← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٨٩)﴾. في هذه الآيات: ذِكْرُ الله تعالى فضله على نبيّه محمد ﷺ بهذا الوحي الكريم، وأنه لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لعجزوا ولرجعوا صاغرين. والله تعالى يُصَرِّفُ في هذا القرآن من كل مثل لِيَذكَّرَ العباد ويتعظوا فيأبى أكثرهم إلا أن يعيشوا كافرين. فقوله: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾. قال النسفي: (والمعنى: إن شئنا ذهبنا بالقرآن ومحوناه من الصدور والمصاحف فلم نترك له أثرًا). وقال القرطبي: (أي كما قدرنا على إنزاله نقدر على إذهابه حتى ينساه الخلق. ويتصل هذا بقوله: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي ولو شئت أن أذهب بذلك القليل لقدرت عليه). قلت: وذهاب العلم وفشو الجهل ورفع القرآن من الأرض من علامات الساعة، عقوبة من الله للمستهترين. ففي صحيح سنن ابن ماجه عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ : [يَدْرُسُ الإسلامُ كما يَدْرُسُ وَشْيُ الثَّوبِ. حتى لا يُدْرَى ما صِيامٌ ولا صلاةٌ ولا نُسُكٌ ولا صدقة. ولَيُسْرى على كتاب الله، ، في ليلة. فلا يبقى في الأرض منه آية. وتَبْقَى طوائفُ من الناس، الشيخ الكبير والعجوز. يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: لا إله إلا الله. فنحن نقولها] (١). وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [يتقارب الزمانُ، ويُقبض العلمُ، ويُلقى الشح، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج، قيل: وما الهرج؟ قال: القتل] (٢).

стр. 2592

وقوله: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾. أي ناصرًا يردّه إليه، ويعيده لك محفوظًا مسطورًا. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾. أي: إلا أن يرحمك ربك فيرده عليك، أو يحمل المعنى على الاستثناء المنقطع، والتقدير: أي ولكن رحمة من ربك تركته - يا محمد - غير مذهوب به. قال النسفي: (وهذا امتنان من الله تعالى ببقاء القرآن محفوظًا بعد المنة العظيمة في تنزيله وتحفيظه). وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾. تكذيب من الله تعالى لادعاء الكفار وزعمهم: لو نشاء لقلنا مثل هذا. والمعنى: لو اجتمع فصحاء الجن والإنس وكان بعضهم لبعض عونًا ونصيرًا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن، فإنهم لا يستطيعون ذلك، وإن الله تعالى سيخذلهم. قال ابن جريج: (ظهيرًا: معينًا. يقول: لو برزت الجن وأعانهم الإنس فتظاهروا لم يأتوا بمثل هذا القرآن). وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ولقد بَيَّنا للناس في هذا القرآن من كل مثل، احتجاجًا بذلك كله عليهم، وتذكيرًا لهم، وتنبيهًا على الحق ليتبعوه ويعملوا به ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ يقول: فأبى أكثر الناس إلى جحودًا للحقّ، وإنكارًا لحجج الله وأدلته). ٩٠ - ٩٣. قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣)﴾. في هذه الآيات: تَنَطُّعُ المشركين في أمر الإيمان، بالمطالبة بالمعجزات والتحكم

стр. 2593

بها على مرّ الأيام، وما دفعهم إلى ذلك إلا الكبر والبغي، ورسول الله بشر ﵊. فقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾. هو من قيل المشركين للنبي ﷺ على وجه التنطع. قال قتادة: (أي حتى تَفْجُر لنا من الأرض عيونًا: أي ببلدنا هذا). والينبوع: العينُ الجارية. وقوله تعالى: ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا﴾. أي: أو يكون لك بستان من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلال النخيل والكروم. قال القاسمي: (وإنما قدموا في عنتهم هذا المقترح، لأنهم كانوا يرِدون بلاد الشام والعراق، ويرون ما فيها من البساتين والأنهار). وقوله: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾. قال ابن عباس: (يعني قِطعًا). قال ابن كثير: (أي: إنك وعدتنا أن يوم القيامة تَنْشَقُّ السماءُ وتَهِي، وتُدَلَّى أطرافها، فعجّل ذلك في الدنيا، وأسقطها كسَفًا، أي: قطعًا). وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]. ولكن نبي الرحمة ﷺ سأل إنظارهم عسى أن يخرج الله من أصلابهم من يعبده لا يشرك به شيئًا. ٢ - وقال تعالى: - عن سؤال قوم شعيب نحو ذلك -: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٧]. فعاقبهم الله تعالى بعذاب يوم الظلة، إنه كان عذاب يوم عظيم. وقوله: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾ - فيه تأويلان: التأويل الأول: أي: حتى يأتي الله والملائكة كلَّ قبيلة فيعاينونهم، أي قبيلة قبيلة، قال مجاهد: (قبائل على حدتها كلّ قبيلة). التأويل الثاني: معناه: أن تأتي بالله والملائكة عيانًا نقابلهم مقابلة، فنعاينهم معاينة. قال قتادة: (﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾ نعاينهم معاينة).

стр. 2594

قلت: والتأويل الثاني أرجح من الأول، وأليق بكلام العرب، وهو اختيار ابن جرير. وقوله: ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾. قال ابن عباس: (يقول من ذهب). وقوله: ﴿أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ﴾ أي تصعد في درج السماء. وقوله: ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾. قال قتادة: (أي كتابًا خاصًا نؤمر فيه باتباعك). أي: لن نصدقك في أمر رقيك إلى السماء حتى تنزل لنا كتابًا منشورًا نقرأ فيه أمرنا باتباعك والإيمان بك. وقوله: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾. قال القاسمي: (أي تنزه ربي عن فعل ما اقترحتموه من المحال وما يناقض حكمته. وما أنا إلا بشر رسول. عَليَّ أن أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم. وقد أتيتكم بما يدل على صدق رسالتي مما أوحاه إليّ. وذلك ما تحدّيتكم بالإتيان بسورة مثله في الهداية والإصلاح. كما أمرني ربي. ولا أقترح عليه، سبحانه، ما لا يجوز أن يكون، أو ما يكون فعله عبثًا، لخلوّه عن الفائدة). ٩٤ - ٩٩. قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٩٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٩٧) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٩٨) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا (٩٩)﴾. في هذه الآيات: امتناع الناس عن الإيمان لِكَوْنِ الرسول من البشر، وإنما حملهم على هذا التنطع الكبر والبطر، فإنه لو كان في الأرض ملائكة لناسب إرسال الله إليهم ملكًا مثلهم، والله خبير بعباده بصير بأعمالهم. إنما أمر الهداية والضلال بيد الله، فمن

стр. 2595

حرمه الله نور الهداية فقد أخزاه، ومن كفر بالله واليوم الآخر فنار جهنم مأواه، أَوَلَمْ يَرَ الكفار أنَّ خلق السماوات والأرض أكبر من خلقهم وإعادتهم بعد موتهم؟ ! ولكن الظالمين يجحدون، وبقدرة الله يكفرون. فقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾. قال ابن كثير: (يقول تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ﴾ أي: أكثرهم، ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا﴾ ويتابعوا الرسل، إلا استعجابُهم من بَعْثَتِه البشر رسلًا). وفي التنزيل نحو ذلك كثير: ١ - قال تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [يونس: ٢]. ٢ - وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن: ٦]. ٣ - وقال تعالى: - من قول فرعون وملئه -: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٧]. ٤ - وقال تعالى: - من قيل الأمم لرسلهم -: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [إبراهيم: ١٠]. وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾. قال النسفي: (ردّ الله عليهم بقوله: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ﴾ على أقدامهم كما يمشي الإنس ولا يطيرون بأجنحتهم إلى السماء فيسمعوا من أهلها ويعلموا ما يجب علمه ﴿مُطْمَئِنِّينَ﴾ حال، أي ساكنين في الأرض قارين ﴿لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ يعلمهم الخير ويهديهم المراشد). والخلاصة: إن الله تعالى يبعث الرسل إلى القوم من جنسهم، ليفقهوا عنه ويَفْهموا منه، ولو بعث إلى البشر رسولًا ملَكًا لما حصل ذلك، ولا أمكنهم الأخذ عنه. وقوله تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾. أي: قل - يا محمد - لهؤلاء المتنطعين في اقتراحاتهم: الله تعالى نعم الكافي والحاكم، وهو ذو خبرة وعلم بما يصلح لعباده من التدبير والتصريف، ومن يستحق منهم الهداية أو الضلال.

стр. 2596

وقوله: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ﴾. أي: إن مَنْ ينعم بهداية الله له فلا مُضِلّ له، ومن يَشْقى بضلاله إياه - نتيجة استحقاقه ذلك - فلا هادي له. وفي صحيح مسلم من حديث ابن عباس ﵄: [أن ضِمادًا قدم مكة وكان من أزد شنوءة، وكان يرقي من هذه الريح، فسمع سفهاء من أهل مكة يقولون: إن محمدًا مجنون، فقال: لو أني رأيت هذا الرجل لعل الله يشفيه على يديَّ، قال: فلقيه فقال: يا محمد إني أرقي من هذه الريح، وإن الله يشفي على يدي من شاء فهل لك؟ فقال رسول الله ﷺ : إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد. فقال: أعِدْ علىّ كلماتك هؤلاء، فأعادهن عليه رسول الله ﷺ ثلاث مرات، فقال: لقد سمعت قول الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء، فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، ولقد بلغن قاموس البحر. فقالما: هات يدك أبايعك على الإسلام، فبايعه، فقال رسول الله ﷺ : وعلى قومك؟ قال: وعلى قومي. .] الحديث (١). وقوله: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾. كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٤]. وقوله: ﴿عُمْيًا﴾ أي: لا يبصرون، ﴿وَبُكْمًا﴾ أي: لا ينطقون، ﴿وَصُمًّا﴾، يعني: لا يسمعون. وذلك مقابلة لهم بالمثل من أحوالهم التي كانوا عليها في الدنيا تجاه الحق، فقد كانوا بكمًا وعميًا وصمًا عن هذا الوحي العظيم، فحشروا على ذلك أحوج ما يحتاجون إلى تلك الحواس. ثم إن منقلبهم ومصيرهم إلى جهنم. وفي الصحيحين عن أنس ﵁: [أن رجلًا قال: يا نبي الله! كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال: أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادرًا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة] (٢).

стр. 2597

وعن ابن عباس: (في قوله: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ﴾ قال: سكنت). وقال مجاهد: (طفِئت). وعن قتادة: (قوله: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ يقول: كلما احترقت جلودهم بُدّلوا جلودًا غيرها، ليذوقوا العذاب). وقال الضحاك: (وذلك إسعارُ النار عليهم والتهابها فيهم وتأججها بعد خبوّها، في أجسامهم). أي: كلما سكنت النار عليهم زادها الله لهبًا ووَهجًا وجَمْرًا ليذيقهم العذاب، جزاء بما كانوا يكفرون بوحي الله العظيم، ونبوة رسوله الكريم، ويستبعدون البعث للحساب بعد الموت وفناء الأجساد والعظام مستهزئين. وهو قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾. وقوله: ﴿وَرُفَاتًا﴾ أي بالية نخرة. وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾. أي: إن الذي أبدع هذه السموات والأرض وخلقها من العدم قادر على إعادة خلقهم، كما قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧]. وقوله: ﴿وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. قال القرطبي: (والأجل: مدّة قيامهم في الدنيا ثم موتهم). وقال ابن كثير: (أي: جعل لإعادتهم وإقامتهم من قبورهم أجلًا مضروبًا ومدة مقدّرة لا بد من انقضائها، كما قال تعالى: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ [هود: ١٠٤]). وقوله: ﴿فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا﴾. قال ابن جرير: (يقول: فأبى الكافرون إلا جحودًا بحقيقة وعيده الذي أوعدهم وتكذيبًا به). ١٠٠ - ١٠٤. قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا (١٠٠) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا (١٠١) قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (١٠٢) فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (١٠٣) وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا

стр. 2598

الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (١٠٤)﴾. في هذه الآيات: إثباتُ الله تعالى بُخْلَ المشركين وإمساكهم عن الإنفاق في سبل الخير. وإمامهم من قبل فرعون الذي كفر بتسع آيات واتهم موسى بالسحر، وحاول محاصرته ومن معه من المؤمنين حتى أغرقه الله وجنوده أهل البغي والشرّ، واستخلف بني إسرائيل من بعدهم في الأرض ليكون الفصل بين الفريقين يوم الحشر. فقوله: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾. قال ابن عباس: (الفقر). وقال قتادة: (أي خشية الفاقة). والخطاب للمشركين كما قال ابن جرير: (قل يا محمد لهؤلاء المشركين: لو أنتم أيها الناس تملكون خزائن أملاك ربي من الأموال. وعنى بالرحمة في هذا الموضع: المال ﴿إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾ يقول: إذن لَبَخِلْتُم به، فلم تجودوا بها على غيركم، خشية من الإنفاق والإقتار). وقوله: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾. قال ابن عباس: (يقول: بخيلًا). وقال قتادة: (بخيلًا، ممسكًا). وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: [يَدُ الله ملأى لا يَغيضُها نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ الليلَ والنهار. أرأيتم ما أنفق منذُ خلقَ السماوات والأرض؟ فإنه لم يَغِضْ ما في يده] (١). وقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ - فيه أقوال متقاربة: ١ - قال ابن عباس: (التسع الآيات البينات: يده، وعصاه، ولسانه، والبحر، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، آيات مفصلات). ٢ - قال محمد بن كعب: (هي اليد، والعصا، والخمس في الأعراف، والطَّمْسَة، والحجر). ٣ - وقال ابن عباس أيضًا ومجاهد وقتادة: (هي يدُه، وعصاه، والسنين، ونقص الثمرات، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم).

стр. 2599

قلت: وكلها أقوال متكاملة، ودلائل قاطعة على صحة نبوته وصِدْقه فيما أخبر به موسى ﷺ عمن أرسله إلى فرعون. وقوله: ﴿فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا﴾. أي اسأل يا محمد بني إسرائيل (١) إذ جاءهم موسى وذهب إلى فرعون وأظهر آياته ودعاه للإيمان بالله تعالى فاتهمه فرعون بالسحر. وقوله: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾. أي: قال موسى: لقد علمت يا فرعون ما أنزل هؤلاء الآيات إلا خالق السماوات والأرض حُججًا وأدلة على صدق ما جئتك به، وبينات مكشوفات تؤكد صحة قولي، ولكنك معاند جاحد. كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]. وقوله: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾. قال ابن عباس: (ملعونًا). أو قال: (يعني: مغلوبًا). وقال مجاهد: (مثبورًا: أي هالكًا). وقال عطية: (مبدّلًا). وقال ابن زيد: (أظنك ليس لك عقل يا فرعون) - أي مخبولًا. وفي لغة العرب: رجل مثبور: أي محبوس عن الخيرات هالك. قال الرازي: (الثبور: الهلاك والخسران). قلت: فالهالك يشمل كل ما سبق من المعاني والله تعالى أعلم. قال النسفي: (كأنه قال: إن ظننتني مسحورًا فأنا أظنك مثبورًا هالكًا، وظني أصح من ظنك، لأن له أمارة ظاهرة وهي إنكارك ما عرفت صحته ومكابرتك لآيات الله بعد وضوحها، وأما ظنك فكذب بحت). وقوله تعالى: ﴿فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا﴾. أي: فأراد فرعون أن يُخرج موسى وقومه من أرض مصر، أو ينفيهم عن ظهر الأرض بالقتل والاستئصال، فاستفزه الله إلى البحر هو وجنوده وحاق به مكره، وكان فيه إغراقه مع قبطه. قال ابن كثير: (وقوله تعالى: ﴿فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾، أي يُجْليَهم منها ويزيلهم عنها، ﴿فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا﴾، وفي هذا بشارة لمحمد ﷺ بفتح مكة مع أن

стр. 2600

هذه السورة نزلت قبل الهجرة، وكذلك وقع، فإن أهل مكة هموا بإخراج الرسول منها، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (٧٦) سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا (٧٧)﴾ [الإسراء: ٧٦, ٧٧]). وقوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾. أي قلنا من بعد فرعون لبني إسرائيل اسكنوا الأرض التي أراد فرعون أن يستفزكم منها فإذا كان يوم القيامة جئنا بكم وبعدوكم جميعًا. قال ابن عباس: (جميعًا). وقال قتادة: (أي جميعًا، أولكم وآخركم). قال النسفي: ﴿جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ جمعًا مختلطين إياكم وإياهم، ثم نحكم بينكم ونميز بين سعدائكم وأشقيائكم، واللفيف الجماعات من قبائل شتى). ١٠٥ - ١٠٩. قوله تعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (١٠٥) وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)﴾. في هذه الآيات: ثناءُ الله تعالى على القرآن، وعلى مهمة النبي ﵊، وعلى الذين أوتوا العلم الذين يخرون سجدًا عند سماع آيات الرحمان. فقوله: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وبالحق أنزلنا هذا القرآن، يقول: أنزلناه نأمر فيه بالعدل والإنصاف والأخلاق الجميلة، والأمور المستحسنة الحميدة، وننهى فيه عن الظلم والأمور القبيحة، والأخلاق الردية، والأفعال الذميمة. ﴿وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ يقول: وبذلك نزل من عند الله على نبيه محمد ﷺ ). وفي التنزيل: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦]. قال ابن كثير: (أي متضمنًا، علْمَ الله الذي أراد أن يُطْلِعَكُم عليه، من أحكامه وأمره ونهيه). وفي معجم الطبراني بسند صحيح عن جبير قال: قال رسول الله ﷺ : [أبشروا

стр. 2601

أبشروا، أليس تشهدون أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟ فإن هذا القرآن سبب طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فتمسكوا به فإنكم لن تهلكوا ولن تضلوا بعده أبدًا] (١). وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾. أي: وما أرسلناك يا محمد إلا مبشرًا برحمة الله ورضوانه وجنته لمن أطاعك، ونذيرًا بسخط الله وغضبه وناره لمن عصاك. وقوله: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ﴾ - فيه قراءتان. ١ - "فَرَقْناه" - بالتخفيف. قال ابن عباس: (يقول: فصلناه). أي فصلناه من اللوح المحفوظ إلى بيت العِزة من السماء الدنيا، ثم نزل مُفَرّقًا مُنَجّمًا على الوقائعِ إلى رسول الله ﷺ في ثلاث وعشرين سنة. ٢ - "فَرَّقْناه" - بالتشديد. قرأ بها ابن عباس: أي أنزلناه آية آية، مُبَيَّنًا مُفَسَّرًا. قال ابن عباس: (يقول: أنزل آية آية). وقال: (أنزل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا في ليلة القدر، ثم أنزل بعد ذلك في عشرين سنة). وقال ابن زيد: ("وقرآنًا فرَّقناه": فرّقه، لم ينزله جميعه). وقوله: ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾. أي: لتبلغه الناس وتتلوه عليهم على مَهَل. قال ابن جريج: (في ترتيل). وقال مجاهد: (على تؤدة). وقوله: ﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾. أي: شيئًا بعد شيء، حسب الحوادث والمناسبات. وقولُهُ تعالى: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾. أي - قل يا محمد لكفار قومك الذين يعترضون على هذا الوحي العظيم: وسواء آمنتم به أم كفرتم لا يُغَيِّر شيئًا، فهذا القرآن حق في نفسه، عظيم في شأنه، موصوف في كتب التنزيل، والذين أوتوا العلم من أهل الكتاب المتمسكين بالحق المكتوب عنده إذا يتلى عليهم يخرون تعظيمًا لله ساجدين، شكرًا منهم لله على إدراكهم هذا الرسول الكريم. قال ابن عباس: (﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ يقول: للوجوه). والأذقان جمع ذَقَن، وهو أسفل الوجه. وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾. قال ابن جرير: (- أي يقولون - تنزيهًا لربنا مما يضيف إليه المشركون به، ما كان

стр. 2602

وعد ربنا من ثواب وعقاب، إلا مفعولًا حقًا يقينًا، إيمان بالقرآن وتصديق به). واستدل الشافعي بقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا﴾ الآية، على استحباب هذا الذكر في سجود التلاوة - ذكره السيوطي في "الإكليل". وفي صحيح مسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: [كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في سجوده: "سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي"] (١). وقوله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾. قال القرطبي: (هذه مبالغة في صفتهم ومدح لهم. وحقّ لكل من توسّم بالعلم وحضل منه شيئًا أن يجري إلى هذه المرتبة، فيخشع عند استماع القرآن ويتواضع ويذل). وذكر ابن جرير بسنده إلى عبد الأعلى التيمي قوله: (من أوتي من العلم ما لم يبكه لخليق أن لا يكون أوتي علمًا ينفعه، لأن الله نعت العلماء، ثم تلا هذه الآية). وفي معجم الطبراني بسند صحيح عن أبي الدرداء ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: [أول شيء يرفع من هذه الأمة الخشوع حتى لا ترى فيها خاشعًا] (٢). وفي الآية دليل على جواز البكاء في الصلاة من خوف الله تعالى أو بسبب المعاصي والزلل. وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن مطرف، عن أبيه، قال: [رأيت رسول الله ﷺ يصلي، وفي صدره أزيزٌ كأزيز الرَّحى من البكاء ﷺ ] (٣). ١١٠ - ١١١. قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١١٠) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾. في هذه الآيات: إثباتُ الأسماء الحسنى لله تعالى ولو كره الكافرون. وحثُّ الله نبيّه

стр. 2603

على التوسط في رفع الصوت بالقرآن لئلا يناله المشركون. وخَتْمُ السورة بتنزيهه تعالى عما يصفه به المبطلون. قال ابن كثير: (يقول تعالى: ﴿قُلِ﴾ يا محمد، لهؤلاء المشركين المنكرين صفة الرحمة لله ، المانعين من تسميته بالرحمن: ﴿ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، أي: لا فرقَ بين دعائكم له باسم ﴿اللَّهَ﴾ أو باسم ﴿الرَّحْمَنَ﴾، فإنه ذو الأسماء الحسنى). وفي التنزيل: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤]. وقوله: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾. له سبب للنزول أو أكثر في صحيح السنة: ففي الصحيحين عن ابن عباس ﵄، قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ قال: [نزلت ورسول الله ﷺ مختف بمكة، كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمع المشركون سبُّوا القرآن ومَنْ أنزله ومن جاء به، فقال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ أي بقراءتك، فيسمع المشركون فيسبوا القرآن، ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ عن أصحابك فلا تسمعهم، ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾] (١). وفي صحيح البخاري عن عائشة ﵂ قال: [أنزل ذلك في الدعاء]. وأخرج ابن جرير وابن إسحاق بسند حسن عن ابن عباس قال: [كان رسول الله ﷺ إذا جهر بالقرآن وهو يصلي تفرقوا عنه وأبَوا أن يستمعوا منه، فكان الرجل إذا أراد أن يستمع من رسول الله ﷺ بعض ما يتلو وهو يُصلي، استرق السمع دونهم فَرَقًا منهم، فإن رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع ذهَبَ خشيةَ أذاهم فلم يستمع. فإن خفضَ رسول الله ﷺ صوته لم يسمع الذين يستمعون من قراءته شيئًا، فأنزل الله ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ فيتفرَّقوا عنك، ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ فلا تُسمع من أراد أن يسمَعَها ممن يسترق

стр. 2604

ذلك دونهم، لعله يَرْعَوي إلى بعض ما يسمَع فينتفع به، ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾] (١). وقوله: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾. تنزيهٌ من الله تعالى لنفسه الكريمة عن النقائص، بعد إثبات صفات الجمال والكمال والأسماء الحسنى. قال ابن جرير: (لأن ربّ الأرباب لا ينبغي أن يكون له ولد. ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ فيكون عاجزًا ذا حاجة إلى معونة غيره ضعيفًا، ولا يكون إلهًا من يكون محتاجًا إلى معين على ما حاول، ولم يكن منفردًا بالمُلك والسلطان). وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾. قال مجاهد: (لم يُحالف أحدًا، ولا يبتغي نَصْر أحد). وقال ابن كثير: (أي: ليس بذليل فيحتاج إلى أن يكون له وَلِيٌّ أو وزيرٌ أو مُشِيرٌ، بل هو تعالى خالقُ الأشياء وحدَه، لا شريكَ له ومقَدِّرها ومُدَبِّرها بمشيئته وحدَه، لا شريك له). وقوله: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾. أي: عظِّمه وأَجِلَّه تعظيمًا يليق بجلاله، وإجلالًا يليق بجماله وكماله. وفي مسند الإمام أحمد وسيرة ابن هشام من حديث عدي بن حاتم - لما قدم على رسول الله ﷺ بعد أن فرّ منه - قال: [وجلست بين يديه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ما يُفِرُّك! ؟ أَيُفِرُّك أن تقول: لا إله إلا الله، فهل تعلم من إله سوى الله؟ قال: قلت: لا. قال: ثم تكلم ساعة، ثم قال: إنما تَفِرُّ أن يُقال: الله أكبر، وهل تعلم شيئًا أكبرُ من الله؟ قال: قلت: لا. قال: فإن اليهود مغضوب عليهم، وإن النصارى ضالون. قال: فقلت: إني حنيف مسلم. قال: فرأيت وجهَه ينبَسِطُ فرحًا. .] الحديث (٢). تم تفسير سورة الإسراء بعون الله وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه ° ° °

стр. 2605

دروس ونتائج وأحكام ١ - الإسراء والمعراج تكريم الله لعبده ورسوله محمد لم ينله رسول قبله. ٢ - الإسراء والمعراج لم يكن منامًا أو رؤيا، وإنما كان بالروح والجسد. ٣ - في رحلة الإسراء والمعراج، كان لقاء نبينا بالأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -، وقد ارتقى ﷺ سماء فسماء. ٤ - في ليلة الإسراء فرضت الصلاة خمسين، ثم خففت إلى خمس. ٥ - لم ير محمد ﷺ ربه، والذي دنا فتدلى: جبريل ﵇. ٦ - رفع الله لمحمد ﷺ المسجد الأقصى وبدأ يصفه لقريش. ٧ - القرآن يهدي لأقوم الطرق وأوضح السبل وبشرى للمؤمنين. ٨ - يجمع عمل الإنسان في كتاب فيكون عليه حسيبًا. ٩ - لا يعذب الله أحدًا قبل إنذاره برسول، وأهل الفترة هم الذين لم تبلغهم دعوة الرسل، وإنما يكون امتحانهم يوم القيامة. ١٠ - التفاوت كائن يوم القيامة بين درجات أهل الجنة، وكذلك بين درجات أهل النار. ١١ - قرن الله تعالى عبادته ببرّ الوالدين، ليعرف عباده بحقهما الكبير. ١٢ - يوصي رسول الله ﷺ بالأب مرة وبالأم ثلاثًا لعظم حقها. ١٣ - النهي عن التبذير، والأمر بوصل الأقرب فالأقرب، والرفق بالمساكين. ١٤ - لا تقتل ولدك خشية أن يأكل معك، ولا تقرب الزنى ودواعيه. ١٥ - لا تقتل النفس ولا تقرب مال اليتيم، وأوف العهد والكيل، إن العهد كان مسؤولًا. ١٦ - لا تتكلم بما لا تعلم، ولا تتبختر بمشيتك، وتواضع لله يرفعك الله.

стр. 2606

١٧ - كل السيئات مكروهة عند الله تعالى، فاحذروا فعل ما يكره. ١٨ - ما من شيء - حتى الجماد - إلا ويسبح بحمد الله حقيقة، كل قد علم صلاته وتسبيحه. ١٩ - إذا دلّ الدليل على شيء وجب اتباعه. ٢٠ - لو سمّى المؤمن عند الجماع، وقدر له ولد، لا يضره الشيطان. ٢١ - إن كان لا ينفع في البحر غير الله، فإنه لا ينفع في البر غيره. ٢٢ - الإمام: هو كتاب الأعمال الذي يعطاه العبد يوم القيامة. ٢٣ - المقام المحمود هو الشفاعة العظمى، وهو للرسول الأعظم - سيد ولد آدم ﷺ . ٢٤ - كل الرسل تقول يوم الحشر: نفسي نفسي، إلا رسولنا ﷺ فيقول: أمتي أمتي. ٢٥ - إن الله ليمنع بالسلطان عن الذنوب والآثام، ما لا يمنع بالقرآن. ٢٦ - القرآن شفاء للقلوب من الشك والشرك والنفاق والزيغ. ٢٧ - استئثار الله تعالى بعلم ماهية الروح، وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا. ٢٨ - يحشر الكفار على وجوههم عميًا بكمًا صمًا خالدين في النار. ٢٩ - الآيات والمعجزات من الله خلقًا، ويجريها على يد رسوله تأييدًا. ٣٠ - نزول القرآن بالحق، وكل أسماء الله حسنى، وليس لله ولد ولا شريك ولا معين، تعالى سبحانه عن ذلك علوًا كبيرًا. ° ° °

стр. 2607

١٨ - سُورَةُ الكَهْفِ وهي سورة مكية، وعدد آياتها (١١٠). فضائلها وما ورد في ذكرها: لقد ورد في فضلها وفضل أولها وآخرها أحاديث من السنة الصحيحة: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن البراء بن عازب ﵄ يقول: [قرأ رجلٌ الكَهْفَ وفي الدّار الدّابةُ، فَجَعلت تَنْفِرُ، فَسَلَّمَ الرَّجل، فإذا ضَبَابَةٌ، أو سَحَابَةٌ غَشِيَتْه، فذكره للنبي ﷺ فقال: اقرأ فُلانُ! فإنها السكينة نَزَلَتْ للقرآنِ أو تَنَزَّلتْ للقرآن] (١). وفي لفظ لمسلم: [قال البراء: كان رجل يقرأ سورة الكهف، وإلى جانبه حصان مربوط بشطنين، فتغشته سحابة، فجعلت تدنو وتدنو، وجعل فرسه ينفِر، فلما أصبح أتى النبي ﷺ ، فذكر ذلك له، فقال: تلك السكينة تنزلت بالقرآن] (٢). الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : [مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آياتٍ مِنْ أول سورة الكهف عُصِمَ من الدجال] (٣). وفي لفظ عند الحاكم: [عصم من فتنة الدجال].

стр. 2608

الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن معدان، عن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ قال: [من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف عُصِمَ من فتنة الدَّجال] (١). الحديث الرابع: أخرج الإمام مسلم عن النواس بن سمعان قال: [ذكر رسول الله ﷺ الدجال فقال: إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه والله خليفتي على كل مسلم، إنه شاب قطط عينه طافية كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن، فمن أدركه منكم فليقرأ عليه بفواتح سورة الكهف فإنها جواركم من فتنته. .] الحديث (٢). الحديث الخامس: أخرج النسائي بإسناد صحيح عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: [من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين] (٣). ورواه الدارمي موقوفًا على أبي سعيد بلفظ: [من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق]. موضوع السورة قصة أصحاب الكهف منهاج الفئة المؤمنة، وسنن الله في أهل الإيمان والكفر وإهلاك القرى الظالمة. - منهاج السورة - ١ - الحمد والثناء على الله منزل الكتاب، نذيرًا للعباد يوم الحساب، وبشيرًا للمؤمنين بالجنة والنجاة من العقاب، وإنذارًا للذين نسبوا لله الولد من أهل الكتاب.

стр. 2609

٢ - تثبيت الله تعالى نبيّه ﷺ في جهاده قومه الذي تمردوا عن الإيمان، وكذبوا بالنبوة والقرآن، فهذه الدنيا دار فانية، مزينة بزينة زائلة. ٣ - قصة أهل الكهف قصة فتية مؤمنين، فروا بدينهم من مكر الظالمين، وقد ضرب الله عليهم النوم سنين طويلة، ثم بعثهم لإظهار آية من آيات قدرته العجيبة. ٤ - ذكر تقلب الشمس حول الكهف بأمر الله حفظًا على الفتية المؤمنين، وكلبهم باسط ذراعيه بالباب ولو أبصرتهم لكنت من الهاربين. ٥ - مجيء وقت إيقاظهم، وإرسال بعضهم للمجيء بطعام لهم، وأَمْرُهُ بالتلطف لئلا يفطن الطغاة إلى أمرهم. ٦ - كشف الله أمرهم، ليعلم من كذب بهذا الحديث أن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها. ٧ - اتخاذ أهل النفوذ عليهم مسجدًا، وتنازع القوم في عددهم دون جدوى. ٨ - تنبيه الله العباد إلى ذكره وربط الأمور بمشيئته تعالى، فمشيئته قاهرة لكل مشيئة. ٩ - إخباره تعالى عن لبث أهل الكهف في كهفهم ثلاث مئة وتسع سنين، والله هو العليم الحكيم لا يخفى عليه شيء وله الحكم لا شريك له. ١٠ - أمْرُ الله رسوله بتلاوة القرآن، والصبر في الحياة مع أهل الإيمان، وعدم الافتتان بأهل الزينة أهل الكبر والحرمان. ١١ - من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، والعاقبة للمتقين، والعذاب على الكافرين. ١٢ - ذكر قصة الرجلين: لأحدهما جنتان فهو مستكبر مفتخر على صاحبه بالمال والثمر والنفر، شاك بالبعث بعد الموت وأنه لو حصل لكان له حسن المنقلب والمستقر، وصاحبه يحذره مغبة الشرك والكبر، وهو يُصِرّ على كفره حتى أرسل الله عليه الجوائح والمصائب وهلك المال والثمر، وصار في الندم والبؤس وذاق عاقبة من كفر وما شكر. ١٣ - تمثيل بديع لهذه الحياة الدنيا الفانية، والباقيات الصالحات هي البقية الباقية.

стр. 2610

١٤ - وَصْفُ الله أحوال القيامة: تسيير الجبال وبروز الأرض وموقف الحشر وتوزيع الصحف والتحسر والندامة. ١٥ - أمْرُ الله الملائكة السجود لآدم، وقصة امتناع إبليس وعداوته، وتقريع المشركين في شركهم وذلهم يوم القيامة. ١٦ - تصريف الله الأمثال في هذا القرآن، وتكذيب الناس الرسل بطرق متوارثة عبر الزمان. قوامها العناد والفلسفة وسؤال المعجزات والاستهزاء بالرسل الكرام. ١٧ - التحذير من التغافل عن حجج الله وما يعقب ذلك من الختم والطبع على القلوب والإقفال على الآذان، ورحمته تعالى بعدم معاجلة المذنبين. ١٨ - سنة الله في إهلاك القرى الظالم أهلها في وقت وأجل مسمى. ١٩ - قصة لقاء موسى بالخضر، وبيان المشاهد والمواقف في ذلك. ٢٠ - قصة ذي القرنين وسياحته في البلاد، يقيم الحق والميزان بين العباد، وخبر يأجوج ومأجوج. ٢١ - تفصيل إبراز جهنم يوم القيامة للكافرين، الذين كانوا في تغافل وتكذيب بيوم الدين. ٢٢ - الأخسرون الأخسرون الذين بطل عملهم يوم القيامة وهم يظنون أنهم محسنون. ٢٣ - تعظيم كلمات الله وآفاقها ومعانيها وروائع علومها، وعجز البحر أن يكفي مدادًا لها. ٢٤ - إثبات بشرية الرسول ﷺ ، وتلقيه الوحي من الله رب السماوات والأرض. ٢٥ - ذِكرُ سر النجاة وسعادة الدارين: إفراد الله تعالى بالعبادة والتعظيم، والتماس العمل الصالح على منهاج الوحيين. ° ° °

стр. 2611

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ٨. قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (٥) فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦) إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (٨)﴾. في هذه الآيات: كل الحمد والشكر لله منزل الكتاب عدلًا قيمًا، نذيرًا وبشيرًا، ومحذرًا الذين تطاولوا على الله ونسبوا له الولد كذبًا وزورًا. فلا تهلك نفسك - يا محمد - بحزنك على قومك في تمردهم عن الإيمان، والتكذيب بالنبوة والقرآن، فإن هذه الدنيا دار فانية، مزينة بزينة زائلة، لا تستقيم لأحد لأنها دار اختبار، وليست بدار قرار، وستصير بعد الزينة إلى الخراب والدمار. فقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾. حَمْدٌ وتقديس من الله لنفسه الكريمة على إنزاله هذا الكتاب العزيز. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: الحمد لله الذي خصّ برسالته محمدًا وانتخبه لبلاغها عنه، فابتعثه إلى خلقه نبيًا مرسلًا، وأنزل عليه كتابًا قيمًا، ولم يجعل له عِوَجًا). وعن ابن عباس: (﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾ يقول: أنزل الكتاب عَدلًا قيمًا، ولم يجعل له عِوَجًا). وقال ابن إسحاق: (أي: معتدلًا لا اختلاف فيه). وعن الضحاك: (قيمًا: قال: مستقيمًا).

стр. 2612

قال ابن كثير: (فإنه - أي القرآن - أعظم نعمةٍ أنعمها الله على أهل الأرض، إذ أخرجهم به من الظلمات إلى النور، حيث جعله كتابًا مستقيمًا لا اعوجاجَ فيه ولا زيغَ، بل يَهدي إلى صراط مستقيم، بَيِّنًا واضِحًا جليًا، نذيرًا للكافرين وبشيرًا للمؤمنين، ولهذا قال: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾، أي: لم يجعل فيه اعوجاجًا ولا زَيغًا ولا مَيْلًا، بل جعله معتدلًا مستقيمًا. ولهذا قال: ﴿قَيِّمًا﴾، أي: مستقيمًا). وقوله: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾. تهديد للكافرين بعذاب من عند الله في الدارين. قال محمد بن إسحاق: (عاجل عقوبة في الدنيا وعذابًا في الآخرة). وقال قتادة: (﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾: أي: من عنده). وقوله: ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾. بشارة للمؤمنين أهل العمل الصالح بالثواب الجزيل في جنات النعيم يوم القيامة. ولهذا قال: ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾. قال ابن إسحاق: (أي: في دار خلد لا يموتون فيها، الذين صدقوك بما جئت به عن الله، وعملوا بما أمرتهم). وفي الصحيحين عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : [إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، يجاء بالموت كأنه كبش أملحُ، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون فينظرون ويقولون: نعم هذا الموت وكلهم قد رآه، ثم ينادى: يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون فينظرون فيقولون: نعم هذا الموت وكلهم قد رآه، فيؤمر به فيذبح، ويقال: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت] (١). وقوله تعالى: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾. أي: من مشركي قومه وغيرهم. قال ابن إسحاق: (يعني قريشًا في قولهم: إنما نعبد الملائكة، وهنّ بنات الله). وفي صحيح البخاري عن أبي موسى ﵁، عن النبي ﷺ قال: [ليس أحدٌ أصبرَ على أذى سَمِعَهُ من الله، إنهم ليَدْعون له ولدًا، وإنه ليُعافيهم ويرزقُهم] (٢). وقوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ

стр. 2613

إِلَّا كَذِبًا﴾. أي: لا حجة لهؤلاء القائلين هذا القول ولا لأسلافهم، وإنما يقولون كبيرًا من الإثم ويفترون على الله أعظم الكذب. قال محمد بن إسحاق: (ما يقول هؤلاء القائلون اتخذ الله ولدًا بقيلهم ذلك إلا كذبًا وفرية افتروها على الله). ونُصبت ﴿كَلِمَةً﴾ على التمييز، والتقدير: كبرت كلمتُهم هذة كلمةً. وقيل: على التعجب، والتقدير: أعظِمْ بكلمتهم كلمة. وفي صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: [قال الله: كَذَّبَني ابنُ آدم ولم يكنْ له ذلك، وشَتَمني ولم يكنْ له ذلك، فأما تكذيبُه إياي فزعَمَ أني لا أقْدرُ أن أُعِيدَهُ كما كان، وأما شَتْمُهُ إيّايَ فقوله: لي ولدٌ، فسبحاني أنْ أتَّخِذَ صاحِبَةً أوْ ولَدًا] (١). وقوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾. أي: فلعلك يا محمد مهلك نفسك بحزنك على آثار قومك في تمردهم عن الإيمان بالنبوة والتصديق بهذا القرآن. قال قتادة: (﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾، يقول: قاتل نفسك). وقوله: ﴿أَسَفًا﴾ قال: (غضبًا). وقال مجاهد: (جزعًا). وقال قتادة أيضًا: (حزنًا عليهم). والآية تسلية من الله تعالى لنبيّه الكريم، على حزنه على إصرار المشركين، على عقائد الجاهلية ومحاربة هذا الدين، وترك التصديق بالقرآن الكريم، وهو مفهوم قوله: ﴿بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾. وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النمل: ٧٠]. ٣ - وقال تعالى: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر: ٨].

стр. 2614

وفي الصحيحين عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: [إنّ الله تعالى ليُملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يُفلته] (١). وقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. إخبار من الله جل ذكره أن هذه الدنيا دار فانية، مزينة بزينة زائلة، لا تستقيم لأحد لأنها دار اختبار وليست بدار قرار. وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ قال: [إنَّ الدنيا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وإنَّ الله مُسْتَخْلِفُكم فيها فينظرُ كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإنّ أول فتنةِ بني إسرائيل كانت في النساء] (٢). وفي جامع الترمذي بسند حسن عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة] (٣). وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ - فيه أقوال متقاربة. ١ - قال ابن عباس: (يهلك كل شيء عليها ويبيد). وقال مجاهد: (﴿صَعِيدًا جُرُزًا﴾: بلقعًا). ٢ - قال قتادة: (الصعيد: الأرض التي ليس فيها شجر ولا نبات). ٣ - قال ابن إسحاق: (يعني: الأرض، إن ما عليها لفانٍ وبائد، وإن المرجع لإليّ، فلا تأس، ولا يحزنك ما تسمع وترى فيها). ٤ - قال ابن زيد: (الجُرز: الأرض التي ليس فيها شيء، ألا ترى أنه يقول: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا﴾ [السجدة: ٢٧]. قال: والجرز: لا شيء فيها، لا نبات ولا منفعة. والصعيد: المستوي). وخلاصة المعنى: هذه الدنيا ستصير بعد الزينة إلى الخراب والدمار، وإلى الفناء

стр. 2615

والزوال، وفي ذلك تسلية للنبي ﷺ عَمّا يلقاه من قومه: أن لا عليك أن سيهلكوا جميعًا، فلا تحزن عليهم ولا تضيق من مكرهم وعنادهم. ٩ - ١٢. قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (٩) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (١٠) فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (١١) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (١٢)﴾. في هذه الآيات: إخبار الله تعالى نبيّه محمدًا ﷺ عن قصة أصحاب الكهف وما فيها من العبر والآيات والمعجزات. يقول: وليس - يا محمد - أمرهم عجيبًا في قدرتنا وسلطاننا، فإن خلق السماوات والأرض، وتسخير الشمس والقمر والنجوم، وتعاقب الليل والنهار، وخلق الجبال الشواهق والأنهار والبحار، أكبر من ذلك. لقد أوى الفتية المؤمنون إلى الكهف فرارًا بدينهم، راجين رحمة ربهم، فضرب عليهم النوم سنين طويلة، ثم بعثهم سبحانه لإظهار آية من آيات قدرته العجيبة، وليستفيد من بعدهم في تعظيم الله والمثابرة على عبادته والتوكل عليه. وقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ - فيه أقوال متقاربة: ١ - قال مجاهد: (يقول: قد كان من آياتنا ما هو أعجب من ذلك). ٢ - قال ابن عباس: (يقول: الذي آتيتُكَ من العلم والسُّنَّة والكتاب أفضل من شأن أصحاب الكهف والرقيم). ٣ - وقال محمد بن إسحاق: (ما أظهرتُ من حُججي على العباد أعجبُ من شأن أصحاب الكهف والرقيم). قال النسفي: (والكهف: الغار الواسع في الجبل، والرقيم: اسم كلبهم أو قريتهم أو اسم كتاب كتب في شأنهم أو اسم الجبل الذي فيه الكهف).

стр. 2616

وقوله تعالى: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾. إخبار عن قلة مؤمنة فروا بدينهم من قومهم لئلا يفتنوهم عنه، فلجؤوا إلى غار في جبل متضرعين إلى ربهم : أن يبسط عليهم حمايته ورحمته ويجعل لهم من أمرهم فرجًا ومخرجًا، وفي عاقبة صبرهم سترًا ورشدًا. وقوله تعالى: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾. قال ابن كثير: (أي: ألقينا عليهم النوم حين دخلوا إلى الكهف، فناموا سنين كثيرة). وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾. أي: ثم بعثنا هؤلاء الفتية من رقدتهم لنعلم واقعًا ما علمنا أنه سيقع، من اختلاف الطائفتين من مدة مكثهم. قال مجاهد: (أمدًا: عددًا). وقال ابن عباس: (﴿لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ يقول: بعيدًا). وقال ابن جرير: (ويعني بالأمد: الغاية). وخلاصة المعنى كما قال القاسمي: (أي لنعلم واقعًا ما، علمنا أنه سيقع. وهو أي الحزبين المختلفين في مدة لبثهم، أشد إحصاءً، أي إحاطة وضبطًا لغاية مدة لبثهم فيعلموا قدر ما حفظهم الله بلا طعام ولا شراب، وأمنهم من العدوّ، فيتمّ لهم رشدهم في شكره، وتكون لهم آية تبعثهم على عبادته). ١٣ - ١٦. قوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (١٤) هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (١٥) وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا (١٦)﴾. في هذه الآيات: إخبارُ الله تعالى نبيّه ﷺ أنّ ما يقصه عليه من خبر هؤلاء الفتية المؤمنين، إنما هو بالصدق واليقين، وقد زادهم إيمانًا إلى إيمانهم، وربط على

стр. 2617

قلوبهم، إذ صبروا على هجران الديار، إلى كهف بأحد الجبال، حفاظًا على دينهم، وخلاصًا من شرك قومهم، فآواهم سبحانه وأيدهم برحمته وجعل لهم من أمرهم فرجًا ومخرجًا. فقوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى لنبيه محمد ﷺ : نحن يا محمد نقص عليك خبر هؤلاء الفتية الذين أووا إلى الكهف بالحق، يعني: بالصدق واليقين الذي لا شك فيه. ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ يقول: إن الفتية الذين أوَوا إلى الكهف الذين سألك عن نبئهِم الملأ من مشركي قومك، فتية آمنوا بربهم ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ يقول: وزدناهم إلى إيمانهم بربهم إيمانًا وبصيرة بدينهم، حتى صبروا على هجران دار قومهم، والهرب من بين أظهرهم بدينهم إلى الله، وفراق ما كانوا فيه، من خفض العيش ولينه، إلى خشونة المكث في كهف الجبل). وفي الآية فائدتان جليلتان: الفائدة الأولى: أهمية الشباب لحمل هذا الدين والبذل من أجله. وهذا جلي في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾، فالشباب قوة الإسلام ومستقبله القادم. ولهذا كان أكثر المستجيبين لله تعالى ولرسوله شبابًا. وقد لاحظ العباس عمّ النبي ﷺ أن معظم رجال بيعة العقبة كانوا من الشباب فقال لابن أخيه: (ما أدري ما هؤلاء القوم الذين جاؤوك؟ إني ذو معرفة بأهل يثرب. هؤلاء قوم لا أعرفهم، هؤلاء أحداث) (١). إن الشباب مصدر قوة الأمة ومحل طاقتها الكامنة، فَإنْ صَلَحَ الشباب فإن ذلك يُبَشِّرُ بأمة قوية تريد أن تشغل مكانها تحت الشمس، وإن فسد الشباب وتعلقت قلوبهم بالفواحش والآثام، أو سُلِّطَت عليهم عوامل الهدم والشد إلى الخلف، كان ذلك نذير سوء ومصدر قلق وتهديد لتلك الأمة. ومن هنا حرص الإسلام على تربية الشباب على روح الجهاد والشهادة في سبيل الله، فإنه لا أعلى من ذلك ولا أرفع، فإذا ارتبط قلب الفتى بحب الله ونصرة دينه كان ذلك جامعًا لخيري الدنيا والآخرة.

стр. 2618

ففي الصحيحين عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في طاعة الله، . . .] (١). وفي مستدرك الحاكم بإسناد صحيح عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: [اغتنم خمسًا قبل خمس: حياتكَ قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغَك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك] (٢). الفائدة الثانية: الإيمان يزيد وينقص. وهو مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾. وفي القرآن آيات كثيرة نحو ذلك، منها: ١ - قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦]. ٣ - وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]. ومن كنوز السنة الصحيحة في ذلك: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أنس، عن النبي ﷺ قال: [لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين] (٣). الحديث الثاني: أخرج البخاري عن أنس مرفوعًا: [لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه] (٤). وفي صحيح مسلم: [لا تؤمنوا حتى تحابوا]. [من حمل علينا السلاح فليس منا]. الحديث الثالث: رورى البخاري عن ابن مسعود قال: (اليقين: الإيمان كله) (٥). وعن معاذ كان يقول: (اجلس بنا نؤمن ساعة).

стр. 2619

وقد فصلت ذلك في كتابي: أصل الدين والإيمان، فلله الحمد والمنة. وقوله: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾. أي: ثبتناها. قال قتادة: (يقول: بالإيمان). أي: ألهمناهم الصبر وشددنا قلوبهم بنور الإيمان حتى عزفت أنفسهم عما كانوا عليه من خفض العيش. وقوله: ﴿إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾. قال ابن جرير: (يقول: حين قاموا بين يدي الجبار دقينوس فقالوا له إذ عاتبهم على تركهم عبادة آلهته: ﴿رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾). قال ابن كثير: (﴿لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا﴾. ولن: لنفي التأبيد، أي: لا يقع منا هذا أبدًا، لأنا لو فعلنا ذلك لكان باطلًا، ولهذا قال عنهم: ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾، أي: باطلًا وكذبًا وبهتانًا). وعن قتادة: (قوله: ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ يقول: كذبًا). وقال ابن زيد: (قال: لقد قلنا إذن خطأ، قال: الشطط: الخطأ من القول). وقوله: ﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾. هو من قيل الفتية أصحاب الكهف عن قومهم: أنهم اتخذوا آلهة يعبدونها من دون الله، فلولا يأتون على عبادتها بسلطان بين. قال قتادة: (يقول: بعذر بين). وقال ابن جرير: (يقول: هلا يأتون على عبادتهم إياها بحجة بينة). وقوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾. قال قتادة: (ومن أشد اعتداءً وإشراكًا بالله، ممن اختلق، فتخرّص على الله كذبًا، وأشرك مع الله في سلطانه شريكًا يعبده دونه، ويتخذه إلهًا). وقوله: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾. قال ابن كثير: (أي: وإذ فارقتُموهم وخالفتُموهم بأديانكم في عبادتهم غيرَ الله، ففارقُوهم أيضًا بابدانكم، ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ أي: يبسط عليكم رحمة يستركم بها من قومكم، ﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ﴾، الذي أنتم فيه، ﴿مِرْفَقًا﴾، أي: أمرًا تَرتفِقُون به. فعند ذلك خَرَجوا هُرَّابًا إلى الكهف، فأوَوْا إليه، فَفَقدهم قومهم

стр. 2620

من بين أظهرهم، وتَطلَّبهم الملك، فيقال: إنه لم يظفر بهم، وعَمَّى الله عليه خبرهم). قلت: والهروب من الفتن والفرار بالدين إلى حيث الأمن على الإيمان هو عمل منهجي صحيح عند اختلاط الرايات وظهور الدعاة على أبواب جهنم. ففي التنزيل: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف: ٢٠]. وفي صحيح السنة المطهرة في مفهوم ذلك أحاديث: الحديث الأول: أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري أنه قال: قال رسول الله ﷺ : [يوشِكُ أن يكون خَيرَ مالِ المسلمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بها شَعَفَ الجبال، ومواقِعَ القَطْرِ، يَفِرُّ بدينه من الفتن] (١). الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه، والترمذي في جامعه، من حديث حذيفة مرفوعًا: [تكون دعاة على أبواب جهنم، مَنْ أجابهم إليها قذفوه فيها. فقلت: يا رسول الله! صِفْهم لنا، قال: نَعَمْ، هُمْ قومٌ مِنْ جِلْدَتِنا، ويتكلَّمون بألسنتنا. قلت: يا رسول الله! فما ترى إن أدركني ذلك؟ قال: تلزَمُ جماعة المسلمين وإمامهم. فقلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تِلكَ الفِرَق كُلَّها، ولو أن تَعَضَّ على أصلِ شجرة، حتى يدرككَ الموتُ، وأنت على ذلك] (٢). الحديث الثالث: أخرج ابن ماجه بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﷺ قال: [كيف بكم وَبِزَمانٍ يوشِكُ أن يأتيَ، يُغَرْبَلُ الناسُ فيه غَرْبَلَةً، وتَبْقَى حُثالةٌ مِنَ الناس، قَدْ مَرِجَتْ عُهودُهُمْ وأماناتُهم، فاختلفوا، وكانوا هكذا؟ (وشبَّك بين أصابعه) قالوا: كيف بنا يا رسول الله! إذا كان ذلك؟ قال: تأخذون بما تَعْرِفون. وتدعون ما تُنكرون. وتقبلون على خاصَّتِكم. وتذرون أمْرَ عَوَامِّكُمْ] (٣).

стр. 2621

١٧ - ١٨. قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧) وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (١٨)﴾. في هذه الآيات: تَقَلُّبُ الشمسِ حول الكهف بأمر الله حفظًا على الفتية المؤمنين، فهم في نوم عميق وكلبهم باسط ذراعيه بالباب فلو أبصرتهم لوليت منهم وكنت من الهاربين. فعن ابن عباس: (﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾. يقول: تميل عن كهفهم يمينًا وشمالًا). وقال: (لو أن الشمس تطلق عليهم لأحرقتهم، ولو أنهم لا يقلبون لأكلتهم الأرض). وقال سعيد بن جبير: (﴿وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ﴾ تتركهم ذات الشمال). قال ابن جرير: (وإنما معنى الكلام: وترى الشمس إذا طلعت تعدل عن كهفهم، فتطلع عليه من ذات اليمين، لئلا تصيب الفتية، لأنها لو طلعت عليهم قبالهم لأحرقتهم وثيابهم، أو أشحبتهم. وإذا غربت تتركهم بذات الشمال، فلا تصيبهم). وهناك قراءتان مشهورتان لقوله: ﴿تَزَاوَرُ﴾. فهي بالتخفيف ﴿تَزَاور﴾ في قراءة الكوفيين، وهي بالتشديد ﴿تَزَّاور﴾ في قراءة قراء المدينة ومكة والبصرة. وهما متقاربتان في المعنى. قال ابن عباس: (تزاور: تميل). قال ابن كثير: (هذا فيه دليل على أن باب الكهف كان من نحو الشمال، لأن الله تعالى أخبر أن الشمس إذا دخلته عند طلوعها تَزْوَرّ محنه ﴿ذَاتَ الْيَمِينِ﴾، أي: يتقلّص الفيءُ يمنة. قال: وذلك أنها كلّما ارتفعت في الأفق تقلَّصَ شعاعُها بارتفاعها حتى لا يبقى منه شيء عند الزوال في مثل ذلك المكان. ولهذا قال: ﴿وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾، أي: تدخل إلى غارهم من شمال بابه، وهو من ناحية الشرق).

стр. 2622

وقوله: ﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾. قال سعيد بن جبير: (في مكان داخل). أي: هم في متسع منه داخلًا، بحيث لا يَمسّهم حر الشمس الذي لو أصابهم لأحرق ثيابهم وأجسامهم. وقوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾. قال النسفي: (أي ما صنعه الله بهم من ازورار الشمس وقرضها طالعة وغاربة آية من آيات الله). وقال ابن كثير: (﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾، حيث أرشدهم تعالى إلى هذا الغار الذي جعلهم فيه أحياء، والشمس والريح تدخل عليهم فيه لتبقى أبدانُهم). وقوله: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾. أي: من يهد الله إلى الحق فيوفقه لسلوك سبيله فهو المهتدي حقًا، شأن هؤلاء الفتية الذين أرشدهم سبحانه إلى طريق الهداية والنجاة من بين قومهم، ومن يضلل الله عن سبيله ممن أهملوا سبيل الحق والتماسه من الله تعالى بالرجاء والدعاء، فلن تجد له ناصرًا ومؤيدًا وهاديًا ومعينًا. وقوله: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾. قال القاسمي: (خطاب لكل أحد. أي: تظنهم، يا مخاطب، أيقاظًا لانفتاح أعينهم، وهم رقود مستغرقون في النوم، بحيث لا ينبههم الصوت). وقوله: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾. أي: نقلبهم أثناء نومهم مرة للجنب الأيمن، ومرة للجنب الأيسر. قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: (لو أنهم لا يقلَّبون لأكلتهم الأرض). وقوله: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾. قال ابن هشام: (الوصيد الباب). قال القرطبي: (والوصيد أيضًا الفناء). وعن ابن عباس: (﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ قال: بالباب، وقالوا بالفناء). وقوله: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾. أي: لو نظر إليهم أحد وهم في أثناء رقدتهم لولّى هاربًا من هيبة المنظر، ولاعتراه من الذعر والرعب الكثير، لما ألبسوا من الحال المهيب لئلا يدنو منهم أحد ولا تمسهم يد لامس، حتى يقضي الله بحكمته أجلًا ضربه لذلك.

стр. 2623

١٩ - ٢٠. قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠)﴾. في هذه الآيات: إيقاظُ الله أهل الكهف ليسأل بعضهم بعضًا عما صُنِع بهم ويستدلوا بذلك على قدرة ربهم فيشكروه على ما أنعم عليهم. وإرسالُ الفتية أحدهم ببعض الفضة والدراهم التي كانت معهم إلى مدينتهم التي خرجوا منها ليتخيّر لهم من الطعام الطيب الحلال، مع الوصية له بأخذ الحذر والتلطف عند الدخول والخروج لئلا يفطق الطغاة إلى أمرهم فينالوا منهم. فقوله: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾. قال النسفي: (أي: وكما أنمناهم تلك النومة كذلك أيقظناهم إظهارًا للقدرة على الإنامة والبعث جميعًا ﴿لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ ليسأل بعضهم بعضًا ويتعرفوا حالهم وما صنع الله بهم فيعتبروا ويستدلوا على عظم قدرة الله ويزدادوا يقينًا ويشكروا ما أنعم الله به عليهم). وقوله: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾. أي: كم مدة ما رقدتم، وهذا يدل على عدم استنكارهم لهيئاتهم وأحوالهم وأبشارهم وأشعارهم وصحة أبدانهم. وقوله: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ - إجابة منهم عما هو طبيعي في حياة الناس عند الرقود. قال المهايمي: (فمن نظر إلى أنهم دخلوا غدوة وانتبهوا عشية، ظن أنهم لبثوا يومًا، ومن نظر إلى أنه قد بقيمت من النهار بقية، ظن أنهم لبثوا بعض يوم). وقوله: ﴿قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾. قال القاسمي: (إنكار عليهم من بعضهم، وأن الله أعلم بمدة لبثهم. كأن هؤلاء قد علموا بالأدلة، أو بإلهام من الله، أن المدة متطاولة، وأن مقدارها مبهم، فأحالوا تعيينها على ربهم). وقوله: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا

стр. 2624

فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾. أي: فأرسلوا واحدًا منكم ببعض ما استصحبتم من الفضة والدراهم إلى مدينتكم التي خرجتم منها، ليتخيَّر لكم من الطعام الطيب الحلال فيأتيكم به لتطعموه وتسدوا به الجوع بعد النوم. وقوله: ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾. قال ابن جرير: (يقول: وليترفق في شرائه ما يشتري، وفي طريقه ودخوله المدينة. يقول: ولا يعلمن بكم أحدًا من الناس). وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾. سنة عظيمة بين أهل الحق والباطل، فإن الباطل يتبعه الطغاة والمتكبرون، وهم يرون في أهل الحق والصدق خصومهم، فيهمّون بهم بكل وسيلة ليثنوهم عما هم فيه من التمسك بالحق وتعظيم الله وحده لا شريك له، فإن تابعوهم على مرادهم فلا فلاح لهم في الدنيا والآخرة. قال ابن جريج: (﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ﴾ قال: يشتموكم بالقول، يؤذوكم). وقال الزجاج: (﴿يَرْجُمُوكُمْ﴾ معناه بالحجارة، وهو أخبث القتل) - وهذا المعنى أقوى وأرجح، لوجود العزم على قتلهم من قبل. قال القرطبي: (والرجم فيما سلف هي كانت على ما ذكر قبله عقوبة مخالفة دين الناس إذ هي أشفى لجملة أهل ذلك الدِّين من حيث إنهم يشتركون فيها). قلت: وهذه الآية الكريمة تشكل منهجًا في الحذر والتهيؤ للتصدي لمحاولات أهل الباطل، فإن أهل الحق أهل ذكاء وفطنة، أهل وعي وحنكة، يفهمون الواقع الذي يعيشون فيه، ويدركون طبيعة الأعداء وما يخططون، وليسوا بالسذج ولا البسطاء الذين يسهل الضحك عليهم، أو يكون من السهل خداعهم. وفي التنزيل: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾. قالى القرطبي: (هذا وصاة بالحذر. . . لئلا ينال العدو أمله ويدرك فرصته). ومنه قول عمر ﵁: (لست بالخِبِّ ولا الخِبُّ يخدعني). فدعا الإسلام العظيم إلى الحذر والدقة ومنع الطيش والغباء، وأخرج رجالًا هم مثال البشرية في الدقة والعلم والإتقان.

стр. 2625

أخرج البيهقي بسند حسن عن كليب، عن النبي ﷺ قال: [إن الله يحب من العامل إذا عمل أن يُحْسِن] (١). ورواه من طريق عائشة بلفظ: [إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه]. وله شاهد عن ابن سعد في الطبقات بلفظ: [وإن العبد إذا عمل عملًا أحب الله أن يتقنه]. ٢١ - ٢٤. قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١) سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٢٢) وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (٢٤)﴾. في هذه الآيات: إخبارُ الله تعالى عن كشفه خبر أهل الكهف ليعلم من كذب بهذا الحديث أنَّ وعد الله حق والساعة آتية لا ريب فيها، وإعلامُه تعالى عن اتخاذ أهل النفوذ عليهم مسجدًا، وتنازع القوم في عددهم دون جدوى. وتنبيه الله العباد إلى ذكره وربط الأمور بمشيئته تعالى، فإنه لا يكون أمر إلا بإرادته وقضائه . فعن قتادة: (﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ يقول: أطلعنا عليهم ليعلم من كذب بهذا الحديث، أن وعد الله حق، وأن الساعة لا ريب فيها). وقوله: ﴿لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ - ردٌّ على من أنكر البعث

стр. 2626

وأمر القيامة من أهل ذلك الزمان. قال عكرمة: (كان منهم طائفة قد قالوا: تُبْعَثُ الأرواح ولا تُبْعث الأجساد). وقوله: ﴿إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾ - يعني: الذين أعثروا على الفتية في تنازعهم في أمر القيامة. قال ابن كثير: (فمن مُثْبت لها ومِنْ مُنْكر، فجعل الله ظهورَهم على أصحاب الكهف حُجَّة لهم وعليهم). وقوله: ﴿فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾. أي: سُدّوا عليهم باب كهفهم الذي هم فيه، وذروهم على حالهم. قيل: لما استغرب الرجل الذي أرسلوه ليشتري لهم طعامًا تغير الأحوال، عمد إلى رجلٍ ممن يبيع الطعام فأنكر ضرْب تلك النقود، فدفعها إلى جاره، وجعلوا يتداولونها، حتى حملوه إلى ولي الأمر، فلما أرشدهم إلى الكهف دخل وأخفى الله أمرهم، وقيل بل سلّم عليهم الملك وفطن أمرهم وكان مسلمًا، ثم ودَّعوه وسلموا عليه وعادوا إلى مضاجعهم وتوفاهم الله ، والله أعلم بحقيقة ذلك. فهنالك قال أصحاب الكلمة والنفوذ فيهم كما حكى الله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾. قال النسفي: (يصلي فيه المسلمون، ويتبركون بمكانهم). قلت: وليس في الذي صنعوه حجة على دفن الصالحين في المساجد أو اتخاذ القبور فيها أو بناء المساجد عليها. فإن ذلك لم يكن تصرف أهل العلم في ذلك الزمان بل أهل النفوذ، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن شريعتنا ناسخة لما قبلها. وقد جاءت رسالة النبي ﷺ بالوعيد الشديد على من فعل ذلك. ففي التنزيل: قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨]. وفي صحيح السنة المطهرة في الترهيب من ذلك أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن عائشة قالت: [لما نُزِلَ برسول الله ﷺ طفِقَ يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتمَّ بها كشفها فقال: - وهو كذلك - لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذِّر ما صنعوا، ولولا ذلك أُبرِزَ قبره، غير أنه خَشِيَ أن يُتَّخَذَ مسجدًا] (١).

стр. 2627

الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند صحيح، عن أبي عبيدة قال: [كانَ آخِرُ ما تكلمَ به أن قال: قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجدَ، لا يبقَيَنَّ دينان بأرض العرب] (١). الحديث الثالث: أخرج الإمام مالك في الموطأ، والإمام أحمد في المسند، عن أبي هريرة مرفوعًا: [اللهم لا تجعل قبري وثنًا، لعن الله قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد] (٢). هذا لفظ أحمد. ولفظ مالك: [اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد]. وقوله: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾. إخبار من الله تعالى عن اختلاف الناس في عِدّة أهل الكهف على ثلاثة أقوال. ويبدو من إشارة الآية ضعف القولين الأولين. قال قتادة: (﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾: أي قذفًا بالغيب). أو قال: (قذفًا بالظن). والمراد محاولة للقول بلا علم قد يصيب وقد يخطئ. وأما القول الثالث: ﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ فقد جاء الأثر عن ابن عباس في قوله: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ قال: (أنا من القليل الذي استثنى الله ، كانوا سبعة) - وفي روايات ذلك أسانيد صحيحة إلى ابن عباس. وإنما الأحسن من كل هذا ما أرشد الله تعالى إليه بقوله: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ إذ العبرة بمعاني القصة ومنهاجها لا بِعدّة أصحابها وأسمائهم وصفاتهم. وعن ابن زيد: (﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ﴾ قال: لا تمار في عدتهم). وعن مجاهد: (﴿إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾: أي حسبك ما قصصنا عليك من شأنهم، ﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ من يهود، قال: ولا تسأل يهود عن أمر أصحاب الكهف، إلا ما قد أخبرتك من أمرهم). وعن ابن عباس: (﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ قال: هم أهل الكتاب). وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾.

стр. 2628

إرشادٌ من الله سبحانه لرسوله ﷺ وأمته من باب الأولى - الأدب فيما يُعزم عليه من الفعل في المستقبل، وذلك برد المشيئة دومًا إلى علام الغيوب ﵎. قال القرطبي: (فإنه إذا قال: لأفعلن ذلك ولم يفعل كان كاذبًا، وإذا قال: لأفعلن ذلك إن شاء الله خرج عن أن يكون محقّقًا للمخبر عنه). وفي الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعًا: [قال سليمانُ بن داودَ ﵉: لأطوفَنَّ الليلة بمئة امرأة، تَلِدُ كُلُّ امرأة غلامًا يقاتل في سبيل الله. فقال له المَلَكُ: قُلْ: إنْ شاءَ الله، فلم يقل ونسِيَ، فأطافَ بِهنَّ، ولم تَلِدْ مِنْهُنَّ إلا امرأةٌ نِصْفَ إنسان. قال النبي ﷺ : لو قال إنْ شاءَ الله، لمْ يحنَثْ، وكانَ أرْجَى لحاجته] (١). وفي لفظ مسلم: [فلم تحمِلْ منهن إلا امرأة واحدة، فجاءت بشق رجل، وَايْمُ الذي نفس محمد بيده! لو قال: إن شاء الله، لجاهدوا في سبيل الله فُرْسَانًا أجمعون]. وفي لفظ آخر: [فقال رسول الله ﷺ : لو كان استثنى، لولدت كُلُّ واحدةٍ منهن غلامًا فارسًا، يُقاتِل في سبيل الله]. وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن ابن عمر، يبلغ به النبي ﷺ ، قال: [مَنْ حَلَفَ على يمينٍ، فقال: إن شاء الله فقد استثنى] (٢). وله شاهد عنده عنه قال: قال رسول الله ﷺ : [مَنْ حَلَفَ فاستثنى، فإن شاء رَجَعَ، وإن شاء ترك غيرَ حِنْثٍ]. وقوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ - أمر بالذكر بعد النسيان. قال الحسن: (إذا ذكر أنه لم يقل: إن شاء الله، فليقل: إن شاء الله). وقال عكرمة: (اذكر ربك إذا عصيت). قلت: فإن صح تفسير الحسن فهو خاص بالنبي ﷺ ، وإلا فالاستثناء المفيد لا يصح إلا متصلًا في مجلس الذكر. والأولى حمل الآية على ذكر الله تعالى الذي يطرد الشيطان، وذلك أن منشأ النسيان من الشيطان، كما في التنزيل: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا

стр. 2629

الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾. ومن ثم فالخطاب يعمّ جميع الأمة. وفي الحديث: [إذا نسيَ أحدُكم اسمَ الله على طعامه فليقل إذا ذكر: باسم الله أولَه وآخره] (١). وقوله: ﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾. قال ابن كثير: (أي: إذا سُئلت عن شيء لا تعلمه، فاسأل الله تعالى فيه، وتوجَّه إليه في أن يوفقك للصواب والرشد في ذلك. وقيل غير ذلك في تفسيره، والله أعلم). ٢٥ - ٢٦. قوله تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾. في هذه الآيات: إخبارُ الله تعالى عن لبث أهل الكهف في كهفهم ثلاث مئة وتسع سنين، وأنه تعالى الأعلم بذلك والأبصر بكل موجود والأسمع لكل مسموع، ولا يخفى عليه شيء، وأنّه الحكم لا يشاركه أحد في قضائه وحكمه . فقوله تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾. قال النسفي: (الجمهور على أن هذا إخبار من الله أنهم لبثوا في كهفهم كذا مدة). وفي الآية إشارة إلى تفاوت ما بين السنين الشمسية والسنين الهلالية، فإن الفرق بين كل مئة سنة بالقمرية إلى الشمسية هو ثلاث سنين. ومن ثمّ فقوله: ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ تفصيل ثلاث مئة سنة بالشمسية أنها ثلاث مئة سنة وتسع سنين بالهلالية، والله تعالى أعلم. وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. أي: لا يعلم مدة لبث أصحاب الكهف في كهفهم إلا الله علام الغيوب، فسلموا له علم ما غاب عنكم ولا تخوضوا به دون علم، ولا تتكلفوا علم ما لا يفيدكم. وقوله: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ - مبالغة في المدح. قال قتادة: (﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ فلا أحد أبصر من الله ولا أسمع، تبارك

стр. 2630

وتعالى). وقال ابن زيدة (يرى أعمالهم، ويسمع ذلك منهم سميعًا بصيرًا). قال القاسمي: (أي ما أبصره لكل موجود! وأسمعه لكل مسموع، لا يخفى عليه شيء ولا يحجب بصره وسمعه شيء). وقوله: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾. قال ابن جرير: (يقول جلّ ثناؤه: مَا لِخَلْقِهِ دون ربهم الذي خلقهم ولي، يلي أمرهم وتدبيرهم، وصرفهم فيما هم فيه مُصَرَّفون، ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ يقول: ولا يجعل الله في قضائه، وحكمه في خلقه أحدًا سواه شريكًا، بل هو المنفرد بالحكم والقضاء فيهم، وتدبيرهم وتصريفهم فيما شاء وأحبّ). ٢٧ - ٢٨. قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٧) وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾. في هذه الآيات: أمْرُ الله تعالى رسوله ﷺ بتلاوة كتابه وإحكام الصلة به، فإنه لا مُغَيِّر لما أوعد بكلماته، ولا ملجأ منه إلا إليه. وكذلك أَمْرُه بالصبر في الحياة مع المؤمنين المستضعفين الذين يرجون رحمته تعالى ويخشون عذابه، وعدم الافتتان بأهل الزينة والمتاع ممن اتبع هواه وكان أمره باطلًا. فقوله: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ﴾ - أَمْرٌ من الله تعالى رسولَه ﷺ بتلاوة كتابه الكريم وزيادة الصلة به لإبلاغه إلى الناس. وقوله: ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ - قال ابن جرير: (يقول: لا مغير لما أوعد بكلماته التي أنزلها عليك أهل معاصيه، والعاملين بخلاف هذا الكتاب الذي أوحيناه إليك). وقال ابن كثير: (﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾، أي: غير مُغَيِّر لها ولا محرف ولا مؤوّل). وقوله: ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾. قال مجاهد: (ملجأ). وقال قتادة: (موئلًا). وقال ابن زيد: (لا يجدون ملتحدًا يلتحدونه، ولا يجدون من دونه ملجأ ولا أحدًا يمنعهم). وأصل الملتحد من اللحد، يقال: لحدت إلى كذا، إذا ملت إليه. ومنه اللحد يكون في القبر.
следующие страницы →