← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

والمقصود: أن آيات الله فيها بيان الحق الذي يدحض الباطل فإذا هو ذاهب مضمحل هالك. وقوله: ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾. أي: ولكم الويل أيها المفترون مما تشركون فتنسبون لله الولد وتكذبون. قال ابن جريج: (﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ قال: تشركون). وقال قتادة: (﴿مِمَّا تَصِفُونَ﴾: أي تكذبون). وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾. إخبار عن عبودية الملائكة لله تعالى مالك السماوات والأرض، وهم بذلك لا يَبْعَبون ولا يَملّون، بل هم في سجود وذكر وتعظيم لله هم فيه دائبون. قال ابن عباس: (﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ لا يرجعون). وقال مجاهد: (لا يحسَرون). وقال قتادة: (لا يَعْيَوْن). وقال ابن زيد: (﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾. قال: لا يستحسرون، لا يملُّون ذلك الاستحسار، قال: ولا يفترون، ولا يسأمون). وقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾. أي هم في تسبيح دائم لا ينقطعون عنه. قال ابن عباس عن كعب: (إنهم ألهموا التسبيح كما ألهمتم الطَّرف والنَّفس). وقال كعب الأحبار أيضًا: (إنهم جُعل لهم التسبيح، كما جُعِلَ لكم النفس، ألمست تأكل وتشرب وتقوم وتقعد، وتجيء وتذهب، وأنت تَنَفَس؟ قلت (١): بلى، قال: فكذلك جُعل لهم التسبيح). وفي التنزيل ونحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠]. ٢ - وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧]. وفي مسند الإمام أحمد وجامع الترمذي بسند حسن عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ قال: [إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطَّت السماء وَحُقَّ لها

стр. 2837

أن تَئِطَّ، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضعٌ جبهته لله تعالى ساجدًا، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصُّعُدات تجأرون إلى الله] (١). وله شاهد عند ابن نصر في "الصلاة" من حديث عائشة مرفوعًا: [ما في السماء الدنيا موضع قدم، إلا عليه ملك ساجد، أو قائم، فذلك قول الملائكة: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾، ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾، ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾]. وشاهد آخر عنده من حديث حكيم بن حزام ﵁ قال: (بينما رسول الله ﷺ مع أصحابه ﵃ إذ قال لهم: هل تسمعون ما أسمع؟ قالوا: ما نسمع من شيء. قال: إني لأسمع أطيط السماء، وما تُلام أن تَئِطَّ، وما فيها موضع شبر إلا وعليه ملك ساجد، أو قائم]. ٢١ - ٢٥. قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١) لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢) لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾. في هذه الآيات: استخفافُ الله بآلهة القوم لا تحيي ولا تميت، فلو كان في السماء والأرض آلهة غير الله معبودون لفسدتا، والله تعالى لا يُسأل عما يفعل وجميع خلقه يُسألون. فالمشركون مدعوون لإثبات استحقاق آلهتهم التي لا تضر ولا تنفع أن تُعبد ولكنهم بعبادتهم جاهلون. والله تعالى هو الذي بيده النفع والضر وحده، فهو المستحق للعبادة ولكن أكثرهم لا يعلمون. فقوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ - استهزاء بآلهة لا تحيي ولا تميت.

стр. 2838

قال مجاهد: (ينشرون: يُحيون). وقال ابن زيد: (يقول: أفي آلهتهم أحد يحيي ذلك ينشرون). قال القرطبي: (أنشر الله الميت فَنُشِر أي أحياه فحيي). وربما قال قائل: لقد كانوا يقرون لله أنه خالق السماوات والأرض وأنه القادر على المقدورات كلها وعلى النشأة الأولى، إلا أنهم ينكرون البعث - وما كانوا ينسبون لآلهتهم ذلك! ! فكيف يكون توجه الآية؟ . الجواب: اسم القادر- يقتضي ذلك. قال الزمخشري: (لكنهم بادعائهم لها الإلهية، يلزمهم أن يدعوا لها الإنشار، لأنه لا يستحق هذا الاسم إلا القادر على كل مقدور. والإنشاء من جملة المقدورات. ثم قال: وفيه باب من التهكم بهم والتوبيخ والتجهيل، وإشعار بأن ما استبعدوه من الله لا يصح استبعاده، لأن الإلهية لما صحت صحّ معها الاقتدار على الإبداء والإعادة). وقال القاسمي: (سر قوله تعالى ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ هو التحقير، أي تحقير الأصنام بأنها أرضية سفلية). وقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾. أي: لو كان في السماء، والأرض آلهة غير الله معبودون لفسدتا، تنّزه الله سبحانه عن أن يكون له شريك أو ولد، وتقدّس عما يفتري الظالمون والأفاكون عُلوّا كبيرًا. وفي التنزيل: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١]. أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ . [يا أبا المنذر، أي آية في كتاب الله أعظم؟ - قلت: الله ورسوله أعلم، فرددها مرارًا ثم قال أبي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ - فضرب صدري وقال: ليهنك العلم أبا المنذر، والذي نفسي بيده أن لهذه الآية لسانًا وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش] (١). وقوله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾. قال ابن جريج: (المعنى لا يسأله الخلق عن قضائه في خلقه، وهو يسأل الخلق عن

стр. 2839

عملهم، لأنهم عبيد). وقال قتادة: (لا يسألُ عما يفعل بعباده، وهم يُسألون عن أعمالهم). وفي الأثر عن علي ﵁: (أن رجلًا قال له: يا أمير المؤمنين: أيحب ربنا أن يُعصى؟ قال: أفيعصى ربنا قهرًا؟ قال: أرأيت إن منعني الهدى ومنحني الردى أأحسن إليَّ أم أساء؟ قال: إن منعك حقك فقد أساء، وإن منعك فضله فهو فضله يؤتيه من يشاء. ثم تلا الآية: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾). وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون: ٨٨]. ٢ - وقال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾] الحجر: ٩٢ - ٩٣]. وفي سنن الترمذي بسند صحيح من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد، ثم يَطّلِع عليهم رب العالمين، فيقول: ألا يَتَّبع كُلُّ إنسان ما كان يعبد ..... ]، الحديث (١). وقوله: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾. أي: أم اتخذ هؤلاء المشركون من دون الله آلهة تنفع وتضر، وتخلق وتحيي وتميت، قل لهم - يا محمد - هاتوا دليلكم على ما تزعمون، فهذا القرآن فيه خبر من معي مما وعدهم الله به من الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية، وخبر من قبلي من الأمم السالفة في الكتب المتقدمة. وعن قتادة: (﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ يقول: هاتوا بينتكم على ما تقولون. ﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ﴾ يقول: هذا القرآن فيه ذكر الحلال والحرام. ﴿وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ يقول: ذكر أعمال الأمم السالفة وما صنع الله بهم وإلى ما صاروا). وعن ابن جريج: (﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ﴾ قال: حديث من معي، وحديث من قبلي). وقو له: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾. أي: بل أكثر هؤلاء المشركين يجهلون الحق فهم يعرضون عنه ولا يصغون إليه.

стр. 2840

وعن قتادة: (﴿فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ قال: عن كتاب الله). وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾. فيه: وحدة دعوة الرسل، ووحدة منهاج النبوة، فهو يتلخّص بكلمة النجاة وسرّ السعادة في الدارين: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾. قال قتادة: (أرسلت الرسل بالإخلاص والتوحيد، لا يقبل منهم عمل حتى يقولوه ويقرّوا به، والشرائع مختلفة في التوراة شريعة، وفي الإنجيل شريعة، وفي القرآن شريعة، حلال وحرام. وهذا كله في الإخلاص لله والتوحيد له). وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥]. ومن كنوز صحيح السنة في ذلك أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [أنا أَوْلى الناس بعيسى بن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إِخْوَةٌ لِعَلّاتٍ، أُمَّهاتُهُمْ شتى ودينهم واحد] (١). الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن معاذ بن جبل ﵁ قال: [كُنْتُ رَديف النبي ﷺ على حمار، فقال لي: يا معاذُ، أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحقُّ العباد على الله: أن لا يعذب من لا يشركُ به شيئًا. قلت: يا رسول الله، أفلا أُبَشِّرُ الناس؟ قال: لا تُبَشِّرهم فيتكلوا] (٢). الحديث الثالث: أخرج مسلم في الصحيح عن عتبان بن مالك عن النبي ﷺ قال:

стр. 2841

[إنَّ الله حرَّم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله ] (١). ٢٦ - ٢٩. قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩)﴾. في هذه الآيات: إبطالُ ادعاء الكفار أن الله اتخذ ولدًا من ملائكته، وثناء من الله تعالى على الملائكة فهم لا يتكلمون ولا يشفعون إلا بإذنه، وهم من ربهم مشفقون. فقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾. قال قتادة: (قالت اليهود: إن الله ﵎ صاهر الجنّ، فكانت منهم الملائكة، قال الله ﵎ تكذيبًا لهم وردًّا عليهم: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ وإن الملائكة ليس كما قالوا، إنما هم عباد أكرمهم الله بعبادته). والمقصود: دحض ادعاء الكفار أن الله اتخذ ولدًا من ملائكته، تنزه سبحانه وتعالى عما يفتري الظالمون علوًا كبيرًا، وتبرئة الملائكة مما ينسبون لهم، وأنهم: ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾. وقوله: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾ - ثناء من الله تعالى على الملائكة، فهم لا يتكلمون إلا بما يأمره سبحانه. وقوله: ﴿وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾. قال قتادة: (لا يتكلمون إلا بما يأمرهم به ربهم، ولا يعملون عملًا إلا به). وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾. قال ابن عباس: (يقول: يعلم ما قدّموا وما أضاعوا من أعمالهم). قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: يعلم ما بين أيدي ملائكته ما لم يبلغوه،

стр. 2842

ما هو، وما هم فيه قائلون وعاملون، وما خلفهم: يقول: وما مضى من قبل اليوم مما خلفوه وراءهم من الأزمان والدهور ما عملوا فيه). وقوله: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾. أي: لا تشفع الملائكة إلا لمن ﵁. قال ابن عباس: (يقول: الذين ارتضى لهم شهادة أن لا إله إلا الله). وقال مجاهد: (لمن رضي عنه). وفي التنزيل: قوله سبحانه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. وكذلك قوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣]. وقوله: ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾. قال قتادة: (يقول: وهم من خوف الله وحذار عقابه أن يحلّ بهم مشفقون. يقول: حذرون أن يعصوه ويخالفوا أمره ونهيه). وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾. قال ابن كثير: (أي: مَنْ ادّعى منهم أنه إله من دون الله، أي: مع الله، ﴿فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾، أي: كُلَّ من قال ذلك. وهذا شرطٌ، والشرطُ لا يلزمُ وقوعُه، كقوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾، وقَولِهِ: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]. ٣٠ - ٣٣. قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠) وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١) وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (٣٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٣)﴾. في هذه الآيات: يلفت الله تعالى أنظار الكفار إلى عظيم جبروته وكمال سلطانه، وقهره لجميع المخلوقات، فهل رأى الجاحدون ألوهيته أو المشركون بعبادته كيف

стр. 2843

كانت السماوات والأرض في التصاق ففتق هذه من هذه، فجعل السماوات سبعًا، وفصل بين سماء الدنيا والأرض بالهواء، فإذا السماء تمطر بإذنه تعالى، وإذا الأرض تنبت بإذنه، وقد جعل من الماء حياة كل شيء من خلقه أفلا يؤمنون. وجعل في الأرض الجبال تثبيتًا لها وكذلك المسالك بين الجبال يهتدون عليها في أسفارهم ومعايشهم، والسماء سقفًا موفوعًا محفوظًا من الشياطين، وكثير من الناس عن هذه الآيات والنعم الكبيرة معرضون. وهو الذي خلق الليل والنهار وكذلك الشمس والقمر وكل في دوران منتظم يجرون. فعن ابن عباس: (قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ ... الآية، يقول: كانتا ملتصقتين، فرفع السماء ووضع الأرض). قال: (كانتا ملتزقتين، ففتقهما الله). وقال قتادة: (كانتا جميعا، ففصل الله بينهما بهذا الهواء). قال القاسمي: (وقال بعض علماء الفلك في تفسير هذه الآية: ﴿وَهِيَ دُخَانٌ﴾ (١) أي ذرات، أي غازات أي سديم. ثم تجاذبت كما يتجمع السحاب فصارت كتلة واحدة. مصداقًا لقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا﴾ أي كتلة واحدة. فدارت ثم تقطعت وتفصلت بالقوة الدافعة، فتكونت الأرض والسماوات، تصديقًا لقوله تعالى: ﴿فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ أي فصلناهما، فصارتا كرات من الماء في يومين. ثم قال: وفي هذا الوقت كان عرشه على الماء. أي كان ملكه وسلطانه على الماء والله أعلم). وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾. أي: وأحيينا بالماء كل شيء يرونه في هذه الحياة الدنيا من البشر والبهائم والزروع والثمار والأشجار وغير ذلك. أفلا يدعوهم ذلك إلى أن يصدقوا ربهم تعالى الإيمان! ؟ . وعن قتادة: (﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ قال: كل شيء حي خُلِق من الماء).

стр. 2844

قال ابن جرير: (وقوله: ﴿أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ يقول: أفلا يصدّقون بذلك، ويقرّون بألوهة من فعل ذلك ويفردونه بالعبادة). وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾. أي: وكذلك جعلنا في الأرض الجبال الشامخات الثابتات كيلا تتكفأ الأرض بالناس. والرواسي: جمع راسية، وهي الثابتة. قال قتادة: (رواسي: أي جبالًا). قال: (كانوا على الأرض تمور بهم، لا تستقرّ، فأصبحوا وقد جعل الله الجبال، وهي الرواسي أوتادًا للأرض). وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾. الفجاج: المسالك، واحدها فجّ. أي: وكذلك جعلنا في الأرض مسالك بين الجبال يتحركون عليها لحاجاتهم ومعايشهم، ويهتدون أثناء السير فيها إلى أسفارهم. قال ابن عباس: (﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا﴾ سبلًا، قال: بين الجبال). وقال قتادة: (﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا﴾: أي أعلامًا. وقوله: ﴿سُبُلًا﴾ أي طرقًا، وهي جمع السبيل). قال ابن كثير: (وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا﴾، أي: ثغرًا في الجبال يَسْلُكُون فيها طُرُقًا من قُطْرٍ إلى قُطْرٍ، وإقليم إلى إقليم، كما هو المشاهد في الأرض، يكون الجَبَلُ حائلًا بين هذه البلاد وهذه البلاد، فيجعل الله فيه فجْوَةً لغيره، ليَسْلُكَ الناسُ فيها من هاهنا إلى هاهنا، ولهذا قال: ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾). وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾. قال مجاهد: (مرفوعًا). وقال قتادة: (سقفًا مرفوعًا، وموجًا مكفوفًا). والمقصود: ومن آياتنا كذلك أن جعلنا السماء سقفًا على الأرض كالقبة عليها ﴿مَحْفُوظًا﴾ عاليا محروسًا من أن يُنال. قال ابن جرير: (يقول: حفظناها من كل شيطان رجيم). وقوله: ﴿وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾. قال مجاهد: (الشمس والقمر والنجوم آيات السماء). أي: وهم عن هذه الآيات العظيمة التي تحويها السماء ذات الاتساع الكبير والارتفاع الشاهق المثير، من كواكب ونجوم، وشمس وقمر، ومجرات وأفلاك، ذات حركة ودوران، ومسارات لها انتظام، لا يتفكرون في بارئها وصانعها،

стр. 2845

ولا يعتبرون بمبدعها ومُسَيِّرها، ولا ينتبهون للوازم ذلك كله من إفراد الله - تعالى - العظيم القهار بالعبادة والمحبة والطاعة والإخبات. وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق: ٦]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٥]. ٣ - وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥]. وفي مسند الطيالسي وسنن البيهقي بسند حسن عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: [تفكروا في آلاء الله، ولا تفكّروا في الله] (١). ورواه أبو نعيم من حديث ابن عباس بلفظ: [تفكروا في خلق الله، ولا تفكروا في الله]. وله شاهد آخر عند أبي نعيم في "الحلية" من حديث عبد الله بن سلام مرفوعًا، بلفظ: [لا تفكروا في الله، وتفكروا في خلق الله، فإن ربنا خَلَقَ مَلَكًا، قدماه في الأرض السابعة السفلى، ورأسه قد جاوز السماء العُليا، ما بين قدميه إلى ركبتيه مسيرة ست مئة عام، وما بين كعبيه إلى أخمص قدميه مسيرة ست مئة عام، والخالق أعظم من المخلوق] (٢). وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. أي: وهو سبحانه خالق الليل بسكونه وظلامه، وخالق النهار بضيائه وأنسه، ويطوّل هذا تارة ويقصِّره أخرى، والثاني كذلك، وخلق الشمس وحركتها وضياءها، وخلق القمر ومنازله وحركته، وكل في فلك يسبحون. قال مجاهد: (يَجْرون).

стр. 2846

وقال ابن عباس: (يدورون). والفلك في لغة العرب: كل شيء دائر. قال القرطبي: (أي يجرون ويسيرون بسرعة كالسابح في الماء). وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠]. ٢ - وقال تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦)﴾ [الأنعام: ٩٦]. ٣٤ - ٣٥. قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)﴾. في هذه الآيات: تولّي الله نصر دينه فهو الحي الذي لا يموت والأنبياء والرسل يموتون. وكل نف ذائقة الموت وإنما الناس في اختبار ثم إلى ربهم يرجعون. فقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾. ردٌّ على المشركين الذين كانوا يدفعون نبوته ﵊ ويقولون: شاعر نتربص به ريب المنون. قال القرطبي: (فقال الله تعالى: قد مات الأنبياء من قبلك، وتولى الله دينه بالنصر والحياطة، فهكذا نحفظ دينك وشرعك). وفي التنزيل: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧]. وقوله: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ أي: أفإن مت يا محمد فهؤلاء يؤمِّلون أن يعيشوا بعدك أو يخلدوا في الأرض بعد غيابك! ؟ لا، لن يكون هذا، بل هم ميتون بكل حال عشت أو مت، والكل إلى فناء. وقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: كل نفس منفوسة من خلقه، معالجة غصص الموت، ومتجوعة كأسها). وقوله: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ قال ابن عباس: (بالرخاء والشدة، وكلاهما بلاء). وقال قتادة: (يقول: نبلوكم بالشر بلاء والخير فتنة).

стр. 2847

وقال ابن زيد: (نبلوهم بما يحبون وبما يكرهون، نختبرهم بذلك لننظر كيف شكرهم فيما يحبون، وكيف صبرهم فيما يكرهون). وعن علي عن ابن عباس: (قوله: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ﴾ يقول: نبتليكم بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، والحلال والحوام، والطاعة والمعصية، والهدى والضلالة، وقوله: ﴿وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ يقول: وإلينا يُردّون فيجازون بأعمالهم، حسنها وسيئها). ٣٦ - ٤٠. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٦) خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (٣٧) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨) لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٤٠)﴾. في هذه الآيات: استهزاء المشركين بالرسول وهم أحق أن يُستهزأ بهم. والإنسان خُلق من عَجَل والكفار المستعجلون للعذاب سيرون ما ينزل بهم. وتقريبٌ من الله لهؤلاء المنكرين البعث والعذاب ما هم مقبلون عليه من العذاب المهين. فقوله: ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾. قال القاسمي: (عُنِيَ بهذه الآية مستهزئو قريش، كأبي جهل وأضرابه ممن كان يسخر من رسالته صلوات الله عليه، ويتغيظ لسبّ آلهتهم وتسفيه أحلامهم). وقوله: ﴿وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ﴾. أي: فهم أحق أن يستهزأ بهم. قال ابن جرير: (يقول: فيعجبون من ذكرك يا محمد آلهتهم التي لا تضرّ ولا تنفع بسوء ﴿وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ الذي خلقهم وأنعم عليهم، ومنه نفعهم، وبيده ضرّهم، وإليه مرجعهم بما هو أهله منهم أن يذكروه به كافرون). وفي التنزيل نحو ذلك: قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١) إِنْ كَادَ

стр. 2848

لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤١ - ٤٢]. وقوله: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. قال قتادة: (خلق عجولًا). قال النسفي: (والظاهر أن المراد الجنس، وأنه ركب فيه العجلة، فكأنه خلق من العجل، ولأنه يكثر منه). قلت: والذي يبدو من السياق أن المقصود تسرّع الإنسان في الجناية على نفسه قبل التأني والبحث، فيستجيب لوسوسة شيطانه في نَفْخِهِ فيه الكبر والاستهزاء بغيره ولو كان غيره يدعو إلى الحق، وهذا حال المشركين حين قابلوا الوحي والنبوة بالعجب والتنطع والعجلة وركبوا موجة الكبر التي حرَّكها إبليس في نفوسهم حتى ران على قلوبهم وكان الهلاك بإصرارهم. وقوله: ﴿سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾. هو جواب الله تعالى لأولئك المتعجلين نزول العذاب بهم والانتقام منهم. وهنا نكتة لطيفة كما قال ابن كثير ﵀: (والحكمة في ذكر عجلة الإنسان هاهنا أنه لما ذكر المستهزئين بالرسول صلوات الله وسلامه عليه وقع في النفوس سرعة الانتقام منهم واستعجلت ذلك فقال الله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ لأنه تعالى يُملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفْلِتْه، يُؤجِّلُ ثم يُعَجَّلُ، وَيُنْظِرُ ثم لا يؤخِّر، ولهذا قال: ﴿سَأُرِيكُمْ آيَاتِي﴾، أي: نِقَمِي وحُكْمِي واقتداري على مَنْ عصاني، ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾). وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. إخبار من الله سبحانه عن سلوك هؤلاء المشركين كمَنْ قبلهم في استعجال الرسل بوقوع العذاب بهم، تكذبيًا منهم بذلك وجحودًا واستبعادًا. وقوله تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾. تقريبٌ من الله سبحانه لهؤلاء المنكرين البعث والحساب والعذاب لما هم مقبلون عليه من النكال بوصفه أحوالهم وهم في غمرات الجحيم، لا يستطيعون ردّ النار عن وجوههم ولا عن ظهورهم ولا سبيل لهم يومئذ إلى فرج أو نصر أو خلاص مما هم فيه.

стр. 2849

وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦]. ٢ - وقال تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: ٤١]. ٣ - وقال تعالى: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠]. وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: [يقول الله ﵎ لأَهْوَنِ أهل النار عذابًا: لو كانت لك الدنيا وما فيها أكنت مفتديًا بها؟ فيقول: نعم، فيقول: قد أردت منك أهون من هذا وأنت في صلب آدم أن لا تشرك ولا أدخلكَ النار، فأبيتَ إلا الشرك] (١). وفي لفظ آخر: [يقول الله لأهون أهل النار عذابًا يوم القيامة: يا ابن آدم! كيف وجدت مضجعك؟ فيقول: شر مضجع .... ] الحديث. وفي جامع الترمذي ومسند أحمد بسند حسن عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: [يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثالَ الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يُساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار، يُسْقونَ من عُصارةِ أهل النار، طينةِ الخبال] (٢). وقوله تعالى: ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾. أي: بل تأتيهم النار فجأة كما تأتيهم الساعة بغتة فلا يجدون أنفسهم إلا وقد أحيط بهم في سعير النار ولهبها وسمومها فلا حيلة حينئذ لردها ولا هم يمهلون أو يؤخرون لتوبة واعتذار، فقد فات أوان التوبة والاستغفار. قال الفراء: (فتبهتهم: أي تحيرهم). وقيل: فتفجؤهم. وقال الجوهري: (بَهَتَه بَهْتًا أخذه بغتة). والمقصود: أن النار تغشاهم فجأة وتلفح وجوههم حتى تحيرهم في اندفاعها نحوهم، ولا حيلة عندهم لردها أو دفعها. ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ أي؟ ولا يؤخّر عنهم هذا الحال السيِّئ ساعة واحدة. وقال القرطبي: (أي: لا يمهلون ويؤخرون لتوبة واعتذار).

стр. 2850

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: [نارُكم هذه التي يوقد ابنُ آدم، جزء من سبعين جزءًا من حر جهنم. قالوا: والله إن كانت لكافية يا رسول الله، قال: فإنها فُضِّلَت عليها بتسعة وستين جزءًا كلها مثل حرها] (١). ٤١ - ٤٥. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٤١) قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (٤٣) بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ (٤٤) قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ (٤٥)﴾. في هذه الآيات: تثبيت الله تعالى نبيّه ﷺ بأن له في طريق الأنبياء قبله أسوة، فالمكر سيحيق بالمستهزئين. قل لهؤلاء المشركين - يا محمد -: من الذي يحفظكم بالليل والنهار من أمر الرحمن إذا نزل بكم، بل أنتم عن ذكر ربكم وشكره معرضون. فهل لكم آلهة تمنعُ نزواط العذاب بكم؟ أم هي هزيلة لا تستطيع نصر أنفسها ولا هي مصحوبة بالنصر والتأييد؟ ! إنما غرّ هؤلاء متاع الحياة الدنيا فهلّا نظروا إلى أطراف البلاد كيف يفتحها الله للمسلمين، ويتعظوا بهذا الوحي الكريم، وإنما الصم لا يسمعون ولا يعقلون ما ينذرون. فقوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. تسلية من الله تعالى لرسوله ﷺ عما يلقاه من إيذاء المشركين واستهزائهم وتكذيبهم.

стр. 2851

قال النسفي: (سلّى رسول الله ﷺ عن استهزائهم به بأن له في الأنبياء أسوة، وأن ما يفعلونه به يحيق بهم كما حاق بالمستهزئين بالأنبياء ما فعلوا). وفي التنزيل: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤]. وقوله: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾. قال ابن عباس: (يحرسكم). وقال قتادة: (قل من يحفظكم بالليل والنهار من الرحمن). والخطاب لهؤلاء المشركين المستعجلين العذاب. أي: قل لهم يا محمد، من يحفظكم ويحرسكم بالليل إذا نمتم، وبالنهار إذا انتشرتم من أمر الرحمان إن نزل بكم، ومن عذابه إن وقع عليكم. وقوله: ﴿بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾. قال ابن كثير: (أي: لا يعترفون بنعمه عليهم وإحسانه إليهم، بل يُعرضون عن آياته وآلائه). وقال القرطبي: ﴿بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ﴾ أي عن القرآن. وقيل: عن مواعظ ربهم. وقيل: عن معرفته. ﴿مُعْرِضُونَ﴾ لاهون غافلون). وقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا﴾. أي: أم لهؤلاء المشركين آلهة تقدر على نصرهم إذا نزل بهم عذابنا وحل بهم سخطنا ونقمتنا. وقوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ﴾. قال قتادة: (يعني الآلهة). أي: بل هم من الضعف والمهانة والعجز بحيث لا تستطيع آلهتهم الهزيلة المخلوقة الدفاع عنهم ولا عن نفسها إذا قضى الله تعالى نزول العذاب بهم. وقوله: ﴿وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾. قال مجاهد: (لا ينصرون). أو قال: (ولا هم يحفظون). وعن ابن عباس: (يقول: ولا هم منا يُجارون). وقال قتادة: (لا يُصحبون من الله بخير). قال القاسمي: (ومعناه: كيف تستطيع آلهتهم التي يدعونها من دوننا أن تمنعهم

стр. 2852

منا، وهي لا تستطيع نصر أنفسها ولا هي بمصحوبة منا بالنصر والتأييد). وقوله: ﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾. قال ابن كثير: (يقول تعالى مخبرًا عن المشركين: إنما غرَّهم وحملهم على ما هم فيه من الضَّلال أنهم مُتِّعوا في الحياة الدنيا ونُعِّمُوا، وطالَ عليهم العُمر فيما هُم فيه، فاعتقدوا أنهم على شيء). وقوله: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾. قال الحسن البصري: (يعني بذلك ظهور الإسلام على الكفر). أي: أفلا يرى هؤلاء المشركون - يا محمد - كيف نخرّب البلاد في النواحي المجاورة والأرجاء المختلفة بقهرنا أهلها وغلبهم وإجلائهم. قال القاسمي: (أي ننقص أرض الكفر فَنُخَرِّبُها من نواحيها بقهرنا أهلها وغلبتنا لهم وإجلائهم عنها بالسيوف، فيعتبروا بذلك ويتعظوا به ويحذروا منا أن ننزل من بأسنا بهم نحو الذي قد أنزلنا بمن فعلنا ذلك به من أهل الأطراف). وقوله: ﴿أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ - تقريعٌ للمشركين بغرورهم وجهلهم بالله وقدرته وجبروته. قال قتادة: (يقول: ليسوا بغالبين، ولكن رسول الله ﷺ هو الغالب). وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾. أي بهذا التنزيل العظيم. قال قتادة: (أي بهذا القرآن). وقوله: ﴿وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ﴾. أي لا يجدي هذا الإنذار عمن ختم الله على قلبه وطمس على سمعه وجعل على بصره غشاوة. قال سعيد، عن قتادة: (يقول: إن الكافر قد صمَّ عن كتاب الله لا يسمعه، ولا ينتفع به ولا يعقله، كما يسمعه المؤمن وأهل الإيمان). ٤٦ - ٤٧. قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٤٦) وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾. في هذه الآيات: إقرار المكذبين بذنوبهم عند حلول العذاب بهم، والوزن يوم القيامة هو الحق فلا تظلم نفس مثقال ذرة وكفى بالله حفيظًا.

стр. 2853

فقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. النفحة: النصيب والحظ. قال الرازي: (ونَفْحَةٌ من العذاب: قِطْعةٌ منه). وقال قتادة: (يقول: لئن أصابتهم عقوبة). والمعنئ: ولئن نزل بهؤلاء المكذبين قطعة من عذاب الله لرأيتهم يعترفون بذنوبهم ويقرّون أنهم كانوا في هذه الحياة الدنيا ظالمين. وقوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. قال ابن كثير: (أي: ونضع الموازين العَدْل ليوم القيامة. الأكثر على أنه إنما هو ميزان واحد، وإنما جمع باعتبار تعدّد الأعمال الموزونة فيه). قلت: ويؤيد هذا ما روى الحاكم بسند صحيح عن سلمان، عن النبي ﷺ قال: [يوضع الميزان يوم القيامة فلو وزن فيه السماوات والأرض لوسعت، فتقول الملائكة: يا رب لمن يزن هذا؟ فيقول الله تعالى: لمن شئت من خلقي، فتقول الملائكة: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك، ويوضع الصراط مثل حد الموسى، فتقول الملائكة: من تجيز على هذا؟ فيقول: من شئت من خلقي، فيقولون: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك] (١). وفي جامع الترمذي بسند صحيح عن عائشة: [أن رجلًا قعد بين يدي رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله: إن لي مَمْلوكين، يكذبونني، ويخونونني، ويعصونني، وأشتمهم وأضربهم، فكيف أنا منهم؟ قال: "يُحْسَبُ ما خانوكَ وعَصَوْكَ وكَذَّبوك، وعِقابُكَ إيَّاهم، فإن كان عقابُك إياهم بِقَدْرِ ذنوبهم كان كَفافًا لا لَكَ ولا عليكَ، وإنْ كانَ عقابُك إياهم دونَ ذنوبهم كان فَضْلًا لك، وإنْ كان عقابُك إياهم فوقَ ذنوبهم اقْتُصَّ لهم مِنْكَ الفَضْلُ". قال: فتنحّى الرجل، فجعل يبكي ويهتف، فقال رسول الله ﷺ : "أما تَقْرأ كِتابَ الله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ الآية. فقال الرجل: والله يا رسول الله، ما أجد لي ولهم شيئًا خيرًا من مفارقتهم، أشهدك أنهم أحرار كلهم] (٢).

стр. 2854

وقوله: ﴿فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا﴾. أي: فلا يظلم الله نفسًا وإن كان الذي له من عمل الحسنات أو السيئات وزن حبة من خردل جئنا بها فأحضرناها. قال ابن زيد: (كتبناها وأحصيناها له وعليه). وقال: (يؤتى بها لك وعليك، ثم يعفو إن شاء أو يأخذ، ويجزي بما عمل له من طاعة). وعن مجاهد: ﴿أَتَيْنَا بِهَا﴾ قال: جازَيْنا بها). وقوله: ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾. أي عالمين حافظين، ولا أحد أسرع حسابًا منا. وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]. ٣ - وقال تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]. ٤ - وقال تعالى - من قيل لقمان -: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦]. ومن كنوز السنة العطرة في آفاق ذلك أحاديث: الحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن أبي ذر ﵁، عن النبي ﷺ فيما روى عن الله تبارك وتعالئ أنه قال: [يا عبادي إني حَرَّمتُ الظلمَ على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا] الحديث (١). الحديث الثاني: أخرج الترمذي وابن ماجة بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الله يستخلِصُ رجلًا من أُمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشُرُ عليه تسعةً وتسعين سِجِلًا، كُل سجلٍّ مَدُّ البصر، ثم يقول: أَتُنكِرُ من هذا شيئًا؟ أظَلَمتْكَ كَتَبتي الحافِظُون؟ قال: لا، يا رب. قال: أفلك عُذْرٌ أو حسنةٌ؟ قال: فَيُبْهَتُ الرجلُ فيقول: لا، يا رب. فيقول: بلى، إنَّ لك عندنا حسنة واحدةً، لا ظلم اليوم عليك. فَيُخرجُ له بطاقة فيها: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله"، فيقول: أَحْضِروه.

стр. 2855

فيقول: يا ربِّ، ما هذه البطاقةُ مع هذه السِّجلاتُ! فيقال: إنك لا تُظلم. قال: فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، قال: فطاشت السجلات وثقلت البطاقة. قال: ولا يثقل شيءٌ باسم الله الرحمن الرحيم] (١). الحديث الثالث: أخرج الشيخان وأحمد والترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم] (٢). ٤٨ - ٥٠. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩) وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٠)﴾. في هذه الآيات: اشتمال التوراة على الفرقان بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والذكرى للمؤمنين الذين هم من الساعة مشفقون. وهذا القرآن كذلك كتاب مبارك في غاية الإعجاز والجلاء والوضوح فعجب من قوم له ينكرون. فقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ﴾. قال مجاهد: (الكتاب). وقال قتادة: (الفرقان: التوراة حلالها وحرامها، وما فرق الله به بين الحق والباطل). وقال ابن زيد: (الفرقان: الحق آتاه الله موسى وهارون، فرق بينهما وبين فرعون، قضى بينهم بالحق، وقرأ: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال: ٤١] قال: يوم بدر). قال: (يعني النصر). والآية كغيرها من الآيات يقرن الله تعالى بين ذكر موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام وبين كتابيهما.

стр. 2856

قال ابن كثير: (وجامعُ القول في ذلك أن الكتب السماوية تَشتمِلُ على التفرقة بين الحق والباطل، والهُدى والضلال، والغَيِّ والرشاد، والحلال والحرام، وعلى ما يحصُل نورًا في القُلوب، وهدايةً وخوفًا وإنابةً وخشية، ولهذا قال: ﴿الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: تذكيرًا لهم وعظة). وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾. يشتمل على ركني النجاة: خشية الله بالغيب، والعمل والاستعداد للقائه يوم القيامة. فالإيمان: قول وعمل. والقول قولان: قول القلب وقول اللسان. والعمل عملان: عمل القلب وعمل الجوارح. وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك: ١٢]. ٢ - وقال تعالى: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٣٣]. وقوله: ﴿وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾. أي: خائفون وجلون حذرون. أخرج أبو نعيم في "الحلية" بسند حسن في الشواهد عن شداد بن أوس أن رسول الله ﷺ قال: [قال الله : وعزتي وجلالي لا أجمع لعبدي أمْنَين ولا خوفين، إنْ هو أمنني في الدنيا أخفته يوم أجمع فيه عبادي، وإن هو خافني في الدنيا أمنته يوم أجمع فيه عبادي] (١). وقوله تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾. قال قتادة: (أي هذا القرآن). أي: أفأنتم معشر العرب منكرون لهذا القرآن المبارك الذي أنزله الله تعالى على محمد ﷺ كما أنزل التوراة من قبل على موسى ﵊، وهو الكتاب المعجز الذي لا يأتيه الباطل عن بين يديه ولا من خلفه، وفيه ذكر أخبار الأمم وأخبار ما يجري وما سيكون إلى يوم القيامة، وأخبار كل شيء، فكيف تنكرونه وهو في هذه الغاية من الجلاء والوضوح والبيان والإعجاز. ٥١ - ٥٦. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ

стр. 2857

عَالِمِينَ (٥١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (٥٣) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٥٤) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (٥٥) قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٥٦)﴾. في هذه الآيات: إلهامُ الله تعالى إبراهيم ﷺ الحق من صغره، وثناؤه تعالى عليه في قوة محاججته لأبيه وقومه في عكوفهم على عبادة الأوثان والأصنام، وترك عبادة الرحمان، فاطر السماوات والأرض، وله الخلق والأمر، وهو ربّ جميع الأنام. فقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ﴾. قال مجاهد: (هديناه صغيرًا). وعن قتادة قال: (يقول: آتيناه هداه). والمقصود: هداه الله من صغره وألهمه الحق وقوة الحجة ليفيد منها عند جداله قومه. كما في التنزيل: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ٨٣]. وقوله: ﴿وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: وكنا عالمين به أنه ذو يقين وإيمان بالله وتوحيد له، لا يشرك به شيئًا). والمقصود: أنه كان أهلًا لهذا الاختصاص من الله تعالى. وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾. قال مجاهد: (الأصنام). قال ابن كثير: (هذا هو الرُّشد الذي أوتيه من صِغره، الإنكارُ على قومه عبادةَ الأصنام من دون الله ، فقال: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾، أي: مُعْتكِفون على عِبادتها). وقوله تعالى: ﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾. احتجاج فاسدٌ من القوم إذ اعتبروا صنيع الآباء الضُّلال حجة تُسَوِّغ لهم عبادتهم الأوثان من بعدهم. وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. إخبارٌ من الله تعالى عن قول إبراهيم ﵊ مجيبًا لهم في

стр. 2858

احتجاجهم الفاسد على عبادة الأوثان بصنيع الآباء: لقد كنتم أنتم وآباؤكم في منهاج عبادتكم في ذهاب عن سبيل الحق وجور عن قصد السبيل، لا يخفى ذلك على عاقل، بل هو ظاهر بَيِّن. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾. قال النسفي: (أي أجادٌّ أنت فيما تقول أم لاعبٌ، استعظامًا منهم إنكاره عليهم، واستبعادًا لأن يكون ما هم عليه ضلالًا). وقوله تعالى: ﴿قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾. أي: بل ربكم أيها القوم رب السماوات والأرض الذي خلقهن وخلق ما فيهن من المخلوقات، ومن جملتها أصنامكم وآلهتكم الضعيفة التافهة التي تصرفون لها العبادة بسبب خفة عقولكم وفراغ قلوبكم من الإيمان بالله الخالق العظيم الواحد الأحد، وأنا أشهد أنه لا إله غيره، ولا ربّ سواه، وإليه كل الخلق والأمر وله صحيح العبادة. ٥٧ - ٧٠. قوله تعالى: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨) قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (٦٠) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١) قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٧) قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠)﴾. في هذه الآيات: تحطيمُ إبراهيم ﷺ أصنام قومه، واستخفافه بعقولهم عند

стр. 2859

محاكمتهم له، واجتماعهم على تحريقه فأنجاه الله -قال: يا نار كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم-، وَردّ كيدهم في نحرهم وجعلهم الأخسرين. فقوله تعالى: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾. قال النسفي: (﴿وَتَاللَّهِ﴾ أصله والله، وفي التاء معنى التعجب من تسهيل الكيد على يده مع صعوبته وتعذره لقوة سلطة نمرود). وقال ابن كثير: (أقسم الخليلُ قسمًا أسْمَعَهُ بعض قومه: ليكيدَنَّ أصنامَهُم، أي: ليحرِصَن على أذاهم وتَكْسِيرهم بعد أن يُوَلُّوا مُدْبرين، أي: إلى عيدهم. وكان لهم عيدٌ يخرجون إليه). قال السُّدِّيُّ: (لما اقترب وقتُ ذلك العيد قال أبوه: يا بُنَيَّ، لو خَرَجْتَ معنا إلى عيدنا لأعجبك دينُنا! فخرج معهم، فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسَه إلى الأرض وقال: إني سقيم. فجعلوا يمرون عليه وهو صريعٌ فيقولن: مَهْ! فيقول: إني سقيم. فلما جَاز عامَّتُهم وَبقِيَ ضُعَفاؤهم، قال: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم﴾، فسمعه أولئك). وقوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا﴾. قال ابن عباس: (يقول: حُطامًا). وقال مجاهد: (كالصَّريم). وقال قتادة: (أي قطِعًا). والمقصود: فكسر أصنامهم وجعلهن قطعًا - من الجذ وهو القطع، جمع جذاذة -. وقوله: ﴿إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾. قال ابن عباس: (إلا عظيمًا لهم عظيم آلهتهم). وقال مجاهد: (جعل إبراهيم الفأس التي أهلك بها أصنامهم مسندة إلى صدر كبيرهم الذي ترك). قال قتادة: (كادهم بذلك لعلهم يتذكرون أو يبصرون). والمقصود: تَرَكَ كبيرَ الأصنام قاصدًا لعلهم يرجعون إليه فيسألونه عن كاسرها فيتبين لهم عجزه، أو لعلهم يظنون أنه هو غار لنفسه وأَنِفَ أن تُعْبد معه هذه الأصنام الصِّغار فكسرها. وقيل: لعلهم يرجعون إلى إبراهيم أو إلى الله. والتفسير الأول أنسب للسياق ومكيدة إبراهيم ﷺ بهم. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾. قال القاسمي: (﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا﴾ أي هذا الفعل الفظيع ﴿بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ

стр. 2860

الظَّالِمِينَ﴾ أي لجرأته على إهانتها وهي الجديرة عندهم بالتعظيم. أو لإفراطه في التجذيذ والحطم، وتماديه في الاستهانة بها. أو بتعريض نفسه للهلكة. والاستفهام للإنكار والتوبيخ والتشنيع). وقوله تعالى: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾. أي: سمعنا فتى يعيبهم يقال له إبراهيم. قال ابن جريج: (يذكرهم يعيبهم). وقال ابن إسحاق: (سمعناه يسبها ويعيبها ويستهزئ بها، لم نسمع أحدًا يقول ذلك غيره، وهو الذي نظن صنع هذا بها). وقوله تعالى: ﴿قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾. أي: أحضروه على مرأى الناس ليشهدوا عقوبته. قال ابن إسحاق: (﴿لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾: أي ما يصنع به). قال ابن كثير: (وكان هذا هو المقصود الأكبر لإبراهيم ﵇، أن يُبَيِّنَ في هذا المحفل العظيم كثرة جهلهم وقلة عقولهم في عبادة هذه الأصنام، التي لا تدفع عن نفسها ضَرًّا، ولا تستطيع لها نصرًا، فكيف يُطلَبُ منها شيءٌ من ذلك). وقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾. أي: سألوه في مشهد الناس أحقًّا أنت الذي فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم؟ ! - وإنما أرادوا إقامة البينة عليه ثم عقوبته أمام الملأ ليكون عبرة لمن يعتبر - فكادهم صلوات الله وسلامه عليه بإجابة ذكية بأن نسب الفعل إلى كبيرهم ليضعهم أمام تفاهة منهجهم في التفكير والعبادة. قال قتادة: (قوله: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ ... الآية، وهي هذه الخصلة التي كادهم بها). وقال ابن إسحاق: (غضب من أن يعبدوا معه هذه الصغار وهو أكبر منها، فكسرهن). قال القرطبي: (إن كانوا ينطقون فاسألوهم. فعلق فعل الكبير بنطق الآخرين، تنبيهًا لهم على فساد اعتقادهم. كأنه قال: بل هو الفاعل إن نطق هؤلاء. وقيل: بيّن أن من لا يتكلم ولا يعلم لا يستحق أن يعبد). ولا شك أن قول إبراهيم ﷺ ذلك من المعاريض، وفي المعاريض مندوحة عن الكذب.

стр. 2861

وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [لمَ يَكْذِبْ إبراهيم إلا ثلاثًا] (١). وفي الصحيحين والمسند عنه مرفوعًا: [لم يَكْذِبْ إبراهيمُ ﵊ إلا ثلاثَ كذَباتٍ: ثِنْتَيْنِ مِنْهُنَّ في ذات الله , قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]، وقال: بَيْنا هو ذاتَ يومٍ وسارةُ إذ أتى على جَبَّارٍ من الجبابرةِ، فقيل لهُ: إن هذا رجُلٌ مَعَهُ امرأةٌ مِنْ أَحْسَنِ الناس، فأرْسَلَ إليهِ فسألهُ عَنْها، فقال: مَنْ هذه؟ قال: أختي، فأتى سارةَ فقال: يا سارةُ، ليس على وجهِ الأرض مؤمنٌ غيري وغيرُكِ، وإنَّ هذا سألني عَنْكِ فأَخْبَرْتُه أنَّكِ أختي فلا تُكَذّبيني، فأرسلَ إليها، فلَمَّا دَخَلَتْ عليهِ ذَهَبَ يتناولها بيدهِ فأُخِذَ، فقال: ادعي اللهَ لي ولا أَضُرُّكِ، فَدَعَت اللهَ فأُطْلِقَ ثم تَناوَلَها الثانية فأُخِذَ مِثْلَها أو أشدَّ، فقال: ادعي اللهَ لي ولا أَضُرُّكِ، فدعَتِ اللهَ فَأُطْلِقَ، فدَعَا بَعضَ حَجَبَتِهِ فقال: إنَّكَ لم تأتِني بإنسانٍ، إنما أَتَيْتَني بِشَيطانٍ، فأخْدَمَها هاجرَ، فأَتَتْهُ وهو قائِمٌ يُصَلي فأومأَ بيدهِ: مَهْيَم؟ قالت: ردَّ الله كيدَ الكافر - أو الفاجر - في نَحْرهِ وأخدم هاجر. قال أبو هريرةَ: تِلْكَ أُمُّكُمْ يا بني ماء السماء] (٢). وقوله تعالى: ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾. أي بترك حراستكم الآلهة. أو كما قال النسفي: (فرجعوا إلى عقولهم وتفكروا بقلوبهم لما أخذ بمخانقهم ﴿فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ على الحقيقة بعبادة ما لا ينطقُ لا من ظلمتموه حين قلتم من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين، فإنه من لا يدفعُ عن رأسهِ الفاس، كيف يدفعُ عَنْ عابديهِ الباس). وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾. أي: ثم أطرقوا في الأرض وأصابتهم حيرة من أمرهم، ثم قالوا لإبراهيم: كيفَ تقول لنا سلوهم وهم لا ينطقون وأنتَ تعلمُ أَنها لا تنطق! قال قتادة: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾ أدركتِ الناسُ حيرة سوء).

стр. 2862

وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ﴾. قال ابن إسحاق: (يقول: ألا ترون أنهم لم يدفعوا عن أنفسهم الضر الذي أصابهم، وأنهم لا ينطقون فيخبرونكم من صَنَعَ ذلكَ بهم، فكيف ينفعونكم أو يضرون). والمقصود: أنَّ إبراهيم ﷺ استفاد من حيرتهم وعجزهم عن تفسير الموقف بأَنْ واجههم بفساد المنهج الذي هم عليه: كيفَ تعبدون من لا ينطقُ ولا يضر ولا ينفع؟ ! . وقوله تعالى: ﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: قُبحًا لكم وللَالهة التي تعبدون من دون الله، أفلا تعقلون قبح ما تفعلون من عبادتكم ما لا يضرُ ولا ينفعُ، فتتركوا عبادته، وتعبدوا الله الذي فطر السماوات والأرض، والذي بيدهِ النفع والضر). وقوله تعالى: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾. قال ابن إسحاق: (أجمع نمرود وقومه في إبراهيم فقال: ﴿حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ أي: لا تنصروها منه إلا بالتحريق بالنار إن كنتم ناصريها). فبنوا له بنيانًا، وأوقدوا فيهِ نارًا، ثم ألقوهُ في النار. فقال إبراهيم عند ذلكَ: "حسبي الله ونعم الوكيل". ففي صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: [﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾، قالها إبراهيم ﷺ حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا: إنَّ الناسَ قد جَمَعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل] (١). وفي رواية له عن ابن عباس ﵄ قال: [كانَ آخِرَ قول إبراهيم ﷺ حين ألقي في النار: حسبي الله ونعم الوكيل]. وقوله تعالى: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾. قال ابن جريج: (قوله: ﴿بَرْدًا﴾ قال: بردت عليه ﴿وَسَلَامًا﴾ لا تؤذيه). قلت: وهذه كرامة عظيمة من الله تعالى لنبيِّه وخليله إبراهيم ﵊، ومعجزة باقية في ذكراها تتلوها الأجيال المتعاقبة على مرّ الدهور والأزمان. فإن الصدق

стр. 2863

مع الله في نصر دينه لا بد أن يقابله خرق للعادات ونصر من الله لأوليائه وعباده الصالحين. وفي التنزيل: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]. وفي سنن ابن ماجة وجامع الترمذي بسند صحيح عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خِماصًا وتروح بِطانًا] (١). ولفظ الترمذي: [لو أنكم كنتم تَوَكَّلونَ على الله حقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُم كما تُرْزَقُ الطَّيْرُ، تغذو خِماصًا، وتروحُ بِطانًا]. وقوله تعالى: ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾. أي: أراد القوم بمكرهم إيقاع الكيد والنكال والعذاب بإبراهيم ﵊، فردّ الله تعالى المكر ليحيق بأهله، وجعلهم من المغلوبين الأسفلين الخاسرين. ٧١ - ٧٥. قوله تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (٧١) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (٧٢) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (٧٣) وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (٧٤) وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥)﴾. في هذه الآيات: نجاةُ إبراهيم ولوط - عليهما الصلاة والسلام - إلى بلاد الشام. وإكرام الله إبراهيم بإسحاق ويعقوب أئمة من الصالحين، يدعون إلى الدين الحق

стр. 2864

ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وكانوا لله عابدين. وإعطاء الله تعالى نبيَّه لوطًا ﷺ علمًا وحكمًا وحمايته من القوم الفاسقين، وإدخاله في رحمته إنه كان من الصالحين. فقوله تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾. قال قتادة: (كانا بأرض العراق، فأنجيا إلى أرض الشام، وكان يقال للشأم عماد دار الهجرة، وما نقص من الأرض زيد في الشأم، وما نقص من الشأم زيد في فلسطين، وكان يقال: هي أرض المحشر والمنشر، وبها مجمع الناس، وبها ينزل عيسى بن مريم، وبها يهلك الله شيخ الضلالة الكذّاب الدجال). والمقصود: أن الله ﵎ لما سَلَّم إبراهيم ﵊ من نار قومه، أخرجه من بين ظهرانيهم إلى بلاد الشام، إلى الأرض المقدسة منها. قلت: والشام مُهاجَرُ الأمة من الفتن إلى قيام الساعة، وفيها بقية المؤمنين والماء. وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى، وذلك في أحاديث: الحديث الأول: أخرج الحاكم في "المستدرك" بسند صحيح عن عبد الله موقوفًا - في حكم المرفوع -: [يُوشِك أن تَطْلُبوا في قُراكم هذه طَسْتًا مِنْ ماءٍ فلا تجدونَهُ، يَنْزَوي كلُّ ماءٍ إلى عُنْصُرِه، فيكون في الشام بقيَّةُ المؤمنين والماء] (١). الحديث الثاني: أخرج الترمذي بسند صحيح عن زيد بن ثابت الأنصاري ﵁ قال: [سمعت رسول الله ﷺ يقول: يا طوبى للشام! يا طوبى للشام! يا طوبى للشام! قالوا: يا رسول الله وبم ذلك؟ قال: تلك ملائكة الله باسطو أجنحتها على الشام]. وفي رواية: [طوبى للشام، إن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليه] (٢). وفي لفظ: [لأنَّ ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليه]. الحديث الثالث: أخرج أحمد في المسند عن أبي الدرداء مرفوعًا: [بينما أنا نائم إذ رأيتُ عمودَ الكتاب احتمل من تحت رأسي، فظننت أنه مذهوب به فأتبعته بصري، فعُمِدَ به إلى الشام. ألا وإن الإيمان حين تقع الفتن بالشام].

стр. 2865

وله شاهد عند الطبراني من حديث عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: [رأيتُ في المنام أخذوا عمودَ الكتاب فعمدوا به إلى الشام، فإذا وقعت الفتنُ فالأمن بالشام] وسنده حسن (١). وقوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ﴾. قال ابن عباس: (يقول: ووهبنا له إسحاق ولدًا، ويعقوب ابن ابنه نافلة). وقال قتادة: (والنافلة: ابن ابنه يعقوب). أي أعطاه الله إسحاق وزاده يعقوب نافلة، كما قال تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١]. وعنى بقوله: ﴿وَكُلًّا﴾ إبراهيم وإسحاق ويعقوب. ﴿جَعَلْنَا صَالِحِينَ﴾ - أي أَهل صلاح وتقوى وعمل بطاعة الله . وقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾. هو تحصيل الصبر واليقين بالله والعمل بطاعته. كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾. فبالصبر واليقين، تُنال الإمامة في الدين. قال قتادة: (جعلهم الله أئمة يُقتدى بهم في أمر الله. وقوله: ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ يقول: يهدون الناس بأمر الله إياهم بذلك، ويدعونهم إلى الله وإلى عبادته). وقوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾. أي: وأوحينا إليهم فيما أوحينا إليهم من الشرائع إقام الصلاة بحدودها وأركانها وواجباتها وخشوعها، والإنفاق في سبيل الله زكاة للأموال والخيرات، فكانوا عند حسن الظن في صدق الإيمان وحسن العبادة. قال قتادة: ﴿وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ يقول: كانوا لنا خاشعين، لا يستكبرون عن طاعتنا وعبادتنا). وقوله: ﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وآتينا لوطًا حكمًا، وهو فصل القضاء بين الخصوم، وعلمًا: يقول: وآتيناه أيضًا علمًا بأمر دينه، وما يجب عليه من فرائضه).

стр. 2866

وقوله: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾. أي: ونجيناه من العذاب الذي أنزلناه بأهل قرية سدوم التي انتشر في أهلها فعل الفواحش - من إتيانهم الذكور في أدبارهم - وكان لوط ﷺ قد بعث إليهم. وقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ﴾. أي: أصحاب سوء من العمل خارجين عن طاعة الله. وقوله: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا﴾. قال ابن زيد: (في الإسلام). قال القرطبي: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا﴾ في النبوة. وقيل: في الإسلام. وقيل: الجنة. وقيل: عنى بالرحمة إنجاءه من قومه ﴿إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾). ٧٦ - ٧٧. قوله تعالى: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧)﴾. في هذه الآيات: نجاةُ نوحٍ ﷺ بإذن الله من الكرب العظيم، وإغراق الله تعالى القوم الذين كذبوه وكانوا ظالمين. فقوله: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ﴾. أي: واذكر يا محمد نوحًا إذ نادى ربه من قبلك، ومن قبل إبراهيم ولوط، لِنُهِلِكَ من كَذَّبه من قومه وأسرف في العتو والطغيان. وفي التنزيل: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٦ - ٢٧]. وقوله: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾. أي: فاستجبنا له دعاءه وأهلكنا القوم الظالمين. ونجيناه وأهله أهل الإيمان من ولده وحلائلهم ومن مضى على منهاج الإيمان، من أهوال ذلك الطوفان. وفي التنزيل: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى

стр. 2867

الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر: ١٠ - ١٤]. وقوله: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾. قال أبو عبيدة: ﴿مِنَ﴾ بمعنى على. وقيل: المعنى فانتقمنا له. قال النسفي: (مَنَعْناه منهم أي من أذاهم). والمقصود: أن النصر كان لنوح ﷺ ومن مضى على منهاجه - في آخر الأمر وحين الفصل، وكان الهلاك والغرق من نصيب أهل التكذيب والطغيان، وأهل الاستهزاء والعصيان. وقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. أي: إنهم كانوا على منهاج سوء فاستأصلهم الغرق أجمعين. قال ابن كثير: (أي: أهلكهم الله بعامَّةٍ، ولم يُبْق على وجهِ الأرض منهم أحدًا، إذْ دَعا عليهم نبيُّهم). ٧٨ - ٨٢. قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (٧٩) وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (٨٠) وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (٨١) وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ (٨٢)﴾. في هذه الآيات: تفهيم الله سليمان في مسألة الكرم وغنم القوم، وتسخير الجبال مع داود يسبحن والطير، وتعليمه عمل الدروع الملبوسة، وتسخير الريح والشياطين لسليمان، عليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين الصلاة والسلام. فقوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾. قال أشعث عن أبي إسحاق عن مّرة عن ابن مسعود: (كان ذلك الحَرْث كرمًا قد نبتت عناقيده). وعن مّرة: (كان الحرث نبتًا).

стр. 2868

والمقصود: أنه من حرث الأرض من غرسه أو نباته. قال ابن عباس: (﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ قال: رعت). وقال ابن إسحاق: (النفش: الرعية تحت الليل). وعن قتادة: (النفش بالليل، والهَمْل بالنهار). قلت: وفي لغة العرب: لا يكون النفش إلا بالليل، والهَمَلُ يكون ليلًا ونهارًا. قال الرازي: (و ﴿نَفَشَتْ﴾ الإبل والغنم أي رَعَت ليْلًا بلا راع. قال: وأنفَشَها غيرُها تركها ترعى ليلًا بلا راع). وتفصيل الخبر كما رواه ابن جرير من طريق أشعث عن أبي إسحاق عن مرة، عن ابن مسعود - في قوله ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ - قال: (كَرْم قد أنْبَتَ عناقيده، فأفسدَتْه. قال: فقضى داودُ بالغنم لصاحب الكَرْم. فقال سليمان: غيرُ هذا يا نبيَّ الله! قال: وما ذاك؟ قال: تدفَعُ الكَرْمَ إلى صاحب الغنم فيقَومُ عليه حتى يعودَ كما كان، وتَدْفَعُ الغَنَم إلى صاحب الكرم فيصيب منها، حتى إذا كان الكَرْمُ كما كان دَفَعْتَ الكَرْم إلى صاحبه، ودَفَعْتَ الغنم إلى صاحبها، فذاك قوله: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾). وله شاهد عند ابن أبي حاتم عن خُدَيج عن أبِي إسحاق عن مُرَّة عن مَسُروق قال: (الحَرْثُ الذي نَفَشَت فيه الغنم إنما كان كَرْمًا نَفَشَت فيه الغنمُ، فلم تَدع فيه ورقة ولا عُنقودًا من عِنَب إلا أكَلَته، فأتوا داودَ فأعطاهم رِقَابها. فقال سليمان: لا، بل تِؤخذ الغَنَمُ فَتُعطى أهل الكَرْمِ، فيكون لهم لَبَنُها ونفعُها، ويُعطى أهل الغَنَم الكَرْم فيَعْمُروه ويُصلحوه، حتى يعود كالذي كان ليلةَ نَفَشَت فيه الغنمُ، ثم يُعطى أهلُ الغنم غَنَمَهم، وأهلُ الكرمِ كَرْمهُم). قلت: وأما في شرعنا، فعلى أصحاب الحوائط حفظ حيطانهم وزروعهم بالنهار، وعلى أصحاب المواشي حفظ مواشيهم بالليل. فإن فرّط صاحب الماشية في ضبط وحبس ماشيته ليلًا فانتشرت وأفسدت شيئًا من زروع الناس فعليه ضمان ذلك. وأدلة ذلك كثيرة: ١ - الدليل الأول: أخرج ابن ماجة وأبو داود بسند صحيح عن مُحَيِّصَةَ: [أنَّ ناقة للبراء بن عازب، دخلت حائط رجل فأفسدته، فقضى رسول الله ﷺ ، على أهل

стр. 2869

الأموال حفظها بالنهار، وعلى أهل المواشي حفظها بالليل] (١). وفي لفظ ابن ماجة: أفقضى أن حِفْظَ الأموال على أهلها بالنهار. وعلى أهل المواشي ما أصابت مواشيهم بالليل]. ٢ - الدليل الثاني: أخرج أبو داود بسند صحيح عن حرام بن مُحَيِّصَة الأنصاري، عن البراء بن عازب، قال: [كانت له ناقة ضارية، فدخلت حائطًا فأفسدت فيه، فَكُلِّمَ رسول الله ﷺ فيها، فقضى: أنَّ حفظ الحوائط بالنهار على أهلها، وأن حفظ الماشية بالليل على أهلها، وأن على أهل الماشية ما أصابت ماشِيَتُهم بالليل] (٢). وقوله: "ضارية" أي التي تعتاد رعي زرع الناس. والحائط: البستان. وقوله: "أن حفظ الأموال" أي البساتين. فما أتلفت الماشية بالنهار فالتقصير من صاحب البستان، فلا ضمان، وما أتلفت بالليل فالتقصير من صاحبها، وعليه الضمان. ٣ - الدليل الثالث: يروي ابن جرير بإسناده عن عامر - أي الشعبي، وكذلك عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن الشعبي: [أنَّ شاةً وقعت في غزل حائك فاختصموا إلى شُرَيح، فقال الشعبي: انظروه فإنه سيسألهم ليلًا وقعت فيه أو نهارًا، ففعل. ثم قال: إن كان بالليل ضمن، وإن كان بالنهار لم يضمن، ثم قرأ شريح: ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ قال: والنَّفْش بالليل والهَمَل بالنهار]. وفي لفظ ابن جرير، قال عامر: (جاء رجلان إلى شُريح، فقال أحدهما: إن شياه هذا قطعت غَزْلًا لي، فقال شريح: نهارًا أم ليلًا؟ قال: إن كان نهارًا فقد برئ صاحب الشياه، وإن وإن ليلًا فقد ضمن، ثم قرأ: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ قال: كان النفش ليلًا) (٣). وهذا التفريق بين الليل والنهار حكمته ظاهرة، كما قال القرطبي ﵀: (وذلك أن أهل المواشي لهم ضرورة إلى إرسال مواشيهم ترعى بالنهار، والأغلب عندهم أن من عنده زرع يتعاهده بالنهار ويحفظه عمن أراده، فجعل حفظ ذلك بالنهار على أهل

стр. 2870

الزروع، لأنه وقت التصرف في المعاش، كما قال الله سبحانه تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ: ١١]. فإذا جاء الليل فقد جاء الوقت الذي يرجع كل شيء إلى موضعه وسكنه، كما قال الله تعالى: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ [القصص: ٧٢] وقال: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ [الأنعام: ٩٦] ويرد أهل المواشي مواشيهم إلى مواضعهم ليحفظوها، فإذا فرّط صاحب الماشية في ردّها إلى منزله، أو فرّط في ضبطها وحبسها عن الانتشار بالليل حتى أتلفت شيئًا فعليه ضمان ذلك). فائدة: أما قوله ﷺ : [العَجْمَاءُ جُرْحُها جُبَارٌ] (١)، فالمقصود ما انفردت به البهيمة فأتلفته دون سائق أو قائد. أو يقال: هو حديث عام، ثم خصّ منه الزرع والحوائط بحديث البراء السابق. والله تعالى أعلم. وقد ذهب مالك والجمهور إلى القول بحديث البراء، وذهب أبو حنيفة وأصحابه وبعض الكوفيين إلى أن هذا الحكم منسوخ، فما أفسدت البهائم ليلًا أو نهارًا لا يلزم صاحبها شيء، واستدلوا بحديث: "جُرْح العجماء جُبار"، والراجح قول مالك والجمهور وأنه عموم ورد فيه التخصيص، والله أعلم. وقوله: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾. أي: لا يخفى علينا من ذلك الحكم شيءٌ، ولا يغيب عنا علمه. وفي الآية دليل على أن أقل الجمع اثنان. وقوله: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾. أي: ألهمنا سليمان صحة الحكم في المسألة ودقة الفتوى. قال الحسن: (أثنى على سليمان ولم يذمَّ داود). قلت: والآية تشير إلى أن الصواب كان مع سليمان ﵊، ولكن داود مأجور كذلك في اجتهاده. وبذلك جاءت سنة نبينا محمد ﷺ ، في أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم وأصحاب السُنن عن عمرو بن العاص أنه

стр. 2871

سمع رسول الله ﷺ يقول: [إذا حكمَ الحاكِمُ فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر] (١). الحديث الثاني: أخرج أبو داود وابن ماجة والحاكم بسند صحيح عن بريدة، عن النبي ﷺ قال: [القُضاة ثلاثةٌ: واحدٌ في الجنة، واثنان في النار، فأما الذي في الجنة، فرجل عرف الحق فقضى به. ورجلٌ عرف الحق، فجار في الحكم، فهو في النار، ورجلٌ قضى للناس على جهل فهو في النار] (٢). الحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم وأحمد والنسائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [كانت امرأتان مَعَهمُا ابناهُما، جاءَ الذئبُ فذهب بابن إحداهُما، فقالت صاحِبَتُها: إنَّما ذهبَ بابنِكِ، وقالت الأخرى: إنما ذهبَ بابنكِ، فتحاكمتا إلى داود فقضى به للكبرى، فخرجتا على سُليمان بنِ داود ﵉ فأخبرتاه، فقال: ائْتُوني بالسِّكين أشُقُّه بينهما، فقالت الصغرى: لا تَفْعَلْ يرحَمُكَ الله، هو ابْنُها، فقضى به للصغرى] (٣). قال أبو هريرة: (والله إنْ سمعتُ بالسِّكين إلا يومئذ وما كُنّا نقولُ إلا المُدْية). وقوله: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾. قال النسفي: (﴿حُكْمًا﴾ نبوة، ﴿وَعِلْمًا﴾ معرفة بموجب الحكم). وقوله: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ﴾. قال ابن كثير: (وذلك لطيب صوته بتلاوة كتابه الزبور، وكان إذا تَرَنَّمَ به تَقِفُ الطيرُ في الهواء فَتُجاوِبُه، وتَرُدُّ عليه الجبال تأويبًا). قلت: والصوت الحسن يزيد القرآن حسنًا وجمالًا، ويزداد المستمع له تأثرًا، فيزداد القلب بذلك تعلقًا وخشية، وقد جاء ذلك في صحيح السنة في أحاديث:

стр. 2872

الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [ما أذِنَ الله لشيءٍ ما أذِنَ لنبي حسنِ الصوتِ يتغنى بالقرآن يجهر به] (١). وهو بمعنى: ما استمع الله لشيء من كلام الناس كما استمع لمن تغنى بالقرآن، إشارة إلى الرضى والقبول. الحديث الثاني: أخرج مسلم وأحمد والنسائي عن أبي موسى الأشعري ﵁: [أنَّ رسول الله ﷺ قال له: لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة، لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود. فقال أبو موسى: لو علمت مكانك لحبَّرْتُ لك تحبيرًا] (٢). وأصل الزمر الغناء، والمراد الصوت الحسن، وآل داود هو داود نفسه، وقوله "لحَبَّرتُ": يريد تحسين الصوت وتحزينه. الحديث الثالث: أخرج أبو داود بسند صحيح عن البراء بن عازب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [زينوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوتَ الحسنَ يزيد القرآن حُسْنًا] (٣). وقوله: ﴿وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾. أي: قضينا ذلك في أم الكتاب من تسخير الجبال والطير مع داود ﷺ . قال القاسمي: (إشارة إلى أنه ليس ببدع في جانب القدرة الإلهية، وإن كان عند المخاطبين عجيبًا). وفي التنزيل نحو ذلك: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ١٧ - ١٩]. وقوله: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾. أي: عمل الدروع الملبوسة، فقد كانت قبل ذلك صفائح فجعلها حلقًا وسردها، أي أدخل بعضها في بعض. قال قتادة: (كانت صفائح، فأوّل من سَرَدها وحَلَّقها داود ﵇.

стр. 2873

وفي التنزيل: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ: ١٠ - ١١]. أي لا تُدِقَّ المسمار فيقلَقَ في الحَلْقةَ، ولا تُغَلِّظْهُ فَيَفْصمَها، واجعله بِقَدَر. قال الحكم بن عُتيبة: (لا تُغْلِظْهُ فَيَفْصِمَ، ولا تُدِقَّهُ فَيَقلَق). وقوله: ﴿لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾. أي: لتحفظكم من جراحات قتالكم، وتحرز أجسامكم عند لقاء عدوكم. وقوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾. أي: لنعم ربكم عليكم، وتسخيره من الوسائل ما فيه مصلحتكم. قال القرطبي: (أي على تيسير نعمة الدروع لكم. وقيل: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ بأن تطيعوا رسولي). وقوله: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾. قال قتادة: (ورث الله سليمان داود، فورثه نبوّته وملكه وزاده على ذلك أن سخّر له الريح والشياطين). وقال ابن زيد: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾ قال: عاصفة شديدة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها، قال: الشام). وقد جاء في التفاسير أنه كان لسليمان ﵊ بساط من خشب يوضع عليه الخيل والجند والمتاع، فيأمر الريح فترفعه، فما يدري القوم إلا وقد أظلهم بسلطانه وهيبته ﵊. وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢]. ٢ - وقال تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص: ٣٦]. وقوله: ﴿وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾. أي: لا يخفى علينا شيء. وقوله: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وسخرنا أيضًا لسليمان من الشياطين من يغوصون له في البحر، ويعملون عملًا دون ذلك من البنيان والتماثيل والمحاريب).

стр. 2874

وفي التنزيل: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ [ص: ٣٧ - ٣٨]. أي بعض الشياطين في غوص في أعماق البحار، يستخرجون له الجواهر واللآلئ، وبعضهم في البناء، وبعضهم في الصناعة، والكل تحت أمره وسلطانه. وقوله: ﴿وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾. أي: لأعدادهم وتحركاتهم وأعمالهم. قال ابن كثير: (أي: يحرسُه اللهُ أن ينالَه أحد الشياطين بسوء بل كلٌّ في قبضته وتحت قهره، لا يتجاسرُ أحد منهم على الدُّنُوِّ إليهِ والقربِ منه، بلِ هو يحكم فيهم إن شاء أطلقَ، وإن شاءَ حَبَسَ منهم من يشاء. ولهذا قال: ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾). ٨٣ - ٨٤. قوله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤)﴾. في هذه الآيات: يقول جل ثناؤه: واذكر يا محمد أيوبَ إذ نادى ربه إثر الضر والبلاء الذي نزل بهِ، ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾، فاستجاب الله له وكشف ما مسّهُ من ضر وجهد وبلاء، وأكرمه بأن آتاهُ أهله في الآخرة ومثلهم معهم في الدنيا رحمة منه سبحانه وعبرة لأهل الصبر على الحق وآلام الطريق. وعن نوف البِكَاليِّ قال: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ قال: أوتيَ أجْرَهم في الآخرة، وأعطي مثلهم في الدنيا). أخرج أبو يعلى في "المسند" وأبو نعيم في "الحلية" بسند جيد عن أنس بن مالك مرفوعًا: [إنَّ نبيَّ الله أيوب ﷺ لبث بهِ بلاؤهُ ثمان عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد، إلا رجلين من إخوانهِ كانا يغدوانِ إليهِ ويروحان، فقال أحدهما لصاحبهِ ذات يوم: تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنبًا ما أذنبهُ أحدًا من العالمين، فقال لهُ صاحبه: وما ذاكَ؟ قال: منذ ثمان عشرة سنة لم يرحمهُ الله فيكشف ما به، فلما راحا إلى أيوب لم يصبر الرجل حتى ذكرَ ذلك له، فقال أيوب: لا أدري ما تقولان غير أن الله تعالى يعلم أني كنتُ أمر بالرجلين يتنازعان، فيذكران الله فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما كراهيةَ أن يذكر الله إلا في حق، قال: وكان يخرجُ إلى حاجتهِ فإذا قضى حاجتهُ أمسكتهُ امرأتهُ بيده حتى يبلغ،

стр. 2875

فلما كان ذات يوم أبطأ عليها وأوحي إلى أيوب أن ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ فاستبطأته، فتلقته تنظر وقد أقبل عليها وقد أذهب اللهُ ما بهِ من البلاء وهو أحسن ما كان، فلما رأتهُ قالت: أي بارك اللهُ ديك، هل رأيت نبي الله هذا المبتلى، واللهِ على ذلكَ ما رأيتُ أشبهَ منكَ إذ كانَ صحيحًا، فقال: فإني أنا هو: وكان له أندران - أي بيدران - أندر للقمح وأندر للشعير، فبعث الله سحابتين، فلما كانت إحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض، وأفرضت الأخرى في أندر الشعير الوَرِق حتى فاض] (١). ٨٥ - ٨٦. قوله تعالى: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٦)﴾. في هذه الآيات: ثناء الله تعالى على إسماعيل وإدريس وذي الكفل في الصابرين، وإدخالهم في رحمته إنهم من الصالحين. قال النسفي: (﴿وَإِسْمَاعِيلَ﴾ بن إبراهيم ﴿وَإِدْرِيسَ﴾ بن شيت بن آدم ﴿وَذَا الْكِفْلِ﴾ أي اذكرهم، وهو إلياس أو زكريا أو يوشع بن نون وسمي به لأنه ذو الحظ من الله، والكفل الحظ، ﴿كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ أي هؤلاء المذكورون كلهم موصوفون بالصبر). قال ابن كثير: (وأما ذو الكفل فالظاهر من السياق أنه ما قرن مع الأنبياء إلا وهو نبيّ). وقوله: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا﴾. قال القاسمي: (أي في النبوة أو في نعمة الآخرة). وقوله: ﴿إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. أي من أهل الخير والصلاح والرشاد. ٨٧ - ٨٨. قوله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ
следующие страницы →