لأن نفسي إنما هي واحدة، تلقى في هذا القدر الساعةَ في الله، فأحببتُ أن يكونَ لي بعَددِ كُلِّ شعرة في جسدي نفسٌ تُعذَّبُ هذا العذاب في الله).
وقد ذكره الحافظ ابن كثير في التفسير، ثم قال: (وفي بعض الروايات: أنه سجنه وَمنعَ عنه الطعام والشراب أيامًا، ثم أرسل إليه بخمر ولحم خنزير، فلم يَقْرَبه، ثم استدعاه فقال: ما منعك أن تأكُلَ؟ قال: أما إنه قد حَلّ لي، ولكن لم أكن لأشمِّتك فيّ. فقال له الملك: فَقَبِّل رأسي وأنا أطْلِقُكَ. فقال: وتطلق معي جميع أسارى المسلمين؟ قال: نعم، فَقَبَّلَ رأسه، فاطلقه وأطلق معه جميع أسارى المسلمين عنده، فلما رجع قال عمر بن الخطاب ﵁: حقٌّ على كل مسلم أن يُقَبِّلَ رأس عبد الله بن حُذافة، وأنا أبدأ. فقام فَقَبَّلَ رأسه، ﵄.
وأما الرِّدة عن الإسلام بعد الدخول فيه فيدخل في وعيد الآية، وهو العذاب العظيم في الآخرة، نتيجة لغضب الله وسخطه، إضافة إلى خزي عذاب الدنيا. وفي ذلك أحاديث.
الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن عكرمة: [أن عَلِيًّا ﵁ حَرَّقَ قَوْمًا، فَبَلَغَ ابن عَباس فقال: لوْ كنْتُ أنا لم أُحَرِّقْهُمْ، لأن النبي ﷺ قال: لا تُعَذِّبُوا بعذاب الله. وَلَقَتَلْتُهُمْ كما قال النبي ﷺ : "من بَدَّلَ دينه فاقتلوه"] (١).
الحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه من حديث أبي بُردَة عن أبي موسى - حين بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن ثم أتْبَعَهُ معاذَ بن جبل -: [فلما قدِمَ عليه ألقى له وسَادَةً قال: انْزِلْ، فإذا رجلٌ عِنْدَهُ مُوثَقٌ، قال: ما هذا؟ قال: كان يهوديًا فأسلمَ ثم تَهَوَّد، قال: اجْلِسْ، قال: لا أجلِسُ حتى يُقْتَلَ، قَضاءُ الله ورسوله، ثلاثَ مرات، فأمَرَ به فَقُتِلَ. .] الحديث (٢).
ورواه أحمد عن أبي بُرْدة بلفظ: [قدِمَ على أبي موسى معاذُ بن جبل باليمن، فإذا رجُلٌ عِنده، قال: ما هذا؟ قال: رجُلٌ كان يهوديًا فأسلم ثم تهوَّد، ونحن نريده على الإسلام مُنْذُ - قال: أحسبه - شهرين، فقال: والله لا أقعد حتى تضربوا عنقه. فَضُرِبَت
стр. 2487
عنقه، فقال: قضى الله ورسوله أن من رَجَعَ عن دينه فاقتلوه. أو قال: "مَنْ بَدَّلَ دينَهُ فاقتُلوه"] (١).
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: حلّ بهؤلاء المشركين غضب الله، ووجب لهم العذاب العظيم، من أجل أنهم اختاروا زينة الحياة الدنيا على نعيم الآخرة، ولأن الله لا يوفق القوم الذين يجحدون آياته مع إصرارهم على جحودها).
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾. قال القاسمي: (إنما الجناح على من شرح بالكفر صدرًا أي طاب به نفسًا واعتقده، استحبابًا للحياة الدنيا الفانية، أي إيثارًا لها على الآخرة الباقية، فذاك الذي له من الوعيد ما بينته الآيات الكريمة، من غضب الله عليهم أولًا. وعذابه العظيم لهم، وهو عذاب النار ثانيًا. وعدم هدايتهم باختيارهم الكفر ثالثًا. ورابعًا بالطبع على قلوبهم بقساوتها وكدورتها. فلم ينفتح لهم طريق الفهم. وعلى سمعهم وأبصارهم بسدّ طريق المعنى المواد من مسموعاتهم وطريق الاعتبار من مبصراتهم إلى القلب. فلم يؤثر فيهم شيء من أسباب الهداية من طريق الباطن من فيض العلم وإشراق النور. ولا من طريق الظاهر بطريق التعليم والتعلم والاعتبار من آثار الصنع. وخامسًا بكونهم هم الغافلين، بالحقيقة، لعدم انتباههم بوجه من الوجوه. وامتناع تيقظهم من نوم الجهل بسبب من الأسباب. وجليٌّ، أن كل نقمة من هذه الخمس، على انفرادها، من أعظم الحواجز عن الفوز بالخيرات والسعادات. فكيف بها كلها! ).
وقوله تعالى: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
أي: لا بد ولا عجبَ أن هؤلاء في صنيعهم وإصرارهم على الكفر سيلقون الخسارة في أنفسهم وأهليهم يوم القيامة.
قال الرازي: (ومعلوم أنه تعالى إنما أدخل الإنسان الدنيا ليكون كالتاجر الذي يشتري بطاعاته سعادات الآخرة. فإذا حصلت هذه الموانع عظم خسرانه. فلهذا قال: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ أي الذين ضاعت دنياهم التي استنفدوا
стр. 2488
في تحصيلها وسعهم، وأتلفوا في طلبها أعمارهم، وليسوا من الآخرة في شيء إلا في وبال التحسرات).
١١٠. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠)﴾.
في هذه الآية: إِخبارٌ من الله تعالى عن بعض المستضعفين بمكة الذين واتَوْا المشركين على الفتنة، ثم تمكنوا من الهجرة والتخلص من مستنقع الجاهلية والفتن، تاركين بلادهم وأموالهم وأهليهم ابتغاء رضوان الله ومغفرته، فأولئك يَحْظون بمغفرة الله وعفوه بعد تعديل الوقوع السابق بالهجرة والصبر والجهاد.
أخرج ابن جرير ورجاله ثقات عن ابن عباس قال: [كان قوم من أهل مكة أسلموا وكانوا يستخفون بالإسلام، فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم، فأصيب بعضهم، وقُتِلَ بعض، فقال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين، وأُكرهوا فاستَغْفِروا لهم، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧]. . . إلى آخر الآية، قال: وكتب إلى من بقي بمكة من المسلمين هذه الآية لا عذر لهم، قال: فخرجوا فلحقهم المشركون، فأعطوهم الفتنة، فنزلت هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠]. . إلى آخر الآية، فكتب المسلمون إليهم بذلك، فخرجوا وأيسوا من كل خير، ثم نزلت فيهم: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فكتبوا إليهم بذلك: إن الله قد جعل لكم مخرجًا، فخرجوا، فأدركهم المشركون فقاتلوهم، ثم نجا من نجا، وقُتِلَ من قُتِل] (١).
١١١. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١١١)﴾.
في هذه الآية: إخبار من الله سبحانه عن طبيعة مخاصمة النفوس يوم القيامة
стр. 2489
واعتذارها بشتى الوسائل عما صدر من أصحابها من أعمال، ثم يفصل الله تعالى بإعطائه جزاء عملها وافيًا.
قال النسفي: (فالنفس الأولى هي الجملة والثانية عينها وذاتها، فكأنه قيل: يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته لا يهمه شأن غيره، كُلٌّ يقول نفسي نفسي، ومعنى المجادلة عنها الاعتذار عنها، كقولهم: هؤلاء أضلونا، ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا، الآية، والله ربنا ما كنا مشركين).
وفي صحيح مسلم عن أنس ﵁ قال: [كنا عند رسول الله ﷺ فضحك، فقال: هل تدرون مِمَّ أضحك؟ قال: قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: من مخاطبة العبد ربَّه يقول: يا رب ألم تجرني من الظلم؟ فيقول: بلى. فيقول: إني لا أجيز على نفسي إِلا شاهدًا مني، فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدًا، وبالكرام الكاتبين شهودًا، فيُخْتَم على فيه، ويقال لأركانه انطُقي، فتنطق بأعماله، ثم يُخَلّى بينه وبين الكلام، فيقول: بعدًا لكن وسحقًا فعنكن كنت أناضل] (١).
١١٢ - ١١٣. قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١١٣)﴾.
في هذه الآيات: سنة الله في القرى الظالم أهلها الشائع فيها الكفر والفواحش والآثام، يذيقها الله الخوف والجوع بعد الإنعام والأمان، وما ظلمهم الله بل أرسل إليهم رسوله فكذبوه فأذاقهم عقوبة أهل المكر والإجرام.
وقد ذكر ابن عباس ومجاهد وقتادة أن المقصود بالقرية التي كانت آمنة مكة. فقد امتن الله تعالى على أهلها بنعمة الأمن والاستقرار، والناس يتخطفون من حولها ويلوذون بالفرار. وكان رزقها يأتي أهلها هينًا سهلًا من كل البقاع والأرجاء، فلما
стр. 2490
جحدت نعمة الله عليها وأخصّها بعثة محمد ﷺ بدّلها الله خلاف حالها، وأذاق أهلها لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون.
ففي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ [إبراهيم: ٢٨, ٢٩].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ٥٧].
٣ - وقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الإسراء: ٥٨].
قال قتادة: (قضاء من الله كما تسمعون ليس منه بدّ، إما أن يهلكها بموت وإما أن يهلكها بعذاب مستأصل إذا تركوا أمره وكذبوا رسله).
وفي صحيح السنة العطرة من آفاق معنى الآية أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الطبراني بسند صحيح عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: [إذا ظهر الزِّنا والرِّبا في قرية، فقد أَحَلُّوا بأنفسهم عذابَ الله] (١).
الحديث الثاني: أخرج أحمد والحاكم بسند صحيح عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: [إذا ظَهَرَ السوء في الأرض أنزل الله بأسه بأهل الأرض، وإن كان فيهم صالحون، يصيبهم ما أصاب الناس، ثم يرجعون إلى رحمة الله ومغفرته] (٢).
الحديث الثالث: أخرج أبو داود بسند حسن عن العرس بن عميرة، عن النبي ﷺ قال: [إذا عملتِ الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها - وقال مرة: أَنْكرها - كمن غاب عنها. ومن غاب عنها فَرَضِيَها، كان كمن شهدها] (٣). ثم روى في الباب عن
стр. 2491
رجل من أصحاب النبي ﷺ : أن النبي ﷺ قال: [لَنْ يهلكَ الناس حتى يَعْذِروا، أو يُعْذِروا، من أنفسهم] (١).
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾. قال القرطبي: (هذا يدل على أنها مكة. وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة. ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾ وهو الجوع الذي وقع بمكة. وقيل: الشدائد والجوع منها).
ومن ذلك العذاب: أنهم لما استعصوا على رسول الله ﷺ وأبوا إلا خلافه، دعا عليهم بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يوسف، فأصابتهم سنة أذهبت كلَّ شيء لهم، فأكلوا العِلْهِزَ، وهو: وَبَرُ البعير، يُجْعَلُ بِدَمِهِ إذا نحروه. ثم إنهم بُدِّلوا بأمنهم خوفًا من رسول الله ﷺ وأصحابه - كما ذكر ابن كثير ﵀ حين هاجروا إلى المدينة، مِنْ سَطْوَةِ سراياه وجيوشه، وجعلوا كل مالهم في سَفَالٍ ودمار، حتى فتحها الله على رسوله ﷺ . وذلك بسبب صنيعهم وبغيهم وتكذيبهم الرسول ﷺ الذي بعثه الله فيهم منهم، وامتن به عليهم في قوله: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا﴾ [الطلاق: ١٠, ١١]. وقوله: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥١, ١٥٢]. ثم قال: (وكما أنه انعكس على الكافرين حالُهم، فخافوا بعد الأمن، وجاعوا بعد الرَّغَد، بَدَّل الله المؤمنين من بعد خوفهم أمْنًا، ورَزَقَهم بعد العَيْلَة، وجعلهم أمراءَ الناس وحُكَّامهم وقادتهم وسادتهم وأئمتهم).
وعن قتادة: (﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ﴾ إي والله، يعرفون نسبه وأمره، ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾، فأخذهم الله بالجوع والخوف والقتل).
١١٤ - ١١٧. قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ
стр. 2492
غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥) وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧)﴾.
في هذه الآيات: تقريب الله تعالى لعباده الحلال الطيب وتحبيبهم شكره، وتحريمه - تعالى - الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله مما يوجب سخطه، وكذلك الافتراء على أمره بالتحليل والتحريم الذي يوجب عقابه.
فقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾. أَمْرٌ من الله سبحانه عباده بتخيّر الحلال الطيب من الرزق واجتناب الخبيث الحرام من الأموال والطعام، والتماس شكره على نعمه تعالى، فهو المنعم المتفضل الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له. قال النسفي: (﴿حَلَالًا طَيِّبًا﴾: بدلًا عما كنتم تأكلونه حرامًا خبيثًا من الأموال المأخوذة بالغارات والغصوب وخبائث الكسوب).
وفي معجم الطبراني بسند حسن عن أبي أمامة ﵁، عن النبي ﷺ قال: [ما أنعم الله على عبد نعمة فَحَمِدَ الله عليها إلا كان ذلك الحمدُ أفضلَ من تلك النعمة] (١).
وله شاهد عند ابن ماجه بسند صحيح عن أنس ﵁، عن النبي ﷺ قال: [ما أنعم الله تعالى على عبدٍ نعمة فقال: الحمد لله، إلا كان الذي أعطى أفضلَ مما أخذ] (٢).
وقوله: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ الآية. هو تحريم الله تعالى ما فيه مضرّة في الدين والدنيا من الميتة والدم ولحم الخنزير وما ذبح على غير اسم الله من ذبائح الجاهلية. قال قتادة: (إن الإسلام دين يطهره الله من كلّ سوء، وجعل لك فيه يا ابن آدم سعة إذا اضطررت إلى شيء من ذلك. قوله: ﴿فَمَنِ
стр. 2493
اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ غير باغ في أكله ولا عاد أن يتعدى حلالًا إلى حرام، وهو يجد عنه مندوحة). وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قال ابن جرير: (يقول: ذو ستر عليه أن يؤاخذه بأكله ذلك في حال الضرورة، رحيم به أن يعاقبه عليه).
وقوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾. قال ابن كثير: (نهى تعالى عن سلوك سبيل المشركين الذين حَلَّلوا وحرَّموا بمجرد ما وضعوه واصطلحوه عليه من الأسماء بآرائهم، من البحِيرة والسائِبة والوصيلةِ والحام، وغير ذلك مما كان شَرْعًا لهم ابتدعوه في جاهليّتهم. ثم قال: ويدخل في هذا كلُّ مُبْتَدِعٍ ابتدع بِدْعةً ليس له فيها مستند شرعي، أو حَلَّلَ شيئًا مما حرّمَ الله، أو حَرَّمَ شيئًا مما أباح الله، بمجرَّدِ رأيه وتشهِّيهِ).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. توعد أكيد، وتهديد شديد، لأولئك الذين يشرعون بأهوائهم متجاوزين حدود الله وشرعه وهدي رسوله، متاع زائل في الدنيا، وعذاب أليم في الآخرة.
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٦٩, ٧٠].
٢ - وقال تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤].
ومن صحيح كنوز السنة في آفاق معنى الآية أحاديث:
الحديث الأول: روى مسلم عن جابر ﵁ قال: [كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرّت عيناه وعلا صوتُه واشتدَّ غضبُه، حتى كأنه منذرُ جيش يقول: صَبَّحكم ومسَّاكم. ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين. ويقرن بين أصبعيه، السبابة والوسطى، ويقول: أما بعدُ، فإن خيرَ الحديث كتاب الله وخيرَ الهدي هديُ محمد ﷺ ، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكُلَّ بدعة ضلالة] (١).
الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: [من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ] (٢).
стр. 2494
الحديث الثالث: أخرج الترمذي في جامعه بسند صحيح: [أن النبي ﷺ تلا هذه الآية على عدي بن حاتم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]. فقال: يا رسول الله، لسنا نعبدهم! قال: أليس يُحلِّون لكم ما حرّم الله فتحلّونه، ويحرِّمون ما أحل الله فتحرّمونه؟ قال: بلى. قال النبي ﷺ : فتلك عبادتهم] (١).
١١٨ - ١١٩. قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٨) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩)﴾.
في هذه الآيات: استحقاق اليهود التضييق من الله عليهم بما كسبت أيديهم، وفتحه - تعالى - باب التوبة والإنابة للراجعين إليه الراجين رحمته ليعفو عنهم ويتوب عليهم، والله غفور رحيم.
فقوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾. قال الحسن: (في سورة الأنعام). والمقصود قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٦].
وقوله: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. أي: إنما استحقوا ذلك التضييق بما كسبت أيديهم، فإن الله لا يظلم أحدًا من خلقه، كما قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٦٠].
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
أي: وأما الذين عصوا الله فجهلوا وركبوا المعصية والآثام، وما يسخط الرحمن، ثم راجعوا طاعة الله وندموا على ما فاتهم واستغفروا وتابوا، وأصلحوا فباشروا عمل
стр. 2495
ما يحبه الله ويرضاه، فإن ربك - يا محمد - من بعد إقبالهم تائبين نادمين - لغفور رحيم.
قلت: وهذا باب عظيم فتحه الله سبحانه تشرق به قلوب التائهين الذين أسرفوا على أنفسهم.
ففي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١].
٣ - وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨].
وفي كنوز السنة المطهرة من آفاق معنى الآية أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [للهُ أَفْرَحُ بتوبةِ عَبْدِه مِنْ أحدكم سقطَ على بعيره وقد أضَلَّهُ في أرض فلاة] (١).
وفي لفظ لمسلم: [للهُ أَشدُّ فرحًا بتوبةِ عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامُه وشرابُه فأيسَ مِنْها، فأتى شجرة فاضطجع في ظِلّها، وقد أيسَ من راحلتهِ، فبينما هو كذلك إذا هو بها، قائمة عِنْدهُ، فأخذ بِخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربُّك، أخطأَ من شدّة الفرح].
الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي موسى الأشعري ﵁، عن النبي ﷺ قال: [إنّ الله تعالى يَبْسُطُ يَدهُ بالليل ليتوبَ مُسيءُ النهار، ويبْسُطُ يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلعَ الشمس من مَغْرِبها] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الترمذي بسند حسن عن عبد الله بن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: [إنَّ الله يقبل توبة العبدِ ما لم يُغَرْغِر] (٣).
стр. 2496
١٢٠ - ١٢٣. قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾.
في هذه الآيات: ثناء الله تعالى على خليله إبراهيم، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، فقد كان حنيفًا قانتًا لله ولم يك من المشركين، بل كان على هدى الله المستقيم وإمامًا من الشاكرين، فرفع الله ذكره في الأرض وإنه في الآخرة لمن الصالحين، وأوحى إلى نبينا محمد ﷺ اتباع ملته وإحياء منهاجه في نبذ الشرك وإحياء أصول هذا الدين.
فقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾ - فيه آفاق كثيرة:
فالأمة: هي الجماعة من الناس والقرن منهم، كما أن العرب تطلقها أيضًا على الدين، والطريقة، والشرعة، والجماعة أرسل إليهم رسول، ومن هو على الحق مخالف لسائر الأديان.
وأمُّ كل شيء أصله، ومنه سميت مكة أم القرى لأنها توسطت الأرض. قال ابن منظور في "لسان العرب": (والأمة الرجل الذي لا نظير له، ومنه قوله : ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا﴾). وقال القرطبي: (والأمة الجماعة، وتكون واحدًا إذا كان يقتدى به في الخير، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾).
والقانت: هو الخاشع المطيع، ومنه قول ابن مسعود ﵁: (الأمة: معلم الخير، والقانت: المطيع لله ورسوله).
وقال الشَّعبي: حدثني فروَةُ بن نوفل الأشجعي قال: (قال ابنُ مسعود: إن مُعاذًا كان أمةً قانتًا لله حنيفًا. فقلت في نفسي: غَلِط أبو عبد الرحمن، إنما قال الله ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ فقال: تَدْري ما الأمة؟ وما القانت؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال:
стр. 2497
الأمة الذي يعلم الناس الخير. والقانت: المطيعُ لله ورسوله. وكذلك كان معاذ يُعَلّم الخير، وكان مطيعًا لله ورسوله).
وقال مجاهد: (كان إبراهيم أمة، أي: مؤمنًا وحده، والناس كلهم إذ ذاك كفّار).
وقوله: ﴿حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. الحنيف: المُنْحَرِفُ قَصْدًا عن الشرك إلى التوحيد. قال ابن جرير: (وهذا إعلامٌ من الله تعالى أهل الشرك به من قريش أن إبراهيم منهم بريء، وأنهم منه برآء).
وقوله: ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾. أي: قائمًا بمقتضى نعم الله عليه من الشكر والإخلاص في العبادة. كما قال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧].
وقوله: ﴿اجْتَبَاهُ﴾. أي: اصطفاه للنبوة، واختاره للخُلّة.
وقوله: ﴿وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. أي: أرشده إلى الدين الحق - دين الإسلام - ليعبد ربه على شرع قويم ومنهاج سليم، بعيدًا عن الشبهات والشهوات والأهواء التي انخرط بها أكثر الناس، من أهل الكتاب وغيرهم.
وقوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾. قال مجاهد: (لسان صدق). وقال قتادة: (فليس من أهل دين إلا يتولاه ويرضاه). قال ابن كثير: (أي: جَمَعْنا له خَيْرَ الدنيا من جميع ما يحتاجُ المؤمن إليه من إكمال حياته الطيبة).
وقوله: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾. قال النسفي: (لمن أهل الجنة). وقال ابن جرير: (يقول: وإنه في الدار الآخرة يوم القيامة لمن صلح أمره وشأنه عند الله، وحسُنت فيها منزلته وكرامته).
وقوله: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
دليل على كمال دين إبراهيم ﵊ وصحة منهجه، واستقامة مِلّته وتوحيده. فإن الله تعالى جعله أسوة في سلامة الدين وصحة المنهج، حتى أوحى إلى خاتم الأنبياء والمرسلين بالتزام ذلك الصراط المستقيم.
وفي التنزيل: قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٦١].
حنيفًا: أي مسلمًا على الدين الذي كان عليه إبراهيم ﵇، متبرئًا
стр. 2498
- يا محمد - من الأوثان والأنداد والطواغيت التي يعكف عليها قومك، كما تبرأ من قبل منها أبوك إبراهيم.
١٢٤. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٢٤)﴾.
في هذه الآية: كان اليهود قد فُرِض عليهم الجمعة يوم عيد يجتمعون فيه للعبادة شأن بقية الأمم، فاختلفوا في تخصيص هذا اليوم واختاروا السبت بدلًا منه، فأضلهم الله عنه. وإنما الفصل يوم القيامة عند ربهم في كل ما كانوا فيه يختلفون.
فعن مجاهد: (﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ اتبعوه وتركوا الجمعة). قلت: وقد أضل الله هذا العيد عن أهل الكتابين، فاختار اليهود يوم السبت، واختار النصارى يوم الأحد، وخبأ الله هديته - يوم الجمعة - لأمة محمد ﷺ ليكون عيدًا لهم. وفي ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة وحُذيفة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : [أضَلَّ الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يومُ السبت، وكان للنصارى يومُ الأحد، فجاء الله بنا فهدانا اللهُ ليوم الجُمعة، فجعلَ الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبَعُ لنا يوم القيامة، نحن الآخِرون من أهل الدنيا والأوّلون يومَ القيامة، المقضيُّ بينهم قبل الخلائق] (١).
وفي رواية: [هُدينا إلى الجمعة وأضَلَّ الله عنها مَنْ كان قَبْلنا].
الحديث الثاني: روى مسلم - كذلك - في صحيحه عن همّام بن مُنَبِّه أخي وهب بن مُنَبِّه قال: هذا ما حدّثنا أبو هريرة، عن مُحَمّدٍ رسول الله ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : [نحنُ الآخِرون السابقون يومَ القيامة، بَيْدَ أنهم أوتوا الكتاب مِنْ قَبْلِنا وَأُوتيناه مِنْ بَعْدِهم، وهذا يومُهُم الذي فُرِضَ عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، فَهم لنا فيه تَبَعٌ، فاليهودُ غدًا، والنصارى بعد غدٍ] (٢).
стр. 2499
الحديث الثالث: روى مسلم في صحيحه والنسائي في سننه، واللفظ لمسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [نحنُ الآخِرون الأوّلون يومَ القيامة، ونحن أوَّلُ من يَدْخُلُ الجنة، بَيْدَ أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناهُ من بَعْدِهم، فاختلفوا، فَهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق، فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه، هدانا الله له - قال: يوم الجمعة - فاليومُ لنا، وغدًا لليهود، وبعد غدٍ للنصارى] (١).
قال ابن كثير: (لا شك أن الله تعالى شرع في كل مِلّة يومًا من الأسبوع، يجتمع الناس فيه للعبادة، فشرعَ تعالى لهذه الأمة يوم الجُمعة، لأنه اليوم السادس الذي أكمل الله فيه الخليقة، واجتمعت فيه وتمت النعمة على عباده. ويقال: إنه تعالى شرع ذلك لبني إسرائيل على لسان موسى، فَعَدَلوا عنه واختاروا السبت، لأنه اليوم الذي لم يخلُق فيه الربّ شيئًا من المخلوقات التي كمل خَلْقُها يوم الجمعة. فألزمهم تعالى به في شريعة التوراة).
وقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.
قال النسفي: (روي أن موسى ﵇ أمرهم أن يجعلوا في الأسبوع يومًا للعبادة، وأن يكون يوم الجمعة فأبوا عليه، وقالوا نريد اليوم الذي فرغ الله فيه من خلق السماوات والأرض وهو السبت إلا شرذمة منهم قد رضوا بالجمعة، فهذا اختلافهم في السبت، لأن بعضهم اختاروه وبعضهم اختاروا عليه الجمعة، فاذن الله لهم في السبت وابتلاهم بتحريم الصيد، فأطاع أمر الله الراضون بالجمعة، فكانوا لا يصيدون، وأعقابهم لم يصبروا عن الصيد فمسخهم الله دون أولئك، وهو يحكم بينهم يوم القيامة فيجازي كل واحد من الفريقين بما هو أهله).
١٢٥ - ١٢٨. قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥) وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ
стр. 2500
لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾.
في هذه الآيات: أَمْرُ اللهِ نبيَّه - وهو أمْرٌ لأمته - بالتماس طريق الحكمة والموعظة الحسنة في الدعوة إلى الله، والله يهدي من يشاء وهو أعلم بالشاكرين. ودعوة إلى العدل في الاقتصاص والمماثلة في استيفاء الحق، والصبر خير للصابرين. ولا يحيق المكر إلا بأهله الماكرين، والله تعالى في عون المتقين المحسنين.
فقوله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.
أي: التمس - يا محمد - في دعوتك الخلق إلى الكتاب والسنة واللطف واللين، والرفق والتيسير، واجتنب العنف والتعسير.
قال ابن جرير: (﴿بِالْحِكْمَةِ﴾ وهو ما أنزله عليك من الكتاب والسنة). وقال ابن كثير: (﴿وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾، أي: بما فيه من الزواجر والوقائع بالناس يُذكرهم بها، ليحذروا بأس الله تعالى. ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، أي: من احتاج منهم إلى مناظرة وجدالٍ، فليكن بالوجه الحسن، برفق ولين وحسن خطاب).
قال القرطبي: (أمره أن يدعو إلى دين الله وشرعه بتلطف ولين دون مخاشنة وتعنيف، وهكذا ينبغي أن يوعظ المسلمون إلى يوم القيامة. فهي محكمة في جهة العصاة من الموحِّدين، ومنسوخة بالقتال في حق الكافرين).
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦].
٢ - وقال تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤].
ومن كنوز صحيح السنة في آفاق معنى الآية أحاديث:
الحديث الأول: يروي الترمذي بسند صحيح عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: [ألا أخبركم بمن تحرم عليه النار غدًا؟ على كلِّ هين لين قريب سهل] (١).
стр. 2501
الحديث الثاني: أخرج الطبراني بسند جيد عن عبد الله بن سرجس، عن النبي ﷺ قال: [التؤدة والاقتصاد والسمت الحسن جزء من أربعة وعشرين جزءًا من النبوة] (١).
الحديث الثالث: أخرج العقيلي بسند حسن عن ابن أبي مليكة عن عائشة مرفوعًا: [يا عائشة: إياك والفحشَ، إياك والفحشَ، فإن الفحش لو كان رجلًا لكان رجل سوء] (٢).
الحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد في المسند بسند صحيح عن عائشة، أن النبي ﷺ قال: [إنه من أُعطي حظَّهُ من الرفق فقد أُعطي حظّهُ من خير الدنيا والآخرة، وصلة الرحم وحسن الخلق وحسن الجوار، يعمران الديار، ويزيدان في الأعمار] (٣).
الحديث الخامس: أخرج الإمام أحمد في المسند عن سهل بن سعد، عن النبي ﷺ قال: [المؤمن يألف، ولا خيرَ فيمن لا يألف ولا يؤلف] (٤) وسنده صحيح.
ورواه الطبراني عن جابر بلفظ: [المؤمن يألف ويؤلف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف، وخير الناس أنفعهم للناس].
وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾.
قال ابن كثير: (أي: قد عَلِمَ الشقي منهم والسعيد، وكتب ذلك عنده وفرغَ منه، فادعهم إلى الله، ولا تَذْهَب نفسك على من ضَلَّ منهم حَسَرات، فإنه ليس عليك هداهم، إنما أنت نذير، عليك البلاع، وعلينا الحساب، ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]، و ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٢]).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾. دعوة إلى العدل في الاقتصاص والمماثلة في استيفاء الحق، وأجر
стр. 2502
الصبر عند الله عظيم. قال ابن سيرين: (﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ يقول: إن أخذ منك رجل شيئًا، فخذ منه مثله). وقال مجاهد: (لا تعتدوا).
أخرج أحمد والترمذي وابن حبان بسند صحيح عن أبي بن كعب ﵁ قال: [لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة وستون رجلًا، ومن المهاجرين ستة، منهم حمزة، فمثلوا بهم. فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يومًا مثل هذا لَنُرْبِيَنَّ عليهم. فلما كان يوم فتح مكة أنزل الله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾. فقال رجل لا قريش بعد اليوم. فقال رسول الله ﷺ : كفوا عن القوم إلا أربعة] (١).
قال النسفي: (﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ - أي: ولئن صبرتم لصبركم خير لكم، فوضع الصابرين موضع الضمير ثناء من الله عليهم لأنهم صابرون على الشدائد).
وقوله: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾. تثبيت للأمر بالصبر وتوكيد له، وإعلام أنه كائن بمشيئة الله وعونه وتوفيقه.
أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁: [أن ناسًا من الأنصار سألوا رسول الله ﷺ فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، حتى نَفِدَ ما عِنْدَه، فقال لهم حين أنفق كُلَّ شيء بيده: ما يَكُنْ عِنْدي من خيْرٍ فلن أَدَّخِرَهُ عنكم، ومن يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ الله، ومَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ الله، ومن يتَصَبَّرُ يُصَبِّرْه الله. وما أُعطي أحدٌ عطاءَ خيرًا وأوسعَ من الصَّبْر] (٢).
وقوله: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾. أي: لا تحزن على هؤلاء المكذبين لك ولنبوتك - يا محمد -. وقوله: ﴿وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: ولا يضيق صدرك بما يقولون من الجهل، ونسبتهم ما جئتهم به إلى أنه سحر أو شعر أو كهانة. ﴿مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾: مما يحتالون بالخدع في الصدّ عن سبيل الله، ومن أراد الإيمان بك، والتصديق بما أنزل الله إليك).
стр. 2503
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾
قال الحسن: (اتقوا الله فيما حرّم عليهم، وأحسنوا فيما افترض عليهم).
فالذين اتقوا الله وخافوه حق مخافته، فاجتنبوا الفواحش والكبائر، وأقبلوا على طاعته حتى بلغوا مرتبة الإحسان، قابلهم ربهم سبحانه بمعية خاصة بهم، فكان النصر والتوفيق والمعونة والبر والفضل والتأييد.
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢].
٢ - وقال تعالى: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦].
٣ - وقال تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ﴾ [التوبة: ٤٠].
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [إنَّ الله تعالى قال: مَنْ عادى لي وَلِيًّا فقد آذنته بالحَرْب، وما تقرّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحَبَّ إليَّ مما افترضْتُ عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أُحِبَّهُ، فإذا أحْبَبْتُهُ، كنتُ سَمْعَهُ الذي يسمعُ به، وبصرَهُ الذي يُبْصِر به، ويدَهُ التي يبْطِشُ بها، ورِجْلَهُ التي يمشي بها، وإن سألني أعطيتُهُ، ولئنْ استعاذني لأعيذَنَّهُ] (١).
ومن أقوال أهل العلم في المعية:
١ - قال الإمام مالك: (الله في السماء، وعلمه في كل مكان) (٢).
٢ - وقال الإمام أحمد - وقد قيل له: الله فوق السماء السابعة على عرشه بائن من خلقه، وقدرته وعلمه بكل مكان! - قال: (نعم، هو على عرشه، ولا يخلو شيء من علمه) (٣).
стр. 2504
٣ - وقال نعيم بن حماد: (﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾: معناه أنه لا يخفى عليه خافية، بعلمه) (١).
والخلاصة: إن الله تعالى مع المتقين المحسنين بعونه وتأييده وتوفيقه ونصره، ومن وصل إلى هذه المرتبة فهنيئًا له ما بلغ إليه، نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهل معيته وينصرنا على أهل عداوته، إن رحمته قريب من المحسنين.
تم تفسير سورة النحل
بعون الله وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه
° ° °
стр. 2505
دروس ونتائج وأحكام
١ - المؤمن يبادر بإقامة منهج الإيمان، قبل حلول يوم المفاجأة والندامة والخسران.
٢ - امتنان الله تعالى على عباده بوفير النعم، والرسل من أكبر تلك النعم.
٣ - النهي عن أكل لحوم الحمير والبغال، والإذن في أكل لحوم الخيل.
٤ - المضلون والمبتدعون يحملون أوزارهم يوم القيامة وأوزار من أضلوهم.
٥ - المتقون ينعمون بالحياة الطيبة في الدنيا والآخرة، والمشركون تعساء مثقلون في الدنيا وا لآخرة.
٦ - لا حجة بالمشيئة الكونية، إذا كانت تتعلق بالمشيئة الشرعية.
٧ - كل ذي ظل، ساجد بظله لله تعالى.
٨ - "السَّكر": ما حرم من التمر والعنب، "والرزق الحسن" ما أحل منهما.
٩ - العسل فيه شفاء للناس. صدق الله، وكذب بطن أخيك. . . اذهب فاسقه عسلًا.
١٠ - ما دُمْتَ أبيت إشراكك مملوكك بمالك، فالله أحق منك بذلك.
١١ - أيخلقك سبحانه وتعبد غيره؟ ! ويرزقك وتشكر سواه؟ ! .
١٢ - إن الله يحب معالي الأخلاق، ويكره سفسافها ومذامّها.
١٣ - الوفاء بالعهود والمواثيق حق، وكذلك المحافظة على الأيمان.
١٤ - العهد حال الضعف لا يبرر الغدر حال القوة.
١٥ - اتهام المشركين للرسول بالافتراء عند نسخ الأحكام دليل سخف عقولهم.
١٦ - كيف يتعلم الرسول القرآن العربي من أعجمي لا يعرف العربية.
١٧ - الكفر باللسان عند الإكراه عذر، والثبات على الحق أفضل. ومن كَفَرَ بالرسالة حقيقة بدّل الله أمنَهُ خوفًا ورغَده جوعًا.
١٨ - لا عبرة بالأكثرية المبطلة، فإن إبراهيم كان أمة وحده.
١٩ - الجمعة يوم عيد للمسلمين، أضلَّ الله عنه اليهود إلى السبت، وهدانا الله إليه.
٢٠ - الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، والمعاقبة بمثلها والصفح خير، ومعية الله للمحسنين المتقين بصفاته لا بذاته.
стр. 2506
١٧ - سُورَةُ الإسْرَاءِ
وهي سورة مكية، وعدد آياتها (١١١)
فضائلها وما ورد في ذكرها:
لقد ورد في ذكر هذه السورة الكريمة أحاديث من السنة الصحيحة:
الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن عبد الرحمن بن يزيد قال: سمعت ابنَ مسعود ﵁ قال في بني إسرائيل، والكَهْف، ومَرْيم: [إنَّهُنَ مِنَ العِتاقِ الأُوَلِ، وَهُنَّ مِن تِلادي] (١).
المقصود هنَّ من أحبِّ السور إليه، ومن الكنوز الأولى التي تعلمها من القرآن.
الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن عائشة ﵂ تقول: [كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول: ما يريد أن يُفْطِرَ، ويُفْطِرُ حتى نقولَ: ما يُريد أن يصومَ، وكان يقرأ كلَّ ليلة: "بني إسرائيل"، و"الزُّمَر"] (٢).
стр. 2507
موضوع السورة
رحلة الإسراء والمعراج ووحدة منهج المرسلين، والإيمان بالغيب وامتثال أوامر الله هو منهاج النجاة للمؤمنين
- منهاج السورة -
١ - تمجيد الله تعالى وإثبات حادثة الإسراء، ورؤية الآيات العجيبة من الله السميع البصير.
٢ - عَطْف الله تعالى بذكر موسى ﵊ بعد ذكر محمد ﷺ وقد آتاه الله التوراة - كما آتى نبينا القرآن -، وجعله هدى لبني إسرائيل لئلا يتخذوا من دون الله نصيرًا ولا معبودًا.
٣ - تنبيه الذرية على المنة في نجاة أبيهم نوح والمؤمنين، والوعيد لبني إسرائيل بالخزي إن سلكوا سبيل المفسدين.
٤ - ثناء الله تعالى على القرآن، الذي يحمل الهداية لجميع الأنام، والنذارة للطغاة اللئام.
٥ - امتنان الله تعالى على عباده بنعمة تعاقب الليل والنهار، وذكر الصحف التي توزع يوم القيامة على العباد وقد حوت جميع الأعمال الكبار والصغار.
٦ - تأكيد عودة نفع الهداية على صاحبه، وعودة ضرر الضلال على مبتغيه، ولا تزر وازرة وزر أخرى، ولا يعذب الله قومًا حتى يبعث لهم رسولًا.
٧ - الإصرار على الفسوق عقابه الدمار، وتاريخ الأمم شاهد بذلك.
٨ - إمداد الله أهل الدنيا وأهل الآخرة، وتفضيل الدرجات في حياة الفريقين، والآخرة أعظم تفضيلًا، والشرك يقعد صاحبه مذمومًا مخذولًا.
٩ - أمْرُ الله تعالى بإفراده بالعبادة والتعظيم، وخفض الجناح والإحسان للوالدين.
стр. 2508
١٠ - أمْرُ الله تعالى بإعطاء ذي القرابة والمساكين، والاجتناب للتبذير وسبل الشياطين.
١١ - الوصية بالاقتصاد في العيش، والتحذير من البخل وقتل الأولاد خشية الفقر، والترهيب من الفواحش والغش والكبر والعجب والقول على الله بغير علم.
١٢ - مكارم الأخلاق من وحي الله، والشرك أعظم الذنوب عند الله.
١٣ - ختم الله على قلوب وأسماع المشركين، وتحديهم بالبعث بعد الموت ولو كانوا حجارة أو حديدًا، وهنالك يظنون أنهم ما لبثوا في غرور الدنيا إلا قليلًا.
١٤ - أمْرُ الله عباده اختيار أحسن الكلام، وتفضيله تعالى بعض النبيين على بعض، وإسلام فئة من الجن وما زال بعض الإنس يعبدونهم، وعذاب الله محيط بالكافرين.
١٥ - قضاء الله تعالى إهلاك الظالمين، وحثّه تعالى نبيّه على إبلاغ رسالته للعالمين، وقد أراه ليلة الإسراء عجائب قدرته، وشجرة الزقوم طعام الآثمين.
١٦ - خبرُ سجود الملائكة لآدم، وامتنان إبليس، وتوعده إغواء الذرية، وتعهد الله إدخاله وأتباعه جهنم، وحماية الله المؤمنين منه والله ولي المتوكلين.
١٧ - امتنان الله تعالى على عباده تسخيره لهم الفلك في البحر، وتَقَلُّب سلوك أكثر الناس بين الشدة والرخاء، وتكريم بني آدم وتفضيلهم على كثير من خلقه تفضيلًا.
١٨ - توزيع الناس خلف أئمتهم وآلهتهم يوم الحشر، وأصحاب اليمين هم أهل السعادة.
١٩ - تَوَعُّدُ الله أعداء نبيّه إبطال محاولات مكرهم، وتبشيره تعالى رسوله ﷺ إعلاء كلمة الحق وشوكة أهله، وإزهاق الباطل وحزبه، فإن الباطل كان زهوقًا.
٢٠ - في القرآن رحمة وشفاء للمؤمنين، وخسارة للظالمين، والإنسان يستكبر عند حصول النعم، ويجزع عند نزول الألم، إلا من رحم الله.
٢١ - كل إنسان يعمل على وجهته وطريقته، والروح من أمر الله، وهو العليم الحكيم.
٢٢ - فضل الله على نبيّه بهذا الوحي الكريم، وعجز الثقلين لو اجتمعوا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن، والله يصرف الآيات وأكثرهم لا يؤمنون.
٢٣ - تنطّع المشركين في أمر الإيمان ومطالبتهم بالمعجزات، وامتناعهم عن الإيمان لكون الرسول من البشر، وأمر الهداية لله، ونار جهنم مثوى للمتكبرين.
стр. 2509
٢٤ - بُخْل المشركين، وكفر فرعون وإغراقه وجنده، واستخلاف بني إسرائيل.
٢٥ - ثناء الله تعالى على القرآن، وعلى مهمة النبي ﵊، وعلى أهل العلم الذين يخرون سجدًا عند سماع آيات الرحمان.
٢٦ - إثبات الأسماء الحسنى لله ولو كره الكافرون، وحثُّ الله نبيّه على التوسط في رفع الصوت بالقرآن لئلا يناله المشركون، وخَتْم السورة بتنزيهه تعالى عما يصفه به المبطلون.
° ° °
стр. 2510
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١. قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾.
في هذه الآية: تمجيد الله تعالى، وإثبات حادثة الإسراء، ومباركة الله جوانب المسجد الأقصى، ورؤية الآيات العجيبة في آفاق تلك الرحلة المدهشة، تثبيتًا لنبينا محمد ﷺ الله السميع البصير.
فقوله سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ - تمجيد الله تعالى نفسه عما لا يقدر عليه أحد سواه. فقد أسرى بعبده محمد ﷺ في جُنح الليل من مسجد مكة إلى بيت المقدس. وهو قوله: ﴿لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾. قال ابن كثير: (وهو بيت المقدس الذي بإيلياءَ، مَعْدِن الأنبياء من لدن إبراهيم الخليل ﵇ ولهذا جُمعُوا له هنالك كلُّهم، فأمَّهُم في مَحِلَّتهم ودارهم، فدَلَّ على أنه هو الإمام الأعظم والرئيس المقدَّم، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين). قال النسفي: (﴿لَيْلًا﴾: نُصب على الظرف، وقيده بالليل، والإسراء لا يكون إلا بالليل للتأكيد، أو ليدل بلفظ التنكير على تقليل مدة الإسراء، وأنه أسرى به في بعض الليل من مكة إلى الشام مسيرة أربعين ليلة).
وقوله: ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾. أي جوانبه ببركات الدين والدنيا. قال القاسمي: (لأن تلك الأرض المقدسة مقر الأنبياء ومهبط وحيهم ومنمى الزروع والثمار. فاكتنفته البركة الإلهية من نواحيه كلها. فبركته إذن مضاعفة، لكونه في أرض مباركة، ولكونه من أعظم مساجد الله تعالى. والمساجد بيوت الله. ولكونه متعبد الأنبياء ومقامهم ومهبط وحيه عليهم، فبورك فيه ببركتهم ويمنهم أيضًا).
وقوله: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾. أي لنري محمدًا ﷺ -من الآيات الدالة على وحدانية الله وصدق نبوته برؤية آفاق مثيرة مدهشة من ملكوت الله في أرجاء هذا الكون الفسيح.
стр. 2511
وقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. أي: السميع لما يقوله المشركون بمكة معترضين على الرحلة النبوية المباركة، ولما يقوله عباده جميعهم، مؤمنهم وكافرهم، البصير بأعمال الخلق جميعًا، والمحيط والمحصي لكل ما صدر منهم ليجازيهم بهم يوم الحساب.
لقد ثبت حادث الإسراء والمعراج بنص القرآن الكريم، وسميت بذلك هذه السورة "سورة الإسراء" إثباتًا للحدث.
وفي التنزيل - في شأن الإسراء -: قال تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾ [النجم: ١ - ١٨].
والإسراء: هو الرحلة من المسجد الحرام بمكة إلى المسجد الأقصى بالقدس، وقد سمي بالأقصى لأنه أبعد المساجد الثلاث التي تزار وتشد إليها الرحال في الإسلام.
وقد ذكر الإمام البخاري في صحيحه أن الإسراء وقع بعد موت أبي طالب، وكان فيما يبدو بعد العودة من رحلة الطائف المؤلمة تسلية ومواساة من الله لرسوله ﷺ .
وأما المعراج: فهو ارتفاع بعد الإسراء في طباق السماوات إلى مستوى تنقطع عنده علوم الخلائق ثم العودة إلى مكة. والمعراج لغة على وزن مِفْعال: من العروج أي الآلة التي يُعْرَج - أي يصعد - فيها، ولا نعلم كيف هو ولا نسأَل وحكمه كحكم المغيبات نؤمن به ولا نشتغل بكيفيته.
وقد ذهب قوم إلى أن الإسراء كان مرتين مرة في اليقظة ومرة منامًا، وقالوا: بالروح لا بالجسد، وينسبون لعائشة ومعاوية أنه أسري بروحه ولم يُفْقد جسده، وكل ذلك لم يصح عنهما، وقد ردّه العلماء المحققون.
قال الإمام الطحاوي ﵀: (والمعراج حق وقد أسري بالنبي ﷺ وعُرِجَ بشخصه في اليقظة إلى السماء، ثم إلى حيث شاء الله تعالى من العُلا، وأكرَمه الله تعالى بما شاء فأوحى إلى عبده ما أوحى).
стр. 2512
لقد كان الإسراء والمعراج بالروح والجسد، لا بالحلم والنوم، وإلا لم يكن له معنى التحدي والإعجاز، وقد تواترت نصوص الكتاب والسنة على إثبات ذلك، وقد هيّأ الله تعالى نبيّه ﷺ لتلك الرحلة المعجزة:
يروي البخاري عن أنس عن مالك بن صعصعة أنَّ رسول الله ﷺ حدّثهم عن ليلة أسري به قال: [بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان أتاني آت، فشق ما بين هذه إلى هذه - يعني ثغرة نحره إلى شعرته - فاستخرج قلبي ثم أتيت بطست من ذهب مملوء إيمانًا، فغسل قلبي ثم حُشي ثم أعيد] (١).
فإلى تفصيل هذه الرحلة النبوية العظيمة، وهذا المؤتمر الكبير الذي حضره الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين:
أخرج البخاري ومسلم - واللفظ لمسلم - عن أنس، أنّ رسول الله ﷺ قال: [أُتيت بالبراق وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه، فركبته حتى أتيت بيت المقدس فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء، ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن، فاخترت اللبن، فقال جبريل: اخترت الفطرة. ثم عرج بنا إلى السماء فاستفتح جبريل فقيل له: من أنت؟ قال جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بُعِثَ إليه؟ قال: قد بُعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بآدم فرحَّبَ بي ودعا لي بخير - وفي رواية البخاري: (وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به فنعم المجيء جاء. ففتح فلما خَلَصْتُ فإذا فيها آدم. فقال: هذا أبوك فسلِّم عليه، فَسَلَّمْتُ عليه فردَّ السلام ثم قال: مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح) - ثم عرج بنا إلى السماء الثانية فاستفتح جبريل ﵇ فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بُعِثَ إليه؟ قال: قد بُعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بابني الخالة عيسى بن مريم، ويحيى بن زكريا فرحبا بي ودعوا لي بخير. (وفي رواية البخاري: فقالا: مرحبًا بك من أخ ونبي). ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بيوسف، فإذا هو قد أعطي شطرَ الحسن فرحب بي ودعا لي بخير. (قال: مرحبًا بك من أخ ونبي) (مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح). ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة،
стр. 2513
فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بُعِثَ إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بإدريس فرحب بي ودعا لي بخير. (قال: مرحبًا بك من أخ ونبي). (مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح)، قال الله : ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾.
ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ فقال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بهارون فرحب بي ودعا لي بخير. (قال: مرحبًا بك من أخ ونبي) (مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح). ثم عرج بنا إلى السماء السادسة فاستفتح جبريل. قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بموسى فرحب بي ودعا لي بخير (قال: مرحبًا بك من أخ ونبي) (مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح). (وفي رواية البخاري: فلما جاوزت بكى، فقيل له: ما أبكاك؟ قال: يا رب هذا الغلام الذي بعث من بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخل من أمتي). ثم عرج بنا إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم (فقال: هذا أبوك فسلم عليه. قال: فسلمت عليه فرد السلام. قال: مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح (مرحبًا بك من ابن ونبي)) مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كلّ يوم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه. ثم ذهب بي إلى السدرة المنتهى، وإذا ورقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال، فلما غشيها من أمر الله ما غشي تغيّرت فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتَها من حُسْنها، فأوحى الله إليّ ما أوحى، ففرض عليّ خمسين صلاة في كل يوم وليلة. فنزلت إلى موسى فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قال: خمسين صلاة في كل يوم وليلة، قال: ارجع إلى ربك فسله التخفيف فإن أمتك لا تطيق ذلك فإني بلوت بني إسرائيل وخبرتهم. قال: فرجعت إلى ربي، فقلت: يا رب! خفف على أمتي فحطّ عني خمسًا، فرجعت إلى موسى فقلت: حطّ عني خمسًا. قال: إن أمتك لا تطيق ذلك، فارجع إلى ربك فسله التخفيف. قال: فلم أزل أرجع بين ربي وبين موسى حتى قال: يا محمد! إنهن خمس صلوات كلَّ يوم وليلة، لكل صلاة عشر، فذلك خمسون صلاة، من همّ بحسنة فلم يعملها كُتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرًا. ومن همَّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب له شيئًا، فإن عملها كتبت له سيئة واحدة. قال: فنزلت حتى انتهيت
стр. 2514
إلى موسى فأخبرته فقال: ارجع إلى ربك فسَلْهُ التخفيف. فقال رسول الله ﷺ : فقلت قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه] (١).
فوائد ونتائج من حادثة الإسراء والمعراج، وذِكْرُ ما روي من الآيات الكبرى في تلك الرحلة:
١ - لم ير النبي ﷺ ربَّه، وقوله: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ صحّ عن النبي ﷺ أن هذا المرئي جبرائيل، رآه مرتين على صورته التي خلق عليها.
٢ - قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ دليل على أن الإسراء كان بجسده ﵊ في اليقظة، فالعبد عبارة عن مجموع الجسد والروح، كما أن الإنسان اسم لمجموع الجسد والروح، هذا هو المعروف عند الإطلاق وهو الصحيح، ولا يمتنع عقلًا، وقد ذكر بعض أهل العلم أنه لو جاز استبعاد صعود البشر لجاز استبعاد نزول الملائكة ومن ثمَّ إنكار النبوة.
٣ - فإن قيل: ما الحكمة من الإسراء لبيت المقدس أولًا؟ قيل: إنه كان إظهارًا لصدق دعوى الرسول ﷺ المعراج، وذلك حين سألته قريش عن نعت بيت المقدس فوصفه لهم.
ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي، فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أُثْبتها، فَكُرِبْتُ كربًا ما كربت مثله، فرفعه الله لي أنظرُ إليه، ما يسألوني عن شيء إلا أنبأتهم] (٢).
٤ - في حديث المعراج إثبات صفة العلو لله سبحانه.
فقوله ﵊ كما في حديث أنس الذي رواه مسلم -: [ثم عرج بنا إلى السماء فاستفتح جبريل] إثبات لصفة العلو، كما قال سبحانه في سورة السجدة: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾.
٥ - في الإسراء نعت لبعض صفات بعض الرسل، ولقاء مالك خازن النار.
стр. 2515
ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة السابق: [وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء فإذا موسى قائم يصلي، فإذا رجل ضرْبٌ جَعْدٌ كأنه من رجال شنوءة، وإذا عيسى قائم يصلي، أقرب الناس به شبهًا عروة بن مسعود الثقفي، فإذا إبراهيم قائم يصلي، أشبه الناس به صاحبكم - يعني نفسه - فحانت الصلاة فأممتهم، فلما فرغت من الصلاة قال لي قائل: يا محمد! هذا مالك خازن النار فسلّم عليه، فالتفت إليه فبدأني بالسلام] (١).
٦ - في المعراج أوحى الله لنبيّه خواتيم سورة البقرة.
ففي صحيح مسلم من حديث عبد الله قال: [فأعطي رسول الله ﷺ ثلاثًا: الصلوات الخمس، وأعطي خواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لا يشرك بالله من أمته شيئًا المقحمات] (٢).
٧ - في المعراج: دخل رسول الله ﷺ الجنة ورأى نهر الكوثر فيها، ورأى في أصل سدرة المنتهى أنهارًا أربعة تفجر منها.
فقد أخرج البخاري عن أنس، عن النبي ﷺ قال: [بينما أنا أسير في الجنة إذا أنا بنهر حافتاه قبابُ الدر المجوف، قلتُ: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك، فإذا طينُه مِسْكٌ أذفَرُ] (٣). والأذفر هو الشديد الرائحة.
وفي مسند الإمام أحمد من حديث حذيفة وفيه: [حتى أتيت بيت المقدس، ففتحت لي أبواب السماء، ورأيت الجنة والنار] (٤).
وفي صحيح البخاري من حديث مالك بن صعصعة وفيه: [وَرُفِعت لي سِدْرَةُ المنتهى فإذا نَبِقُها كأنه قلال، وورقها كأنه آذان الفيول، في أصلها أربعة أنهار: نهران باطنان ونهران ظاهران، فسألت جبريل فقال: أما الباطنان ففي الجنة، وأما الظاهران النيل والفرات] (٥).
٨ - في المعراج: رأى رسول الله ﷺ عذاب الذين يغتابون الناس ويقعون في أعراضهم، وأبصر عذاب خطباء القول الذين لا يمتثلونه بالعمل.
стр. 2516
ففي المسند بإسناد صحيح عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : [لما عرج بي ربي ، مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم] (١).
وعند البيهقي بسند حسن عنه قال: قال رسول الله ﷺ : [أتيت ليلة أسري بي على قوم تُقرض شفاههم بمقاريض من نار، كلما قرضت وَفَتْ، فقلت: يا جبريل: من هؤلاء؟ قال: خطباء أمتك الذين يقولون ما لا يفعلون، ويقرؤون كتاب الله ولا يعملون به] (٢).
٩ - رأى عن يمين آدم أهل الجنة، وعن يساره أهل النار.
فقد خرّج البخاري من حديث أنس: [. . . فلما فُتِحَ علونا السماء الدنيا فإذا رجل قاعد على يمينه أسْوِدة، وعلى يساره أسودة، إذا نظر قِبَلَ يمينه ضحك، وإذا نظر قبل يساره بكى. فقال: مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح. قلت لجبريل: من هذا؟ قال: هذا آدم، وهذه الأسودة عن يمينه وشماله نسَمُ بنيه، فأهل اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر عن يمينه ضحك، وإذا نظر قِبَلَ شماله بكى] (٣).
فصدقه المؤمنون بكل ما ذكره لهم، وعلى رأسهم الصديق ﵁، وقد سُمِّيَ بذلك من يومئذ، فهو خيرُ المؤمنين بنبيِّه ﷺ .
٢ - ٨. قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (٢) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣) وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ
стр. 2517
أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧) عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (٨)﴾
في هذه الآيات: عَطْفُ الله تعالى بذكر موسى ﵊ بعد ذكر محمد ﷺ ، وقد آتاه الله التوراة - كما آتى نَبيّنا القرآن - وجعلها تعالى هدى لبني إسرائيل لئلا يتخذوا من دون الله نصيرًا ولا معبودًا. وحثٌّ وتنبيه للذرية على المِنّة في نجاة أبيهم نوح ومن آمن معه ليتشبهوا بهم. وحكم الله على بني إسرائيل في عواقب إفسادهم في الأرض وعواقب إحسانهم، وتتابع سنن الله في ذلك، وقد جعل الله في الآخرة جهنم سجنًا للكافرين المفسدين.
فقوله: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. قال قتادة: (جعله الله لهم هدى، يخرجهم من الظلمات إلى النور، وجعله رحمة لهم). والآية: عطف بذكر موسى ﵊، بعد ذكر محمد ﷺ عبد الله ورسوله وكليمه، وكثيرًا ما يقرن الله بين ذكر موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وكلاهما كلمه الله، وآتى موسى التوراة، كما آتى محمدًا القرآن، وأمتهما يوم القيامة أكبر الأمم.
وقوله: ﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾. قال مجاهد: (شريكًا). وقال ابن جرير: (ومعنى الكلام: وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا حفيظًا لكم سواي). ثم فسّر قول مجاهد فقال: (وكأن مجاهدًا جعل إقامة من أقام شيئًا سوى الله مقامه شريكًا منه له، ووكيلًا للذي أقامه مقام الله).
والخلاصة في المعنى: يقول: لئلا تتخذوا وليًا من دوني ولا نصيرًا ولا معبودًا، بل الله وحده هو الوكيل والنصير والمعبود لا شريك له.
وقوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾. قال قتادة: (والناس كلهم ذرية من أنجى الله في تلك السفينة. وذُكر لنا أنه ما نجا فيها يومئذ غير نوح وثلاثة بنين له، وامرأته وثلاث نسوة، وهم: سام، وحام، ويافث، فأما سام: فأبو العرب، وأما حام: فأبو الحبش. وأما يافث: فأبو الروم). وقال مجاهد: (بنوه ونساؤهم ونوح، ولم تكن امرأته) - والله تعالى أعلم.
قال ابن كثير: (تقديره: يا ذُرِّية من حملنا مع نوح. فيه تهييجٌ وتَنْبيهٌ على المِنَّة،
стр. 2518
أي: يا سُلالة من نَجّيْنا فحملنا مع نوح في السفينة، تَشَبَّهُوا بأبيكم، ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾، فاذكروا أنتم نعمتي عليكم بإرسالي إليكم محمدًا ﷺ . وقد ورد في الحديث، وفي الأثر عن السَّلف: أن نوحًا ﵇ كان يحمدُ الله على طعامه وشرابه ولباسه وشأنه كلِّه، فلهذا سُمِّيَ عبدًا شكورًا).
قلت: ومن كنوز السنة العطرة نحو ذلك أحاديث، منها:
الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه، وأحمد في مسنده، من حديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: [أنا سيد الناس يوم القيامة. إلى أن ذكر المحشر فقال: فيأتون نوحًا: فيقولون: يا نوحُ، أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وقد سمّاك الله عبدًا شكورًا، اشفع لنا إلى ربك. .] الحديث (١).
الحديث الثاني: أخرج مسلم في صحيحه، وأحمد في مسنده، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [إنَ الله لَيَرْضى عن العَبْدِ أنْ يأكُلَ الأكْلَةَ أو يشربَ الشَّربةَ، فيحمدُ الله عليها] (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾. قال ابن عباس: (هو قضاء قضي عليهم). أي: أخبرهم سبحانه في ما أنزل عليهم أنهم سيفسدون في الأرض مرتين وسيتجبرون ويطغون ويفجرون. وقال القاسمى: (﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ أي كتاب اللوح المحفوظ، أي حكمنا فيه ﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ يعني أرض فلسطين بيت المقدس التي بارك الله حولها. والإفساد بالكفر والمعاصي. قال: ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ أي: ولتستكبرن وتتعظمنَّ عن طاعة الله تعالى، أو لتظلمن الناس).
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾.
أي: فإذا حان موعود الأولى من المرتين، بالعقوبة على أولى المفسدتين، أخرجنا
стр. 2519
لقتالكم قومًا ذوي قوة وبطش وبأس في الحرب فيقتحمون أماكنكم ومحالكم للقتل والسبي والنهب، وعد الله ولا يخلف الله الميعاد.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾. قال قتادة: (ثم رددت الكرة لبني إسرائيل). وقال ابن زيد: (جعلناكم بعد هذا أكثر عددًا).
والمعنى: إن بني إسرائيل لما طغوا وتمردوا وقتلوا الأنبياء والعلماء، قيل: سلط الله عليهم جالوت وجنوده، ثم ردّ لهم الكرّة فقتل داود (١) جالوت. وقيل: سلط الله عليهم "بُخْتَنَصَّر" ملك بابل. قال سعيد بن المسيب: (ظهر بختنصر على الشام، فخرب بيت المقدس وقتلهم).
وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾.
أي: إن أحسنتم يا بني إسرائيل، فأطعتم الله وأصلحتم أمركم فإنكم تحسنون لأنفسكم، فهذا هو ما ينفعكم في الدنيا والآخرة، وإن أسأتم بارتكابكم المعاصي والآثام، وما يسخط الرحمن، انقلب وبال ذلك عليكم في الدنيا والآخرة، فإذا جاء ميقات المرة الآخرة من مرتي إفسادكم في الأرض ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾. قال ابن جرير: (يقول: لِيَسوءَ مجيء ذلك الوعد للمرّة الآخرة وجوهكم فيقبّحها). وليدخلوا المسجد كما دخله العدو قبل ذلك وليدمروا ما علوا تدميرًا.
وقوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾.
قال النسفي: (عسى ربكم أن يرحمكم بعد المرة الثانية إن تبتم توبة أخرى وانزجرتم عن المعاصي، ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ﴾ مرة ثالثة، ﴿عُدْنَا﴾ إلى عقوبتكم، وقد عادوا فأعاد الله عليهم النقمة بتسليط الأكاسرة وضرب الإتاوة عليهم. وعن ابن عباس ﵄: سُلِّطَ عليهم المؤمنون إلى يوم القيامة ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ محبسًا، يقال للسجن محصر وحصير).
وقال ابن عباس: (﴿حَصِيرًا﴾ أي: سجنًا). وقال مجاهد: (يُحصرون فيها). وقال
стр. 2520
الحسن: (فراش ومهاد). والمعنى متقارب، فإن جهنم مستقر للكافرين ومَحْصر وسجن لا خلاص منه.
فالمعنى: سيدخل في المرة الآخرة عدو لكم - أيها اليهود - إلى بيت المقدس قاهرًا لكم مُدَمِّرًا ما عمرتموه. قال قتادة: (قوله: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ﴾ للإفساد ﴿عُدْنَا﴾: قد عاد بنو إسرائيل، فسلط الله عليهم هذا الحيّ محمد ﷺ وأصحابه، يأخذون منهم الجزية عن يد وهم صاغرون).
قلت: وقد تكون العودة والكرة الآتية عند دخول المسلمين مع الخليفة المهدي محمد بن عبد الله في آخر الزمان إلى بيت المقدس، في حين يستفرد عيسى بن مريم ﵊ بالأعور الدجال إمامهم المُنتظر. وفي آفاق ذلك أحاديث من السنة المطهرة:
الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ قال: [فُسْطاط المسلمين يومَ الملحمة الكبرى بأرض يُقال لها الغوطة، فيها مدينة يقال لها دمشق، خير منازل المسلمين يومئذ] (١).
ورواه أبو داود بلفظ: [إن فسطاطَ المسلمين يوم الملحمة بالغوطة، إلى جانب مدينة يقال لها دمشق، من خير مدائن الشام] (٢).
الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أنس، عن النبي ﷺ قال: [يتبع الدجال من يهود أصفهان سبعون ألفًا عليهم الطيالسة] (٣).
الحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: [لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئَ اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر والشجر: يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله إلا الغرقد (٤)، فإنه من شجر اليهود] (٥).
стр. 2521
٩ - ١٤. قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٠) وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (١١) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (١٢) وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾.
في هذه الآيات: ثناء الله تعالى على هذا القرآن، فهو يحمل الهداية للناس والبشرى للمؤمنين، والوعيد والخزي للكافرين. وَذِكْرُ تعجّل الإنسان في دعائه بالشر أحيانًا، ولو قابله الله بعجلة الإجابة لهلك. وامتنان الله تعالى على عباده بنعمة تعاقب الليل والنهار، وما يحمل ذلك لهم من فوائد كثيرة ونعم جليلة. وتحذير الله عباده الصحف التي تجمع أعمالهم فتنشر يوم القيامة عليهم ليجتهدوا في ملئها بالأعمال الصالحة، فكل سيقرأ كتابه يوم الحساب وكفى بنفسه يومئذ عليه حسيبًا.
فقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾. قال ابن زيد: (للتي هي أصوب: هو الصواب وهو الحق، قال: والمخالف هو الباطل. وقرأ قول الله تعالى: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة: ٣]. قال: فيها الحق ليس فيها عوج. وقرأ: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾ [الكهف: ١، ٢]، يقول: قيمًا مستقيمًا).
وقوله: ﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾.
قال ابن جريج: (الجنة، وكلّ شيء في القرآن أجر كبير، أجر كريم، ورزق كريم فهو الجنة).
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وأن الذين لا يصدقون بالمعاد إلى الله، ولا يقرّون بالثواب والعقاب في الدنيا، فهم لذلك لا يتحاشون من ركوب معاصي الله
стр. 2522
﴿أَعْتَدْنَا لَهُمْ﴾ يقول: أعددنا لهم، لقدومهم على ربهم يوم القيامة ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ويعني موجعًا، وذلك عذاب جهنم).
وقوله تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾.
قال ابن عباس: (يعني قول الإنسان: اللهم العنه واغضب عليه، فلو يُعَجل له ذلك كما يُعجل له الخير، لهلك). وقال قتادة: (يدعو على ماله، فيلعن ماله وولده، ولو استجاب الله له لأهلكه). وقال أيضًا: (يدعو على نفسه بما لو استجيب له هلك، وعلى خادمه، أو على ماله). وقال مجاهد: (ذلك دعاء الإنسان بالشر على ولده وعلى امرأته، فيعجل، فيدعو عليه، ولا يحب أن يصيبه). وقال ابن عباس: (﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ قال: ضَجرًا لا صَبر له على سراء ولا ضرّاء).
وفي التنزيل نحو ذلك، قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: ١١].
وفي صحيح مسلم من حديث جابر قال: [سِرْنا مع رسول الله ﷺ في غزوة بَطْنِ بُواط، وهو يَطْلُبُ المَجْديَّ بنَ عَمْرٍو الجُهنيَّ، وكان الناضِحُ يَعْقُبُه منا الخمسةُ والسِّتةُ والسَّبْعةُ، فدارتْ عُقْبَةُ رَجُلٍ مِنَ الأنصارِ على ناضِحٍ له، فأناخَهُ فرَكِبَهُ، ثم بعثَهُ فتَلَدَّنَ عليه بعضَ التلدُّن، فقال له: شَأْ (١) لعنك الله، فقال رسول الله ﷺ : مَنْ هذا اللاعِنُ بعيرَهُ؟ قال: أنا، يا رسول الله! قال: انْزِل عنه، فلا يَصْحَبْنا ملعون، لا تَدْعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تَدْعوا على أموالكم، لا تُوافِقوا من الله ساعة يُسْألُ فيها عطاءٌ فيستجيب لكم] (٢).
قال النسفي: (﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ يتسرع إلى طلب كل ما يقع في قلبه ويخطر بباله، لا يتأنى فيه تأني المتبصر. أو أريد بالإنسان الكافر وأنه يدعوه بالعذاب استهزاء ويستعجل به كما يدعو بالخير إذا مسته الشدة، وكان الإنسان عجولًا، يعني أن العذاب آتيه لا محالة فما هذا الاستعجال).
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾.
قال ابن عباس: (كان القمر يضيء كما تضيء الشمس، والقمر آية الليل، والشمس
стр. 2523
آية النهار، فمحونا آية الليل: السواد الذي في القمر). وقال مجاهد: (ظلمة الليل، وسدفة النهار).
فإن الله سبحانه يمتنّ في هذه الآية على عباده بتلك الآيات العظام، من تعاقب الليل والنهار، وظلمة الليل وضوء النهار، يسكنون في الليل وينتشرون للمعايش والأعمال والأسفار في النهار، وليعلموا عددَ الأيام والجمع والشهور والأعوام، وما يرافق ذلك من تحديد آجال الديون والعبادات والمعاملات والإجارات، وقد فصل الله تعالى لعباده كل ما يحتاجون معرفته مما تقوم به حياتهم وعبادتهم وسعادتهم في الدارين.
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: ٧١ - ٧٣].
٢ - وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦١, ٦٢].
٣ - وقال تعالى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [الزمر: ٥].
وفي صحيح السنة المطهرة من آفاق مفهوم الآية أحاديث، منها:
الحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن أبي موسى الأشعري ﵁، عن النبي ﷺ قال: [إنَّ الله تعالى يبسُطُ يده بالليل ليتوب مسيءُ النهار، ويَبْسُطُ يدَه بالنهار ليتوب مسيءُ الليل، حتى تطلعَ الشمس من مغربها] (١).
الحديث الثاني: روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [من تابَ قبلَ أن تطلعَ الشمس من مغربها تاب الله عليه] (٢).
стр. 2524
وقوله: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾. قال ابن عباس: (عمله وما قدر عليه، فهو ملازمه أينما كان، فزائل معه أينما زال). وقال: (الطائر: عمله، قال: والطائر في أشياء كثيرة، فمنه التشاؤم الذي يتشاءم به الناس بعضهم من بعض). وقال مجاهد: (طائره: عمله، وما كتب الله له). وقال ابن كثير: (وطائره: هو ما طار عنه من عمله من خير وشر، يُلزم به ويجازى عليه).
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٧، ١٨].
٢ - وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧، ٨].
٣ - وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٤]، .
ومن كنوز السنة الصحيحة في مفهوم الآية أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند حسن لغيره، عن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [طائرُ كلِّ إنسان في عنقه] (١).
الحديث الثاني: أخرج ابن جرير في "التفسير" بسند رجاله ثقات، من طريق قتادة عن جابر بن عبد الله مرفوعًا: [لا عدوى، ولا طيرة، وكلَّ إنسان ألزمناه طائره في عنقه] (٢).
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وكل إنسان ألزمناه ما قُضِىَ له أنه عامله، وهو صائر إليه من شقاء أو سعادة يعمله في عنقه لا يفارقه، وإنما قوله: ﴿أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ﴾ مَثَلٌ لِما كانت العرب تتفاءل به أو تتشاءم من سوانح الطير وبوارحها، فأعلمهم جل ثناؤه أن
стр. 2525
كل إنسان منهم قد ألزمه ربه طائره في عنقه، نحسًا كان ذلك الذي ألزمه من الطائر، وشقاءً يورده سعيرًا، أو كان سعدًا يورده جنات عدن).
وقوله تعالى: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾. قال مَعْمَرٌ: (وتلا الحسنُ البصري: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧]، يا ابن آدم، بَسَطتُ لك صحيفتَك، وَوُكِّلَ بك مَلَكان كريمان، أحدهما عن يمينك والآخر عن شمالك، فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن يسارك فيحفظ سيئاتك، فاعمل ما شئت، أَقْلِل أو أكثر، حتى إذا متَّ طُوِيتْ صحيفتُك فجعلت في عنقك مَعَكَ في قَبْرك، حتى تخرج يوم القيامة كتابًا تلقاه منشورًا ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾، قد عدل - والله - عليك من جَعلك حَسِيبَ نَفْسِك).
عن قتادة: (﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ سيقرأ يومئذ من لم يكن قارئًا في الدنيا).
١٥ - ١٧. قوله تعالى: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥) وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (١٧)﴾.
في هذه الآيات: تأكيد الله تعالى عودة نفع الهداية على العبد الملتمس الهداية، وعودة ضرر الضلال على مبتغيه، وأنه لا تزر وازرة وزر أخرى، وما كان الله ليعذب قومًا حتى يقيم عليهم الحق على لسان الرسل، فإن أصروا على الكفر والفسوق دمّرهم تدميرًا. وتخويف لكفار مكة أنه تعالى: كم أهلك من قوم كفروا من بعد نوح وكفى بالله بذنوب عباده خبيرًا بصيرًا.
فقوله: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾
أي: من اختار طريق الهدى والاستقامة على الحق فهو ينفع نفسه، ومن جار عن قصد السبيل فهو يضر نفسه ويهدّد أمنه في الدار الآخرة.
وقوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ - كقوله: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ [فاطر: ١٨] قال قتادة: (والله ما يحمل الله على عبد ذنب غيره، ولا يؤاخذ