فعن قتادة: (قوله: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ قال: الحجاب المستور أكنة على قلوبهم أن يفقهوه وأن ينتفِعُوا به، أطاعوا الشيطان فاستحوذ عليهم).
والمقصود: أن الله تعالى جعل مانعًا حائلًا بين القرآن والمشركين جزاء استهتارهم بالوحي العظيم. قيل: ﴿حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ بمعنى ساتر. وقيل مستورًا عن الأبصار فلا تراه، وهو مع ذلك حجاب بينهم وبين الهدى.
وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾. ﴿أَكِنَّةً﴾: جمع كنان، وهو ما ستر الشيء، والمراد ما يغشى القلب. ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾، أي: لئلا يفهموا هذا القرآن. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وجعلنا على قلوب هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة عند قراءتك عليهم القرآن أكنة، وهي جمع كنان، وذلك ما يتغشَّاها من خذلان الله إياهم عن فهم ما يُتلى عليهم).
وقوله: ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾. الوَقر في الأذن: الثقل. قال ابن كثير: (وهو الثِّقلُ الذي يمنعهم من سماع القرآن سماعًا ينفعهم ويهتدون به).
وقوله: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾. أي: إذا عظمت ربك وحده أثناء تلاوتك القرآن - يا محمد - وقلت موحدًا: لا إله إلا الله أدبر المشركون راجعين. قال أبو الجَوْزاء أوْس بن عبد الله: (ليس شيء أطْرَدَ للشيطان من القلب من قول لا إله إلا الله، ثم تلا: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾. وقال قتادة: (إن المسلمين لما قالوا: "لا إله إلا الله"، أنكر ذلك المشركون، وكبُرت عليهم، وَصَافَّها إبليس وجنودُه، فأبى الله إلا أن يُمْضِيَها وينصرَها ويظهرها على من ناوأَها، إنها كلمة من خاصم بها فَلَج، ومن قاتَلَ بها نُصِرَ، إنما يَعْرِفُها أهل هذه الجزيرة من المسلمين، التي يقطعها الراكب في ليال قلائلَ، ويسير الدهر في فئام من الناس لا يعرفونها ولا يقرّون بها).
وقوله: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾. قال القرطبي: (قيل: الباء زائدة في قوله ﴿بِهِ﴾ أي يستمعونه. وكانوا يستمعون من النبي ﷺ القرآن ثم ينفرون فيقولون: هو ساحر ومسحور، كما أخبر الله تعالى به عنهم، قاله قتادة وغيره. ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ أي متناجون في أمرك). قال مجاهد: (هي مثل قيل الوليد بن المغيرة
стр. 2557
ومن معه في دار الندوة). وقال قتادة: (ونجواهم أن زعموا أنه مجنون، وأنه ساحر، وقالوا: أساطير الأولين).
وقوله: ﴿إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾. أي: إذ يقول الظالمون أمثال أبي جهل والوليد بن المغيرة للناس: إن تتبعون إلا رجلًا مَطْبوبًا قد خبله السحر فاختلط عليه أمره، ومرادهم بذلك تنفير الناس عن النبي ﷺ .
وقوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾.
قال مجاهد: (مخرجًا، الوليد بن المغيرة وأصحابه). قال القاسمي: (أي: مثلوك بالشاعر والساحر والمجنون ﴿فَضَلُّوا﴾ أي عن الحق والهداية بك ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ أي فلا يهتدون لطريق الحق لضلالهم عنه وبعدهم منه. وأن الله قد خذلهم عن إصابته. أو المعنى: فلا يستطيعون سبيلًا إلى طعن يمكن أن يقبله أحد، بل يخبطون بما لا يرتاب في بطلانه أحد. كالمتحير في أمره لا يدري ماذا يصنع).
٤٩ - ٥٢. قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٤٩) قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (٥١) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (٥٢)﴾.
في هذه الآيات: استهزاء الكافرين بأمر البعث بعد فناء العظام وزوال الأجسام، وتحدّي الله لهم بأنهم لو كانوا حجارة أو حديدًا أو أكبر من ذلك فإنهم مدعُوّون للوقوف بين يديه مع جميع الأنام، ويظنون حين ذلك أنهم ما لبثوا في غرور الدنيا إلا القليل من الأيام.
فقوله: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا﴾. قال ابن عباس: (يقول: غُبارًا). وقال مجاهد: (رفاتًا: ترابًا). قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيل هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة من مشركي قريش، وقالوا بِعَنَتِهم: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا﴾ لم نتحطم ولم نتكسَّر بعد مماتنا وبلانا، ﴿وَرُفَاتًا﴾ يعني ترابًا في قبورنا).
وقوله: ﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ - إنكار منهم للبعث بعد الموت.
стр. 2558
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٨, ٧٩].
٢ - وقال تعالى: ﴿يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠) أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (١١) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ [النازعات: ١٠ - ١٢].
وفي سنن الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة، وعن أبي سعيد قالا: قال رسول الله ﷺ : [يؤتى بالعبد يوم القيامة فيقول لَهْ: ألم أجعلْ لك سمعًا وبصرًا، ومالًا وولَدًا، وسَخَّرْتُ لك الأنعامَ والحرثَ، وتركتُكَ ترأسُ وتَرْبَعُ، فكنتَ تَظُنُّ أنكَ مُلاقِيَّ يَوْمَكَ هذا؟ فيقول: لا. فيقول له: اليوم أنساك كما نسيتني] (١).
وقوله تعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾.
قال القاسمي: (أي يعظم في نفوسكم عن قبول الحياة ويعظم في زعمكم على الخالق إحياؤه. فإنه يحييكم ولا يعجزه بعثكم. فكيف، إذا كنتم عظامًا مرفوتة وقد كانت موصوفة بالحياة قبل، والشيء أقبل لما عهد فيه مما لم يعهد). وقال مجاهد: (ما شئتم فكونوا، فسيعيدكم الله كما كنتم). وقال الضحاك: (كونوا الموت إن استطعتم، فإن الموت سيموت. وليس شيء أكبر في نفس ابن آدم من الموت).
وقوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا﴾. أي: فسيقولون بعد إقامة الحجة عليهم ولزومها بهم: فمن يعيدنا؟ ! ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. قال قتادة: (﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ قال: السماء والأرض والجبال، ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي خلقكم).
وقوله: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾. قال ابن عباس: (يقول: سيحركونها إليك استهزاء). وقال قتادة: (أي يحركون رؤوسهم تكذيبًا واستهزاء). وأصل النّغض في كلام العرب: حركة بارتفاع ثم انخفاض، أو بالعكس.
وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾. أي: يقولون لك - يا محمد -
стр. 2559
فمتى البعث الذي تخبرنا عنه، ومتى يعيدنا خلقًا جديدًا! فقل لهم: إن الأمر قد يكون قريبًا، فكل آت قريب.
وقوله: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾. قال ابن عباس: (يقول: بأمره). قال قتادة: (أي بمعرفته وطاعته). قال ابن كثير: (أي: تقومون كلكم إجابة لأمره وطاعة لإرادته). وقال ابن جرير: (معناه: فتستجيبون لله من قبوركم بقدرته، ودعائه إياكم، ولله الحمد في كل حال).
قال القاضي: (استعار لهما الدعاء والاستجابة، للتنبيه على سرعتهما وتيسر أمرهما. وإن المقصود منهما الإحضار للمحاسبة والجزاء).
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠].
٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠].
٣ - وقال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٣, ١٤].
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض] (١).
وقوله: ﴿وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾. قال قتادة: (أي في الدنيا، تحاقرت الدنيا في أنفسهم وقَلَّت، حين عاينوا يوم القيامة).
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ [طه: ١٠٢ - ١٠٤].
٢ - وقال تعالى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٢ - ١١٤].
٣ - وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ [الروم: ٥٥].
стр. 2560
٤ - وقال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٤٦].
وفي سنن الترمذي بسند حسن عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [كيف أنعم وصاحبُ الصور قد التقمه وأصغى سمعه وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر بالنفخ؟ فقالوا: يا رسول الله! وما تأمرنا؟ قال: قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل] (١).
٥٣ - ٥٧. قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (٥٣) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (٥٤) وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (٥٥) قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾.
في هذه الآيات: أَمْرُ الله تعالى نبيّه ﷺ أن يأمر عباده اختيار الكلام الأحسن في مخاطباتهم ومحاوراتهم، وإلا نزغَ الشيطان بينهم وأوقعهم في شباك العداوة والبغضاء والاقتتال. إنّ ربكم أيها الناس أعلم من يستحق الهداية أو الخذلان، وأعلم بمن في السماوات والأرض لا يخفى عليه شيء، وقد فضل بعض النبيين على بعض وآتى داود زبورًا، فلا يُستبعد أن يؤتي محمدًا قرآنًا. إن آلهة المشركين لا تملك كشف الضر عنهم ولا تحويلًا. وكذلك فإن فئة الجن الذين كان بعض الإنس يعبدونهم أسلموا فهم يبتغون مرضاة ربهم ويخافون عذابه - وما زال أولئك الإنس يعبدونهم - وعذاب الله يحذره المؤمنون وسيحيط يومًا بالكافرين.
فقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾. قال الحسن: (التي هي أحسن، لا يقول له مثل قوله، يقول له: يرحمك الله، يغفر الله لك). قال ابن كثير: (يأمر ﵎ رسوله ﷺ أن يأمر عباد الله المؤمنين أن يقولوا في مخاطباتهم ومحاوراتهم الكلام الأحسن والكلمة الطيبة،
стр. 2561
فإنه إذا لم يفعلوا ذلك نَزَغَ الشيطان بينهم، وأخرج الكلامَ إلى الفعال، ووقع الشرُّ والمخاصمة والمقاتلة، فإنّ الشيطان عدوٌّ لآدم وذريته من حينَ امتنع من السجود لآدم، فعداوتُهُ ظاهرة بينة، ولهذا نهى أن يشُير الرجلُ إلى أخيه المسلم بحديدة، فإن الشيطان يَنْزَغُ في يده، فربما أصابه بها).
قلت: وقد حفلت النصوص القرآنية والنبوية بآفاق هذه المعاني السامية:
ففي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤].
٢ - وقال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩].
٣ - وقال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٦ - ٩٨].
وفي صحيح السنة المطهرة:
الحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تَحابّوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحابَبْتُم؟ أفشوا السلام بينكم] (١).
الحديث الثاني: أخرج الطبراني والبيهقي بإسناد حسن عن شقيق قال: [لبّى عبد الله ﵁ على صفا، ثم قال: يا لسان قل خيرًا تغنم، اسكت تسلم، من قبل أن تندم. قالوا: يا أبا عبد الرحمن هذا شيء أنت تقوله أم سمعته؟ قال: لا، بل سمعت رسول الله ﷺ يقول: أكثر خطايا ابن آدم في لسانه] (٢).
الحديث الثالث: أخرج أحمد والشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال
стр. 2562
رسول الله ﷺ : [لا يُشيرَنَّ أحدكم إلى أخيه بالسلاح، فإنه لا يَدْري أحدُكم لعلَّ الشيطانَ أن يَنْزغ في يده، فيقع في حفرة من نار] (١).
وفي رواية لمسلم: [من أشار إلى أخيه بحديدة، فإن الملائكة تلعنه حتى يَدَعه، وإن كان أخاه لأبيه وأمه].
وقوله تعالى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾. أي: ربكم أعلم بكم أيها الناس، فمن استحق منكم الهداية وفّقَهُ سبحانه لطاعته، ومن كان قاسي القلب عن الإخبات لربه وأصرّ على معصيته خذله عن الهداية وطريق النجاة، وأسْلمه للعذاب، وإنما أنت - يا محمد - نذير ولست عليهم بوكيل. قال ابن جريج: (﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾ قال: فتؤمنوا ﴿أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾، فتموتوا على الشرك كما أنتم).
وقوله: ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال القاسمي: (أي فلا يخفى عليه شيء فيهما. فهو أعلم بهؤلاء (٢) ضرورة. وفيه إشارة إلى رحمته تعالى ببعثة الرسل، لحاجة الخلق إليها. وإلى مشيئته فيمن يصطفي لرسالته، ويختار لنبوّتِه، ويعلمه أهلًا لها).
وقوله: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾. قال النسفي: (فيه إشارة إلى تفضيل رسول الله ﷺ ). قال ابن جريج: (كلم الله موسى، وأرسل محمدًا إلى الناس كافة). وقال قتادة: (اتخذ الله إبراهيم خليلًا، وكلّم موسى تكليمًا، وجعل الله عيسى كمثل آدم خلقه من تراب، ثم قال له كن فيكون، وهو عبد الله ورسوله، من كلمة الله وروحه، وآتى سليمان مُلكًا لا ينبغي لأحد من بعده، وآتى داود زبورًا، كنا نحدّث دعاء عُلِّمه داود، تحميد وتمجيد، ليس فيه حلال ولا حرام، ولا فرائض ولا حدود، وغفر لمحمد ما تقدّم من ذنبه وما تأخَّر).
وفي التنزيل: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣].
قلت: ولا شك أن محمدًا ﵊ أفضل الأنبياء والرسل صلوات الله
стр. 2563
وسلامه عليهم أجمعين، وسيد ولد آدم، وما جاء من النهي عن التفضيل بين الأنبياء - كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا -: [لا تفضلوا بين أنبياء الله. . .] الحديث (١)، فإن المقصود النهي عن التفضيل بينهم بمجرد التشهِّي والعصبية، لا بمقتضى الدليل، وأما ما ثبت من ذلك في التنزيل أو في السنة الصحيحة فإن الأصل في ذلك الاتباع.
وقوله: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾. تنبيه على فضله وشرفه - ذكره ابن كثير. قال القرطبي: (الزبور: كتاب ليس فيه حلال ولا حرام، ولا فرائض ولا حدود، وإنما هو دعاء وتحميد وتمجيد. أي كما آتينا داود الزبور فلا تنكروا أن يؤتى محمد القرآن. وهو في مُحاجّة اليهود).
وقال النسفي: (﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ دلالة على وجه تفضيله (٢)، وأنه خاتم الأنبياء، وأن أمته خير الأمم، لأن ذلك مكتوب في زبور داود، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾. وهم محمد وأمته).
قلت: وكل ما سبق يدخل في مفهوم الآية، فهي تشير إلى فضل نبينا محمد ﷺ وأمته، وكذلك إلى فضل داود ﵇ وتلاوته، وقد روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: [خُفِّفَ على داود القرآنُ، فكان يأمْرُ بِدَابَّتِهِ لِتُسْرَجَ، فكان يقرأ قبل أن يفرُغَ] (٣) - يعني القرآن.
وقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾.
روى مسلم في صحيحه عن عبد الله: [﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ قال: كان نفر من الإنس يعبدون نفرًا من الجن، فأسلم النفر من الجن
стр. 2564
واستمسك الإنس بعبادتهم، فنزلت: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾] (١).
ثم ساقه من طريق أخرى إلى ابن مسعود وفيه: (فأسلم الجنيون والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون، فنزلت).
ورواه الحاكم - على شرط مسلم - وفيه: [فأنزل الله : ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ وذكر الآيتين، إلى قوله، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ﴾].
قال ابن عباس: (الوسيلة: القربة). وقال قتادة: (الوسيلة: القربة والزلفى).
وخلاصة المعنى كما قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين يدعوهم هؤلاء المشركون أربابًا ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ يقول: يبتغي المدعُوّون أربابًا إلى ربهم القُربة والزُّلفة، لأنهم أهل إيمان به، والمشركون بالله يعبدونهم من دون الله ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ أيهم بصالح عمله واجتهاده في عبادته أقرب عنده زلفة ﴿وَيَرْجُونَ﴾ بأفعالهم تلك ﴿رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ﴾ بخلافهم أمره ﴿عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ﴾ يا محمد ﴿كَانَ مَحْذُورًا﴾ متقى).
٥٨ - ٦٠. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (٥٨) وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (٥٩) وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا (٦٠)﴾
في هذه الآيات: قضاءُ الله تعالى بإهلاك أهل القرى حالة عتوهم وبغيهم وتمردهم على دينه ورسله، وإنّ كثيرًا من الآيات والمعجزات لا تزيد الظالمين إلا عتوًا وكبرًا. وحضُّ الله نبيّه ﷺ على المضي في إبلاغ دعوته وهو سبحانه يعصمه من الأذى، وقد
стр. 2565
أراه الله ليلة الإسراء عجائب قدرته، وشجرة الزقوم التي هي طعام أهل الشرك الذين يزدادون طغيانًا وعتوًا، وعذاب الله سيحيط بهم قريبًا.
فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾. المعنى: يقول جل ذكره: ما من قرية إلا نحن مهلكو أهلها بالفناء - أي الموت - فمبيدوهم استئصالًا قبل يوم القيامة، أو معذبوها ببلاء كقتل بالسيف أو غير من ذلك من صنوف العذاب عذابًا شديدًا. قضاء الله وحكمه وكتابته ذلك في اللوح المحفوظ.
قال قتادة: (قضاء من الله كما تسمعون ليس منه بدّ، إما أن يهلكها بموت، وإما أن يهلكها بعذاب مستأصل إذا تركوا أمره وكذبوا رسله).
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (٨) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا﴾ [الطلاق: ٨, ٩].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢].
ومن صحيح السنة في ذلك:
الحديث الأول: أخرج أحمد والحاكم بسند صحيح عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: [إذا ظَهَرَ السوء في الأرض أنزل الله بأسه بأهل الأرض، وإن كان فيهم قوم صالحون، يصيبهم ما أصابَ الناسَ، ثم يرجعون إلى رحمة الله ومغفرته] (١).
الحديث الثاني: أخرج الطبراني بسند صحيح عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: [إذا ظهر الزِّنا والرِّبا في قرية، فقد أحلُّوا بأنفسهم عذاب الله] (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾.
стр. 2566
أخرج الإمام أحمد في المسند، والحاكم في المستدرك، ورجاله رجال الصحيح، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: [سأل أهل مكة النبي ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهبًا، وأن ينحي الجبال عنهم فيزدرعوا، فقيل له: إن شئت أن تستأني بهم، وإن شئت أن نُؤتيهم الذي سألوا، فإن كفروا أهلكوا كما أهلكتُ مَنْ قبلهم. قال: لا، بل أستأني بهم، فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾] (١).
وفي رواية: [قالت قريش للنبي ﷺ : ادع لنا ربك أن يجعل لنا الصَّفا ذَهَبًا، ونؤمِنُ بك. قال: وتفعلون؟ قالوا: نعم. قال: فدعا، فأتاه جبريل ﵇ فقال: إنّ ربك يقرأ عليك السلامَ ويقول لك: إن شئت أصبحَ الصفا لهم ذهبًا، فمن كفر منهم بعد ذلك عَذَّبتُهُ عذابًا لا أُعَذِّبهُ أحدًا من العالمين، وإن شئت فتحتُ لهم باب التوبة والرحمة. فقال: بل باب التوبة والرحمة. فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾] (٢).
وتأويل الآية: أي كما أن معجزة صالح ﷺ لم تنفع في جلب ثمود إلى الإيمان، فإن المشركين من قريش لن تنفعهم معجزة يعطيها الله لمحمد ﵊، قياسًا على عبر التاريخ والزمان، وعلى سنة الأولين مع رسلهم عبر القرون والدهور والأيام.
وعن قتادة: (﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾: إن الله يخوف الناس بما يشاء من آياته، لعلهم يعتبرون ويذكرون ويرجعون).
وقوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾. قال الحسن: (يقول: أحاط بالناس، عصمك من الناس). وقال: (يقول: أحطت لك بالعرب أن لا يقتلوك، فعرف أنه لا يُقتل). وعن مجاهد: ﴿أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ قال: فهم في قبضته). وقال قتادة: (أي منعك من الناس حتى تبلغ رسالة ربك).
стр. 2567
والخلاصة: يحض الله تعالى نبيه ﷺ على المضي في إبلاغ دعوته، وله الضمان من الله بالعصمة من أذى الناس ممن أراد به سوءًا وهلاكًا.
وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾.
أخرج البخاري في صحيحه عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄: [﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾، قال: هي رؤيا عَيْنٍ أُرِيَها رسول الله ﷺ -ليلة أسرِيَ به، ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾: شجرة الزقوم] (١).
قال القاسمي: (قال الأكثرون: يعني ما رآه النبي ﷺ ليلة الإسراء من الآيات. فلما ذكرها النبي ﷺ للناس، أنكر بعضهم ذلك وكذّبوا. وجعل الله ذلك ثباتًا ويقينًا للمخلصين. فكانت فتنة، أي اختبارًا وامتحانًا).
يروي ابن جرير عن ابن عباس وقتادة: (أن أبا جهل قال: زعم صاحبكم هذا - يعني النبي صلوات الله عليه - أن في النار شجرة، والنار تأكل الشجر! فكذبوا بذلك). وفي رواية: (أن أبا جهل قال: أيخوفني بشجر الزقوم؟ ثم دعا بتمر وزبد وجعل يأكل ويقول: تزقموا، فما نعلم الزقوم غير هذا).
قال النسفي: (﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ معناه: والشجرة الملعون آكلها وهم الكفرة، لأنه قال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾. فوصفت بلعن أهلها على المجاز، ولأن العرب تقول لكل طعام مكروه ضار: ملعون، ولأن اللعن هو الإبعاد من الرحمة، وهي في أصل الجحيم في أبعد مكان من الرحمة). وقيل: الملعون بمعنى المؤذي، لأنها تغلي في البطون كغلي الحميم. ومن ثمّ فوصفها بما سبق إما مجاز مرسل أو استعارة.
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات: ٦٢ - ٦٥].
قال ابن جريج: (طلعها كأنه رؤوس الشياطين، والشياطين ملعونون).
٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣ - ٤٦].
стр. 2568
وفي جامع الترمذي بسند صحيح عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. قال رسول الله ﷺ : [لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشَهم، فكيف بمن يكون طعامه! ؟ ] (١).
وقوله: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾. أي: ونخوف هؤلاء الكفار بالوعيد والعذاب، والشقاء والنكال، وطعام الزقوم الذي هو كالمهل يغلي في البطون، وما يزيدهم هذا التخويف إلا تماديًا في الكفر والضلال، وعنادًا وكبرًا واستهزاءً بما يوصف لهم من سيِّئ الحال والمآل، وذلك من خذلان الله لهم ومكره بهم.
٦١ - ٦٥. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (٦١) قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (٦٢) قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (٦٣) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (٦٤) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾.
في هذه الآيات: ذِكْرُ الله خبر سجود الملائكة لآدم بأمره، واستكبار إبليس عن ذلك وتَعَهُّده بإغواء الذرية، وتَعَهُّد الله إدخاله وأتباعه في نار جهنم، وإطلاقه في هذه الحياة الدنيا يدعو إلى معصية الله ليستجيب له المبطلون، وينجو بعون الله من كيده المؤمنون.
فقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾. تذكير من الله تعالى عباده عداوة إبليس القديمة لأبيهم آدم وذريته، ليحذروا من مكر هذا المستكبر اللعين، الذي أظهر الحسد والبغضاء وأبى أن يمتثل أمر الله بالسجود لآدم، وتعزز بخلقة النار، واستوهن خلق الصلصال، وقال: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾.
стр. 2569
وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾. فيه إظهار إبليس الجراءة والكفر، والرب سبحانه يَحْلُم ويُنْظِر، يقول: أرأيت هذا الذي أمرتني بالسجود له، تكريمًا منك إليه، لئن أخرت إهلاكي إلى يوم القيامة لأستولين على ذريته ولأستميلنهم ولأضلنهم إلا قليلًا منهم. قال مجاهد: (﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾، قال: لأحتوينهم). وقال ابن عباس: (يقول: لأستولين على ذريته إلا قليلًا). وقال ابن زيد: (لأضِلّنَهُم) - وكلها متقاربة في المعنى متكاملة.
أخرج الحاكم والبيهقي بإسناد صحيح عن أبي سعيد ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: [إن الشيطان قال: وعزتك يا رب لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الرب ﵎: وعزتي وجلالي: لا أزال أغفر لهم ما استغفروني] (١).
وقوله تعالى: ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾.
قال مجاهد: (موفورًا: وافرًا). وقال ابن جرير: (يقول: ثوابا مكثورًا مكملًا). والمعنى: توعد من الله تعالى أتباع إبليس بالشقاء. قال قتادة: (عذاب جهنم جزاؤهم، ونقمة من الله من أعدائه فلا يعدل عنهم من عذابها شيء).
وقوله: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ - فيه أقوال متكاملة:
١ - قال مجاهد: (اللعب واللهو). أو قال: (باللهو والغناء). والمعنى: استخفف واستجهل من استطعت منهم بصوت الغناء واللعب لتشغلهم بفاحش القول ومزامير اللهو عن طاعة الله . وفي كلام العرب: استفزه: استخفه. والفز الخفيف.
٢ - وقال ابن عباس: (صوته كل داع دعا إلى معصية الله).
٣ - وقال قتادة: (﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ قال: بدعائك).
وكلها معان يحتملها التأويل وبيان الآية، ويشمل صوته الوسوسة والغناء الماجن والمزمار.
стр. 2570
وقوله: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ - فيه أكثر من تأويل:
١ - قال قتادة: (إن له خيلًا ورجلًا من الجن والإنس، وهم الذين يطيعونه). وقال: (الرجال، المشاة). وقال مجاهد: (كل راكب وماشٍ في معاصي الله تعالى).
٢ - قال ابن عباس: (خيله: كل راكب في معصية الله، ورجله: كل راجل في معصية الله). وقال مجاهد: (ما كان من راكب يقاتل في معصية الله فهو من خيل إبليس، وما كان من راجل في معصية الله فهو من رجال إبليس. الرَّجْل: جمع راجل، كما التَّجْر: جمع تاجر، والصَّحْب: جمع صاحب).
٣ - قال النسفي: (﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ﴾ اجمع وصح بهم، من الجلبة وهو الصياح ﴿بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ بكل راكب وماش من أهل العيث). وقال ابن كثير: (يقول: واحمل عليهم بجنودك خَيَّالتهم ورجّالتهم).
وكلها معان متقاربة متكاملة في المعنى، مفادها استفزاز إبليس اللعين بني آدم إلى معصية الله والكفر به وسوء الظن به تعالى.
وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار أن رسول الله ﷺ قال: [يقول الله : إني خلقت عبادي حُنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرّمت عليهم ما أحللت لهم] (١).
وقوله: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ - فيه أقوال متكاملة:
أ - أما الأموال:
١ - قال مجاهد: (ما أكل من مال بغير طاعة الله). أو قال: (التي أصابوها من غير حلها).
٢ - قال عطاء بن أبي رباح: (الشرك في أموال الربا).
٣ - قال الحسن: (مرهم أن يكسبوها من خبيث، وينفقوها في حرام). وقال: (قد والله شاركهم في أموالهم، وأعطاهم الله أموالًا فأنفقوها في طاعة الشيطان في غير حق الله تبارك اسمه). وقال ابن عباس: (كل مال في معصية الله). وقال ابن زيد: (مشاركته إياهم في الأموال والأولاد، ما زَيَّنَ لهم فيها من معاصي الله حتى ركبوها).
стр. 2571
٤ - قال ابن عباس: (مشاركته في الأموال أن جعلوا البحيرة والسائبة والوصيلة لغير الله). وقال الضحاك: (يعني ما كانوا يذبحون لآلهتهم). قال ابن جرير: (فكل ما أطيع الشيطان فيه من مال وعصي الله فيه، فقد شارك فاعل ذلك فيه إبليس).
ب - وأما الأولاد:
١ - قال ابن عباس: (﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ قال: أولاد الزنا). وقال الضحاك: (أولاد الزنا، يعني بذلك أهل الشرك).
٢ - قال ابن عباس: (ما قتلوا من أولادهم، وأتوا فيهم الحرام). يعني وأدهم أولادهم وقتلهم.
٣ - قال الحسن: (قد والله شاركهم في أموالهم وأولادهم، فمجسوا وهوّدوا ونصّروا وصبغوا غير صبغة الإسلام وجزؤوا من أموالهم جزءًا للشيطان). وقال قتادة: (قد فعل ذلك، أما في الأولاد فإنهم هوّدوهم ونصّروهم ومجّسُوهم).
٤ - قال أبو صالح، عن ابن عباس: (مشاركته إياهم في الأولاد، سموا عبد الحارث وعبد شمس وعبد فلان).
قال ابن جرير: (وأولى الأقوال بالصواب أن يقال: كلُّ مولود وَلَدته أنثى عُصِيَ الله فيه بتسميته بما يكرهه الله، أو بإدخاله في غير الدين الذي ارتضاه الله. أو بالزنا بأمه، أو بقتله أو وأده، أو غير ذلك من الأمور التي يعصي الله بفعله به أو فيه، فقد دخل في مشاركة إبليس فيه مَنْ وُلِدَ ذلك الولدُ له أو منه).
قلت: ويدخل في ذلك ترك التسمية عند الجماع، والتهاون بمثل هذه الوصايا النبوية.
ففي الصحيحين عن ابن عباس ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: [لو أنَّ أحدَهم إذا أراد أن يأتي أهله قال: باسم الله، اللهم جَنِّبْنا الشيطان وجَنِّب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يُقَدَّرْ بينهما ولدٌ في ذلك لم يَضُرَّه الشيطان أبدًا] (١).
وقوله: ﴿وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾. قال النسفي: (وعِدْهم المواعيد
стр. 2572
الكاذبة من شفاعة الآلهة والكرامة على الله بالأنساب الشريفة، وإيثار العاجل على الآجل ونحو ذلك ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ هو تزيين الخطأ بما يوهم أنه صواب).
وفي التنزيل: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم: ٢٢].
وقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾. قال قتادة: (وعباده المؤمنون، وقال الله في آية أخرى: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١٠٠]).
قال ابن كثير: (إخبارٌ بتأييده تعالى عباده المؤمنين، وحِفْظه إياهم، وحراسته لهم من الشيطان الرجيم، ولهذا قال: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾، أي: حافظًا ومؤيدًا وناصرًا).
وفي التنزيل: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢].
ومن كنوز صحيح السُّنَّة في آفاق معنى هذه الآية أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن سبرة، عن النبي ﷺ قال: [إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه، فقعد بطريق الإسلام فقال: تُسْلِمُ وتذرُ دينك ودينَ آبائك؟ ! فعصاه فأسلم. ثم قعد له بطريق الهجرة فقال: تُهاجِرُ وتدع أرضك وسماءك. . فعصاه فهاجر. ثم قعد له بطريق الجهاد فقال: تجاهد فهو جهد النفس والمال فتقاتل فَتُقتل فَتُنْكح المرأة ويقسم المال؟ ! فعصاه فجاهد. . .] (١).
الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح من حديث الحارث الأشعري، عن النبي ﷺ قال: [وآمركم أن تذكروا الله تعالى، فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في إثره سراعًا حتى إذا أتى على حصن حصين، فأحرز نفسه منهم، كذلك العبد
стр. 2573
لا يَحْرِزُ نفسَهُ من الشيطان إلا بذكر الله تعالى] (١).
الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند حسن، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: [إنّ المؤمن لَيُنْضي شياطينه، كما يُنْضي أحدُكم بعيرَه في السفر] (٢). يُنْضي، أي: يأخذُ بناصيته ويقهَرُه.
٦٦ - ٧٠. قوله تعالى: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٦٦) وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧) أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا (٦٩) وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾.
في هذه الآيات: امتنانُ الله تعالى على عباده تسخيره الفلك لهم تسير في البحر لمنافعهم، وإذا مسّهم الضر أثناء ركوبهم أفردوه تعالى بالدعاء ثم ما لبثوا أن عادوا لشركهم بعدما أنجاهم. فهل أمنتم - أيها الناس - خسفه البرّ بكم أو إعادتكم في ظلمات البحر تعصف بكم الرياح لتهلككم. إنه تعالى هو الذي كَرَّمَكُم وحَمَلَكُم في البر والبحر ورزقكم وفَضَّلكم على كثير من عباده ثم أكثركم يشركون.
فعن ابن عباس: (﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ﴾ يقول: يجري الفلك). وقال قتادة: (يسيرها في البحر). وقال ابن زيد: (يجريها). قال ابن جرير: (﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ لتوصلوا بالركوب فيها إلى أماكن تجاراتكم ومطالبكم ومعايشكم،
стр. 2574
وتلتمسون من رزقه ﴿إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾). قال القاسمي: (﴿إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ حيث سهل لكم أسباب ذلك).
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾. أي: إن أصابكم خوف الغرق في البحر والوقوع في الهلاك أفردتم الله تعالى بالتوحيد والدعاء والتعظيم، فإذا ذهب الخوف عدتم إلى العصيان وجحود النعم وأغفلتم شكر المنعم سبحانه.
قال النسفي: (ذهب عن أوهامكم كل ما تدعونه في حوادثكم إلا إياه وحده، فإنكم لا تذكرون سواه، أو ضل من تدعون من الآلهة عن إغاثتكم، ولكن الله وحده الذي ترجونه على الاستثناء المنقطع ﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ عن الإخلاص بعد الخلاص). قال ابن كثير: (﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾، أي: سَجِيَّتُه هذا، يَنْسَى النِّعم ويجحَدُها، إلا من عَصَم الله).
وقوله: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ﴾ - يعني ناحية البر. والمقصود: هل ظننتم إن نجاكم من أهوال البحر وأبلغكم البر ثم عدتم إلى كفر نعمه وعصيانه ألا ينتقم منكم ويرسل عليكم الزلازل والخسوف والدمار! ؟ .
وقوله: ﴿أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾. قال قتادة: (حجارة من السماء). وقال ابن جريج: (مطر الحجارة إذا خرجتم من البحر). وعن مجاهد: (هو المطر الذي فيه حجارة). وأصل الحاصب: الريح تحصب بالحصباء، والحصباء: الأرض فيها الرمل والحصى الصغار.
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ [القمر: ٣٤].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤].
٣ - وقال تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: ١٦, ١٧].
وفي صحيح السنة في آفاق ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله
стр. 2575
- ﷺ : [لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهَر الفتن، ويكثر الهرج - وهو القتل] (١).
الحديث الثاني: أخرج الترمذي بسند صحيح من حديث عمران بن حصين، عن النبي ﷺ قال: [في هذه الأمة خَسْفٌ، ومَسْخٌ، وقذْف، إذا ظهرت القِيانُ والمعازِفُ، وشُرِبَتِ الخمورُ] (٢).
وفي رواية من حديث ابن عمر بلفظ: [في هذه الأمة خسف، ومسخ، وقذفٌ، في أهل القدر].
ورواه الحاكم عن عبد الله بن عمرو بلفظ: [في أمتي خسفٌ ومَسْخٌ وقذف].
ورواه ابن ماجه من طريق عبد الله، عن النبي ﷺ ، بلفظ: [بين يدي الساعة مسخٌ، وخَسْفٌ، وقَذْف].
الحديث الثالث: أخرج الترمذي بسند صحيح عن عائشة مرفوعًا: [يكون في آخر هذه الأمة خَسْفٌ ومسْخٌ وقذْف. قالت: قلت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا ظهر الخبثُ] (٣).
ورواه من طريق عمران بن حصين وفيه: (فقال رجل من المسلمين: يا رسول الله ومتى ذاك؟ قال: إذا ظهرت القَيْناتُ والمعازِفُ وشُرِبَت الخمور).
وقوله: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا﴾ - أي ناصرًا يمنعكم من بأس الله وعذابه، أو ينقذكم من أهواله وآلامه.
وقوله: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ﴾. قال ابن عباس: (القاصفُ ريح البحار التي تكسِرُ المراكب وتُغرِقها). أي: أم هل أمنتم أن يعيدكم إلى البحر - بعد أن نجاكم إلى البر - فيرسل عليكم ريحًا شديدة فيغرقكم بها بكفركم. قال القرطبي: (القاصف: الريح الشديدة التي تَكْسر بشدة، من قصف الشيء يَقْصِفُه، أي كسره بشدة. والقصف: الكسر، يقال: قصفت الريح
стр. 2576
السفينة. وريح قاصف: شديدة). وقال ابن كثير: (﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾، أي: يَقْصِف الصواري (١)، ويُغرق المراكب).
وقوله: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾. قال ابن عباس: (نصيرًا). وقال مجاهد: (نصيرًا ثائرًا). أي يأخذ بثأركم بعدكم. وقال قتادة: (ولا نخاف أحدًا يتبعنا بشيء من ذلك).
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾.
ردٌّ على من قصَرَ تكريم الله الإنسان على العقل، بل العقل جزء من هذا التكريم الشامل. وقد جاء في كلام المفسرين أكثر من تأويل لآفاق هذا التكريم:
التأويل الأول: قيل باليدين يأكل فيهما. قال ابن جُريج: (وفضلناهم في اليدين يأكل بهما، ويعمل بهما، وما سوى الإنس يأكل بغير ذلك).
التأويل الثاني: بتسليط الإنسان على غيره وتسخير الخلق له. قال ابن جرير: (بتسليطنا إياهم على غيرهم من الخلق، وتسخيرنا سائر الخلق لهم. قال: ذكر لنا أن ذلك تمكنهم من العمل بأيديهم، وأخذ الأطعمة والأشربة بها ورفعها بها إلى أفواههم، وذلك غير متيسر لغيرهم من الخلق).
التأويل الثالث: قيل بل التكريم بالنطق والتمييز. قال الضحاك: (كرّمهم بالنطق والتمييز).
التأويل الرابع: قيل بل التكريم بامتداد القامة وانتصابها. قال عطاء: (كرمهم بتعديل القامة وامتدادها).
التأويل الخامس: قيل كرمهم بحسن الصورة. وقيل بل بالكلام والخط. وقيل بل بالفهم والتمييز. ذكره القرطبي.
التأويل السادس: قيل بل كرمهم بجعل محمد ﷺ منهم. قال محمد بن كعب: (بأن جعل محمدًا ﷺ منهم).
التأويل السابع: قيل بل أكرم الرجال باللّحى والنساء بالذوائب. ذكره بعض المفسرين.
стр. 2577
التأويل الثامن: قيل بل كرمهم بالعقل وهو عمدة التكليف، وبه يُعرف الله ويُفهم كلامه، ويوصل إلى نعيمه وتصديق رسله. قال القرطبي: (إلا أنه لما لم ينهض بكل المراد من العبد بعثت الرسل وأنزلت الكتب. فمثال الشرع الشمس، ومثال العقل العين، فإذا فتحت وكانت سليمة رأت الشمس وأدركت تفاصيل الأشياء).
ومن المفسرين من جمع بعض هذه الصفات في معنى التكريم، كما أفاد القاسمي ﵀ حيث قال: (﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾: أي بالنطق والتمييز والعقل والمعرفة والصورة والتسلط على ما في الأرض والتمتع به، ﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾: أي يسرنا لهم أسباب المعاش والمعاد بالسير في طلبها فيهما، وتحصيلها ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ أي فنون المستلذات التي لم يرزقها غيرهم من المخلوقات ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ أي عظيمًا، فحقَّ عليهم أن يشكروا هذه النعم، بأن يعبدوا المتفضل بها وحده ويقيموا شرائعه وحدوده).
وكذلك فيما قاله الإمام النسفي ﵀ في التفسير: (﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ بالعقل والنطق والخط، والصورة الحسنة والقامة المعتدلة، وتدبير أمر المعاش والمعاد، والاستيلاء وتسخير الأشياء، وتناول الطعام بالأيدي).
وأشمل من ذلك ما ذكره الإمام القرطبي والحافظ ابن كثير رحمهما الله تعالى. فقد قال القرطبي: (كرّمنا: تضعيف كرم، أي جعلنا لهم كرمًا أي شرفًا وفضلًا. وهذا هو كرم نفي النقصان لا كرم المال. وهذه الكرامة يدخل فيها خلقهم على هذه الهيئة في امتداد القامة وحسن الصورة، وحملهم في البر والبحر مما لا يصح لحيوان سوى بني آدم أن يكون يتحمل بإرادته وقصده وتدبيره. وتخصيصهم بما خصّهم به من المطاعم والمشارب والملابس، وهذا لا يتسع فيه حيوان اتساع بني آدم، لأنهم يكسبون المال خاصة دون الحيوان، ويلبسون الثياب ويأكلون المركّبات من الأطعمة، وغاية كل حيوان يأكل لحمًا نيئًا أو طعامًا غير مركب. قال: ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ يعني لذيذ المطاعم والمشارب. قال مقاتل: السمن والعسل والزبد والتمر والحَلْوى، وجعل رزق غيرهم ما لا يخفى عليكم من التبن والعظام وغيرها. ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ أي على البهائم والدواب والوحش والطير بالغلبة والاستيلاء، والثواب والجزاء والحفظ والتمييز وإصابة الفِراسة).
وقال الحافظ ابن كثير: (يخبر تعالى على تشريفه لبني آدم وتكريمه إياهم في خلقه
стр. 2578
لهم على أحسن الهيئات وأكملها، وكقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ أن يمشي قائمًا منتصبًا على رجليه ويأكل بيديه، وغيره من الحيوانات يمشي على أربع ويأكل بفمه، وجعل لهم سمعًا وبصرًا وفؤادًا يفقه بذلك كله وينتفع به، ويفرق بين الأشياء، ويعرف منافعها وخواصها ومضارها في الأمور الدينية والدنيوية، وحملناهم في البر أي على الدواب من الأنعام والخيل والبغال، وفي البحر أيضًا على السفن الكبار والصغار، ورزقناهم من الطيبات أي من زروع وثمار ولحوم وألبان من سائر أنواع الطعوم والألوان المشتهاة اللذيذة، والمناظر الحسنة، والملابس الرفيعة من سائر الأنواع على اختلاف أصنافها وألوانها وأشكالها مما يصنعونه لأنفسهم ويجلبه إليهم غيرهم من أقطار الأقاليم والنواحي، وفضلناهم على كثير مما خلقنا تفضيلًا أي من سائر الحيوانات وأصناف المخلوقات).
قلت: فالتكريم الذي امتن الله به سبحانه على الإنسان هو: أن خلقه مخلوقًا متكاملًا بيده، ثم نفخ فيه من روحه، وجعل له سمعًا وبصرًا وفؤادًا وعقلًا وهيئة، في أحسن تقويم من فضله، ثم أسجد له ملائكته، وسخَّر له كَوْنًا واسعًا يتذلل له ولطاعته، وهيأ له في الآخرة جنة عرضها السماوات والأرض لتستقبل من قام بأمره.
فلو كان التكريم كما يزعم بعضهم بالعقل فقط للزم أن يكون إبليس مجنونًا، لأنه قال: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾، ومن قال هذا فليراجع عقله. وللزم كذلك أن من سلبه سبحانه عقله فقد أهانه، كلا - فالكل مُفْتَقِرٌ إلى رحمته، والكل محفوف بما لا يبصر من نعمه، ولا يعْدِل شيء في الدنيا دخولَ جنته، والخلود في ظل رضوانه ونعيمه وكرمه.
خبر النبي ﷺ أخرجه الإمام أحمد في المسند بسند صحيح عن عتبة بن عبد، عن النبي ﷺ قال: [لو أن رجلًا يُجَرُّ على وجهه من يوم ولد إلى يوم يموت هرمًا في مرضاة الله تعالى لحقِره يوم القيامة] (١).
فالكل تحت ألطافه ورحمته سبحانه، والكل محتاج إلى فضله وآلائه.
стр. 2579
٧١ - ٧٢. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧١) وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢)﴾.
في هذه الآيات: إخبارُ الله تعالى عن توزيع الناس يوم الحشر خلف أئمة منهاجهم ودينهم، فمن أوتي كتابه بيمينه كان من أهل السعادة. ومن كان في الدنيا أعمى عن حجج الله بُعِثَ يوم القيامة أعمى وأضل طريقًا.
فقوله: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ - فيه أكثر من تأويل:
١ - قال مجاهد: (نبيّهم).
٢ - وقال أبو العالية: (بأعمالهم).
٣ - وقال الضحاك: (بكتابهم).
٤ - وقال الحسن: (بكتابهم الذي فيه أعمالهم).
٥ - وقال ابن عباس: (الإمام ما عمل وأملى، فكتب عليه، فمن بعث متقيًا لله جعل كتابه بيمينه، فقرأه واستبشر، ولم يظلم فتيلًا، وهو مثل قوله: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩]. والإمام: ما أملى وعمل).
قلت: والراجح ما اختاره شيخ المفسرين في معنى الإمام - قال ابن جرير: (معنى ذلك: يوم ندعو كل أناس بإمامهم الذي كانوا يقتدون به، ويأتمون به في الدنيا، لأن الأغلب من استعمال العرب الإمام فيما اؤْتُمَّ واقتدي به، وتوجيه معاني كلام الله إلى الأشهر أولى ما لم تثبت حجة بخلافه يجب التسليم لها).
قلت: ويؤيد هذا ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: [يجمع الله الناس يوم القيامة فيقول: مَنْ كان يَعْبُدُ شيئًا فَلْيَتَّبِعْهُ، فيتَّبِعُ مَنْ كان يَعْبُدُ الشَمْسَ الشَّمْسَ، ويَتَّبِعُ من كان يعبُدُ القمرَ القمرَ، ويتبعُ مَنْ كان يعبد الطواغيتَ الطواغيتَ. .] الحديث (١).
وقوله: ﴿فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾.
стр. 2580
قال ابن كثير: (أي: من فرحته وسروره بما فيه من العمل الصالح، يقرؤه ويحبُّ قراءته، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾).
وعن قتادة: (﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ قال: الذي في شق النواة). فالفتيل هو الخيط المستطيل المنفتل في شق النواة، أي: والله تعالى لا يظلم عبده ولا ينقصه من ثوابه أدنى شيء.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾.
قال النسفي: (ولم يذكر الكفار وإيتاء كتبهم بشمالهم اكتفاء بقوله: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ﴾ الدنيا ﴿أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾ كذلك ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ من الأعمى أي أضل طريقًا).
أي: من كان في الدنيا أعمى عن حجج الله وآياته بعثه الله يوم القيامة أعمى، كما قال: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٤ - ١٢٦] وكقوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ [الإسراء: ٩٧].
وفي الصحيحين عن أنس ﵁: [أن رجلًا قال: يا نبي الله! كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال: أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادرًا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة] (١).
٧٣ - ٧٥. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (٧٥)﴾.
في هذه الآيات: إخبارٌ من الله تعالى عن تأييده رسوله ﷺ وتثبيته وعصمته من كيد
стр. 2581
المشركين ومحاولات الفجار الماكرين. وأنه تعالى هو حافظه ومؤيده ومظهر دينه.
قال النسفي: (المعنى: إن الشأن قاربوا أن يفتنوك أي يخدعوك فاتنين ﴿عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ من أوامرنا ونواهينا ووعدنا ووعيدنا ﴿لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ لتقول علينا ما لم نقل، يعني ما اقترحوه من تبديل الوعد وعيدًا والوعيد وعدًا ﴿وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ أي ولو اتبعت مرادهم لاتخذوك خليلًا، ولكنت لهم وليًا، وخرجت من ولايتي ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ﴾ ولولا تثبيتنا وعصمتنا ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ﴾ لقاربت أن تميل إلى مكرهم ﴿شَيْئًا قَلِيلًا﴾ ركونًا قليلًا، وهذا تهييج من الله له وفضل تثبيت ﴿إِذًا﴾ ولو قاربت تركن إليهم أدنى ركنة ﴿لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ لأذقناك عذاب الآخرة وعذاب القبر مضاعفين لعظيم ذنبك بشرف منزلتك ونبوتك، كما قال: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ﴾، الآية. وأصل الكلام: لأذقناك عذاب الحياة وعذاب الممات، لأن العذاب عذابان: عذاب في الممات وهو عذاب القبر، وعذاب في حياة الآخرة وهو عذاب النار).
٧٦ - ٨١. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (٧٦) سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا (٧٧) أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩) وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (٨٠) وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾.
في هذه الآيات: إعلامُ الله تعالى نبيّه ﷺ أنه إن كاد قومك ليستخفونك من الأرض ليخرجوك منها فليعلموا أنهم إن فعلوا لم يلبثوا بعدك إلا قليلًا. سنة الله في الأمم ورسلها ولا تغيير لسنته تعالى ولا تجد لها تحويلًا. فحافظ على الصلوات المفروضة وبادر إلى قيام الليل، فعسى بذلك أن يُقَوِّيك ربك ويبعثك مقامًا محمودًا. واسأل ربك فرجًا قريبًا ومخرجًا إلى مكان تأمن فيه على دينك وعلى أصحابك، واستبشر بالحق يعلو قريبًا ويزهق الباطل، فإن الباطل كان زهوقًا.
فقوله: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ الآية. قال ابن جرير:
стр. 2582
(يقول : وإن كاد هؤلاء القوم ليستفزونك من الأرض: يقول: ليستخفونك من الأرض التي أنت بها ليخرجوك منها ﴿وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ يقول: ولو أخرجوك منها لم يلبثوا بعدك فيها إلا قليلًا، حتى أهلكهم بعذاب عاجل). وقال قتادة: (ولم يلبثوا بعده إلا قليلًا حتى أهلكهم الله يوم البدر).
وقوله تعالى: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾. قال قتادة: (أي سنة الأمم والرسل كانت قبلك كذلك إذا كذبوا رسلهم وأخرجوهم، لم يناظروا أن الله أنزل عليهم عذابه).
وقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ - فيه أقوال مختلفة:
١ - عن عبد الله قال: (هذا دلوك الشمس، وهذا غسق الليل، وأشار إلى المشرق والمغرب).
٢ - قال ابن عباس: (دلوك الشمس: غروبها).
٣ - وفي رواية عنه: (دلوكها: ميلها). أي: ميلها للزوال، والصلاة عند ذلك صلاة الظهر). وقال ابن عباس: (غسق الليل: بدوّ الليل). وقال مجاهد: (غسق الليل: غروب الشمس). وقال الضحاك: (يعني ظلام الليل).
والراجح في ذلك ما قاله ابن جرير: (عنى بقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾: صلاة الظهر، وذلك أن الدلوك في كلام العرب: الميل، يقال منه: دلك فلان إلى كذا: إذا مال إليه).
قلت: وعلى هذا فالآية يدخل فيها أوقات الصلوات الخمسة: الظهر من دلوك المثمصس، ثم العصر، والمغرب والعشاء في غسق الليل: أي ظلامه. ثم قوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾، يعني: صلاة الفجر. قال قتادة: (وقرآن الفجر: صلاة الصبح).
أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: [فَضْلُ صلاةِ الجميع على صلاة الواحد خمسٌ وعشرون درجة، وتجتمع ملائكةُ الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر. يقول أبو هريرة ﵁: اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾] (١).
وفي سنن ابن ماجه بإسناد صحيح عن أبي هريرة ﵁: [عن رسول الله ﷺ
стр. 2583
- ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ - قال: تشهده ملائكة الليل والنهار] (١).
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: [يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وفي صلاة العصر، فَيَعْرُج الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم - وهو أعلم بهم -: كيف تركتُم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون] (٢).
وعن قتادة: (وأما قوله ﴿كَانَ مَشْهُودًا﴾ فإنه يقول: ملائكة الليل وملائكة النهار يشهدون تلك الصلاة). وقال: (كنا نحدث أن عندها يجتمع الحرسان من ملائكة الله: حرس الليل وحرسُ النهار).
وقوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾. التهجد هو قيام الليل، وهو ما كان بعد نوم. وقد أمر الله تعالى به رسوله بعد المكتوبات. قال علقمة: (التهجد بعد النوم). وقال الحجاج بن عمرو: (إنما التهجد بعد رقدة).
وفي صحيح مسلم وسنن أبي داود والنسائي عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ : [أنه سُئِل: أيُّ الصلاةِ أفضلُ بعد المكتوبة؟ قال: صلاة الليل] (٣).
وفي سنن أبي داود بإسناد حسن عن عائشة ﵂ قالت: [إن كان رسول الله ﷺ ليوقظه الله بالليل، فما يجيء السَّحَرُ حتى يَفْرُغَ من حِزْبه] (٤).
وفي الصحيحين والسنن عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: [يَنْزِلُ ربُّنا ﵎ كُلَّ ليلةٍ إلى سماء الدنيا، حينَ يبقى ثلثُ الليل الآخِرُ فيقولُ: مَنْ يدعوني فأستجيبَ لهُ؟ مَنْ يسألُني فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُني فأغفِرَ له] (٥).
وفي تأويل قوله: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ قولان:
стр. 2584
١ - يقول: نفلًا لك عن فرائضك التي فرضتها عليك. قال ابن عباس: (يعني بالنافلة أنها للنبي ﷺ خاصة، أُمر بقيام الليل وكُتب عليه). وهو أحد قولي الشافعي، واختاره ابن جرير وقال: (وذلك أن رسول الله ﷺ كان الله تعالى قد خصه بما فرض عليه من قيام لله دون سائر أمته).
٢ - قيل: بل المقصود أن قيام الليل نافلة للنبي ﷺ على الخصوص، فهي نافلة فضل، لأن الله تعالى قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال مجاهد: (النافلة للنبي ﷺ خاصة من أجل أنه قد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فما عمل من عمل سوى المكتوبة، فهو نافلة من أجل أنه لا يعمل ذلك في كفارة الذنوب، فهي نوافل وزيادة، والناس يعملون ما سوى المكتوبة لذنوبهم في كفارتها، فليست للناس نوافل).
قلت: وكلا المعنيين حق، وتدل عليهما نصوص الكتاب والسنة.
وقوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾. قال ابن كثير: (أي: افعل هذا الذي أمرتُك به لِنُقيمك يوم القيامة مقامًا يحمدُك فيه الخلائق كُلُّهم وخالِقهم ﵎. وقال ابن جرير: (قال أكثر أهل التأويل: ذلك هو المقام الذي يقومه محمد ﷺ يوم القيامة للشفاعة للناس، ليريحهم ربُّهم من عظيم ما هم فيه من شدَّة ذلك اليوم).
قلت: وقد جاءت السنة الصحيحة بهذا المعنى في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد في المسند، وأبو نعيم في "الحلية" بسند حسن في الشواهد، عن أبي هريرة مرفوعًا: [المقامُ المَحْمودُ: الشفاعة] (١).
الحديث الثاني: أخرج ابن أبي عاصم في "السنة" - بسند حسن لشواهده - عن داود الأودي، عن أبيه، عن أبي هريرة: [عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾. قال: الشفاعة] (٢). وفي رواية غيره: (هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي).
الحديث الثالث: أخرج ابن حبان والحاكم بسند صحيح على شرط الشيخين عن كعب بن مالك مرفوعًا: [يُبْعثُ الناسُ يومَ القيامة، فأكونُ أنا وأمتي على تَلٍّ،
стр. 2585
ويَكْسوني ربِّي حُلَّةً خَضْراء، ثم يُؤْذنُ لي، فأقولُ ما شاء الله أن أقولَ، فذاك المقامُ المحمودُ] (١).
الحديث الرابع: أخرج الترمذي في السنن، وأحمد في المسند، بسند حسن، عن الطفيل بن أبي، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: [إذا كان يوم القيامة كنت إمامَ الناس وخطيبهم وصاحب شفاعتهم ولا فخر] (٢).
الحديث الخامس: أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عمر ﵄ يقولى: [إنّ الناس يعبرون يوم القيامة جُثًا، كل أمة تَتْبَعُ نَبِيَّها، يقولون: يا فلان اشفع، يا فلان اشفع، حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي ﷺ ، فذلك يوم يبعثُه الله مقامًا محمودًا] (٣).
الحديث السادس: أخرج البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد الله ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ قال: [مَنْ قال حينَ يسمعُ النِّداء: اللهم ربّ هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آتِ محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثْه مَقامًا محمودًا الذي وَعَدْتَهُ، حَلّتْ له شفاعتي يوم القيامة] (٤).
الحديث السابع: أخرج البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : [ما زال الرَّجُلُ يسْأَلُ الناس حتى يأتِيَ يَوْمَ القيامة ليسَ في وجهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ. وقال: إن الشمس تَدْنو يوم القيامة حتى يَبْلُغَ العَرَقُ نِصْفَ الأُذُنِ، فبينما هم كذلك استغاثوا بآدمَ، ثم بموسى، ثم بمحمّدٍ ﷺ ، وزاد عبد الله بن صالح: حَدَّثني اللَّيْثُ قال: حَدَّثني ابنُ أبي جَعْفَرٍ: "فيَشْفَعُ لِيُقْضى بَيْنَ الخلق، فَيَمْشي حتى يَأخُذَ بِحَلَقَةِ البابِ فيومَئذٍ يَبْعَثُهُ مقامًا مَحْمودًا، يحمدُهُ أهلُ الجَمْعِ كُلُّهُم"] (٥).
وقد ذكرت أحاديث الشفاعة بتفصيلها في كتابي: أصل الدين والإيمان، عند
стр. 2586
الصحابة والتابعين لهم بإحسان - في بحث الإيمان باليوم الآخر - باب الشفاعة، فلله الحمد والمنة.
وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾. قال قتادة: (مدخل صدق: المدينة، ومخرج صدق: مكة). وقال ابن عباس: (كان النبي ﷺ بمكة ثم أُمِرَ بالهجرة فأنزل الله ﵎ اسمه: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾). فلقد علم النبي ﷺ أنه لا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان، فسأل الله سلطانًا نصيرًا فأعطاه.
قال الحسن: (كفار أهل مكة لما ائتمروا برسول الله ﷺ ليقتلوه، أو يطردوه، أو يوثقوه، وأراد الله قتال أهل مكة فأمره أن يخرج إلى المدينة، فهو الذي قال الله: ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾). ثم قال في قوله: ﴿وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾: (يوعده لينزِعَنَّ مُلك فارس وعز فارس، وليجعلنه له، وعزَّ الروم وملكَ الروم، وليجعلنه له).
وقال قتادة: (﴿وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾: وإن نبي الله علم أن لا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان، فسأل سلطانًا نصيرًا لكتاب الله ، ولحدود الله، ولفرائض الله، ولإقامة دين الله، وإن السلطان رحمة من الله جعلها بين أظهر عباده، لولا ذلك لأغار بعضهم على بعض، فأكل شديدهم ضعيفهم).
وفي الأثر عن عمر وعن عثمان: (إن الله ليزَعُ بالسلطان ما لا يَزَعُ بالقرآن). قال ابن كثير: (أي: ليمنعُ بالسلطان عن ارتكاب الفواحشِ والآثام ما لا يمتنع كثيرٌ من الناس بالقرآن وما فيه من الوعيد الأكيد والتهديد الشديد، وهذا هو الواقع).
وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾. قال قتادة: (الحق: القرآن. ﴿وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ قال: هلك الباطل وهو الشيطان). وقال ابن جريج: (﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾ قال: دنا القتال ﴿وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ قال: الشرك وما هم فيه).
والآية: تهديد ووعيد لكفار قريش بأن يوم نصر الحق قد اقترب، وفيه يكون اندحار باطلهم وشركهم، شأن الباطل أمام سلطان الحق على مدار الزمان.
وفي التنزيل: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨].
وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: [دخل النبي ﷺ مكّة وحول البيت ستون وثلاث مئة نُصُبٍ، فجعل يَطْعَنُها بِعُودٍ في يده، ويقول: ﴿جَاءَ
стр. 2587
الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾، ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ [سبأ: ٤٩]] (١).
وله شاهد عند أبي يَعْلى من حديث جابر ﵁ قال: [دخلنا مع النبي ﷺ مكة، وحول البيت ثلاث مئة وستون صنمًا يُعْبدون من دون الله. فأمر بها رسول الله ﷺ فَأُكِبَّتْ لوجهها، وقال: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾] (٢).
٨٢ - ٨٥. قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢) وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا (٨٣) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا (٨٤) وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾.
في هذه الآيات: إخبار عن عظمة هذا القرآن وما في آياته ووقعها على قلوب المؤمنين، ونفوس المبتلين، وتعب الحائرين، فهو يُذهب ما في القلوب من أمراض، من شك ونفاق، وشرك وزيغ، وضيق وسوء ظن، ويملؤها بالحكمة والإيمان، ورحيق الاطمئنان، وحسن ظن بالله يوصل إلى مرتبة الإحسان، ولا يزيد الظالمين إلا الحرمان والخسران. إنه إذا أنعم الله على الإنسان استكبر، وإذا مسه الشر جزع، إلا من رحم الله. فَأَخْبِر المشركين - يا محمد - أنّه كُلٌّ يعمل على وجهته وطريقته، والله أعلم بمن هو أهدى طريقًا. ويسألك اليهود عن الروح، فقل: الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا.
فقوله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية. قال قتادة: (إذا سمعه المؤمن انتفع به وحفظه ووعاه ﴿وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ﴾ به ﴿إِلَّا خَسَارًا﴾ أنه لا ينتفع به ولا يحفظه ولا يعيه، وإن الله جعل هذا القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين). وقال النسفي: (﴿وَرَحْمَةٌ﴾: وتفريج للكروب وتطهير للعيوب وتكفير للذنوب).
стр. 2588
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤, ١٢٥].
وفي صحيح السنة المطهرة في مفهوم هذه الآية أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [إنّ الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضَعُ به آخرين] (١).
الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : [مثلُ المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأُتْرُجَّةِ، ريحُها طيب، وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثلُ التمرة، لا ريح لها وطعمها حلو، ومثلُ المنافق الذي يقرأ القرآن مثلُ الرَّيْحانَةِ، ريحها طيب وطعمها مُرٌّ، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، ليس لها ريح وطعمها مرٌّ] (٢).
الحديث الثالث: أخرج أحمد والشيخان عن أبي مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : [الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأ بهما في ليلة كفتاه] (٣).
وقوله: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾. قال مجاهد: (تباعد منا). قال ابن جرير: (يقول ﵎: وإذا أنعمنا على الإنسان، فنجيناه من كرب ما هو فيه في البحر، وهو ما قد أشرف فيه عليه من الهلاك بعصوف الريح عليه إلى البرّ، وغير ذلك من نعمنا، أعرض عن ذكرنا، وقد كان بنا مستغيثًا دون كلّ أحد سوانا في حال الشدّة
стр. 2589
التي كان فيها ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ يقول: وبعد منا بجانبه يعني نفسه، كأن لمْ يدعنا إلى ضرٍّ مسّه قبل ذلك).
وقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا﴾. قال ابن عباس: (يقول: قنوطًا). وقال قتادة: (يقول: إذا مسه الشرّ أيسِ وقَنِط).
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [هود: ٩ - ١١].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٢].
٣ - وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧].
يروي الطبراني ورجاله ثقات عن ابن عباس: [أن رسول الله ﷺ سئل عن الكبائر؟ فقال: الشرك بالله، واليأس من رَوْح الله، والأمْنُ من مكر الله] (١).
وله شاهد أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" عن ابن مسعود قال: [أكبر الكبائر: الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأسُ من رَوْح الله].
وقوله: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ - فيه أقوال متقاربة.
قال ابن عباس: (على ناحيته). وقال مجاهد: (على حِدَتِهِ وطبيعته). وقال قتادة: (على نِيَّتِه). وقال ابن زيد: (الشاكلة: الدين). أي: (على دينه). وقال مقاتل: (جِبلته).
وقوله: ﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾. تهديد للمشركين ووعيدٌ لهم. قال القرطبي: (والمعنى: أن كل أحد يعمل على ما يشاكل أصله وأخلاقه التي ألفها، وهذا ذمٌّ للكافر ومدحٌ للمؤمن. ﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾ أي بالمؤمن والكافر
стр. 2590
وما سيحصل من كل واحد منهم. وقيل: ﴿أَهْدَى سَبِيلًا﴾ أي أسرع قبولًا. وقيل: أحسن دينًا).
وقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. أخرج أحمد والشيخان عن إبراهيم بن علقمة عن عبد الله (١) قال: [بَيْنا أنا أمشي مع النبي ﷺ في خَرِبِ المدينة وهو يتوكأ على عسيب معه فمرّ بِنفر من اليهود فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح! وقال بعضهم: لا تسألوه، لا يجيء فيه بشيء تكرهونه. فقال بعضهم: لنسألنّه، فقام رجل منهم فقال: يا أبا القاسم ما الروح؟ فسكت، فقلت: إنه يوحى إليه، فقمت، فلما انجلى عنه، فقال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾] (٢). وفي رواية: (لما نزل عليه الوحي قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾).
وأخرج الترمذي والحاكم بسند صحيح عن ابن عباس ﵄ قال: [قالت قريش لليهود: أعطونا شيئًا نسأل عنه هذا الرجل! فقالوا: سلوه عن الروح، فنزلت: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. قالوا: نحن لم نؤت من العلم إلا قليلًا وقد أوتينا التوراة فيها حكم الله، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرًا كثيرًا، فنزلت: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾] (٣).
والسورة مكية، وقد يكون تكرر النزول بالمدينة، وعلى ذلك يكون الفهم لهذه الأحاديث. والآية تدل على أن الروح من أمر الله مما استأثر به تعالى، وأن علم الناس في ذلك قليل.
٨٦ - ٨٩. قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا (٨٦) إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (٨٧) قُلْ لَئِنِ
стр. 2591
اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٨٩)﴾.
في هذه الآيات: ذِكْرُ الله تعالى فضله على نبيّه محمد ﷺ بهذا الوحي الكريم، وأنه لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لعجزوا ولرجعوا صاغرين. والله تعالى يُصَرِّفُ في هذا القرآن من كل مثل لِيَذكَّرَ العباد ويتعظوا فيأبى أكثرهم إلا أن يعيشوا كافرين.
فقوله: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾. قال النسفي: (والمعنى: إن شئنا ذهبنا بالقرآن ومحوناه من الصدور والمصاحف فلم نترك له أثرًا). وقال القرطبي: (أي كما قدرنا على إنزاله نقدر على إذهابه حتى ينساه الخلق. ويتصل هذا بقوله: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي ولو شئت أن أذهب بذلك القليل لقدرت عليه).
قلت: وذهاب العلم وفشو الجهل ورفع القرآن من الأرض من علامات الساعة، عقوبة من الله للمستهترين.
ففي صحيح سنن ابن ماجه عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ : [يَدْرُسُ الإسلامُ كما يَدْرُسُ وَشْيُ الثَّوبِ. حتى لا يُدْرَى ما صِيامٌ ولا صلاةٌ ولا نُسُكٌ ولا صدقة. ولَيُسْرى على كتاب الله، ، في ليلة. فلا يبقى في الأرض منه آية. وتَبْقَى طوائفُ من الناس، الشيخ الكبير والعجوز. يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: لا إله إلا الله. فنحن نقولها] (١).
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [يتقارب الزمانُ، ويُقبض العلمُ، ويُلقى الشح، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج، قيل: وما الهرج؟ قال: القتل] (٢).
стр. 2592
وقوله: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾. أي ناصرًا يردّه إليه، ويعيده لك محفوظًا مسطورًا.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾. أي: إلا أن يرحمك ربك فيرده عليك، أو يحمل المعنى على الاستثناء المنقطع، والتقدير: أي ولكن رحمة من ربك تركته - يا محمد - غير مذهوب به. قال النسفي: (وهذا امتنان من الله تعالى ببقاء القرآن محفوظًا بعد المنة العظيمة في تنزيله وتحفيظه).
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾.
تكذيب من الله تعالى لادعاء الكفار وزعمهم: لو نشاء لقلنا مثل هذا. والمعنى: لو اجتمع فصحاء الجن والإنس وكان بعضهم لبعض عونًا ونصيرًا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن، فإنهم لا يستطيعون ذلك، وإن الله تعالى سيخذلهم. قال ابن جريج: (ظهيرًا: معينًا. يقول: لو برزت الجن وأعانهم الإنس فتظاهروا لم يأتوا بمثل هذا القرآن).
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ولقد بَيَّنا للناس في هذا القرآن من كل مثل، احتجاجًا بذلك كله عليهم، وتذكيرًا لهم، وتنبيهًا على الحق ليتبعوه ويعملوا به ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ يقول: فأبى أكثر الناس إلى جحودًا للحقّ، وإنكارًا لحجج الله وأدلته).
٩٠ - ٩٣. قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣)﴾.
في هذه الآيات: تَنَطُّعُ المشركين في أمر الإيمان، بالمطالبة بالمعجزات والتحكم
стр. 2593
بها على مرّ الأيام، وما دفعهم إلى ذلك إلا الكبر والبغي، ورسول الله بشر ﵊.
فقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾.
هو من قيل المشركين للنبي ﷺ على وجه التنطع. قال قتادة: (أي حتى تَفْجُر لنا من الأرض عيونًا: أي ببلدنا هذا). والينبوع: العينُ الجارية.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا﴾.
أي: أو يكون لك بستان من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلال النخيل والكروم. قال القاسمي: (وإنما قدموا في عنتهم هذا المقترح، لأنهم كانوا يرِدون بلاد الشام والعراق، ويرون ما فيها من البساتين والأنهار).
وقوله: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾. قال ابن عباس: (يعني قِطعًا). قال ابن كثير: (أي: إنك وعدتنا أن يوم القيامة تَنْشَقُّ السماءُ وتَهِي، وتُدَلَّى أطرافها، فعجّل ذلك في الدنيا، وأسقطها كسَفًا، أي: قطعًا).
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢].
ولكن نبي الرحمة ﷺ سأل إنظارهم عسى أن يخرج الله من أصلابهم من يعبده لا يشرك به شيئًا.
٢ - وقال تعالى: - عن سؤال قوم شعيب نحو ذلك -: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٧].
فعاقبهم الله تعالى بعذاب يوم الظلة، إنه كان عذاب يوم عظيم.
وقوله: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾ - فيه تأويلان:
التأويل الأول: أي: حتى يأتي الله والملائكة كلَّ قبيلة فيعاينونهم، أي قبيلة قبيلة، قال مجاهد: (قبائل على حدتها كلّ قبيلة).
التأويل الثاني: معناه: أن تأتي بالله والملائكة عيانًا نقابلهم مقابلة، فنعاينهم معاينة. قال قتادة: (﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾ نعاينهم معاينة).
стр. 2594
قلت: والتأويل الثاني أرجح من الأول، وأليق بكلام العرب، وهو اختيار ابن جرير.
وقوله: ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾. قال ابن عباس: (يقول من ذهب).
وقوله: ﴿أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ﴾ أي تصعد في درج السماء.
وقوله: ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾. قال قتادة: (أي كتابًا خاصًا نؤمر فيه باتباعك). أي: لن نصدقك في أمر رقيك إلى السماء حتى تنزل لنا كتابًا منشورًا نقرأ فيه أمرنا باتباعك والإيمان بك.
وقوله: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾. قال القاسمي: (أي تنزه ربي عن فعل ما اقترحتموه من المحال وما يناقض حكمته. وما أنا إلا بشر رسول. عَليَّ أن أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم. وقد أتيتكم بما يدل على صدق رسالتي مما أوحاه إليّ. وذلك ما تحدّيتكم بالإتيان بسورة مثله في الهداية والإصلاح. كما أمرني ربي. ولا أقترح عليه، سبحانه، ما لا يجوز أن يكون، أو ما يكون فعله عبثًا، لخلوّه عن الفائدة).
٩٤ - ٩٩. قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٩٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٩٧) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٩٨) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا (٩٩)﴾.
في هذه الآيات: امتناع الناس عن الإيمان لِكَوْنِ الرسول من البشر، وإنما حملهم على هذا التنطع الكبر والبطر، فإنه لو كان في الأرض ملائكة لناسب إرسال الله إليهم ملكًا مثلهم، والله خبير بعباده بصير بأعمالهم. إنما أمر الهداية والضلال بيد الله، فمن
стр. 2595
حرمه الله نور الهداية فقد أخزاه، ومن كفر بالله واليوم الآخر فنار جهنم مأواه، أَوَلَمْ يَرَ الكفار أنَّ خلق السماوات والأرض أكبر من خلقهم وإعادتهم بعد موتهم؟ ! ولكن الظالمين يجحدون، وبقدرة الله يكفرون.
فقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾. قال ابن كثير: (يقول تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ﴾ أي: أكثرهم، ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا﴾ ويتابعوا الرسل، إلا استعجابُهم من بَعْثَتِه البشر رسلًا).
وفي التنزيل نحو ذلك كثير:
١ - قال تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [يونس: ٢].
٢ - وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن: ٦].
٣ - وقال تعالى: - من قول فرعون وملئه -: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٧].
٤ - وقال تعالى: - من قيل الأمم لرسلهم -: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [إبراهيم: ١٠].
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾. قال النسفي: (ردّ الله عليهم بقوله: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ﴾ على أقدامهم كما يمشي الإنس ولا يطيرون بأجنحتهم إلى السماء فيسمعوا من أهلها ويعلموا ما يجب علمه ﴿مُطْمَئِنِّينَ﴾ حال، أي ساكنين في الأرض قارين ﴿لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ يعلمهم الخير ويهديهم المراشد).
والخلاصة: إن الله تعالى يبعث الرسل إلى القوم من جنسهم، ليفقهوا عنه ويَفْهموا منه، ولو بعث إلى البشر رسولًا ملَكًا لما حصل ذلك، ولا أمكنهم الأخذ عنه.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾.
أي: قل - يا محمد - لهؤلاء المتنطعين في اقتراحاتهم: الله تعالى نعم الكافي والحاكم، وهو ذو خبرة وعلم بما يصلح لعباده من التدبير والتصريف، ومن يستحق منهم الهداية أو الضلال.