إلهكم وإله موسى، فاطمأنوا إلى قوله. ونهاهم هارون وقال: ﴿إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قَالوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾. فلم يتبع هارون ولم يطعه في ترك عبادة العجل إلا اثنا عشر ألفًا فيما رُوي في الخبر. وتهافت في عبادته سائرهم وهم أكثر من ألفي ألف، فلما رجع موسى ووجدهم على تلك الحال، ألقى الألواح فرفع من جملتها ستة أجزاء وبقي جزء واحد وهو الحلال والحرام وما يحتاجون، وأحرق العجل وذراه في البحر، فشربوا من مائه حُبًّا للعجل، فظهرت على شفاههم صفرة وورِمَت بطونهم، فتابوا ولم تُقبل توبتهم دون أن يقتلوا أنفسهم، فذلك قوله تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾. فقاموا بالخناجر والسيوف بعضهم إلى بعض من لَدُن طلوع الشمس إلى ارتفاع الضحى، فقتل بعضهم بعضًا، لا يسأل والد عن ولده
стр. 248
ولا ولد عن والده، ولا أخ عن أخيه ولا أحد عن أحد، كل من استقبله ضربه بالسيف وضربه الآخر بمثله، حتى عجَّ موسى إلى الله صارخًا: يا ربّاه، قد فنيت بنو إسرائيل! فرحمهم الله وجاد عليهم بفضله، فقبل توبةَ من بقي وجعل من قُتل في الشهداء).
ثم قال: (إن قيل: لم خصّ الليالي بالذكر دون الأيام؟ قيل له: لأن الليلة أسبق من اليوم فهي قبله في الرتبة، ولذلك وقع بها التاريخ، فالليالي أول الشهور والأيام تبع لها).
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
قال أبو العالية: (يعني: من بعد ما اتخذتم العجل).
وقال ابن جرير: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، فإنه يعني به: لتشكروا. ومعنى "لعل" في هذا الموضع معنى "كي". قال: فمعنى الكلام إذن: ثم عفونا عنكم من بعد اتخاذكم العجل إلهًا، لتشكروني على عفوي عنكم، إذ كان العفو يوجب الشكر على أهل اللبّ والعقل).
روى عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد المسند بسند حسن عن النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفُرقة عذاب] (١).
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.
المراد بالكتاب: التوراة. وبالفرقان: الفصل بين الحق والباطل. والمعنى: (واذكروا أيضًا يا بني إسرائيل إذ آتينا موسى التوراة التي كتبناها له في الألواح وفرقنا بها بين الحق والباطل). وتفصيل ذلك من أقوال أهل التفسير:
١ - عن أبي العالية: (﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾، قال: فَرَق به بين الحق والباطل).
стр. 249
٢ - قال مجاهد: (الكتاب هو الفُرقان، فرق بين الحق والباطل).
٣ - قال ابن عباس: (الفرقان جماع اسم التوراة والإنجيل والزبور والفُرقان).
٤ - قال ابن زيد: (أما "الفرقان" الذي قال الله جل وعز: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال: ٤١]، فذلك يومُ بدر، يومَ فَرَق الله بين الحق والباطل، والقضاءُ الذي فرق بين الحق والباطل. قال: فكذلك أعطى الله موسى الفرقان، فرق الله بينهم، وسلَّمه وأنجاه، فَرَق بينهم بالنصر. فكما جعل الله ذلك بين محمد ﷺ وبين المشركين، فكذلك جعله بين موسى وفرعون). وقال: (الفرقان انفراق البحر له حتى صارَ فِرَقًا فعبروا).
٥ - وقيل: (الفرقان الفرج من الكرب، لأنهم كانوا مستعبدين مع القبط، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ أي: فرجًا ومخرجًا. ذكره القرطبي.
٦ - وقيل: (إنه الحجة والبيان) قاله ابن بحر.
قلت: وتوجيه الآية إلى التوراة وما نعتت به من الفصل بين الحق والباطل أقرب للسياق وأنسب، وهو اختيار شيخ المفسرين ابن جرير، والحافظ ابن كثير.
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.
يعني: لكي تهتدوا بها - أي التوراة - وتمتثلوا الحق الذي جاء فيها، فقد جعلها الله كذلك هدى لمن اهتدى بها واتبع ما فيها.
٥٤. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)﴾.
في هذه الآية: ما زال الخطاب لبني إسرائيل: واذكروا أيضًا قول موسى لقومه - حين ظلموا أنفسهم باتخاذهم العجل ربّا بعد فراق موسى إياهم - يأمرهم بالمراجعة من ذنبهم، والإنابة إلى الله من ردّتهم، والتوبة إليه سبحانه مما ركبوه بقتل أنفسهم.
وقد استجاب القوم وقاموا بما أُمروا. فإلى تفصيل ذلك من أقوال أهل التفسير:
١ - عن أبي إسحاق، عن أبي عبد الرحمن أنه قال في هذه الآية: ﴿فَاقْتُلُوا
стр. 250
أَنْفُسَكُمْ﴾، قال: (عَمَدوا إلى الخناجر فجعل يطعن بعضهم بعضًا).
٢ - عن مجاهد وسعيد بن جبير قالا: (قام بعضهم إلى بعض بالخناجر يقتُل بعضهم بعضًا، لا يَحنُّ رجلٌ على رجل قريب ولا بعيد، حتى ألْوَى موسى بثوبه، فطرحوا ما بأيديهم، فتكشَّفَ عن سبعين ألف قتيل. وإن الله أوحى إلى موسى: أن حَسْبي، فقد اكتفيت! فذلك حين ألوى بثوبه).
٣ - عن ابن عباس قال: (قال موسى لقومه: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. قال: أمر موسى قومَه - عن أمر ربه أن يقتلوا أنفسهم، قال: فاحتبى الذين عكفوا على العجل فجلسوا، وقام الذين لم يعكفوا على العجل، وأخذوا الخناجر بأيديهم، وأصابتهم ظلمة شديدة، فجعل يقتل بعضهم بعضًا، فانجلت الظلمة عنهم وقد أجْلوْا عن سبعين ألف قتيل، كلّ من قُتل منهم كانت له توبة، وكل من بقِيَ كانت له توبة).
٤ - عن السدي قال: (فَصَفُّوا صَفَّين، ثم اجتلدوا بالسيوف. فاجتلد الذين عبدوه والذين لم يعبدوه بالسيوف، فكان من قتل من الفريقين شهيدًا، حتى كثُر القتل، حتى كادوا أن يهلكوا، حتى قُتل بينهم سبعون ألفًا، حتى دعا موسى وهرون: ربَّنا هلكت بنو إسرائيل! ربنا البقية البقية! فأمرهم أن يضعوا السلاح وتاب عليهم. فكان من قتل شهيدًا، ومن بقي كان مكفَّرًا عنه. فذلك قوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾).
٥ - قال ابن جريج: (وكان قتلُ بعضهم بعضًا: أن الله علم أن ناسًا منهم علموا أن العجل باطل، فلم يمنعهم أن ينكروا عليهم إلا مخافة القتال، فلذلك أمر أن يقتُل بعضهم بعضًا).
٦ - عن ابن إسحاق قال: (لما رجع موسى إلى قومه - وأحرق العِجل وذرّاه في اليمّ وخرج إلى ربه بمن اختار من قومه، فأخذتهم الصاعقة، ثم بعثوا - سأل موسى ربَّه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل، فقال: لا، إلا أن يقتلوا أنفسهم. قال: فبلغني أنهم قالوا لموسى: نصبرُ لأمر الله! فأمر موسى من لم يكن عَبَدَ العجلَ أن يَقْتُلَ من عَبَدَه. فجلسوا بالأفنية، وأصْلتَ عليهم القوم السيوف، فجعلوا يقتلونهم، وبكى موسى، وبَهِشَ إليه النساء والصبيان يطلبون العفو عنهم، فتاب عليهم وعفا عنهم، وأمر موسى أن ترفع عنهم السيوف).
٧ - قال ابن زيد: (لما رجع موسى إلى قومه وكان سبعون رجلًا قد اعتزلوا مع
стр. 251
هارون العجلَ لم يعبدوه، فقال لهم موسى: انطلقوا إلى موعد ربِّكم. فقالوا: يا موسى، أما من توبة؟ قال: بلى! ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ الآية. فاخترطوا السيوف والجِرَزَةَ والخناجِرَ والسكاكين. قال: وبعث عليهم ضبابةً. قال: فجعلوا يتلامسون بالأيدي، ويقتل بعضهم بعضًا. قال: ويلقى الرجل أباه وأخاه فيقتله ولا يدري، ويتنادون فيها: رحم الله عبدًا صبَرَ نفسَهُ حتى يبلغ الله رضاه. وقرأ قول الله جل ثناؤه: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان: ٣٣]. قال: فقتلاهم شُهداء، وتِيبَ على أحيائهم، وقرأ: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾).
وقوله: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾.
أي: ارجعوا إلى طاعة خالقكم وما يرضيه عنكم.
قال أبو العالية: (﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾، أي: إلى خالقكم).
وقال سفيان بن عيينة: (التوبة نعمة من الله أنعم الله بها على هذه الأمة دون غيرها من الأمم، وكانت توبة بني إسرائيل القتل).
قال القرطبي في هذه الآية: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، وإنما عوقب الذين لم يعبدوا العجل بقتل أنفسهم لأنهم لم يغيروا المنكر حين عبدوه، وإنما اعتزلوا، وكان الواجب عليهم أن يقاتلوا من عبده. وهذه سنة الله في عباده إذا فشا المنكر ولم يُغَيَّرْ عوقب الجميع).
أخرج الإمام أحمد في المسند وأبو داود وابن ماجة في السنن بسند صحيح عن جرير قال: قال رسول الله ﷺ : [ما مِنْ قوم يُعمل فيهم بالمعاصي، هم أعزُّ وأكثر ممن يعملُه، ثم لم يغيّروه، إلا عمهم الله تعالى منهُ بعقاب] (١).
ولفظ ابن ماجة: [ما من قوم يُعمل فيهم بالمعاصي هم أعزُّ منهم وأمْنَعُ، لا يغيّرون، إلا عمهم الله بعقاب].
وأخرج ابن ماجة بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري: [أن رسول الله ﷺ قام خطيبًا. فكان فيما قال: "ألا، لا يَمْنَعَنَّ رجُلًا، هَيْبَةُ الناس، أن يقول بحقٍّ، إذا
стр. 252
عَلِمَه". قال: فبكى أبو سعيد، وقال: قد والله! رأينا أشياء، فهبنا] (١).
وقوله: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.
المعنى: إن توبتكم إلى الله بقتلكم أنفسكم خير لكم عند ربكم، فهي نجاة لكم من عذابه في الآخرة، أمَا وقد فعلتموه وامتثلتم ما أُمرتم به فتبتم فتاب عليكم، إنه هو الراجع لمن أناب إليه بما يحب من العفو عنه والتجاوز عن ذنبه.
قال ابن جرير: (ويعني بـ "الرحيم"، العائد إليه برحمته المنجية من عقوبته).
٥٥ - ٥٦. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)﴾.
في هذه الآيات: يقول تعالى: واذكروا أيضًا نعمتي عليكم إذ بعثتكم بعد الصعق، بعدما سألتم رؤيتي جَهْرة عيانًا، وهو أمر لا يستطاع لكم ولا لأمثالكم ولا ينبغي سؤاله.
قال ابن عباس: (﴿حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾، قال: علانية). وقال الربيع: (عِيانًا).
وقال ابن زيد: (حتى يطلعَ إلينا). وجَهْرَة: مصدر في محل نصب حال. وأصل الجَهْر: الظهور. ومنه الجهر بالقراءة: إظهارها. فذكّرهم الله بذلك سوء استقامة أجدادهم لأنبيائهم، وتقلب آبائهم في إيمانهم رغم تتابع الحجج عليهم، وكثرة معاينتهم آيات الله وعبره، فمرة يعبدون العجل، ومرة يطلبون رؤية الله، وتارة يقولون: اذهب أنت وربك فقاتلا، وتارة يستهزئون فيقولون حِنطة في شعير وقد أمروا أن يقولوا حِطّة، ويدخلون البابَ من قبل أستاههم إلى غير ذلك من إيذائهم لأنبيائهم وتوثبهم على نبيهم موسى ﵊، مع عظيم ما أحاطهم الله به من النعم والآلاء والخيرات.
стр. 253
وقوله: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾.
قال قتادة: (ماتوا). وقال الربيع: (سمعوا صوتًا فصعِقوا، يقول: فماتوا). وقال السدي: (والصاعقة نار). وقال ابن إسحاق: (أخذتهم الرجفة، وهي الصاعقة، فماتوا جميعًا).
وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾.
قال عُرْوة بن رُويم: (صعق بعضهم وبعضٌ ينظرون، ثم بُعِث هؤلاء وصُعِقَ هؤلاء). وقال السدي. (﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ فماتوا، فقام موسى يبكي ويدعو الله، ويقول: ربِّ، ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم ﴿لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ [الأعراف: ١٥٥]، فأوحى الله إلى موسى أن هؤلاء السبعين ممن اتخذ العجل، ثم إن الله أحياهم فقاموا وعاشوا رجلًا رجلًا، ينظر بعضهم إلى بعض كيف يحيون؟ قال: فذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
وقال الربيع بن أنس: (كان موتهم عقوبة لهم، فبعثوا من بعد الموت ليستوفوا آجالهم).
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
قال القرطبي: (ما فعل بكم من البعث بعد الموت).
وأما سبب قيلهم لموسى ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ فهناك قولان ذكرهما شيخ المفسرين ابن جرير ﵀، ونقلهما عنه الحافظ ابن كثير.
القول الأول: عن محمد بن إسحاق قال: (لما رجع موسى إلى قومه فرأى ما هم عليه من عبادة العجل، وقال لأخيه وللسامري ما قال، وحرَّق العجل وذراه في اليم، اختار موسى منهم سبعين رجلًا الخَيِّر فالخَيِّر، وقال: انطلقوا إلى الله وتوبوا إليه مما صنعتم، وسَلُوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم، صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم. فخرج بهم إلى طور سيناء لميقات وقَّتَه له ربه، وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعِلْم، فقال له السبعون، فيما ذكر لي حين صنعوا ما أمرهم به، وخرجوا للقاء الله، قالوا: يا موسى، اطلب لنا إلى ربك نسمع كلام ربنا، فقال: أفعل. فلما دنا موسى من الجبل، وقع عليه الغمام حتى تَغَشَّى الجبل كله، ودنا موسى فدخل فيه،
стр. 254
وقال للقوم: ادنوا. وكان موسى إذا كلَّمه الله وقع على جبهته نور ساطع، لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه، فضرب دونه بالحجاب، ودنا القوم حتى إذا دخلوا في الغمام، وقعوا سجودًا، فسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه: افعل ولا تفعل. فلما فرغ إليه من أمره انكشف عن موسى الغمام، فأقبل إليهم، فقالوا لموسى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ فأخذتهم الرجفة، وهي الصاعقة، فماتوا جميعًا. وقام موسى يناشد ربه ويدعوه ويرغب إليه، ويقول: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾ قد سَفِهوا، أفتهلك من ورائي من بني إسرائيل بما يفعل السفهاء منا؟ أي: إن هذا لهم هلاك. واخترتُ منهم سبعين رجلًا، الخيِّرَ فالخيِّرَ، أرجع إليهم وليس معي منهم رجل واحد! فما الذي يصدقوني به ويأمنوني عليه بعد هذا؟ ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، فلما يزل موسى يناشد ربه ويطلب إليه حتى ردّ إليهم أرواحهم، فطلب إليه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل، فقال: لا، إلا أن يقتلوا أنفسهم).
وفي رواية إسماعيل بن عبد الرحمن السّدّي الكبير: (لما تابت بنو إسرائيل من عبادة العجل، وتاب الله عليهم بقتل بعضهم بعضًا كما أمرهم الله به، أمر الله موسى أن يأتيه في كل أناسٍ من بني إسرائيل، يعتذرون إليه من عبادة العجل، ووعدهم موسى، فاختار موسى قومه سبعين رجلًا على عَينه، ثم ذهب بهم ليعتذروا). وساق البقية.
القول الثاني: عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: قال لهم موسى لما رجع من عند ربه بالألواح، قد كتب فيها التوراة، فوجدهم يعبدون العجل، فأمرهم بقتل أنفسهم، ففعلوا، فتاب الله عليهم فقال: إن هذه الألواح فيها كتاب الله، فيه أمره الذي أمركم به ونهيه الذي نهاكم عنه. فقالوا: ومن يأخذه بقولك أنت؟ لا والله حتى نرى الله جهرة، حتى يطلع الله علينا فيقول: هذا كتابي فخذوه، فما له لا يكلمنا كما يكلمك أنت يا موسى! وقرأ قول الله: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾. قال: فجاءت غضبة من الله، فجاءتهم صاعقة بعد التوبة، فصَعَقتهم فماتوا أجمعون. قال: ثم أحياهم الله من بعد موتهم، وقرأ قول الله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)﴾، فقال لهم موسى: خذوا كتاب الله، فقالوا: لا. فقال: أي شيء أصابكم؟ فقالوا: أصابنا أنّا متنا ثم حَيينا. قال: خذوا كتاب الله. قالوا: لا. فبعث الله ملائكة فنتقت الجبل فوقهم).
قال الحافظ ابن كثير: (وهذا السياق يدلّ على أنهم كُلِّفوا بعد ما أُحيوا).
وقال الماوردي: (واختلف في بقاء تكليف من أعيد بعد موته ومعاينة الأحوال
стр. 255
المضطرة إلى المعرفة على قولين: أحدهما - بقاء تكليفهم لئلا يخلو عاقل من تعبّد. الثاني: سقوط تكليفهم معتبرًا بالاستدلال دون الاضطرار).
قال القرطبي: (والأول أصح، فإن بني إسرائيل قد رأوا الجبل في الهواء ساقطًا عليهم والنار محيطة بهم، وذلك مما اضطرهم إلى الإيمان، وبقاء التكليف ثابت عليهم، ومثلهم قوم يونس. ومحال أن يكونوا غير مكلفين. والله أعلم).
قلت: ولا شك أن التكليف قائم على كل بالغ عاقل، فإن الرسل عليهم الصلاة والسلام شاهدوا أمورًا أعظم من أتباعهم، وعاينوا الخوارق والأمور العظام، ولم يسقط عنهم التكليف.
وفي المسند وصحيح أبي داود والحاكم من حديث عائشة، عن النبي ﷺ قال: [رُفِع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المُبْتلى حتى يبرَأ، عن الصبي حتى يكبر] (١).
٥٧. قوله تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧)﴾.
في هذه الآية: شرع الله سبحانه يعدّد نعمه الكثيرة على بني إسرائيل بعدما ذكر جل ذكره ما دفعه عنهم من النقم، فمنها تظليل الغمام عليهم، وذلك أنهم كانت تظلهم سحابة إذا ارتحلوا. لئلا تؤذيهم حرارة الشمس، ومنها إنزال المن والسلوى تكرمة لهم.
والغمام جمع غمامة، كسحابة وسحاب. قال الفراء: (ويجوز غمائم وهي السحاب، لأنها تغمّ السماء أي تسترها، وكل مغطّى فهو مغموم، ومنه المغموم على عقله).
قال مجاهد: (﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾، قال: هو بمنزلة السحاب). وقال: (ليس بالسحاب، هو الغمام الذي يأتي الله فيه يوم القيامة، لم يكن إلا لهم).
وقال السدي: (الغمام السحاب الأبيض).
стр. 256
وقال ابن عباس: (هو غمامٌ أبردُ من هذا وأطيبُ، وهو الذي يأتي الله فيه يوم القيامة في قوله: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠]، وهو الذي جاءت فيه الملائكة يوم بدر. قال: وكان معهم في التيه).
وقال قتادة: (كان هذا في البرية، ظلل عليهم الغمام من الشمس).
وقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾.
أما المن فمختلف فيه على أقوال:
١ - عن مجاهد: (﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ﴾، قال: المن صمغة).
٢ - عن قتادة قال: (كان المنّ ينزل عليهم مثل الثلج).
٣ - وعن الربيع بن أنس قال: (المنّ شراب كان ينزل عليهم مثل العسل، فيمزجونه بالماء ثم يشربونه).
٤ - وقال ابن زيد: (المنّ، عسل كان ينزل لهم من السماء). وقال عامر (١): (عسلُكم هذا جزءٌ من سبعين جزءًا من المن).
٥ - وقال وهب: (خُبْزُ الرُّقاق، مثل الذرة ومثل النَّقِيِّ).
٦ - قال السدي: (المن كان يسقط على شجر الزنجبيل).
٧ - وقال ابن عباس: (كان المنّ ينزل على شجرهم، فيغدون عليه، فيأكلون منه ما شاؤوا).
٨ - وقيل: المنّ هو الترنجبين.
٩ - وقيل: المنّ هو الذي يسقط على الثمام والعُشَر، وهو حلو كالعسل وإياه عنى الأعشى -ميمون بن قيس- بقوله:
لَوْ أُطْعِمُوا المنَّ والسَّلْوى مكانَهُمُ ... ما أبصر الناس طُعْمًا فيهم نَجَعا
١٠ - وقال عكرمة: (المنّ شيء أنزله الله عليهم مثل الظل، شبه الرُّبِّ الغليظ).
ووقع في شعر أمية بن أبي الصلت، حيث قال:
فَرَأى الله أنهم بِمَضِيعٍ ... لا بِذي مَزْرَعٍ ولا مَعمورًا
стр. 257
فسَناها عليهم غَادياتٍ ... ومَرَى مُزْنَهم خلايا وخُورًا
عَسَلًا ناطفًا وماء فراتًا ... وحليبًا ذا بهجة مَثْمورًا
فالناطف: هو السائل، والحليب المثمور: الصافي منه.
قال ابن جرير: (فجعل المن الذي كان ينزل عليهم عسلًا ناطفًا، والناطف: هو القاطر).
وقال ابن كثير: (عبارات المفسرين متقاربة في شرح المن، فمنهم من فسّره بالطعام، ومنهم من فسره بالشراب، والظاهر والله أعلم، أنه كل ما امتن الله به عليهم من طعام وشراب وغير ذلك، مما ليس لهم فيه عمل ولا كد، فالمن المشهور إنْ أُكِلَ وحده كان طعامًا وحلاوة، وإن مُزج معه الماء صار شرابًا طيبًا، وإنْ رُكِّبَ مع غيره صار نوعًا آخر).
وقد ورد المنّ في السنة الصحيحة بذكر ما يستخرج منه من الكمأة التي ماؤها شفاء للعين. وفي ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن سعيد بن زيد ﵁ قال: قال النبي ﷺ : [الكَمْأةُ من المَنّ وماؤها شفاء للعين] (١).
وفي رواية لمسلم: [الكمأة من المنّ الذي أَنْزَلَ الله تعالى على بني إسرائيل، وماؤها شفاء للعين].
الحديث الثاني: أخرج الترمذي وابن ماجة وأحمد بسند حسن - واللفظ للترمذي - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [العَجْوَةُ من الجنة، وفيها شفاء من السُّمِّ، والكمْأةُ من المَنِّ، وماؤها شفاء للعين] (٢).
الحديث الثالث: أخرج ابن مردويه عن أنس: [أن أصحاب النبي ﷺ تذاكروا في الشجرة التي اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار، فقال بعضهم: نحسبه الكمأة.
стр. 258
فقال رسول الله ﷺ : الكمأة من المنّ، وماؤها شفاء للعين، والعجوة من الجنة، وفيها شفاء من السُّم] (١).
وأما السلوى فهو طائر يشبه السُّمَاني، كانوا يأكلون منه. وأقوال المفسرين في ذلك متقاربة:
١ - عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة: (السلوى طائر يشبه السُّمّاني).
وعن السدي قال: (كان طيرًا أكبرَ من السُّمّاني).
٢ - عن قتادة قال: (السلوى طائر كانت تحشُرها عليهم الريح الجنوبَ).
٣ - عن مجاهد قال: (السلوى طائر). وقال ابن عطية: (السلوى طير بإجماع المفسرين).
٤ - عن ابن وهب قال: (طير سمين مثلُ الحَمام).
٥ - عن عامر الشعبي قال: (السلوى السُّماني). وعن الضحاك: (السماني هو السلوى).
وأما سبب تظليل الله الغمام وإنزاله المنَّ والسلوى على هؤلاء القوم ففيه أكثر من تأويل:
التأويل الأول: عن السدي قال: (لما تاب الله على قوم موسى، وأحيَا السبعين الذين اختارهم موسى بعدما أماتهم، أمرهم الله بالسير إلى أريحا، وهي أرض بيت المقدس. فساروا، حتى إذا كانوا قريبًا منهم، بعث موسى اثني عشر نقيبًا. فكان من أمرهم وأمر الجبَّارين وأمر قوم موسى، ما قد قص الله في كتابه. فقال قوم موسى لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾. فغضب موسى فدعا عليهم فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾. فكانت عَجْلَةً من موسى عَجِلها، فقال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾. فلما ضُرب عليهم التِّيه، ندم موسى، وأتاه قومه الذين كانوا معه يطيعونه فقالوا له: ما صنعت بنا يا موسى؟ فلما ندم، أوحى الله إليه: أنْ لا تأسَ على القوم الفاسقين - أي لا تحزنْ على القوم الذين سميتهم فاسقين - فلم يحزن، فقالوا:
стр. 259
يا موسى كيف لنا بماء ها هنا؟ أين الطعام؟ فأنزل الله عليهم المنّ - فكان يسقط على شجر التُّرَنْجبين - والسلوى، وهو طير يشبه السُّماني، فكان يأتي أحدهم فينظر إلى الطير، إن كان سمينًا ذبحه وإلا أرسله، فإذا سمن أتاه. فقالوا: هذا الطعام، فأين الشراب؟ فأُمر موسى فضوب بعصاه الحجرَ فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا، فشرب كل سِبْطٍ من عين. فقالوا: هذا الطعام والشراب، فأين الظّل؟ فظلَّل عليهم الغمام. فقالوا: هذا الظل، فأين اللباس؟ فكانت ثيابهم تطولُ معهم كما تطول الصبيان، ولا يتخرّق لهم ثوب، فذلك قوله: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ وقوله: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُم﴾ [البقرة: ٦٠]).
التأويل الثاني: عن ابن إسحاق قال: (لما تاب الله على بني إسرائيل، وأمر موسى أن يَرْفَع عنهم السيف من عبادة العجل، أمر موسى أن يسيرَ بهم إلى الأرض المقدسة، وقال: إني قد كتبتُها لكم دارًا وقرارًا ومنزلًا، فاخْرج إليها، وجاهِدْ من فيها من العدو، فإني ناصركُم عليهم. فسار بهم موسى إلى الأرض المقدسة بأمر الله . حتى إذا نزل التِّيه -بين مصر والشام، وهي أرض ليس فيها خَمَرٌ ولا ظلٌّ- دعا موسى ربَّه حين آذاهم الحر، فظلّل عليهم بالغمام، ودعا لهم بالرزق، فأنزل الله لهم المنّ والسلوى).
التأويل الثالث: قال ابن جريج: قال عبد الله بن عباس: (خُلِقَ لهم في التِّيه ثيابٌ لا تَخْلَقُ ولا تدْرن). وقال ابن جريج: (إن أخذ الرجل من المن والسلوى فوق طعام يومٍ فَسَدَ، إلا أنهم كانوا يأخذون في يوم الجمعة طعام يوم السبت، فلا يصبح فاسدًا).
وقوله: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾.
قيل: "كلوا" فيه حذف والتقدير: وقلنا لهم كلوا. قال ابن كثير: (أمر إباحة وإرشاد وامتنان).
والمراد بالطيبات: قيل الشهيات من الرزق الذي رُزقوه. وقيل بل من حلاله المباح. واختار ابن جرير الأول الذي هو بمعنى اللذة، وقال: (لأنه وصف ما كان القوم فيه من هنيء العيش الذي أعطاهم).
стр. 260
قلت: ولا مانع من اشتمال الكلمة على المعنيين معًا: اللذة والحلال. وإليه ذهب القرطبي بقوله: (والطيبات هنا قد جمعت الحلال واللذيذ). وقال النسفي: (﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ﴾ لذيذات أو حلالات ﴿مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾).
وقوله: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.
قيل: هناك اختصار في الكلام دلّ عليه ما بعده. والتقدير: قلنا لهم كلوا من طيبات ما رزقناكم فخالفوا وعصوا ولم يقابلوا النعم بالشكر بل بالمعاصي والبطر، فظلموا بذلك أنفسهم. فإن النعم تقابل بالعبادة والشكر، كما قال جل ثناؤه في سورة سبأ: ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ .. ﴾.
قال القاسمي: (أي فظلموا بأن أكثروا من التضجر والتذمر على ربهم وشكوى سكناهم في البرية وفراقهم مصر).
وقال ابن كثير: (ومن ههنا تتبين فضيلة أصحاب محمد ﷺ ورضي الله عنهم، على سائر أصحاب الأنبياء في صبرهم وثباتهم وعدم تعنتهم، كما كانوا معه في أسفاره وغزواته، منها عام تبوك، في ذلك القيظ والحر الشديد والجهد، لم يسألوا خرق عادة، ولا إيجاد أمر، مع أن ذلك كان سهلًا على النبي ﷺ ، لكن لما أجهدهم الجوع سألوه في تكثير طعامهم، فجمعوا ما معهم، فجاء قدر مَبْرك الشاة، فَدعا الله فيه، وأمرهم فملؤوا كل وعاء معهم، وكذلك لما احتاجوا إلى الماء سأل الله تعالى فجاءت سحابة فأمطرتهم، فشربوا وسقوا الإبل وملؤوا أسقيتهم. ثم نظروا فإذا هي لم تجاوز العسكر. فهذا هو الأكمل في الاتباع: المشي مع قدر الله، مع متابعة الرسول ﷺ ).
قلت: وقد أجاد الحافظ ابن كثير ﵀ بهذا المفهوم، فإن الله سبحانه يحب من عباده مباشرة الأمر والامتثال، ومتابعة رسله بالأفعال والأقوال، ثم إن مع العسر يسرًا، إن مع العسر يسرًا، ولن يغلب عسر يُسْرَين.
ففي المسند وصحيح الحاكم عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: [النصر مع الصبر، والفَرَج مع الكرب، وإن مع العسر يُسرًا، (وإن مع العسر يسرا)] (١).
стр. 261
وقوله: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.
قال ابن عباس: (يضرّون).
قال ابن جرير: (وكذلك ربُّنا جل ذكره، لا تضرُّه معصية عاص، ولا يتحيَّف خزائنه ظلم ظالم، ولا تنفعه طاعة مطيع، ولا يزيد في ملكه عَدْلُ عادل، بل نفسَه يظلمُ الظالمُ، وحظَّها يبَخَسُ العاصي، وإياها ينفَعُ المطيع، وحظَّها يُصيب العادلُ).
٥٨ - ٥٩. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)﴾.
في هذه الآيات: ذِكْرُ الله تعالى أمره بني إسرائيل دخول بيت المقدس تائبين متذللين. فقابلوا الأمر بالسخرية فأذاقهم سوء العذاب فأصبحوا خاسرين.
وأما القرية التي أمروا بدخولها فالراجح أنها بيت المقدس. فإلى أقوال المفسرين:
١ - قال السدي: (أما القرية، فقرية بيت المقدس). وقال قتادة: (بيت المقدس).
٢ - قال ابن زيد: (هي أريحا، وهي قريبة من بيت المقدس).
٣ - قال ابن كيْسان: (الشام).
٤ - قال الضحاك: (الرَّملة والأرْدُنُّ وفلسطين وتَدْمُر).
واختار ابن جرير أنها بيت المقدس، وهو قول الجمهور، وأكّده الحافظ ابن كثير حيث قال: (يقول تعالى لائمًا لهم على نكولهم عن الجهاد ودخول الأرض المقدسة، لما قدموا من بلاد مصر صحبة موسى ﵇، فَأُمِروا بدخول الأرض المقدسة، وقتال من فيها من العماليق الكفرة، فنكلوا عن قتالهم وضَعُفُوا واستحسروا، فرماهم الله في التيه عقوبة لهم، كما ذكره تعالى في سورة المائدة، ولهذا كان أصح القولين أن هذه البلدة هي بيت المقدس).
وقال تعالى في سورة المائدة: ﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالمِينَ (٢٠) يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ
стр. 262
الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١) قَالوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢)﴾.
والقرية قد تطلق على المدينة، فهي كل مكان اتصلت به الأبنية واتُّخذَ قرارًا. وسميت بذلك لأنها تقرّت أي اجتمعت، والعرب تقول: قَرَيت الماء في الحَوض أي جمعته، واسم ذلك الماء قِرَىً. وكذلك ما قُرِيَ به الضيف. والمقاري الجِفان الكبار.
وقوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾. أي: عيشًا واسعًا هنيًا بغير حساب.
وقوله: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾.
فإنّ هذا كان لما خرجوا من التيه بعد أربعين سنة مع يوشع بن نون ﵇، وفتحها الله عليهم عشية جمعة، وقد حُبست لهم الشمس يومئذ قليلًا حتى أمكن الفتح. ولما فتحوها أمروا أن يدخلوا الباب باب البلد سجدًا. ذكره الحافظ ابن كثير وقال: (أي: شكرًا لله تعالى على ما أنعم به عليهم من الفتح والنصر، وردّ بلادهم إليهم وإنقاذهم من التيه والضلال).
وأما "الباب" الذي أمروا أن يدخلوه سجدًا، فإنه قيل: هو باب الحِطَّة من بيت المقدس. وإليك أقوال المفسرين في ذلك:
١ - عن مجاهد: (﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾)، قال: باب الحطّة، من باب إيلياء، من بيت المقدس).
٢ - عن السدي قال: (أما الباب، فباب من أبواب بيت المقدس).
٣ - عن ابن عباس: (أنه أحد أبواب بيت المقدس، وهو يدعى باب حطَّة). وأما قوله: ﴿سُجَّدًا﴾، فإن ابن عباس كان يتأوله بمعنى الرُّكَّع. ويقول: (ركَّعًا من باب صغير). وقال: (أمروا أن يدخلوا ركَّعًا). أو قال: (منحنين ركوعًا).
٤ - وقال الثوري: (فدخلوا من قبل أستاههم).
٥ - وقال الحسن البصري: (أمروا أن يسجدوا على وجوههم حال دخولهم) واستبعده الرازي، وحكي عن بعضهم: أن المراد بالسجود ها هنا الخضوع، لتعذر حمله على حقيقته. ذكره ابن كثير، وقال القرطبي: (وقيل: متواضعين خضوعًا لا على هيئة معينة).
٦ - وقال عكرمة، قال ابن عباس: (كان الباب قِبَل القبلة).
стр. 263
٧ - ورُوي عن ابن مسعود: (قيل لهم: ادخلوا الباب سجدًا، فدخلوا مقنعي رؤوسهم، أي رافعي رؤوسهم خلاف ما أمروا).
قلت: وبالجمع بين هذه الأقوال فإن السجود الذي أمروا به - عند دخولهم الباب المخصص لذلك الأمر من أبواب بيت المقدس - يشمل الانحناء والتواضع والشكر لله العظيم الذي أنعم وتفضّل بالنصر بعد الكرب وباليسر بعد العسر. قال أبو جعفر: (وأصل "السجود" الانحناء لمن سُجد له معظَّمًا بذلك. فكلّ مُنحنٍ لشيء تعظيمًا له فهو "ساجد". قال: فلذلك تأويل ابن عباس قوله: "سجّدًا" ركّعًا. لأن الراكع مُنحنٍ وإن كان الساجدُ أشدّ انحناءً منه).
وقوله: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾. عطف على ادخلوا، و"حِطّةٌ" بالرفع قراءة الجمهور، فهي خبر لمبتدأ محذوف والتقدير: مسألتنا حطة. فهي فِعلة، من قول القائل: حطّ الله عنك خطاياك فهو يَحُطّها حِطَّة. قال الأخفش: (وقرئت "حِطّةً" بالنصب، على معنى احطط عنا ذنوبنا حِطة). وإليك أقوال أهل التفسير في مفهوم ذلك:
١ - قال الحسن وقتادة: (أي احطط عنا خطايانا). وقال ابن زيد: (﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾، يحط الله بها عنكم ذنوبكم وخطيئتكم). وقال ابن عباس: (يُحطّ عنكم خطاياكم). وعن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قوله: "حطة"، مغفرة.
٢ - عن عكرمة: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾، قال: (قولوا: "لا إله إلا الله").
٣ - عن ابن عباس: (﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾، قال: أمِروا أن يستغفروا).
٤ - عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾، قال: (قولوا: هذا الأمر حق كما قيل لكم).
قلت: والأَوْلى أن يقال: إن الله سبحانه قد تعبّدهم، بذكر هذا اللفظ بعينه أثناء دخولهم، ولا شك أنهم بقولهم إياه وامتثالهم الأمر يحط الله عنهم بذلك أَوزارهم كما قال جل ثناؤه: ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ﴾، وقد دلت السنة الصحيحة على ذلك، كما في الأحاديث التالية:
الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه - في كتاب التفسير - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: [قيل لبني إسرائيل: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾
стр. 264
فدخلوا يزحفون على أسْتاهِهِمْ، فبدّلوا وقالوا: حِطّةٌ: حَبَّةٌ في شعيرة] (١).
وفي رواية: [فبدلوا فدخلوا يزحفون على أستاههم وقالوا: حبّةٌ في شعْرَة].
الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه -في كتاب التفسير- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [قيل لبني إسرائيل: ادخلوا الباب سُجَّدًا وقولوا حِطّةٌ نغفر لكم خطاياكم، فبدلوا، فدخلوا الباب يزحفون على أستاهِهمْ، وقالوا: حَبَّةٌ في شَعرَه] (٢). وفي غير الصحيحين: (حنطة في شعَر).
الحديث الثالث: أخرج الطبري بإسناد لا بأس به، عن محمد بن إسحاق بسنده إلى ابن عباس: [أن رسول الله ﷺ قال: دخلوا الباب -الذي أُمِرُوا أن يدخلوا فيه سجّدًا- يزحفون على أستاههم، وهم يقولون: حنطة في شعيرة] (٣).
قاق القرطبي: (استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن تبديل الأقوال المنصوص عليها في الشريعة لا يخلو أن يقع التعبُّد بلفظها أو بمعناها، فإن كان التعبُّد وقع بلفظها فلا يجوز تبديلها، لذم الله تعالى من بدّل ما أمره بقوله. وإن وقع بمعناها جاز تبديلها بما يؤدي إلى ذلك المعنى، ولا يجوز تبديلها بما يخرج عنه).
وذهب مالك وأبو حنيفة والشافعي ﵏ إلى أنه يجوز للعالم بمواقع الخطاب البصير بآحاد كلماته نقل الحديث بالمعنى لكن بشرط المطابقة للمعنى بكماله، وهو قول الجمهور. في حين منع ذلك ابن سيرين والقاسم بن محمد ورجاء بن حَيْوةَ.
قلت: ولا شك أن ما لا يتعبد بلفظه يجوز نقله بالمعنى - وإن كان الأوْلى نقله كما جاء في مواضعه ومصادره -، فقد نقل الصحابة السيرة بألفاظ متشابهة وعبارات متقاربة، وكان وكيع يقول: (إن لم يكن المعنى واسعًا فقد هلك الناس). وقال قتادة عن زُرارة بن أوفى: (لقيت عدّة من أصحاب النبي ﷺ فاختلفوا عليّ في اللفظ واجتمعوا في المعنى). وكان النّخَعِيّ والحسن والشعبي ﵏ يأتون بالحديث على المعاني. وقال الحسن: (إذا أصبت المعنى أجزأك). وأما إن كان اللفظ يتعبد به
стр. 265
فلا يجوز أن يُروى قريبًا منه، بل تجب الدقة في تتبع ألفاظه. فلا يجزئك أن تقول في السجود "سبحان ربي العلي" بدل الأعلى، أو أن تقول في الركوع "سبحان ربي العليم" بدل العظيم. وكذلك أوراد الطعام والشراب والنوم وأدعية الاستفتاح في الصلاة، وأدعية دخول المسجد والخروج منه، وما يقال عند تشميت العاطس وعند السلام وعند التعزية أو الدفن وعند رؤيه الهلال وعند اشتداد الرياح ... إلى غير ذلك من مواضع الذكر والدعاء الذي لا بد فيه من الدقة. وخير دليل على هذا الحديثان الآتيان:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن البراء بن عازب قال: [قال لي النبي ﷺ : "إذا أتيت مَضْجَعَكَ فتوضأ وضوءَك للصلاة، ثم اضطجع على شِقِّكَ الأيمن، ثم قُل: اللهم أسْلَمْت وجهي إليك، وفَوَّضْتُ أمري إليك، وألْجَأْت ظهري إليك، رَغْبَة ورَهْبَةً إليك، لا ملجأ ولا مَنْجا منك إلا إليك، اللهم آمنت بكتابك الذي أَنْزلْت، ونَبِيِّكَ الذي أرْسَلْتَ، فإن مُتَّ من لَيْلَتِكَ، فأَنْتَ على الفطرة، واجْعَلهن آخِرَ ما تتكلم به". قال: فَردَّدْتُها على النبي ﷺ ، فلما بلغتُ: "اللهم آمنت بكتابك الذي أنْزلت" قلْتُ: وَرَسولكَ، قال: لا، ونبيِّكَ الذي أرْسَلْتَ] واللفظ للبخاري (١).
وفي رواية مسلم: [قال: فَرَدَّدْتُهُنَ لأَسْتَذْكِرَهُنَّ فقُلْتُ: آمنت برسولك الذي أرسلت، قال: "قل آمنت بنبيك الذي أرسلتَ"] (٢).
الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد والترمذي عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ قال: [نَضَّرَ الله امرأً سمع منا شيئًا، فبلَّغَهُ كما سَمِعَه، فرُبَّ مُبَلَّغٍ أوعى من سامع] (٣).
وفي لفظ آخر -من طريق جبير بن مطعم-: [نَضَّرَ الله عبدًا سمع مقالتي، فوَعاها وحفِظَها، ثم أدّاها إلى مَنْ لم يسمعها، فرُبَّ حامل فقهٍ غيرُ فقيه، ورُبَّ حامِل فقهٍ إلى من هو أفقَهُ منه ... ] (٤).
стр. 266
وقوله: ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾.
أصل "الغفر" التغطية والستر، ومنه قيل للبيضة من الحديد التي تتخذ جنّة للرأس "مِغْفَر" لأنها تغطي الرأس وتُجِنُّه. و"الخطايا" جمع "خطية".
قال ابن عباس: (﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾، من كان منكم مُحسنًا زيدَ في إحسانه، ومن كان مخطئًا نغفر له خطيئته).
قال النسفي: (أي من كان محسنًا منكم كانت تلك الكلمة سببًا في زيادة ثوابه، ومن كان مسيئًا كانت له توبة ومغفرة).
وقوله: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾.
فيه أقوال تؤكدها الأحاديث الصحيحة السابقة:
١ - قال ابن عباس: (أمِروا أن يدخلوا رُكَعًا ويقولوا: حِطَّة. قال: أمروا أن يستغفروا، قال: فجعلوا يدخلون من قبل أستاههم من باب صغير ويقولون: حِنْطة - يستهزئون. فذلك قوله: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾).
٢ - قال قتادة والحسن: (دخلوها على غير الجهة التي أمروا بها، فدخلوها مُتَزَحِّفِين على أوراكهم، وبدّلوا قولًا غير الذي قيل لهم، فقالوا: حبَّة في شعيرة).
٣ - قال مجاهد: (أمر موسى قومه أن يدخلوا الباب سجَّدًا ويقولوا: حِطَّة، وطوطِئ لهم الباب ليسجدوا، فلم يسجدوا، ودخلوا على أدبارهم، وقالوا: حِنْطَة).
٤ - قال ابن زيد: (﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾، يحطّ الله بها عنكم ذنبكم وخطيئاتكم، قال: فاستهزؤوا به - يعني بموسى - وقالوا: ما يشاء موسى أن يلعب بنا إلا لعب بنا، حِطَّةٌ حِطَّةٌ! أي شيء حطة؟ وقال بعضهم: حنطة).
وقوله: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾.
الرِّجز في لغة العرب العذاب. قال ابن عباس: (كل شيء في كتاب الله من "الرجز"، يعني به العذاب). وقال الفراء: (الرجز هو الرجس). وأما أقوال أهل التفسير في ذلك:
١ - الرجز: العذاب. فعن ابن عباس ومجاهد: (أنه العذاب). وعن قتادة: ("رجزًا"، قال: عذابًا).
стр. 267
٢ - الرجز: الغضب. قال أبو العالية: (الرجز، الغضب، ).
٣ - الرجز: الطاعون. قال ابن زيد: (لما قيل لبني إسرائيل: - ادخلوا الباب سجدًا، وقولوا: حطّة، فبذل الذين ظلموا منهم قولًا غير الذي قيل لهم - بعث الله جل وعزّ عليهم الطاعون، فلم يُبْقِ منهم أحدًا. وقرأ: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾، قال: وبَقي الأبناء، ففيهم الفضلُ والعبادةُ - التي توصف في بني إسرائيل - والخيرُ، وهلك الآباء كلُّهم، أهلكهم الطاعون).
٤ - الرجز: البرد. قال الشعبي: (الرجز إما الطاعون، وإما البرد).
قلت: وقد صحّ تسمية الطاعون بالرجز والرجس في صحيح السنة. وفي ذلك أحاديث:
الحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن أسامةَ بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ : [الطاعون (١) رِجْزٌ أو عذابٌ أُرْسِلَ على بني إسرائيل، أو على من كان قبلكم، فإذا سمعتم به بأرض، فلا تَقْدموا عليه، وإذا وَقَعَ بأرض وأنتم بها، فلا تخرجوا فِرارًا منه] (٢). وفي لفظ: [الطاعون آية الرِّجْز].
الحديث الثاني: أخرج البخاري عن أسامة، قال: قال رسول الله ﷺ : [الطاعون رِجْسٌ أُرسل على طائفة من بني إسرائيل -أو على من كان قبلكم- ... ] الحديث (٣).
الحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم عن أسامة بن زيد -أيضًا- عن رسول الله ﷺ أنه قال: [إن هذا الوَجَعَ أو السَّقَمَ رِجْزٌ عُذِّبَ به بعضُ الأمم قبلكم، ثم بَقِيَ بعد بالأرض، فيذهب المرَّةَ ويأتي الأخرى، فمن سَمع به بأرض، فلا يَقْدَمَنَّ عليه، ومن وقع بأرض وهو بها، فلا يخرِجَنَّهُ الفِرار منه] (٤).
وفي لفظ: [الطاعون بقيَّةُ رِجزٍ أو عذاب أرسل على طائفة من بني إسرائيل، فإذا
стр. 268
وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها فِرارًا منه، وإذا وقع بأرض ولستم بها فلا تهبطوا عليها] (١).
قلت: ولا دلالة في الآية وما شابهها في القرآن أن المراد في "الرجز" الطاعون حصرًا، بل قد يشمل ذلك ألوانًا أخرى من العذاب، وإن كانت الأحاديث السابقة تفيد ذلك بعمومها.
وقوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾.
أي: بما كانوا يعصون ويخالفون ويظلمون.
والفِسْق: الخروج كما تقدّم. قال النسفي: (﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾: بسبب فسقهم).
٦٠. قوله تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠)﴾.
في هذه الآية: يقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم إذ أَجَبْتُ نبيَّكم موسى ﷺ حين سألني أن أسقيكم ماء فأوحيت إليه أن اضرب بعصاك الحجر، فضربه فإذا بالماء يتفجر من ثنتي عشرة عينًا، لكل سبط من أسباطكم عين قد عرفوها، فكلوا من المن والسلوى، واشربوا من هذا الماء، واشكروا ربكم الذي ذَلَّلَ هذه النعم لكم.
فمتى كان ذلك وما تفاصيل حدوثه؟ هذا ما سنبيّنه من أقوال المفسرين:
١ - عن قتادة قوله: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ الآية، قال: (كان هذا إذْ هم في البرِّيَّة، اشتكوا إلى نبيهم الظمأ، فأُمروا بحجر طُوريٍّ -أي من الطور- أن يضربه موسى بعصاه. فكانوا يحملونه مَعَهم، فإذا نزلوا ضربه موسى بعصاه فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا، لكل سِبْطٍ عينٌ معلومة مستفيض ماؤها لهم).
٢ - عن ابن عباس قال: (ذلك في التيه، ظلّل عليهم الغمامَ، وأنزل عليهم المن والسلوى، وجعل لهم ثيابًا لا تبلى ولا تتّسخ، وَجُعل بين ظهرانيهم حَجر مُرَبَّع،
стр. 269
وأُمِرَ موسى فضرب بعصاه الحجر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا، في كل ناحية منه ثلاثُ عيون، لكل سبط عين، ولا يَرْتحلون مَنقلةً إلا وجدُوا ذلك الحجر معهم بالمكان الذي كان به معهم في المنزل الأول).
٣ - قال مجاهد: (خافوا الظمأ في تيههم حين تاهوا، فانفجرَ لهم الحجر اثنتي عشرة عينًا، ضربه موسى. قال ابن جريج: قال ابن عباس: "الأسباط" بنو يعقوب، كانوا اثني عَشَر رجلًا، كل واحد منهم ولد سِبْطًا، أمةً من الناس).
وفي سورة الأعراف: ﴿فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾. قال القرطبي: (والانبجاس أضيق من الانفجار، لأنه يكون انبجاسًا ثم يصير انفجارًا). وقال ابن كثير: (وأخبر هناك بقوله: ﴿فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [الأعراف: ١٦٠]، وهو أول الانفجار، وأخبر ها هنا بما آل إليه الحال آخرًا وهو الانفجار، فناسب ذكر الانفجار ها هنا، وذاك هناك، والله أعلم).
وقوله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ﴾.
أي: كلوا من المن والسلوى، واشربوا من هذا الماء الذي أنبعه لكم سبحانه بلا سعي ولا تعب.
وقوله: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾.
أي: لا تطغوا ولا تسعوا بالفساد في الأرض، بل قابلوا النعم بالشكر وإقامة الحق والعدل في الأرض.
قال أبو العالية: (يقول: لا تسعوا في الأرض فسادًا). وقال قتادة: (أي لا تسيروا في الأرض مفسدين). وقال ابن زيد: (لا تعثَ، لا تَطغَ).
وأصل "العَثا" في كلام العرب شدة الإفساد. وعثا في الأرض أفسد. قال الأزهريُّ: (القُرَّاءُ كلهم مُتَّفِقون على فتح الثاء).
وقوله: ﴿مُفْسِدِينَ﴾ حال مؤكدة. قال النسفي: (أي لا تتمادوا في الفساد في حال فسادكم لأنهم كانوا متمادين فيه).
٦١. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَال أَتَسْتَبْدِلُونَ
стр. 270
الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٦١)﴾.
في هذه الآية: يتابع سبحانه في استعراض النعم على بني إسرائيل فيقول: واذكروا كذلك نعمتي عليكم في إنزالي عليكم المن والسلوى، وهو طعام لذيذ طيب نافع وهنيء، فضاق الأمر بكم حتى سألتم موسى استبدال الأطعمة الدنيئة من البقول وبعض نبات الأرض بذلك بطرًا وتنطعًا وضجرًا. فنالكم ما تستحقون من العقاب والآلام، نتيجة هذا التنطع وما صاحبه من الكفر وقتل الأنبياء والعصيان.
وقد تقاربت أقوال المفسرين في ذلك، فإلى استعراض أهمها:
١ - قال قتادة: (كان القوم في البريّة قد ظلّل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى، فملُّوا ذلك، وذكروا عيشًا كان لهم بمصر، فسألوه موسى. فقال الله تعالى: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾.
٢ - قال أبو العالية: (كان طعامهم السلوى وشرابهم المن، فسألوا ما ذكر، فقيل لهم: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾).
٣ - قال الحسن البصري: (فبطروا ذلك فلم يصبروا عليه، وذكروا عيشهم الذي كانوا فيه، وكانوا قومًا أهل أعداس وبصل وبقول وفوم، فقالوا: ﴿يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾).
قال الحافظ ابن كثير: (وإنما قالوا على طعام واحد وهم يأكلون المنَّ والسلوى، لأنه لا يتبدل ولا يتغيّر كل يوم، فهو مأكل واحد).
والبقول والقثاء والعدس والبصل كلها معرفة، وأما الفوم فقد اختُلِفَ فيه على أقوال:
١ - قيل هو الحِنْطة والخبز. قال عطاء: (الفومُ، الخبز). وقال مجاهد: ("وفومها": خبزها). وقال قتادة والحسن: (الفُوم، هو الحب الذي تختبزه الناس).
وقال السدي: (الحِنطة). وقال ابن عباس: (الحنطة والخبز).
стр. 271
٢ - الحِنْطَةُ. قال ابن عباس: ("وفومها": هو البُرُّ بعينه، الحنطة).
٣ - الثوم. قال مجاهد: (هو هذا الثوم). وقال الربيع: (الفوم، الثوم). وهو في بعض القراءات "وثُومها".
قال ابن جرير: (وقد ذُكر أن تسمية الحِنطة والخبز جميعًا "فومًا" من اللغة القديمة. حُكي سماعًا من أهل هذه اللغة: "فوِّموا لنا"، بمعنى: اختبزوا لنا. وذُكر أن ذلك قراءة عبد الله بن مسعود: "ثُومها" بالثاء).
وقوله: ﴿قَال أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾.
تقريع وتوبيخ لهم على استبدالهم هذه الأطعمة الدنيئة بما هو خير منها وأفضل.
قال قتادة: (" ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾، يقول: أتستبدلون الذي هو شرٌّ بالذي هو خير منه). وعن مجاهد: ﴿الَّذِي هُوَ أَدْنَى﴾ قال: أردأ).
وقوله: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾.
فيه إجابة دعوة موسى ﵇، والتأويل عند ابن جرير: فدعا لهم موسى ربَّه أن يعطيهم ما سألوه، فاستجاب الله له دعاءه، فأعطاهم ما طلبوا، وقال الله لهم: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾.
والهبوط النزول من مكان إلى مكان والحلول به. وأما مِصْر فقد اختلف فيها على قولين:
١ - عن قتادة: (﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾، أي مِصْرًا من الأمصار، ﴿فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾). وقال السدي: (﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ من الأمصار، ﴿فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾. فلما خرجوا من التيه، رُفع المنّ والسلوى وأكلوا البقول). وقال مجاهد: (مِصرًا من الأمصار. زعمُوا أنهم لم يرجعوا إلى مصر). وقال ابن زيد: (مصرًا من الأمصار. و"مصرُ" لا تُجرى في الكلام. فقيل: أيُّ مِصْرٍ. فقال: الأرض المقدسة التي كتبَ الله لهم، وقرأ قول الله جل ثناؤه: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٢١].
٢ - عن أبي العالية قال: (يعني به مصرَ فرعون).
قال أبو جعفر: (فأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب أن يقال: إن موسى سأل ربه أن يعطي قومَه ما سألوه من نبات الأرض -على ما بيّنَهُ الله جل وعز في كتابه- وهم
стр. 272
في الأرض تائهون، فاستجاب الله لموسى دعاءه، وأمره أن يهبط بمن معه من قومه قرارًا من الأرض التي تُنْبتُ لهم ما سأل لهم من ذلك، إذ كان الذي سألوه لا تُنبته إلا القُرى والأمصار، وأنه قد أعطاهم ذلك إذْ صارُوا إليه. وجائز أن يكون ذلك القرار "مصرَ" وجائز أن يكون "الشأم").
والجمهور على قراءتها بالتنوين "اهبطوا مصرًا" فقد وردت هكذا في المصاحف. قال ابن كثير: (هكذا هو منوّن مصروف، مكتوب بالألف في المصاحف الأئمة العثمانية، وهو قراءة الجمهور بالصرف).
وقوله: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾.
الضرب هنا الإلزام، والعرب تقول: ضرب الحاكم على اليد: أي حمل وألزم. والذِّلة: الذّل والصغار. والمسكنة: الفقر. والمعنى: وُضعت عليهم الذلة والمسكنة وألزموا بها قدرًا وشَرْعًا، فلا يزالون مستذلين، من وجدهم استذلهم وأهانهم، وهم في أنفسهم كذلك أذلاء مستكينون. فإلى أقوال المفسرين:
١ - قال قتادة والحسن: (" ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾، قالا: يُعطون الجزية عن يدٍ وهم صاغرون).
٢ - وقال أبو العالية: ("والمسكنة": الفاقة). وقال السدي فيها: (الفقر). وقال عطية: (الخراج).
٧ - وقال ابن زيد: (هؤلاء يهود بني إسرائيل).
قال ابن جرير: (فأخبرهم الله جل ثناؤه أنه يُبْدلهم بالعز ذُلًا، وبالنعمة بؤسًا، وبالرِّضا عنهم غضبًا، جزاءً منه لهم على كُفرهم بآياته، وقتلهم أنبياءَه ورسلَه، اعتداءً وظلمًا منهم بغير حق، وعصيانهم له، وخلافًا عليه).
٤ - وقال الحسن: (أذلهم الله فلا منعة لهم، وجعلهم الله تحت أقدام المسلمين، ولقد أدركتهم هذه الأمة وإن المجوس لتجبيهم الجزية).
وقوله: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾.
أي: رجعوا وانصرفوا وقد استوجبوا سخطًا. قال الربيع: (فحدث عليهم غضب من الله). وقال الضحاك: (استحقوا الغضب من الله).
стр. 273
وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾.
تعليل لما أنزله الله بهم من الذلة والمسكنة وإحلال الغضب، فقد استكبروا في الأرض عن اتباع الحق، وكفروا بآيات الله، وأهانوا حملة الشرع وهم الأنبياء وأتباعهم، وما زالوا ينتقصوهم حتى أقدموا على قتلهم، منكرين رسالتهم، جاحدين نبوتهم.
وقوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. قال القرطبي: (تعظيم للشُّنْعة والذنب الذي أتوه).
وقال القاسمي: (وقوله ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ لم يخرج مخرج التقييد، حتى يقال إنه لا يكون قتل الأنبياء بحق في حال من الأحوال، لمكان العصمة. بل المراد نعي هذا الأمر عليهم، وتعظيمه، وأنه ظلم بحت في نفس الأمر، حملهم عليه اتباع الهوى، وحب الدنيا، والغلو في العصيان، والاعتداء، كما يفصح عنه قوله تعالى ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ أي: جرّهم العصيان والتمادي في العدوان إلى ما ذكر من الكفر، وقتل الأنبياء ﵈.
وقيل: كررت الإشارة للدلالة على أن ما لحقهم، كما أنه بسبب الكفر والقتل، فهو بسبب ارتكابهم المعاصي، واعتدائهم حدود الله تعالى. وعليه فيكون ذكر علل إنزال العقوبة بهم في نهاية حسن الترتيب. إذ بدئ أولًا بما فعلوه في حق الله تعالى وهو كفرهم بآياته. ثم ثُنِّي بما يتلوه في العظم، وهو قتل الأنبياء. ثم بما يكون منهم من المعاصي التي تخصهم. ثم بما يكون منهم من المعاصي المتعدية إلى الغير، مثل الاعتداء. وهذا من لطائف أسلوب التنزيل).
قلت: ولا شك أن الكبر أقبح ذنب عُصي الله به في الأرض، فهو الذنب الأول الذي اقترفه إبليس وحقت به عليه اللعنة إلى يوم القيامة، ومن ثَمَّ فهو بريد الكفر والشرك والكبائر والمعاصي وسائر الآثام. وقد جاءت السنة الصحيحة بما يدل على هذا في أحاديث:
الحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود: [عن النبي ﷺ قال: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مِثْقال ذرَّة من كِبْر. قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثَوْبُه حَسَنًا، ونَعْلُهُ حَسَنة. قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكِبْرُ: بَطَرُ الحقِّ وغَمْطُ الناس] (١).
стр. 274
الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد وأبو داود بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [قال الله تعالى: الكبرياء رِدائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما قذفته في النار] (١). وفي لفظ عند الحاكم: [الكبرياء رِدائي، فمن نازعني في ردائي قصمته].
الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد عن ابن مسعود قال: [كنتُ لا أُحجَبُ عن النجوى، ولا عن كذا ولا عن كذا، فأتيت رسول الله ﷺ وعنده مالك بن مرارة الرّهاوي، فأدركته من آخر حديثه، وهو يقول: يا رسول الله، قد قُسِمَ لي من الجمال ما ترى، فما أحب أن أحدًا من الناس فَضَلني بشراكين فما فوقهما، أفليس ذلك هو البغي؟ فقال: لا، ليس ذلك بالبغي، ولكن البغي مَنْ بطر، أو قال: سَفِهَ الحق وغمطَ الناس] (٢). يعني: ردّ الحق وانتقاص الناس والازدراء بهم والتعاظم عليهم.
الحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد عن عبد الله - يعني ابن مسعود - أن رسول الله ﷺ قال: [أشد الناس عذابًا يوم القيامة رجل قتله نبيّ أو قتل نبيًّا، وإمام ضلالة، ومُمَثِّل من الممثلين] (٣).
وقوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾.
أي: فُعِل بهم ما فُعِل بسبب عصيانهم وتجاوزهم الحد. قال الأخفش: (أي بعصيانهم)، فالباء في "بما" باء السبب. والاعتداء تجاوز الحد في كل شيء.
٦٢. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾.
في هذه الآية: يبين سبحانه حال الأمم التي سلفت وكانت على الحق والإيمان والعمل الصالح، بأن جزاءها الحسنى، وهو شأن كل من اتبع الرسل ومضى على
стр. 275
منهاج النبوة إلى قيام الساعة، بعكس حال مَنْ مضى ذكره ممن عصى وآثر الهوى على الحق وانتهك المحارم.
أما "الذين آمنوا" فهم الذين صدّقوا محمدًا ﵊ وعظّموا ما جاء به من عند ربه . قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠].
وذهب النسفي إلى أن المراد الذين آمنوا بألسنتهم من غير مواطأة القلوب وهم المنافقون، وهو كما قال سفيان: (المراد المنافقون). قال القرطبي: (كأنه قال: الذين آمنوا في ظاهر أمرهم، فلذلك قرنهم باليهود والنصارى والصابئين، ثم بيّن حكم من آمن بالله واليوم الآخر من جميعهم).
قلت: والراجح القول الأول بأنهم المؤمنون بنبوة محمد ﷺ المتابعين لهديه وشرعه وإلا فلا يسمى المنافقون بالذين آمنوا، وهذا المعنى هو اختيار شيخ المفسرين ابن جرير ﵀.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ هم اليهود، يقال: هاد القوم يهودون هَودًا وَهَادَة. ومعنى هادوا: تابوا. قال ابن جريج: (إنما سميت اليهود من أجل أنهم قالوا: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]). وقال النسفي: (يقال هاد وتهود إذا دخل في اليهودية وهو هائد والجمع هود).
وقال القرطبي: (﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ معناه صاروا يهودًا، نُسبوا إلى يهوذا وهو أكبر ولد يعقوب ﵇، فقلبت العرب الذال دالًا، لأن الأعجمية إذا عُرِّبت غُيِّرت عن لفظها). وقال القاسمي: (وإنما لزمهم هذا الاسم، لأن الإسرائيليين الذين رجعوا من جلاء سبعين سنة، ومن سبي بابل إلى وطنهم القديم، كان أكثرهم من نسل يهوذا بن يعقوب). وقيل: (سُمّوا بذلك لتوبتهم عن عبادة العجل).
قال ابن كثير: (واليهود من الهوادة وهي المودة، أو التهود وهي التوبة، لقول موسى ﵇: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ أي: تبنا. فكأنهم سموا بذلك في الأصل لتوبتهم ومودتهم في بعضهم لبعض).
وقال أبو عمرو بن العلاء: (لأنهم يتهوّدون، أي يتحركون عند قراءة التوارة).
стр. 276
قلت: والراجح عندي ما جاء به النص، وهو قوله تعالى عنهم: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ فسمّوا بذلك لرجوعهم آنذاك وتوبتهم، ومثله قوله تعالى في هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ أي تابوا.
وقوله: ﴿وَالنَّصَارَى﴾.
جمع، واحدهم نَصْران، كما واحد السَّكارى سكران، ولكن اشتهر في كلام العرب في واحد "النصارى" نصْراني، وفيه أقوال:
١ - قال ابن جريج: (إنما سُمّوا نصارى من أجل أنهم نزلوا أرضًا يقال لها "ناصرة"). وقال قتادة: (إنما سُمّوا نصارى، لأنهم كانوا بقرية يقال لها ناصرة ينزلها عيسى بن مريم، فهو اسم تسمَّوا به، ولم يُؤمروا به).
قال الجوهري: (ونصران قرية بالشام ينسب إليها النصارى، ويقال ناصرة).
وجاء في الإنجيل "يسوع الناصري" نسبة إلي ناصرة، لأنه رُبِّي بها ﵇.
٢ - وقيل: سُمّوا بذلك لنصرة بعضهم بعضًا.
قال ابن كثير: (فلما بعث عيسى ﵇ وجب على بني إسرائيل اتباعه والانقياد له، فأصحابه وأهل دينه هم النصارى، وسموا بذلك لتناصرهم فيما بينهم).
٣ - وقيل: سمّوا بذلك لنصرتهم عيسى ﵊.
وفي التنزيل: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَال الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] وقد يقال لهم: أنصار أيضًا. قال النسفي: (سموا نصارى لأنهم نصروا المسيح).
قلت: والراجح عندي القول الأول، وإن كان القول الثالث يصدق عليهم أحيانًا، كما قال تعالى في سورة المائدة: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ﴾، أي: ومن الذين ادّعوا لأنفسهم أنهم نصارى يتابعون المسيح ابن مريم ﵇ وينصرونه وليسوا كذلك.
وقوله: ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾.
جمع صابئ، وهو المستحدث سِوى دينه دينًا، كالمرتد عن دينه من أهل الإسلام، والعرب تسمي كل خارج من دين كان عليه إلى آخر صابئًا، وقد اختلف في المقصود بهم على أقوال:
١ - قال مجاهد: (الصابئون ليسوا بيهود ولا نصارى ولا دين لهم).
стр. 277
وقال أيضًا: (الصابئون بين المجوس واليهود، لا تُؤكل ذبائحهم، ولا تُنكح نساؤهم).
وعن ابن أبي نجيح: (﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ بين اليهود والمجوس، لا دين لهم).
وقال ابن جريج: (قلت لعطاء: ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾، زعموا أنها قبيلة من نحو السواد، ليسوا بمجوس ولا يهود ولا نصارى. قال: قد سمعنا ذلك، وقد قال المشركون للنبي ﷺ : قد صَبَأ).
وقال ابن زيد: (الصابئون، أهل دين من الأديان كانوا بجزيرة الموصل، يقولون: لا إله إلا الله، وليس لهم عملٌ ولا كتاب ولا نبي، إلا قول لا إله إلا الله. قال: ولم يؤمنوا برسول الله، فمن أجل ذلك كان المشركون يقولون للنبي ﷺ وأصحابه: "هؤلاء الصابئون"، يشبهونهم بهم).
٢ - قال قتادة: (الصابئون قوم يعبدون الملائكة، يُصلُّون إلى القبلة، ويقرؤون الزبور). وعن الحسن قال: حدثني زياد: (أن الصابئين يُصلون إلى القبلة، ويصلونَ الخمسَ. قال: فأراد أن يضَعَ عنهم الجزية. قال: فَخُبِّرَ بَعد أنهم يعبدون الملائكة).
وقال أبو العالية: (الصابئون فرقة من أهل الكتاب يقرؤون الزبور. قال أبو جعفر الرازي: وبلغني أيضًا أن الصابئين قومٌ يعبدون الملائكة، ويقرؤون الزبور، ويصلون إلى القبلة).
٣ - وعن سفيان قال: سئل السدّي عن الصابئين، فقال: (هم طائفة من أهل الكتاب). ولهذا قال أبو حنيفة: (لا بأس بذبائحهم ومناكحتهم).
٤ - وعن الحسن أنه كان يقول في الصابئين: (إنهم كالمجوس).
٥ - وقال الخليل: (هم قوم يشبه دينهم دين النصارى، إلا أن قبلتهم نحو مَهَبِّ الجنوب، يزعمون أنهم على دين نوح ﵇.
٦ - وقال بعض العلماء: (الصابئون الذين لم تبلغهم دعوة نبي).
قال القرطبي: (والذي تَحَصَّل من مذهبهم - فيما ذكره بعض العلماء - أنهم موحدون ويعتقدون تأثير النجوم، وأنها فعّالة، ولهذا أفتى أبو سعيد الإصطخري بكفرهم للقادر بالله حين سأله عنهم).
стр. 278
واختار الحافظ ابن كثير: أنهم قوم ليسوا على دين اليهود ولا النصارى ولا المجوس ولا المشركين، وإنما هم باقون على فطرتهم ولا دين مقرر لهم يتبعونه ويقتفونه. قال: (ولهذا كان المشركون ينبزون من أسلم بالصابئ، أي إنه قد خرج عن سائر أديان أهل الأرض إذ ذاك).
وقد فصّل شيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك تفصيلًا جميلًا، فقال في كتابه - في الردّ على المنطقيين -: (إن حرّان كانت دار هؤلاء الصابئة، وفيها ولد إبرإهيم ﵇ "أو انتقل إليها من العراق. على اختلاف القولين" وكان بها هيكل العلة الأولى. هيكل العقل الأول، هيكل النفس الكلية، هيكل زحل. هيكل المشتري. هيكل المريخ، هيكل الشمس. وكذلك الزهرة وعطارد والقمر. وكان هذا دينهم قبل ظهور النصرانية فيهم. ثم ظهرت النصرانية فيهم مع بقاء أولئك الصابئة المشركين، حتى جاء الإسلام. ولم يزل بها الصابئة والفلاسفة في دولة الإسلام إلى آخر وقت. ومنهم الصابئة الذين كانوا ببغداد وغيرها، أطباء وكتابًا، وبعضهم لم يُسلم. وكذلك كان دين أهل دمشق وغيرها قبل ظهور النصرانية. وكانوا يصلون إلى القطب الشمالي. وتحت جامع دمشق معبد كبير له قبلة إلى القطب الشمالي كان لهؤلاء. فإن الصابئة نوعان: صابئة حنفاء موحّدون، وصابئة مشركون. فالأول هم الذين أثنى الله عليهم بهذه الآية. فأثنى على من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحًا. من هذه الملل الأربع: المؤمنين واليهود والنصارى والصابئين. فهؤلاء كانوا يدينون بالتوراة قبل النسخ والتبديل، وكذلك الذين دانوا بالإنجيل قبل النسخ والتبديل. والصابئون الذين كانوا قبل هؤلاء كالمتبعين ملة إبراهيم إمام الحنفاء قبل نزول التوراة والإنجيل. وهذا بخلاف المجوس والمشركين، فإنه ليس فيهم مؤمن. فلهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: ١٧]. فذكر الملل الست هؤلاء، وأخبر أنه يفصل بينهم يوم القيامة. لم يذكر في الست من كان مؤمنًا، وإنما ذكر في الأربعة فقط. ثم إن الصابئين ابتدعوا الشرك فصاروا مشركين. والفلاسفة المشركون من هؤلاء المشركين. وأما قدماء الفلاسفة الذين كانوا يعبدون الله وحده لا يشركون به شيئًا، ويؤمنون بأن الله محدِثٌ لهذا العالمَ، ويقرون بمعاد الأبدان، فأولئك من الصابئة الحنفاء الذين أثنى الله عليهم. ثم المشركون من الصابئة كانوا يقرون بحدوث هذا العالم كما كان المشركون من العرب يقرون بحدوثه. وكذلك المشركون من الهند. وقد ذكر أهل المقالات أن أول من ظهر
стр. 279
عنه القول بقدمه من هؤلاء الفلاسفة المشركين، هو أرسطو) انتهى (١).
وقوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾.
أي: من صدّق وأقر بالبعث بعد الموت، ومضى في طاعة الله والتماس العمل الصالح ثابتًا على منهج الإيمان فلم يبدل ولم يغير حتى توفاه الله، فله ثواب عمله وأجره عند ربه.
قال القاسمي: (قوله تعالى ﴿مَنْ آمَنَ﴾ من كان منهم في دينه قبل أن ينسخ، مصدقًا بقلبه بالمبدأِ والمعاد، عاملًا بمقتضى شرعه، وذلك كأهل الكتابين أو كان من الصابئة الموحدين. وذهب آخرون إلى أن معنى قوله: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ من أحدث من هذه الطوائف، إيمانًا خالصًا بما ذكر. قالوا: لأن مقتضى المقام هو الترغيب في دين الإسلام. وأما بيان حال من مضى على دين آخر قبل انتساخه، فلا ملابسة له بالمقام، والصابئون ليس لهم دين يجوز رعايته في وقت من الأوقات).
وجمع الضمير في قوله ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ وأفرد اللفظ في قوله ﴿آمَنَ﴾ لأن (مَنْ) يقع على الواحد والتثنية والجمع، فجائز أن يرجع الضمير مفردًا ومثنّىً وجمعًا، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ وقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾، ذكره القرطبي.
وقوله: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
قال ابن جرير: (ولا خوف عليهم فيما قدِموا عليه من أهوال القيامة، ولا هم يحزنون على ما خلّفوا وراءهم من الدنيا وعيشها، عند معاينتهم ما أعدّ الله لهم من الثواب والنعيم المقيم عنده).
وعن مجاهد قال: (سأل سلمانُ الفارسيّ النبي ﷺ عن أولئك النصارى وما رأى من أعمالهم، قال: لم يموتوا على الإسلام. قال سلمان: فأظلمتْ عليّ الأرضُ، وذكرت اجتهادهم، فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾. فدعا سلمان فقال: نزلت هذه الآية في أصحابك. ثم قال النبي ﷺ : من ماتَ على دين عيسى ومات على الإسلام قبل أن يسمع بي، فهو على خير، ومن سمع بي اليوم ولم يؤمن بي فقد هَلك).
وعن ابن عباس قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ﴾ إلى قوله:
стр. 280
﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. فأنزل الله تعالى بعد هذا ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥].
قلت: ولا تعارض بين القولين، فإن من مات على التوحيد من أهل الكتاب وكان على شريعة عيسى أو موسى ﵉ ولم يسمع بِمحمد ﷺ فإنه يدخل في مفهوم الآية الأولى - آية البقرة - ومن أدرك النبي ﷺ فلا ينجيه إلا الإيمان به والتزام شريعته فيكون داخلًا في الآية الثانية - آية آل عمران -.
أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: [والذي نفس محمد بيده! لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهوديٌّ ولا نصرانيٌّ، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلتُ به، إلا كان من أصحاب النار] (١).
وكذلك روى مسلم من حديث أبي موسى أن رسول الله ﷺ قال: [ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيّه وأدرك النبي ﷺ فآمن به واتَّبعَهُ وصَدَّقه فله أجران .. ] الحديث (٢).
٦٣ - ٦٤. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٤)﴾.
في هذه الآيات: يُذَكِّرُ بني إسرائيل بالعهود والمواثيق التي أخذها عليهم من الإيمان به وحده واتباع رسله، وقد رفع الجبل فوق رؤوسهم ليقروا بالعهد والميثاق ويأخذوه بقوة وعزيمة، كما قال جل ثناؤه في آية الأعراف: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١)﴾. ثم إنهم أعرضوا بعد البرهان وأخذ الميثاق، ولولا رحمته تعالى وتفضله عليهم بالتوبة لهلكوا، والخطاب لأحفادهم ليسمعوا ويعتبروا.
والطور هو الجبل في كلام العرب، وقيل هو جبل بعينه، وهو الذي ناجى الله عليه
стр. 281
موسى، وقيل هو من الجبال ما أنبت. فإلى أقوال المفسرين في ذلك:
١ - قال مجاهد: (أمر موسى قومَه أن يدخلوا الباب سُجَّدًا ويقولوا ﴿حِطَّةٌ﴾، وطُوطئ لهم البابُ ليسجدوا، فلم يسجدوا ودخلوا على أدبارهِم، وقالوا: حِنْطة. فنتق فوقَهم الجبل -يقول: أخْرَجَ أصْلَ الجبل من الأرض فرفعَه فوقهم كالظُّلة- و ﴿الطُّورَ﴾، بالسريانية، الجبل- تخويفًا، أو خوفًا، شك أبو عاصم، فدخلوا سجدًا على خوف، وأعينهم إلى الجبل. هو الجبل الذي تجلّى له ربّه).
وقال مجاهد: (رفع الجبل فوقهم كالسحابة، فقيل لهم: لتؤمنُنَّ أو ليقعَنَّ عليكم. فآمنوا. والجبل بالسريانية ﴿الطُّورَ﴾).
وقال قتادة: (الطورُ الجبل. اقتلعه الله فرفعه فوقهم، فقال: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ فأقروا بذلك). وقال: (الطور الجبل، كانوا بأصله، فرُفع عليهم فوق رؤوسهم، فقال: لتأخُذُنَّ أمْري، أوْ لأرمِيَنَّكم به).
وقال أبو العالية: (رفع فوقهم الجبل، يخوِّفهم به).
وقال السدي: (لما قال الله لهم: ادخلوا الباب سجدًا وقولوا حطة. فأبوا أن يسجدوا، أمر الله الجبل أن يقع عليهم، فنظروا إليه وقد غشيهم، فسقطوا سُجدًا على شق، ونظروا بالشق الآخر، فرحمهم الله فكشفه عنهم فذلك قوله: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾، وقوله: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّور﴾).
٢ - قال ابن جريج، قال ابن عباس: (الطور، الجبل الذي أنزلت عليه التوراة -يعني على موسى-، وكانت بنو إسرائيل أسفلَ منه. قال ابن جريج. وقال لي عطاء: رُفع الجبل على بني إسرائيل، فقال: لتؤمنن به أو ليقعن عليكم. فذلك قوله: ﴿كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾).
٣ - وقال الضحاك: قال ابن عباس: (الطور من الجبال ما أنبت، وما لم ينُبت فليس بطور).
وقوله: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾.
يعني: التوراة. وقوله ﴿بِقُوَّةٍ﴾ فيه أكثر من تأويل:
التأويل الأول: بطاعة. قال أبو العالية: (﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾، قال: بطاعة).
стр. 282
التأويل الثاني: بجد. قال قتادة: (القوة: الجد، وإلا قذفته عليكم. قال: فأقروا بذلك: أنهم يأخذون ما أوتوا بقوة).
وقال السدي: (﴿بِقُوَّةٍ﴾، يعني: بجدّ واجتهاد).
التأويل الثالث: بعمل. قال مجاهد: (﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾. قال: تعملوا بما فيه). وقال أيضًا: (بقوة: بعمل بما فيه).
التأويل الرابع: بصدق وحق. قال ابن زيد: (خذوا الكتاب الذي جاء به موسى بصدق وحق).
قلت: ولا شك أن القوة تشمل العمل بالطاعة بجد وعزيمة وصدق وحق.
وقوله: ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾.
قال الربيع: (يقول: اقرؤوا ما في التوراة واعملوا به). قال: (أُمروا بما في التوراة).
وقال ابن زيد: (اعملوا بما فيه بطاعة لله وصدق، وقال: اذكروا ما فيه، لا تنسوه ولا تُغفلوه).
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾.
قال ابن عباس: (تنزِعون عما أنتم عليه).
قال ابن جرير: (يعني: واذكروا ما فيما آتيناكم من كتابنا من وعد ووعيد شديد، وترغيب وترهيب، فاتلوه، واعتبروا به، وتدبّروه إذا فعلتم ذلك، كي تتقوا وتخافوا عقابي، بإصراركم على ضلالكم، فتنتهوا إلى طاعتي، وتنزعوا عما أنتم عليه من معصيتي).
وقوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾.
أي: أعرضتم. ومثل هذا التولي مذموم في القرآن:
قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [التوبة: ٧٦].
وقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ [الأنفال: ١٥].
وفي لغة العرب: "ولّى فلان فلانًا دبره" إذا استدبر عنه وخلّفه خلف ظهره.
стр. 283
قال القرطبي: (وأصله الإعراض والإدبار عن الشي بالجسم، ثم استعمل في الإعراض عن الأوامر والأديان والمعتقدات اتساعًا ومجازًا).
وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾.
أي: من بعد البرهان، وهو أخذ الميثاق ورفع الجبل، فنبذتموه وراء ظهوركم.
وقوله: ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
أي: ولولا تفضّله سبحانه عليكم بالتوبة بعد نكثكم العهد وتجاوز ما كان منكم لهلكتم، والخطاب وإن كان لمن كان بين ظهراني مهاجر رسول الله ﷺ من أهل الكتاب، فإنما هو خبر عن أسلافهم، ويحمل في ثناياه تهديدًا للسامعين إن مضوا على سنة آبائهم.
وعن أبي العالية: (﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، قال: "فضل الله"، الإسلام، ﴿وَرَحْمَتُهُ﴾، القرآن).
٦٥ - ٦٦. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)﴾.
في هذه الآيات: يُذَكِّرُ الله سبحانه اليهود ما حل من البأس بأهل القرية التي عصت أمر الله باحتيالهم على ما أمروا به من تعظيم السبت وترك الصيد فيه، فتحيّلوا على اصطياد الحيتان في يوم السبت بما وضعوه لها من الحبائل والشصوص والبرك قبل يوم السبت، ليجمعوها بعد انقضاء السبت بغيًا ولعبًا على الشرع والأمر. فلما فعلوا ذلك مسخهم الله في صورة القردة، وجعلهم عبرة إلى يوم القيامة.
قال الحافظ ابن كثير: (وهي أشبه شيء بالأناسي في الشكل الظاهر، وليست بإنسان حقيقة. فكذلك أعمال هؤلاء وحيلهم لما كانت مشابهة للحق في الظاهر ومخالفة له في الباطن، كان جزاؤهم من جنس عملهم).
وقد ذكر الله سبحانه القصة أيضًا في سورة الأعراف حيث قال: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ
стр. 284
شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾. فإلى ذكر بعض أقوال المفسرين:
١ - عن الضحاك، قال ابن عباس: (﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ يقول: ولقد عرفتم. وهذا تحذير لهم من المعصية. يقول: أحذروا أن يصيبكم ما أصاب أصحاب السبت، إذ عصوني، اعتدوا - يقول: اجترؤوا - في السبت. قال: لم يبعث الله نبيًّا إلا أمره بالجمعة، وأخبره بفضلها وعِظَمها في السماوات وعند الملائكة، وأن الساعة تقوم فيها. فمن اتبعَ الأنبياء فيما مضى، كما اتبعت أمةُ محمد ﷺ محمدًا، قبِل الجمعة وسَمع وأطاع، وعرف فصلها وثبت عليها، كما أمر الله تعالى به نبيّه ﷺ . ومن لم يفعل ذلك، كان بمنزلة الذين ذكر الله في كتابه فقال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾. وذلك أن اليهود قالت لموسى - حين أمرهم بالجمعة، وأخبرهم بفضلها -: يا موسى، كيف تأمرنا بالجمعة وتفضلها على الأيام كلها، والسبت أفضل الأيام كلها، لأن الله خلق السماوات والأرض والأقوات في ستة أيام، وسَبَتَ له كل شيء مطيعًا يوم السبت، وكان آخر الستة؟ قال: وكذلك قالت النصارى لعيسى بن مريم - حين أمرهم بالجمعة - قالوا له: كيف تأمُرنا بالجمعة وأول الأيام أفضلها وسيِّدها، والأول أفضل، والله واحد، والواحد الأولى أفضل؟ فأوحى الله إلى عيسى: أن دعهم والأحدَ، ولكن ليفعلوا فيه كذا وكذا.- مما أمرهم به. فلم يفعلوا، فقص الله تعالى قصصهم في الكتاب بمعصيتهم. قال: وكذلك قال الله لموسى - حين قالت له اليهود ما قالوا في أمر السبت -: أن دعهم والسبت، فلا يصيدوا فيه سمكًا ولا غَيره، ولا يعملون شيئًا كما قالوا. قال: فكان إذا كان السبت ظهرت الحيتان على الماء، فهو قوله: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾، يقول: ظاهرة على الماء، ذلك لمعصيتهم موسى - وإذا كان غير يوم السبت، صارت صيدًا كسائر الأيام فهو قوله: ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾. ففعلت الحيتان ذلك ما شاء الله. فلما رأوها كذلك، طمعوا في أخذها وخافوا العقوبة، فتناول بعضهم منها فلم تمتنع عليه، وحذِرَ العقوبَة التي حذّرهم موسى من الله تعالى. فلما رأوا أن العقوبة لا تحلّ بهم، عادوا، وأخبرَ بعضهم بعضًا بأنهم قد أخذوا السمك ولم يصبهم شيء، فكثَّروا في ذلك، وظنوا أن ما قال لهم موسى كان باطلًا. وهو قول الله جل ثناؤه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ - يقول: لهؤلاء الذين صادوا السمك - فمسخهم الله قردة بِمعصيتهم).
стр. 285
٢ - وعن عكرمة، قال ابن عباس. (وكانوا في قرية بينَ أيْلة والطور يقال لها: "مَدْين". فحرّم الله عليهم في السبت الحيتان: صيدَها وأكلها. وكانوا إذا كان يومُ السبت أقبلت إليهم شُرَّعًا إلى ساحل بحرهم، حتى إذا ذهب السبت ذهبن. قال: حتى إذا طال عليهم الأمد وقَرِموا إلى الحيتان، عمد رجلٌ منهم فأخذ حوتًا سرًّا يوم السبت، فخرمه بخيط، ثم أرسله في الماء، وأوْتَدَ له وتدًا في الساحل فأوثقه، ثم تركه، حتى إذا كان الغدُ، جاء فأخذه - أي: إني لم آخذه في يوم السبت - ثم انطلق به فأكله. حتى إذا كان يوم السبت الآخر، عاد لمثل ذلك، ووجد الناسُ ريح الحيتان، فقال أهل القرية: والله لقد وجدنا ريحَ الحيتان! ثم عثروا على صنيع ذلك الرجل. قال: ففعلوا كما فعل، وأكلوا سرًّا زمانًا طويلًا، لم يعجل الله عليهم بعقوبة، حتى صادوها علانية وباعوها بالأسواق. وقالت طائفة منهم من أهل البقية (١): ويحكم! اتقوا الله! ونَهَوْهم عما كانوا يصنعون. وقالت طائفةٌ أخرى لم تأكل الحيتان، ولم تنه القوم عما صنعوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ لسخطنا أعمالهم - ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. قال ابن عباس: فبينما هم على ذلك، أصبحت تلك البقية في أنديتهم ومساجدهم، وفقدوا الناس فلا يَرونهم. فقال بعضهم لبعض: إن للناس لشأنًا! فانظروا ما هو! فذهبوا ينظرون في دورهم، فوجدوها مغلقة عليهم، قد دخلوا ليلًا فغلّقوها على أنفسهم، كما يُغَلِّقُ الناس على أنفسهم، فأصبحوا فيها قردة، وإنهم ليعرفون الرجل بعينه وإنه لقرد، والمرأة بعينها وإنها لقردة، والصبي بعينه وإنه لقرد. قال: فلولا ما ذكر الله أنّه أنجى الذين نَهَوْا عن السوء، لقلنا أهلك الجميع منهم. قالوا: وهي القرية التي قال الله لمحمد ﷺ : ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾).
٣ - وقال قتادة: (أحلت لهم الحيتان، وحُرِّمت عليهم يوم السبت بلاءً من الله، ليعلمَ من يطيعه ممن يعصيه. فصار القوم ثلاثة أصناف: فأما صنف فأمسك ونْهى عن المعصية، وأما صنف فأمسك عن حُرْمة الله، وأما صنف فانتهك حُرْمَة الله ومرد على المعصية. فلما أبوا إلا الاعتداء إلى ما نهوا عنه، قال الله لهم: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾، فصاروا قردة لها أذنابٌ، تَعاوى، بعد ما كانوا رجالًا ونساءً).
٤ - وقال السدي - في الذين اعتدوا في السبت -: (فاشتهى بعضهم السمك، فجعل