مُنَاشدةً لله في استيفاء الحق، من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار يقولون: رَبَّنا كانوا يصومون معنا وَيُصَلُّون ويَحُجُّون، فيقال لهم: أخرجوا مَنْ عَرَفْتُمْ -فَتُحَرَّمُ صُوَرُهم على النار- فَيُخرجونَ خَلْقًا كثيرًا قَدْ أَخذتِ النارُ إلى نِصْفِ ساقيه وإلى رُكبَتَيْه. ثم يقولون: ربَّنا! ما بقَيِ فيها أحدٌ مِمَّنْ أَمَرْتنا به. فيقول: ارجِعوا، فَمَنْ وَجَدْتُم في قلبه مثقالَ دينارٍ مِنْ خيْرٍ فأخرِجوه، فَيُخْرِجون خَلْقًا كثيرًا، ثم يقولون: رَبَّنا! لم نَذرْ فيها أحدًا مِمَّنْ أمَرْتَنا به. ثم يقول: ارجعوا، فَمَنْ وَجَدتُمْ في قلبه مِثْقَالَ نصفِ دينارٍ مِنْ خير فَأَخْرِجوه، فَيُخرجونَ خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: رَبَّنا! لمْ نَذَرْ فيها مِمَّنْ أمَرْتنا أحدًا، ثم يقول: ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال ذَرَّةٍ من خيرٍ فأخرجوه، فيخرجون خَلْقًا كثيرًا، ثم يقولون: رَبَّنا لم نَذَرْ فيها خيرًا. فيقول الله تعالى: شَفَعَت الملائكةُ وشَفَعَ النبيونَ وشفعَ المؤمنون، ولم يَبْقَ إلا أرحَمُ الراحمين، فَيَقْبضُ قَبْضَةً من النار فَيُخرجُ منها قومًا لم يعملِوا خيرًا قطُّ، قد عادوا حُمَمًا فَيُلْقِيهم في نَهْرٍ في أفواهِ الجنة يقال له نَهْرُ الحياة، فيَخْرجُونَ كما تخْرُجُ الحبَّةُ في حميل السَّيل .......... ] الحديث (١).
وقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾.
قال قتادة: (﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ من أمر الساعة ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ من أمر الدنيا).
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: يعلم ربك يا محمد ما بين أيدي هؤلاء الذين يتبعون الداعي من أمر القيامة، وما الذي يصيرون إليه من الثواب والعقاب ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ يقول: ويعلم أمر ما خلفوه وراءهم من أمر الدنيا).
وقال النسفي: (﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ أي بما أحاط به علم الله). أي لا يحيط الخلق بربهم علمًا، بل الله تعالى قد أحاط بكل شؤون خلقه علمًا.
وقوله تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾. قال ابن عباس: (يقول: ذلت).
وقال مجاهد: (خشعت). وقال ابن زيد: (استأسرت الوجوه للحي القيوم. صاروا أسارى كلهم له. قال: والعاني: الأسير).
والمقصود: خضعت الوجوه يومئذ وذلت، فاستسلمت الخلائق جميعها لجبّارها
стр. 2802
الحيّ: الذي لا يموت، القيوم: الذي لا ينام، الذي هو قيِّم على كل شيء بالحفظ والتدبير ولا قِوام لشيء إلا به.
وقوله: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾. قال قتادة: (من حمل شركًا). وقال ابن زيد: (الظلم هاهنا: الشرك).
قلت: بل الظلم يشمل عند الإطلاق الشرك والمعاصي وأكل الحقوق والبغي، ومن ثمَّ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، يصيب صاحبه من الخيبة يومئذ حسب مظلمته.
ففي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [الحج: ٧١].
٢ - وقال تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨].
وفي صحيح السنة المطهرة في التخويف من الظلم أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن جابر، أن رسول الله ﷺ قال: [اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلماتٌ يوم القيامة، واتقوا الشّح فإن الشّحَ أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم] (١).
الحديث الثاني: خَرّجَ مسلم - كذلك - في الصحيح عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: [لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يُقادَ للشاة الجَلْحَاء - التي لا قرن لها - من الشاة القرناء] (٢).
الحديث الثالث: أخرج البخاري عن أبي هريرة: أن رسولَ الله ﷺ قال: [مَن كانت عِنْدَه مظْلَمَةٌ لأخيه فليتحَلَّلْهُ مِنْها، فإنه ليس ثَمَّ دينارٌ ولا دِرْهَمٌ مِنْ قَبْلِ أن يُؤْخَذَ لأخيه من حَسناتِه، فإن لم يكنْ له حسناتٌ أُخِذَ من سيئاتِ أخيه فطُرِحت عليه] (٣).
وفي لفظ: [من كانت له مظلمةٌ لأخيه مِنْ عِرْضِهِ أو شيءٍ فليتحلَّلْهُ منه اليوم قبل أن لا يكون دينارٌ ولا درهم، إنْ كان له عملٌ صالح أُخِذَ منه بقدْرِ مَظْلَمتِهِ، وإنْ لم يكن له حسناتٌ أُخِذَ من سيئات صاحبه فَحُمِلَ عليه].
стр. 2803
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾.
أي: ومن يكن في حياته الدنيا على منهج الإيمان والعمل الصالح فإنه يأتي يوم القيامة آمنًا لا يظلم من عمله شيئًا ولا ينقص من حق عمله.
والآية هي الصورة المقابلة للصورة السابقة صورة الظالمين، فإنه تعالى بعد أن ذَكَرَ حالهم ثنّى بذكر المتقين ومآلهم.
قال قتادة: (﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ وإنما يقبل الله من العمل ما كان في إيمان). وعن ابن عباس: (﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ قال: لا يخاف ابن آدم يوم القيامة أن يظلم، فيزاد عليه في سيئاته، ولا يظلم فيهضم في حسناته).
وعن حبيب بن أبي ثابت قال: (الهضم: الانتقاص). قال قتادة: (﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ قال: لا يخاف أن يظلم، فلا يجزى بعمله، ولا يخاف أن ينتقص من حقه، فلا يوفى عمله).
وقال الحسن: (لا ينتقص الله من حسناته شيئًا، ولا يحمل عليه ذنب مسيء. وأصل الهضم: النقص).
١١٣ - ١١٤. قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (١١٣) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾.
في هذه الآيات: ثناءُ الله على هذا القرآن العربي المبين، الذي قد فُصِّل فيه الوعد والوعيد فهو ذكرى للذاكرين، فتقدّس الله الملك الحق العليم الحكيم. وأمْرُ الله نبيّه الإنصات لجبريل عند تلاوته القرآن، ثم ليقبل عليه بالحفظ ورجاء الله زيادته في العلم والإيمان.
فقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾. أي بلسان عربي مبين فصيح، وهو لسانكم أيها العرب. قال القرطبي: (أي كما بيّنا لك في هذه السورة من البيان، فكذلك جعلناه ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ أي بلغة العرب).
وقوله: ﴿وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ﴾. أي خوفناهم فيه بضروب من الوعيد. قال
стр. 2804
القاسمي: (أي بعبارات شتى، تصريحًا وتلويحًا، وضروب أمثال، وإقامة براهين).
وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. قال قتادة: (ما حُذّروا به من أمر الله وعقابه، ووقائعه بالأمم قبلهم).
وقوله: ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾. أي موعظة وتذكرًا، أو مقامًا وشرفًا. قال قتادة: (﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ قال: جِدًا وورعًا. وقد قال بعضهم - معناه -: أو يحدث لهم شرفًا بإيمانهم به).
وقوله: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾. أي تناهى سبحانه في العلو والعظمة، وتنزه وتقدس.
قال ابن كثير: (أي: تَنزَّهَ وتقدَّسَ الملكُ الحق، الذي هو حَقٌّ، ووعده حقٌّ، ووعيده حقٌّ، ورسُله حقٌّ، والجنة حقٌّ، والنار حقٌّ، وكل شيء منه حقٌّ. وعدله تعالى ألا يُعَذَّبَ أحدًا قبل الإنذار وبعثة الرسل والإعذار إلى خَلْقِه، لئلا يبقى لأحدٍ حُجَّةٌ ولا شبهة).
وقوله: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾.
أي: بل أنصت - يا محمد - لجبريل وهو يتلوه عليك، فإذا فرغ الملك من قراءته فاقرأه بعده.
والآية كقوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٦ - ١٩].
قال القاسمي: (وقد كان رسول الله ﷺ إذا لَقَّنَهُ جبريل الوحيَ، يتبعه عند تلفط كل حرف وكل كلمة، لكمال اعتنائه بالتلقي والحفظ. فأرشد إلى أن لا يساوقه في قراءته، وأن يتأنَّى عليه ريثما يسمعه ويفهمه. ثم ليقبل عليه بالحفظ بعد ذلك).
قلت: بل ضمن الله تعالى له حفظه في صدره بقوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧]. أي نحن سنجمعه لك في صدرك لئلا تنشغل بعناء حفظه عن مهام الدعوة والجهاد، وإنما تقرأه على الناس من غير أن تنسى منه شيئًا.
فقد أخرج البخاري في صحيحه عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما
стр. 2805
قال: [كانَ النبي ﷺ إذا نزل عليه الوحيُ حَرَّك به لسانَه يريد أن يَحفَظهُ، فأنزل الله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦]] (١).
وفي الباب بعده قال البخاري: حدثنا عُبَيدُ الله بنُ موسى عن إسرائيلَ، عن موسى بن أبي عائشة: أنه سأل سعيد بن جبير عن قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ قال: وقال ابن عباس: [كان يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ إذا أُنزلَ عليه، فقيل له: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ - يخشى أنْ يَتَفَلَّتَ منهُ - ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾: أن نَجْمَعَهُ في صدرك ﴿وَقُرْآنَهُ﴾ أَنْ تَقْرَأَه، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ يقول: أُنزل عليه ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ أن نُبَيّنَهُ على لسانك] (٢).
وفي رواية قال: [فكان إذا أتاهُ جبريلُ أطْرَقَ، فإذا ذَهَبَ قرأَهُ كما وَعَدَهُ الله]. وقوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾. أي رب زدني علمًا إلى ما علمتني. قال ابن عيينة: (ولم يزل ﷺ في زيادة العلم حتى توفاه الله .
وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك: [أَنَّ الله تَابعَ الوَحْيَ على رسول الله ﷺ قبل وفاته، حتى تُوُفِّيَ، وأكثَرُ ما كان الوحيُ يومَ توفي رسول الله ﷺ ] (٣).
١١٥ - ١٢٢. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى (١١٦) فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧) إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠) فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾.
في هذه الآيات: عهدُالله تعالى إلى آدم ونسيانه، وأمره تعالى الملائكة السجود لآدم
стр. 2806
وجحود إبليس، وتحذير الله آدم وزوجته عداوته، ووسوسة الرجيم لهما حتى أكلا من الشجرة وبدت سوآَتهما، والتماس آدم التوبة من ربه حتى تاب عليه وهدى.
فقوله: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾. قال مجاهد: (ترك أمر ربّه).
وعن ابن عباس قال: (إنما سُمَّيَ الإنسان لأنه عُهِدَ إليه فنسي).
والمقصود: لقد وصينا آدم من قبل وجود هؤلاء أن لا يقرب الشجرة فخالف إلى ما نُهِيَ عنه. وهكذا النسيان في ذرية آدم وحدوث الغفلة، فأساس أمر بني آدم قائم على ذلك. وإنما خير الخطائين التوابون.
وقوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾. قال قتادة: (صبرًا). وقال عطية: (حفظًا لما أمرته به).
وقال ابن زيد: ) العزم: المحافظة على ما أمره الله ﵎ بحفظه، والتمسك به).
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى﴾.
أي امتنع واستكبر. وكان ذلك الأمر من الله لملائكته بالسجود لآدم تشريفًا له وتكريمًا - كما مضى في سورة البقرة -. وإنما اعتز إبليس بخلقة النار، واستوهن خلق الصلصال، واعترته الحمية، وغلبت عليه الشقوة.
وقوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾.
قال الحسن: (﴿فَتَشْقَى﴾ شقاء الدنيا، لا يُرى ابن آدم إلا ناصبًا).
أي: هذا الشيطان - يا آدم - عدو لك ولزوجك حواء ﵉ حيث لم يسجد لك ولم ير فضلك، وأظهر لك العداوة والحسد، فلا يكون سببًا لإخراجكما من الجنة.
قال النسفي: (﴿فَتَشْقَى﴾ فتتعب في طلب القوت، ولم يقل فتشقيا مراعاة لرؤوس الآي، أو دخلت تبعًا، أو لأن الرجل هو الكافل لنفقة المرأة). وقال القرطبي: (وإنّما خصّه بذكر الشقاء ولم يقل فتشقيان: يعلمنا أن نفقة الزوجة على الزوج، فمن يومئذ جرت نفقة النساء على الأزواج).
стр. 2807
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾.
أي: إن لك في الجنة: الكسوة والطعام والشراب والمسكن، فاحذر من التفريط في ذلك.
وعن ابن عباس: (﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ يقول: لا يصيبك فيها عطش ولا حرّ). أو قال: (يقول: لا يصيبك حرّ ولا أذى). وقال سعيد بن جبير: (لا تصيبك الشمس). قال القرطبي: (أعلمنا في هذه الآية: أن النفقة التي تجب للمرأة على زوجها هذه الأربعة: الطعام والشراب والكسوة والمسكن، فإذا أعطاها هذه الأربعة فقد خرج إليها من نفقتها، فإن تفضل بعد ذلك فهو مأجور، فأما هذه الأربعة فلا بد لها منها، لأن بها إقامة المهجة).
وقوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾.
قال قتادة: (يقول: فألقى إلى آدم الشيطان وحدّثه. يقول: قال له: هل أدلك على شجرة إن أكلت منها خلدت فلم تمت، وملكت ملكًا لا ينقضي فيبلى).
وقوله: ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾.
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: فأكل آدم وحوّاء من الشجرة التي نُهيا عن الأكل منها، وأطاعا أمر إبليس، وخالفا أمر ربهما ﴿فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ يقول: فانكشفت لهما عوراتهما، وكانت مستورة عن أعينهما).
قلت: وفي الآية دليل أن موافقة إبليس تفضي إلى ظهور العورة والعيوب، وكشف الستر والفضيحة، وما فيه أذى على النفوس وفي واقع الحياة.
وقوله: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾. أي أقبلا يغطيان عليهما من ورق شجر الجنة. قال قتادة: (يقول: يوصلان عليهما من ورق الجنة).
وقوله: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾. أي: ففسد عليه عيشه بنزوله إلى الدنيا. وقيل معناه: جهل موضع رشده، وسلامة أمنه واستقراره. والغيّ الجهل.
أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [حاجَّ موسى آدم فقال له: أنتَ الذي أخْرَجْتَ الناسَ من الجنة بذنبكَ فأشقيتَهُم؟ قال آدمُ: يا موسى أنت
стр. 2808
الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، أتلومني على أمْرٍ كتبه الله عليَّ قبلَ أن يَخْلُقني؟ أوْ قَدَّرَهُ عليَّ قبل أن يخلقني؟ قال رسول الله ﷺ : فَحجَّ آدم موسى] (١).
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [احتجَّ آدم وموسى ﵉ عند رَبِّهما، فحَجَّ آدمُ موسى، قال موسى: أنت آدمُ الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكتَهُ، وأسْكَنَكَ في جنَّتهِ، ثم أهْبَطْتَ الناس بخطيئتكَ إلى الأرض؟ قال آدم ﵇: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه، وأعطاكَ الألواح فيها تِبْيانُ كل شيءً، وقَرَّبَكَ نَجِيًّا، فبكم وجدتَ الله كتبَ التوراةَ قبِل أن أُخْلَقَ؟ قال موسى: بأربعين عامًا. قال آدم: فهل وجدت فيها: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾. قال: نعم. قال: أفتلومني علًى أن عملتُ عملًا كتبهُ الله على أن أعْمَلَهُ، قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ قال رسول الله ﷺ : فحَجَّ آدمُ موسى] (٢).
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾.
قال ابن جرير: (يقول: اصطفاه ربه من بعد معصيته إياه فرزقه الرجوع إلى ما يرضى عنه، والعمل بطاعته، وذلك هو كانت توبته التي تابها عليه. وقوله ﴿وَهَدَى﴾ يقول: وهداه للتوبة، فوفَّقَهُ لها).
١٢٣ - ١٢٦. قوله تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾.
في هذه الآيات: هبوط آدم وحواء وإبليس إلى الأرض بأمر الله، وإرسال الله الرسل والأنبياء للبيان والهدى، وضمانه تعالى للمؤمنين السعادة في الدارين، وللمعرضين عن هديه وذكره الشقاء في الدارين.
стр. 2809
فقوله: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾.
هو كقوله تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٣٨]، . يعني آدم وحواء وإبليس.
قال ابن كثير: (﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾، قال: آدم وذرَّيته، وإبليس وذريته).
وقوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾. قال أبو العالية: (الأنبياء والرسل والبيان).
وقال القرطبي: (يعني الرسل).
وقوله: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾. قال ابن عباس: (لا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة). وقال ابن عباس: (ضمن الله تعالى لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه، ألا يضلّ في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة، وتلا الآية). وعنه قال: (من قرأ القرأن واتبع ما فيه هداه الله من الضلالة، ووقاه يوم القيامة سوء الحساب، ثم تلا الآية).
وقوله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾.
قال ابن عباس: (يقول: الشقاء). وقال مجاهد: (﴿ضَنْكًا﴾: ضيقة). وقال قتادة: (الضنك: الضيق). قال ابن كثير: (قوله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾، أي: خالَف أمري وما أنزلته على رسولي، أَعْرَضَ عنه وتناساه وأخذ من غير هداه، ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾، أي في الدنيا، فلا طمأنينة له، ولا انشراحَ لصدره، بل صَدْرُهُ ضَيّقٌ حَرجٌ لضلاله، وإن تَنَعَّمَ ظاهره، ولبس ما شاء، وأكل ما شاء، وسكن حيث شاء، فإن قلبه ما لم يخلُص إلى اليقين والهدى، فهو في قلقٍ وحيرة وشك. فلا يزال في ريبة يتردَّد، فهذا من ضَنْكِ المعيشة). وبعض المفسرين ذهب إلى أن المعيشة الضنك في عذاب القبر، وجعلوا هذه الآية أحَد الأدلة على عذاب القبو. قلت: والآية تعمّ في عمومها شقاء الدنيا وحياة البرزخ.
وقوله: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾. قال مجاهد: (يحشر أعمى البصر). وقال أبو صالح: ليس له حجة). قال ابن جرير: (والصواب من القول في ذلك ما قال الله تعالى ذكره، وهو أن يحشر أعمى عن الحجة ورؤية الشيء كما أخبر جلّ ثناؤه، فعمّ ولم يخصص) (١).
стр. 2810
وفي التنزيل نحو ذلك: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧].
وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾.
قال القرطبي: (بأي ذنب عاقبتني بالعمى. ﴿وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ أي في الدنيا، وكأنه يظن أنه لا ذنب له).
وقوله تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾.
قال قتادة: (نسي من الخير، ولم ينس من الشر). وقال مجاهد: (وكذلك اليوم تترك في النار). والمقصود مقابلة الجزاء للعمل، فإن تناسي آيات الله وحججه وأوامره في الدنيا يقابله يوم القيامة تناسي صاحبه في عذاب جهنم.
أخرج الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة، وعن أبي سعيد قالا: قال رسول الله ﷺ : [يُؤتى العبد يوم القيامة فيقول له: ألمْ أجعلْ لك سمعًا وبصرًا ومالًا وولدًا وسَخَّرْت لك الأنعام والحرثَ، وتركتك تَرْأَسُ وتَرْبَعُ فكنتَ تَظُنُّ أنَّكَ ملاقِيَّ يَوْمَكَ هذا؟ فيقول: لا. فيقول له: اليومَ أنساك كما نسيتني] (١).
قال أبو عيسى: (ومعنى قوله: "اليوم أنساك كما نسيتني": اليوم أتركك في العذاب، وكذا فسَّر بعض أهل العلم هذه الآية: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٥١] قالوا: معناه: اليوم نتركهم في العذاب).
وأصله في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال ﷺ : [فيلقى العبدَ فيقول: أي فُلْ (٢)! ألم أكرِمْكَ وأُسَوِّدْك وأُزَوِّجْكَ وأسخِّر لك الخيلَ والإبل وأَذَرْكَ تَرْأَسُ وتَرْبَعُ؟ فيقول: بلى أي ربِّ، قال: فيقول: أَفَظَنَنْتَ أنَّك ملاقيَّ؟ فيقول: لا. فيقول: فإني أنساك كما نسيتني] (٣).
١٢٧ - ١٣٠. قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ
стр. 2811
الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (١٢٧) أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (١٢٨) وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (١٣٠)﴾.
في هذه الآيات: ترتيبُ الله المعيشة الضنك على الإعراض عن ذكره، ولعذاب الآخرة أشد ألمًا وأدوم زمانًا. وتنبيهه تعالى على حال الأمم التي زلزلها بآثامها لتكون عبرة وبيانًا. واستحقاق مشركي العرب العذاب لكن قد جعل الله لذلك أجلًا وزمانًا ومكانًا. وحثُّ الله نبيّه على الصبر والتسبيح قبل طلوع الشمس وقبل غروبها والأخذ من الليل والنهار قنوتًا وقيامًا.
فقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾. أي: من العذاب الضنك في الدنيا والبرزخ. قال ابن القيم في "الجواب الكافي": (وفسّرت المعيشة الضنك بعذاب القبر، ولا ريب أنه من المعيشة الضنك. والآية تتناول ما هو أعمّ منه، وإن كانت نكرة في سياق الإثبات، فإن عمومها من حشا المعنى. فإنه سبحانه رتّب المعيشة الضنك على الإعراض عن ذكره. فالمعرض عنه له من ضنك المعيشة بحسب إعراضه، وإن تنعم في الدنيا بأوصاف النعم، ففي قلبه من الوحشة والذل والحسرات التي تقطع القلوب، والأماني الباطلة والعذاب الحاضر ما فيه. وإنما تواريه عنه سكرات الشهوات والعشق وحب الدنيا والرياسة، إن لم ينضم إلى ذلك سكر الخمر. فسكر هذه الأمور أعظم من سكر الخمر. فإنه يفيق صاحبه، ويصحو. وسكو الهوى وحب الدنيا لا يصحو صاحبه إلا إذا سكر في عسكر الأموات. فالمعيشة الضنك لازمة لمن أعرض عن ذكر الله الذي أنزله على رسوله ﷺ في الدنيا وفي البرزخ ويوم المعاد. ولا تقرّ العين ولا يهدأ القلب ولا تطمئن النفس إلا بإلهها ومعبودها الذي هو حق، وكل معبود سواه باطل، فمن قرّت عينه بالله، قرّت به كلُّ عين. ومن لم تقر عينه بالله، تقطعت نفسه على الدنيا حسرات).
وفي التنزيل: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ [الرعد: ٣٤].
стр. 2812
وأخرج الطبراني في "الصغير" بسند صحيح عن البراء، عن النبي ﷺ قال: [ما اختلج عرق ولا عينٌ إلا بذنب، وما يدفع الله عنه أكثر] (١).
وقوله: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾. أي أشد ألمًا وأدوم زمانًا.
وقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾.
قال النسفي: (يريد أن قريشًا يمشون في مساكن عاد وثمود وقوم لوط ويعاينون آثار هلاكهم ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ لذوي العقول، إذا تفكروا علموا أن استئصالهم لكفرهم فلا يفعلون مثل ما فعلوا).
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦].
٢ - وقال تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ [العنكبوت: ٤٠].
٣ - وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (٢٦)﴾ [السجدة: ٢٦].
وخلاصة المعنى: أنَّ الأمة إذا عصت ربها وأصرّت على مخالفة أوامره سلّط الله عليها ألوان الذل والعذاب وهانت عليه، كما كان حال الأمم السالفة التي زلزلها الله بآثامها.
أخرج الطبراني والحاكم بسند صحيح عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: [إذا ظَهَرَ الزنا والرِّبا في قرية، فقد أحلوا بأنفسهم عذابَ الله] (٢).
وأخرج البيهقي في "شعب الإيمان"، وأبو نعيم في "الحلية" بسند صحيح عن عائشة مرفوعًا: [إذا ظهر السوء في الأرض أنزل الله بأسه بأهل الأرض، وإن
стр. 2813
كان فيهم صالحون، يصيبهم ما أصاب الناس، ثم يرجعون إلى رحمة الله] (١).
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾. بيان لحكمة تأخير عذابهم مع ما ورد من الإشارة في الآية السابقة لاستحقاقهم ذلك العذاب.
قال ابن كثير: (أي: لولا الكلمة السابقة من الله، وهو أنه لا يعذِّبُ أحدًا إلا بعد قيام الحجَّة عليه - والأجلُ المسمى الذي ضربه الله تعالى لهؤلاء المكذبين إلى مدّةٍ مُعَيَّنة - لجاءهم العذاب بغتة).
وقوله: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾.
أي: فاصبر - يا محمد - على تكذيب قومك واتهامهم لك بالسحر والجنون وكلام الشَّعر، وعظِّم ربك بالثناء عليه والتسبيح والحمد قبل طلوع الشمس - وذلك صلاة الصبح - وقبل غروبها - وتلك صلاة العصر-.
وقد جاءت السنة الصحيحة بتأكيد هذا المعنى في أحاديث، منها:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم وأكثر أهل السنن عن جرير بن عبد الله البَجَليِّ ﵁ قال: [كنا جلوسًا عند رسول الله ﷺ فنظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: إنكم سترون ربكم كما تَرَوْنَ هذا القمر، لا تُضَامون في رُؤْيَتِه، فإن استطَعْتُم ألا تُغْلبوا على صلاةٍ قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، فافعلوا، ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩]] (٢).
الحديث الثاني: أخرج مسلم في صحيحه، وأحمد في مسنده، عن أبي بَكْرِ بنِ عُمَارَةَ بْنِ رُوَيْبَةَ، عن أبيه: قال: [سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لن يلجَ النارَ أحدٌ صَلَّى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها" يعني الفجر والعَصْرَ. فقال له رجل من أهل البصرة: آنْتَ سمعتَ هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. قال الرجل: وأنا أشهد أني
стр. 2814
سَمِعْتُهُ من رسول الله ﷺ ، سَمِعَتْهُ أُذُنايَ وَوَعاهُ قلبي] (١).
وقوله: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾.
قال ابن عباس: (﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ﴾ قال: آناء الليل: جوف الليل). وقال الحسن: (من أوّله، وأوسطه، وآخره). والمقصود: ومن ساعات الليل فتهجد به، ومن أطراف النهار فسَبِّح كذلك لعلك ترضى بثواب الله لك.
وعن قتادة: (﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ قال: هي صلاة الفجر ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ قال: صلاة العصر. ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ﴾ قال: صلاة المغرب والعشاء. ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ قال: صلاة الظهر). وعن ابن زيد: (﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ قال: الثواب، ترضى بما يثيبك الله على ذلك).
قال النسفي: (﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ أي اذكر الله في هذه الأوقات رجاء أن تنال عند الله ما به ترضى نفسك ويسر قلبك).
قلت: والخطاب وإن كان للنبي ﷺ بالصبر وإقامة الصلوات المكتوبة، والتماس الصلوات النافلة - مما يعين على مواجهة الأذى والمحن -، فهو للأمة من باب الأولى. والعاقبة رضوان الله تعالى.
ففي الصحيحين والمسند من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الله ﵎ يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تُعْطِ أحدًا من خلقك؟ فيقول: أنا أُعطيكم أَفْضلَ من ذلك، قالوا: يا ربَّ وأيُّ شيء أفضلُ من ذلك؟ فيقول: أُحِلُّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا] (٢)،
١٣١ - ١٣٢. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ
стр. 2815
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٣١) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (١٣٢)﴾.
في هذه الآيات: حثُّ الله نبيّه على ترك النظر إلى المترفين أهل الاستكبار، فما هم فيه من متاع الحياة الدنيا صائر إلى الزوال، وإنما هم في امتحان واختبار. وأمرُه له تعالى باستنقاذ أهله من النار، بإقام الصلاة والصبر على ذلك، ورزق الله مقسوم والعاقبة للمتقين.
فقوله: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾. قال مجاهد: (يعني الأغنياء، فقد آتاك الله خيرًا مما آتاهم). وعن أبي رافع: (يعني بقوله: ﴿أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ رجالًا منهم أشكالًا). قال القاسمي: (﴿أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ أي أصنافًا من الكفرة). وقال ابن كثير: (يقول تعالى لنبيه محمد - صلوات الله وسلامُه عليه -: لا تنظر إلى ما متَّعنا به هؤلاء المترفين وأشباههم ونُظراءهم، وما هم فيه من النعيم، فإنما هو زهرة زائلة، ونِعمةٌ حائِلة، لِنَختبرهم بذلك، وقليل من عبادي الشكور).
وقوله: ﴿زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. أي زينتها. وهو منصوب على أنه بدل من ﴿أَزْوَاجًا﴾ أو نُصب بـ ﴿مَتَّعْنَا﴾ على تضمينه معنى: أعطينا وخوّلنا.
وقوله: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾. قال قتادة: (لنبتليهم فيه).
وقوله: ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾. أي مما متعنا به هؤلاء في هذه الدنيا.
قال ابن جرير: (﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ﴾ الذي وعدك أن يرزقكه في الآخرة حتى ترضى، وهو ثوابه إياه ﴿خَيْرٌ﴾ لك مما متعناهم به من زهرة الحياة الدنيا. ﴿وَأَبْقَى﴾ يقول: وأدوم، لأنه لا انقطاع له ولا نفاد).
قلت: والآية وإن كانت خطابًا للنبي ﷺ ، فإنها منهاجُ حياة لكل مسلم، لئلا يغتر بما فَتن الله به الطغاة في الأرض وهم يعيثون فيها فسادًا ويحاربون دينه وأولياءه. بل إن النبي ﷺ خشي على هذه الأمة من زهرة الدنيا وزينتها وما يفتح عليهم فيها من ذلك. فإلى ذكر بعض هذه الأحاديث من سنته العطرة:
الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ جلس ذات يوم على المِنْبَر، وجَلَسْنا حَوْلَهُ فقال: [إنّ مما أخافُ عليكم
стр. 2816
من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتِها .... ] الحديث (١).
الحديث الثاني: أخرج الشيخان من حديث ابن عباس عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - في حديث اعتزال النبي ﷺ لنسائه - قال: [ثم رفعت بصري في بيتهِ فوالله ما رأيت فيه شيئًا يردّ البصر عن أَهَبَةٍ ثلاثة، فقلت: يا رسول الله ادع الله فليوسع على أمتك، فإن فارسَ والرومَ وُسِّعَ عليهم وأعطوا الدنيا، وهم لا يعبدون الله، وكان متكئًا فقال: أو في شكٍّ أنت يا ابن الخطاب! أولئك قومٌ عُجِّلتْ لهم طيباتُهم في الحياة الدنيا ... ] الحديث (٢).
وفي رواية مسلم: [فقال: يا ابن الخطاب ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا. قلت: بلى].
الحديث الثالث: أخرج الترمذي في "الشمائل" بسند صحيح عن مالك بن دينار قال: [ما شبِعَ رسولُ الله ﷺ من خُبْزٍ قطّ، ولا لحمٍ إلا على ضفف (٣)] (٤).
قال مالك: (سألت رجلًا من أهل البادية: ما الضفف؟ قال: أن يتناول مع الناس).
الحديث الرابع: أخرج ابن ماجة بسند حسن عن أبي الدرداء قال: [خرج علينا رسول الله ﷺ ، ونحن نذكر الفقر ونتخوفه، فقال: آلفقر تخافون؟ والذي نفسي بيده لَتُصَبَّنَّ عليكم الدنيا صبًّا، حتى لا يُزيغَ قلب أحدكم إن أزاغهُ إلا هيَ، وَايْمُ الله، لقد تركتكم على مثل البيضاء، ليلها ونهارها سواء] (٥).
وقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾.
أي: استنقذ أهلك من عذاب الله بإقام الصلاة والصبر على ذلك، واعلم أن رزقك
стр. 2817
مقسوم في دنياك فلا يشغلك عن إقامة أمر دينك ودين أهلك، ثم العاقبة الصالحة لأهل التقوى.
فربط سبحانه تعالى العبادة بمفهوم الرزق، فإن الشيطان يهم بالعبد كلما حاول تفريغ جزء من وقته لأهله، فجاءت الآية تطمئن المؤمن أن الصبر على تعليم الأهل والولد الحق والصلاة وحب الله ورسوله والجهاد في سبيله لا يؤخر من الرزق شيئًا.
ففي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣].
٣ - وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
ومن كنوز صحيح السنة في ذلك أحاديث:
الحديث الأول: يروي الإمام أحمد في المسند، والترمذي في السنن، عن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [لو أنكم توكلون على الله تعالى حقَّ توكله، لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا] (١).
الحديث الثاني: أخرج أحمد والترمذي وابن حبان بسند جيد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [إن الله تعالى يقول: يا ابنَ آدم تفرّغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسُدَّ فقرك، وإن لا تفعل ملأت يديك شغلًا ولم أسُدَّ فقرك] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الترمذي بسند صحيح عن أنس عن النبي ﷺ قال: [من كانت الآخرة همَّه، جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة.
стр. 2818
ومن كانت الدنيا همَّه، جعل الله فقره بين عينيه، وفرَّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قُدِّرَ له] (١).
١٣٣ - ١٣٥. قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٣٣) وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (١٣٤) قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى (١٣٥)﴾.
في هذه الآيات: سؤال المشركين رسول الله ﷺ الآيات والمعجزات، وإنما أهلك الله القرون السالفة بعد وضوح البينات وظهور الدلالات. ولو أُهلك هؤلاء قبل إرسال هذا الرسول الكريم، وتنزيل هذا الكتاب العظيم، لاحتجوا على إهلاكهم معترضين. فقل لهم يا محمد: كل منا منتظر، فانتظروا فستعلمون من أصحاب الصراط المستقيم، وأتباع المنهج القويم، منهاج النجاة والهداية للعالمين.
فقوله: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾. هو من قيل المشركين لرسول الله ﷺ .
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: قال هؤلاء المشركون الذين وصف صفتهم في الآيات قبل هلا يأتينا محمد بآية من ربه، كما أتى قومه صالح بالناقة وعيسى بإحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص).
وقوله: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾. قال مجاهد: (التوراة والإنجيل).
وقال قتادة: (الكتب التي خلت من الأمم التي يمشون في مساكنهم).
والمقصود: أولم يأتهم في هذا القرآن العظيم أخبار القرون قبلهم والأمم التي سلفتهم من أهل الكتاب وغيرهم.
وفي التنزيل نحو ذلك: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٠ - ٥١].
стр. 2819
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [ما مِنَ الأنبياء نَبِيٌّ إلا أُعْطيَ منَ الآيات ما مِثْلُهُ أومِنَ - أوْ آمَنَ - عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وَحْيًا أوْحاه الله إليَّ، فأرجو أني أكثرهُمْ تابِعًا يومَ القيامة] (١).
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾.
أي: لو أنا أهلكنا هؤلاء المعاندين المتكبرين قبل أن نرسل إليهم هذا الرسول الكريم، وننزل عليهم هذا الكتاب العظيم، لاحتجوا بأنهم كيف يُهلكون ولما يرسل إليهم رسول يدعوهم إلى الإيمان، وما يجب عليهم في حق الله تعالى من اتباع شرعه وتعظيم دينه.
قال النسفي: (﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ﴾ بنزول العذاب ﴿وَنَخْزَى﴾ في العقبى).
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٩ - ١١٠].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ [فاطر: ٤٢].
٣ - وقال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥) أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٥ - ١٥٧].
стр. 2820
وإنما يحتج يوم القيامة فتقبل حجته عند ربه من لم تبلغه دعوة الرسل، أو حال دونه ودون فهمها وبلوغها حائل.
فقد أخرج الطبراني بسند صحيح عن الأسود بن سريع مرفوعًا: [أربعة يوم القيامة يدلون بحجة: رجل أصم لا يسمع، ورجل أحمق، ورجل هرم، ومن مات في الفترة. فأما الأصم فيقول: يا رب جاء الإسلام وما أسمع شيئًا. وأما الأحمق فيقول: جاء الإسلام والصبيان يقذفونني بالبعر. وأما الهرم فيقول: لقد جاء الإسلام وما أعقل. وأما الذي مات على الفترة فيقول: يا رب ما أتاني رسولك، فيأخذ مواثيقهم ليطعنه، فيرسل إليهم رسولًا أن ادخلوا النار. قال: فوالذي نفسي بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا] (١).
وقوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى﴾.
أي: قل - يا محمد - لهؤلاء المكذبين من قومك: كُلّ منا منتظر لمن يكون له الفلاح والعاقبة والظفر، فانتظروا وترقبوا، فستعلمون من أصحاب الطريق المستقيم ومن المهتدي الذي قد أصاب منهاج الهداية والنجاة.
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٢].
٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾ [القصص: ٥٦].
٣ - وقال تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤) قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ: ٢٤ - ٢٦].
٤ - وقال تعالى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾ [القمر: ٢٦].
стр. 2821
وفي سنن ابن ماجة ومعجم الطبراني من حديث سهل بن سعد عن النبي ﷺ قال: [عند الله خزائن الخير والشر مفاتيحها الرجال، فطوبى لمن جعله الله مفتاحًا للخير مغلاقًا للشر، وويل لمن جعله الله مفتاحًا للشر مغلاقًا للخير] (١).
تم تفسير سورة طه
بعون الله وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه
стр. 2822
- دروس ونتائج وأحكام -
١ - الرحمان على العرش استوى، وكل أسماء الله حسنى.
٢ - موسى ﷺ كليم الله، ومحمد ﷺ خليله وكليمه.
٣ - إذا أراد الله بالأمير خيرًا جعل له وزير صدق، إن نسي ذكَّره، وإن ذكَر أعانه. وإذا أراد الله به غير ذلك جعل له وزير سوء، إن نسي لم يذكره، وإن ذكَر لم يُعِنْه.
٤ - معية الله لعباده بصفاته لا بذاته، فهو تعالى يدبر الأمر من فوق عرشه.
٥ - استنفار فرعون لحماية سلطانه من الزوال، وقد أراه سحرته إيمانًا كالجبال.
٦ - الشرك أخفى في الأمة من دبيب النمل، والله يذهبه بالتوكل.
٧ - استصغار الكفار مدة مكثهم في هذه الحياة الدنيا إلى يوم واحد.
٨ - من أعرض عن ذكر الله فإن له معيشة ضنكًا، ويحشره ربه يوم القيامة أعمى.
٩ - انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم. والعاقبة للمتقين، والخسران للمترفين المستكبرين.
١٠ - القرآن الكريم أكبر معجزة خالدة في الأرض إلى يوم القيامة.
стр. 2823
٢١ - سورة الأنبياء
وهي سورة مكية، وعدد آياتها (١١٢)
أخرج البخاري في صحيحه عن عبد الله قال: [بنو إسرائيل، والكهف، ومريم، وطه، والأنبياء هُنَّ من العِتاق الأُوَلِ، وهُنَّ من تلادي] (١).
موضوع السورة
قصص الأنبياء منهاج النجاة للمؤمنين، وسبيل الشقاء والخزي للكافرين.
- منهاج السورة -
١ - إعلام الله تعالى عن اقتراب الساعة، والناس في غفلة عن الذكر يلعبون.
٢ - استبعاد الناس النبوة لبشر مثلهم، شأن الأمم السالفة قبلهم.
٣ - إثبات بشرية الرسول، ووجوب الرجوع في فهم الدين لأهل العلم والفضل.
٤ - إثبات العاقبة والنصر للمرسلين، والخزي والذل على الكافرين، وهذا الكتاب شرف للعرب فيه ذكرهم لو كانوا يعقلون.
стр. 2824
٥ - محاولة المجرمين الفرار عند تطويق الله لهم بالعذاب المهين، واعترافهم أنهم كانوا ظالمين، حتى صاروا حصيدًا خامدين.
٦ - تأكيد الله خلقه السماوات والأرض بالحق لا باللهو واللعب، وتقرير سنته في رفع كلمة الحق وإسكات كلمة أهل الكذب، فله ما في السماوات والأرض والملائكة في عبادتهم له لا يستحسرون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون.
٧ - استخفاف الله بآلهة قوم لا تضر ولا تنفع ولا تحيى ولا تميت فهو الإله الحق الأحد الصمد، ولو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا.
٨ - ثناء الله على الملائكة، وإبطاله دعوى الكفار اتخاذه الولد منهم.
٩ - لفت أنظار الكفار إلى عظيم قدرته تعالى، وواسع نعمه وكرمه عليهم.
١٠ - تولي الله نصر دينه، وكل نفس ذائقة الموت وإنما الناس في اختبار ثم إلى ربهم يرجعون.
١١ - استهزاء المشركين بالرسول، وخلق الإنسان من عجل، وتقرير العذاب على المشركين المستهزئين.
١٢ - تسلية الله نبيّه عما يلقاه من أذى المشركين، وتقريره تعالى نعمه على الكافرين.
١٣ - إقرار المكذبين بذنوبهم عند حلول العذاب، والوزن يكون بالعدل يوم الحساب.
١٤ - اشتمال التوراة على الفرقان بين الحق والباطل، وهذا القرآن في غاية الإعجاز والجلاء والوضوح وهو الكتاب الكامل.
١٥ - إلهامُ الله تعالى إبراهيم ﷺ الحق من صغره، وثناؤه تعالى عليه في محاججة قومه.
١٦ - تحطيم إبراهيم الأصنام واستخفافه بعفول قومه، ونجاته من النار بإذن ربه.
١٧ - نجاة إبراهيم ولوط - عليهما الصلاة والسلام - إلى بلاد الشام، وإكرام الله تعالى إبراهيم بإسحاق ويعقوب أئمة من الصالحين، وحماية الله نبيّه لوطًا من القوم الفاسقين.
١٨ - نجاةُ نوح ﷺ بإذن الله من الكرب العظيم، وإغراق الله قومه المكذبين.
١٩ - ثناؤه تعالى على داود وسليمان، وتفهيمه سليمان مسألة الكرم وغنم القوم، وتسخير الجبال والطير وعمل الدروع لداود، والريح والشياطين لسليمان.
стр. 2825
٢٠ - ثناء الله تعالى على صبر أيوب ﵇، وكشفه ضره رحمة به وذكرى للأنام.
٢١ - ثناء الله تعالى على إسماعيل وإدريس وذي الكفل في الصابرين، وإدخالهم في رحمته إنهم من عباده الصالحين.
٢٢ - تضييق الله تعالى على يُونس ﷺ وإدخاله في بطن الحوت، ودعوته ربه من ذلك السجن بخير الدعاء، الذي كشف به غمّه وجعله للمؤمنين من خير الرجاء.
٢٣ - ثناء الله تعالى على زكريا ﵇، وإجابة دعوته بأن وهب له يحيى وأصلح له زوجه. وذكر قصة مريم وابنها عيسى ﵉ عقب قصة زكريا وابنه يحيى ﵉، وثناء الله على مريم ورفع ذكرها في الأنام.
٢٤ - وحدة منهج الأنبياء، واختلاف الناس عليهم، وكتابة الملائكة أعمال الأولياء.
٢٣ - تأكيد هلاك الأمم المكذبة، وفَتْح سد يأجوج ومأجوج قبيل الساعة، وإسرار الكفار الندامة عند معاينة أهوال القيامة.
٢٦ - تأكيد وقوع المشركين وآلهتهم في نار العذاب، والبشرى للمؤمنين يوم الحساب، وهذا النبي الكريم رحمة لجميع العالمين.
٢٧ - وَحْيُ الله تعالى إلى نبيّه ﵊، أنه تعالى الإله الحق الذي لا ينبغي أن يعبد غيره الأنام.
٢٨ - إعلانُ البراءة من القوم المشركين، إن أصروا على الجاهلية والمكر بالإسلام والمسلمين.
٢٩ - إخبارُ الله تعالى نبيّه ليعلم قومه أن حلول وقت عقابهم قد يكون قريبًا، وإنما هم في فتنة والله يمكر بهم مكرًا شديدًا.
٣٠ - لا يعلم السر وأخفى إلا الرحمان، فله الحكم وهو الرب الإله الحق المستعان.
стр. 2826
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ٦. قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١) مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٣) قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٤) بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥) مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (٦)﴾.
في هذه الآيات: إعلامُ الله اقتراب قيام الساعة والناس في غفلتهم لاهون، وما يأتيهم من قرآن يذكرهم سبيل نجاتهم إلا استقبلوه وهم يلعبون، ويستبعدون النبوة لبشر مثلهم ويتهمونه بالسحر أو الشعر أو الجنون، والله تعالى يهدّدهم وبالقياس على الأمم السالفة الهالكة فهم لا يؤمنون.
فقوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾.
تنبيه من الله تعالى عباده على دنو قيام الساعة وهم غائبون في غفلتهم، لاهون في دنياهم، معرضون عن أخراهم.
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١].
٢ - وقال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ١ - ٢].
стр. 2827
ومن كنوز صحيح السنة في ذلك:
الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ : [قرأ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ [مريم: ٣٩]- قال: وهؤلاء في غفلة أهل الدنيا، - ﴿وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾] (١).
الحديث الثاني: أخرج النسائي بسند صحيح عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ : [﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ قال: في الدنيا] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الحاكم والطبراني بإسناد صحيح عن ابن مسعود مرفوعًا: [اقتربت الساعةُ، ولا يزدادُ الناسُ على الدنيا إلا حِرصًا، ولا يزدادون من الله إلا بُعدًا] (٣).
وقوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾.
أي: ما ينزل من قرآن يذكرهم به ربهم ويعظهم ويرشدهم فيه إلى ما فيه سعادتهم إلا استمعوه ثم تابعوا لعبهم ومضوا في لهوهم.
قال قتادة: (يقول: ما ينزل عليهم من شيء من القرآن إلا استمعوه وهم يلعبون. ﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ يقول: غافلة قلوبهم).
وقوله: ﴿مُحْدَثٍ﴾ أي جديد إنزاله، حديث أمر الله لرسوله ببلاغه. قال ابن عباس: (ما لكم تسألون أهل الكتاب عما بأيديهم وقد حرّفوه وبدّلوه، وزادوا فيه ونقصوا منه، وكتابكم أحدثُ الكتب بالله تقرؤونه مَحْضًا لم يَثُبْ) - رواه البخاري بنحوه.
стр. 2828
وقوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾.
أي: أظهر هؤلاء المعرضون المناجاة فيما بينهم يقولون: هل محمد إلا بشر مثلكم فكيف اختصَّ بالوحي دونكم، فهم يستبعدون كونه نبيًّا لأنه بشر.
وقوله: ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾. قال ابن زيد: (قاله أهل الكفر لنبيهم لما جاء به من عند الله، زعموا أنه ساحر، وأن ما جاء به سحر، قالوا: أتأتون السحر وأنتم تبصرون).
قال ابن كثير: (أي: أفتتبعونه فتكونون كمن يأتي السحر وهو يعلم أنه سحر).
وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
تهديد ووعيد لأولئك المعرضين الذين يفترون الكذب ويختلقون الشبهات. وقراء مكة قرؤوا أول الآية: ﴿قَالَ رَبِّي﴾ على وجه الخبر. وأما قراء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين فقرؤوا ذلك: ﴿قَالَ رَبِّي﴾ على وجه الأمر. وهما قراءتان مشهورتان في الأمصار. والمعنى كما قال النسفي: (قال محمد - أو قل يا محمد - للذين أسروا النجوى ﴿رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ أي يعليم قول كل قائل هو في السماء أو الأرض سرًّا كان أو جهرًا ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوالهم ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما في ضمائرهم).
وقوله تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾.
إخبار عن تردد القوم في افترائهم وشكهم. فأضربوا عن قولهم هو سحر إلى أنه تخاليط أحلام مما يعتري المرء في نومه فظنها وحيًا، ثم عدلوا عق ذلك فقالوا: بل هو كلام مفترى من عنده، ثم بدا لهم أنه شاعر. وهذه هي طبيعة الباطل يترنح ويتأرجح ويتخبّط أهله. قال ابن جرير: (﴿فَلْيَأْتِنَا﴾ يقول: قالوا فليجئنا محمد إن كان صادقًا في قوله، أن الله بعثه رسولًا إلينا، وأن هذا الذي يتلوه علينا وحي من الله أوحاه إلينا ﴿بِآيَةٍ﴾ يقول: بحجة ودلالة على حقيقة ما يقول ويدّعي ﴿كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ يقول: كما جاءت به الرسل الأولون من قبله من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص وكناقة صالح، وما أشبه ذلك من المعجزات التي لا يقدر عليها إلا الله، ولا يأتي بها إلا الأنبياء والرسل).
стр. 2829
وقوله تعالى: ﴿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾.
أي: قياسًا على السنن الماضية في الأمم السالفة، لا يتوقع سلوك هؤلاء مع رسولهم بغير ما قابل الأوائل أنبياءهم لما رأوا الآيات، لقد قابلوهم بالتكذيب والتنطع والعناد حتى نزل بهم الهلاك والعذاب، وهذا ما يبدو من هؤلاء كذلك.
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٢ - ٥٣].
٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧].
٣ - وقال تعالى: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ [هود: ١٠٩].
ومن كنوز صحيح السنة في ذلك:
الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه، وأحمد في مسنده، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: [يجيء نوحٌ وأُمَّتُه، فيقول الله: هل بَلَّغْتَ؟ فيقول: نعم أي ربِّ! فيقول لأمته: هل بلَّغكم؟ فيقولون: لا، ما جاء لنا من نبي، فيقول لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، وهو قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ والوسط: العدل، فيُدعون، فيشهدون له بالبلاع، ثم أشهد عليكم] (١).
الحديث الثاني: أخرج أحمد في المسند والنسائي في السنن بسند صحيح عن أبي سعيد ﵁، عن النبي ﷺ قال: [يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان، والنبيّ ومعه الثلاثة، وأكثر من ذلك، فيُقالُ له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم، فيدعى قومه، فيقال لهم: هل بلغَّكم هذا؟ فيقولون: لا، فيقال له: من يشهد لك، فيقول محمد وأمته ... ] الحديث (٢).
стр. 2830
فالتكذيب سمة ظاهرة في أقوام الرسل جميعهم، وهذا ما كان من قريش أيضًا في بادئ الأمر حين أظهر النبي ﷺ دعوته.
الحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم - واللفظ للبخاري - عن ابن عباس ﵄ قال: [لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ صَعِدَ النبي ﷺ على الصفا فجعل ينادي: يا بني فِهْر، يا بني عَدِيّ لبطون قريش حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرجَ أرسل رسولًا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش، فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أنَّ خيلًا بالوادي تريد أن تغيرَ عليكم أكنتم مصدقيَّ؟ قالوا: نعم ما جربنا عليك إلا صدقًا. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب: تَبًّا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ (١).
٧ - ١٠. قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧) وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (٨) ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩) لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)﴾.
في هذه الآيات: إثبات الله بشرية ورجولة الأنبياء، وضرورة الرجوع عند الخلاف وسوء الفهم لأهل العلم، وإثبات العاقبة والنصر للمرسلين، والخزي والذل على الكافرين. وهذا الكتاب فيه ذكركم - معشر العرب - أفلا تعقلون.
فقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾. ردٌّ على من استبعد كون الرسل من البشر.
أي: لقد سبق - يا محمد - في الأمم التي خلت قبل أمتك رسل أوحى الله إليهم لينذروا قومهم، فما الذي دعاهم لإنكار إرسال الله إليك لهم.
стр. 2831
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩].
٢ - قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩].
٣ - وقال تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٢٠].
وإنما يصدر من هؤلاء ما صدر من سفهاء الأقوام فيما مضى من قولهم لرسلهم: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾.
وقوله: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ - فيه ضرورة الرجوع لأهل العلم لفهم أمور الدين ونفي شبه المبطلين.
قال قتادة: (يقول: فاسألوا أهل التوراة والإنجيل - قال أبو جعفر: أراه أنا قال: - يخبروكم أن الرسل كانوا رجالًا يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق).
وقال ابن زيد: (﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ قال: أهل القرآن، والذكر: القرآن، وقرأ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾).
وقد ورد في فضل العلم وطلبه والسؤال عنه أحاديث من السنة الصحيحة:
الحديث الأول: في صحيح سنن ابن ماجة من حديث أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [ ... وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، إن العلماء ورثة الأنبياء. إنَّ الأنبياء لم يُوَرِّثوا دينارًا ولا دِرْهَمًا. إنما وَرَّثوا العلم. فمن أخذه أخذ بحظٍّ وافر] (١).
الحديث الثاني: وفي الباب عن زربن حبيش قال: أتيت صفوان بن عَسَّال المُرادي، فقال: ما جاء بك؟ قُلتُ: أنبط العلم. قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: [ما مِنْ خَارجٍ خَرَجَ مِنْ بيتِهِ في طلب العِلم إلا وَضَعَت له الملائكة أجنحتها، رِضًا بما يصنع] (٢).
стр. 2832
الحديث الثالث: روى الطبراني في الأوسط، والبزار في المسند، بإسناد حسن عن حذيفة بن اليمان ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : [فضل العلم خير من فضل العبادة، وخير دينكم الورع] (١). وفي رواية: [فضل العلم أحبُّ إلي من فضل العبادة، وخير دينكم الورع].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾.
أي: لم نجعلهم ملائكة لا يأكلون الطعام، بل جعلناهم - مثلك يا محمد - أجسادًا يطعمون ويموتون.
قال الضحاك: (يقول: لم أجعلهم جَسدًا ليس فيهم أرواح لا يأكلون الطعام، ولكن جعلناهم جسدًا فيها أرواح يأكلون الطعام).
وعن قتادة: (قوله: ﴿وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾: أي لا بد لهم من الموت أن يموتوا).
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾.
هو إشارة من الله سبحانه إلى المهمّ في أمر الرسل: أنهم نُصروا على المكذبين من أقوامهم، وكانت لهم العاقبة في نهاية الأمر، وأهلك الله المعاندين المسرفين.
قال قتادة: (والمسرفون: هم المشركون).
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
قال ابن عباس: (﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾: شرفكم).
وقال مجاهد: (﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ قال: حديثكم). وقال الحسن: (دينكم).
وقال سفيان: (نزل القرآن بمكارم الأخلاق، ألم تسمعه يقول: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
قلت: وكل ما سبق يحتمله التأويل، وإن كان المقصود الأعلى في هذه الآية التنبيه على شرف هذا القرآن، وتحريض قريش والعرب على معرفة قدره ورفعته وسموه.
قال ابن كثير: (﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أي: هذه النعمة وتتلقَّونها بالقبول، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: ٤٤].
стр. 2833
١١ - ١٥. قوله تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (١١) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (١٢) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (١٣) قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (١٤) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (١٥)﴾.
في هذه الآيات: تصوير الله تعالى هلاك المجرمين، ومحاولتهم الهرب عند نزول العذاب المهين، ثم اعترافهم أنهم كانوا ظالمين، حتى أُسكتوا عن آخرهم وصاروا خامدين.
فقوله: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا﴾. قال مجاهد: (وكم أهلكنا). وأصل القَصْم في كلام العرب: الكَسْر. وقوله: ﴿مِنْ قَرْيَةٍ﴾ المراد أهل القرية التي ﴿كَانَتْ ظَالِمَةً﴾، وظلمها هو نقضها العهد مع الله سبحانه، نقضها "لا إله إلا الله".
وقوله: ﴿وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ أي: أنشأنا بعد إهلاكها أمة أخرى.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ﴾ أي محاولين الفرار.
قال ابن جرير: (- يقول -: فلما عاينوا عذابنا قد حَلَّ بهم إذا هم يهربون سراعًا عجلى يَعْدون منهزمين).
وقوله: ﴿لَا تَرْكُضُوا﴾. أي لا تفروا.- خطاب محلى وجه الاستهزاء وقد فاتهم قطار النجاة.
وقوله: ﴿وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ﴾. قال قتادة: (ارجعوا إلى دنياكم التي أترفتم فيها).
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾. قال مجاهد: (لعلكم تفقهون). وقال قتادة: (لعلكم تُسألون من دنياكم شيئًا استهزاء بهم).
أي لا تركضوا ولا تفروا لعلكم تسألون عن أنواع الخمور التي تعرفونها وعن أصناف المعازف والمسكرات التي كنتم تتقنونها. لا تركضوا وارجعوا لعلكم تسألون عن أسماء نجوم اللهو والفجور والمجون التي كنتم تفقهون بها. لا تركضوا لعلكم تسألون عن فقه استعمال وسائل نقل المنكرات وكشف العورات. لا تركضوا وارجعوا
стр. 2834
لعلكم تسألون عن الحيل التي كنتم تتعاملون بها في بيعكم وشرائكم وتجارتكم، وعن طرق التلاعب بالأسعار وسبل الرشوة والاحتكار.
أخرج الطبراني بسند حسن عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: [خمسٌ بخمس: ما نقض قوم العهد إلا سُلِّطَ عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، ولا ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طفَّفوا المكيال إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر] (١).
وله شاهد عن ابن ماجة والبزار والبيهقي - واللفظ له - بسند صحيح من حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: [يا معشر المهاجرين خصال خمس إن ابتليتم بهن ونزلن بكم أعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قومٍ قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سُلِّطَ عليهم عدو من غيرهم فيأخذ بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جُعل بأسهم بينهم] (٢).
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. اعتراف منهم بما كانوا عليه من الذنوب والآثام، ولكن بعدما فات وقت الندم وحاق بهم الخسران.
وقوله تعالى: ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾.
قال قتادة: (يقول: حتى هلكوا). والمقصود: ما زال ذلك الاعتراف والتأنيب لأنفسهم حتى سكنت حركتهم، وانطفأت شرارتهم، وصاروا همودًا لا حراك لهم.
١٦ - ٢٠. قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (١٦) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ
стр. 2835
﴿فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨) وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾.
في هذه الآيات: تأكيد الله خلقه السماوات والأرض بالحق لا باللهو واللعب، وتقرير سنته تعالى في رفع كلمة الحق وإسكات كلمة أهل الكذب، فله سبحانه ما في السماوات والأرض والملائكة في عبادتهم له لا يستحسرون، ينزهونه الليل والنهار لا يفترون.
فقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾.
قال قتادة: (يقول: ما خلقناهما عبثًا ولا باطلًا).
والمقصود: أن الله ﵎ خلق السماوات والأرض بالعدل والقسط وخلق العباد لتعظيمه وحده لا شريك له وإفراده بالعبودية.
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص: ٢٧].
٣ - وقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢].
وقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾.
قال مجاهد: ﴿لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾ من عندنا، وما خلقنا جنة ولا نارًا، ولا موتًا ولا بعثًا).
قال القاسمي: (﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾ استئناف مقرر لما قبله من انتفاء اللعب واللهو. أي لو أردنا أن نتخذ ما يتلهى به ويلعب لاتخذناه من عندنا).
وقال قتادة: (﴿إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾: أي ماكنا فاعلين). وقال مجاهد: (كل شيء في القرآن ﴿إِنْ﴾ فهو إنكار).
وقوله: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾.
قال قتادة: (والحق كتاب الله القرآن، والباطل: إبليس، فيدمغه فإذا هو زاهق: أي ذاهب) أو قال: ﴿زَاهِقٌ﴾: هالك).
стр. 2836
والمقصود: أن آيات الله فيها بيان الحق الذي يدحض الباطل فإذا هو ذاهب مضمحل هالك.
وقوله: ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾. أي: ولكم الويل أيها المفترون مما تشركون فتنسبون لله الولد وتكذبون. قال ابن جريج: (﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ قال: تشركون).
وقال قتادة: (﴿مِمَّا تَصِفُونَ﴾: أي تكذبون).
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾.
إخبار عن عبودية الملائكة لله تعالى مالك السماوات والأرض، وهم بذلك لا يَبْعَبون ولا يَملّون، بل هم في سجود وذكر وتعظيم لله هم فيه دائبون.
قال ابن عباس: (﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ لا يرجعون). وقال مجاهد: (لا يحسَرون).
وقال قتادة: (لا يَعْيَوْن). وقال ابن زيد: (﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾.
قال: لا يستحسرون، لا يملُّون ذلك الاستحسار، قال: ولا يفترون، ولا يسأمون).
وقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾. أي هم في تسبيح دائم لا ينقطعون عنه.
قال ابن عباس عن كعب: (إنهم ألهموا التسبيح كما ألهمتم الطَّرف والنَّفس).
وقال كعب الأحبار أيضًا: (إنهم جُعل لهم التسبيح، كما جُعِلَ لكم النفس، ألمست تأكل وتشرب وتقوم وتقعد، وتجيء وتذهب، وأنت تَنَفَس؟ قلت (١): بلى، قال: فكذلك جُعل لهم التسبيح).
وفي التنزيل ونحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠].
٢ - وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧].
وفي مسند الإمام أحمد وجامع الترمذي بسند حسن عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ قال: [إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطَّت السماء وَحُقَّ لها
стр. 2837
أن تَئِطَّ، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضعٌ جبهته لله تعالى ساجدًا، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصُّعُدات تجأرون إلى الله] (١).
وله شاهد عند ابن نصر في "الصلاة" من حديث عائشة مرفوعًا: [ما في السماء الدنيا موضع قدم، إلا عليه ملك ساجد، أو قائم، فذلك قول الملائكة: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾، ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾، ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾].
وشاهد آخر عنده من حديث حكيم بن حزام ﵁ قال: (بينما رسول الله ﷺ مع أصحابه ﵃ إذ قال لهم: هل تسمعون ما أسمع؟ قالوا: ما نسمع من شيء. قال: إني لأسمع أطيط السماء، وما تُلام أن تَئِطَّ، وما فيها موضع شبر إلا وعليه ملك ساجد، أو قائم].
٢١ - ٢٥. قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١) لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢) لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾.
في هذه الآيات: استخفافُ الله بآلهة القوم لا تحيي ولا تميت، فلو كان في السماء والأرض آلهة غير الله معبودون لفسدتا، والله تعالى لا يُسأل عما يفعل وجميع خلقه يُسألون. فالمشركون مدعوون لإثبات استحقاق آلهتهم التي لا تضر ولا تنفع أن تُعبد ولكنهم بعبادتهم جاهلون. والله تعالى هو الذي بيده النفع والضر وحده، فهو المستحق للعبادة ولكن أكثرهم لا يعلمون.
فقوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ - استهزاء بآلهة لا تحيي ولا تميت.
стр. 2838
قال مجاهد: (ينشرون: يُحيون). وقال ابن زيد: (يقول: أفي آلهتهم أحد يحيي ذلك ينشرون). قال القرطبي: (أنشر الله الميت فَنُشِر أي أحياه فحيي).
وربما قال قائل: لقد كانوا يقرون لله أنه خالق السماوات والأرض وأنه القادر على المقدورات كلها وعلى النشأة الأولى، إلا أنهم ينكرون البعث - وما كانوا ينسبون لآلهتهم ذلك! ! فكيف يكون توجه الآية؟ . الجواب: اسم القادر- يقتضي ذلك.
قال الزمخشري: (لكنهم بادعائهم لها الإلهية، يلزمهم أن يدعوا لها الإنشار، لأنه لا يستحق هذا الاسم إلا القادر على كل مقدور. والإنشاء من جملة المقدورات. ثم قال: وفيه باب من التهكم بهم والتوبيخ والتجهيل، وإشعار بأن ما استبعدوه من الله لا يصح استبعاده، لأن الإلهية لما صحت صحّ معها الاقتدار على الإبداء والإعادة).
وقال القاسمي: (سر قوله تعالى ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ هو التحقير، أي تحقير الأصنام بأنها أرضية سفلية).
وقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾.
أي: لو كان في السماء، والأرض آلهة غير الله معبودون لفسدتا، تنّزه الله سبحانه عن أن يكون له شريك أو ولد، وتقدّس عما يفتري الظالمون والأفاكون عُلوّا كبيرًا.
وفي التنزيل:
﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١].
أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ . [يا أبا المنذر، أي آية في كتاب الله أعظم؟ - قلت: الله ورسوله أعلم، فرددها مرارًا ثم قال أبي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ - فضرب صدري وقال: ليهنك العلم أبا المنذر، والذي نفسي بيده أن لهذه الآية لسانًا وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش] (١).
وقوله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾.
قال ابن جريج: (المعنى لا يسأله الخلق عن قضائه في خلقه، وهو يسأل الخلق عن
стр. 2839
عملهم، لأنهم عبيد). وقال قتادة: (لا يسألُ عما يفعل بعباده، وهم يُسألون عن أعمالهم).
وفي الأثر عن علي ﵁: (أن رجلًا قال له: يا أمير المؤمنين: أيحب ربنا أن يُعصى؟ قال: أفيعصى ربنا قهرًا؟ قال: أرأيت إن منعني الهدى ومنحني الردى أأحسن إليَّ أم أساء؟ قال: إن منعك حقك فقد أساء، وإن منعك فضله فهو فضله يؤتيه من يشاء. ثم تلا الآية: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾).
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون: ٨٨].
٢ - وقال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾] الحجر: ٩٢ - ٩٣].
وفي سنن الترمذي بسند صحيح من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد، ثم يَطّلِع عليهم رب العالمين، فيقول: ألا يَتَّبع كُلُّ إنسان ما كان يعبد ..... ]، الحديث (١).
وقوله: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾.
أي: أم اتخذ هؤلاء المشركون من دون الله آلهة تنفع وتضر، وتخلق وتحيي وتميت، قل لهم - يا محمد - هاتوا دليلكم على ما تزعمون، فهذا القرآن فيه خبر من معي مما وعدهم الله به من الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية، وخبر من قبلي من الأمم السالفة في الكتب المتقدمة.
وعن قتادة: (﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ يقول: هاتوا بينتكم على ما تقولون. ﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ﴾ يقول: هذا القرآن فيه ذكر الحلال والحرام. ﴿وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ يقول: ذكر أعمال الأمم السالفة وما صنع الله بهم وإلى ما صاروا).
وعن ابن جريج: (﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ﴾ قال: حديث من معي، وحديث من قبلي).
وقو له: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾.
أي: بل أكثر هؤلاء المشركين يجهلون الحق فهم يعرضون عنه ولا يصغون إليه.
стр. 2840
وعن قتادة: (﴿فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ قال: عن كتاب الله).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾.
فيه: وحدة دعوة الرسل، ووحدة منهاج النبوة، فهو يتلخّص بكلمة النجاة وسرّ السعادة في الدارين: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾.
قال قتادة: (أرسلت الرسل بالإخلاص والتوحيد، لا يقبل منهم عمل حتى يقولوه ويقرّوا به، والشرائع مختلفة في التوراة شريعة، وفي الإنجيل شريعة، وفي القرآن شريعة، حلال وحرام. وهذا كله في الإخلاص لله والتوحيد له).
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥].
ومن كنوز صحيح السنة في ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [أنا أَوْلى الناس بعيسى بن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إِخْوَةٌ لِعَلّاتٍ، أُمَّهاتُهُمْ شتى ودينهم واحد] (١).
الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن معاذ بن جبل ﵁ قال: [كُنْتُ رَديف النبي ﷺ على حمار، فقال لي: يا معاذُ، أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحقُّ العباد على الله: أن لا يعذب من لا يشركُ به شيئًا. قلت: يا رسول الله، أفلا أُبَشِّرُ الناس؟ قال: لا تُبَشِّرهم فيتكلوا] (٢).
الحديث الثالث: أخرج مسلم في الصحيح عن عتبان بن مالك عن النبي ﷺ قال: