← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

٩ - ١٤. قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٠) وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (١١) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (١٢) وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾. في هذه الآيات: ثناء الله تعالى على هذا القرآن، فهو يحمل الهداية للناس والبشرى للمؤمنين، والوعيد والخزي للكافرين. وَذِكْرُ تعجّل الإنسان في دعائه بالشر أحيانًا، ولو قابله الله بعجلة الإجابة لهلك. وامتنان الله تعالى على عباده بنعمة تعاقب الليل والنهار، وما يحمل ذلك لهم من فوائد كثيرة ونعم جليلة. وتحذير الله عباده الصحف التي تجمع أعمالهم فتنشر يوم القيامة عليهم ليجتهدوا في ملئها بالأعمال الصالحة، فكل سيقرأ كتابه يوم الحساب وكفى بنفسه يومئذ عليه حسيبًا. فقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾. قال ابن زيد: (للتي هي أصوب: هو الصواب وهو الحق، قال: والمخالف هو الباطل. وقرأ قول الله تعالى: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة: ٣]. قال: فيها الحق ليس فيها عوج. وقرأ: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾ [الكهف: ١، ٢]، يقول: قيمًا مستقيمًا). وقوله: ﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾. قال ابن جريج: (الجنة، وكلّ شيء في القرآن أجر كبير، أجر كريم، ورزق كريم فهو الجنة). وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وأن الذين لا يصدقون بالمعاد إلى الله، ولا يقرّون بالثواب والعقاب في الدنيا، فهم لذلك لا يتحاشون من ركوب معاصي الله

стр. 2522

﴿أَعْتَدْنَا لَهُمْ﴾ يقول: أعددنا لهم، لقدومهم على ربهم يوم القيامة ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ويعني موجعًا، وذلك عذاب جهنم). وقوله تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾. قال ابن عباس: (يعني قول الإنسان: اللهم العنه واغضب عليه، فلو يُعَجل له ذلك كما يُعجل له الخير، لهلك). وقال قتادة: (يدعو على ماله، فيلعن ماله وولده، ولو استجاب الله له لأهلكه). وقال أيضًا: (يدعو على نفسه بما لو استجيب له هلك، وعلى خادمه، أو على ماله). وقال مجاهد: (ذلك دعاء الإنسان بالشر على ولده وعلى امرأته، فيعجل، فيدعو عليه، ولا يحب أن يصيبه). وقال ابن عباس: (﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ قال: ضَجرًا لا صَبر له على سراء ولا ضرّاء). وفي التنزيل نحو ذلك، قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: ١١]. وفي صحيح مسلم من حديث جابر قال: [سِرْنا مع رسول الله ﷺ في غزوة بَطْنِ بُواط، وهو يَطْلُبُ المَجْديَّ بنَ عَمْرٍو الجُهنيَّ، وكان الناضِحُ يَعْقُبُه منا الخمسةُ والسِّتةُ والسَّبْعةُ، فدارتْ عُقْبَةُ رَجُلٍ مِنَ الأنصارِ على ناضِحٍ له، فأناخَهُ فرَكِبَهُ، ثم بعثَهُ فتَلَدَّنَ عليه بعضَ التلدُّن، فقال له: شَأْ (١) لعنك الله، فقال رسول الله ﷺ : مَنْ هذا اللاعِنُ بعيرَهُ؟ قال: أنا، يا رسول الله! قال: انْزِل عنه، فلا يَصْحَبْنا ملعون، لا تَدْعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تَدْعوا على أموالكم، لا تُوافِقوا من الله ساعة يُسْألُ فيها عطاءٌ فيستجيب لكم] (٢). قال النسفي: (﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ يتسرع إلى طلب كل ما يقع في قلبه ويخطر بباله، لا يتأنى فيه تأني المتبصر. أو أريد بالإنسان الكافر وأنه يدعوه بالعذاب استهزاء ويستعجل به كما يدعو بالخير إذا مسته الشدة، وكان الإنسان عجولًا، يعني أن العذاب آتيه لا محالة فما هذا الاستعجال). وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾. قال ابن عباس: (كان القمر يضيء كما تضيء الشمس، والقمر آية الليل، والشمس

стр. 2523

آية النهار، فمحونا آية الليل: السواد الذي في القمر). وقال مجاهد: (ظلمة الليل، وسدفة النهار). فإن الله سبحانه يمتنّ في هذه الآية على عباده بتلك الآيات العظام، من تعاقب الليل والنهار، وظلمة الليل وضوء النهار، يسكنون في الليل وينتشرون للمعايش والأعمال والأسفار في النهار، وليعلموا عددَ الأيام والجمع والشهور والأعوام، وما يرافق ذلك من تحديد آجال الديون والعبادات والمعاملات والإجارات، وقد فصل الله تعالى لعباده كل ما يحتاجون معرفته مما تقوم به حياتهم وعبادتهم وسعادتهم في الدارين. وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: ٧١ - ٧٣]. ٢ - وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦١, ٦٢]. ٣ - وقال تعالى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [الزمر: ٥]. وفي صحيح السنة المطهرة من آفاق مفهوم الآية أحاديث، منها: الحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن أبي موسى الأشعري ﵁، عن النبي ﷺ قال: [إنَّ الله تعالى يبسُطُ يده بالليل ليتوب مسيءُ النهار، ويَبْسُطُ يدَه بالنهار ليتوب مسيءُ الليل، حتى تطلعَ الشمس من مغربها] (١). الحديث الثاني: روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [من تابَ قبلَ أن تطلعَ الشمس من مغربها تاب الله عليه] (٢).

стр. 2524

وقوله: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾. قال ابن عباس: (عمله وما قدر عليه، فهو ملازمه أينما كان، فزائل معه أينما زال). وقال: (الطائر: عمله، قال: والطائر في أشياء كثيرة، فمنه التشاؤم الذي يتشاءم به الناس بعضهم من بعض). وقال مجاهد: (طائره: عمله، وما كتب الله له). وقال ابن كثير: (وطائره: هو ما طار عنه من عمله من خير وشر، يُلزم به ويجازى عليه). وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٧، ١٨]. ٢ - وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]. ٣ - وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٤]، . ومن كنوز السنة الصحيحة في مفهوم الآية أحاديث: الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند حسن لغيره، عن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [طائرُ كلِّ إنسان في عنقه] (١). الحديث الثاني: أخرج ابن جرير في "التفسير" بسند رجاله ثقات، من طريق قتادة عن جابر بن عبد الله مرفوعًا: [لا عدوى، ولا طيرة، وكلَّ إنسان ألزمناه طائره في عنقه] (٢). قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وكل إنسان ألزمناه ما قُضِىَ له أنه عامله، وهو صائر إليه من شقاء أو سعادة يعمله في عنقه لا يفارقه، وإنما قوله: ﴿أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ﴾ مَثَلٌ لِما كانت العرب تتفاءل به أو تتشاءم من سوانح الطير وبوارحها، فأعلمهم جل ثناؤه أن

стр. 2525

كل إنسان منهم قد ألزمه ربه طائره في عنقه، نحسًا كان ذلك الذي ألزمه من الطائر، وشقاءً يورده سعيرًا، أو كان سعدًا يورده جنات عدن). وقوله تعالى: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾. قال مَعْمَرٌ: (وتلا الحسنُ البصري: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧]، يا ابن آدم، بَسَطتُ لك صحيفتَك، وَوُكِّلَ بك مَلَكان كريمان، أحدهما عن يمينك والآخر عن شمالك، فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن يسارك فيحفظ سيئاتك، فاعمل ما شئت، أَقْلِل أو أكثر، حتى إذا متَّ طُوِيتْ صحيفتُك فجعلت في عنقك مَعَكَ في قَبْرك، حتى تخرج يوم القيامة كتابًا تلقاه منشورًا ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾، قد عدل - والله - عليك من جَعلك حَسِيبَ نَفْسِك). عن قتادة: (﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ سيقرأ يومئذ من لم يكن قارئًا في الدنيا). ١٥ - ١٧. قوله تعالى: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥) وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (١٧)﴾. في هذه الآيات: تأكيد الله تعالى عودة نفع الهداية على العبد الملتمس الهداية، وعودة ضرر الضلال على مبتغيه، وأنه لا تزر وازرة وزر أخرى، وما كان الله ليعذب قومًا حتى يقيم عليهم الحق على لسان الرسل، فإن أصروا على الكفر والفسوق دمّرهم تدميرًا. وتخويف لكفار مكة أنه تعالى: كم أهلك من قوم كفروا من بعد نوح وكفى بالله بذنوب عباده خبيرًا بصيرًا. فقوله: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ أي: من اختار طريق الهدى والاستقامة على الحق فهو ينفع نفسه، ومن جار عن قصد السبيل فهو يضر نفسه ويهدّد أمنه في الدار الآخرة. وقوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ - كقوله: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ [فاطر: ١٨] قال قتادة: (والله ما يحمل الله على عبد ذنب غيره، ولا يؤاخذ

стр. 2526

إلا بعمله). قلت: إلا أن يكون من دعاة الإثم والضلالة، أو الابتداع في الدين، فإنه يحمل أوزار من أضَلّهم إضافة إلى أوزاره، عدلًا من الله تعالى. ففي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت: ١٣]. ٢ - وقال تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥]. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: [مَنْ دعا إلى هدى، كان له مِنَ الأجرِ مثلُ أجورِ من تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذلك من أجورهم شيئًا، ومَنْ دعا إلى ضلالة، كان عليه من الإثم مِثْلُ آثامِ مَنْ تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذلك مِنْ آثامهم شيئًا] (١). وفي صحيح مسلم من حديث جرير بن عبد الله، قال رسول الله ﷺ : [مَنْ سَنَّ في الإسلام سُنَةً حَسَنَةً، فعُمِلَ بها بَعْدَهُ، كُتِبَ له مِثْلُ أجْرِ من عَمِلَ بها، ولا يَنْقُصُ مِنْ أجورهم شَيْءٌ، ومَنْ سَنَّ في الإسلام سُنَّةً سيئةً، فَعُمِلَ بها بَعْدَهُ، كتِبَ عليه مثلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بها، ولا يَنْقُصُ مِنْ أوزارهم شيءٌ] (٢). وقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾. قال قتادة: (إن الله ﵎ ليس يعذب أحدًا حتى يسبق إليه من الله خبر، أو يأتيه من الله بيِّنَة، وليس معذبًا أحدًا إلا بذنبه). قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وما كنا مهلكي قوم إلا بعد الإعذار إليهم بالرسل، وإقامة الحجة عليهم بالآيات التي تقطع عذرهم). وفي التنزيل من أمثلة ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك: ٨, ٩]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا

стр. 2527

وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١]. ٣ - وقال تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٧]. ومن صحيح السنة في آفاق معنى هذه الآية أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : [تحاجت الجنَّةُ والنَّارُ، فقالت النّار: أُوثِرْتُ بالمتكبِّرينَ والمتجبِّرينَ، وقالت الجنة: مالي لا يدخُلني إلا ضُعَفاء الناس وسَقَطُهُم؟ قال الله ﵎ للجنة: أنت رحمتي أرحمُ بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنتِ عذابٌ أعذِّبُ بكِ مَنْ أشاءُ مِنْ عبادي، ولكل واحِدةٍ منهما مِلْؤُها. فأمّا النار: فلا تَمْتَلِئُ حتى يَضَعَ رِجْلَهُ فتقول: قَطْ قَطْ، فهنالِكَ تَمْتَلِئ ويُزْوى بعضُها إلى بَعْض، ولا يَظلم الله مِنْ خلقه أحدًا. وأما الجنة: فإن الله ينْشِئُ لها خَلْقًا] (١). الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن الأحنف بن قيس، عن الأسود بن سريع ﵁ أن نبيَّ الله ﷺ قال: [أربعةٌ يحتجون يوم القيامة، رجلٌ أصَمُّ لا يسمع شيئًا، ورجل أحمَقُ، ورجل هَرِمٌ، ورجلٌ مات في فتْرَةٍ. فأما الأصمُّ فيقول: ربِّ، لقد جاء الإسلام وما أسمعُ شيئًا. وأما الأحمق فيقول: ربِّ، لقد جاء الإسلام والصبيان يَحْذِفوني بالبَعْرِ. وأما الهَرِمُ فيقول: ربِّ، لقد جاء الإسلام وما أعقِلُ شيئًا. وأما الذي مات في الفترة فيقول: ربِّ، ما أتاني لك رسولٌ. فيأخذُ مواثيقهم ليُطيعُنَّهُ، فيرسِلُ إليهم أن ادخلوا النار، فوالذي نفسُ محمد بيده، لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا] (٢). الحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: [كُلُّ مولود يولد على الفطرة، فأبواه يُهوِّدانه ويُنَصِّرانه ويُمَجِّسَانِه،

стр. 2528

كما تُنْتَجُ البهيمةُ بهيمةً جَمْعاء، هل تحسّون فيها مِنْ جَدْعاء. وفي رواية لمسلم: قالوا: يا رسول الله، أفرأيت من يموت صغيرًا؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين] (١). وفي صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: [سُئِل رسول الله ﷺ -عن أولاد المشركين؟ فقال: الله إذْ خَلقَهُمْ أعلمُ بما كانوا عاملين] (٢). قلت: فأولاد المشركين الذين اشتركوا في الآثام مع آبائهم ثم ماتوا يختلفون في الحكم عن أطفال المشركين الذين لم يكن لهم ذنوب يعاقبون بها - والله تعالى أعلم. وهذا يفسر قوله ﷺ ؟ (الله أعلم بما كانوا عاملين). فقد أخرج أبو نعيم في "الحلية" (٦/ ٣٠٨) بسنده عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال: [سألت رسول الله ﷺ عن ذراري المشركين لم يكن لهم ذنوب يعاقبون بها فيدخلون النار، ولم تكن لهم حسنة يجازون بها فيكونون من ملوك الجنة؟ فقال النبي ﷺ : هم خدم أهل الجنة]. وفي لفظ عند ابن مندة في "المعرفة" (٢/ ٢٦١/ ١) من حديث سنان بن سعد عن أبي مالك قال: [سئل النبي ﷺ عن أطفال المشركين؟ قال: هم خدم أهل الجنة] (٣). وفي التنزيل، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الأعراف: ١٧٩]. قال الحسن: (خلقنا). وقال مجاهد: (لقد خلقنا لجهنم كثيرًا من الجن والإنس). قال ابن جرير: (لنفاذ علمه فيهم بأنهم يصيرون إليها بكفرهم بربهم). قال الإمام الطحاوي: (وإن الله تعالى خلق الجنة والنار قبل الخلق، وخلق لهما أهلًا، فمن شاء منهم إلى الجنة فضلًا منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلًا منه، وكل يعمل لما قد فرغ له، وصائر إلى ما خلق له، والخير والشر مقدران على العباد) "متن الطحاوية: ٨٣". وأما أطفال المسلمين فهم في الجنة باتفاق أهل العلم.

стр. 2529

وقد أخرج أبو نعيم في "أخبار أصبهان"، وأحمد في المسند، عن أبي هريرة مرفوعًا: [أطفال المسلمين في جَبَل في الجَنَّةِ يَكْفُلُهم إبراهيمُ وسارةُ حتى يدفعونهم إلى آبائهم يوم القيامة] (١). وفي لفظ أحمد: [ذراري المسلمين في الجنة، يكفلهم إبراهيم ﵇]. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾. يعود تأويل هذه الآية إلى طريقة قراءة قوله: ﴿أَمَرْنَا﴾، فالله تعالى لا يأمر بالفسق والفحشاء والفساد والإفساد. فقد قرأها قرّاء الحجاز والعراق بالتخفيف: ﴿أَمَرْنَا﴾، في حين قرأها أبو عثمان بالتشديد: "أمَّرْنا". وذكر عن الحسن البصري أنه قرأها: "آمَرْنا". فيكون المعنى وفقًا لذلك: التأويل الأول: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾. قال ابن عباس: (بطاعة الله، فعصوا) - واختاره ابن جرير. التأويل الثاني: "أمَّرْنا مترفيها" مشدّدة من الإمارة. قال الربيع بن أنس: (سَلَّطنا). وقال أبو العالية: (جعلنا عليها مترفيها: مستكبريها). وكذلك روي عن ابن عباس قال: (سَلَّطنا أشرارها فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكتهم بالعذاب). وقال مجاهد: (أمَّرنا مترفيها: بعثنا). التأويل الثالث: "آمَرْنا مترفيها" بمعنى أكثرنا فسقتها. قال عكرمة: (أكثرناهم). وقال الضحاك: (أكثرنا مترفيها: أي كبراءها). وقال قتادة: (يقول: أكثرنا مترفيها: أي جبابرتها، ففسقوا فيها وعملوا بمعصية الله ﴿فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾. وكان يقال: وإذا أراد أن يهلكها أكثر مترفيها). وقوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾. وعيد من الله تعالى لمشركي قريش في تكذيبهم نبيهم - محمدًا ﷺ وتهديد لهم بالعقاب. قال القرطبي: (أي كم من قوم كفروا حلّ بهم البوار. يخوّف كفار مكة).

стр. 2530

وقال ابن كثير: (ومعناه أنكم أيهِا المكذبون لستم أكرم على الله منهم، وقد كذّبتم أشرفَ الرسل وأكرم الخلائق، فَعُقوبتكم أولى وَأحرى). قال النسفي: (﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ وإن أخفوها في الصدور ﴿بَصِيرًا﴾ وإن أرخوا عليها الستور). ١٨ - ٢٢. قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١) لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾. في هذه الآيات: إخبار الله تعالى أنَّ من طلب زينة هذه الحياة الدنيا فإنه يُعطى منها حسب مشيئته تعالى ثم مرده في الآخرة إلى نار جهنم يدخلها مذمومًا مخذولًا. ومن طلب سبيل الآخرة وتقدم إلى ذلك بالإيمان الصادق والعمل الصالح فإنه سيلقى جزاء سعيه جزاء موفورًا. فالله سبحانه يعطي كلًا من الفريقين وما كان عطاء الله محظورًا. فانظر - يا محمد - كيف قسم الله الهداية والأرزاق وفاوت بين الفريقين في منهاج الحياة، ثم مصير الآخرة أكبر مفاضلة وأعظم تفضيلًا. فاحذر أيها الإنسان الشرك بالله فإن الشرك يقعد صاحبه مذمومًا مخذولًا. فقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ - الآية. قال قتادة: (يقول: من كانت الدنيا همّه وسدمه وطلبته ونيته، عجَّل الله له فيها ما يشاء، ثم اضطره إلى جهنم، قال: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ مذمومًا في نعمة الله مدحورًا في نقمة الله). قال ابن زيد: (العاجلة: الدنيا). وعن أبي إسحاق الفزاري يقول: ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ قال: (لمن نريد هلكته). وعن ابن عباس: (﴿مَذْمُومًا﴾ يقول: ملومًا). قال ابن كثير: (يخبر تعالى أنه ما كلّ من طلب الدنيا وما فيها من النعيم يحصُل له، بل إنما يحصُل لمن أراد الله ما يشاء. وهذه مقيّدة لإطلاق ما سواها من الآيات، فإنه قال: ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ﴾، أي في الدار الآخرة، ﴿يَصْلَاهَا﴾ , أي: يَدْخُلها حتى تغمُرَه من جميع جوانبه، ﴿مَذْمُومًا﴾، أي: في حال

стр. 2531

كونه مذمومًا على سوء تَصَرُّفه وصنيعه، إذا اختار الفاني على الباقي، ﴿مَدْحُورًا﴾، مُبعَدًا مَقْصِيًّا حقيرًا ذليلًا مهانًا). وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾. قال قتادة: (شكر الله حسناتهم، وتجاوز عن سيئاتهم). والمقصود: أنَّ من طَلَبَ نعيم الآخرة وتقدم إلى ذلك بالإيمان الصادق والعمل الصالح على منهاج النبوة، فإن الله سبحانه سيجزيه على حسن سعيه ويتجاوز عن سَيِّئ عمله. وقوله تعالى: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾. قال قتادة: (أي منقوصًا، وإن الله قسم الدنيا بين البرّ والفاجر، والآخرة خصوصًا عند ربك للمتقين). وقال الحسن: (كلًا نعطي من الدنيا البر والفاجر). قال ابن جريج: قال ابن عباس: (فيرزق من أراد الدنيا، ويرزق من أراد الآخرة). قال ابن جريج: (﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ قال: ممنوعًا). والمقصود: أنَّ الله تعالى يعطي كُلًا ما يستحقه من الشقاوة والسعادة في الآخرة، وأما في الدنيا فيرزق المطيع والعاصي جميعًا على وجه التفضل، وما كان عطاء الله ممنوعًا عن عباده وإن عصوا أمره. وقوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾. أي: ١ - انظر يا محمد - نظرة اعتبار - إلى هذين الفريقين، كيف هدينا هذا سبيل سعادته، وكيف خذلنا الآخر حين أصر على سلوك سبيل شقاوته، فتفاوت الفريقان في منهاج الحياة الدنيا الذي يقرّر مصير الآخرة. ٢ - ثم انظر - يا محمد - كيف فضلنا بين الناس في أرزاق الدنيا ومعايشها، فمنهم الغني والفقير وبين ذلك. وأما الآخرة فإن تفاوت الناس فيها أعظم وأكبر بكثير من تفاوتهم في الدنيا، فأهل الجنة يتفاوتون في درجات الجنة وفي مقامات النعيم حسب أعمالهم، وأهل النار يتفاوتون في دركات النار وفي منازل الشقاء حسب درجة كفرهم وخبث أفعالهم وحالات نفاقهم.

стр. 2532

ففي التنزيل: (من أحوال أهل الجنة). ١ - قال تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة: ٧ - ١٢]. ٢ - وقال تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ [الزمر: ٢٠]. ٣ - وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٥٨) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٨, ٥٩]. وفي صحيح السنة: (من أحوال أهل الجنة). الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: [إنّ أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق، من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم، قالوا: يا رسول الله! تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرُهم. قال: بلى والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين] (١). الحديث الثاني: أخرج الطبراني بسند حسن عن أبي مالك الأشعري أن رسول الله ﷺ قال: [إنّ في الجنة غرفًا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها، أعدّها الله لمن أطعم الطعام وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام] (٢). الحديث الثالث: أخرج البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [إنَّ في الجنة مئة درجة، أعدّها الله للمجاهدين في سبيله، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تتفجر أنهار الجنة] (٣).

стр. 2533

وفي التنزيل: (من أحوال أهل النار). ١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٥٦]. ٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٤٥]. وفي صحيح السنة: (من درجات أهل النار). الحديث الأول: أخرج مسلم في صحيحه عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: [أهونُ أهل النار عَذابًا أبو طالب، وهو مُنْتَعِلٌ بِنَعْليْن من نارٍ يَغْلي منهما دماغُه] (١) الحديث الثاني: أخرج مسلم عن سمرة بن جندب أن النبي ﷺ قال: [منهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه النار إلى حُجْزَتِه، ومنهم من تأخذه النار إلى تَرْقُوَتِه] (٢). الحديث الثالث: أخرج الترمذي بسند حسن عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: [يحشر المتكبِّرون يومَ القيامة أمثالَ الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يُساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار، يُسْقُون من عُصَارة أهل النار، طينةِ الخبال] (٣). وقوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾. قال قتادة: (يقول: مذمومًا في نعمة الله، وهذا الكلام وإن كان خرج على وجه الخطاب لنبي الله ﷺ ، فهو معنيٌّ به جميع من لزمه التكليف من عباد الله جلّ وعزّ). قال النسفي: (﴿فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾: فتصير جامعًا على نفسك الذم والخذلان. وقيل مشتومًا بالإهانة محرومًا عن الإعانة، إذ الخذلان ضد النصر والعون).

стр. 2534

والمقصود: لا تشرك أيها الإنسان بالله الذي بيده نصرك وعونك ونفعك وضرّك، بل أفرده بالعبادة والتعظيم، فإنه وحده مالك النفع والضر لك. وفي التنزيل: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٠]. وفي سنن أبي داود ومسند أحمد، بإسناد صحيح عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [مَنْ أصابَتْهُ فاقَةٌ فأنزلها بالناس لم تُسَدّ فاقته، ومن أنزلها بالله أوشك الله له بالغنى، إما بموت عاجلٍ، أو غِنى عاجل] (١). ٢٣ - ٢٥. قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (٢٥)﴾. في هذه الآيات: أَمْرُ الله تعالى بإفراده بالعبادة والإحسان للوالدين، وخفض الجناح لهما والدعاء لهما، والله أعلم بمن يقوم بحق التعظيم له والبر بالوالدين، وهو سبحانه للأوابين والتائبين غفور رحيم. فقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾. قال ابن عباس: (يقول: أمر) - أي هكذا أمر تعالى بإفراده سبحانه بالعبادة لا شريك له. وقال قتادة: (أمر ألا تعبدوا إلا إياه. وفي حرف ابن مسعود: "وصَّى ربك ألا تعبدوا إلا إياه"). وعن مجاهد: (﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ قال: وأوصى ربك). وقوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. قال ابن جرير: (يقول: وأمركم بالوالدين إحسانًا أن تحسنوا إليهما وتبرّوهما).

стр. 2535

وقوله: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ قال القرطبي: (﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ أي: لا تقل لهما ما يكون فيه أدنى تبرّم). قال مجاهد: (إن يَبْلُغانِّ عندك الكبر فلا تقل لهما أف حين ترى الأذى، وتميط عنهما الخلاء والبول، كما كانا يميطان عنك صغيرًا، ولا تؤذهما). قال ابن كثير: (أي: لا تُسْمِعهما قولًا سيئًا، حتى ولا التأفيف الذي هو أدنى مراتب القول السيِّئ). وقال عطاء: (﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾: لا تنفض يدك على والديك). وقال ابن جرير: (﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ يقول جل ثناؤه: ولا تزجُرهما). وقوله ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾. قال ابن جريج: (أحسن ما تجد من القول). وقال قتادة: (أي قولًا ليِّنًا سهلًا). وقوله: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾. قال هشام بن عروة عن أبيه: (هو أن لا تمتنع من شيء يريدانه). أو قال: (هو أن تلين لهما حتى لا تمتنع من شيء أحبّاه). والمقصود: بذل غاية التواضع للوالدين بالقول والفعل، والأثر السابق في عروة ثبت بسند صحيح. فقد أخرج البخاري في الأدب المفرد عن عُروة قال: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ قال: (لا تمتنع من شيء أحبّاه) (١). وقوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾. قال النسفي: (ولا تكتف برحمتك عليهما التي لا بقاء لها، وادع الله بأن يرحمهما رحمته الباقية، واجعل ذلك جزاء لرحمتهما عليك في صغرك وتربيتهما لك، والمراد بالخطاب غيره ﵇، والدعاء مختص بالأبوين المسلمين. وقيل: إذا كانا كافرين له أن يسترحم لهما بشرط الإيمان وأن يدعو الله لهما بالهداية). وعن ابن عباس: (قوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ ثم أنزل الله بعد هذا: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التوبة: ١١٣]). وقد ورد الأمر ببر الوالدين والإحسان إليهما كثيرًا في القرآن والسنة الصحيحة:

стр. 2536

ففي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨]. ٣ - وقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]. وفي صحيح السنة المطهرة: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: [سألت النبي ﷺ : أي العمل أحبُّ إلى الله تعالى؟ قال: الصلاة على وقتها. قلت: ثم أي؟ قال: برُّ الوالدين. قلت: ثم أي؟ قال: الجهادُ في سبيل الله] (١). الحديث الثاني: أخرج مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [لا يَجْزِي وَلدٌ والدًا إلّا أنْ يجِدَهُ مَمْلوكًا، فَيَشْتَرِيَهُ، فَيُعْتِقَهُ] (٢). الحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: [جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله مَنْ أحَقُّ الناس بِحُسْنِ صَحابتي؟ قال: أمُّك. قال: ثُمَّ مَنْ؟ قال: أمُّك. قال: ثُمّ مَنْ؟ قال: أمُّك. قال: ثُمَّ مَنْ؟ قال: أبوك] (٣). قال القرطبي: (إن الأم تستحق الحظ الأوفر من البر، وتقدم في ذلك على حق الأب عند المزاحمة). الحديث الرابع: أخرج الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [رَغِمَ أنفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عنده فلم يُصَلِّ عَليَّ. ورغِمَ أنفُ رجُلٍ دخل

стр. 2537

عليه شهرُ رمضانَ فانسلخ قبل أن يُغفَرَ له، ورغِمَ أنف رجُلٍ أدركَ عنده أبواه الكِبَرَ فلم يدخلاه الجنة] (١). وفي رواية: (أو أحدهما). وعند مسلم في صحيحه نحوه، عنه، عن النبي ﷺ قال: [رَغِمَ أنفُ، ثم رَغِمَ أنفُ، ثم رَغِمَ أنفُ رجلٍ أدرك والديه، أحدهما أو كِلاهما عند الكبر، ولم يَدْخُلِ الجنة] (٢). الحديث الخامس: أخرج ابن حبان في صحيحه عن الحسن بن مالك بن الحويرث عن أبيه عن جده قال: [صَعِدَ رسول الله ﷺ المنبر فلما رقِيَ عتبةً قال: آمين. ثم رقيَ أخرى فقال: آمين. ثم رقيَ عتبةً ثالثة فقال: آمين. ثم قال: أتاني جبريل فقال: يا محمد! من أدرك رمضان فلم يغفر له فأبعده الله. فقلت: آمين. قال: ومن أدرك والديه أو أحدَهما فدخل النار فأبعده الله. فقلت: آمين. قال: ومن ذُكرتَ عنده فلم يصل عليك فأبعده الله. فقلت: آمين] (٣). قلت: فإن كان الأبوان مشركين، وماتا على ذلك، فإنه لا يجوز للابن الاستغفار لهما. ومن ذلك ما بوّب البخاري في كتابه: "الأدب المفرد" - باب: لا يستغفر لأبيه المشرك. روى فيه عن ابن عباس، في قوله : ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ إلى قوله: ﴿كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾. قال: (فنسختها الآية التي في براءة ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾) (٤). وقوله تعالى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ربكم أيها الناس أعلم منكم بما في نفوسكم من تعظيمكم أمر آبائكم وأمهاتكم وتكرمتهم، والبر بهم، وما فيها من اعتقاد الاستخفاف بحقوقهم، والعقوق لهم، وغير ذلك من ضمائر صدوركم. وقوله: ﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ﴾ يقول: إن أنتم أصلحتم نياتكم فيهم، وأطعتم الله فيما أمركم به من البرّ

стр. 2538

بهم، والقيام بحقوقهم عليكم، بعد هفوة كانت منكم، أو زلة في واجب لهم عليكم مع القيام بما ألزمكم في غير ذلك من فرائضه، فإنه كان للأوابين بعد الزّلة، والتائبين بعد الهفوة غفورًا رحيمًا). ومن أقوال أهل التأويل: ١ - قال سعيد بن جبير: (﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ قال: البادرة تكون من الرجل إلى أبويه لا يريد بذلك إلا الخير). ٢ - وعن حبيب بن أبي ثابت: (﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ قال: هو الرجل تكون منه البادرة إلى أبويه وفي نيته وقلبه أن لا يؤاخذ به). وقيل في الأوابين أكثر من تأويل: ١ - قال ابن عباس: (المسبحين). أو قال: (﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ يقول: للمطيعين المحسنين). ٢ - قال قتادة: (هم المطيعون، وأهل الصلاة). ٣ - وقال ابن المنكدر: (الصلاة بين المغرب والعشاء). ٤ - وقال عون العُقيلي: (الذين يصلون صلاة الضحى). ٥ - وقال سعيد بن المسيب (﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾: الذي يصيب الذنب ثم يتوب ثم يصيب الذنب ثم يتوب). ٦ - وقال سعيد بن جبير فيها: (الراجعين إلى الخير). ٧ - وقال عبيد بن عمير: (الذي يذكر ذنوبه في الخلاء، فيستغفر الله منها). ٨ - وقال مجاهد: (الأوابون: الراجعون التائبون). قلت: وكل ما سبق يدل على مفهوم الأوابين، فإن الأواب هو التائب من الذنب الراجع إلى طاعة الله، الملتمس المغفرة ذنوبه ألوان العمل الصالح. وفي الصحيحين من حديث ابن عمر: [أن رسول الله ﷺ كان إذا رجع من سفر قال: آيبون تائبون عابدون، لربنا حامدون] (١).

стр. 2539

وفي سنن أبي داود بسند صحيح عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [صلاة الضحى صلاة الأوابين] (١). ٢٦ - ٢٨. قوله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (٢٨)﴾. في هذه الآيات: أمْرُ الله تعالى بإعطاء ذي القرابة والمسكين وابن السبيل حقّه من البذل والإحسان، والابتعاد عن التبذير فإنه منهج الشيطان. واختيار الردّ بالحسنى والوعد الطيب لأهل المسألة حالة العجز ورجائك عطاء المنان. فعن ابن عباس: (قوله: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ قال: هو أن تصل ذا القرابة والمسكين وتحسن إلى ابن السبيل). والآية عطف على سابقتها، فبدأ سبحانه وصيته ببر الوالدين، ثم عطف بذكر الأرحام والوصية بالأقربين، وكذلك المسافر المنقطع والمسكين. وفي التنزيل: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الروم: ٣٨]. وأما السنة المطهرة فقد تواترت فيها النصوص في ذلك: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ قال: [مَنْ أَحَبَّ أن يُبْسَطَ له في رزقِه، وَيُنْسَأَ له في أثرِهِ، فليصل رحمه] (٢). الحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [إنّ الله خَلَقَ الخَلْقَ حتى إذا فرغ من خَلْقِهِ، قالت الرَّحم: هذا مقامُ العائذِ بِكَ من القطيعة؟ قال: نَعَمْ، أما تَرْضَينَ أن أصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وأقْطَعَ من قَطَعَكِ؟ قالت: بلى

стр. 2540

يا رب، قال: فَهُوَ لكِ. قال رسول الله ﷺ . فاقرؤوا إن شئتم. ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢]] (١). الحديث الثالث: أخرج الترمذي والحاكم وأحمد بسند جيد عن أبي هريرة مرفوعًا: [تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، فإن صلة الرحم محبة في الأهل، مثراة في المال، منسأة في الأثر] (٢). وله شاهد عند الطبراني من حديث عمرو بن سهل بلفظ: [صلة القرابةِ مثراةٌ في المال، مَحَبَّةٌ في الأهل، منسأة في الأجل]. وقوله: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾. التبذير الإنفاق في غير حق. قال قتادة: (التبذير الإنفاق في المعصية، وفي غير الحق وفي الفساد). وقال مجاهد: (لو أنفق إنسان ماله كله في الحق لم يكن مبذرًا. ولو أنفق مُدًّا في غير حقه كان مبذرًا). وقوله: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾. يعني أشباههم في ذلك. قال النسفي: (أمثالهم في الشرارة، وهي غاية المذمة لأنه لا شر من الشيطان، أو هم إخوانهم وأصدقاؤهم لأنهم يطيعونهم فيما يأمرونهم به من الإسراف). وقوله: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾. أي جحودًا، لأنه تجاهل نعمة الله عليه وأهمل شكره وعمل بمعصيته. قال القرطبي: (أي احذروا متابعته والتشبه به في الفساد). والخلاصة: إنَّ هذه الأمة وسط في الإنفاق كما هي وسط في كل شيء، لا غلو ولا إفراط ولا تفريط. وفي التنزيل: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧]. ومن كنوز صحيح السنة في آفاق معنى الآية أحاديث: الحديث الأول: روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الله تعالى يرضى لكم ثلاثًا، ويكره لكم ثلاثًا: فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن

стр. 2541

تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفوقوا، ويكره لكم: قِيْلَ وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال] (١). الحديث الثاني: أخرج الطبراني بسند حسن عن حسين بن علي مرفوعًا: [إن الله يحبُّ معاليَ الأمور وأشرافها، ويكرهُ سَفْسَافَها] (٢). وفي لفظ عند الحاكم من طريق سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الله كريمٌ، يُحِبُّ الكرم ومعالي الأخلاق، وَيُبْغِضُ سَفْسَافَها] (٣). الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند جيد، عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: [أتى رجلٌ من بني تميم إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إني ذو مالٍ كثير، وذو أهل وَوَلدٍ وحاضِرَة، فأخبرني: كيف أُنفِقُ وكيف أصنَعُ؟ فقال رسول الله ﷺ : تخرج الزكاة من مالك، فإنها طُهْرةٌ تُطَهِّرُك، وتصِل أقرباءك، وتعرف حقَّ السَّائل والجار والمسكين. فقال: يا رسول الله، أقلل لي؟ قال: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾، فقال: حسبي يا رسول الله، إذا أديتُ الزكاةَ إلى رسولك فقد برئتُ منها إلى الله وإلى رسوله؟ فقال رسول الله ﷺ : نعم، إذا أديتها إلى رسولي فقد برئت منها، فلك أجرها، وإثمُها على من بدلها] (٤). وقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾. قال ابن جريج، قال عكرمة: (إن سألوك فلم يجدوا عندك ما تعطيهم ابتغاء رحمة، قال: رزق تنتظره ترجوه ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ قال: عدهم عدة حسنة: إذا كان ذلك، إذا جاءنا ذلك فعلنا، أعطيناكم، فهو القول الميسور). وقال الحسن: (قل لهم قولًا لينًا سهلًا).

стр. 2542

وخلاصة المعنى: أي إن سألك أقرباؤك ومن أُمرت بإعطائهم وليس عندك شيءٌ، فعِدْهم بلين ورفق بالوصل إن شاء الله. ٢٩ - ٣٨. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٣٠) وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (٣١) وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢) وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٣٥) وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦) وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (٣٧) كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨)﴾. في هذه الآيات: وصية الله تعالى عباده بالاقتصاد في العيش والبعد عن الإسراف أو البخل والله هو الرزاق الكريم. والتحذير من قتل الأولاد خشية الفقر فإن ذلك من سبيل الشيطان الرجيم. والنهي عن الاقتراب من الزنى أو قتل النفس التي حرم الله أو أخذ مال اليتيم أو الغش واللعب بالميزان فكل ذلك يسخط الرحمان الرحيم. وكذلك القول في الدين بغير علم أو الاتباع بالتوهم والظن، وكذلك الكبر والعجب، كل ذلك محرم في الدين. فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾. أَمْرٌ بالاقتصاد في العيش والبعد عن الإسراف أو البخل، وعبّر عن البخل بإمساك المغلولة يده إلى عنقه، فلا يستطيع بسطها، وعبّر عن الإسراف ببسط اليد فلا يبقى فيها شيء. قال الحسن: (لا تجعلها مغلولة عن النفقة، ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا﴾: تبذّر بسرف). وقال

стр. 2543

ابنِ زيد: (﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ قال: مغلولة لا تبسطها بخير ولا بعطية، ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ في الحق والباطل، فينفد ما معك، وما في يديك، فيأتيك من يريد أن تعطيه فيحسر بك، فيلومك حين أعطيت هؤلاء، ولم تعطهم). قال ابن عرفة: (﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾: يقول لا تسرف ولا تُتلف مالك فتبقى محسورًا منقطعًا عن النفقة والتصرف، كما يكون البعير الحسير، وهو الذي ذهبت قوته فلا انبعاث به). قلت: والحسير مأخوذ من الكَلال والإعياء. فإن العرب تقول: حَسَرَ البعير إذا أعْيا. وفي التنزيل: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٤]. أي كليل منقطع. ومن كنوز السنة في آفاق معنى الآية أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: [مَثَلُ البخيل والمُنْفقِ كمثلِ رَجُلينِ عَلَيْهما جُبَّتانِ مِنْ حديدٍ مِنْ ثُدِيِّهِما إلى تَرَاقيهما، فأما المُنْفِقُ فلا يُنْفِقُ إلا سَبَغَتْ أو وَفَرَتْ على جِلْدِه حتى تُخْفِيَ بَنانَه، وَتَعْفُوَ أثَرَهُ. وأما البخيل فلا يريد أن يُنْفِقَ شيئًا إلا لَزِقَتْ كل حَلْقَةٍ مكانَها فهو يُوَسِّعُها ولا تَتَّسِعْ] (١). وفي لفظ: [ضرب رسول الله ﷺ مَثَلَ البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جُبَّتان من حديد قد اضْطَرّت أيديهما إلى ثُديِّهما وتراقِيهما، فجعل المتصدق كلما تصدَّق بصدقة انبسطت عنه حتى تغشى أنامِلَهُ وتَعْفُوَ أثره (٢)، وجعل البخيل كلما هم بصدقة قلصت وأخذت كلُّ حَلْقةٍ بمكانها. قال أبو هريرة: فأنا رأيت رسول الله ﷺ يقول بأصبعيه هكذا في جَيْبه فلو رَأيْتَه يُوَسِّعها ولا تتوسَّع]. الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن هشام بن عُروة، عن زوجته فاطمة بنتِ المنذر، عن جَدَّتها أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: قال رسول الله ﷺ :

стр. 2544

[أَنْفِقي هكذا وهكذا وهكذا، ولا توعي فيوعِيَ الله عليك، ولا توكي فيوكِيَ الله عليك] (١). وفي لفظ: [ولا تُحصِي فَيحصيَ الله عليك]. وفي لفظ: [أنفقي ولا تحصي، فيحصي الله عليك، ولا توعي فيوعيَ الله عليك]. الحديث الثالث: أخرج الشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [ما مِنْ يوم يُصبح العبادُ فيه إلا ومَلَكان يَنْزلان من السماء، يقول أحدهما: اللهم أعطِ مُنْفقًا خَلَفًا، ويقول الآخر: اللهم أعْطِ ممسكًا تَلَفًا] (٢). الحديث الرابع: أخرج البزار بسند صحيح عن بلال - وعن أبي هريرة - أن النبي ﷺ قال: [أنْفِقْ يا بلالُ! ولا تخشَ من ذي العرشِ إقلالًا] (٣). وله شاهد في معناه عند الإمام مسلم من طريق مَعْمر، عن همّام، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الله قال لي: أَنْفِقْ أنفِقْ عليك] (٤). الحديث الخامس: أخرج أبو داود بسند صحيح من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ مرفوعًا: [إياكم والشُّحَ، فإنه أهلكَ مَنْ كان قَبْلكم، أمرهم بالبُخْل فَبَخِلوا، وأمَرَهُم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور فَفَجَرُوا] (٥). الحديث السادس: أخرج البيهقي وأحمد بسند صحيح عن بريدة قال: قال رسول الله ﷺ : [ما يُخرج رجلٌ شيئًا من الصدقة، حتى يفكَّ عنها لَحْيَيْ سبعين شيطانًا] (٦)،

стр. 2545

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ قال ابن زيد: (يقدر: يقلّ، وكل شيء في القرآن يَقْدِرُ كذلك، ثم أخبر عباده أنه لا يرزؤُه ولا يؤوده أن لو بسط عليهم، ولكن نظرًا لهم منه، فقال: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧]. قال: والعرب إذ كان الخصب وبُسطَ عليهم أشِروا، وقتل بعضهم بعضًا، وجاء الفساد، فإذا كان السنة شُغِلوا عن ذلك). وخلاصة المعنى: إن ربك - يا محمد - يوسع رزقه على من يشاء ويُقَتِّر على من يشاء من عباده، فهو سبحانه ذو خِبْرة بهم، يعلم من تصلحه سعة الرزق ومن تفسده، فهو الحكيم في تصريف شؤون عباده وتدبير معايشهم وأرزاقهم. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾. قال مجاهد: (﴿خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ الفاقة والفقر). وقال قتادة: (أي خشية الفاقة، وقد كان أهل الجاهلية يقتلون أولادهم خشية الفاقة، فوعظهم الله في ذلك، وأخبرهم أن رزقهم ورزق أولادهم على الله). والآية تدل على رحمة الله بعباده أكثر من الوالد بولده، فقد كان أهل الجاهلية لا يورِّثون البنات، وربما قتل أحدهم ابنته لئلا تكثر عيلته، فأخبر سبحانه أن هذا القتل ذنب كبير عند الله. فقال سبحانه: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ أي: إثمًا عظيمًا. وقرأ بعضهم ﴿كان خَطَأً كبيرًا﴾، والمعنى متقارب. وفيم سورة الأنعام آية مشابهة: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١]. وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: [قلت: يا رسول الله، أيُّ الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله نِدًّا وهو خلقك. قلتُ: ثم أيُّ؟ قال: أن تقتل ولَدك خشية أن يَطْعَمَ معك. قلت: ثم أي؟ قال: أن تُزَاني حَليلةَ جارِك] (١). وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾. نهي عن مقاربة الزنا ودواعيه، أو التماس أسبابه، فإنه كان ذنبًا كبيرًا وسَاءَ طريقًا

стр. 2546

ومسلكًا. قال القرطبي: (قال العلماء: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ أبلغ من أن يقول: ولا تزنوا، فإن معناه لا تدنوا من الزنى). والزنى يمد ويقصر، وقوله: ﴿سَبِيلًا﴾ قد نصب على التمييز، والتقدير: وساء سبيله سبيلًا. قلت: وأول طريق الزنى إطلاق البصر، فإن الاستهتار به يورث ما بعده، والشيطان يزين المعصية ولا يزال بالعبد يوسوس له بعدها، فَيُسَهِّل له اللمس والقبلة حتى يقع في الفاحشة. ومن هنا جاء أمر الله تعالى بغض البصر: قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠]. ثم جاء تفصيل فساد ذلك الطريق في السنة المطهرة في أحاديث: الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: [كُتِبَ على ابن آدم نصيبُه من الزِّنا مُدْرِكٌ ذلك لا محالة: فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسانُ زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرِجل زناها الخُطا، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه] (١). الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي سعيد، أن رسول الله ﷺ قال: [لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا يُفْضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تُفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد] (٢). الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن أبي أمامة قال: [إن فتىً شابًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا. فأقبل القومُ عليه فزجَرُوه، وقالوا: مَهْ مَهْ. فقال: ادنُهْ. فدنا منه قريبًا، فقال: اجْلس. فَجَلس، قال: أَفتُحبُّه لأمّك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداك. قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم. قال: أفتحبُّه لابنتك؟ قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداك. قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم، قال: أتحبُّه لأختك؟ قال: لا والله، جعلني الله فِداك. قال: ولا الناس يُحبونه لأخواتهم، قال: أفتحبُّه لِعَمَّتِك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداك. قال: ولا الناس يحبونه

стр. 2547

لعماتهم. قال: أفتحبه لخالتِك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداك. قال: ولا الناس يحبّونه لخالاتهم. قال: فوضعَ يَده عليه وقال: اللهم، اغفِر ذنبه، وطهِّر قلبه، وحَصِّن فرجه. قال: فلم يكنْ بعد ذلك الفتى يلتفتُ إلى شيء] (١). وقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾. نهيٌ عن قتل النفس بغير سبب شرعي. قال قتادة: (وإنا والله ما نعلم بحلّ دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، إلا رجلًا قتل متعمدًا، فعليه القَوَد، أو زَنى بعد إحصانه فعليه الرجم، أو كفر بعد إسلامه فعليه القتل). وفي التنزيل: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣]. وفي الصحيحين - واللفظ للبخاري - عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : [لا يَحِلُّ دَمُ امرئٍ مُسْلمٍ يَشْهَدُ أنْ لا إله إلا الله، وأني رسولُ الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيِّبُ الزاني، والمُفارِقُ لدينهِ التارِكُ للجماعة] (٢). وفي جامع الترمذي وسنن النسائي عن ابن عمر، ﵄، عن رسول الله ﷺ قال: [لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم] (٣). ورواه ابن ماجه من حديث البراء بلفظ: [لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق]. وقوله: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾. قال ابن جرير: (يقول: فقد جعلنا لولي المقتول ظلمًا سلطانًا على قاتل وليه، فإن شاء استقاد منه فقتله بوليه، وإن شاء عفا عنه، وإن شاء أخذ الدية). قلت: وقد جاءت السنة الصحيحة بذلك، وحدّدت فيها الدية الشرعية في القتل العمد.

стр. 2548

فقد أخرج ابن ماجه بسند حسن عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ : [مَنْ قَتَلَ عَمْدًا، دُفِعَ إلى أولياء القتيل. فإن شاؤوا قَتَلوا، وإنْ شاؤوا أخذوا الدية. وذلك ثلاثون حِقَّةً، وثلاثون جَذَعَةً، وأربعونَ خَلِفَةً. وذلك عَقْلُ العَمْدِ. ما صُولِحوا عليه، فهو لهم. وذلك تشديد العَقْلِ] (١). وقوله: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ - فيه ثلاثة أقوال متكاملة. ١ - لا يقتل غير قاتله. قاله الضحاك والحسن ومجاهد وسعيد بن جبير. ٢ - لا يقتل بدل وليِّه اثنين كما كانت العرب تفعله. قال مجاهد: (لا يسرف القاتل في القتل). وقال الحسن: (كان الرجل يُقتل فيقول وليه: لا أرضى حتى أقتل به فلانًا وفلانًا من أشراف قبيلته). وقال سعيد بن جبير: (لا تقتل اثنين بواحد). ٣ - لا يُمَثَّل بالقاتل. قال طلق بن حبيب: (﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾: لا تقتل غير قاتله، ولا تُمَثِّلْ به). وقال قتادة: (لا تقتل غير قاتلك، ولا تمثِّل به). وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾. قال مجاهد: (إن المقتول كان منصورًا). وقيل المراد الولي وهو أقرب للسياق. قال ابن كثير: (أي: إن الولي منصورٌ على القاتل شرعًا، وغالبًا قَدَرًا). وقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. قال النسفي: (أي: بالخصلة والطريقة التي هي أحسن، وهي حفظه وتثميره). وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]. وفي صحيح مسلم عن أبي ذرٍّ، أن رسول الله ﷺ قال: [يا أبا ذَرٍّ! إني أراك

стр. 2549

ضعيفًا، وإني أحِبُّ لك ما أُحِبُّ لِنَفْسي، لا تأمَّرَنَّ على اثنين، ولا تولَّيَنَّ مال يتيم] (١). وقوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾. قال ابن جرير: (يقول: حتى يبلغ وقت اشتداده في العقل، وتدبير ماله، وصلاح حاله في دينه). وقوله: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾. قال الزجاج: (كل ما أمر الله به ونهى عنه فهو من العهد). وقال القاسمي: (﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ أي العقد الذي تعاقدون به الناس في الصلح بين أهل الحرب والإسلام، وفيما بينكم أيضًا. والبيوع والأشربة والإجارات ونحوها ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ أي مطلوبًا. يطلب من المعاهد الثبات عليه، وعدم إضاعته. أو: صاحبه مسؤول عن نقضه إياه. والمعنى: لا تنقضوا العهود الجائزة بينكم وبين من عاهدتموهم، فتخفروها وتغدروا بمن أعطيتموه إياها). وقوله: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾. أي: إذا كلتم للناس فأوفوهم حقوقهم ولا تبخسوهم شيئًا، وزنوا بالميزان المستقيم، وهو العدل الذي لا اعوجاج فيه. قال مجاهد: (القسطاس: العدل بالرومية). وقال الحسن: (القَبَّان). وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾. قال قتادة: (أي خير ثوابًا وعاقبة). قلت: ولا شك أن الوفاء بالكيل، والوزن بالعدل والقسط، يَعُمّ خيره معاش الناس ومعادهم، فإن الغش والتلاعب في البيوع والتجارة يُفسد نفوس الناس وعلاقاتهم، ويُثقل تبعات ذلك أوزارهم في أخراهم. وقوله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ - فيه قولان متقاربان: ١ - قال ابن عباس: (يقول: لا تقل). وقال قتادة: (لا تقل رأيت ولم تر، وسمعت ولم تسمع، (وعلمت ولم تعلم)، فإن الله ﵎ سائلك عن ذلك كله). ٢ - قال ابن عباس: (يقول: لا ترم أحدًا بما ليس لك به علم). قال ابن جرير: (وأصل القفو: العضه والبهت. ومنه قول النبي ﷺ : "نحن بنو النَّضْر بن كِنانةَ لا نَقْفو أمَّنا ولا نَنْتفي من أبينا"). وخلاصة المعنى: نهيٌ من الله تعالى عباده عن القول بغير علم، أو الاتباع بالتوهم

стр. 2550

والظن والخيال، بل لا بد من الحجة البالغة في صحة الأقوال والأفعال عند التماس الحق أو التحاكم. وفي التنزيل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]. وفي صحيح السنة المطهرة في ذلك أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: [إياكُم والظَّنَّ، فإن الظَّنَ أكْذَبُ الحديث، ولا تَحَسَّسُوا، ولا تَجَسَّسُوا، ولا تناجَشُوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عبادَ الله إخوانًا] (١). الحديث الثاني: أخرج أحمد والبخاري من حديث ابن عباس مرفوعًا: [مَنْ تَحَلَّمَ حلمًا كُلِّفَ يوم القيامة أن يَعْقِدَ بين شعيرتين، وليس بفاعل] (٢). الحديث الثالث: أخرج البخاري في صحيحه من حديث ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: [إنَّ مِنْ أفرى الفِرى أن يُرِيَ عَيْنَهُ ما لمْ تَرَ] (٣). الحديث الرابع: أخرج أبو داود بسند صحيح عن أبي مسعود، قال لأبي عبد الله، أو قال أبو عبد الله لأبي مسعود: ما سمعت رسول الله ﷺ يقول في: "زعموا"؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ زَعَموا] (٤). قال أبو داود: أبو عبد الله هذا: حذيفة. الحديث الخامس: أخرج ابن ماجه بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [مَنْ تقوَّلَ عَلَيَّ ما لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأ مقعده من النار] (٥).

стр. 2551

الحديث السادس: أخرج ابن ماجه بسند حسن عن أبي قتادة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول، على هذا المنبر: [إياكم وَكَثْرَةَ الحديث عني. فمن قال عليَّ فليقُل حقًّا أو صِدْقًا. ومَنْ تقوَّلَ عليَّ ما لم أقُلْ، فليتبوأ مَقْعَدَهُ من النار] (١). وقوله: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾. قال ابن جرير: (معناه: إن الله سائل هذه الأعضاء عما قال صاحبها، من أنه سمع أو أبصر أو علم، تشهد عليه جوارحه عند ذلك بالحق). وقوله: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾. أي: متبخترًا متكبرًا متمايلًا كتمايل أهل العُجُب والتجبُّر. وقوله: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ﴾ أي: إنك لن تقطع الأرض باختيالك. قال النسفي: (لن تجعل فيها خرقًا بدوسك لها وشدة وطأتك). وقوله: ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾. قال قتادة: (يعني بكبرك وموحك). وقال: (لا تمش في الأرض فخرًا وكبرًا، فإن ذلك لا يبلغ بك الجبال، ولا تخرق الأرض بكبرك وفخرك). وقيل: بل المقصود لن تحاذي الجبال قوة. وفى التنزيل: قول لقمان لابنه: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨]. وفي السنة المطهرة من آفاق مفهوم هذه الآية أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن حارثة بن وهب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عُتُلٍّ جوّاظ مستكبر] (٢). الحديث الثاني: خرّج مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: [لا يدخل الجنة من كان في قلبه مِثقالُ ذرة من كِبر. فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة؟ قال: إن الله جميلٌ يحب الجمال، الكبر بطرُ الحق وغمْطُ الناس] (٣). الحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال:

стр. 2552

[بينما رجل يمشي في حلة تُعْجِبُه نفسُه، مُرَجِّلٌ رأسَه، يختال في مِشْيَتهِ، إذ خسف الله به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة] (١). الحديث الرابع: أخرج البيهقي بسند حسن عن أنس، أن النبي ﷺ قال: [لو لم تكونوا تذنبون، لخِفت عليكم ما هو أكبر من ذلك، العُجْبَ العجب] (٢). وقوله تعالى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾. قال ابن كثير: (أما من قرأ "سيئةً"، أي: فاحشة: فمعناه عنده: كُلُّ هذا الذي نهينا، من قوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ إلى ها هنا، فهو سيّئة مُؤاخَذ عليها ﴿مَكْرُوهًا﴾ عند الله، لا يحبه ولا يرضاه. وأما من قرأ ﴿سَيِّئُهُ﴾ على الإضافة فمعناه عنده، كُلُّ هذا الذي ذكرناه من قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ إلى ها هنا، فسيئه، أي: قبيحه مكروه عند الله، هكذا وجَّه ذلك ابن جرير ﵀. ٣٩ - ٤٤. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (٣٩) أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤١) قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢) سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣) تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾. في هذه الآيات: إعلامُ الله تعالى نبيّه ﷺ أَنَّ ما أَمَرَهُ به من تلك الأخلاق الجميلة وما نهاهُ عنه من الصفات الذميمة إنما هو وَحْيٌ ليبلغه الناس، وأنَّ أخطر تلك النعوت السيئة هو الشرك بالله الذي يوقع صاحبه في جهنم ملومًا مدحورًا. وردُّ على مشركي العرب قولهم: الملائكة بنات الله. وأنَّ هذا القرآن مليء بالحجج والعبر والأمثال

стр. 2553

لينزجر الظالمون عن الشرك بالله. إن الله هو الواحد الأحد الذي تسبح له السماوات والأرض ومن فيهن وهو الحليم الغفور. فقوله: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾. قال المهايمي: (أي من العلم المحكم الذي لا يتغير بشبهة). وقال القاسمي: (أي مما يحكم العقل بصحته، وتصلح النفس بأسوته). قال ابن كثير: (يقول تعالى: هذا الذي أمرناك به من الأخلاق الجميلة، ونَهيناكَ عنه من الصفات الرذيلة، مما أوحيناه إليك يا محمد، لتأمر به الناس). وقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾. أي: ولا تشرك بالله في عبادتك فتلقى في جهنم ملومًا - تلومك نفسك وعارفوك من الناس - مُبْعدًا مقصيًا في النار. والخطاب للأمة على لسان نبيها المعصوم ﷺ . قال ابن عباس: (﴿مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ يقول: مطرودًا). وقوله تعالى: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾. رَدُّ على مشركي العرب في قولهم: الملائكة بنات الله. قال ابن جرير: (يقول: أفخصكم ربكم بالذكور من الأولاد ﴿وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا﴾ وأنتم لا ترضونهن لأنفسكم، بل تئدونهن، وتقتلونهن، فجعلتم لله ما لا ترضونه لأنفسكم). قال القاسمي: (﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ أي بإضافة الأولاد إليه، وهي خاصة المحدثات. ثم بإيثاركم أنفسكم عليه، حيث تجعلون له ما تكرهون). وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾. أي: ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من العبر والأمثال، والتذكير بالوعد والوعيد، لعلهم يذّكرون تلك الحجج والمواعظ فينزجروا عن تعظيم غير الله والشرك به والافتراء والظلم، ولكن الظالمين لا يزدادون بهذه الذكرى إلا بعدًا عن الحق وكبرًا وكفرًا. وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾. قال قتادة: (يقول: لو كان معه آلهة إذن لعرفوا فضله ومرتبته ومنزلته عليهم، فابتغوا ما يقرّبهم إليه). قال: (لا تبغوا القُرب إليه، مع أنه ليس كما يقولون). قال ابن جرير: (- يقول -: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين جعلوا مع الله إلهًا آخر لو كان الأمر كما تقولون، من أن معه آلهة، وليس ذلك كما تقولون، إذن لابتغت تلك الآلهة القُربة من الله ذي العرش العظيم، والتمست الزُّلفة إليه، والمرتبة منه).

стр. 2554

وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾. قال القرطبي: (نزّه سبحانه نفسه وقدّسه ومجده عما لا يليق به). وقوله: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾. أي تقدّسه السماوات السبع وتمجّده وتعظمه سبحانه، وكذا الأرض، ومن فيهن من سائر المخلوقات، والكل يشهد أنه الرب الواحد الأحد، الإله الحق الصمد. وقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾. قال قتادة: (كل شيء فيه الروح يسبح، من شجر أو شيء فيه الروح). قلت: بل الحيوانات والنباتات والجمادات كلها تسبح الله العظيم، في لغات لا يعلمها إلا الله السميع العليم. وفي التنزيل: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [النور: ٤١]. ومن كنوز صحيح السنة في آفاق معنى هذه الآية أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: [كنا نسمَعُ تسبيح الطعام وهو يُؤكل] (١). وفي رواية: [كنا نأكل مع رسول الله ﷺ -الطعام ونحن نسمع تسبيحه]. الحديث الثاني: أخرج مسلم عن جابر بن سَمُرَة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم عليّ قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن] (٢). الحديث الثالث: يروي ابن ماجه بسند صحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [المؤذن يُغْفَرُ له مَدي صوته. ويستغفِرُ له كُلُّ رَطْبٍ ويابِسٍ وشاهدُ الصلاة يُكتب له خمسٌ وعشرون حسنةً، ويُكَفَّرُ له ما بينهما] (٣). الحديث الرابع: أخرج البخاري في صحيحه عن مالك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صَعْصَعَةَ الأنصاري ثم المازني، عن أبيه أنه أخبره أن أبا سعيد الخدري قال له: [إني أراك تُحِبُّ الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمِكَ أو

стр. 2555

بادِيَتِكَ فأذَّنْتَ للصلاة فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوتِ المؤذِّن جِنٌّ ولا إِنْسٌ ولا شيءٌ إلا شهد له يوم القيامة. قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله ﷺ ] (١). ورواه ابن ماجه بلفظ: [إذا كنت في البوادي، فارفع صوتك بالأذان. فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يَسْمَعُه جِنٌّ ولا إِنْسٌ ولا شَجَرٌ ولا حَجَرٌ إلا شهِدَ له]. الحديث الخامس: أخرج أحمد ورجاله ثقات من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: [إن نبيَّ الله نوحًا ﷺ لما حضرته الوفاة قال لابنه: إني قاص عليك الوصية، آمرك باثنتين وأنهاك عن اثنتين، آمرك بـ "لا إله إلا الله"، فإن السماوات السبع والأرضين السبع لو وضعت في كفة، ووضعت لا إله إلا الله في كفة، رجحت بهن لا إله إلا الله، ولو أن السماوات السبع والأرضين السبع كنَّ حَلقة مبهمة قصمتهن لا إله إلا الله. وسبحان الله وبحمده، فإنها صلاة كل شيء، وبها يرزق الخلق. وأنهاك عن الشرك والكبر] الحديث (٢). وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ أي: يحلم على عباده فلا يعاجل العصاة منهم بالعقوبة، بل يؤجلهم ويُنْظرهم ويفسح لهم وقتًا للتوبة، فإن تابوا غفر لهم. ٤٥ - ٤٨. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (٤٦) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٤٧) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٤٨)﴾. في هذه الآيات: مكرُ الله تعالى بالمشركين بجعل المانع الحائل بين القرآن وقلوبهم وآذانهم مقابل تكذيبهم واتهامهم النبي ﷺ بالرجل المسحور، فلا يهتدون سبيلًا.

стр. 2556

فعن قتادة: (قوله: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ قال: الحجاب المستور أكنة على قلوبهم أن يفقهوه وأن ينتفِعُوا به، أطاعوا الشيطان فاستحوذ عليهم). والمقصود: أن الله تعالى جعل مانعًا حائلًا بين القرآن والمشركين جزاء استهتارهم بالوحي العظيم. قيل: ﴿حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ بمعنى ساتر. وقيل مستورًا عن الأبصار فلا تراه، وهو مع ذلك حجاب بينهم وبين الهدى. وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾. ﴿أَكِنَّةً﴾: جمع كنان، وهو ما ستر الشيء، والمراد ما يغشى القلب. ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾، أي: لئلا يفهموا هذا القرآن. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وجعلنا على قلوب هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة عند قراءتك عليهم القرآن أكنة، وهي جمع كنان، وذلك ما يتغشَّاها من خذلان الله إياهم عن فهم ما يُتلى عليهم). وقوله: ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾. الوَقر في الأذن: الثقل. قال ابن كثير: (وهو الثِّقلُ الذي يمنعهم من سماع القرآن سماعًا ينفعهم ويهتدون به). وقوله: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾. أي: إذا عظمت ربك وحده أثناء تلاوتك القرآن - يا محمد - وقلت موحدًا: لا إله إلا الله أدبر المشركون راجعين. قال أبو الجَوْزاء أوْس بن عبد الله: (ليس شيء أطْرَدَ للشيطان من القلب من قول لا إله إلا الله، ثم تلا: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾. وقال قتادة: (إن المسلمين لما قالوا: "لا إله إلا الله"، أنكر ذلك المشركون، وكبُرت عليهم، وَصَافَّها إبليس وجنودُه، فأبى الله إلا أن يُمْضِيَها وينصرَها ويظهرها على من ناوأَها، إنها كلمة من خاصم بها فَلَج، ومن قاتَلَ بها نُصِرَ، إنما يَعْرِفُها أهل هذه الجزيرة من المسلمين، التي يقطعها الراكب في ليال قلائلَ، ويسير الدهر في فئام من الناس لا يعرفونها ولا يقرّون بها). وقوله: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾. قال القرطبي: (قيل: الباء زائدة في قوله ﴿بِهِ﴾ أي يستمعونه. وكانوا يستمعون من النبي ﷺ القرآن ثم ينفرون فيقولون: هو ساحر ومسحور، كما أخبر الله تعالى به عنهم، قاله قتادة وغيره. ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ أي متناجون في أمرك). قال مجاهد: (هي مثل قيل الوليد بن المغيرة

стр. 2557

ومن معه في دار الندوة). وقال قتادة: (ونجواهم أن زعموا أنه مجنون، وأنه ساحر، وقالوا: أساطير الأولين). وقوله: ﴿إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾. أي: إذ يقول الظالمون أمثال أبي جهل والوليد بن المغيرة للناس: إن تتبعون إلا رجلًا مَطْبوبًا قد خبله السحر فاختلط عليه أمره، ومرادهم بذلك تنفير الناس عن النبي ﷺ . وقوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾. قال مجاهد: (مخرجًا، الوليد بن المغيرة وأصحابه). قال القاسمي: (أي: مثلوك بالشاعر والساحر والمجنون ﴿فَضَلُّوا﴾ أي عن الحق والهداية بك ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ أي فلا يهتدون لطريق الحق لضلالهم عنه وبعدهم منه. وأن الله قد خذلهم عن إصابته. أو المعنى: فلا يستطيعون سبيلًا إلى طعن يمكن أن يقبله أحد، بل يخبطون بما لا يرتاب في بطلانه أحد. كالمتحير في أمره لا يدري ماذا يصنع). ٤٩ - ٥٢. قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٤٩) قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (٥١) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (٥٢)﴾. في هذه الآيات: استهزاء الكافرين بأمر البعث بعد فناء العظام وزوال الأجسام، وتحدّي الله لهم بأنهم لو كانوا حجارة أو حديدًا أو أكبر من ذلك فإنهم مدعُوّون للوقوف بين يديه مع جميع الأنام، ويظنون حين ذلك أنهم ما لبثوا في غرور الدنيا إلا القليل من الأيام. فقوله: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا﴾. قال ابن عباس: (يقول: غُبارًا). وقال مجاهد: (رفاتًا: ترابًا). قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيل هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة من مشركي قريش، وقالوا بِعَنَتِهم: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا﴾ لم نتحطم ولم نتكسَّر بعد مماتنا وبلانا، ﴿وَرُفَاتًا﴾ يعني ترابًا في قبورنا). وقوله: ﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ - إنكار منهم للبعث بعد الموت.

стр. 2558

وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٨, ٧٩]. ٢ - وقال تعالى: ﴿يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠) أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (١١) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ [النازعات: ١٠ - ١٢]. وفي سنن الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة، وعن أبي سعيد قالا: قال رسول الله ﷺ : [يؤتى بالعبد يوم القيامة فيقول لَهْ: ألم أجعلْ لك سمعًا وبصرًا، ومالًا وولَدًا، وسَخَّرْتُ لك الأنعامَ والحرثَ، وتركتُكَ ترأسُ وتَرْبَعُ، فكنتَ تَظُنُّ أنكَ مُلاقِيَّ يَوْمَكَ هذا؟ فيقول: لا. فيقول له: اليوم أنساك كما نسيتني] (١). وقوله تعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾. قال القاسمي: (أي يعظم في نفوسكم عن قبول الحياة ويعظم في زعمكم على الخالق إحياؤه. فإنه يحييكم ولا يعجزه بعثكم. فكيف، إذا كنتم عظامًا مرفوتة وقد كانت موصوفة بالحياة قبل، والشيء أقبل لما عهد فيه مما لم يعهد). وقال مجاهد: (ما شئتم فكونوا، فسيعيدكم الله كما كنتم). وقال الضحاك: (كونوا الموت إن استطعتم، فإن الموت سيموت. وليس شيء أكبر في نفس ابن آدم من الموت). وقوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا﴾. أي: فسيقولون بعد إقامة الحجة عليهم ولزومها بهم: فمن يعيدنا؟ ! ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. قال قتادة: (﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ قال: السماء والأرض والجبال، ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي خلقكم). وقوله: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾. قال ابن عباس: (يقول: سيحركونها إليك استهزاء). وقال قتادة: (أي يحركون رؤوسهم تكذيبًا واستهزاء). وأصل النّغض في كلام العرب: حركة بارتفاع ثم انخفاض، أو بالعكس. وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾. أي: يقولون لك - يا محمد -

стр. 2559

فمتى البعث الذي تخبرنا عنه، ومتى يعيدنا خلقًا جديدًا! فقل لهم: إن الأمر قد يكون قريبًا، فكل آت قريب. وقوله: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾. قال ابن عباس: (يقول: بأمره). قال قتادة: (أي بمعرفته وطاعته). قال ابن كثير: (أي: تقومون كلكم إجابة لأمره وطاعة لإرادته). وقال ابن جرير: (معناه: فتستجيبون لله من قبوركم بقدرته، ودعائه إياكم، ولله الحمد في كل حال). قال القاضي: (استعار لهما الدعاء والاستجابة، للتنبيه على سرعتهما وتيسر أمرهما. وإن المقصود منهما الإحضار للمحاسبة والجزاء). وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠]. ٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]. ٣ - وقال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٣, ١٤]. وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض] (١). وقوله: ﴿وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾. قال قتادة: (أي في الدنيا، تحاقرت الدنيا في أنفسهم وقَلَّت، حين عاينوا يوم القيامة). وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ [طه: ١٠٢ - ١٠٤]. ٢ - وقال تعالى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٢ - ١١٤]. ٣ - وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ [الروم: ٥٥].

стр. 2560

٤ - وقال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٤٦]. وفي سنن الترمذي بسند حسن عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [كيف أنعم وصاحبُ الصور قد التقمه وأصغى سمعه وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر بالنفخ؟ فقالوا: يا رسول الله! وما تأمرنا؟ قال: قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل] (١). ٥٣ - ٥٧. قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (٥٣) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (٥٤) وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (٥٥) قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾. في هذه الآيات: أَمْرُ الله تعالى نبيّه ﷺ أن يأمر عباده اختيار الكلام الأحسن في مخاطباتهم ومحاوراتهم، وإلا نزغَ الشيطان بينهم وأوقعهم في شباك العداوة والبغضاء والاقتتال. إنّ ربكم أيها الناس أعلم من يستحق الهداية أو الخذلان، وأعلم بمن في السماوات والأرض لا يخفى عليه شيء، وقد فضل بعض النبيين على بعض وآتى داود زبورًا، فلا يُستبعد أن يؤتي محمدًا قرآنًا. إن آلهة المشركين لا تملك كشف الضر عنهم ولا تحويلًا. وكذلك فإن فئة الجن الذين كان بعض الإنس يعبدونهم أسلموا فهم يبتغون مرضاة ربهم ويخافون عذابه - وما زال أولئك الإنس يعبدونهم - وعذاب الله يحذره المؤمنون وسيحيط يومًا بالكافرين. فقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾. قال الحسن: (التي هي أحسن، لا يقول له مثل قوله، يقول له: يرحمك الله، يغفر الله لك). قال ابن كثير: (يأمر ﵎ رسوله ﷺ أن يأمر عباد الله المؤمنين أن يقولوا في مخاطباتهم ومحاوراتهم الكلام الأحسن والكلمة الطيبة،
следующие страницы →