← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

موسى، وقيل هو من الجبال ما أنبت. فإلى أقوال المفسرين في ذلك: ١ - قال مجاهد: (أمر موسى قومَه أن يدخلوا الباب سُجَّدًا ويقولوا ﴿حِطَّةٌ﴾، وطُوطئ لهم البابُ ليسجدوا، فلم يسجدوا ودخلوا على أدبارهِم، وقالوا: حِنْطة. فنتق فوقَهم الجبل -يقول: أخْرَجَ أصْلَ الجبل من الأرض فرفعَه فوقهم كالظُّلة- و ﴿الطُّورَ﴾، بالسريانية، الجبل- تخويفًا، أو خوفًا، شك أبو عاصم، فدخلوا سجدًا على خوف، وأعينهم إلى الجبل. هو الجبل الذي تجلّى له ربّه). وقال مجاهد: (رفع الجبل فوقهم كالسحابة، فقيل لهم: لتؤمنُنَّ أو ليقعَنَّ عليكم. فآمنوا. والجبل بالسريانية ﴿الطُّورَ﴾). وقال قتادة: (الطورُ الجبل. اقتلعه الله فرفعه فوقهم، فقال: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ فأقروا بذلك). وقال: (الطور الجبل، كانوا بأصله، فرُفع عليهم فوق رؤوسهم، فقال: لتأخُذُنَّ أمْري، أوْ لأرمِيَنَّكم به). وقال أبو العالية: (رفع فوقهم الجبل، يخوِّفهم به). وقال السدي: (لما قال الله لهم: ادخلوا الباب سجدًا وقولوا حطة. فأبوا أن يسجدوا، أمر الله الجبل أن يقع عليهم، فنظروا إليه وقد غشيهم، فسقطوا سُجدًا على شق، ونظروا بالشق الآخر، فرحمهم الله فكشفه عنهم فذلك قوله: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾، وقوله: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّور﴾). ٢ - قال ابن جريج، قال ابن عباس: (الطور، الجبل الذي أنزلت عليه التوراة -يعني على موسى-، وكانت بنو إسرائيل أسفلَ منه. قال ابن جريج. وقال لي عطاء: رُفع الجبل على بني إسرائيل، فقال: لتؤمنن به أو ليقعن عليكم. فذلك قوله: ﴿كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾). ٣ - وقال الضحاك: قال ابن عباس: (الطور من الجبال ما أنبت، وما لم ينُبت فليس بطور). وقوله: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾. يعني: التوراة. وقوله ﴿بِقُوَّةٍ﴾ فيه أكثر من تأويل: التأويل الأول: بطاعة. قال أبو العالية: (﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾، قال: بطاعة).

стр. 282

التأويل الثاني: بجد. قال قتادة: (القوة: الجد، وإلا قذفته عليكم. قال: فأقروا بذلك: أنهم يأخذون ما أوتوا بقوة). وقال السدي: (﴿بِقُوَّةٍ﴾، يعني: بجدّ واجتهاد). التأويل الثالث: بعمل. قال مجاهد: (﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾. قال: تعملوا بما فيه). وقال أيضًا: (بقوة: بعمل بما فيه). التأويل الرابع: بصدق وحق. قال ابن زيد: (خذوا الكتاب الذي جاء به موسى بصدق وحق). قلت: ولا شك أن القوة تشمل العمل بالطاعة بجد وعزيمة وصدق وحق. وقوله: ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾. قال الربيع: (يقول: اقرؤوا ما في التوراة واعملوا به). قال: (أُمروا بما في التوراة). وقال ابن زيد: (اعملوا بما فيه بطاعة لله وصدق، وقال: اذكروا ما فيه، لا تنسوه ولا تُغفلوه). وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾. قال ابن عباس: (تنزِعون عما أنتم عليه). قال ابن جرير: (يعني: واذكروا ما فيما آتيناكم من كتابنا من وعد ووعيد شديد، وترغيب وترهيب، فاتلوه، واعتبروا به، وتدبّروه إذا فعلتم ذلك، كي تتقوا وتخافوا عقابي، بإصراركم على ضلالكم، فتنتهوا إلى طاعتي، وتنزعوا عما أنتم عليه من معصيتي). وقوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾. أي: أعرضتم. ومثل هذا التولي مذموم في القرآن: قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [التوبة: ٧٦]. وقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ [الأنفال: ١٥]. وفي لغة العرب: "ولّى فلان فلانًا دبره" إذا استدبر عنه وخلّفه خلف ظهره.

стр. 283

قال القرطبي: (وأصله الإعراض والإدبار عن الشي بالجسم، ثم استعمل في الإعراض عن الأوامر والأديان والمعتقدات اتساعًا ومجازًا). وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾. أي: من بعد البرهان، وهو أخذ الميثاق ورفع الجبل، فنبذتموه وراء ظهوركم. وقوله: ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. أي: ولولا تفضّله سبحانه عليكم بالتوبة بعد نكثكم العهد وتجاوز ما كان منكم لهلكتم، والخطاب وإن كان لمن كان بين ظهراني مهاجر رسول الله ﷺ من أهل الكتاب، فإنما هو خبر عن أسلافهم، ويحمل في ثناياه تهديدًا للسامعين إن مضوا على سنة آبائهم. وعن أبي العالية: (﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، قال: "فضل الله"، الإسلام، ﴿وَرَحْمَتُهُ﴾، القرآن). ٦٥ - ٦٦. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)﴾. في هذه الآيات: يُذَكِّرُ الله سبحانه اليهود ما حل من البأس بأهل القرية التي عصت أمر الله باحتيالهم على ما أمروا به من تعظيم السبت وترك الصيد فيه، فتحيّلوا على اصطياد الحيتان في يوم السبت بما وضعوه لها من الحبائل والشصوص والبرك قبل يوم السبت، ليجمعوها بعد انقضاء السبت بغيًا ولعبًا على الشرع والأمر. فلما فعلوا ذلك مسخهم الله في صورة القردة، وجعلهم عبرة إلى يوم القيامة. قال الحافظ ابن كثير: (وهي أشبه شيء بالأناسي في الشكل الظاهر، وليست بإنسان حقيقة. فكذلك أعمال هؤلاء وحيلهم لما كانت مشابهة للحق في الظاهر ومخالفة له في الباطن، كان جزاؤهم من جنس عملهم). وقد ذكر الله سبحانه القصة أيضًا في سورة الأعراف حيث قال: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ

стр. 284

شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾. فإلى ذكر بعض أقوال المفسرين: ١ - عن الضحاك، قال ابن عباس: (﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ يقول: ولقد عرفتم. وهذا تحذير لهم من المعصية. يقول: أحذروا أن يصيبكم ما أصاب أصحاب السبت، إذ عصوني، اعتدوا - يقول: اجترؤوا - في السبت. قال: لم يبعث الله نبيًّا إلا أمره بالجمعة، وأخبره بفضلها وعِظَمها في السماوات وعند الملائكة، وأن الساعة تقوم فيها. فمن اتبعَ الأنبياء فيما مضى، كما اتبعت أمةُ محمد ﷺ محمدًا، قبِل الجمعة وسَمع وأطاع، وعرف فصلها وثبت عليها، كما أمر الله تعالى به نبيّه ﷺ . ومن لم يفعل ذلك، كان بمنزلة الذين ذكر الله في كتابه فقال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾. وذلك أن اليهود قالت لموسى - حين أمرهم بالجمعة، وأخبرهم بفضلها -: يا موسى، كيف تأمرنا بالجمعة وتفضلها على الأيام كلها، والسبت أفضل الأيام كلها، لأن الله خلق السماوات والأرض والأقوات في ستة أيام، وسَبَتَ له كل شيء مطيعًا يوم السبت، وكان آخر الستة؟ قال: وكذلك قالت النصارى لعيسى بن مريم - حين أمرهم بالجمعة - قالوا له: كيف تأمُرنا بالجمعة وأول الأيام أفضلها وسيِّدها، والأول أفضل، والله واحد، والواحد الأولى أفضل؟ فأوحى الله إلى عيسى: أن دعهم والأحدَ، ولكن ليفعلوا فيه كذا وكذا.- مما أمرهم به. فلم يفعلوا، فقص الله تعالى قصصهم في الكتاب بمعصيتهم. قال: وكذلك قال الله لموسى - حين قالت له اليهود ما قالوا في أمر السبت -: أن دعهم والسبت، فلا يصيدوا فيه سمكًا ولا غَيره، ولا يعملون شيئًا كما قالوا. قال: فكان إذا كان السبت ظهرت الحيتان على الماء، فهو قوله: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾، يقول: ظاهرة على الماء، ذلك لمعصيتهم موسى - وإذا كان غير يوم السبت، صارت صيدًا كسائر الأيام فهو قوله: ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾. ففعلت الحيتان ذلك ما شاء الله. فلما رأوها كذلك، طمعوا في أخذها وخافوا العقوبة، فتناول بعضهم منها فلم تمتنع عليه، وحذِرَ العقوبَة التي حذّرهم موسى من الله تعالى. فلما رأوا أن العقوبة لا تحلّ بهم، عادوا، وأخبرَ بعضهم بعضًا بأنهم قد أخذوا السمك ولم يصبهم شيء، فكثَّروا في ذلك، وظنوا أن ما قال لهم موسى كان باطلًا. وهو قول الله جل ثناؤه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ - يقول: لهؤلاء الذين صادوا السمك - فمسخهم الله قردة بِمعصيتهم).

стр. 285

٢ - وعن عكرمة، قال ابن عباس. (وكانوا في قرية بينَ أيْلة والطور يقال لها: "مَدْين". فحرّم الله عليهم في السبت الحيتان: صيدَها وأكلها. وكانوا إذا كان يومُ السبت أقبلت إليهم شُرَّعًا إلى ساحل بحرهم، حتى إذا ذهب السبت ذهبن. قال: حتى إذا طال عليهم الأمد وقَرِموا إلى الحيتان، عمد رجلٌ منهم فأخذ حوتًا سرًّا يوم السبت، فخرمه بخيط، ثم أرسله في الماء، وأوْتَدَ له وتدًا في الساحل فأوثقه، ثم تركه، حتى إذا كان الغدُ، جاء فأخذه - أي: إني لم آخذه في يوم السبت - ثم انطلق به فأكله. حتى إذا كان يوم السبت الآخر، عاد لمثل ذلك، ووجد الناسُ ريح الحيتان، فقال أهل القرية: والله لقد وجدنا ريحَ الحيتان! ثم عثروا على صنيع ذلك الرجل. قال: ففعلوا كما فعل، وأكلوا سرًّا زمانًا طويلًا، لم يعجل الله عليهم بعقوبة، حتى صادوها علانية وباعوها بالأسواق. وقالت طائفة منهم من أهل البقية (١): ويحكم! اتقوا الله! ونَهَوْهم عما كانوا يصنعون. وقالت طائفةٌ أخرى لم تأكل الحيتان، ولم تنه القوم عما صنعوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ لسخطنا أعمالهم - ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. قال ابن عباس: فبينما هم على ذلك، أصبحت تلك البقية في أنديتهم ومساجدهم، وفقدوا الناس فلا يَرونهم. فقال بعضهم لبعض: إن للناس لشأنًا! فانظروا ما هو! فذهبوا ينظرون في دورهم، فوجدوها مغلقة عليهم، قد دخلوا ليلًا فغلّقوها على أنفسهم، كما يُغَلِّقُ الناس على أنفسهم، فأصبحوا فيها قردة، وإنهم ليعرفون الرجل بعينه وإنه لقرد، والمرأة بعينها وإنها لقردة، والصبي بعينه وإنه لقرد. قال: فلولا ما ذكر الله أنّه أنجى الذين نَهَوْا عن السوء، لقلنا أهلك الجميع منهم. قالوا: وهي القرية التي قال الله لمحمد ﷺ : ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾). ٣ - وقال قتادة: (أحلت لهم الحيتان، وحُرِّمت عليهم يوم السبت بلاءً من الله، ليعلمَ من يطيعه ممن يعصيه. فصار القوم ثلاثة أصناف: فأما صنف فأمسك ونْهى عن المعصية، وأما صنف فأمسك عن حُرْمة الله، وأما صنف فانتهك حُرْمَة الله ومرد على المعصية. فلما أبوا إلا الاعتداء إلى ما نهوا عنه، قال الله لهم: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾، فصاروا قردة لها أذنابٌ، تَعاوى، بعد ما كانوا رجالًا ونساءً). ٤ - وقال السدي - في الذين اعتدوا في السبت -: (فاشتهى بعضهم السمك، فجعل

стр. 286

الرجل يحفر الحفيرة ويجعل لها نهرًا إلى البحر. فإذا كان يومُ السبت فتح النهر، فأقبل الموجُ بالحيتان يضربُها حتى يلقيها في الحفيبرة. ويريد الحوت أن يخرج، فلا يطيق من أجل قلة ماء النهر. فيمكث فيها. فإذا كان يوم الأحد جاء فأخذه. فجعل الرجل يشوي السَّمك، فيجد جارُه ريحَه، فيسأله فيخبره، فيصنع مثل ما صنع جارُه). وقوله: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾. قال مجاهد: (صاغرين). وقال الربيع: (أي أذلة صاغرين). وقال الضحاك عن ابن عباس: (خاسئًا، يعني ذليلًا). وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾. فيه قولان عن ابن عباس وثلاثة أقوال عن غيره: ١ - عن الضحاك، عن ابن عباس: (﴿فَجَعَلْنَاهَا فجعلنا تلك العقوبة - وهي المَسخة - ﴿نَكَالًا﴾). ٢ - عن ابن عباس: (﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾، يعني الحيتان). ٣ - قيل: فجعلنا القرية التي اعتدى أهلها في السبت. ٤ - قيل: فجعلنا القردة الذين مُسخوا ﴿نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾. ٥ - قيل: فجعلنا الأمة التي اعتدت في السبت ﴿نَكَالًا﴾. وكلها أقوال متقاربة تفيد الاعتبار بما نزل بهؤلاء القوم المكرة العصاة. وقوله: ﴿نَكَالًا﴾. قال ابن عباس: (يقول: عقوبة). وقوله: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾. فيه تفاسير متقاربة: ١ - عن ابن عباس: (﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ يقول: ليحذرَ مَنْ بعدهم عُقوبتي. ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ يقول: الذين كانوا بقُوا معهم). وقال الربيع: (﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾، لما خَلا لهم من الذنوب، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ أي: عبرة لمن بقِيَ من الناس). ٢ - قال ابن عباس: (﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾، أي: من القُرَى).

стр. 287

٣ - قال قتادة: (قال الله: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ - من ذنوب القوم - ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾، أي: للحيتان التي أصابوا). وفي رواية: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾، من ذنوبها، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ من الحيتان). وقال مجاهد: (﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾، ما مضى من خطاياهم إلى أن هلكوا به). وقال: (يقول: ﴿بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ ما مضى من خطاياهم، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ خطاياهم التي هلكوا بها). ٤ - وقال السدي: (أمّا ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ فما سلف من عملهم، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾، فمن كان بعدهم من الأمم، أن يعصوا فيصنع الله بهم مثل ذلك). ٥ - وقال ابن عباس: (يعني الحيتان، جعلها نكالًا ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾، من الذنوب التي عملوا قبل الحيتان، وما عملوا بعد الحيتان. فذلك قوله: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾). واختار ابن جرير في قوله "نكالًا" أنه عنى به العقوبة، والتأويل: (فجعلنا عقوبتنا لهم بالمسخ عقوبة لذنوبهم السالفة ولمن خلفهم ألا يعمل عملهم فيعاقب بمثل عقوبتهم). واختار ابن كثير أن الضمير في جعلناها عائد على القوية، أي فجعل الله هذه القرية، والمراد أهلها بسبب اعتدائهم في سبتهم ﴿نَكَالًا﴾ أي: عاقبناهم عقوبة، فجعلناها عبرة، لما حولها من القرى. وهذا كما قال تعالى في آية الأحقاف: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. وكما ذكر سبحانه في آية الرعد: ﴿وَلَا يَزَال الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ ... ﴾. وكما قال في آية الأنبياء: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا .. ﴾. قلت: وكلا التأويلين منسجم مع السياق ما قبله وما بعده. ثم قال تعالى: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾. قال ابن عباس: (يقول: وتذكرة وعبرة للمتقين). وقال: (يقول: للمؤمنين الذين يتقون الشرك ويعملون طاعتي). وقال: (﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ إلى يوم القيامة). وقال قتادة: (﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾، أي: بعدهم). وقال

стр. 288

السدي: (أما ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾، فهم أمة محمد ﷺ ). وقال الربيع: (فكانت موعظة للمتقين خاصة). و﴿وَمَوْعِظَةً﴾ وزنها مَفْعِلة، من الاتعاظ والانزجار. والوعظ: التخويف. قال الخليل: (الوعْظ: التذكير بالخير فيما يرق له القلب). ولا شك أن اللفظ يعم كل متّق بعدهم إلى يوم القيامة. يروي ابن بطة بسند حسن عن محمد بن عمرو عن أبي مسلمة، عن أبي هريرة: [أنّ رسول الله ﷺ قال: لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فَتَسْتَحِلّوا محارمَ الله بأدنى الحِيَل] (١). فائدة (١): لم يجعل الله لذلك المسخ من بني إسرائيل نسلًا. ففي صحيح مسلم ومسند أحمد عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ قال: [إن الله تعالى لم يجعلْ لمسخٍ نسْلًا، ولا عَقِبًا، وقد كانت القِردة والخنازير قبلَ ذلك] (٢). فائدة (٢): هذه الأمة مهدّدة بمسخ إذا ظهرت فيها القيان والمعازف وشربت الخمور. فقد أخرج الترمذي بسند صحيح عن عمران بن حصين، عن النبي ﷺ قال: [في هذه الأمة خسْفٌ، ومسْخٌ، وقذْف، إذا ظهرت القِيانُ والمعازِفُ، وشربت الخُمور] (٣). ٦٧. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَال أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٦٧)﴾. في هذه الآية: ابتداء ذكر قصة البقرة التي أمِر بنو إسرائيل بذبحها والتي سميت بها هذه السورة.

стр. 289

قال ابن جرير: (وهذه الآية مما وبّخ الله بها المخاطبين من بني إسرائيل، في نَقْض أوائلهم الميثاق الذي أخذه الله عليهم بالطاعة لأنبيائه، فقال لهم: واذكروا أيضًا من نكْثكم ميثاقي، ﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ - وقومه بنو إسرائيل، إذ ادّارؤوا في القتيل الذي قُتل فيهم إليه - ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾). وقال ابن كثير: (يقول تعالى: واذكروا يا بني إسرائيل نعمتي عليكم في خرق العادة لكم في شأن البقرة، وبيان القاتل من هو بسببها، وإحياء الله المقتول، ونصه على من قتله منهم). قال القرطبي: (البقرة اسم للأنثى، والثَّور اسم للذكر، مثل ناقة وجمل، وامرأة ورجل. وقيل: البقرة واحد البقر، الأنثى والذكر سواء. وأصله من قولك: بقَرَ بطنه، أي شقّه، فالبقرة تشق الأرض بالحرث وتثيره. ومنه الباقر لأبي جعفر محمد بن علي زين العابدين، لأنه بقَرَ العلم وعرف أصله، أي شقّه). والقصة في ذلك - كما رواها ابن جرير - عن محمد بن سيرين، عن عبيدة السلماني قال: (كان في بني إسرائيل رجلُ عقيم - أو عاقر - قال: فقتله وليُّه، ثم احتمله فألقاه في سِبْط غير سبطه. قال: فوقع بينهم فيه الشر حتى أخذوا السلاح. قال: فقال أولوا النُّهى: أتقتتلون وفيكم رسول الله؟ قال: فأتوا نبي الله. فقال: اذبحوا بقرة). وعن أبي العالية قال: (كان رجل من بني إسرائيل، وكان في غنيًّا ولم يكن له ولد، وكان له قريبٌ وارثَه، فقتله ليرثه، ثم ألقاه على مجمع الطريق، وأتى موسى فقال له: إن قريبي قُتل وأُتي إليّ أمرٌ عظيم، وإني لا أجد أحدًا يبيّن لي مَنْ قتله غيرك يا نبي الله. قال: فنادى موسى في الناس: أنشُدُ الله مَنْ كان عنده من هذا علم إلا بيّنَه لنا. فلم يكن عندهم علمه. فأقبل القاتل على موسى فقال: أنت نبي الله، فاسأل لنا ربك أن يبيِّنَ لنا. فسأل ربه، فأوحى الله إليه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾. فعجبوا وقالوا: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَال أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾، ﴿قَالوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ﴾ - يعني: لا هَرمة - ﴿وَلَا بِكْرٌ﴾ - يعني ولا صغيرة - ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ - أي: نَصف، بين البكر والهرمة - ﴿قَالوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ أي: صاف لونها - ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ - أي: تعجب الناظرين - ﴿قَالوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠) قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ﴾ - أي: لم يُذللها العمل - ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ - يعني: ليست بذلول فتثير الأرض- ﴿وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ - يقول: ولا تعمل في الحَرْث -

стр. 290

﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ - يعني مسلَّمة من العيوب - ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ - يقول: لا بياض فيها- ﴿قَالوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾. قال: ولو أن القوم حين أمروا أن يذبحوا بقرة، استعرضوا بقرة من البقر فذبحوها، لكانت إياها، ولكنهم شدّدوا على أنفسهم فشدد الله عليهم. ولولا أن القوم استثنوا فقالوا: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾، لما هُدوا إليها أبدًا. فبلغنا أنهم لم يجدوا البقرة التي نُعِتَتْ لهم، إلا عند عجوز عندها يتامى، وهي القيِّمة عليهم. فلما علمت أنهم لا يَزْكو لهم غيرها، أضعفت عليهم الثمن. فأتوا موسى فأخبروه أنهم لم يجدوا هذا النعت إلا عند فلانة، وأنها سألتهم أضعاف ثمنها. فقال لهم موسى: إن الله قد كان خفف عليكم فشدّدتم على أنفسكم، فأعطوا رضَاها وحُكمها. ففعلوا، واشتروها فذبحوها. فأمرهم موسى أن يأخذوا عَظْمًا منها فيضربُوا به القتيل. ففعلوا، فرجع إليه روحه، فسمّى لهم قاتله، ثم عاد ميتًا كما كان. فأخذوا قاتله - وهو الذي كان أتى موسى فشكى إليه - فقتله الله على أسوأ عمله). وفي رواية السدي: (فقال: اذبحوها. فذبحوها فقال: اضربوه ببعضها. فضربوه بالبَضعةِ التي بين الكتفين، فعاشَ، فسألوه: من قتلك؟ فقال لهم: ابن أخي، قال: أقتله، وآخُذ ماله، وأنكح ابنته. فأخذوا الغلام فقتلوه). وفي رواية عبيدة السابقة: (فضُرب، فأخبرهم بقاتله. قال: ولم تؤخذ البقرةُ إلا بوزنها ذهبًا، قال: ولو أنهم أخذوا أدنى بقرة لأجزأت عنهم. فلم يُورَّث قاتل بعد ذلك). وفي رواية للسدي فيها تفصيل، قال: (كان رجل من بني إسرائيل مكثرًا من المال، وكانت له ابنة، وكان له ابن أخ محتاج، فخطب إليه ابن أخيه ابنته، فأبى أن يزوجه، فغضب الفتى وقال: والله لأقتلن عمي ولآخذن ماله. ولأنكحن ابنته، ولآكلن ديته. فأتاه الفتى وقد قدم تجّار في بعض أسباط بني إسرائيل، فقال: يا عم، انطلق معي فخذ لي من تجارة هؤلاء القوم، لعلي أن أصيب منها، فإنهم إذا رأوك معي أعطوني. فخرج العم مع الفتى ليلًا، فلما بلغ الشيخ ذلك السبط قتله الفتى، ثم رجع إلى أهله. فلما أصبح جاء كأنه يطلب عمه، كأنه لا يدري أين هو! فلم يجده. فانطلق نحوه، فإذا هو بذلك السبط مجتمعين عليه، فأخذهم وقال: قتلتم عمي، فأدّوا إليّ دِيَتَه، فجعل يبكي ويحثو التراب على رأسه، وينادي: واعمّاه. فرفعهم إلى موسى ﵇ فقضى عليهم بالدية، فقالوا له: يا رسول الله، ادع لنا ربك حتى يبين لنا من صاحبه،

стр. 291

فيؤخذ صاحب الجريمة، فوالله إن ديته علينا لهينة، ولكنا نستحيي أن نُعَيَّر به، فذلك حين يقول تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾، فقال لهم موسى ﵇: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾، قالوا: نسألك عن القتيل وعمن قتله، وتقول: اذبحوا بقرة. أتهزأ بنا! ﴿قَال أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾). قال القرطبي: (في الآية دليل على منع الاستهزاء بدين الله ودين المسلمين ومن يجب تعظيمه، وأن ذلك جهل وصاحبه مستحق للوعيد). ٦٨ - ٧١. قوله تعالى: ﴿قَالوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (٦٨) قَالوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩) قَالوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠) قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)﴾. في هذه الآيات: وصف جدال بني إسرائيل موسى ﵇ في شأن البقرة، وتعقيد أمرها حتى قابلهم الله تعالى بتعقيد أشد في شأنها. قال ابن عباس: (لما قال لهم موسى: ﴿قَال أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾. قالوا له يتعنّتونه: ﴿قَالوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾). فلما تكلفوا جهلًا منهم ما تكلفوا، وكانوا أظهروا لموسى من سوء الظن به بقولهم ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ عاقبهم الله سبحانه بحصر نوع خاص من البقر ليذبحوا منه واحدة، وما زالوا يسألونه دقائق من التفصيل وهو يحصرها لهم ويزيدهم بذلك عناء. فقال جل ذكره: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾. وقوله: ﴿لَا فَارِضٌ﴾ أي: لا مُسِنَّةٌ هرمة. من (فرضت البقرة تفرِضُ فُروضًا) إذا أسنَّتْ. فإلى أقوال المفسرين في ذلك: ١ - عن مجاهد: (﴿لَا فَارِضٌ﴾، قال: لا كبيرة).

стр. 292

٢ - عن ابن عباس: (يقول: ليست بكبيرة هرمة). وقال: (الفارض: الهَرِمة). ٣ - عن قتادة قال: ("الفارض" الهرمة. يقول: ليست بالهرمة ولا البكر، عَوانٌ بين ذلك). ٤ - عن السدي: ("الفارض"، الهرمة التي لا تلد). وقوله: ﴿وَلَا بِكْرٌ﴾. أي: صغيرة. قال أبو جعفر: (و"البِكرُ" من إناث البهائم وبني آدم، ما لم يفتَحِلْه الفَحْل). قال مجاهد: (﴿وَلَا بِكْرٌ﴾، صغيرة. قال: "البِكْر"، الصغيرة). وقال ابن عباس: (ولا صغيرة ضعيفة). وقال السدي: (لم تلدْ إلا ولدًا واحدًا). وقوله: ﴿عَوَانٌ﴾. أي: بين الصغيرة والكبيرة. قال أبو جعفر: ("العَوان" النَّصَفُ التي قد ولدت بطنًا بعد بطن، وليست بنعت للبكر). وقد تواترت أقوال المفسرين بنحو ذلك: ١ - عن مجاهد: (﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾، وسَطٌ، قد ولدت بطنًا أو بطنين). وقال: ("العَوان"، العانِسُ النَّصَف). وقال: ("العوان"، النَّصَف). ٢ - عن عكرمة: (﴿عَوَانٌ﴾، قال: بين ذلك). ٣ - عن ابن عباس: (﴿عَوَانٌ﴾، قال: بين الصغيرة والكبيرة، وهي أقوى ما تكون من البقر والدواب، وأحسنُ ما تكون). وقال ابن زيد: ("العوان"، بين ذلك، ليست ببكر ولا كبيرة). ٤ - عن خصيف، عن مجاهد: (﴿عَوَانٌ﴾، التي تُنْتج شيئًا بشرط أن تكون التي قد نُتِجَت بَكْرة أو بَكْرَتين). وقال السدي: ("العوان"، النصف التي بين ذلك، التي قد ولدت وولد ولَدُها). وقوله: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾. أي بين البكر والهرمة. قاله أبو العالية. وقوله: ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾. تجديد للأمر وتأكيد وتنبيه على ترك التعنّت. قال القرطبي ﵀: (وهذا يدل على أن مقتضى الأمر الوجوب كما تقوله

стр. 293

الفقهاء، وهو الصحيح على ما هو مذكور في أصول الفقه، وعلى أن الأمر على الفَوْر، وهو مذهب أكثر الفقهاء أيضًا. ويدلّ على صحة ذلك أنه تعالى استقصرهم حين لم يبادروا إلى فِعْل ما أمِروا به فقال: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾). وقوله تعالى: ﴿قَالوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾. الآية تشير إلى استمرار بني إسرائيل في التعنت وفلسفة الأمر الإلهي بدلًا من الاستسلام والمباشرة بالتنفيذ. و ﴿مَا﴾ استفهام في محل رفع مبتدأ، و ﴿لَوْنُهَا﴾ الخبر، والتقدير: أي شيء لونُها؟ واللون واحد الألوان. وفي قوله ﴿صَفْرَاءُ﴾ أكثر من تأويل: التأويل الأول: سوداء شديدة السواد، قال الحسن: (﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾، قال: سوداء شديدة السواد). التأويل الثاني: صفراء القَرْن والظِّلف. فعن الحسن في قوله: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾، قال: (كانت وحشية). وقال: (صفراء القَرن والظِّلف). وهو قول سعيد بن جبير. التأويل الثالث: صفراء اللون. قال القرطبي: (جمهور المفسرين أنها صفراء اللون، من الصُّفرة المعووفة. قال مكيّ عن بعضهم: حتى القَرْن والظِّلف). قلت: والتأويل الثالث هو الراجح، فهو المشتهر عند العرب بالفقوع، وقد أكدّ الله سبحانه بذلك بقوله: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ أي: خالصًا لا لون فيها سوى لون جلدها. قال مجاهد: (لو أخذوا بقرة صفراء لأجزأت عنهم). وقوله: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾. فيه أقوال متقاربة: ١ - قال قتادة: (هي الصافي لونها). وقال أبو العالية: (أي صاف لونها). ٢ - قال السدي: (نَقِيٌّ لونها). ٣ - قال ابن عباس: (شديدة الصفرة، تكاد من صُفرتها تبيضُّ). ٤ - وقال عطية العوفي: (تكاد تسود من صفرتها).

стр. 294

وقوله: ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾. أي: تعجبهم. يعني تعجب الناظر إليها في حُسن خَلقها ومَنْظرها وهيئتها. قال وهب: (إذا نظرت إليها يخيَّل إليك أنّ شُعاع الشمس يخرج من جلدها). وقال قتادة والسدي: (أي تعجب الناظرين). وقوله تعالى: ﴿قَالوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾. فقد سألوا سؤالًا رابعًا، ولم يمتثلوا الأمر بعد البيان، وتشدّدوا فشدّد الله عليهم. ولذلك حذر الله ورسوله المؤمنين من أمة محمد ﷺ من اتباع طريقة اليهود مع أنبيائهم. فقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩]. قال ابن كثير: (ولهذا قال: "رحمة الله على موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر". وفيه نهي للمؤمنين أن ينالوا من النبي ﷺ أو يوصِلوه أذىً) (١). قلت: وفي هذه الأمة تقليد مقيت لأهل الكتاب حذّر منه النبي ﷺ بقوله: [لتتبعن سُنَنَ الذين من قبلكم، شِبرًا بشبر، أو ذِراعًا بذراع، حتى لو سلكوا جُحْرَ ضَبٍّ لسلكتموه، قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: فَمَنْ؟ ] (٢). وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثره سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيءٍ فأتوا منْه ما استطعتم، وإذا لهيتكم عن شيء فدعوه] (٣). قال المناوي: (أي اتركوني من السؤال ﴿مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ أي مدة تركي إياكم من الأمر بالشيء والنهي عنه، فلا تتعرضوا لي بكثرة البحث عما لا يعنيكم في دينكم مهما أنا

стр. 295

تارككم لا أقول لكم شيئًا، فقد يوافق ذلك إلزامًا وتشديدًا، وخذوا بظاهر ما أمرتكم ولا تستكشفوا كما فعل أهل الكتاب .. ). فهؤلاء اليهود تابعوا في التنطع والسؤال عن تفاصيل ودقائق من الأمر كان أولى بهم أن لا يخوضوا بها. قال ابن عباس: (لو أخذوا أدنى بقرة اكتفوا بها، لكنهم شدّدوا فشدّد الله عليهم). وقال عبيدة: (لو أنهم أخذوا أدنى بقرة لأجزأت عنهم). وقال عكرمة: (ولولا قولهم: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾، لما وجدوها). وقال أبو العالية: (ولولا أن القوم استثنوا فقالوا: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾، لما هُدوا إليها أبدًا). وقوله: ﴿تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ - يعني التبس علينا لكثرته. قال النسفي: (إن البقر الموصوف بالتعوين والصفرة كثير فاشتبه علينا). وقوله: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾. أي لمعرفتها بنعتها. قال القرطبي: (استثناء منهم، وفي استثنائهم في هذا السؤال الأخير إنابةٌ ما وانقياد، ودليل ندم على عدم موافقة الأمر). وقوله تعالى: ﴿قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾. ﴿لَا ذَلُولٌ﴾ أي: لم يذللها العمل وإثارة الأرض بأظلافها، ولا سُني عليها الماءُ فيُسقى عليها الزرع. قال قتادة: (قوله: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ﴾، يقول: صَعبة لم يُذِلها عملٌ). وقال السدي: (يقول: بقرة ليست بذَلول يُزْرع عليها، وليست تسقي الحرث). وقال أبو العالية: (﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ﴾، أي لم يذللها العمل. ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ يعني: ليست بذلول فتثير الأرض). وإثارة الأرض في لغة العرب قَلْبُها للزرع ولاستئناف العمل فيها.

стр. 296

وقوله: ﴿وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾. قال الربيع: (لا تعمل في الحرث). وقوله: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾. فيه أقوال متقاربة: ١ - عن مجاهد: (يقول: مسلمة من الشِّيَة، و ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾، لا بياضَ فيها ولا سواد). ٢ - عن قتادة: (أي مسلّمة من العيوب). وقال: (لا عيب فيها). ٣ - عن ابن عباس: (لا عوار فيها). واختار ابن جرير قول ابن عباس وقتادة على قول مجاهد، وقال: (لأن سلامتها لو كانت من سائر أنواع الألوان سِوى لون جلدها، لكان في قوله: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ مكتفى عن قوله: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾). وهو اختيار قوي ذهب إليه أيضًا ابن كثير والقرطبي. وقوله: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾. قال قتادة: (أي لا بياض فيها). وقال مجاهد: (أي لا بياض فيها ولا سواد). وقال عطية: (لونها واحد، ليس فيها سِوى لونها). وقال السدي: (﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ من بياض ولا سَواد ولا حمرة). وقال ابن زيد: (هي صفراء، ليس فيها بياض ولا سواد). وقوله: ﴿قَالوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾. قال قتادة: (أي الآن بيَّنت لنا). وقال ابن زيد: (وقبل ذلك والله قد جاءهم بالحق). وقوله: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾. أي: قاموا بذبحها ولكنهم قاربوا أن لا يفعلوا. وفيه أكثر من تأويل: التأويل الأول: كادوا أن يُضيعوا فرض الله عليهم بذبحها لغَلاء ثمنها. قال محمد بن كعب القرظي: (﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾: من كثرة قيمتها). وفي لفظ: (لغلاء ثمنها). ونفى ذلك ابن كثير بحجة أن روايات غلاء ثمن البقرة لم يثبت إلا من نقل بني إسرائيل. وذكر رواية عن عكرمة قال: (ما كان ثمنها إلا ثلاثة دنانير) وقال: إسنادها جيد.

стр. 297

التأويل الثاني: كادوا أن لا يفعلوا خوف الفضيحة بكشف القاتل. ذكره ابن جرير دون سند واختاره مع الذي قبله. التأويل الثالث: بل أرادوا التعنت والتنطع ومخالفة الأمر. قال الضحاك، عن ابن عباس: (كادوا أن لا يفعلوا، ولم يكن ذلك الذي أرادوا، لأنهم أرادوا أن لا يذبحوها). واختاره الحافظ ابن كثير وقال: (يعني أنهم مع هذا البيان، وهذه الأسئلة، والأجوبة، والإيضاح ما ذبحوها إلا بعد الجهد، وفي هذا ذمّ لهم، وذلك أنه لم يكن غرضهم إلا التعنت، فلهذا ما كادوا يذبحونها). قلت: والذي ذهب إليه ابن كثير ﵀ يتناسب مع حال بني إسرائيل وسلوكهم مع أنبيائهم، فإنهم كانوا يحبون الجدل والفلسفة للهروب من الأمر والتكليف. قال القرطبي: (وهذا إخبار عن تثبيطهم في ذبحها وقلة مبادرتهم إلى أمر الله). فائدة: في الآية دليل على جواز السَّلَم في الحيوان إذا حصرت صفاته وضبطت، وهو مذهب مالك والشافعي والأوزاعي. فإن الوصف الدقيق يقوم مقام التعيين. وفي الحديث: [لا تصف المرأةُ المرأةَ لزوجها حتى كأنه ينظر إليها]. وفي لفظ: [لا تنعت المرأة المرأة لزوجها كأنه ينظر إليها] (١). فجعل النبي ﷺ الصفة تقوم مقام الرؤية. في حين ذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يجوز السَّلَم في الحيوان لأنه لا تنضبط أحواله، والرأي الأول أرجح ويدعمه الدليل. ٧٢ - ٧٣. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣)﴾. في هذه الآيات: هذا الكلام مقدّم على أول القصة، وبسبب هذا القتل أمرهم الله بذبح البقرة.

стр. 298

فقوله: ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾. يعني: فاختلفتم وتنازعتم. قال البخاري: (﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾: اختلفتم). وقال مجاهد: (اختلفتم فيها). وقال الضحاك: (اختصمتم فيها). وقال ابن جريج: (قال بعضهم: أنتم قتلتموه. وقال الآخرون: أنتم قتلتموه). وقال ابن زيد: (اختلفتم، وهو التنازع، تنازعوا فيه. قال: قال هؤلاء: أنتم قتلتموه، وقال هؤلاء: لا). قال ابن جرير: (وإنما أصل ﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾ فتدارأتم، ولكن التاء قريبة من مخرج الدال. قال: فأدغمت التاء في الدال، فجعلت دالًا مشددة). وقوله: ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾. أي: مظهر ما كنتم تُسِرّون. قال مجاهد: (ما كنتم تُغَيِّبُون). والمقصود معرفة القاتل. وقوله: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾. أي اضربوا القتيل ببعض البقرة التي أمرتم بذبحها. وفيه أكثر من تأويل: ١ - ضُرب بفخذ البقرة. قال مجاهد: (ضُرِبَ بفخذ البقرة فقام حيًّا فقال: قتلني فلانٌ. ثم عاد في ميتته). وقال قتادة: (ذُكرَ لنا أنهم ضربوه بفخذها، فأحياه الله فأنبأ بقاتله الذي قتله، وتكلم ثم مات). ٢ - ضُرب بالبَضْعَة التي بين الكتفين. قال السدي: (فضربوه بالبَضْعَة التي بين الكتفين فعاش، فسألوه: من قتلك؟ فقال: لهم. ابن أخي). ٣ - ضُرب بعظم من عظامها. قال أبو العالية: (أمرهم موسى أن يأخذوا عَظْمًا منها فيضربوا به القتيل. ففعلوا، فرجع إليه روحه، فسمّى لهم قاتله، ثم عاد ميتًا كما كان. فأخِذ قاتله، وهو الذي أتى موسى فشكا إليه، فقتله الله على أسوأِ عمله). ٤ - ضُرب ببعض آرابها. قال ابن زيد: (ضربوا الميت ببعض آرابها فإذا هو قاعد - قالوا: من قتلك؟ قال: ابن أخي. قال: وكان قتله وطرحه على ذلك السِّبط، أراد أن يأخذ دِيَته). قلت: ولا شك أنه لا دلالة في الآية أو بخبر تقوم به الحجة على ترجيح قول على قول، وإنما الأمر يبقى على إطلاقه، وهو ضرب الميت ببعض أجزاء البقرة ليحيا المقتول بإذن الله فيُعَيِّن قاتله.

стр. 299

وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ - أي فضربوه فحيي. والآية رد على مشركي العرب المكذبين بالبعث بعد الموت، فجعل سبحانه إحياء القتيل حجة على المعاد، إذ كانوا يعلمون ذلك من علم بني إسرائيل وكتبهم رغم العناد. وقوله: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. قال القاسمي: (لتكونوا برؤية تلك الآيات على رجاء من أن يحصل لكم عقل، فيرشدكم إلى اعتقاد البعث وغيره، مما تخبر به الرسل عن الله تعالى). فائدة: استدل الإمام مالك ﵀ بالآية السابقة على صحة القول بالقَسَامة بقول المقتول: دمي عند فلان، أو فلان قتلني لوثًا. والمقصود باللوث: أمارة تغلب على الظن صدق مدعي القتل، كشهادة العدل الواحد على رؤية القتل. أو يرى المقتول يتشحط بدمه، والمتهم نحوه أو قربه عليه آثار القتل - ذكره القرطبي -. وقال الذين ذهبوا مذهب مالك أن القتيل - في القصة السابقة - لما حَيِي سُئِل عمن قتله فقال: فلان قتلني. فكان ذلك مقبولًا منه، لأنه لا يخبر حينئذ إلا بالحق، ولا يُتَّهَمُ والحالة هذه. ورجّحوا ذلك بما جاء في الصحيحين عن أنس: [أن يهوديًّا رضَّ رأس جارية بين حجرين، فقيل لها: من فعل بك هذا؟ أفلان أو فلان؟ حتى سُمي اليهودي فأومأت برأسها، فجيء باليهودي فاعترف، فأمر به النبي ﷺ فرُضَّ رأسه بالحجارة] (١). ٧٤. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤)﴾. في هذه الآية: المقصود كفار بني إسرائيل الذين شاهدوا من آيات الله العظيمة ما يُليِّن القلوب ويُثَبِّت الإيمان، ومن ذلك إحياؤه تعالى الموتى وتكلمهم بإذن الله، ثم مع ذلك قست قلوبهم أي جَفَّت وغلظت وعَسَتْ. والقسوة الصلابة والشدة واليُبْس، وقلوب العباد في ليتها وقسوتها أنواع.

стр. 300

قال قتادة: (﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾، يقول: من بعد ما أراهم الله من إحياء الموتى، وبعد ما أراهم من أمر القتيل - ما أراهم، ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾). وقوله: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ﴾. أي: لا تلين أبدًا، ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ من الحجارة، وذلك بالعطف على معنى الكاف. أو على معنى تكرير ﴿هِيَ﴾ عليه، والتقدير: فهي كالحجارة، أو هي أشد قسوة من الحجارة -ذكره ابن جرير-. قال ابن كثير: (ولهذا نهى الله المؤمنين عن مثل حالهم، فقال: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَال عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾). وفي صحيح مسلم عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : [إن قلوبَ بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن، كقلبٍ واحد، يصرِّفه حيث شاء] (١). وفي المسند أيضًا عن عائشة ﵂ قالت: [دعوات كان رسول الله ﷺ يُكْثِرُ أن يدعوَ بها: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك. قالت: فقلت: يا رسول الله! إنك تكثر تدعو بهذا الدعاء. فقال: إن قلب الآدمي بين أصبعين من أصابع الله فإذا شاء أزاغه وإذا شاء أقامه] (٢). وقوله: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾. قال القاسمي: (بيان لأشدية قلوبهم من الحجارة في القساوة وعدم التأثر بالعظات والقوارع التي تميع منها الجبال وتلين بها الصخور، يعني أن الحجارة ربما تتأثر حيث يكون منها ما يتفجر منه المياه العظيمة ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ﴾ أي: يتشقق ﴿فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ﴾ أي العيون التي هي دون الأنهار ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ أي: يتردّى من رأس الجبل من خشية الله، انقيادًا لما سخره له من الميل إلى المركز بالسلاسة، قاله القاشاني). وذكر ابن جرير بسنده عن مجاهد قال: (كل حجر يتفجر منه الماء، أو يتشقّق عن

стр. 301

ماء، أو يتردَّى من رأس جبل، فهو من خشية الله ، نزل بذلك القرآن). وقال قتادة: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾، ثم عَذَرَ الحجارة ولم يعذِر شقيَّ ابن آدم. فقال: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾) وقال ابن جريجٍ: (كل حجر انفجر من ماء، أو تشقق عن ماء، أو تردّى من جبل، فمن خشية الله. نزل به القرآن). وقد اختلف في معنى هبوط ما هبط من الحجارة من خشية الله على أقوال: القول الأول: قيل إن هبوط ما هبط منها من خشية الله تفيُّؤ ظلاله. القول الثاني: قيل بل ذلك الجبل الذي صار دكًّا إذ تجلّى له ربه. القول الثالث: قيل ذلك كان منه ويكون، بأن الله جل ذكره أعطى بعض الحجارة المعرفة والفهم، فعقل طاعة الله فأطاعه، كحنين الجذع إلى النبي ﷺ وتسليم الحجر عليه. القول الرابع: قيل بل المراد أنه من عظم أمر الله، يرى كأنه هابط خاشع. فقوله: ﴿يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ كقوله: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾، ولا إرادة له. وكقول جرير بن عطية: لما أتى خبرُ الرسول تَضَعْضَعَت ... سُور المدينة والجبال الخشَّعُ القول الخامس: قيل بل معنى قوله ﴿يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾، أي: يُوجب الخشية لغيره. القول السادس: قيل: هو سقوط البَرَد من السحاب. ذكره أبو علي الجُنائي، واستبعده القاضي الباقلاني. القول السابع: قيل بل هو بكاء القلب من غير دموع العين. واستبعده الرازي والقرطبي. قلت: وقد ثبت في التنزيل خشية الجمادات من عظمة الله سبحانه وشرعه وأمره مما يكون تفسيرًا للآية السابقة: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾، ومن ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١].

стр. 302

٢ - وقال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤]. ٣ - وقال جل ثناؤه: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦]. ٤ - وقال سبحانه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ [الأحزاب: ٧٢]. ٥ - وقال جل ذكره: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨]. ٦ - وقال : ﴿قَالتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]. ٧ - وقال تعالى: ﴿وَقَالوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١]. وكذلك فقد حفلت السنة الصحيحة بتحرك الحجر أو الشجر من خشية الله وتعظيم أمره مما شاهده النبي ﷺ والمسلمون، وإن كانت الآية تبقى عامة حتى فيما لم يشاهد. وتفصيل ذلك: ١ - يروي البخاري وأحمد - واللفظ له - عن جابر قال: [كان رسول الله ﷺ يقوم في أصل شجرة أو قال إلى جذع ثم اتخذ منبرًا. قال: فحَنَّ الجذع. قال جابر: حتى سمعه أهل المسجد حتى أتاه رسول الله ﷺ فمسحه فسكن. فقال بعضهم: لو لم يأته لحنّ أبدًا إلى يوم القيامة] (١). ٢ - يروي الإمام مسلما في صحيحه عن جابر بن سَمُرَة قال: قال رسول الله ﷺ : [إني لأعْرف حجرًا بمكة كان يُسَلِّم عليَّ قبل أن أبعث، إني لأعْرِفُهُ الآن] (٢). ٣ - وفي سنن ابن ماجة والبيهقي بسند صحيح عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: [ليأتِيَنَّ هذا الحجر يوم القيامة له عينان يُبصر بهما، ولسانٌ ينطق به، يشهد على من استلمه بحق] " (٣). وقوله: "هذا الحجر" يعني الحجر الأسود.

стр. 303

٤ - وفي صحيح مسلم من حديث أنس قال: [فكنت أخدُمُ رسول الله ﷺ كلما نزل. وقال في الحديث: ثم أقبل، حتى إذا بدا له أحُدٌ قال: هذا جبل يُحبنا ونحِبُّه] (١). ٥ - أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن أنس قال: [جاء جبريل ﵇ ذات يوم إلى رسول الله ﷺ وهو جالس حزين قد خُضِّبَ بالدماء، قد ضربَهُ أهل مكة، فقال: مالك؟ قال: فعل بي هؤلاء وفعلوا. قال: أتحبُّ أن أرِيكَ آية؟ قال: نعم أرني، فنظر إلى شجرة من وراء الوادي قال: ادْعُ تلك الشجرة، فدعاها فجاءت تمشي حتى قامت بين يديه. قال: قل لها فلترجع فقال لها، فرجعت حتى عادت إلى مكانها، فقال رسول الله ﷺ حَسْبي] (٢). ٦ - أخرج الإمام أحمد وأصحاب السنن إلا الترمذي عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [المؤذن يُغفر له مدى صوتِه، ويشهد له كلُّ رطب ويابس .. ] الحديث (٣). وقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾. الخطاب للمكذبين بالقرآن، والجاحدين نبوة محمد ﵊، من بني إسرائيل وأحبار اليهود. قال ابن جرير: (فأخبرهم تعالى ذكره أنه غير غافل عن أفعالهم الخبيثة، ولا ساه عنها، بل هو لها مُحْصٍ، ولها حافظ). وفي التنزيل: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة]. ٧٥ - ٧٧. قوله تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ

стр. 304

لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٧٦) أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٧)﴾. في هذه الآياتِ: الخطاب لأصحاب محمد ﷺ ، يا أصحاب محمد! أفترجون أن يؤمن لكم يهود بني إسرائيل ويتابعوا نبيكم ويحتكموا لقرآنكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يغيرونه من بعد ما فهموه وهم يعلمون أنهم مفترون. وإذا لقي منافقو اليهود أصحاب محمد قالوا آمنا، وإذا رجع بعضهم إلى بعض قالوا أتكشفون لهؤلاء صفة نبيهم في التوراة ليخاصموكم عند ربكم أفلا تعقلون، أولا يعلم هؤلاء المنافقود أنّ الله يعلم سرهم ونجواهم ويعلم ما يكسبون. قال الربيع: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾، يعني أصحاب محمدٍ ﷺ ، ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾، يقول: أفتطمعون أن يؤمن لكم اليهود). وقوله: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾. يعني من بني إسرائيل - إشارة إلى الآباء - إذا هم فرع عنهم باتباع منهاجهم في التكذيب. وقوله: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. فيه أقوال متقاربة: ١ - قال مجاهد: (فالذيق يحرِّفونه، والذين يكتمونه، هم العلماء منهم). ٢ - قال السدي: (هي التوراة، حرَّفوها). ٣ - قال ابن زيد: (التوراة التي أنزلها عليهم، يحرِّفونها، يجعلون الحلال فيها حرامًا، والحرامَ فيها حلالا، والحق فيها باطلًا، والباطل فيها حقًّا، إذا جاءهم المُحِقّ برشوة أخرجوا له كتاب الله، وإذا جاءهم المبطل برشوة أخرجوا له ذلك الكتاب، فهو فيه محقّ. وإذا جاء أحد يسألهم شيئًا لس فيه حق ولا رشوة ولا شيء، أمروه بالحق. فقال لهم: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾). ٤ - قال أبو العالية: (عمدوا إلى ما أنزل الله في نص كتابهم، من نعت محمد ﷺ ، فحرفوه عن مواضعه).

стр. 305

وقوله: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالوا آمَنَّا﴾. فيه قولان: ١ - قال ابن عباس: (وذلك أن نفرًا من اليهود كانوا إذا لقوا محمدًا ﷺ قالوا: ﴿آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾). وفي قول آخر له في الآية قال: (يعني المنافقين من اليهود، كانوا إذا لقوا أصحاب محمد ﷺ قالوا: آمنا). ٢ - قال السدي: (﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالوا آمَنَّا ... ﴾ الآية، قال: هؤلاء ناس من اليهود، آمنوا ثم نافقوا). وروي نحوه عن ابن عباس: (﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالوا آمَنَّا ... ﴾ الآية، قال: هؤلاء ناس من اليهود، آمنوا ثم نافقوا). وقوله: ﴿وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٧٦)﴾. المقصود: إذا خلا بعض هؤلاء اليهود الموصوفين آنفًا إلى بعض منهم. وقوله: ﴿بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾. فيه أكثر من تأويل: ١ - عن الضحاك عن ابن عباس: ﴿وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾، يعني: بما أمركم الله به. فيقول الآخرون: إنما نستهزئ بهم ونضحك). ٢ - عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: (﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالوا آمَنَّا﴾، أي: بصاحبكم رسول الله، ولكنه إليكم خاصة، وإذا خلا بعضُهم إلى بعض قالوا: لا تحدثوا العرب بهذا، فإنكم قد كنتم تستفتحون به عليهم، فكان منهم. فأنزل الله: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾، أي: تُقِرُّون بأنه نبي، وقد علمتم أنه قد أخِذ له الميثاق عليكم باتباعه، وهو يخبرهم أنه النبي الذي كنا ننتظر ونجده في كتابنا؟ اجحدوه ولا تقروا لهم به. يقول الله: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾). وقال أبو العالية: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾، أي: بما أنزل الله عليكم في كتابكم من نعْت محمد ﷺ ). وقال قتادة فيها: (أي: بما مَنَّ الله عليكم في (كتابكم من

стр. 306

نعت محمد ﷺ ، فإنكم إذا فعلتم ذلك احتجُّوا به عليكم، ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. ٣ - عن مجاهد: (﴿بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ قال: قولُ يهود بني قريظة، حين سبَّهم النبي ﷺ بأنهم إخوة القردة والخنازير، قالوا: من حدَّثك؟ - هذا - حين أرسل إليهم عليًّا فآذوا محمدًا، فقال: يا إخوةَ القردة والخنازير). وفي رواية أخرى، قال مجاهد: (قام النبي ﷺ يَوْمَ قُريظة تحت حُصونهم فقال: يا إخوانَ القردة، ويا إخوانَ الخنازير، ويا عبدةَ الطاغوت. فقالوا: من أخبر هذا محمدًا؟ ما خرج هذا إلا منكم! ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾! بما حكم الله، للفتح، ليكون لهم حجة عليكم. قال ابن جريجٍ، عن مجاهد: هذا حين أرسل إليهم عليًّا فآذوا محمدًا ﷺ ). ٤ - في السدي: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ - من العذاب - ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾: هؤلاء ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا، فكانوا يُحَدِّثون المؤمنين من العرب بما عُذِّبوا به. فقال بعضهم لبعض: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم من العذاب، ليقولوا نحن أحبُّ إلى الله منكم، وأكرمُ على الله منكم؟ ). ٥ - وقال الحسن البصري: (هؤلاء اليهود، فَإنوا إذا لقوا الذين آمنوا قالوا: آمنا، وإذا خلا بعضهم إلى بعض قال بعضهم: لا تحدثوا أصحاب محمد بِما فتح الله عليكم مما في (كتابكم، فيحاجوكم به عند ربكم فيخصِموكم). قلت: وهي أقوال متقاربة تفيد أن اليهود كانوا يكتمون نَعْتَ رسول الله ﷺ في التوراة وأمر الله لهم باتباعه وتصديقه، وتاريخهم الحافل بالظلم والقتل والمعاصي والجحود والآثام، وما تبع ذلك من غضب الله عليهم. وقوله: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾. قال أبو العالية: (يعني ما أَسَرُّوا من كفرهم بمحمد ﷺ وتكذيبهم به، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم). وقال الحسن: (كان ما أسَرّوا أنهم كانوا إذا ما تولوا عن أصحاب محمد ﷺ وخلا بعضهم إلى بعض، تناهَوا أن يخبر أحد منهم أصحاب محمد ﷺ بما فتح الله عليهم مما في (كتابهم، خشية أن يحاجَّهم أصحاب محمد ﷺ بما في (كتابهم عند ربهم. قال: ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ يعني: حين قالوا لأصحاب محمد ﷺ : آمنا).

стр. 307

٧٨ - ٧٩. قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٧٨) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾. في هذه الآيات: يخبر تعالى أن من اليهود من لا يحسن الكتابة، ولا يعلمون ما أنزل الله في التوراة من الأحكام والشرائع، وإنما هي أكاذيب يأخذونها عن رؤسائهم وكبرائهم يظنونها حقًّا وهي باطل. فويل للذين حرفوا التوراة واتبعوا أهواءهم وكتبوا كذبًا على الله بأيديهم. والأميون: جمع أمي، وهو الرجل الذي لا يحسن الكتابة. قال إبراهيم النخعي: (منهم من لا يحسن أن يكتب). وقال أبو العالية: (يعني: من اليهود). وقال ابن زيد: (أميون لا يقرؤون الكتاب من اليهود). وقيل: (﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ أي: من أهل الكتاب) ذكره مجاهد. قال ابن جرير: (وأرى أنه قيل للأمي "أمي" نسبة له بأنه لا يكتب إلى"أمه"، لأن الكتاب كان في الرجال دون النساء، فنُسب من لا يكتب ولا يَخُطُّ من الرجال - إلى أمه - في جهله بالكتابة، دون أبيه). وفي الصحيحين واللفظ لمسلم عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "إنا أُمَّةٌ أُمِّيَةٌ، لا نَكْتُبُ ولا نَحْسُب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا - وعقد الإبهام في الثالثة - والشهر هكذا وهكذا وهكذا - يعني تمام الثلاثين] (١). وقوله: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾. فهم لا يعلمون ما في الكتاب الذي أنزله الله عليهم ولا يدرون ما أودع الله فيه من الحدود والشرائع والأحكام. قال قتادة: (﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾، يقول: لا يعلمون الكتاب ولا يدرون ما فيه.

стр. 308

إنما هم أمثال البهائم، لا يعلمون شيئًا). وقال ابن عباس: (لا يعرفون الكتاب الذي أنزله الله). قال أبو جعفر: (وإنما عنى بـ ﴿الْكِتَابَ﴾ التوراة، ولذلك أدخلت فيه "الألف واللام"؛ لأنه قصد به كتاب معروف بعينه). وقوله: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾. أي: إلا أحاديث يتمنون فيها على الله ما ليس لهم. وقد جاءت أقوال المفسرين حول هذا المعنى، وتفصيل ذلك: ١ - قال ابن عباس: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾، يقول: إلا قولًا يقولونه بأفواههم كذبًا). وقال مجاهد: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ إلا كذبًا). ٢ - قال قتادة: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾، يقول: يتمنون على الله ما ليس لهم). وقال: (يتمنون على الله الباطل وما ليس لهم). وقال ابن عباس: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾، يقول: إلا أحاديث). وقال أبو العالية: (يتمنون على الله ما ليس لهم). وقال مجاهد: (أناس من يهود، لم يكونوا يعلمون من الكتاب شيئًا، وكانوا يتكلمون بالظن بغير ما في كتاب الله، يقولون: هو من الكتاب. أماني يتمنونها). ٣ - قال ابن زيد: (تمنوا فقالوا: نحن من أهل الكتاب. وليسوا منهم). واختار ابن جرير القول الأول. وقوله: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾. أي: يشكون. قال ابن عباس: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ أي: ولا يدرون ما فيه، وهم يجحدون نبوتك بالظن). وقال مجاهد: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾: يكذبون). وقال أبو العالية وقتادة: (يظنون الظنون بغير الحق). وقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ... ﴾. قال الإمام البخاري ﵀ في كتابه خلق أفعال العباد: حَدثنا يحيى ثنا وكيع عن

стр. 309

سفيان عن عبد الرحمن بن علقمة عن ابن عباس ﵄: [﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ قال: نزلت في أهل الكتاب] (١). وقوله: ﴿فَوَيْلٌ﴾. قد اختلف فيه على أقوال: ١ - قال ابن عباس: ﴿فَوَيْلٌ﴾، يقول: فالعذاب عليهم). وقال: (الويل: المشقة من العذاب). ٢ - قال أبو عياض: (الوَيْلُ: ما يسيل من صديدٍ في أصل جهنم). وقال أيضًا: (صهريج في أصل جهنم، يسيل فيه صديدهم). وقال أيضًا: (الويل: وادٍ من صديد في جهنم). ٣ - وقيل: الويل جبلٌ في النار. أو واد في جهنم، يهوي فيه الكافر أربعين خريفًا قبل أن يبلغ إلى قعره. ولا يصح ما ذكر في ذلك مرفوعًا إلى النبي ﷺ . ٤ - قال الخليل: (الويل شدة الشر). وقال الأصمعي: (الويل تفجُّعٌ، والوَيْحُ ترحُّمٌ). ٥ - قال ابن عرفة: (الويل: الحزن). ٦ - قال سيبويه: (وَيْلٌ، لمن وقع في الهلكة، وَوَيحٌ زجرٌ لمن أشرف على الهلكة). قلت: والذي يجمع هذه الأقوال أن كلمة (ويل) هي كلمة عذاب وهلاك أوعد الله به من هددهم في كتابه. والعرب تقول وَيْلٌ لزيد وَوَيْلًا لزيد فالرفع على الابتداء والنَّصْب على إضمار الفعل، والتقدير: ألزمهم الله وَيْلًا. وقوله: ﴿لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. يقصد به: الذين حرَّفوا التوراة من يهود بني إسرائيل، وكتبوا كتابًا على ما تأَوَّلوه من تأويلاتهم وأهوائهم ثم باعوه من قوم جهال بعرض من الدنيا خسيس.

стр. 310

فقد أخرج الطبراني بسند حسن عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: [إن بني إسرائيل كتبوا كتابًا فاتبعوه، وتركوا التوراة] (١). وكذلك أخرج الطبراني وأبو نعيم في الحلية بسند صحيح عن خباب، عن النبي ﷺ قال: [إن بني إسرائيل لما هلكوا قصّوا] (٢). قال المناوي: (أي لما هلكوا بترك العمل أخلدوا إلى القصص، وعوّلوا عليها، واكتفوا بها). وقال الألباني: (ولينظر المؤمن العاقل في حال كثير من المسلمين اليوم، فقد أصابهم ما أصاب من قبلهم، فقد أخلد وعاظهم إلى القصص، وأعرضوا عن العلم النافع والعمل الصالح، مصداقًا لقوله ﵇: (لتتبعن سنن من كان قبلكم .. ]). وأما أقوال المفسرين في هذه الآية فمتشابهة. فإلى شيء من تفصيلها: ١ - قال السدي: (كان ناس من اليهود كتبوا كتابًا من عندهم، يبيعونه من العرب، ويحدثونهم أنه من عند الله، ليأخذوا به ثمنًا قليلًا). ٢ - قال ابن عباس: (الأميون قوم لم يصدِّقوا رسولًا أرسله الله، ولا كتابًا أنزله الله، فكتبوا كتابًا بأيديهم، ثم قالوا لقوم سِفْلة جُهّال: هذا من عند الله، . قال: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. قال: عَرَضًا من عَرَضِ الدنيا). ٣ - قال مجاهد: (هؤلاء الذين عرفوا أنه من عند الله، ثم يحرّفونه). ٤ - قال قتادة: (وهم اليهود. كان ناس من بني إسرائيل كتبوا كتابًا بأيديهم، ليتأكّلُوا الناس، فقالوا: هذا من عند الله، وما هو من عند الله). ٥ - قال أبو العالية: (عَمدوا إلى ما أنزل الله في كتابهم من نَعْت محمد ﷺ فحرّفوه عن مواضعه، يبتغون بذلك عَرَضًا من عرض الدنيا، فقال: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾. وقوله: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾. أي: العذاب في جهنم لأولئك اليهود الذين حرّفوا الكتاب كلام الله.

стр. 311

وقوله: ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾. قال أبو العالية: (يعني: من الخطيئة). وقال ابن عباس: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ﴾، يقول: فالعذاب عليهم. قال يقول: من الذي كتبوا بأيديهم من ذلك الكذب"، يقول: مما يأكلون به من السِّفْلة وغيرهم ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾. قلت: وفيه تحذير لهذه الأمة من سؤال اليهود أو اعتماد ما في كتابهم المحرّف وقد أبدل الله هذه الأمة بالقرآن وحفظ تفسيره وفهمه إلى يوم القيامة. قال الزهري: (أخبرني عُبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس أنه قال: يا معشر المسلمين، كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء، وكتابكم الذي أنزل على نبيه أحدثُ أخبار الله، تقرؤونه محضًا لم يُشَبْ؟ وقد حدَّثكم الله تعالى أن أهل الكتاب قد بدلوا كتاب الله وغيروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا: هو من عند الله، ليشتروا به ثمنًا قليلًا، أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم؟ ولا والله ما رأينا منهم أحدًا قط سألكم عن الذي أُنزل إليكم) (١). ٨٠ - ٨٢. قوله تعالى: ﴿وَقَالوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٠) بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨٢)﴾ في هذه الآياتِ: يخبر تعالى عن اليهود فيما ادعوه من النجاة من النار بعد أن تلاقي أجسامهم أيامًا معدودة لا تزيد عن أربعين يومًا، فطالبهم سبحانه بإخراج وثيقة الضمان وإلا فهم كاذبون. بلى من كان على الشرك والتكذيب بالنبوة ومات على ذلك فالنار موعده خالدًا فيها. وأما المؤمنون أهل العمل الصالح فهم أصحاب الخلود في الجنان. فإلى تفصيل ذلك من أقوال أئمة التفسير:

стр. 312

١ - قال ابن عباس: ﴿وَقَالوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾، قال ذلك أعداء الله اليهود، قالوا: لن يدخلنا الله النار إلا تحلّة القسم، الأيامَ التي أصبنا فيها العجلَ: أربعين يومًا، فإذا انقضت عنّا تلك الأيام، انقطع عنا العذاب والقسم). ٢ - قال السدي: (قالت اليهود: إن الله يُدْخلنا النار فنمكث فيها أربعين ليلة، حتى إذا أكلت النار خطايانا واستنقتنا، نادى منادٍ: أخرجوا كُلَّ مختون من ولد بني إسرائيل. فلذلك أمِرنا أن نختن. قالوا: فلا يَدَعون منا في النار أحدًا إلا أخرجوه). ٣ - قال أبو العالية: (قالت اليهود: إن ربنا عتب علينا في أمرنا، فأقسم ليعذِّبنا أربعين ليلة، ثم يخرجنا. فأكذبهم الله). ٤ - قال قتادة: (قالت اليهود: لن ندخل النار إلا تحلة القسم، عدد الأيام التي عَبَدْنا فيها العجل). ٥ - قال الضحاك: قال ابن عباس: (زعمت اليهود أنهم وجدوا في التوراة مكتوبًا أن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة، إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم، التي هي ثابتة في أصل الجحيم. وقال أعداء الله: إنما نعذَّب حتى ننتهي إلى شجرة الزقوم فتذهب جهنم وتَهْلِك. فذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾. في حين خفّض آخرون من يهود المكر والكفر مكوثهم في جهنم إلى سبعة أيام، كما: ٦ - قال مجاهد: (كانت اليهود تقول: إنما الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما نعذَّب مكان كل ألف سنة يومًا). قال: (وقالوا لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة من الدهر. وسمّوا عِدّة سبعة آلاف سنة، من كل ألف سنة يومًا). ٧ - وقال ابن عباس: (قدم رسول الله ﷺ المدينةَ، ويهودُ تقول: إنما مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما يُعَذَّبُ الناس في النار بكل ألف سنة من أيام الدنيا، يومًا واحدًا في النار من أيام الآخرة، فإنما هي سبعة أيام، ثم ينقطع العذاب. فأنزل الله في ذلك من قولهم: ﴿وَقَالوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ الآية). وقوله: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. التأويل: قل يا محمد لمعشر اليهود الذين يزعمون أنهم ناجون من النار بعد عدة

стр. 313

أيام، أأخذتم بهذا من الله ميثاقًا وعقدًا والله لا يخلف ميثاقه ولا ينقض عهده وعقده، أم تجترئون بالباطل على ربكم؟ ! وقد جاءت أقوال أهل التفسير على ذلك: ١ - قال ابن عباس: (لما قالت اليهود ما قالت، قال الله جل ثناؤه لمحمد، قل: ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾، يقول: أدَّخرتم عند الله عهدًا؟ يقول: أقلتم لا إله إلا الله، لم تشركوا ولم تكفروا به؛ فإن كنتم قُلتموها فأرجوا بها، وإن كنتم لم تقولوها، فلم تقولون على الله ما لا تعلمون؟ يقول: لو كنتم قلتم لا إله إلا الله، ولم تشركوا به شيئًا، ثم مُتُّم على ذلك، لكان لكم ذُخْرًا عندي، ولم أخلفْ وعدي لكم: أنَّي أجازيكم بها). ٢ - قال مجاهد: ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾، أي: مَوْثِقًا من الله بذلك أنه كما تقولن). ٣ - قال قتادة: (قالت اليهود: لن ندخل النار إلا تَحِلَّة القسم، عدَّةَ الأيام التي عبدنا فيها العجل، فقال الله: ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾، بهذا الذي تقولونه؟ ألكم بهذا حُجَّة وبرهان؟ فلن يُخلف الله عهده، فهاتوا حجتكم وبرهانكم، أم تقولون على الله ما لا تعلمون). ٤ - قال السدي: (لما قالت اليهود ما قالت: قال الله : ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾ وقال في مكانٍ آخر: ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾، ثم أخبر الخبر فقال: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾. وقوله: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾. تكذيبٌ لليهود بما زعموا، وتأكيد لمنهج النجاة في الآخرة: لا إله إلا الله، ووعيد للآثمين المعاندين لله ورسله بالخلود في النار. قال ابن عباس: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾، أي: من عمل مثل أعمالكم، وكفر بمثل ما كفرتم به، حتى يحيط كُفره بما لهُ من حسنة، فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون).

стр. 314

وأما السيئة التي ذكرت في النص فلها تأويلان: ١ - التأويل الأول: السيئة بمعنى الشرك. قال قتادة: (أما السيئة فالشرك). وقال مجاهد: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾: شركًا). ٢ - التأويل الثاني: السيئة بمعنى الكبيرة من الذنوب. قال السدي: (أما السيئة: فهي الذنوب التي وعد عليها النار). وقال الحسن: (السيئة: الكبيرة من الكبائر). فائدة: أمّا ﴿بَلَى﴾ فهي إقرار في كل كلام في أوله جَحْد، كما "نعم" إقرار في الاستفهام الذي لا جحد فيه. وأصلها "بل" التي هي رجوع عن الجحد المحض نحو قولك: "ما قام عمرو بَلْ زيد". فزيدت فيها الياء لِيَصلح عليها الوقوف. فتصير "بلى" رجوعًا عن الجحد فقط، وإقرارًا بالفعل الذي بعد الجحد. قال ابن جرير: (فدلّت "الياء" منها على معنى الإقرار والإنعام. ودل لفظ "بل" على الرجوع عن الجحد). وقوله: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾. التأويل: اجتمعت عليه تلك الخطيئة فمات عليها ولم يتدارك نفسه بالتوبة والإنابة. وقد جاءت أقوال المفسرين على ذلك: ١ - قال ابن عباس: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾: يحيط كفرُه بما له من حسنة). ٢ - قال مجاهد: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾: ما أوجب الله فيه النار). ٣ - قال الضحاك: (مات بذنبه). وقال الربيع: (مات عليها). وقال: (هو الذي يموت على خطيئته قبل أن يتوب). ٤ - قال قتادة: (أما الخطيئة فالكبيرة الموجبة). ٥ - قال الحسن: (كل آية وعد الله عليها النار، فهي الخطيئة). ٦ - قال السدي: (فمات، ولم يتب). ٧ - قال ابن جريجٍ: قلت لعطاء: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾، قال: الشرك، ثم تلا ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾.

стр. 315

أخرج الإمام أحمد والطبراني بسند حسن عن عبد الله بن مسعود ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: [إياكم ومحقَّراتِ الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنَه، كرجُل كان بأرضٍ فلاةٍ فحضر صنيعُ القوم، فجعل الرجل يجيءُ بالعود، والرجل يجيء بالعود، حتى جمعوا من ذلك سَوادًا وأجَّجُوا نارًا فأنضجوا ما فيها] (١). وله شاهد عندهما وعند البيهقي من حديث سهل بن سعد ﵁ بلفظ: "إياكم ومحقَّراتِ الذنوب، فإنما مثلُ محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن وادٍ، فجاء ذا بعُود، وجاء ذا بعودٍ، حتى حملوا ما أنضَجُوا به خبزهم، وإن محقّرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه] (٢). وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. التأويل: لقد صار هؤلاء الذين آثروا ما يسخط الله من القول والعمل على ما يحبّ أصحابًا للنار لملازمتهم لأعمال أهلها الذين سيقيمون فيها. قال ابن عباس: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أي: خالدون أبدًا). وقال السدي: (لا يخرجون منها أبدًا). وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. قال ابن عباس: (أي من آمن بما كفرتم به، وعمل بما تركتم من دينه، فلهم الجَنَّة خالدين فيها. يخبرهم أن الثواب بالخير - والشرِّ مقيم على أهله أبدًا، لا انقطاع له أبدًا). ولا شك أن أول من خوطب بهذه الآية هو النبي ﷺ وأصحابه. وفي الصحيحين والمسند وبعض السنن عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: [إذا دخل أهل الجَنَّة الجَنَّة، وأهل النار النار، يُجاء بالموت كأنه كبش أملحُ، فيوقف بين الجَنَّة والنار، فيقال: يا أهل الجَنَّة هل تعرفون هذا؟ فيشرئِبُّون، فينظرون، ويقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه، ثم ينادى: يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون، فينظرون، فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه، فيؤمر به

стр. 316

فيذبح، ويقال: يا أهل الجَنَّة خلودٌ ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت" (١). ٣٨ - قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣)﴾. في هذه الآية: ذكر الميثاق الذي أخذه الله تعالى على بني إسرائيل أن لا يعبدوا غيره، وأن يحسنوا إلى الآباء والقرابة والأرحام واليتامى والمساكين ويتخيروا القول الحسن لسائر الناس، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فما وفى منهم إلا قليل. والميثاق مِفْعال من التوثّق وتأكيد القول بيمين ونحوه، والمعنى: واذكروا أيضًا يا معشر بني إسرائيل إذ أخذنا ميثاقكم أن تخلصوا العبادة لله وحده، ولا تشركوا به شيئًا. فهذا حق الله سبحانه عليكم وعلى جميع العباد كما قال جل ذكره في سورة الأنبياء: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾. وكذلك في سورة النحل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ .... ﴾. ثم عطف على أعلى الحقوق وأعظمها - وهو حق الله ﵎ أن يعبد وحده لا شريك له - حق الوالدين وذوي القربى ثم اليتامى والمساكين، كما قال جل ذكره في سورة لقمان: ﴿اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾. وكذلك في سورة الإسراء: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ إلى أن قال: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ .... ﴾. ويشمل حق الوالدين فعل المعروف لهما، والقول الجميل، وخفض جناح الذّلّ رحمةً بهما، والتحنُّن عليهما، والرأفة بهما، والدعاء بالخير لهما، ونحو ذلك مما هو فيه شريعة الرسل جميعهم صلوات الله وسلامه عليهم. وفي الصحيحين عن ابن مسعود ﵁: [قلت: يا رسول الله، أي العمل

стр. 317

أفضل؟ قال: الصلاة على وقتها. قلت: ثم أي؟ قال: برّ الوالدين. قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله] (١). وفي الصحيحين أيضًا عن أبي هريرة ﵁ قال: [جاء رجلٌ إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، من أحقّ بِحُسْنِ صحابتي؟ قال: أُمُّك، قال: ثُمَّ مَن؟ قال: ثمَّ أمُّكَ، قال: ثمَّ مَنْ؟ قال: ثمَّ أمُّكَ، قال: ثمَّ مَنْ؟ قال: ثم أبوك" (٢). فائدة: قوله تعالى: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ قيل: خبرٌ بمعنى الطلب، وهو أَكد، حكاه الزمخشري. وقيل: أصله "أن لا تعبدوا إِلَّا اللَّهَ" كما بقراءة بعض السلف، فحذفت "أن" فارتفع. وقيل بل هو في قراءة أبيّ وابن مسعود: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾. وقيل ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾ مرفوع على أنه قسم، والتقدير: والله لا تعبدون إلا الله. ذكره القرطبي عن سيبويه. و﴿الْقُرْبَى﴾ بمعنى القرابة، وهو مصدر، والمعنى: وأمرناهم بالإحسان إلى القرابات بصلة أرحامهم. و"اليتامى" جميع يتيم ويدخل في ذلك المذكور والإناث. قال القرطبي: (واليُتْم في بني آدم بفقد الأب، وفي البهائم بفقد الأم). و﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ جمع مسكين، وهو المتخشِّع المتذلِّل من الفاقة والحاجة، والمَسْكَنَة هي ذُل الحاجة والفاقة. فيكون المعنى كما قال ابن جرير: (وبذي القربى: أنَّ تصلوا رحمه، وتعرفوا حقه، وباليتامى: أنْ تتعطفوا عليهم بالرحمة والرأفة، وبالمساكين: أن تُؤتوهم حقوقهم التي ألزمها الله أموالكم). وفي المسند وجامع الترمذي بسند جيد عن أبي هريرة مرفوعًا: [تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، فإن صلة الرحم محبة في الأهل، مثراة في المال، منسأة في الأثر] (٣). وله شاهد عند الطبراني بسند صحيح من حديث عمرو بن سهل بلفظ: [صِلة القرابة

стр. 318

مثراةٌ في المال، محبَّةٌ في الأهل، منسأة في الأجل] (١). وفي الصحيحين عن زينبَ الثقفيَّة امرأةِ عبد الله بن مسعود ﵄ قالت: قال رسول الله ﷺ : [تصدَّقْنَ يا معشر النساء! ولو من حُلِيِّكُنَ. قالت: فرجعت إلى عبد الله بن مسعود فقلت: إنك رجل خفيف ذات اليد، وإن رسول الله ﷺ قد أمرنا بالصدقة، فائته فسله، فإن كان ذلك يُجْزي عني، وإلا صرفتها إلى غيركم. فقال عبد الله: بل ائتيه أنت فانطلقْتُ، فإذا امرأةٌ من الأنصار بباب رسول الله ﷺ ، حاجتها حاجتي، وكان رسول الله ﷺ قد أُلقيت عليه المهابة، فخرج علينا بلال، فقلنا له: ائت رسولَ الله ﷺ فأخبره أن امرأتين في الباب، يسألانك: أتجزئ الصدقة عنهما على أزواجهما، وعلى أيتام في حجورهما؟ ... فقال رسول الله ﷺ : لهما أجر القرابة وأجر الصدقة" (٢). وفي المسند بسند صحيح عن سلمانَ بن عامرٍ ﵁، عن النبي ﷺ . قال: [الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة] (٣). وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [الساعي على الأَرْمَلَة والمِسْكين، كالمجاهد في سبيل الله - وأحْسِبُهُ قال: - وكالقائم لا يَفتُرُ وكالصائم لا يُفطرُ] (٤). وقوله: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾. التقدير: قولوا للناس قولًا ذا حسن، وإنما نُصب "حُسْنًا" على المصدر. وقد قرأها قراء الكوفة غير عاصم "حَسَنًا"، في حين قرأها قراء المدينة "حُسْنًا". قال الأخفش: هما بمعنىً واحد، مثل البُخْل والبَخَل، والرُّشْد والرَّشَد. وأما أقوال أئمة التفسير فيها فمتقاربة يزيد أحدهم في تفسيره وضوحًا على الآخر: ١ - قال ابن عباس: (أمرهم أيضًا بعد هذا الخُلُق: أنْ يقولوا للناس حسنًا، أن يأمروا بـ "لا إله إلا الله" من لم يقُلها ورغب عنها، حتى يقولوها كما قالوها، فإن ذلك

стр. 319

قُرْبةٌ من الله جل ثناؤه. وقال: الحسن أيضًا، ليِّن القول، من الأدب الحسن الجميل والخُلق الكريم، وهو مما ارتضاه الله وأحبه). ٢ - قال أبو العالية: (قولوا للناس معروفًا). وقال سفيان الثوري: (مُروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر). ٣ - قال ابن جريجٍ: (قولوا للناس صدقًا في شأن محمد ﷺ ولا تغيِّروا نعته). ٤ - قال أبو العالية: (قولوا لهم الطيِّب من القول، وجازوهم بأحسن ما تحبون أن تجازوا به). والخلاصة كما قال القرطبي ﵀: (وهذا كله حض على مكارم الأخلاق، فينبغي للإنسان أن يكون قوله للناس ليِّنًا ووجهه منبسطًا طَلْقًا مع البَرِّ والفاجر، والسُّنيّ والمبتدع، من غير مداهنة، ومن غير أن يتكلم معه بكلام يظن أن يُرضي مذهبه، لأن الله تعالى قال لموسى وهارون: ﴿فَقُوْلَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾. فالقائل ليس بأفضل من موسى وهارون، والفاجر ليس بأخبث من فرعون، وقد أمرهما الله تعالى باللين معه). وفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر، قال رسول الله ﷺ : [لا تُحقِرَنَّ من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجهٍ طلق] (١). وقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾. المعنى: أقيموا الصلاة المكتوبة بحقوقها: بأركانها وواجباتها. وأدوا الزكاة المفروضة عليكم: طاعةً لله وإخلاصًا له طيبة بها أنفسكم. قال ابن مسعود: (إقامة الصلاة تمامُ الركوع والسجود والتلاوة والخشوع، والإقبال عليها فيها). قال ابن عباس: (الزكاة التي أمروا بها طاعة الله والإخلاس). وقال: (إيتاء الزكاة، ما كان الله فرض عليهم في أموالهم من الزكاة، وهي سُنَّة كانت لهم غير سُنّة محمد ﷺ . كانت زكاة أموالهم قربانًا تهبط إليه نار فتحملها، فكان ذلك تقبُّله. ومن لم تفعل النار به ذلك كان غير متقبَّل، وكان الذي قرّب، منْ مكسب لا يحلُّ: من ظُلْم أو غَشْم، أو أَخْذٍ بغير ما أمره الله به وبيّنه له).

стр. 320

قلت: الله أعلم بصحة ذلك فليس لدينا تفصيل من ديننا تقوم به الحجة. والخلاصة كما قال القاسمي ﵀: (المراد الصلاة التي كانوا يصلونها، والزكاة التي كانوا يخرجونها). وقوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾. المقصود نكث يهود بني إسرائيل العهد السابق ونقضهم الميثاق، فبدّلوا وغيّروا وتركوا. قال ابن عباس: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ يقول: "أعرضتم عن طاعتي، ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ﴾ قال: القليل الذين اخترتهم لطاعتي، وسيحل عقابي عمّن تولى وأعرض عنها، يقول: تركها استخفافًا بها). وقيل: بل الخطاب للأحفاد الذين كانوا بين ظهراني مُهاجر رسول الله ﷺ من يهود بني إسرائيل لنقضهم العهد الذي أخذ عليهم في التوراة وركوبهم المعاصي والآثام. ٨٤ - ٨٦. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦)﴾. في هذه الآياتِ: المراد بنو إسرائيل ومَنْ بعدهم، فإن الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ لم يكونوا أحسن حالًا من آبائهم، بل كانوا متورِّطين في تحالفات قتال مع الأوس والخزرج ضد بعضهم. فبنو قينقاع حلفاء الخزرج، وبنو قريظة والنضير حلفاء الأوس، فإذا نشبت الحرب قاتل كل فريق مع حلفائه، فيقتل اليهودي الآخر من الفريق الآخر، وذلك حرام عليهم في دينهم ونص كتابهم، ويخرجونهم من بيوتهم وينتهبون ما فيها من الأثاث والأمتعة والأموال. ثم إذا وضعت الحرب أوزارها استفكَّوا الأسارى من الفريق المغلوب، عملًا بحكم التوراة.
следующие страницы →