الحديث الرابع: أخرج أبو داود بسند صحيح عن أم سلمة، عن النبي ﷺ بقصة جيش الخسف - قالت: قلت: يا رسول الله، فكيف بمن كان كارهًا؟ قال: [يُخْسَف بهم، ولكن يُبْعث يوم القيامة على نيته] (١).
قال النووي في "شرح صحيح مسلم": (وفيه من الفقه التباعد من أهل الظلم والتحذير من مجالستهم ومجالسة البغاة ونحوهم من المبطلين لئلا ينالهم ما يعاقبون به. قال: وفيه أنّ مَنْ كثَّرَ سواد قوم جرى عليهم حكمهم في ظاهر عقوبات الدنيا).
وقوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. قال القاسمي: (أي وقت تقتضيه الحكمة. يستغفر منهم من يستغفر فيغفر له، ويصرّ من يصرّ فيزداد عذابًا).
وقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾. قال الزهري: (نرى أنه إذا حضر أجله فلا يؤخر ساعة، ولا يقدّم، ما لم يحضر أجله، فإن الله يؤخر ما شاء، ويُقدِّمُ ما شاء). وقال ابن جرير: (﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ يقول: فإذا جاء الوقت الذي وُقِّتَ لهلاكهم ﴿لَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عن الهلاك ساعة فيمهلون ﴿وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ له حتى يستوفوا آجالهم).
وقوله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾. أي: ويجعلون لله البنات وتقول ألسنتهم الكذب: أن لهم الذكور من الأولاد. قال مجاهد: (قول قريش: لنا البنون، ولله البنات). وقال قتادة: (أي يتكلمون بأن لهم الحُسنى: أي الغلمان). وقوله: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾. أي: حقًا لهم النار، وأنهم متروكون فيها منسيون لقاء تفريطهم واستهتارهم. قال ابن عباس: (﴿لَا جَرَمَ﴾ يقول: بلى). وقال ابن كثير: (﴿لَا جَرَمَ﴾، أي: حقًا لا بد منه ﴿أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾، أي: يوم القيامة).
وفي قوله: ﴿مُفْرَطُونَ﴾ أكثر من تأويل متقارب:
١ - قال سعيد بن جبير: (﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ قال: منسيون مُضَيَّعُون). أو قال: (متروكون في النار، منسيون فيها). وقال مجاهد: (مَنْسيون). وقال قتادة: (مُضاعون).
стр. 2452
٢ - قال قتادة أيضًا: (﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾. قال: قد أُفرِطوا في النار: أي مُعْجَلون). أو قال: (يقول: مُعْجَلون إلى النار).
٣ - قال سعيد: (﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ قال: مُخْسَئون مُبْعدون).
قال ابن كثير: (﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾. قال مجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة، وغيرهم: مَنْسِيُّون مُضَيَّعُون. وهذا كقوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ [الأعراف: ٥١]. وعن قتادة أيضًا: ﴿مُفْرَطُونَ﴾، أي: مُعْجَلُون إلى النار، من الفَرَط وهو السابق إلى الوِرْد. ولا منافاة، لأنهم يُعْجَل بهم يوم القيامة إلى النار، ويُنْسَونَ فيها، أي: يُخَلَّدُون).
وقوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. تسلية للنبي ﷺ بأن ما يلقاه من تكذيب قومه قد واجهه إخوته الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - قبله. قال ابن جرير: (﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ يقول: فَحَسَّنَ لهم الشيطان ما كانوا عليه من الكفر بالله وعبادة الأوثان مقيمين، حتى كذبوا رسلهم، وردّوا عليهم ما جاؤوهم به من عند ربهم). وقال القرطبي: (﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ﴾ أي ناصرهم في الدنيا على زعمهم. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرة. وقيل: ﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ﴾ أي قرينهم في النار. ﴿الْيَوْمَ﴾ يعني يوم القيامة، وأطلق عليه اسم اليوم لشهرته. وقيل: يقال لهم يوم القيامة: هذا وليّكم فاستنصروا به لينجيكم من العذاب، على جهة التوبيخ لهم).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. بيان لحجية القرآن للفصل بين الناس في كل ما يختلفون فيه، إضافة لكونه هدى للقلوب ورحمة للمتمسك بنوره وهديه من المؤمنين.
٦٥ - ٦٧. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٥) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦) وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧)﴾.
في هذه الآيات: امتنان الله تعالى على العباد بنعمة الماء والأنعام، واللبن السائغ
стр. 2453
الذي فيه شفاء للأنام، وبثمرات النخيل والأعناب وما يكون منها من منافع عبر الأيام.
فقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾. قال ابن كثير: (وكما جعل تعالى القرآن حياة للقلوب الميتة بكفرها، كذلك يُحْيي الأرض بعد موتها بما ينزله عليها من السماء من ماء ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾، أي: يفهمون الكلام ومعناه).
وقوله: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً﴾. الأنعام: هي الإبل والبقر والغنم. وفي خلقها وطريقة عطائها والاستفادة من ألبانها وأصوافها ولحمها آية ودلالة على قدرة خالقها ولطفه ورحمته.
وقوله: ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾. آية من آيات الآفاق، يريها الله تعالى عباده في أدق ما توصلت إليه الأبحاث والعلوم. فلقد اكتشف الدارسون أن اللبن في الأنعام يُسْتَخْلَصُ من بين الفَرْثِ في الأمعاء الدقيقة، فتبقى الفضلات التي تخرج في صورة بَعَرٍ، وغيره، بعد أن كانت كُلَّها فَرْثًا سائلًا، ثم تَدْخلُ المواد الغذائية في الدم، ثم يُستخْلَصُ اللبن من الدم في الضروع، وهذا كله متضمن في دقيق ألفاظ الآية السابقة، فتبارك الله أحسن الخالقين.
وقوله: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾. قال ابن عباس: (السَّكر: ما حُرِّمَ من شرابه، والرزق الحسن: ما أحل من ثمرته). وقال أبو رزين: (نزل هذا وهم يشربون الخمر، فكان هذا قبل أن ينزل تحريم الخمر). وبنحوه قال إبراهيم: (هي منسوخة نسخها تحريم الخمر). وقال مجاهد: (السكر: الخمر، والرزق الحسن: الرُّطب والأعناب. ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾ قال: هي الخمر قبل أن تحرّم). وقال قتادة: (أما السَّكر: فخمور هذه الأعاجم، وأما الرزق الحسن: فما تنتبذون، وما تُخَلّلون، وما تأكلون، ونزلت هذه الآية، ولم تحرّم الخمر يومئذ، وإنما جاء تحريمها بعد ذلك في سورة المائدة).
وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ - تناسب بديع مع مفهوم الآية وما جاء بعدها من تحريم ما أسكر، فإن العقل من أشرف ما في الإنسان، وقد مهّد بذلك تعالى لمجيء التحريم بعد ذلك تكريمًا لهذا العقل وصيانة له من الضياع والانهيار.
٦٨ - ٦٩. قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ
стр. 2454
وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩)﴾.
في هذه الآيات: أمْرُ الله تعالى إلى النَّحْلِ اتخاذ البيوت من الجبال ومن الشجر ومما يبنون ويعرشون. ثم إلهامها الأكل من كل الثمرات وسلوك الطرق المذلّلة لصناعة العسل الذي فيه شفاء للناس وآية لقوم يتفكرون.
فقوله: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾. قال مجاهد: (ألهمها إلهامًا). وعن ابن عباس قال: (أمرها أن تأكل من الثمرات، وأمرها أن تتبع سبل ربها ذللًا). وقال معمر: (قذف في أنفسها).
وقوله: ﴿أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾. قال معمر، عن أصحابه: (قذف في أنفسها أن اتخذي من الجبال بيوتًا).
وقوله: ﴿وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾. قال ابن زيد: (﴿يَعْرِشُونَ﴾: الكَرْم). وقال ابن جرير: (يعني: مما يبنون من السقوف، فرفعوها بالبناء). قال ابن كثير: (المرادُ بالوحي ها هنا: الإلهامُ والهداية والإرشادُ إلى النحل أن تَتَّخِذَ من الجبال بيوتًا تأوي إليها، ومن الشجر ومما يعرشون. ثم هي محكمة في غاية الإتقان في تَسْدِيدها ورصِّها، بحيث لا يكون بينها خَللٌ. ثم أذِنَ لها تعالى إذنًا قَدَرِيًا تَسْخيريًّا أن تأكل من كُلِّ الثمرات، وأن تَسلُكَ الطرق التي جعلها الله تعالى لها مُذَلَّلة، أي: سهلة عليها حيث شاءت في هذا الجو العظيم والبَرَارِي الشاسِعة، والأودية والجبال الشاهقة، ثم تعودُ كلُّ واحدةٍ منها إلى موضعها وبيتها، لا تحيد عنه يمنة ولا يسرة، بل إلى بيتها ومالها فيه من فراخ وعسل، فتبني الشمع في أجنحتها، وتقيءُ العَسَلَ من فِيها، وتبيض الفراخ من دُبُرها، ثم تُصْبِحُ إلى مراعيها).
وقوله: ﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا﴾. أي: ثم كلي أيتها النحل من جميع الثمرات فاسلكي طرق ربك مذلّلة لك. قال مجاهد: (﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا﴾ قال: لا يتوعّر عليها مكان سلكته). وقال قتادة: (﴿ذُلُلًا﴾ أي مطيعة). والذّلل: جمع ذَلُول.
وقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾. أي: يخرج من بطون النحل شراب، هو العسل، مختلف ألوانه، فمنه الأبيض والأحمر والأسحر وغير
стр. 2455
ذلك. قال قتادة: (ففيه شفاء كما قال الله تعالى من الأدواء. وقد كان ينهى عن تفريق النحل، وعن قتلها).
وفي صحيح سنن أبي داود عن ابن عباس، قال: [إنَّ النبي ﷺ نهى عن قتل أربع من الدواب: النملة، والنحلة، والهدهد، والصُّرَد] (١).
وقد جاء في فضائل العسل وفوائده أحاديث كثيرة، منها:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن جابر، عن النبي ﷺ قال: [إن كان في شيء من أدويتكم خيرٌ ففي شَرْطَةِ محجم، أو شَرْبَة من عسل، أو لذعةٍ بنار توافق داء، وما أحب أن أكتوي] (٢).
الحديث الثاني: أخرج البخاري عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : [الشفاء في ثلاثة: في شَرْطة مِحْجَمٍ، أو شَرْبَةِ عَسَلٍ، أو كيّة بنار، وأنهى أمّتي عن الكيّ] (٣).
وله شاهد في مسند أحمد من حديث عقبة قال: قال رسول الله ﷺ ثلاثًا: [إنْ كان في شيء شفاء فشرطة مِحْجَم، أو شربة عسلٍ، أو كيّة تصيبُ ألمًا، وأنا أكره الكيَّ ولا أحبّه].
قال ابن جُريج: (قال الزهري: عليك بالعسل، فإنه جيد للحفظ، وأجوده أصْفاه وأبْيَضُه، وألينُه حِدة، وأصدقه حلاوة، وما يُؤْخَذُ من الجبال والشجر له فضل على ما يؤخذ من الخلايا، وهو بحسب مرعى نحله).
الحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن عائشة: [أن رسول الله ﷺ كان يُعْجِبُهُ الحَلْواءُ العَسَلُ] (٤).
الحديث الرابع: أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: [جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: إن أخي اسْتَطْلَقَ بطنُه؟ فقال: اسقه عسلًا.
стр. 2456
فسقاه عسلًا، ثم جاء فقال: يا رسول الله، سَقَيْتُهُ عسلًا فما زادَهُ إلا استطلاقًا! قال: اذهب فاسقه عسلًا. فذهب فسقاه، ثم جاء فقال: يا رسول الله، ما زاده إلا استطلاقًا! فقال رسول الله ﷺ : صدقَ اللهُ وكَذَبَ بطنُ أخيك! اذْهَبْ فاسقه عسلًا. فذهب فسقاه فَبَرَأ] (١).
قال بعضُ العلماء بالطب: (كان هذا الرجل عنده فضلاتٌ، فلما سقاه عَسَلًا وهو حارٌّ تحلّلت، فأسرعَت في الاندفاع، فزاد إسهالُه، فاعتقد الأعرابي أن هذا مضرَّةٌ، وهو مَصْلَحة لأخيه، ثم سقاه فازداد التحليلُ والدفعُ، ثم سقاه فكذلك، فلما اندفعت الفضلات الفاسدةُ المضرَّة بالبدن استمسك بطنه، وصَلحَ مزاجه، واندفعت الأسقامُ والآلام ببركة إشارته، عليه من ربِّه أفضلُ الصلاة والسلام) (٢).
وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. قال القاسمي: (أي: فيعتبرون ويستدلون على وحدانيته سبحانه، وانفراده بألوهيته. وأنه هو الذي ألهم هذه الدواب الضعيفة فعلمت مساقط الأنداء، من وراء البيداء، فتقع على كل حرارة عبقة، وزهرة أنقة، ثم تصدر عنها بما تحفظه رضابا (٣)، وتلفظه شرابًا).
٧٠ - ٧٢. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٧٠) وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٧١) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢)﴾.
في هذه الآيات: إثبات الخلق والحياة والتصرف في العمر لله العليم القدير. وكذلك
стр. 2457
التفضيل في الرزق والولد والخير وما المشركون برادّي ذلك على عبيدهم أفبنعمة الله يجحدون. الله تعالى هو الذي جعل لكم الأزواج والبنين والحفدة ورَزَقَكُم فكيف تكفرون! .
فقوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ﴾ - أي بِقبض أرواحكم من أبدانكم. فهو إخبار من الله تعالى عن تصرفه بخلقه، إذ أنشأهم من العدم، ثم يحييهم، ثم يميتهم.
وقوله: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾. قال النسفي: (إلى أخسه وأحقره، وهو خمس وسبعون سنة، أو ثمانون، أو تسعون).
وفي التنزيل: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم: ٥٤].
وقوله: ﴿لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾. قال ابن كثير: (أي: بعد ما كان عالِمًا أصبح لا يَدْري شيئًا من الفَنَدِ والخَرَفِ). قال ابن عباس: (﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾، يعني إلى أسفل العمر، يصير كالصبي الذي لا عقل له).
وفي صحيح السنة أحاديث في آفاق معنى الآية:
الحديث الأول: أخرج البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: [كان رسول الله ﷺ يتعوّذ يقول: اللهمّ إني أعوذ بك من الكسل، وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك من الهرم، وأعوذ بك من البخل] (١).
الحديث الثاني: أخرج البخاري عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: [كان يأمر بهؤلاء الخمسِ ويُخْبِرُهُنَّ عن النبي ﷺ قال: اللهم إني أعوذُ بك من البُخْل، وأعوذ بك من الجُبْنِ، وأعوذ بكَ أن أُرَدَّ إلى أرذل العُمُرِ، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر] (٢).
الحديث الثالث: أخرج البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله تعالى
стр. 2458
عنه: [أنّ رسول الله ﷺ كان يدعو: أعوذُ بك من البُخْل والكسل، وأرْذَلِ العُمُرِ، وعذابِ القبر، وفتنة الدَّجال، وفتنة المحيا والممات] (١).
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾. قال ابن جرير: (يقول: إن الله لا ينسى، ولا يتغيّر علمه، عليم بكلّ ما كان ويكون، قدير على ما شاء لا يجهل شيئًا، ولا يُعجزه شيء أراده).
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾.
قال ابن عباس: (يقول: لم يكونوا يشركون عبيدهم في أموالهم ونسائهم، فكيف يشركون عبيدي معي في سلطاني، فذلك قوله: ﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾). وقال مجاهد: (﴿بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ قال: مثل آلهة الباطل مع الله تعالى ذكره). وقال قتادة: (هذا الذي فُضِّلَ في المال والولد، لا يشرك عبده ماله وزوجته، يقول: قد رضيتَ بذلك لله، ولم ترضَ به لنفسك، فجعلت لله شريكًا في ملكه وخلقه).
وقوله: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾. قال قتادة: (أي: والله خلق آدم، ثم خلق زوجته منه، ثم جعل لكم بنين وحفدة).
وفي تفسير قوله: ﴿وَحَفَدَةً﴾ أكثر من تأويل:
١ - قال ابن عباس: (﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾: هم الولدُ وولَدُ الولد). وقال: (بنوك حين يحفدونك ويَرْفِدونك، ويعينونك ويخدمونك).
٢ - قال مجاهد: (﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾: ابنه وخادمه). أو قال: (الحفَدَةُ: الأنصار والأعوان والخُدَّام). وقال طاووس: (الحفدةُ: الخدمُ). وقال عكرمة: (الحفدة من خَدمك من ولدك وَوَلَدِ ولَدِك). وقال الضحاك: (إنما كانت العرب يخدمُها بنوها).
٣ - وقال العوفي، عن ابن عباس: (بنو امرأة الرجل، ليسوا منه). وقال أيضًا: (هم الأصهار).
стр. 2459
ويقال: "الحفدة": الرجل يعمل بين يدي الرجل، يقال: فلان يحفد لنا أي يعمل لنا.
قلت: وأصل الحَفْد في كلام العرب: خفة العمل. وفي الحديث: "إليك نسعى ونحفدْ": أي نسرع إلى العمل بطاعتك. قال الرازي: (الحَفْد: السرعة. والحَفَدَة: الأعوان والخدم وقيل الأختان وقيل الأصهار وقيل ولدُ الولد، واحدُهم حافِد). فكل ما سبق داخل في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ - وإن كان قوله ﴿مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ يشير بالخصوص إلى أولاد الأولاد وأولاد البنات من الأصهار، فعادة يعيشون في قرب الرجل وخدمته. وغاية الأمر التذكير بنعمة الله تعالى على العبد في المال والأهل والزوجة والولد.
وقوله: ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾. أي: من ألوان المطاعم وأصناف المشارب والملذات الحلال. وقوله: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾. أي: أفبعد كل هذا يصرفون العبادة أو الدعاء والتعظيم للأوثان والأصنام والطواغيت وينسون المنعم المتفضل .
أخرج الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة، وعن أبي سعيد ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : [يُؤتى بالعبد يوم القيامة فيقول له: ألمْ أجْعَلْ لك سمعًا وبصرًا ومالًا وولدًا، وسخرْت لك الأنعام والحرث، وتركتك ترأسُ وتَرْبَعُ، فكنت تظنُّ أنك مُلاقيَّ يَوْمَكَ هذا؟ فيقول: لا. فيقول له: اليوم أنساك كما نسيتني] (١).
٧٣ - ٧٦. قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣) فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧٤) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٧٥) وَضَرَبَ
стр. 2460
اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦)﴾.
في هذه الآيات: ذمُّ الله المشركين في عبادتهم ما لا يملك لهم نفعًا، وتحذيرهم من تشبيه الله بالأشباه والأمثال. وتمثيل الله الكافر والمؤمن، فالكافر رزقه مالًا فعمل بمعصيته تعالى، والمؤمن رزقه كذلك فعمل بطاعته تعالى، فهما لا يستويان مثلًا. وتمثيل الله القائم على دينه والعاجز لا يقدر على خير، فالأول يدعو إلى الحق والعدل، والثاني عاجز مريض عالة لا يصلح لمهمة، فهما كذلك لا يستويان مثلًا.
فقوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾. أي: ورغم كل ما سبق بيانه من نعم الله على العباد، فإن المشركين بالله يعظمون من دونه أوثانا لا تملك لهم رزقًا من السماوات والأرض، فلا تقدر على إنزال القَطْرِ ولا إخراج النبات والثمار، بل ولا تقدر على شيء. قال قتادة: (هذه الأوثان التي تُعْبد من دون الله لا تملك لمن يعبدها رزقًا ولا ضرًا ولا نفعًا، ولا حياة ولا نشورًا).
وقوله: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾. قال ابن عباس: (يعني اتخاذهم الأصنام، يقول: لا تجعلوا معي إلهًا غيري، فإنه لا إله غيري). وقال قتادة: (فإنه أحَدٌ صمد، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد). والمقصود: لا تمثلوا لله الأمثال، ولا تشبهوا له الأشباه، فإنه - تعالى - لا مِثْل له، ولا شِبه.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. قال قتادة: (يقول: والله أيها الناس يعلم خطأ ما تمثلون وتضربون من الأمثال وصوابه، وغير ذلك من سائر الأشياء، وأنتم لا تعلمون صواب ذلك من خطئه).
وقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ الآية - إلى قوله: ﴿وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. قال قتادة: (هذا مثل ضربه الله للكافر، رزقه مالًا فلم يقدِّم فيه خيرًا، ولم يعمل فيه بطاعة الله، قال الله تعالى ذكره ﴿وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا﴾ فهذا المؤمن أعطاه الله مالًا، فعمل فيه بطاعة الله، وأخذ بالشكر، ومعرفة حقّ الله، فأثابه الله على ما رزقه الرزق المقيم الدائم لأهله في الجنة، قال الله تعالى ذكره: ﴿هَلْ
стр. 2461
يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [الزمر: ٢٩]، والله ما يستويان ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾).
وقال مجاهد: (ضرب الله هذا المثل، والمثل الآخر بعده لنفسه، والآلهة التي تعبد من دونه).
يروي ابن جرير ورجاله رجال الصحيح عن ابن عباس: [في قوله : ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ قال: نزلت في رجل من قريش وعبده، وفي قوله: ﴿مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ إلى قوله ﴿وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قال: هو عثمان بن عفان. قال: والأبكم الذي أينما يوجهه لا يأتي بخير ذاك مولى عثمان بن عفان، كان عثمان ينفق عليه ويكفله ويكفيه المؤونة، وكان الآخر يكره الإسلام ويأباه، وينهاه عن الصدقة والمعروف، فنزلت فيهما] (١).
قال قتادة: (﴿لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ هو الوثن ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ قال: الله يأمر بالعدل).
قال النسفي: (الأبكم الذي ولد أخرس فلا يَفْهم ولا يُفهم ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾ أي ثقل وعيال على من يلي أمره ويعوله ﴿أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ حيثما يرسله ويصرفه في مطلب حاجة أو كفاية مهم لم ينفع ولم يأت بنجح ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ أي ومن هو سليم الحواس نفاع ذو كفايات مع رشد وديانة، فهو يأمر بالعدل والخير ﴿وَهُوَ﴾ في نفسه ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ على سيرة صالحة ودين قويم. وهذا مثل ثان ضربه لنفسه ولما يفيض على عباده من آثار رحمته ونعمته وللأصنام التي هي أموات لا تضر ولا تنفع).
٧٧ - ٧٩. قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٧٧) وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ
стр. 2462
تَشْكُرُونَ (٧٨) أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩)﴾.
في هذه الآيات: إثبات الله تعالى أمر الغيب له وتحذيره عباده فجأة الساعة والقيام للحساب. وامتنان من الله تعالى على عباده أن أخرجهم من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئًا فرزقهم السمع والأبصار والأفئدة لإدراك العلوم وفهم المنافع والمضار لعلهم يشكرون. إن في تسخير الله الطيور وحملها في جو السماء لآيات لقوم يؤمنون.
فقوله: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ولله أيها الناس مِلك ما غابَ عن أبصاركم في السماوات والأرض دون آلهتكم التي تدعون من دونه، ودون كل ما سواه، لا يملك ذلك أحد سواه).
وقوله: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. قال قتادة: (هو أن يقول: كن، فهو كلمح البصر، فأمر الساعة كلمح البصر أو أقرب، يعني يقول: أو هو أقرب من لمح البصر).
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠]. أي: يكون ما يريد كطرف العين.
٢ - وقال تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨].
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
امتنان جديد من الله سبحانه على عباده، فهو الذي أخرجهم من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئًا، ثم رزقهم السمع الذي يدركون به الأصوات، والأبصار اللاتي يبصرون بها المحسوسات والمرئيات، والأفئدة - وهي العقول - يميزون بها المنافع من المضرّات، ومركز العقل والفهم هو القلب، وهو مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، لعلهم يعرفون نعمة ربهم عليهم فيقدرونها ويقومُون بحق شكرها.
قلت: وأعظم شكر تلك النعم صرفها في طاعة الله والأمر بالمعروف والنهي عن
стр. 2463
المنكر، فإن ذلك خير عمل الجوارح والقلب، والله سوف يسأل العبد يوم القيامة عن صحته ونعمة العافية. وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [الملك: ٢٣].
٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان: ٢].
ومن كنوز صحيح السنة العطرة في آفاق ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: [نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ] (١).
الحديث الثاني: أخرج الحاكم والبيهقي عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: [اغتنم خمسًا قبلَ خمس: حياتك قَبل موتك، وصحتك قبل سقَمك، وفراغك قبل شغلِكَ، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة، وعن أبي سعيد قالا: قال رسول الله ﷺ : [يُؤتى بالعبد يوم القيامة فيقول له: ألم أجعل لك سمعًا وبصرًا، ومالًا وولدًا، وسخّرت لك الأنعام والحرث، وتركتك ترأس وتَرْبَعُ، فكنت تَظُنّ أنك ملاقيَّ يومَك هذا؟ ] الحديث (٣).
الحديث الرابع: أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: [يقولُ تعالى: من عادى لي وليًا فقد بارزني بالحرب. وما تقرَّبَ إليَّ عبدي بأفضل من أداء ما افترضتُ عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبَّهُ، فإذا أحببتُه كنتُ سمْعَهُ الذي يسمع به، وبصره الذي يُبْصِرُ به، ويده التي يَبْطِشُ بها، ورِجْلَهُ التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينّه، ولئن دعاني
стр. 2464
لأجيبنّه، ولئن استعاذ بي لأعيذَنَّه، وما تردَّدْتُ في شيء أنا فاعله تردُّدي في قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءَتَه، ولا بُدَّ له منه] (١).
يعني: إن العبد إذا صدق الله النية والعمل جعل الله جوارحه منساقة لأمر الله ورضاه، فلا يسمع إلا ما يرضي ربه تعالى، ولا يبصر إلا ما يحب سبحانه، وكذلك أعمال سائر جوارحه.
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. قال قتادة: (﴿فِي جَوِّ السَّمَاءِ﴾: أي في كبد السماء).
وفي التنزيل: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ [الملك: ١٩].
قال النسفي: (﴿مُسَخَّرَاتٍ﴾ مذللات للطيران بما خلق لها من الأجنحة والأسباب المواتية لذلك ﴿فِي جَوِّ السَّمَاءِ﴾ هو الهواء المتباعد من الأرض في سمت العلو ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ﴾ في قبضهن وبسطهن ووقوفهن ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ بقدرته. وفيه نفي لما يصوره الوهم من خاصية القوى الطبيعية ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ بأن الخلق لا غنى به عن الخالق).
٨٠ - ٨٣. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٨٠) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (٨١) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٨٢) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (٨٣)﴾.
في هذه الآيات: امتنان الله على عباده بنعمة البيوت والسكن والفائدة من جلود الأنعام في ذلك. ونعمة الظلال والجبال والسرابيل وآفاق المنافع من وراء هذا الخلق
стр. 2465
والتسخير كذلك. ثم إن أكثر الناس بنعم الله يجحدون، وقليل من عباد الله الذين يشكرون.
فقوله: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾ الآية. قال مجاهد: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾ قال: تسكنون فيه). وعن ابن عباس: (﴿أَثَاثًا﴾، قال: يعني بالأثاث: المال). وقال مجاهد: (﴿أَثَاثًا﴾: متاعًا). وقيل: هو الثياب. وقوله: ﴿وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ قال مجاهد: (إلى الموت). وقال ابن عباس: (﴿وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ فإنه يعني: زينة، يقول: ينتفعون به إلى حين). وقال قتادة: (إلى أجل وبلغة).
فالمعنى: والله جعل لكم أيها الناس من الحجر والمدر بيوتًا تسكنون فيها حين إقامتكم في دوركم وبلادكم، وجعل لكم خيامًا من الشعر والصوف والوبر والجلد تستخفون حملها ونقلها في أسفاركم لإقامة متنقلة وأيام محدودة، كما تستفيدون منها لإقامتكم في بلادكم وأمصاركم. قال ابن كثير: (﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا﴾، أي: الغنم، ﴿وَأَوْبَارِهَا﴾، أي: الإبل. ﴿وَأَشْعَارِهَا﴾، أي: المَعْزِ - والضمير عائد على الأنعام - ﴿أَثَاثًا﴾، أي: تتخذون منه أثاثًا، وهو المال. وقيل: المتاع. وقيل: الثياب. والصحيح أعمُّ من هذا كلِّه، فإنه يتخذ منه الأثاث والبُسْط والثياب وغير ذلك، ويُتَّخَذُ مالًا وتجارة. وقوله: ﴿إِلَى حِينٍ﴾، أي: إلى أجل مسمى ووقت معلوم).
وقوله: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا﴾. قال قتادة: (إي والله. . . من الشجر ومن غيرها). وقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾ - أي حصونًا ومعاقل ومواضع تسكنون فيها، والأكنان: جمع كِنّ (١). قال الرازي: (الكِنّ: السُّترة. والأكِنّة: الأغطية). قال قتادة: (﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾ يقول: غيرانًا من الجبال يسكن فيها).
وقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾. قال قتادة: (يعني ثياب القطن والكتان والصوف وقمصها). وقوله: ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾. وهي الدروع التي تقي الناس في الحرب وما شابهها. قال قتادة: (هي سرابيل من حديد). والمراد دروع الحديد المصفَّح والزَّرَدِ ونحوها مما يرد سلاح العدو أثناء القتال ويصد ضرباته.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾. قال قتادة: (هذه السورة
стр. 2466
تسمّى سورة النِّعَم). قال النسفي: (أي تنظرون في نعمته الفائضة فتؤمنون به وتنقادون له).
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾. قال القرطبي: (﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي أعرضوا عن النظر والاستدلال والإيمان. ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ أي ليس عليك إلا التبليغ، وأما الهداية فإلينا).
وقوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ - فيه أكثر من تأويل:
١ - قال السدي: (يعني محمدًا ﷺ ، أي يعرفون نبوته ﴿ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ ويكذبونه).
٢ - قال مجاهد: (يريد ما عدّد الله عليهم في هذه السورة من النعم، أي يعرفون أنها من عند الله وينكرونها بقولهم إنهم ورثوا ذلك عن آبائهم).
٣ - قال عَوْنُ بن عبد الله: (هو قول الرجل لولا فلان لكان كذا، ولولا فلان ما أصبت كذا، وهم يعرفون النفع والضر من عند الله).
٤ - وقال الكلبي: (هو أن رسول الله ﷺ لما عرَّفهم بهذه النعم كلها عرفوها وقالوا: نَعَمْ، هي كلها نِعَم من الله، ولكنها بشفاعة آلهتنا).
٥ - وقيل: يعرفون نعمة الله بتقلبهم فيها، وينكرونها بترك الشكر عليها.
٦ - وقيل: يعرفونها في الشّدة وينكرونها في الرخاء.
٧ - وقيل: يعرفونها بأقوالهم وينكرونها بأفعالهم.
٨ - وقيل: يعرفونها بقلوبهم ويجحدونها بألسنتهم.
قلت: وجميع ما سبق مما يحتمل التأويل، ويتسع له البيان الإلهي والإعجاز القرآني.
وقوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ - قيل المراد جميعهم، وقيل المراد أغلبهم.
٨٤ - ٨٨. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤) وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ
стр. 2467
يُنْظَرُونَ (٨٥) وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ (٨٦) وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٨٧) الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨)﴾.
في هذه الآيات: تحذير الله عباده اليوم الموعود، يوم يبعث الله فيه الشهود، فلا يؤذن بالاعتذار للذين كفروا، ولا يخفف العذاب عن الذين ظلموا، ولا يلقى الشركاء إلا التكذيب والخزي من الذين أشركوا، ويزيد الله الكافرين الذين كانوا يصدون عن سبيل الله عذابًا فوق العذاب بما كانوا يفسدون.
فقوله: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾. قال قتادة: (وشاهدها نبيّها، على أنه قد بلغ رسالات ربه، قال الله تعالى: ﴿وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾).
وقوله: ﴿ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: ثم لا يؤذن للذين كفروا في الاعتذار، فيعتذروا مما كانوا بالله وبرسوله يكفرون ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ فيتركوا الرجوع إلى الدنيا، فينيبوا ويتوبوا، وذلك كما قال تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾).
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾.
أي: إذا عاين المشركون الذين كذّبوا الرسِل عذاب جهنم بالدخول إليها فإنهم لا يخفف عنهم عذابها بالعذر الذي يلقونه ولا يُفَتَّرُ عنهم ساعة، ولا يُرجَؤون بالعقاب فقد فات وقت التوبة.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.
أي: وإذا أبصر المشركون يوم الحساب أوثانهم وأصنامهم والطواغيت التي كانوا يعبدونها من دون الله تقودهم إلى النار بأمر الله، قالوا ربنا هؤلاء الذين اتخذناهم أربابًا وجعلناهم لك شركاء، فكذبتهم الآلهة بأنها لم تكن آلهة ولا أمرتهم بعبادتها. قال القرطبي: (فيُنطق الله الأصنامَ حتى تظهر عند ذلك فضيحة الكفار. وقيل: المراد بذلك الملائكة الذين عبدوهم).
стр. 2468
وقال أبو مسلم الأصفهانيّ: (مقصود المشركين إحالة هذا الذنب على هذه الأصنام. وظنوا أنّ ذلك ينجيهم من عذاب الله تعالى أو ينقص من عذابهم. فعند هذا تكذبهم تلك الأصنام) - ذكره القاسمي.
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥, ٦].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨١, ٨٢].
٣ - وقال تعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥].
ومن كنوز صحيح السنة في مفهوم هذه الآية أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [يَجْمعُ الله الناس يوم القيامة فيقولُ: مَنْ كان يَعْبُدُ شيئًا فليتَّبعْه، فَيتَّبِعُ مَنْ كان يَعْبُدُ الشمسَ الشمسَ، وَيَتَّبِعُ مَنْ كان يعبدُ القمرَ القمرَ، ويَتَّبِعُ مَنْ كان يعبد الطواغيتَ الطواغيتَ. .] الحديث (١).
الحديث الثاني: أخرج الدارمي في سننه بسند جيد عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [إذا جمع الله العباد بصعيد واحد نادى مناد: يلحق كل قوم بما كانوا يعبدون، ويبقى الناس على حالهم، فيأتيهم فيقول: ما بال الناس ذهبوا وأنتم ها هنا؟ فيقولون: ننتظر إلهنا، فيقول: هل تعرفونه؟ فيقولون: إذا تعرف إلينا عرفناه، فيكشف لهم عن ساقه، فيقعون سجدًا، وذلك قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾، ويبقى كل منافق، فلا يستطيع أن يسجد، ثم يقودهم إلى الجنة] (٢).
стр. 2469
وقوله تعالى: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.
أي: استسلم المشركون لعذاب الله وخضعوا لِعِزِّه، وزال عنهم ما كان من تزيين الشيطان لهم في شفاعة آلهتهم، وخاب ما كانوا يؤمّلون من ذلك. قال قتادة: (﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ يقول: ذلوا واستسلموا يومئذ).
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾. قال القاسمي: (أي يضاعف لهم العذاب كما ضاعفوا كفرهم بصدهم غيرهم عن الإيمان، كقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٦]. وفي الآية دليل على تفاوت الكفار في عذابهم، كما يتفاوت المؤمنون في منازلهم في الجنة ودرجاتهم. كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨]).
٨٩ - ٩٢. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩) إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٩١) وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٩٢)﴾.
في هذه الآيات: اختصاص الله تعالى نبيّه محمدًا ﷺ بالشهادة على الأمم، وبالقرآن المبين الذي يحمل الهدى والرحمة والبشرى للمسلمين أولي الهمم. وأمْرُ الله تعالى عباده المؤمنين بالعدل والإحسان، وتحذيرهم الفواحش والموبقات والطغيان، وتنبيههم على تعظيم أمر الأَيمان، فإليه يرجع يوم القيامة جميع الأنام.
فقوله: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾. تشريف من الله تعالى لنبيه محمد ﷺ في اختصاصه برفيع المقام يوم حشر الخلائق،
стр. 2470
وجعل شهادته الحكم الفصل على أعمال أمته وتصديقهم له أو تكذيبهم، وعلى بلاغ الرسل لأممهم.
وفي التنزيل: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١].
ومن كنوز صحيح السنة في آفاق معنى الآية أحاديث:
الحديث الأول: أخرج أحمد والبخاري عن أبي سعيد ﵁، عن النبي ﷺ قال: [يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان، والنبي ومعه الثلاثة، وأكثر من ذلك، فَيُقال له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم. فيُدعى قومه، فيقال لهم: هل بلّغكم هذا؟ فيقولون: لا، فيقال له: من يشهد لكَ، فيقول: محمدٌ وأمته، فيدعى محمدٌ وأمته، فيُقال لهم: هل بَلّغَ هذا قومه؟ فيقولون: نعم، فَيُقال: وما علمكم بذلك؟ فيقولون: جاءنا نبيّنا، فأخبرنا أن الرسل قد بلَّغوا فصدَّقناه، فذلك قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾] (١).
الحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه، وأحمد في مسنده، والترمذي في جامعه، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: [يجيء نوحٌ وأمَّته، فيقول الله: هل بَلَّغت؟ فيقول: نعم أي ربِّ! فيقول لأمته: هل بَلَّغَكُم؟ فيقولون: لا، ما جاء لنا من نبيّ، فيقول لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمّته، وهو قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾. والوسط: العدل، فيُدعون، فيشهدون له بالبلاغ، ثم أشهد عليكم] (٢).
الحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال لي النبي ﷺ : [اقرأ عليَّ القرآن، فقلت: يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: إني أحب أن أسمعه من غيري. فقرأت عليه سورة النساء حتى جئت إلى هذه
стр. 2471
الآية: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ قال: حسبك الآن. فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان] (١).
وقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾. قال مجاهد: (مما أحل وحرّم). أو قال: (ما أمر به، وما نهى عنه). وقال ابن مسعود: (أنزل في هذا القرآن كل علم وكل شيء، فقد بيّن لنا في القرآن، ثم تلا هذه الآية). وقول ابن مسعود أشمل لمعنى الآية، فالقرآن مشتمل على كل ما يحتاج إليه العباد من معرفة أمر دينهم ودنياهم، ومعاشهم ومعادهم.
وقوله: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾. قال ابن جرير: (﴿وَهُدًى﴾ من الضلالة ﴿وَرَحْمَةً﴾ لمن صَدَّق به، وعمل بما فيه من حدود الله، وأمره ونهيه، فاحل حلاله، وحرّم حرامه ﴿وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ يقول: وبشارة لمن أطاع الله وخضع له بالتوحيد، وأذعن له بالطاعة، يبشره بجزيل ثوابه في الآخرة، وعظيم كرامته).
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾. أَمْرٌ من الله بالقسط، وندب إلى الإحسان، وصلة القرابة والأرحام. وعن ابن عباس: (﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾، قال: شهادة أن لا إله إلا الله). وقال سفيان بن عُيينة: (العدل في هذا الموضع هو استواء السريرة والعلانية من كلِّ عاملٍ لله عملًا. والإحسان أن تكون سريرتُه أحسنَ من علانيته. والفحشاء والمنكر أن تكون علانيته أحسنَ من سريرته).
وفي التنزيل حثٌّ على الإحسان وصلة الأرحام:
١ - قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦].
٣ - وقال تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦].
ومن صحيح السنة العطرة في ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم من حديث أبي هريرة قال: [كان رسول الله ﷺ
стр. 2472
يومًا بارزًا للناس، فأتاه رجل فقال: يا رسول الله ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتابه ولقائه ورسله، وتؤمن بالبعث الآخر. قال يا رسول الله ما الإسلام؟ قال: الإسلام أن تعبُدَ ألله ولا تشرك به شيئًا، وتُقيمَ الصلاةَ المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان. قال: يا رسول الله ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإنك إن لا تراه، فإنه يراك. .] الحديث (١).
الحديث الثاني: أخرج البخاري في "الأدب المفرد"، وأبو داود في السنن من حديث أبي بكرة عن النبي ﷺ قال: [ما من ذنب أجدرُ أن يُعَجَّلَ لصاحبه العقوبةُ مع ما يدخر له، من البغي وقطيعة الرحم] (٢).
الحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن جبير بن مطعم، أن رسول الله ﷺ قال: [لا يدخل الجنة قاطِع] (٣). قال سفيان: (يعني قاطع رحم).
وقوله: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾. أي عن الكبائر والمنكرات والعدوان على الناس. قال ابن عباس: (الفحشاء: الزنا، والبغي: الكبر والظلم). وعن قتادة - في هذه الآية - قال: (ليس من خُلُق حسن كان أهل الجاهلية يعملون به ويستحسنونه إلا أمر الله به. وليس من خُلُق سَيّء كانوا يتعايَرُونه بينهم إلا نهى الله عنه وقدَّمَ فيه. وإنما نهى عن سفاسف الأخلاق ومَذَامِّها). قال ابن كثير: (فالفواحش: المحرمات. والمنكرات ما ظَهَرَ منها من فاعليها، ولهذا قال في الموضع الآخر: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٣٣]. وأما البغي فهو العدوان على الناس).
قلت: والبغي عقوبته معجلة في الدنيا قبل الآخرة، ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب.
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [الحج: ٧١].
стр. 2473
٢ - وقال تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨].
ومن كنوز صحيح السنة في ذلك:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم عن جابر، أن رسول الله ﷺ قال: [اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشُّحَ فإن الشُّحَ أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم] (١).
الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الله لَيُمْلي للظالم، فإذا أخذه لم يُفْلِتْهُ، ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾] (٢).
وقوله: ﴿يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: يذكركم أيها الناس ربكم لتذكروا فتنيبوا إلى أمره ونهيه، وتعرفوا الحقّ لأهله).
وقوله: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾. أَمْرٌ من الله تعالى عباده بالوفاء بالعهود والمواثيق، والمحافظة على الأيمان المؤكّدة. قال مجاهد: (﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ يقول: بعد تشديدها وتغليظها. ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ قال: وكيلًا).
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤].
ومن كنوز السنة في آفاق معنى الآية، أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم من حديث أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : [لكل غادرٍ لواء يوم القيامة، يقال: هذه غَدْرةُ فلان] (٣).
الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد مرفوعًا:
стр. 2474
[لكل غادر لواء عند اسْتِه يوم القيامة يُرْفَعُ له بِقَدْرِ غَدْرِه، ألا ولا غادِرَ أعظمُ غدرًا من أمير عامة] (١).
الحديث الثالث: أخرج أبو داود والحاكم بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [المسلمون على شُروطهم] (٢).
الحديث الرابع: أخرج ابن حبان في صحيحه عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [مَنْ غَشَّنَا فليس منا، والمكر والخداعُ في النار] (٣).
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾. قال ابن كثير: (تهديد ووعيد لمن نقضَ الأيمانَ بعد توكيدها).
وقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾. قال السدي: (هي خَرْقَاءُ بمكة كانت إذا أبرمت غزلها نقضته). وقال قتادة: (فلو سمعتم بامرأة نقضت غزلها من بعد إبرامه لقلتم: ما أحمق هذه! وهذا مثل ضربه الله لمن نكث عهده). وقال مجاهد: (غزلها: حبلها، تنقضه بعد إبرامها إياه، ولا تنتفع به بعد). وقوله: ﴿أَنْكَاثًا﴾ يعني: أنقاضًا. والمقصود نقض العهد. قال ابن جرير: (﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾: تجعلون أيمانكم التي تحلفون بها على أنكم موفون بالعهد لمن عاقدتموه ﴿دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ يقول: خديعة وغرورًا ليطمئنوا إليكم، وأنتم مضمرون لهم الغدر، وترك الوفاء بالعهد، والنُّقلة عنهم إلى غيرهم من أجل أن غيرهم أكثر عددًا منهم).
وعن ابن عباس: (﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ يقول: أكثر) أو قال: (يقول: ناس أكثر من ناس). قال مجاهد: (كانوا يحالفون الحلفاء، فيجدون أكثر منهم وأعزّ، فينقضون حِلْفَ هؤلاء، ويحالفون هؤلاء الذين هم أعزّ منهم، فنهوا عن ذلك). وعن قتادة: (﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ يقول: خيانة وغدرًا بينكم ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ أن يكون قوم أعزّ وأكثر من قوم).
стр. 2475
وفي لغة العرب: أربى - على وزن أفعل - من الربا، هذا أربى من هذا، إذا كان أكثر منه.
وقوله: ﴿إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾. قال سعيد بن جبير: (﴿إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ﴾، يعني بالكثرة). وقال ابن جرير: (أي بأمره إياكم بالوفاء بالعهد). ثم قال: (وليبينن لكم أيها الناس ربكم يوم القيامة إذا وردتم عليه بمجازاة كلّ فريق منكم على عمله في الدنيا، المحسن منكم بإحسانه، والمسيء بإساءته).
وفي التنزيل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨].
وفي صحيح السنة العطرة في آفاق ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج أبو داود والترمذي بسند صحيح عن أبي بكرة مرفوعًا: [ما مِنْ ذَنْبٍ أجدرُ أن يعجل الله تعالى لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدّخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم] (١).
الحديث الثاني: أخرج الطبراني بسند جيد عن أبي بكرة مرفوعًا: [ما مِنْ ذَنْبٍ أجدرُ أن يُعَجِّلَ الله تعالى لصاحبه العقوبةَ في الدنيا، مع ما يَدَّخِره له في الآخرة من قطيعة الرحم، والخيانةِ، والكذب، وإنَّ أعجلَ الطاعة ثوابًا لصلة الرحم، حتى إن أهلَ البيتِ ليكونوا فَجَرَة، فتنمو أموالهم، ويكثر عددهم، إذا تواصلوا] (٢).
الحديث الثالث: أخرج البيهقي في "السنن الكبرى" - بسند صحيح في الشواهد - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [ليس شيء أُطيعَ اللهُ فيه أعجلَ ثوابًا من صلة الرحم، وليس شيء أعجل عقابًا من البغي وقطيعة الرحم، واليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع] (٣).
стр. 2476
وله شاهد عند الطبراني في "الأوسط" من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [إن أعجلَ الطاعة ثوابًا صلة الرحم، وإن أهل البيت ليكونون فجارًا، فتنمو أموالهم، ويكثر عددهم، إذا وصلوا أرحامهم، وإن أعجل المعصية عقوبة البغي والخيانة، واليمين الغموس يذهب المال، ويثقل في الرحم، ويذر الديار بلاقع].
٩٣ - ٩٧. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣) وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٩٤) وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩٥) مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾.
في هذه الآيات: إثبات الله قَهْر مشيئته كل مشيئة، فهو - تعالى - يضل من يشاء ويهدي من يشاء بحكمته، وإليه المرجع للحساب جلّت عظمته. وتحذير منه سبحانه من اتخاذ الأيمان خديعة ومكرًا، والشراء بعهده ثمنًا قليلًا. وتبشير المؤمنين أهل الأعمال الصالحة الرفيعة، بحياة طيبة في الدنيا والآخرة.
فقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
قال النسفي: (﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ حنيفة مسلمة ﴿وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ من علم منه اختيار الضلالة ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ من علم منه اختيار الهداية ﴿وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يوم القيامة فتجزون به).
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩].
стр. 2477
٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٨, ١١٩].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
قال ابن كثير: (حذّر تعالى عباده من اتخاذ الأيمان دخلًا، أي: خديعةً ومَكْرًا، لئلا تَزِلَّ قدمٌ بعد ثبوتها، مثل لمن كان على استقامةٍ فحادَ عنها وزَلَّ عن طريق الهدى، بسبب الأيمان الحانثة المشتملة على الصدِّ عن سبيل الله، لأن الكافر إذا رأى أن المؤمن قد عاهده ثم غَدَر به لم يبق له وثوقٌ بالدين، فانصدّ بسببه عن الدخول في الإسلام، ولهذا قال: ﴿وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. قال القاسمي: (أي: لا تستبدلوا بعهد الله وبيعة رسوله عرضًا من الدنيا يسيرًا. وهو ما كانت قريش يَعِدُونهم ويمنونهم، إن ارتدوا ﴿إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي من إظهاركم في الدنيا وإثابتكم في الآخرة ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي من ذوي العلم والتمييز).
وقوله تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. أي: كل ما عندكم أيها الناس وإن كَثُرَ لنافد فانٍ، وما عند الله خير وأبقى لمن صبر وعمل صالحًا، وليثيبَنَّ الله الذين صبروا بأجر أحسن أعمالهم. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وليثيبن الله الذين صبروا على طاعتهم إياه في السّراء والضّراء، ثوابهم يوم القيامة على صبرهم عليها، ومسارعتهم في رضاه، بأحسن ما كانوا يعملون من الأعمال دون أسوئها، وليغفرن الله لهم سيئها بفضله).
وقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
وعْدٌ من الله تعالى للمؤمنين أهل العمل الصالح أن يحييهم - سبحانه - حياة طيبة في الدنيا وأن يجازيهم بأحسن أعمالهم في الآخرة.
وقد اشتملت أقوال أهل التأويل في هذه الآية على معان كثيرة متكاملة:
١ - قال ابن عباس: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ قال: الحياة الطيبة: الرزق الحلال في
стр. 2478
الدنيا). وفي لفظ: (الرزق الحسن في الدنيا). وفي لفظ آخر: (الرزق الطيب في الدنيا). وقال الضحاك: (الرزق الطيب الحلال).
٢ - قال الحسن البصري: (الحياة الطيبة: القناعة).
٣ - قال الضحاك: (يقول: من عمل عملًا صالحًا وهو مؤمن في فاقة أو ميسرة، فحياته طيبة، ومن أعرض عن ذكر الله فلم يؤمن ولم يعمل صالحًا، عيشته ضنكة لا خير فيها).
٤ - قال قتادة: (قوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾، فإن الله لا يشاء عملًا إلا في إخلاص، ويوجب من عمل ذلك في إيمان، قال الله تعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ وهي الجنة). وقال مجاهد: (الآخرة، يحييهم حياة طيبة في الآخرة). وقال الحسن: (ما تطيب الحياة لأحد إلا في الجنة).
٥ - وقيل: المقصود بالحياة الطيبة: السعادة، ذكره ابن عباس.
قلت: والحياة الطيبة تشمل كل ما ذكر وأكثر، وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذه المعاني في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد والحاكم بسند صحيح عن معاذ بن عبد الله بن خُبيب عن أبيه عن عمه قال: كنا في مجلس، فجاء النبي ﷺ وعلى رأسه أثر ماء، فقال له بعضنا (١): نراك اليوم طيب النفس، فقال: أجل، والحمد لله، ثم أفاض القوم في ذكر الغنى، فقال: [لا بأس بالغنى لمن اتقى، والصحة لمن اتقى خير من الغنى، وطيب النفس من النعيم] (٢).
الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﷺ قال: [قد أفلحَ من أسلم ورزق كَفَافًا، وقَنَّعه الله بما آتاه] (٣).
وله شاهد عند الترمذي من حديث فضَالة بن عُبيد: أنه سَمِعَ رسول الله ﷺ يقول:
стр. 2479
[قد أفلح من هُدِيَ إلى الإسلام، وكان عيشه كَفَافًا، وَقَنِعَ به] (١).
الحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : [إنَّ الله لا يظلم المؤمن حسنةً، يُعْطَى بها في الدنيا ويثاب عليها في الآخرة. وأما الكافر فيُطعم بحسناته في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يُعْطى بها خيرًا] (٢).
الحديث الرابع: أخرج الحاكم وابن حبان بسند صحيح عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله ﷺ : [أربع من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهنيء. وأربع من الشقاء: المرأة السوء، والجار السوء، والمركب السوء، والمسكن الضيق] (٣).
٩٨ - ١٠٠. قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾.
في هذه الآيات: أَمْرُ الله تعالى عباده بالاستعاذة به من الشيطان الرجيم عند تلاوة القرآن، فإن الشيطان ليس له سلطان على أهل الإيمان، إنما سلطانه على الذين يتولونه من أهل الشرك والطغيان.
فقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾.
قال ابن زيد: (فهذا دليل من الله تعالى دلّ عباده عليه). قلت: والأمر بالاستعاذة - خارج الصلاة - عند تلاوة القرآن هو للوجوب، كما هو داخل الصلاة لعموم الأمر. قال ابن كثير: (والمعنئ في الاستعاذة عند ابتداء القراءة، لئلا تَلْتَبِسَ على القارئ قراءته ويُخْلَطَ عليه، ويمنَعه من التدبر والتفكر).
стр. 2480
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾.
قال الثوري: (ليس له عليهم سلطان أن يوقعهم في ذنب لا يتوبون منه). وقيل: المعنى: لا حجة له عليهم. وقيل: ليس له تسلط وولاية على المؤمنين. قال النسفي: (فالمؤمن المتوكل لا يقبل منه وساوسه). قلت: وكل ما سبق داخل في آفاق مفهوم هذه الآية، فإن صدق الإيمان بالله والتوكل عليه حرز من الشيطان.
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢].
٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٥].
٣ - وقال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٣٩, ٤٠].
وفي صحيح السنة المطهرة من آفاق هذا المعنى أحاديث:
الحديث الأول: روى أحمد في المسند، بسند صحيح، عن سبرة، عن النبي ﷺ قال: [إنّ الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه، فقعد بطريق الإسلام فقال: تُسلِمُ وتذرُ دينك ودينَ آبائك وآباء آبائك؟ ! فعصاه فأسلم، ثم قعد له بطريق الهجرة فقال: تهاجر وتدع أرضك وسماءك. . . فعصاه فهاجر. ثم قعد له بطريق الجهاد فقال: تجاهد فهو جهد النفس والمال، فتقاتل فَتُقتَل فتنكح المرأة ويقسم المال؟ ! فعصاه فجاهد] (١).
الحديث الثاني: أخرج الحاكم والبيهقي بسند صحيح عن أبي سعيد ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: [إنّ الشيطان قال: وعزتك يا رب لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الرب ﵎: وعزتي وجلالي: لا أزال أغفر لهم ما استغفروني] (٢).
стр. 2481
الحديث الثالث: روى مسلم عن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [إنّ الشيطان قد أيِسَ أن يعبدَه المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم] (١).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾.
قال مجاهد: (﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ﴾: حجته. ﴿عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ , قال: يطيعونه). وقال قتادة: (﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ يقول: الذين يطيعونه ويعبدونه). وقال الضحاك: (﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ - عدلوا إبليس بربهم، فإنهم بالله مشركون). وقال مجاهد: (يعدلون بربّ العالمين). وقال الربيع: (أشركوه في أعمالهم). قال ابن كثير: (ويحتمل أن تكون الباء سببية، أي: صاروا بسبب طاعتهم للشيطان مشركين بالله تعالى. وقال آخرون: معناه أنه شرِكهم في الأموال والأولاد).
قلت: وكل ما سبق داخل في مفهوم الآية، فإن الشيطان يكتسب سلطانه من خضوع الناس له وطاعتهم لأوامره ووساوسه، حتى يضعف المطيع له أكثر وأكثر، وربما يحصل التلبّس والمسّ والصرع والدخول المؤذي وما يرافقه من النفث في العقد والسحر وغير ذلك.
ومن هنا جاءت النصوص الشرعية بمخالفته واتخاذه عدوًا فإنه رجيم.
ففي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: ١٦٨].
٢ - وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: ٢٠٨].
٣ - وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [النور: ٢١].
وفي صحيح السنة - في آفاق معنى الآية - أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: [إذا قرأ ابن آدم السجدةَ فسجد، اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله أُمِرَ ابنُ
стр. 2482
آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأُمِرْتُ بالسجود فعصيت فليَ النار] (١).
الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم عن جابر، عن رسول الله ﷺ قال: [لا تأكلوا بالشمال، فإن الشيطان يأكل بالشمال] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم عن أبيِ الزبير، عن جابر بن عبد الله، أنه سمع النبي ﷺ يقول: [إذا دخل الرجل بَيْتَهُ، فذَكَرَ الله عِنْدَ دُخوله وعند طعامِه، قال الشيطان: لا مَبيتَ لَكُمْ ولا عَشَاء، وإذا دخلَ فلمْ يذكر اللهَ عند دخوله، قال الشيطان: أدركتم المبيت. وإذا لمْ يذكر الله عند طَعامه، قال: أدركتم المبيتَ والعَشَاء] (٣).
١٠١ - ١٠٥. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٠٥)﴾.
في هذه الآيات: إثبات ضعف عقول المشركين، أمام منهج التشريع في القرآن الكريم، الذي نزل به الروح الأمين، ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين، فهم يقولون إنما يعلمه بشر أعجمي وهذا لسان عربي مبين، والمشركون محرومون من الهداية ولهم عذاب أليم، فما يفتري النبي الكذب بل أولئك هم الكاذبون.
فقوله: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ - يعني رفعناها ونسخناها بغيرها. قال
стр. 2483
مجاهد: (نسخناها، بدّلناها، رفعناها، وأثبتنا غيرها). وقال قتادة: (هو كقوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]).
وقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
أي: إن ذلك من فعل الله تعالى بحكمته وعلمه ينسخ ما يشاء من الآيات والأحكام ويثبت ما يشاء. ولكن ضعف عقول المشركين يحملهم على اتهام الرسول ﷺ وأكثرهم جاهلون. قال ابن زيد: (قالوا: إنما أنت مفتر، تأتي بشيء وتنقضه، فتأتي بغيره. قال: وهذا التبديل ناسخ، ولا نبدّل آية مكان آية إلا بنسخ).
وقوله: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾. أي: نزل به جبريل ﵇ من عند ربه سبحانه بالصدق والعدل. قال محمد بن كعب: (روح القُدس: جبرئيل).
وقوله: ﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾. قال ابن كثير: (﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، فَيُصدِّقوا بما نزل أولًا وثانيًا وتُخْبِتَ له قلوبهم، ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾، أي: وجعله هاديًا وبشارة للمسلمين الذين آمنوا بالله ورسله).
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾.
اتهام للنبي ﷺ بأخذ العلم عن بعض الأعاجم، فكذبهم الله تعالى.
أخرج ابن جرير - ورجاله رجال الصحيح - عن حُصين - وهو ابن عبد الرحمن - عن عبد الله بن مسلم الحضرمي: [أنه كان لهم عبدان من أهل عير اليمن، وكانا طفلين، وكان يُقال لأحدهما يسار، والآخر جبر، فكانا يقرآن التوراة، وكان رسول الله ﷺ ربما جلس إليهما، فقال كفار قريش: إنما يجلس إليهما يتعلم منهما، فأنزل الله تعالى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾] (١).
قال ابن جرير: (يقول الله تعالى ذكره مكذّبهم في قيلهم ذلك: ألا تعلمون كذب ما تقولون، إن لسان الذي تلحدون إليه، يقول: تميلون إليه بأنه يعلم محمدًا أعجميّ. . يقول: وهذا القرآن لسان عربي مبين).
стр. 2484
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾.
أي: إن الذين لا يؤمنون بهذا القرآن إعراضًا عنه وكبرًا أن يفهموه ويُصْغوا إليه قد أقفل الله قلوبهم وتوعدهم بعذاب أليم. إنما يليق افتراء الكذب بمن لا يؤمن بآيات الله عنادًا واستكبارًا وأولئك هم الكاذبون. قال القرطبي: (قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ هذا جواب وصفهم النبي ﷺ بالافتراء. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ هذا مبالغة في وصفهم بالكذب، أي كل كذب قليل بالنسبة إلى كذبهم).
وفي صحيح البخاري من حديث أبي سفيان بن حرب - لما سأل هرقل أبا سفيان عن صفات رسول الله ﷺ قال: [أفكنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: لا. فقال هرقل: فما كان ليدَعَ الكذبَ على الناس ويذهبَ فيكذِبَ على الله، ] (١).
١٠٦ - ١٠٩. قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (١٠٧) أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٠٨) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٠٩)﴾.
في هذه الآيات: استثناء المكره على الكفر من الوقوع في الكفر، ولكن من شرح بالكفر صدرًا لزمه تبعات الكفر وله عذاب عظيم. أولئك الذين استحبوا الدنيا على الآخرة والله لا يهدي القوم الكافرين. أولئك الذين ختم الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم مقابل إصرارهم فأصبحوا خاسرين.
فقوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ
стр. 2485
وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
قال ابن عباس: (فأخبر الله سبحانه أنه من كفر من بعد إيمانه، فعليه غضب من الله، وله عذاب عظيم، فأما من أكره فتكلم به لسانه وخالفه قلبه بالإيمان لينجو من عدوه، فلا حرج عليه، لأن الله سبحانه إنما يأخذ العباد بما عقدت عليه قلوبهم).
قال ابن جرير: حدثنا ابنُ عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثَور، عن مَعْمَرٍ، عن عبد الكريم الجَزرِيّ، عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال: (أخذ المشركون عمار بن ياسر فعذّبوه حتى قارَبَهُم في بعض ما أرادوا، فشكا ذلك إلى النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : "كيفَ تَجدُ قَلْبَكَ"؟ قال: مُطْمَئِنًّا بالإيمان. قال النبي ﷺ : "إن عادوا فَعُدْ") (١).
والثبات على الدين أفضل، وهو أغيظ للمشركين، وأرضى لله سبحانه، فمن لم يستطع فيجوز له أن يُوالي على الكفر - عند الإكراه - إبقاءً لمهجته. فهذا بلال ﵁ قد ثبت على دينه رغم الأفاعيل التي كانوا يؤذونه فيها، وقد وضعوا الصخرة العظيمة على صدره في شدة الحر، وهو يقول: أحدٌ أحدٌ، ويأبى أن ينطق بكلمة الكفر التي تفرحهم، وكذلك حبيبُ بن زيد الأنصاري لما قال له مُسَيْلَمَةُ الكذاب: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ فيقول: نعم. فيقول: أتشهد أني رسول الله؟ فيقول: لا أسمع. فلم يزل يقطعه إرْبًا إرْبًا وهو ثابت على ذلك.
وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الله بن حُذافة السهمي أحد الصحابة: (أنه أسرته الروم، فجاؤوا به إلى مَلِكهم، فقال له: تَنَصَّر وأنا أشرَكك في ملكي وأزوجك ابنتي. فقال له: لو أعطيتني جميعَ ما تملك وجميعَ ما تملكه العربُ على أن أرجِعَ عن دين محمد ﷺ طرفةَ عين ما فعلمتُ! فقال: إذن أقتلك. قال: أنت وذاك! قال: فَأمرَ به فَصُلِبَ، وأمر الرماة فرَموه قريبًا من يديه ورِجْلَيْه، وهو يعرض عليه دين النصرانية فيأبى، ثم أمر به فَأُنزل، ثم أمر بقدر - وفي رواية: ببقرة من نحاس - فَأُحْميت، وجاء بأسير من المسلمين فألقاه وهو ينظر، فإذا هو عظامٌ تلوحُ. وعَرَض عليه فأبى، فأمر به أن يُلقى فيها، فرفع في البكْرَةِ لِيُلْقَى، فبكى، فطمع فيه ودعاه فقال له: إني إنما بكيت
стр. 2486
لأن نفسي إنما هي واحدة، تلقى في هذا القدر الساعةَ في الله، فأحببتُ أن يكونَ لي بعَددِ كُلِّ شعرة في جسدي نفسٌ تُعذَّبُ هذا العذاب في الله).
وقد ذكره الحافظ ابن كثير في التفسير، ثم قال: (وفي بعض الروايات: أنه سجنه وَمنعَ عنه الطعام والشراب أيامًا، ثم أرسل إليه بخمر ولحم خنزير، فلم يَقْرَبه، ثم استدعاه فقال: ما منعك أن تأكُلَ؟ قال: أما إنه قد حَلّ لي، ولكن لم أكن لأشمِّتك فيّ. فقال له الملك: فَقَبِّل رأسي وأنا أطْلِقُكَ. فقال: وتطلق معي جميع أسارى المسلمين؟ قال: نعم، فَقَبَّلَ رأسه، فاطلقه وأطلق معه جميع أسارى المسلمين عنده، فلما رجع قال عمر بن الخطاب ﵁: حقٌّ على كل مسلم أن يُقَبِّلَ رأس عبد الله بن حُذافة، وأنا أبدأ. فقام فَقَبَّلَ رأسه، ﵄.
وأما الرِّدة عن الإسلام بعد الدخول فيه فيدخل في وعيد الآية، وهو العذاب العظيم في الآخرة، نتيجة لغضب الله وسخطه، إضافة إلى خزي عذاب الدنيا. وفي ذلك أحاديث.
الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن عكرمة: [أن عَلِيًّا ﵁ حَرَّقَ قَوْمًا، فَبَلَغَ ابن عَباس فقال: لوْ كنْتُ أنا لم أُحَرِّقْهُمْ، لأن النبي ﷺ قال: لا تُعَذِّبُوا بعذاب الله. وَلَقَتَلْتُهُمْ كما قال النبي ﷺ : "من بَدَّلَ دينه فاقتلوه"] (١).
الحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه من حديث أبي بُردَة عن أبي موسى - حين بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن ثم أتْبَعَهُ معاذَ بن جبل -: [فلما قدِمَ عليه ألقى له وسَادَةً قال: انْزِلْ، فإذا رجلٌ عِنْدَهُ مُوثَقٌ، قال: ما هذا؟ قال: كان يهوديًا فأسلمَ ثم تَهَوَّد، قال: اجْلِسْ، قال: لا أجلِسُ حتى يُقْتَلَ، قَضاءُ الله ورسوله، ثلاثَ مرات، فأمَرَ به فَقُتِلَ. .] الحديث (٢).
ورواه أحمد عن أبي بُرْدة بلفظ: [قدِمَ على أبي موسى معاذُ بن جبل باليمن، فإذا رجُلٌ عِنده، قال: ما هذا؟ قال: رجُلٌ كان يهوديًا فأسلم ثم تهوَّد، ونحن نريده على الإسلام مُنْذُ - قال: أحسبه - شهرين، فقال: والله لا أقعد حتى تضربوا عنقه. فَضُرِبَت
стр. 2487
عنقه، فقال: قضى الله ورسوله أن من رَجَعَ عن دينه فاقتلوه. أو قال: "مَنْ بَدَّلَ دينَهُ فاقتُلوه"] (١).
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: حلّ بهؤلاء المشركين غضب الله، ووجب لهم العذاب العظيم، من أجل أنهم اختاروا زينة الحياة الدنيا على نعيم الآخرة، ولأن الله لا يوفق القوم الذين يجحدون آياته مع إصرارهم على جحودها).
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾. قال القاسمي: (إنما الجناح على من شرح بالكفر صدرًا أي طاب به نفسًا واعتقده، استحبابًا للحياة الدنيا الفانية، أي إيثارًا لها على الآخرة الباقية، فذاك الذي له من الوعيد ما بينته الآيات الكريمة، من غضب الله عليهم أولًا. وعذابه العظيم لهم، وهو عذاب النار ثانيًا. وعدم هدايتهم باختيارهم الكفر ثالثًا. ورابعًا بالطبع على قلوبهم بقساوتها وكدورتها. فلم ينفتح لهم طريق الفهم. وعلى سمعهم وأبصارهم بسدّ طريق المعنى المواد من مسموعاتهم وطريق الاعتبار من مبصراتهم إلى القلب. فلم يؤثر فيهم شيء من أسباب الهداية من طريق الباطن من فيض العلم وإشراق النور. ولا من طريق الظاهر بطريق التعليم والتعلم والاعتبار من آثار الصنع. وخامسًا بكونهم هم الغافلين، بالحقيقة، لعدم انتباههم بوجه من الوجوه. وامتناع تيقظهم من نوم الجهل بسبب من الأسباب. وجليٌّ، أن كل نقمة من هذه الخمس، على انفرادها، من أعظم الحواجز عن الفوز بالخيرات والسعادات. فكيف بها كلها! ).
وقوله تعالى: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
أي: لا بد ولا عجبَ أن هؤلاء في صنيعهم وإصرارهم على الكفر سيلقون الخسارة في أنفسهم وأهليهم يوم القيامة.
قال الرازي: (ومعلوم أنه تعالى إنما أدخل الإنسان الدنيا ليكون كالتاجر الذي يشتري بطاعاته سعادات الآخرة. فإذا حصلت هذه الموانع عظم خسرانه. فلهذا قال: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ أي الذين ضاعت دنياهم التي استنفدوا
стр. 2488
في تحصيلها وسعهم، وأتلفوا في طلبها أعمارهم، وليسوا من الآخرة في شيء إلا في وبال التحسرات).
١١٠. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠)﴾.
في هذه الآية: إِخبارٌ من الله تعالى عن بعض المستضعفين بمكة الذين واتَوْا المشركين على الفتنة، ثم تمكنوا من الهجرة والتخلص من مستنقع الجاهلية والفتن، تاركين بلادهم وأموالهم وأهليهم ابتغاء رضوان الله ومغفرته، فأولئك يَحْظون بمغفرة الله وعفوه بعد تعديل الوقوع السابق بالهجرة والصبر والجهاد.
أخرج ابن جرير ورجاله ثقات عن ابن عباس قال: [كان قوم من أهل مكة أسلموا وكانوا يستخفون بالإسلام، فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم، فأصيب بعضهم، وقُتِلَ بعض، فقال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين، وأُكرهوا فاستَغْفِروا لهم، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧]. . . إلى آخر الآية، قال: وكتب إلى من بقي بمكة من المسلمين هذه الآية لا عذر لهم، قال: فخرجوا فلحقهم المشركون، فأعطوهم الفتنة، فنزلت هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠]. . إلى آخر الآية، فكتب المسلمون إليهم بذلك، فخرجوا وأيسوا من كل خير، ثم نزلت فيهم: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فكتبوا إليهم بذلك: إن الله قد جعل لكم مخرجًا، فخرجوا، فأدركهم المشركون فقاتلوهم، ثم نجا من نجا، وقُتِلَ من قُتِل] (١).
١١١. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١١١)﴾.
في هذه الآية: إخبار من الله سبحانه عن طبيعة مخاصمة النفوس يوم القيامة
стр. 2489
واعتذارها بشتى الوسائل عما صدر من أصحابها من أعمال، ثم يفصل الله تعالى بإعطائه جزاء عملها وافيًا.
قال النسفي: (فالنفس الأولى هي الجملة والثانية عينها وذاتها، فكأنه قيل: يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته لا يهمه شأن غيره، كُلٌّ يقول نفسي نفسي، ومعنى المجادلة عنها الاعتذار عنها، كقولهم: هؤلاء أضلونا، ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا، الآية، والله ربنا ما كنا مشركين).
وفي صحيح مسلم عن أنس ﵁ قال: [كنا عند رسول الله ﷺ فضحك، فقال: هل تدرون مِمَّ أضحك؟ قال: قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: من مخاطبة العبد ربَّه يقول: يا رب ألم تجرني من الظلم؟ فيقول: بلى. فيقول: إني لا أجيز على نفسي إِلا شاهدًا مني، فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدًا، وبالكرام الكاتبين شهودًا، فيُخْتَم على فيه، ويقال لأركانه انطُقي، فتنطق بأعماله، ثم يُخَلّى بينه وبين الكلام، فيقول: بعدًا لكن وسحقًا فعنكن كنت أناضل] (١).
١١٢ - ١١٣. قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١١٣)﴾.
في هذه الآيات: سنة الله في القرى الظالم أهلها الشائع فيها الكفر والفواحش والآثام، يذيقها الله الخوف والجوع بعد الإنعام والأمان، وما ظلمهم الله بل أرسل إليهم رسوله فكذبوه فأذاقهم عقوبة أهل المكر والإجرام.
وقد ذكر ابن عباس ومجاهد وقتادة أن المقصود بالقرية التي كانت آمنة مكة. فقد امتن الله تعالى على أهلها بنعمة الأمن والاستقرار، والناس يتخطفون من حولها ويلوذون بالفرار. وكان رزقها يأتي أهلها هينًا سهلًا من كل البقاع والأرجاء، فلما
стр. 2490
جحدت نعمة الله عليها وأخصّها بعثة محمد ﷺ بدّلها الله خلاف حالها، وأذاق أهلها لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون.
ففي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ [إبراهيم: ٢٨, ٢٩].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ٥٧].
٣ - وقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الإسراء: ٥٨].
قال قتادة: (قضاء من الله كما تسمعون ليس منه بدّ، إما أن يهلكها بموت وإما أن يهلكها بعذاب مستأصل إذا تركوا أمره وكذبوا رسله).
وفي صحيح السنة العطرة من آفاق معنى الآية أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الطبراني بسند صحيح عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: [إذا ظهر الزِّنا والرِّبا في قرية، فقد أَحَلُّوا بأنفسهم عذابَ الله] (١).
الحديث الثاني: أخرج أحمد والحاكم بسند صحيح عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: [إذا ظَهَرَ السوء في الأرض أنزل الله بأسه بأهل الأرض، وإن كان فيهم صالحون، يصيبهم ما أصاب الناس، ثم يرجعون إلى رحمة الله ومغفرته] (٢).
الحديث الثالث: أخرج أبو داود بسند حسن عن العرس بن عميرة، عن النبي ﷺ قال: [إذا عملتِ الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها - وقال مرة: أَنْكرها - كمن غاب عنها. ومن غاب عنها فَرَضِيَها، كان كمن شهدها] (٣). ثم روى في الباب عن