← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

وقوله تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾. قال ابن عباس: (يعني بالعلامات: معالم الطرق بالنهار، وبالنجم هم يهتدون بالليل). قلت: وتشمل العلامات الجبال الكبار، والآكام الصغار، ونحو ذلك مما يستدل به المسافرون أثناء النهار، وفي البر والبحار. وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾. أي: هل الأوثان والطواغيت التي لا تخلق أحقّ بالعبادة أم الله الخالق البارئ القهار، الذي خلق كل شيء وبيده أمر كل شيء. قال النسفي: (﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ فتعرفون فساد ما أنتم عليه). وقال ابن جرير: (يقول: أفلا تذكرون نعم الله عليكم، وعظيم سُلطانه وقدرته على ما شاء، وعجز أوثانكم وضعفها ومهانتها، وأنها لا تجلب إلى نفسها نفعًا، ولا تدفع عنها ضرًّا، فتعرفوا بذلك خطأ ما أنتم عليه مقيمون من عبادتكموها وإقراركم لها بالألوهة). وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. تَنْبِيهٌ من الله سبحانه على كثرة نعمه وعظيم إحسانه إلى عباده بما لا يعد ولا يحصى، فحق عبادته غير مقدور، وكثيرٌ من تقصير عباده في شكرهم له مجبور، وهو الرحيم بعباده إذا أنابوا وتابوا فيتجاوز عن إساءات كبيرة ويعفو عن كثير. قال ابن كثير: (﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، أي: يتجاوز عنكم، ولو طالبكم بشكر جميع نِعمه لعجزتُم عن القيام بذلك، ولو أمركم به لضعفتم وتركتم، ولو عذّبكم لَعَذَّبكم وهو غير ظالم لكم، ولكنه غفور رحيم، يغفر الكثير، ويجازي على اليسير). قلت: والشكر هو سيلان اللسان بذكر الله ونعمائه، واختلاج القلب وتلهفه وتواضعه لكرمه، وإعمال الجوارح في طاعته وتعظيم أوامره. وقواعد الشكر خمسة: الخضوع للمشكور، ومحبته، والاعتراف بنعمته، وثناؤه عليها، وصرفها فيما يحبه ويرضاه. وآلات الشكر ثلاثة: اللسان والقلب والجوارح. وشكر الناس نوعان: شكر العامة، وشكر الخاصة: ١ - شكر العامة: وهو شكر على ما يشغلهم على الغالب كالمطعم والمشرب والملبس

стр. 2417

والمنكح وعافية الأبدان. فقد قال جل ثناؤه: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨]. وقال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]. أخرج الطبراني بسند حسن عن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ قال: [ما أنعم الله على عبد نعمة فَحَمِدَ الله عليها إلا كان ذلك الحمد أفضل من تلك النعمة] (١). وفي سنن ابن ماجه بسند صحيح عن أنسس ﵁، عن النبي ﷺ قال: [ما أنعم الله تعالى على عبدٍ نعمة فقال: الحمد لله، إلا كان الذي أعطى أفضلَ مما أخذ] (٢). ٢ - شكر الخاصة: وهو يشمل إضافة إلى شكر العامة ما هو أهم وأكبر: الشكر على التوحيد والإيمان وحياة القلوب، والشكر على القرآن وعلى نبي الإسلام ﵊. ففي التنزيل: ١ - قال جل ثناؤه: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]. ٢ - وقال جل ذكره: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢]. ٣ - وقال سبحانه: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]. ومن صحيح السنة في ذلك: الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد في المسند بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [قال الله تعالى: إذا أحب عبدي لقائي أحببت لقاءه، وإذا كره لقائي كرهت لقاءه]- ورواه البخاري (٣). الحديث الثاني: أخرج ابن حبان والطبراني بإسناد صحيح عن فضالة بن عبيد، أن

стр. 2418

رسول الله ﷺ قال: [اللهم من آمن بك، وشهد أني رسولك، فحبِّب إليه لقاءك، وسَهِّل عليه قضاءك، وأقلل له من الدنيا. ومن لم يؤمن بك ويشهد أني رسولك، فلا تحبب إليه لقاءك، ولا تسهل عليه قضاءك، وأكثر له من الدنيا] (١). ١٩ - ٢٣. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (١٩) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١) إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢) لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣)﴾. في هذه الآيات: إعلام الله تعالى عباده أنه لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، وهذه الأوثان التي تُعْبَدُ من دونه غير قادرة على خلقهم ولا خلق شي ممن حولهم، فهي أموات لا أرواح فيها ولا تملك لأهلها ضرًا ولا نفعًا وما يشعرون أيان يوم بعثهم، وإنما إلهكم - أيها الناس - إله واحد والكافرون بالآخرة مستكبرون معظمون لأهوائهم، والله يعلم علانيتهم وإسرارهم، وهو تعالى لا يحب المستكبرين. فقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾. أي: لا يخفى عليه شيء سبحانه مما أخفيتم ولا ما أعلنتم، فسواء أسررتم في ضمائركم أو أظهرتم على ألسنتكم وجوارحكم وأفعالكم، كل ذلك في علم الله تعالى. وفي التنزيل: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : [كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء] (٢). وفي معجم الطبراني بسند صحيح عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: [فرغ الله

стр. 2419

عز وجل إلى كل عبد من خمس: من أجله ورزقه وأثره ومضجعه وشقي أو سعيد] (١). وفي رواية: (من عمله وأجله ورزقه وأثره ومضجعه). وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾. قال قتادة: (وهي هذه الأوثان التي تُعبد من دون الله أموات لا أرواح فيها، ولا تملك لأهلها ضرًّا ولا نفعًا). وقوله تعالى: ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾. أي: معبودكم الذي يستحق أن تصرف له العبادة والتعظيم هو الله الواحد الأحد. والذين يكذبون بالمعاد مستنكرون لما نَقُصُّ عليهم من قدرة الله - المنعم المتفضل - على إعادتهم، وأن الاستعداد للقائه يكون بعبادته تعالى وتعظيم أمره، بل هم مستكبرون عن إفراده بالألوهة، مشركون في عبادته، معظمون لأهواء عقولهم ونفوسهم. قال قتادة: (﴿فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ﴾ لهذا الحديث الذي مضى، وهم مستكبرون عنه). وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥]. ٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]. ٣ - وقال تعالى: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥]. أخرج الترمذي بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: [يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذرّ في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان،

стр. 2420

يُساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار، يُسْقون من عُصارة أهل النار، طينة الخبال] (١). وقوله: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾. أي: حقًا يعلم سبحانه ما تخفي صدور المشركين وما يبطنون من الاستكبار على الله، وما يعلنون ويظهرون من الكفر والصد عن سبيل الله. وقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾. أي: لا يحب تعالى المستكبرين على طاعته والمصرين على تحكيم الأهواء والأنفس والشهوات. وفي التنزيل: قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]. وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ قال: [لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرةٍ من كِبر، قيل: إن الرجل يحبّ أن يكون ثوبه حسنًا، ونعله حسنة، قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكِبْرُ بَطَرُ الحق، وغَمْطُ الناس] (٢). وله شاهد فيه عنه بلفظ: [لا يدخل النار أحد في قلبه مثقالُ حبة خردلٍ من إيمان، ولا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقالُ حبة خردل من كبرياء]. ٢٤ - ٢٩. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤) لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥) قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٦) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ (٢٧) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ

стр. 2421

الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٢٩)﴾. في هذه الآيات: إثبات الله تعالى كفر المشركين بالتنزيل واتهامه بأنه أساطير الأولين، ليحملوا بذلك أوزارهم وأوزار من تبعهم من المبطلين، وقد مكر الذين من قبلهم فحرَّكَ الله قواعد بنيانهم لِيَخِرَّ السقف عليهم من حيث لا يشعرون، ثم يكون الخزي الأكبر والفضيحة يوم الدين على الكافرين، الذين تتوفاهم الملائكة ظالمين، ويقال لهم يوم القيامة ادخلوا أبواب جهنم خالدين، فلبئس مثوى المتكبرين. فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. قال قتادة: (يقول: أحاديث الأولين وباطلهم). قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وإذا قيل لهؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة من المشركين، ماذا أنزل ربكم، أيّ شيء أنزل ربكم، قالوا: الذي أنزل ما سطَّرَه االأوّلون من قبلنا من الأباطيل). وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٨, ٩]. ٣ - وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر: ١٨ - ٢٤]. وقوله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾. قال ابن عباس: (إنها كقوله: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾). وقال مجاهد: (يحملون أثقالهم: ذنوبهم وذنوب من أطاعهم، ولا يُخَفّف ذلك عمن أطاعهم من العذاب شيئًا). قال ابن جرير: (﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ يقول: ألا ساء الإثم الذي يأثمون، والثقل الذي يتحملون). وقوله: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾.

стр. 2422

قال قتادة: (أتى الله بنيانهم من أصوله، فخرّ عليهم السقف). قال النسفي: (﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ أي من جهة القواعد وهي الأساطين، وهذا تمثيل، يعني أنهم سوّوا منصوبات ليمكروا بها رسل الله فجعل الله هلاكهم في تلك المنصوبات، كحال قوم بنوا بنيانًا وعمدوه بالأساطين، فأتى البنيان من الأساطين بأن ضعضعت فسقط عليهم السقف وماتوا وهلكوا). وذهب بعض المفسرين أن المراد نمرود بن كنعان حين بنى الصرح ببابل طوله خمسة آلاف ذراع فَأَهَبَّ الله الريح فخرّ عليه وعلى قومه. وقيل بل المراد بُخْتَنَصَّر، والله أعلم. وقوله: ﴿وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾. قال القرطبي: (أي من حيث ظنوا أنهم في أمان). قلت: والآية تدل على احتيال الطغاة في المكر بدين الله والصد عن سبيل الله ومحاولة إضلال الناس بكل حيلة ووسيلة، فإذا صبر أهل الحق وواجهوا مكر الملأ بالجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كانت لهم العاقبة، وأتى الله بنيان أولئك الذي صنعوه فاجْتَثَّه من أصله وَأَبْطَلَ عملهم وأضلّه. وقد ورد أصل هذا المعنى في القرآن والسنة الصحيحة: ففي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤]. ٢ - وقال تعالى: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢]. ٣ - وقال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤]. وفي صحيح السنة المطهرة في آفاق معنى الآية أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: [إنّ الله تعالى ليُملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يُفْلته] (١). الحديث الثاني: أخرج مسلم من حديث أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: [إن الله تعالى إذا أراد رحمة أمة من عباده قبض نبيَّها قَبْلها، فجعلَه لها فَرَطًا وسلفًا بين يديها،

стр. 2423

وإذا أراد هلكةَ أمّةٍ عذّبها ونبيُّها حيٌّ فأهلكها وهو ينظر، فأقَرَّ عينَه بهلكتِها حين كذبوه وعصوا أمره] (١). الحديث الثالث: أخرج مسلم في صحيحه عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: [إذا أراد الله خلقَ شيء لم يمنعه شيء] (٢). وقوله: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ﴾. أي: يفضحهم ويظهر سرائرهم وما كانت تجنّه ضمائرهم. كما في التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: ٩]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠]. وفي الصحيحين عن أنس عن النبي ﷺ قال: [لكل غادر لواءٌ يُعْرَفُ به يومَ القيامة] (٣). ورواه مسلم عن أبي سعيد بلفظ: [لكل غادر لواء عند اسْتِهِ يومَ القيامة] (٤). وفي لفظ آخر في مسند أحمد: [لكل غادر لواء يوم القيامة، يُرْفَعُ له بقدرِ غَدْرَتِه، ألا ولا غادرَ أعظمُ غدرًا من أمير عامة]. وفي لفظ من طريق ابن عمر: [لكل غادر لواء ينصب له بغدرته]. وقوله: ﴿وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ﴾. قال ابن عباس: (يقول: تخالفوني). والمشاقّة: فعل ما يشقّ. تقول العرب: شاققت فلانًا فهو يشاقني: إذا فعل كل واحد بصاحبه ما يشقّ عليه. قال ابن جرير: (يقول: أين الذين كنتم تزعمون في الدنيا أنهم شركائي اليوم، ما لهم لا يحضرونكم، فيدفعوا عنكم ما أنا مُحِلٌّ بكم من العذاب). كما قال تعالى: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشعراء: ٩٣]. ﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ [الطارق: ١٠].

стр. 2424

وقوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. قال ابن كثير: (فإذا توجّهت عليهم الحجة، وقامت عليهم الدلالة، وحقت عليهم الكلمة، وأُسكِتُوا عن الاعتذار حين لا فرار ﴿قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ وهم السادة في الدنيا والآخرة، والمُخبرون عن الحق في الدنيا والآخرة، فيقولون حينئذ: ﴿إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، أي: الفضيحة والعذاب اليوم محيط بمن كفر بالله، وأشرك به ما لا يضرّه ولا ينفعه). وقوله: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾. إِخْبَارٌ عن حال المشركين الظالمي أنفسهم في هيئتهم عند الاحتضار، ونزول ملائكة الجبار، لقبض أرواح هؤلاء الأشرار الفجار. ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ﴾ أي أظهروا الاستسلام، والسمع والطاعة والانقياد، وهم يقولون: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ - قال القرطبي: (أي من شرك). وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]. ٢ - وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ [المجادلة: ١٨]. وفي صحيح مسلم عن أنس قال: [كنّا عند رسول الله ﷺ فضحك، فقال: هل تدرون مِمَّ أضحك؟ قال: قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: من مُخاطبة العبد ربَّه يقول: يا رب ألم تجرني من الظلم؟ فيقول: بلى. فيقول: إني لا أجيز على نفسي إلا شاهدًا مني، فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدًا، وبالكرام الكاتبين شهودًا، فَيُخْتَمُ على فيه، ويُقَال لأركانه انْطقي، فتَنطِقُ بأعماله، ثم يُخَلّى بينه وبين الكلام، فيقول: بعدًا لَكُنَّ وسحقًا فعنكن كنت أناضل] (١). وقوله: ﴿بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. أي: إن الله ذو علم بما كنتم عليه من المكر بدين الله والمؤمنين، والصد عن سبيل الله القويم، تبغونها عِوَجًا وفسادًا في الأرض. وقوله تعالى: ﴿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾. قال القرطبي: (أي يقال لهم ذلك عند الموت. وقيل: هو بشارة لهم بعذاب القبر، إذ هو باب من أبواب جهنم للكافرين). وقال ابن كثير: (﴿فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾

стр. 2425

أي: بئسَ المَقِيل والمُقام والمكان من دار هَوَانٍ، لمن كان متكبرًا عن آيات الله واتباع رسله. وهم يَدخلون جهنم من يوم مماتهم بأرواحهم، وينال أجسادَهم في قبورها من حرِّها وسَمُومها، فإذا كان يومُ القيامة سُلِكَت أرواحهم في أجسادهم، وخُلِّدت في نار جهنم, ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦]، كما قال الله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]). ٣٠ - ٣٢. قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)﴾. في هذه الآيات: ثَنَاءُ الله تعالى على المحسنين المتقين، الذين يدخلون بإذنه وتوفيقه جنات عدن خالدين، وقد توفتهم الملائكة قبل ذلك طيبين، وقالوا لهم: سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون. فقوله: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا﴾. هو إِخْبَارٌ عن حال السعداء المؤمنين، بخلاف حال الأشقياء المشركين، فإن الأشقياء لما قيل لهم ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ أعرضوا عن الجواب واعتبروا ما جاءهم أساطير الأولين، وأما المؤمنون فأقروا بالوحي الكريم، الذي حمل لهم الخير الكبير، من وعد الله الجليل: وهو قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾. قال قتادة: (أي آمنوا بالله وأمروا بطاعة الله، وحثوا أهل طاعة الله على الخير ودعوهم إليه). وقال الشهاب: (والحسنة التي في الدنيا الظفر وحسن السيرة وغير ذلك). وقوله: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾. قال القرطبي: (أي ما ينالون في الآخرة من ثواب الجنة خير وأعظم من دار الدنيا، لفنائها وبقاء الآخرة). وقال النسفي: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ دار الآخرة، فحذف المخصوص بالمدح لتقدم ذكره).

стр. 2426

وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]. ٢ - وقال تعالى: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤٨]. ٣ - وقال تعالى: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨]. ٤ - وقال تعالى: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٧]. وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [قال الله: أَعْدَدْتُ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رَأَتْ، ولا أذنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ على قلب بشرٍ، فاقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]] (١). ويروي الليث بن سعد عن معاوية بن صالح عن عبد الملك بن بشير ورفع الحديث قال: [ما من يوم إلا والجنة والنار يسألان. تقول الجنة: يا رب قد طاب ثمري واطردت أنهاري واشتقت إلى أوليائي فعجل إليَّ بأهلي. وتقول النار: اشتد حري وبعد قعري وعظم جمري فعجِّل عليَّ بأهلي] (٢). وقوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ﴾. أي: جنات إقامة وخلود، تجري الأنهار بين أشجارها وقصورها وبساتينها، وفيها من كل ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، جعلها الله تعالى ثوابًا للمتقين. وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].

стр. 2427

٢ - قال تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (٥٧) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٥ - ٥٨]. ٣ - وقال تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٧١) وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧١, ٧٢]. ومن كنوز صحيح السنة في وصف أنهار الجنة وما فيها من المقام الكريم أحاديث: الحديث الأول: يروي البخاري عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: [إن في الجنة مئة درجة أعدّها الله للمجاهدين في سبيله، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه وسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تتفجر أنهار الجنة] (١). الحديث الثاني: أخرج الترمذي بسند صحيح عن معاوية بن حيدة، عن النبي ﷺ قال: [إنّ في الجنة بَحْرَ الماء، وبحرَ العسل، وبحرَ اللبن، وبحرَ الخمر، ثم تشقّق الأنهار بعد] (٢). الحديث الثالث: أخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [سَيحان وجيحان والفرات والنيل كلها من أنهار الجنة] (٣). وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. إِخْبَارٌ عن حال المؤمنين عند الاحتضار، ونزول ملائكة الرحمة بالسلام والبشرى من الملك الرحيم القهار، الذي أمر بتبشيرهم بدخول الجنان جزاء الصبر والثبات على الحق إلى ساعة مفارقة دنيا الاغترار. قال القاسمي: (﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ أي طاهرين من ظلم أنفسهم بالكفر

стр. 2428

والمعاصي وكل سوء ﴿يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي لتدخل أرواحكم الجنة فإنها في نعيم برزخيٍّ إلى البعث. أو المراد بشارتهم بأنهم يدخلونها كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ. . .﴾ [فصلت: ٣٠] الآيات). ومن كنوز صحيح السنة في ذلك أحاديث: الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد وأبو داود والحاكم من حديث البراء مرفوعًا - في صفة المؤمن في قبره بعد السؤال -: [ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرّك، أبشعر برضوان من الله، وجنات فيها نعيم مقيم، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: وأنت فبشّرك الله بخير من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح، فوالله ما علمتك إلا كنت سريعًا في إطاعة الله، بطيئًا في معصية الله، فجزاك الله خيرًا. .] الحديث (١). الحديث الثاني: أخرج ابن ماجه بسند صحيح من حديث أبي هريرة ﵁, وفيه: [فيفرجُ له فرجَةٌ قبلَ النار، فينظرُ إليها يَحْطمُ بعضُها بعضًا، فَيُقال له: انظُرْ إلى ما وقاك الله تعالى، ثم يُفرجُ له فرجَةٌ قبلَ الجنة، فينظرُ إلى زهرَتها وما فيها، فيقال له: هذا مقعدك، ويُقال له: على اليقين كنتَ، وعليه مُتَّ، وعليه تُبْعَثُ إن شاء الله] (٢). ٣٣ - ٣٤. قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٣٣) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٤)﴾. في هذه الآيات: اسْتِخْفَافُ الله تعالى بالمشركين، فهم ينتظرون الموت لقبض

стр. 2429

أرواحهم، أو القيامة لنزول العذاب بهم، شأن الأمم الضالة قبلهم، وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون, وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون. فعن قتادة: (قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ قال: بالموت، وقال في آية أخرى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ﴾ [الأنفال: ٥٠] وهو ملك الموت، وله رسل، قال الله تعالى: ﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ ذاكم يوم القيامة). وقال مجاهد: (﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ يقول: عند الموت حين تتوفاهم, ﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ ذلك يوم القيامة). وقوله: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ الآية. قال ابن جرير: (يقول جل ثناؤه: كما يفعل هؤلاء من انتظارهم ملائكة الله لقبض أرواحهم، أو إتيان أمر الله فعل أسلافهم من الكفرة بالله، لأن ذلك في كل مشرك بالله, ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ يقول جل ثناؤه: وما ظلمهم الله بإحلال سُخْطِه ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بمعصيتهم ربهم وكفرهم به، حتى استحقوا عقابه، فعجَّل لهم). وقوله تعالى: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. قال القاسمي: (﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا﴾ جزاء سيئات أعمالهم من الشرك وإنكار الوحدانية وتكذيب الرسل ونحوها ﴿وَحَاقَ﴾ أي أحاط بهم ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ من العذاب الذي توعدتْهُم به الرسُل). ٣٥ - ٤٠. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٣٥) وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦) إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٧) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ

стр. 2430

بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٨) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (٣٩) إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾. في هذه الآيات: ذمُّ الله تعالى المشركين احتجاجهم بالقدر على شركهم، شأن الأمم الضالة قبلهم، وما على الرسل إلا البلاع المبين. لقد بعث الله الرسل في أممهم يدعونهم لإفراد الله تعالى بالتعظيم، ونبذ الطاغوت وسبل الشياطين، فمن علم الله فيه خيرًا هداه، ومن علم كبره ومكره أضله، فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين. إنك إن تحرص - يا محمد - على هداهم فاعلم أن الله لا يهدي من يُضل ويصرّ على الضلال وما لهم من ناصرين. لقد أقسموا بالله على إنكار البعث وأكثرهم كاذبون لا يعلمون، فإنما قول الله لشيء إذا أراد وجوده أن يقول له كن فيكون. فقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. اعْتِذارٌ تَافِهٌ من المشركين على شركهم بالله وتحريم ما لم ينزل به تشريعًا من البحائر والسوائب والوصائل معلقين ذلك كله على القدر، شأن الأمم المغرورة قبلهم. قال ابن كثير: (ومضمون كلامهم أنه لو كان تعالى كارهًا لِمَا فعلنا لأنكره علينا بالعقوبة، ولما مَكَّننا منه. قال الله تعالى رادًا عليهم شبهتهم: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾؟ أي ليس الأمر كما تزعمون أنه لم يُعَيِّره عليكم ولا أنكره، بل قد أنكره عليكم أشد الإنكار، ونهاكم عنه آكد النهي، وبعث في كل أمة، أي: في كل قرْن من الناس وطائفة رسولًا، وكلهم يَدْعون إلى عبادة الله، ويَنْهَوْن عن عبادة ما سواه). وقوله ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. قال القرطبي: (أي بأن اعبدوا الله ووحّدوه. ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ أي اتركوا كلّ معبود دون الله كالشيطان والكاهن والصنم، وكل من دعا إلى الضلال). وقوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾. قال النسفي: (﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ﴾ لاختيارهم الهدى ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ أي لزمته لاختياره إياها).

стр. 2431

وقوله: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾. أي: إن كنتم معشر المشركين من قريش وغيرها غير مصدقي رسولنا فسيروا في أرجاء الأرض فانظروا كيف آل حال الأمم المكذبة قبلكم، وكيف صار آخر أمرهم إلى الخراب والدمار والعذاب والهلاك. وقوله: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ إِخْبارٌ من الله تعالى رسوله ﷺ : أنّ حرصه على هدايتهم لا ينفعهم إن كان الله أراد إضلالهم، لعلمه بفساد قلوبهم وانحراف فطرتهم وحبهم تعظيم الطواغيت والشهوات وإصرارهم على التمسك بنهج الجاهلية. وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٦]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١]. ٣ - وقال تعالى: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ٣٤]. ٤ - وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦, ٩٧]. وفي صحيح مسلم من حديث حذيفة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [تُعرض الفِتن كالحصير عودًا عودًا، فأيُّ قلب أُشْرِبَها نُكتَ فيه نكتةٌ سوداء، وأيُّ قلب أنكرها نُكِتَ فيه نُكتةٌ بيضاء، حتى يصير على قلبين، على أبيضَ مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مُرْبادًا كالكوز مُجَخِّيًا، لا يَعْرِف معروفًا ولا يُنْكر مُنكرًا، إلا ما أشرب من هواه] (١). وقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ - أي ينصرونهم ويحولون بينهم وبين وقوع العقاب بهم.

стр. 2432

وقوله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾. قال قتادة: (تكذيبًا بأمر الله أو بأمرنا، فإن الناس صاروا في البعث فريقين: مكذِّبٌ ومصدق). والمعنى: لقد حلف المشركون وأقسموا واجتهدوا في الحلف وغلّظوا الأيمان مستبعدين حدوث البعث بعد الموت، مكذبين الرسل بذلك، فردّ الله زعمهم وكذّبهم بقوله: ﴿بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. قال ابن كثير: (أي: فبجهلهم يخالفون الرسل ويَقعون في الكفر). وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [قال الله تعالى: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني، وأما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولدًا وأنا الأحد الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفُوًا أحد] (١). وقوله تعالى: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾. بَيَانٌ من الله تعالى حكمته من المعاد: ليبين للناس ما اختلفوا فيه من كل شيء، فيجازي المحسنين بإحسانهم والمسيئين بإساءتهم، وليعلم الذي جحدوا الحساب والجزاء والبعث بعد الموت أنهم كانوا كاذبين في دعواهم، وأن ذلك كما حملهم في الدنيا على متابعة كفرهم وظلمهم سيحملهم اليوم على مواجهة حرّ جهنم وسعيرها. قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٣ - ١٦]. وفي صحيح السنة العطرة في آفاق معنى الآية أحاديث: الحديث الأول: روى مسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: [ناركم هذه التي توقد بنو آدم، جزءٌ من سبعين جزءًا من نار جهنم. قيل يا رسول الله! إن كانت لكافية. قال فُضِّلَتْ عليهن بتسعة وستين جزءًا كلهنَّ مثلُ حرّها] (٢).

стр. 2433

وفي لفظ: [فإنها فَضَلَتْ عليها بتسعة وستين جزءًا، كُلُّهُنَّ مثلُ حرِّها]. الحديث الثاني: أخرج الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة، وعن أبي سعيد قالا: قال رسول الله ﷺ : [يُؤتى بالعبد يوم القيامة فيقول له: ألمْ أَجْعَلْ لك سمعًا وبصرًا ومالًا وولدًا، وسَخَّرْتُ لك الأنعام والحرثَ، وتركْتُكَ تَرْأَسُ وتَرْبَعُ، فكنتَ تَظُنُّ أنك مُلاقِيَّ يَوْمَكَ هذا؟ فيقول: لا. فيقول له: اليوم أنْساك كما نسيتني] (١). الحديث الثالث: يروي الطبراني بإسناد حسن عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: [صنفان من أمتي لن تنالهما شفاعتي: إمام ظلوم غشوم، وكل غال مارق] (٢). وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: إنا إذا أردنا أن نبعث من يموت فلا تعب علينا ولا نصب في إحيائنا لهم، ولا في غير ذلك مما نخلق ونكوّن ونحدث، لأنا إذا أردنا خلقه وإنشاءه، فإنما نقول له: كن فيكون، لا معاناة فيه، ولا كُلفة علينا). ٤١ - ٤٢. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢)﴾. في هذه الآيات: إِثْبَاتُ الله تعالى سعادة المهاجرين، الذين ظُلِمُوا في سبيل الله وصبروا وعلى ربهم يتوكلون. فقوله: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾. أي: إن مفارقة الأقوام وهجرة الأوطان فرارًا بالدين من ظلم الطغاة أجره عظيم عند الله، ويُهَيِّئ الله لأهله في الدنيا مسكنًا يرضونه صالحًا. وقيل في سبب ذلك أمران: ١ - قال قتادة: (هؤلاء أصحاب محمد ظلمهم أهل مكة، فأخرجوهم من ديارهم،

стр. 2434

حتى لحق طوائف منهم بالحبشة، ثم بوأهم الله المدينة بعد ذلك فجعلها لهم دار هجرة، وجعل لهم أنصارًا من المؤمنين). وعن مجاهد: (﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ قال: المدينة). ٢ - وقال ابن عباس: (هم قوم هاجروا إلى رسول الله ﷺ من أهل مكة من بعد ظلمهم، وظلمهم المشركون). وقيل نزلت في أبي جندل بن سهيل. وقال مجاهد: (﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾ لنرزقنهم في الدنيا رزقًا حسنًا). قلت: والآية عامة في كل زمان ومكان، فإن الفرار بالدين ثوابه الرزق الحسن في الدنيا والآخرة. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٠]. أخرج الحاكم بسند صحيح عن عكرمة قال: [لما خرج صهيب مهاجرًا تبعه أهل مكة، فنثل كنانته فأخرج منها أربعين سهمًا فقال: لا تصلون إليَّ حتى أضع في كل رجل منكم سهمًا ثم أصير بعده إلى السيف فتعلمون أني رجل، وقد خلفت بمكة قينتين فهما لكم، ونزلت على النبي ﷺ : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧]، فلما رآه النبي ﷺ قال: أبا يحيى ربح البيع. قال: وتلا الآية] (١). وقوله: ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. قال قتادة: (إي والله لما يثيبهم الله عليه من جنته أكبر ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾). وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. أي: الذين صبروا على أعباء الجهاد ومواجهة الطغاة، لحراسة الدين وسياسة الدنيا به في الأرض، لتكون كلمة الله هي العليا، وهم بالله يثقون وإليه يستندون في نوائب الأمور التي تنوبهم. ٤٣ - ٤٤. قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا

стр. 2435

أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾. في هذه الآيات: إِثْبَاتُ الله رجولة الأنبياء الذين أرسلهم الله في جميع الأمم، ووجوب سؤال أهل العلم لفهم الدين على مدار الزمان، وإِثْباتُ نزول السنة وهي الوحي الثاني لِتُبَيِّنَ مجمل القرآن. فقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾. قال القرطبي: (نزلت في مشركي مكة حيث أنكروا نبوّة محمد ﷺ وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرًا، فهلّا بعث إلينا ملكًا، فرد الله تعالى عليهم بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ﴾ إلى الأمم الماضية يا محمد ﴿إِلَّا رِجَالًا﴾ آدميين). وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤, ٩٥]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٢٠]. ٣ - وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٨]. ٤ - وقال تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩]. ٥ - وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف: ١١٠]. أخرج الإمام أحمد وابن ماجه بسند صحيح عن طلحة مرفوعًا: [إنما أنا بشرٌ مثلكم، وإن الظّن يخطئ ويصيب، ولكن ما قلت لكم: قال الله، فلن أكذِبَ على الله] (١).

стр. 2436

وقوله: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ - فيه تأويلان: ١ - قال ابن عباس: (قال لمشركي قريش: إن محمدًا في التوراة والإنجيل). وقال: (﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾: يعني أهل الكتب الماضية، أبشرًا كانت الرسل التي أتتكم أم ملائكة؟ فإن كانوا ملائكة أنكرتم، وإن كانوا بشرًا فلا تنكروا أن يكون محمد رسولًا، ثم قال: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالًا نوحي إليهم من أهل القرى: أي ليسوا من أهل السماء كما قلتم). وقال سفيان: (﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ يعني مؤمني أهل الكتاب). ٢ - قال ابن عباس: (أهل الذكر أهل القرآن). وقال ابن زيد: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ قال: الذكر: القرآن. وقرأ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. وقرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ [فصلت: ٤١] الآية). قلت: وكلا المعنيين حق. فلما عجب المشركون من إيحاء الله لرسوله، واصطفائه برسالته، أحيلوا لسؤال أهل الكتاب أو علماء الأخبار. وكذلك الحال عند كل معضلة أو فتوى فلا بد من الرجوع لأهل العلم. قال القاسمي: (فالذكر، إما بمعنى الكتاب لما فيه من الذكر والعظة، كقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ﴾ [يس: ٦٩]، أو بمعنى الحفظ لأخبار الأمم السالفة. وفي الآية دليل على وجوب الرجوع إلى العلماء فيما لا يعلم). وقوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾. قال مجاهد: (البينات: الآيات، والزبر: الكتب). والزُّبُر: جمع زَبُور، والعرب تقول: زَبَرْتُ الكتاب إذا كتبته. وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ [القمر: ٥٢]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]. والمعنى: لقد أرسلنا الرسل المتقدمين ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ - أي بالحجج والدلائل والبراهين ﴿وَالزُّبُرِ﴾ أي بالكتب، فرجوعكم إليهم منهاج صحيح في كشف الشبهات والتعرف على الحق. وقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾. أي: وأنزلنا إليك - يا محمد - السّنة، وهي الوحي الثاني، لتبين للناس ما نزل

стр. 2437

إليهم - أي القرآن: وهو الوحي الأول - فتفسر لهم مجمل القرآن، وتُفَصِّل لهم ما يحتاجون معرفته عن أمور دينهم ومفهوم الإسلام والإيمان والإحسان، وسبيل النجاة من الفتن القادمة عبر الزمان، ومن عذاب الله يوم القيامة - لعلهم يعتبرون ويتعظون فيلزمون طريق النجاة. قال القرطبي ﵀: (فالرسول ﷺ مُبَيِّنٌ عن الله مراده مما أجمله في كتابه من أحكام الصلاة والزكاة وغير ذلك مما لم يُفَصِّلْه). وقال الحافظ ابن كثير ﵀: (﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ أي: من ربهم لعلمك بمعنى ما أنزل الله عليك وحرصك عليه). وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]. ٢ - وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١]. ٣ - وقال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢]. ٤ - وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. قال مجاهد في التفسير: (﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ قال: كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ). وقال ميمون بن مهران: (الرد إلى الله، الردّ إلى كتابه، والردّ إلى رسوله إن كان حيًا، إن قبضه الله إليه فالردّ إلى السنة). ومن كنوز صحيح السنة في آفاق مفهوم الآية أحاديث: الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم عن عائشة عن النبي ﷺ قال: [ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنَعُه؟ ! فوالله إني لأعلمهم بالله، وأشدهم له خشية]. وفي لفظ: [ما بال رجال بلغهم عني أمر ترخصت فيه فكرهوهُ وتنزهوا عنه؟ فوالله لأنا أعلمهم بالله وأشدهم له خشية] (١).

стр. 2438

الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن سمرة، عن النبي ﷺ قال: [إذا حدثتكم حديثًا، فلا تزيدُنَّ عليّ] (١). الحديث الثالث: أخرج الحاكم عن ابن مسعود مرفوعًا: [إنه ليس شيءٌ يقربكم إلى الجنة إلا قد أمرتكم به، وليس شيءٌ يقربكم إلى النار إلا قد نهيتكم عنه]. وفي لفظ عند الطبراني: [ما تركت شيئًا يقربكم إلى الله تعالى إلا وقد أمرتكم به، وما تركت شيئًا يبعدكم عن الله تعالى إلا وقد نهيتكم عنه] (٢). الحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن عقبة بن عامر الجهني قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [هلاك أمتي في الكتاب واللَّبن. قالوا: يا رسول الله ما الكتاب واللبن؟ قال: يتعلمون القرآن فيتأولونه على غير ما أنزل الله ، ويحبون اللبن فيدعون الجماعات والجمعَ ويبدون] (٣). قال ابن عبد البر: (أهل البدع أضربوا عن السنن، وتأولوا الكتاب على غير ما بينت السنة، فضلوا وأضلوا). وفي "شرح السنة" للبغوي عن أبي بن كعب قال: (عليكم بالسبيل والسنة، فإنه ليس من عبد على سبيل وسنة ذكر الرحمن ففاضت عيناه من خشية الله فتمسه النار أبدًا، وإن اقتصادًا في سبيل وسنة خير من اجتهاد في خلاف سبيل وسنة). وكان الإمام مالك يقول - كما ذكر الشاطبي في "الاعتصام" -: (من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة، فقد زعم أن محمدًا خان الرسالة، لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فما لم يكن يومئذ دينًا لا يكون اليوم دينًا). وكان الإمام الشافعي يقول - كما يروي أبو نعيم في "الحلية" -: (حكمي في أصحاب الكلام أن يضربوا بالجريد ويحملوا على الإبل، ويطاف بهم في العشائر والقبائل ويقال: هذا جزاءُ من ترك الكتاب والسنة وأخذ في الكلام).

стр. 2439

وجاء في "طبقات الحنابلة" - قول الإمام أحمد -: (أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ ، والاقتداء، وترك البدع، وكل بدعة ضلالة). ٤٥ - ٥٠. قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٤٥) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٤٧) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (٤٨) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾. في هذه الآيات: تهديدٌ من الله تعالى ووعيد للمشركين بالخسف والعذاب، إن لم يؤمنوا ويلتزموا هذا الكتاب، فإن الله تعالى خلق كل شيء في هذا الكون الفسيح في سجود له وتعظيم وهم لله داخرون، والملائكة يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون. فقوله: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾. قال قتادة: (السيئات: الشرك). والآية تهديد ووعيد للعصاة المستهترين الذين يشيعون المنكر في الأرض، فإن الزلازل عذاب من الله يبعثه الله عند فشو الفواحش والمنكر بين العباد. وقد جاءت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث: الحديث الأول: أخرج الترمذي في جامعه بسند صحيح من حديث عمران بن حصين، عن النبي ﷺ قال: [في هذه الأمة خَسْفٌ، ومَسْخٌ، وقَذْفٌ، إذا ظهرت القيانُ والمعازِفُ، وشُرِبت الخمور]. وفي رواية مِنْ حديث ابن عمر بلفظ: [في هذه الأمة خسف، ومسخٌ، وقذف، في أهل القدر] (١). ورواه الحاكم عن عبد الله بن عمرو بلفظ: [في أمتي خَسْفٌ ومَسْخٌ وقَذْفٌ].

стр. 2440

ورواه ابن ماجه من طريق عبد الله، عن النبي ﷺ بلفظ: [بين يدي الساعة مسخٌ، وخَسْفٌ، وقَذْف] (١). الحديث الثاني: يروي الترمذي من حديث عائشة ﵂ مرفوعًا: [يكون في آخرِ هذه الأمة خَسْفٌ ومَسْخٌ وقَذْفٌ. قالت: قلت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا ظهر الخَبَثُ] (٢). الحديث الثالث: أخرج البخاري وأحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهرَ الفتن، ويكثرَ الهرجُ، وهو القتل] (٣). وقوله: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾. أي: من حيث لا يعلمون مجيئه إليهم، فإن عذاب الفجأة فيه شدة على النفس إضافة لما قد يقع على الجسد. وفي التنزيل: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: ١٦, ١٧]. وفي صحيح مسلم من حديث ابن عمر - أن النبي ﷺ كان يقول -: [اللهم إني أعوذ بك من زوال نِعمتك، وتَحوّل عافيتك، وفَجأةِ نِقمتكَ، وجميعِ سخطك] (٤). وقوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ - فيه أقوال متكاملة: ١ - قال ابن عباس: (﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ يقول: في اختلافهم). ٢ - قال قتادة: (﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ في أسفارهم). وقال ابن عباس: (قال: إن شئت أخذته في سفر). ٣ - قال ابن جريج: (التقلب: أن يأخذهم بالليل والنهار).

стр. 2441

قال ابن جرير: (﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ أو يهلكهم في تصرّفهم في البلاد، وتردّدهم في أسفارهم ﴿فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ يقول جل ثناؤه: فإنهم لا يعجزون الله من ذلك إن أراد أخذهم كذلك). وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٧, ٩٨]. ٢ - وقال تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران: ١٩٦, ١٩٧]. وفي الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته. ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]] (١). وقوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. قال ابن عباس: (يقول: إن شئت أخذته على أثر موت صاحبه وتخوّف بذلك). وقال الضحاك: (يعني: يأخذ العذاب طائفة ويترك أخرى، ويعذّب القرية ويهلكها، ويترك أخرى إلى جنبها). قال ابن كثير: (﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾، أي: أو يأخذهم الله في حال خَوفهم من أخذه لهم، فإنه يكونُ أبلغَ وأشدَّ حالة الأخْذِ، فإن حصولَ ما يُتَوقَّع مع الخوف شديد. ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، أي: حيث لم يعاجلكم بالعُقوبة، كما ثبت في الصحيحين: "لا أحد أصبرَ على أذىً يسمعه من الله، إنهم يجعلون له ولدًا وهو يرزقهم ويعافيهم"). وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾. إِخْبَارٌ من الله تعالى عن سجود كل ذي ظلٍّ لله تعالى بكرة وعشيًا. قال قتادة: (أما اليمين: فأول النهار، وأما الشمال: فآخر النهار). وقال: (ظل كل شيء سجوده).

стр. 2442

وعن ابن جريج: (﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ قال: الغدو والآصال، إذا فاءت الظِّلال، ظلال كل شيء بالغدوّ سجدت لله، وإذا فاءت بالعشي سجدت لله). وقال الضحاك: (يعني: بالغدوّ والآصال، تسجد الظلال لله غدوة إلى أن يفيء الظلّ، ثم تسجد لله إلى الليل، يعني: ظلّ كل شيء). وعن ابن عباس: (﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾ يقول: تتميل). واختاره ابن جرير وقال: (إن الله أخبر في هذه الآية أن ظلال الأشياء هي التي تسجد، وسجودها: مَيَلانها ودورانها من جانب إلى جانب، وناحية إلى ناحية). وعن مجاهد: ﴿وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾: صاغرون). والخلاصة: إن جميع الأشياء والمخلوقات بأسرها: جمادها وحيواناتها، ومكلّفوها من الإنس والجن والملائكة، قد دانت لكبرياء الله وعظمته وجبروته، وكل ما له ظل يتفيأ ذات اليمين وذات الشمال - أي بكرة وعشيًا - فإنه ساجد بظله لله تعالى (١). وقوله: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ﴾. هو كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الرعد: ١٥]. وكقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: ١٨]. وقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾. أي: والملائكة تسجد لله في طاعة وتذلل، ولا يستكبرون عن عبادة ربهم ﵎. أخرج الإمام أحمد في المسند، والترمذي في الجامع، بسند حسن عن أبي ذر ﵁، عن النبي ﷺ قال: [إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أَطَّت السماء وَحُقَّ لها أن تَئِطّ، ما فيها موضِعُ أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته لله

стр. 2443

تعالى ساجدًا، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا، وما تلذّذتم بالنساء على الفُرُش ولخرجتم إلى الصُّعُدات تجأرون إلى الله] (١). وقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. دليل في علو الله تعالى، فهو سبحانه فوق عرشه، بائن من خلقه، وبعض الملائكة تعرج إليه بأعمال العباد، وبعضهم ينزل بالأمر قضاه تعالى في السماء، وجميعهم يفعلون ما يؤمرون، ويؤدون حقوق الله عليهم، ويجتنبون ما يُسخطه. وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٥]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٧, ١٥٨]. ٣ - وقال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤]. ومن كنوز السنة العطرة في آفاق هذا المعنى أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: [الملائكة يتعاقبون فيكم، ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج إليه الذين باتوا فيسألهم، وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون] (٢). الحديث الثاني: أخرج أبو داود والترمذي بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: [الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء] (٣). الحديث الثالث: أخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد قال: قال

стр. 2444

رسول الله ﷺ : [ألا تأمنوني وأنا أمين مَنْ في السماء؟ يأتيني خبر السماء صباحًا ومساء] (١). ٥١ - ٥٥. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١) وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (٥٢) وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٥٥)﴾. في هذه الآيات: إثبات الوحدانية لله العظيم، له ما في السماوات وما في الأرض وله الدين الحق المبين، وما بكم من نعمة - أيها الناس - فمن الله المنعم الكريم، الذي إن مسكم الضر فإليه تجأرون، وإن كشفه عنكم فأكثركم يشركون، ليتمتعوا بما في أيديهم من زينة الدنيا الفانية وسوف يعلمون. فقوله: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾. أَمْرٌ من الله تعالى عباده بإفراده بالألوهية، وصرف العبادة له وحده، فإنه لا إله إلا الله. وقد بعث الرسل جميعًا - صلوات الله وسلامه عليهم - بهذه الدعوة، دعوة التوحيد. ففي التنزيل: قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]. وفي صحيح مسلم عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: [من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئًا دخل النار] (٢).

стр. 2445

وفي صحيح مسلم عن عثمان ﵁ عن النبي ﷺ قال: [من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة] (١). وقوله: ﴿فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ قال ابن جرير: (يقول: فإياي فاتقوا وخافوا عقابي بمعصيتكم إياي إن عصيتموني وعبدتم غيري، أو أشركتم في عبادتكم لي شريكًا). وقال النسفي: (نقل الكلام عن الغيبة إلى التكلم، وهو من طريقة الالتفات، وهو أبلغ في الترغيب من قوله فإياي فارهبوا، فارهبوني). وقوله: ﴿وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾. أي: لله ملك ما في السماوات والأرض من شيء، وكل خلق ورزق وحياة وإماتة فبأمره، ومن ثم فإن الطاعة والإخلاص له سبحانه إنما ينبغي له دائمًا ثابتًا وواجبًا. قال ابن عباس: (﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ قال: دائمًا). وفي رواية أخرى قال: (واجبًا). وقوله: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (٥٢) وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾. أي: كيف تحذرون أيها الناس وترهبون أحدًا أن يسلبكم نعمة الله عليكم، وكل ما لديكم من صحة وعافية ورزق وخير فهو من ربكم، يقسم ذلك بينكم، وما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها. وقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾. أي إن أصابكم سقم أو شدة فإلى الله تصرخون وتستغيثون. قال مجاهد: (تضرعون دعاء). وقال ابن عباس: (الضُّر: السُّقْم). وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾. أي: ثم إذا رفع سبحانه عنكم الشدة والبلاء والسقم سارع بعضكم إلى ما كان عليه من الشرك بالله، وربما نسب الفرج لنفسه أو لجهده وقوته وجحد النعمة. قال القرطبي: (فمعنى الكلام التعجيب من الإشراك بعد النجاة من الهلاك، وهذا المعنى مكرر في القرآن). وفي التنزيل نحو ذلك: قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧].

стр. 2446

وفي مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود بسند صحيح عن أبي تميمة، عن رجل من قومه، أنه أتى رسول الله ﷺ ، أو قال: شهدت رسول الله ﷺ وأتاه رجل فقال: أنت رسول الله أو قال: أنت محمد؟ فقال: نعم. قال: فإلامَ تدْعو؟ قال: [أدعو إلى ربك الذي إن مسَّكَ ضر فدعوته كشفَ عنك، والذي إن أضللت بأرض قفرٍ فدعوته ردّ عليك، والذي إن أصابتك سنة فدعوته أنبت لك] (١). وقوله تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾. قال ابن كثير: (قيل: "اللام" ها هنا لام العاقبة. وقيل: لام التعليل، بمعنى قَيَّضنا لهم ذلك ليكفروا، أي: يستروا ويجحدوا نعمة الله عليهم، وأنه المُسْدي إليهم النعم، الكاشف عنهم النِّقَم. ثم توعّدهم قائلًا: ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾، أي: اعملوا ما شئتم وتمتعوا بما أنتم فيه قليلًا, ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، أي: عاقبة ذلك). ٥٦ - ٦٠. قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (٥٦) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٥٩) لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠)﴾. في هذه الآيات: إثبات الله تعالى جهالة المشركين، في صرف الأموال للأصنام وجعل البنات لله ولهم ما يشتهون، وإذا بشر أحدهم بالأنثى لجأ إلى الوأد خشية عار الجاهلين، إنه للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم. فقوله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾. إخبار من الله تعالى عن نوع آخر من جهالات المشركين وقبائحهم، فيجعلون لما لا يعلمون أنه يضر وينفع - وهي أصنامهم وأوثانهم - شيئًا من أموالهم يتقربون به إليه. وقيل بل الضمير في ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ يعود على

стр. 2447

الأوثان. والتقدير: ويجعل هؤلاء المشركون للأصنام التي لا تعلم شيئًا نصيبًا. وكلا المعنيين محتمل. فَعَن مجاهد: (﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ قال: يعلمون أن الله خلقهم، ويضرّهم وينفعهم ثم يجعلون لما لا يعلمون أنه يضرهم ولا ينفعهم نصيبًا مما رزقناهم). وقال قتادة: (هم مشركو العرب، جعلوا لأوثانهم نصيبًا مما رزقناهم، وجزءًا من أموالهم يجعلونه لأوثانهم). وقال ابن زيد: (جعلوا لآلهتهم التي ليس لها نصيب ولا شيء، جعلوا لها نصيبًا مما قال الله من الحرث والأنعام، يسمون عليها أسماءها ويذبحون لها). وفي التنزيل: ﴿فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٣٦]. وقوله: ﴿تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾. أي: والله لتسألن معشر المشركين عما تختلقون من الباطل والإفك على الله بدعواكم له شريكًا، وتصييركم لأوثانكم فيما رزقكم نصيبًا، ثم ليعاقبكم عقوبة تكون جزاءً لكفرانكم نعمه وافترائكم عليه. - ذكره ابن جرير. وقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾. قال ابن عباس: (يقول: يجعلون لله البنات ترضونهنّ لي، ولا ترضونهنّ لأنفسكم، وذلك أنهم كانوا في الجاهلية إذا وُلِدَ للرجل منهم جارية أمسكها على هون، أو دسّها في التراب وهي حية). وقال: (﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ قال: حزين). وقال الضحاك: (الكظيم: الكميد). وقال قتادة: (هذا صنيع مشركي العرب، أخبرهم الله تعالى ذكره بخبث صنيعهم فأما المؤمن فهو حقيق أن يرضى بما قسم الله له، وقضاء الله خير من قضاء المرء لنفسه، ولعمري ما يدري أنه خير، لرُبّ جارية خير لأهلها من غلام. وإنما أخبركم الله بصنيعهم لتجتنبوه وتنتهوا عنه، وكان أحدهم يغذو كلبه، ويئد ابنته).

стр. 2448

وقوله تعالى: ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾. أي: يخشى رؤية الناس إن بُشِّر بأنثى، فهو في تأرجحٍ من أمره، فإن أبقاها أبقاها مهانة ذليلة يفضل الذكور عليها، ويحرمها من لطفه وإرثه والعناية بها، وإلا وأدها ودفنها حية في التراب على طريقة أهل الجاهلية. إنه بئس ما يحكم به هؤلاء المشركون، أنْ جعلوا لله ما يكرهون، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [الزخرف: ١٧]. قال القرطبي: (﴿أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ أي في إضافة البنات إلى خالقهم وإضافة البنين إليهم). قلت: وقد جاءت السنة الصحيحة بتكريم البنات وحسن رعايتهن، وما يعقب ذلك من عظيم الثواب وسبب النجاة يوم القيامة. الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: [جاءتني امرأة ومعها ابنتان لها، فسألتني فلم تجد عندي غير تمرة واحدة، فأعطيتها إياها فأخذتها فقَسَمتها بين ابنتيها ولم تأكل منها شيئًا، ثم قامت فخرجت وابنتاها، فدخلَ عليّ النبي ﷺ فحدّثته حديثَها، فقال النبي ﷺ : من ابتُلي من البنات بشيء فأحسن إليهن كنّ له سترًا من النار] (١). الحديث الثاني: أخرج مسلم وابن ماجه من حديث عائشة ﵂ أنها قالت: [جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها، فأطعمتها ثلاث تمرات فأعطت كل واحدة منهما تمرة، ورفعت إلى فيها تمرة لتأكلها فاستطعمتها ابنتاها فشقت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها بينهما، فأعجبني شأنها، فذكرتُ الذي صنعت لرسول الله ﷺ فقال: إن الله قد أوجب بها الجنة أو أعتقها بها من النار] (٢). الحديث الثالث: أخرج مسلم والترمذي عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال

стр. 2449

رسول الله ﷺ : [مَنْ عالَ جاريتين حتى يُدرِكا، دخلتُ أنا وهو الجنة، كهاتين] (١). الحديث الرابع: أخرج أحمد والطبراني بسند حسن في الشواهد، من حديث عقبة بن عامر مرفوعًا: [لا تَكْرَهوا البنات، فإنهنَّ المُؤْنِساتُ الغاليات] (٢). وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. أي: كل النقص والعيب ينسب للمشركين الذين كفروا بلقاء ربهم، وكل الثناء وجميع المحامد لله العلي الكبير، وهو العزيز الحكيم. وعن قتادة: (﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ قال: شهادة أن لا إله إلا الله). أو قال: (الإخلاص والتوحيد). ٦١ - ٦٤. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٦١) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (٦٢) تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤)﴾. في هذه الآيات: تأخير الله تعالى مؤاخذة الناس بظلمهم رحمة بهم، والمشركون غافلون يجعلون لله ما يكرهون ويمضون كمن قبلهم من الجاهلين خلف أهوائهم، وقد زيّن لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم والعذاب مثواهم، وما أنزلنا عليك الكتاب - يا محمد - إلا لتبين لهم، وهدى ورحمة لمن آمن منهم. فقوله: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾. أي: لو يؤاخذ الله الناس بكفرهم وظلمهم وبغيهم لعاجلهم بالعذاب ولما ترك على

стр. 2450

ظهر الأرض من دابة - كافرة، أو قيل: بل المراد العموم -. قال النسفي: ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ قط، ولأهلكها كلها بشؤم ظلم الظالمين). قلت: ويبدو أن الهلاك يعمّ إذا كثر الخبث، ثم يحشر الله الناس على نياتهم. ففي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨]. ٢ - وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨]. وفي صحيح السنة المطهرة من ذلك المعنى أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أم المؤمنين أمِّ الحَكَم زينب بنتِ جَحْشٍ ﵂: [أن النبي ﷺ دخل عليها فَزِعًا يقول: لا إله إلا الله، وَيْلٌ للعربِ من شرٍّ قد اقتربَ، فُتِحَ اليوم من رَدْمِ يأجوجَ ومأجوجَ مِثْلُ هذه - وحَلَّق بأصْبُعَيْه الإبهام والتي تليها -. فقلت: يا رسول اللهَ أَنَهْلِكُ وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث] (١). الحديث الثاني: أخرج البخاري عن أم المؤمنين أُمِّ عبد الله عائشةَ ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : [يَغْزو جَيْشٌ الكعبة، فإذا كانوا بِبَيْداءَ من الأرض يُخْسَفُ بأولهم وآخِرهم. قالت: قلت: يا رسول الله، كيف يُخْسَفُ بأولهم وآخِرهم وفيهم أسواقُهم (٢) ومن ليسَ مِنْهم؟ ! قال: يُخْسَفُ بأولهم وآخِرهم، ثم يُبْعثون على نِيَّاتهم] (٣). الحديث الثالث: خَرَّجَ مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [إذا أراد الله بقوم عذابًا أصاب العذاب من كان فيهم، ثم بُعثوا على نياتهم] (٤).

стр. 2451

الحديث الرابع: أخرج أبو داود بسند صحيح عن أم سلمة، عن النبي ﷺ بقصة جيش الخسف - قالت: قلت: يا رسول الله، فكيف بمن كان كارهًا؟ قال: [يُخْسَف بهم، ولكن يُبْعث يوم القيامة على نيته] (١). قال النووي في "شرح صحيح مسلم": (وفيه من الفقه التباعد من أهل الظلم والتحذير من مجالستهم ومجالسة البغاة ونحوهم من المبطلين لئلا ينالهم ما يعاقبون به. قال: وفيه أنّ مَنْ كثَّرَ سواد قوم جرى عليهم حكمهم في ظاهر عقوبات الدنيا). وقوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. قال القاسمي: (أي وقت تقتضيه الحكمة. يستغفر منهم من يستغفر فيغفر له، ويصرّ من يصرّ فيزداد عذابًا). وقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾. قال الزهري: (نرى أنه إذا حضر أجله فلا يؤخر ساعة، ولا يقدّم، ما لم يحضر أجله، فإن الله يؤخر ما شاء، ويُقدِّمُ ما شاء). وقال ابن جرير: (﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ يقول: فإذا جاء الوقت الذي وُقِّتَ لهلاكهم ﴿لَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عن الهلاك ساعة فيمهلون ﴿وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ له حتى يستوفوا آجالهم). وقوله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾. أي: ويجعلون لله البنات وتقول ألسنتهم الكذب: أن لهم الذكور من الأولاد. قال مجاهد: (قول قريش: لنا البنون، ولله البنات). وقال قتادة: (أي يتكلمون بأن لهم الحُسنى: أي الغلمان). وقوله: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾. أي: حقًا لهم النار، وأنهم متروكون فيها منسيون لقاء تفريطهم واستهتارهم. قال ابن عباس: (﴿لَا جَرَمَ﴾ يقول: بلى). وقال ابن كثير: (﴿لَا جَرَمَ﴾، أي: حقًا لا بد منه ﴿أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾، أي: يوم القيامة). وفي قوله: ﴿مُفْرَطُونَ﴾ أكثر من تأويل متقارب: ١ - قال سعيد بن جبير: (﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ قال: منسيون مُضَيَّعُون). أو قال: (متروكون في النار، منسيون فيها). وقال مجاهد: (مَنْسيون). وقال قتادة: (مُضاعون).

стр. 2452

٢ - قال قتادة أيضًا: (﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾. قال: قد أُفرِطوا في النار: أي مُعْجَلون). أو قال: (يقول: مُعْجَلون إلى النار). ٣ - قال سعيد: (﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ قال: مُخْسَئون مُبْعدون). قال ابن كثير: (﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾. قال مجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة، وغيرهم: مَنْسِيُّون مُضَيَّعُون. وهذا كقوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ [الأعراف: ٥١]. وعن قتادة أيضًا: ﴿مُفْرَطُونَ﴾، أي: مُعْجَلُون إلى النار، من الفَرَط وهو السابق إلى الوِرْد. ولا منافاة، لأنهم يُعْجَل بهم يوم القيامة إلى النار، ويُنْسَونَ فيها، أي: يُخَلَّدُون). وقوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. تسلية للنبي ﷺ بأن ما يلقاه من تكذيب قومه قد واجهه إخوته الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - قبله. قال ابن جرير: (﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ يقول: فَحَسَّنَ لهم الشيطان ما كانوا عليه من الكفر بالله وعبادة الأوثان مقيمين، حتى كذبوا رسلهم، وردّوا عليهم ما جاؤوهم به من عند ربهم). وقال القرطبي: (﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ﴾ أي ناصرهم في الدنيا على زعمهم. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرة. وقيل: ﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ﴾ أي قرينهم في النار. ﴿الْيَوْمَ﴾ يعني يوم القيامة، وأطلق عليه اسم اليوم لشهرته. وقيل: يقال لهم يوم القيامة: هذا وليّكم فاستنصروا به لينجيكم من العذاب، على جهة التوبيخ لهم). وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. بيان لحجية القرآن للفصل بين الناس في كل ما يختلفون فيه، إضافة لكونه هدى للقلوب ورحمة للمتمسك بنوره وهديه من المؤمنين. ٦٥ - ٦٧. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٥) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦) وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧)﴾. في هذه الآيات: امتنان الله تعالى على العباد بنعمة الماء والأنعام، واللبن السائغ

стр. 2453

الذي فيه شفاء للأنام، وبثمرات النخيل والأعناب وما يكون منها من منافع عبر الأيام. فقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾. قال ابن كثير: (وكما جعل تعالى القرآن حياة للقلوب الميتة بكفرها، كذلك يُحْيي الأرض بعد موتها بما ينزله عليها من السماء من ماء ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾، أي: يفهمون الكلام ومعناه). وقوله: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً﴾. الأنعام: هي الإبل والبقر والغنم. وفي خلقها وطريقة عطائها والاستفادة من ألبانها وأصوافها ولحمها آية ودلالة على قدرة خالقها ولطفه ورحمته. وقوله: ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾. آية من آيات الآفاق، يريها الله تعالى عباده في أدق ما توصلت إليه الأبحاث والعلوم. فلقد اكتشف الدارسون أن اللبن في الأنعام يُسْتَخْلَصُ من بين الفَرْثِ في الأمعاء الدقيقة، فتبقى الفضلات التي تخرج في صورة بَعَرٍ، وغيره، بعد أن كانت كُلَّها فَرْثًا سائلًا، ثم تَدْخلُ المواد الغذائية في الدم، ثم يُستخْلَصُ اللبن من الدم في الضروع، وهذا كله متضمن في دقيق ألفاظ الآية السابقة، فتبارك الله أحسن الخالقين. وقوله: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾. قال ابن عباس: (السَّكر: ما حُرِّمَ من شرابه، والرزق الحسن: ما أحل من ثمرته). وقال أبو رزين: (نزل هذا وهم يشربون الخمر، فكان هذا قبل أن ينزل تحريم الخمر). وبنحوه قال إبراهيم: (هي منسوخة نسخها تحريم الخمر). وقال مجاهد: (السكر: الخمر، والرزق الحسن: الرُّطب والأعناب. ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾ قال: هي الخمر قبل أن تحرّم). وقال قتادة: (أما السَّكر: فخمور هذه الأعاجم، وأما الرزق الحسن: فما تنتبذون، وما تُخَلّلون، وما تأكلون، ونزلت هذه الآية، ولم تحرّم الخمر يومئذ، وإنما جاء تحريمها بعد ذلك في سورة المائدة). وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ - تناسب بديع مع مفهوم الآية وما جاء بعدها من تحريم ما أسكر، فإن العقل من أشرف ما في الإنسان، وقد مهّد بذلك تعالى لمجيء التحريم بعد ذلك تكريمًا لهذا العقل وصيانة له من الضياع والانهيار. ٦٨ - ٦٩. قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ

стр. 2454

وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩)﴾. في هذه الآيات: أمْرُ الله تعالى إلى النَّحْلِ اتخاذ البيوت من الجبال ومن الشجر ومما يبنون ويعرشون. ثم إلهامها الأكل من كل الثمرات وسلوك الطرق المذلّلة لصناعة العسل الذي فيه شفاء للناس وآية لقوم يتفكرون. فقوله: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾. قال مجاهد: (ألهمها إلهامًا). وعن ابن عباس قال: (أمرها أن تأكل من الثمرات، وأمرها أن تتبع سبل ربها ذللًا). وقال معمر: (قذف في أنفسها). وقوله: ﴿أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾. قال معمر، عن أصحابه: (قذف في أنفسها أن اتخذي من الجبال بيوتًا). وقوله: ﴿وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾. قال ابن زيد: (﴿يَعْرِشُونَ﴾: الكَرْم). وقال ابن جرير: (يعني: مما يبنون من السقوف، فرفعوها بالبناء). قال ابن كثير: (المرادُ بالوحي ها هنا: الإلهامُ والهداية والإرشادُ إلى النحل أن تَتَّخِذَ من الجبال بيوتًا تأوي إليها، ومن الشجر ومما يعرشون. ثم هي محكمة في غاية الإتقان في تَسْدِيدها ورصِّها، بحيث لا يكون بينها خَللٌ. ثم أذِنَ لها تعالى إذنًا قَدَرِيًا تَسْخيريًّا أن تأكل من كُلِّ الثمرات، وأن تَسلُكَ الطرق التي جعلها الله تعالى لها مُذَلَّلة، أي: سهلة عليها حيث شاءت في هذا الجو العظيم والبَرَارِي الشاسِعة، والأودية والجبال الشاهقة، ثم تعودُ كلُّ واحدةٍ منها إلى موضعها وبيتها، لا تحيد عنه يمنة ولا يسرة، بل إلى بيتها ومالها فيه من فراخ وعسل، فتبني الشمع في أجنحتها، وتقيءُ العَسَلَ من فِيها، وتبيض الفراخ من دُبُرها، ثم تُصْبِحُ إلى مراعيها). وقوله: ﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا﴾. أي: ثم كلي أيتها النحل من جميع الثمرات فاسلكي طرق ربك مذلّلة لك. قال مجاهد: (﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا﴾ قال: لا يتوعّر عليها مكان سلكته). وقال قتادة: (﴿ذُلُلًا﴾ أي مطيعة). والذّلل: جمع ذَلُول. وقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾. أي: يخرج من بطون النحل شراب، هو العسل، مختلف ألوانه، فمنه الأبيض والأحمر والأسحر وغير

стр. 2455

ذلك. قال قتادة: (ففيه شفاء كما قال الله تعالى من الأدواء. وقد كان ينهى عن تفريق النحل، وعن قتلها). وفي صحيح سنن أبي داود عن ابن عباس، قال: [إنَّ النبي ﷺ نهى عن قتل أربع من الدواب: النملة، والنحلة، والهدهد، والصُّرَد] (١). وقد جاء في فضائل العسل وفوائده أحاديث كثيرة، منها: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن جابر، عن النبي ﷺ قال: [إن كان في شيء من أدويتكم خيرٌ ففي شَرْطَةِ محجم، أو شَرْبَة من عسل، أو لذعةٍ بنار توافق داء، وما أحب أن أكتوي] (٢). الحديث الثاني: أخرج البخاري عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : [الشفاء في ثلاثة: في شَرْطة مِحْجَمٍ، أو شَرْبَةِ عَسَلٍ، أو كيّة بنار، وأنهى أمّتي عن الكيّ] (٣). وله شاهد في مسند أحمد من حديث عقبة قال: قال رسول الله ﷺ ثلاثًا: [إنْ كان في شيء شفاء فشرطة مِحْجَم، أو شربة عسلٍ، أو كيّة تصيبُ ألمًا، وأنا أكره الكيَّ ولا أحبّه]. قال ابن جُريج: (قال الزهري: عليك بالعسل، فإنه جيد للحفظ، وأجوده أصْفاه وأبْيَضُه، وألينُه حِدة، وأصدقه حلاوة، وما يُؤْخَذُ من الجبال والشجر له فضل على ما يؤخذ من الخلايا، وهو بحسب مرعى نحله). الحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن عائشة: [أن رسول الله ﷺ كان يُعْجِبُهُ الحَلْواءُ العَسَلُ] (٤). الحديث الرابع: أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: [جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: إن أخي اسْتَطْلَقَ بطنُه؟ فقال: اسقه عسلًا.
следующие страницы →