← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

سمع رسول الله ﷺ يقول: [إذا حكمَ الحاكِمُ فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر] (١). الحديث الثاني: أخرج أبو داود وابن ماجة والحاكم بسند صحيح عن بريدة، عن النبي ﷺ قال: [القُضاة ثلاثةٌ: واحدٌ في الجنة، واثنان في النار، فأما الذي في الجنة، فرجل عرف الحق فقضى به. ورجلٌ عرف الحق، فجار في الحكم، فهو في النار، ورجلٌ قضى للناس على جهل فهو في النار] (٢). الحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم وأحمد والنسائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [كانت امرأتان مَعَهمُا ابناهُما، جاءَ الذئبُ فذهب بابن إحداهُما، فقالت صاحِبَتُها: إنَّما ذهبَ بابنِكِ، وقالت الأخرى: إنما ذهبَ بابنكِ، فتحاكمتا إلى داود فقضى به للكبرى، فخرجتا على سُليمان بنِ داود ﵉ فأخبرتاه، فقال: ائْتُوني بالسِّكين أشُقُّه بينهما، فقالت الصغرى: لا تَفْعَلْ يرحَمُكَ الله، هو ابْنُها، فقضى به للصغرى] (٣). قال أبو هريرة: (والله إنْ سمعتُ بالسِّكين إلا يومئذ وما كُنّا نقولُ إلا المُدْية). وقوله: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾. قال النسفي: (﴿حُكْمًا﴾ نبوة، ﴿وَعِلْمًا﴾ معرفة بموجب الحكم). وقوله: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ﴾. قال ابن كثير: (وذلك لطيب صوته بتلاوة كتابه الزبور، وكان إذا تَرَنَّمَ به تَقِفُ الطيرُ في الهواء فَتُجاوِبُه، وتَرُدُّ عليه الجبال تأويبًا). قلت: والصوت الحسن يزيد القرآن حسنًا وجمالًا، ويزداد المستمع له تأثرًا، فيزداد القلب بذلك تعلقًا وخشية، وقد جاء ذلك في صحيح السنة في أحاديث:

стр. 2872

الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [ما أذِنَ الله لشيءٍ ما أذِنَ لنبي حسنِ الصوتِ يتغنى بالقرآن يجهر به] (١). وهو بمعنى: ما استمع الله لشيء من كلام الناس كما استمع لمن تغنى بالقرآن، إشارة إلى الرضى والقبول. الحديث الثاني: أخرج مسلم وأحمد والنسائي عن أبي موسى الأشعري ﵁: [أنَّ رسول الله ﷺ قال له: لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة، لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود. فقال أبو موسى: لو علمت مكانك لحبَّرْتُ لك تحبيرًا] (٢). وأصل الزمر الغناء، والمراد الصوت الحسن، وآل داود هو داود نفسه، وقوله "لحَبَّرتُ": يريد تحسين الصوت وتحزينه. الحديث الثالث: أخرج أبو داود بسند صحيح عن البراء بن عازب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [زينوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوتَ الحسنَ يزيد القرآن حُسْنًا] (٣). وقوله: ﴿وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾. أي: قضينا ذلك في أم الكتاب من تسخير الجبال والطير مع داود ﷺ . قال القاسمي: (إشارة إلى أنه ليس ببدع في جانب القدرة الإلهية، وإن كان عند المخاطبين عجيبًا). وفي التنزيل نحو ذلك: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ١٧ - ١٩]. وقوله: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾. أي: عمل الدروع الملبوسة، فقد كانت قبل ذلك صفائح فجعلها حلقًا وسردها، أي أدخل بعضها في بعض. قال قتادة: (كانت صفائح، فأوّل من سَرَدها وحَلَّقها داود ﵇.

стр. 2873

وفي التنزيل: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ: ١٠ - ١١]. أي لا تُدِقَّ المسمار فيقلَقَ في الحَلْقةَ، ولا تُغَلِّظْهُ فَيَفْصمَها، واجعله بِقَدَر. قال الحكم بن عُتيبة: (لا تُغْلِظْهُ فَيَفْصِمَ، ولا تُدِقَّهُ فَيَقلَق). وقوله: ﴿لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾. أي: لتحفظكم من جراحات قتالكم، وتحرز أجسامكم عند لقاء عدوكم. وقوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾. أي: لنعم ربكم عليكم، وتسخيره من الوسائل ما فيه مصلحتكم. قال القرطبي: (أي على تيسير نعمة الدروع لكم. وقيل: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ بأن تطيعوا رسولي). وقوله: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾. قال قتادة: (ورث الله سليمان داود، فورثه نبوّته وملكه وزاده على ذلك أن سخّر له الريح والشياطين). وقال ابن زيد: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾ قال: عاصفة شديدة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها، قال: الشام). وقد جاء في التفاسير أنه كان لسليمان ﵊ بساط من خشب يوضع عليه الخيل والجند والمتاع، فيأمر الريح فترفعه، فما يدري القوم إلا وقد أظلهم بسلطانه وهيبته ﵊. وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢]. ٢ - وقال تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص: ٣٦]. وقوله: ﴿وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾. أي: لا يخفى علينا شيء. وقوله: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وسخرنا أيضًا لسليمان من الشياطين من يغوصون له في البحر، ويعملون عملًا دون ذلك من البنيان والتماثيل والمحاريب).

стр. 2874

وفي التنزيل: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ [ص: ٣٧ - ٣٨]. أي بعض الشياطين في غوص في أعماق البحار، يستخرجون له الجواهر واللآلئ، وبعضهم في البناء، وبعضهم في الصناعة، والكل تحت أمره وسلطانه. وقوله: ﴿وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾. أي: لأعدادهم وتحركاتهم وأعمالهم. قال ابن كثير: (أي: يحرسُه اللهُ أن ينالَه أحد الشياطين بسوء بل كلٌّ في قبضته وتحت قهره، لا يتجاسرُ أحد منهم على الدُّنُوِّ إليهِ والقربِ منه، بلِ هو يحكم فيهم إن شاء أطلقَ، وإن شاءَ حَبَسَ منهم من يشاء. ولهذا قال: ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾). ٨٣ - ٨٤. قوله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤)﴾. في هذه الآيات: يقول جل ثناؤه: واذكر يا محمد أيوبَ إذ نادى ربه إثر الضر والبلاء الذي نزل بهِ، ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾، فاستجاب الله له وكشف ما مسّهُ من ضر وجهد وبلاء، وأكرمه بأن آتاهُ أهله في الآخرة ومثلهم معهم في الدنيا رحمة منه سبحانه وعبرة لأهل الصبر على الحق وآلام الطريق. وعن نوف البِكَاليِّ قال: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ قال: أوتيَ أجْرَهم في الآخرة، وأعطي مثلهم في الدنيا). أخرج أبو يعلى في "المسند" وأبو نعيم في "الحلية" بسند جيد عن أنس بن مالك مرفوعًا: [إنَّ نبيَّ الله أيوب ﷺ لبث بهِ بلاؤهُ ثمان عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد، إلا رجلين من إخوانهِ كانا يغدوانِ إليهِ ويروحان، فقال أحدهما لصاحبهِ ذات يوم: تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنبًا ما أذنبهُ أحدًا من العالمين، فقال لهُ صاحبه: وما ذاكَ؟ قال: منذ ثمان عشرة سنة لم يرحمهُ الله فيكشف ما به، فلما راحا إلى أيوب لم يصبر الرجل حتى ذكرَ ذلك له، فقال أيوب: لا أدري ما تقولان غير أن الله تعالى يعلم أني كنتُ أمر بالرجلين يتنازعان، فيذكران الله فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما كراهيةَ أن يذكر الله إلا في حق، قال: وكان يخرجُ إلى حاجتهِ فإذا قضى حاجتهُ أمسكتهُ امرأتهُ بيده حتى يبلغ،

стр. 2875

فلما كان ذات يوم أبطأ عليها وأوحي إلى أيوب أن ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ فاستبطأته، فتلقته تنظر وقد أقبل عليها وقد أذهب اللهُ ما بهِ من البلاء وهو أحسن ما كان، فلما رأتهُ قالت: أي بارك اللهُ ديك، هل رأيت نبي الله هذا المبتلى، واللهِ على ذلكَ ما رأيتُ أشبهَ منكَ إذ كانَ صحيحًا، فقال: فإني أنا هو: وكان له أندران - أي بيدران - أندر للقمح وأندر للشعير، فبعث الله سحابتين، فلما كانت إحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض، وأفرضت الأخرى في أندر الشعير الوَرِق حتى فاض] (١). ٨٥ - ٨٦. قوله تعالى: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٦)﴾. في هذه الآيات: ثناء الله تعالى على إسماعيل وإدريس وذي الكفل في الصابرين، وإدخالهم في رحمته إنهم من الصالحين. قال النسفي: (﴿وَإِسْمَاعِيلَ﴾ بن إبراهيم ﴿وَإِدْرِيسَ﴾ بن شيت بن آدم ﴿وَذَا الْكِفْلِ﴾ أي اذكرهم، وهو إلياس أو زكريا أو يوشع بن نون وسمي به لأنه ذو الحظ من الله، والكفل الحظ، ﴿كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ أي هؤلاء المذكورون كلهم موصوفون بالصبر). قال ابن كثير: (وأما ذو الكفل فالظاهر من السياق أنه ما قرن مع الأنبياء إلا وهو نبيّ). وقوله: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا﴾. قال القاسمي: (أي في النبوة أو في نعمة الآخرة). وقوله: ﴿إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. أي من أهل الخير والصلاح والرشاد. ٨٧ - ٨٨. قوله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ

стр. 2876

فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾. في هذه الآيات: تضييق الله على يونس وإدخاله في بطن الحوت، ودعوته ربه من ذلكَ السجن بخير الدعاء، الذي كشف اللهُ به غمّهُ وهو لجميع المؤمنين من خير الرجاء. فقوله: ﴿وَذَا النُّونِ﴾ - يعني الحوت. أي: اذكر يا محمد صاحب النون، أي صاحب الحوت، وهو يونس بن متى، عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. وقوله: ﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾. قال ابن عباس: (يقول: غضب على قومه). وقوله: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾. أي: فظن أن لن نعاقبه بالتضيق عليه ببطن الحوت. وقال مجاهد: (فظن أن لن نعاقبه بذنبه). وقال قتادة: (ظن أن لن نقضي عليه العقوبة). وكلا المعنيين محتمل: التضييق أو التقدير والقضاء. ومثال الأول: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٧]. ومثال الثاني: قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: ١٢]. وإنما كانَ ذلكَ حين بعثَ اللهُ يونس ﵊ إلى أهل "نِيْنَوى" بالموصل، فدعاهم إلى الله، فأبوا وتمادوا على كفرهم، فخرج من بين أظهرهم مغاضبًا لهم متوعدًا بالعذاب بعد ثلاث، فخافوا بعد خروجه وعلموا أن دعوة النبي حق، فخرجوا بذراريهم وأنعامهم إلى الصحراء يستغفرون ويجأرون فرفع اللهُ عنهم العذاب، وامتحن يونس ﵇ في ركوب السفينة ونزول القرعة به ليلتقمه الحوت. وقوله: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. هو من أعظم الدعاء عند الكرب والمصيبة، وقد جعله الله تعالى شرعًا ماضيًا في أمة محمد ﷺ إلى قيام الساعة. فقد أخرج الإمام أحمد في المسند، والترمذي في السنن، بسند صحيح، عن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : [دعوةُ ذي النون إذ دعا بها وهو في بطن الحوت، ﴿لَا

стр. 2877

إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، لم يدع بها رجلٌ مسلمٌ في شيء قطُّ إلا استجابَ اللهُ له] (١). وعن ابن مسعود ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾. قال: ظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل). وقوله: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾. أي: فاستجبنا دعاءه إذ دعانا في بطن الحوت، ونجيناه من غمّ الذنب والحبس. وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾. أي: من هول المصائب والشدائد إذا جأروا إلى الله تعالى بالدعاء وجوامع الكلم من ذلك. أخرج أبو يعلى بسند حسن عن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : [من دعا بدعاء يونس استُجيبَ لهُ] (٢). قال أبو سعيد الأشج - أحد رواة الحديث -: (يُريدُ به ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾). ٨٩ - ٩٠. قوله تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾. في هذه الآيات: يقول جلَّ ثناؤه: واذكر يا محمد زكريا حين جار إلى ربه بالدعاء فقال: ربّ لا تذرني وحيدًا لا ولد لي ولا عقب، وارزقني وارثًا من آل يعقوب يرثني ويقوم بالأمر من بعدي في الناس إنك أنتَ خير الوارثين. يقول جل ذكره: فاستجبنا لزكريا دعاءه وآتيناهُ سؤلهُ فوهبنا له يحيى ولدًا ووارثًا، وأصلحنا لهُ امرأتهُ إذ كانت عقيمًا لا تلد - فجعلها الله ولودًا -. يقول تعالى: إنّ الذين سميناهم لك يا محمد

стр. 2878

- زكريا وزوجه ويحيى - كانوا يسارعون في الطاعات والقربات ويعبدون ربهم رغبًا ورهبًا، وكانوا أهل إخبات ورقة وخشوع. فقوله: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾. قال ابن كثير: (﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾. أي: خِفيةً من قومه). وقوله: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾. قال ابن جرير: (لا ولد لي ولا عقب). وقوله: ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾. قال القرطبي: (أي خير من يبقى بعد كل من يموت). وهو ثناء ودعاء ورجاء مناسب للمسألة. وقوله: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى﴾. أي ولدًا ووارثًا. وقوله: ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾. قال ابن عباس: (وهبنا لهُ ولدها). وقال قتادة: (كانت عاقرًا، فجعلها اللهُ وَلودًا، ووهب له منها يحيى). قال ابن جرير: (إن الله أصلح لزكريا زوجهُ، كما أخبر تعالى ذكره بأن جعلها ولودًا حسنة الخُلُق). وقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ - ثناء على مسارعتهم إلى الطاعات واستقامة منهج عبادتهم. قال ابن جريج: (رغبًا في رحمة الله، ورهبًا من عذاب الله). وقال ابن زيد: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ قال: خوفًا وطمعًا، قال: وليس ينبغي لأحدهما أن يفارق الآخر). وقوله: ﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾. قال النسفي: (متواضعين خائفين). قال قتادة: ﴿خَاشِعِينَ﴾ أي: متذلِّلين لله . وقال أبو العالية: (خائفين). وقال مجاهد: (مؤمنين حقًّا). وكلها معان متقاربة متكاملة. ٩١. قوله تعالى: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (٩١)﴾. في هذه الآية: ذكر قصة مريم وابنها عيسى ﵉ عقب ذكر قصة زكريا وابنهِ يحيى ﵉ كما تكرر ذلكَ في غير موضع من القرآن - لمناسبة ذلكَ. فإخراج

стр. 2879

ولد من شيخ كبير وعجوز عاقر لم تلد في شبابها تمهيد مناسب لإخراج ولد من أم بلا أبي، واللهُ على كلِّ شيءٍ قدير. فقوله: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ - يعني مريم ﵍، كما قال جل ثناؤهُ في سورة التحريم: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ [التحريم: ١٢]. والمراد الثناء على عفتها وتأكيد طهارتها وبراءتها من كل ما نُسب إليها من المبطلين. وقوله: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾. قال النسفي: (أجرينا فيها روح المسيح، أو أمرنا جبريل فنفح في جيبِ درعها فأحدثنا بذلكَ النفخ عيسى في بطنها، وإضافة الروح إليه تعالى لتشريف عيسى ﵇. وقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. قال ابن عباس: (العالمين الجنّ والإنس). قال القاسمي: ﴿وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا﴾ أي نباهما ﴿آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ أي في كمال قدرته واختصاصه من شاء بما شاء. وقد كان من آيتهما إتيان الرزق لمريم في غير أوانه، وتثمير النخل اليابس، وإجراء العين، ونطق ابنها في المهد، وإحياء الموتى. وإبراء الأكمه والأبرص). ٩٢ - ٩٤. قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢) وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (٩٣) فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ (٩٤)﴾. في هذه الآيات: إثباتُ الله تعالى لوحدة منهاج النبوة، فإن الأنبياء الذين ذكرهم قبل ذلك يخرجون في أصول دينهم من مشكاة واحدة، واختلاف الناس على أنبيائهم بين مصدق لهم ومكذب وكلهم إليه تعالى راجعون، والملائكةُ لأعمال أهل الإيمان والسعي الدؤوب في الصحف كاتبون. فعن ابن عباس ومجاهد: (﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾، يقول: دينكم دينٌ واحد). وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [أنا أولى الناس بعيسى

стр. 2880

ابن مريم، في الأولى والآخرة. قالوا: كيف؟ يا رسول الله! قال: الأنبياءُ إخوةٌ من عَلّات، وأُمَّهاتهم شتَّى، ودينهم واحد، فليسَ بَيْنَنا نبيٌّ] (١). قال الزجاج: (انتصب ﴿أُمَّةً﴾ على الحال، أي في حال اجتماعها على الحق، أي هذه أمتكم ما دامت أمة واحدة واجتمعتم على التوحيد، فإذا تفرقتم وخالفتم فليسَ من خالف الحق من جملة أهل الدين الحق). وقوله: ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾. أي: أفردوني بالعبادة والتعظيم. وفي التنزيل: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥١ - ٥٢]. وقوله: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾. قال ابن زيد: (تقطعوا: اختلفوا، في الدين). قال ابن كثير: (أي: اختلفت الأمم على رُسُلِها، فمن بين مُصَدِّق لهم ومكذِّب). وقوله: ﴿كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾. تَوَعُّدٌ لأهل الزيغ والضلال، وأهل العناد وتكذيب الرسل بعذاب النكال. فالمرجع إلى الله تعالى يوم القيامة فيجازي كلًّا بعمله، فيسعد المحسن ويشقى المسيء. وقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾. أي: من عمل الصالحات وقد جاء مؤمنًا على منهاج الإيمان لا اعوجاج فيه ولا انحراف، فإن الله تعالى يثيبه ويبارك له سعيه فلا يظلم مثقال ذرة. وفي التنزيل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠]. وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : [إنَّ الله لا يظلمُ مُؤمنًا حسَنةً، يُعْطي بها في الدنيا ويَجْزي بها في الآخرة، وأما الكافر فَيُطْعَمُ بحسناتِ ما عَمِلَ بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرةِ، لم تَكُنْ لهُ حَسَنَةٌ يُجْزى بها] (٢). وقوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾. أي: نكتب عمله الصالح كله، صغيره وكبيره، وقليلهُ وكثيره، لينعم بثوابه وتضاعف أجره يوم القيامة.

стр. 2881

وفي كنوز السنة الصحيحة من آفاق هذا المعنى الكثير الكثير، ومن ذلك: الحديث الأول: أخرج أحمد ومالك والحاكم بسند صحيح في الشواهد من حديث بلال بن الحارث المزني أن رسول الله ﷺ قال: [إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه .. ] الحديث (١). الحديث الثاني: أخرج الترمذي بسند حسن لغيره عن أبي ذر مرفوعًا: [تبسُّمكَ في وجه أخيكَ لك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيكَ عن المنكر صدقة، وإرشادكَ الرجل في أرض الضلال لك صدقة، وبصرك الرجل الرديء البصر لك صدقة، وإماطتك الحجر والشوكة والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوكَ في دلو أخيكَ لك صدقة] (٢). الحديث الثالث: أخرج ابن ماجة وأحمد بسند حسن عن أبي هريرة مرفوعًا: [إن الرَّجل لتُرْفَعُ درجتهُ في الجنة، فيقول: أنى لي هذا؟ فيقال: باستغفار ولدكَ لك] (٣). ٩٥ - ٩٧. قوله تعالى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (٩٥) حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (٩٧)﴾. في هذه الآيات: تأكيدُ هلاك الأمم التي دمّرها الله، وفَتْحُ سد يأجوج ومأجوج علامة من علامات اقتراب الساعة، وإسرار الكفار الندامة عند رؤية أهوال القيامة. فقوله: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ﴾. قال ابن عباس: (وجب)، والتقدير: حرام على أهل

стр. 2882

قرية أمتناهم أن يرجعوا إلى الدنيا. قال عكرمة: (﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ قال: لم يكن ليرجع منهم راجع، حرام عليهم ذلك). وفي رواية عن ابن عباس: (فلا يرجع منهم راجع، ولا يتوب منهم تائب). والمقصود: كتب الله تعالى على كل أمة أهلكها أنهم لا يرجعون إلى الدنيا قبل يوم القيامة، ومن ثمَّ فلا يرجعون إلى التوبة بعد فوات أوانها. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾. أي: حتى إذا فتح سد يأجوج ومأجوج الذي بناهُ ذو القرنين وحجبهم به عن الناس وخرجوا مسرعين من كل مرتفع من الأرض يعيثون في أرجائها فسادًا. فالحدب المرتفع من الأرض. قال ابن عباس: (﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ أي يسرعون في المشي إلى الفساد). ويأجوج ومأجوج قوم من نسل نوح ﵊ من أولاد يافث، تُركوا وراء السد الذي بناهُ ذو القرنين - كما مَرَّ ذكره في سورة الكهف مفصلًا -. أخرج البخاري في صحيحه عن زينب بنت جحش ﵂، أنها قالت: [استيقظ النبي ﷺ من النوم مُحْمَرًا وَجْهُهُ يقول: لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وعقد سفيان تسعين أو مئة. قيل: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث] (١). فهم يحفرون كل يوم في محاولة منهم للخروج من ذلكَ السجن الذي كتبه الله عليهم قسطًا وعدلًا، إلا أنهم يمكرون ويمكر اللهُ بهم وهو خير الماكرين. فقد أخرج الإمام أحمد في المسند عن أبي هريرة مرفوعًا: [إن يأجوج ومأجوج يحفرون كُلَّ يومٍ، حتى إذا كادوا يرَوْنَ شعاعَ الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فسنحفره غدًا، فيعيدهُ الله أشدَّ ما كان، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فسنحفره غدًا إن شاء الله تعالى، واستثنوا، فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه فيحفرونه ويخرجون على الناس، فَيَنْشِفُون الماء ويتحصن الناس منهم في حصونهم. فيرمون بسهامهم إلى السماء، فترجع عليها الدمُ الذي احفَظَّ، فيقولون:

стр. 2883

قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء، فيبعث الله نَغَفًا في أقفائهم فيقتلون بها. قال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده، إن دواب الأرض لتسْمَنُ وتَشْكَرُ شَكَرًا من لحومهم] (١). وقوله: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾. قال ابن زيد: (اقترب يوم القيامة منهم). قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج، اقترب الوعد الحقّ، وذلكَ وعد الله الذي وعد عبادهُ أن يبعثهم من قبورهم للجزاء والثواب والعقاب). والمقصود: أن خروج يأجوج ومأجوج علامة اقتراب يوم النشور والحساب. وقوله: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. أي: من شدة ما يشاهدونه من الأهوال والأمور العظام. والتقدير: فإذا جاء الوعد الحق بأهواله ودنت الساعة بعلاماتها وحقائقها شخصت أبصار الذين كفروا. قال النسفي: (﴿شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي مرتفعة الأجفان لا تكادُ تطرف من هول ما هم فيه). وقوله: ﴿يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ - أي في الدنيا. قال القاسمي: (أي لم نعلم أنه حق). والمقصود: أن الكفار لما رأوا أهوال يوم الحساب وعاينوا عظيم البلاء أيقنوا أنهم كانوا في لهو وغفلة عن هذه الحقائق ولم يستعدوا لها وأسروا الندامة. وقوله: ﴿بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. قال القرطبي: (يقولون: يا ويلنا إنا كنا ظالمين بمعصيتنا، ووضعنا العبادة في غير موضعها). والمقصود: أن الكفار أيقنوا يومئذ برؤية سجلات أعمالهم وفيها جبال آثامهم ومعاصيهم. أخرج البخاري ومسلم عن عائشة، أن النبي ﷺ قال: [ليسَ أحدٌ يحاسبُ يومَ القيامة إلا هلك. قلت: أوليسَ يقول الله: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ فقال: إنما ذلكَ العرض، ولكن من نوقش في الحساب يهلك] (٢).

стр. 2884

٩٨ - ١٠٣. قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠) إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (١٠٢) لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣)﴾. في هذه الآيات: خطابُ الله تعالى لأهل مكة من مشركي قريش ومن مضى على منهاجهم في عبادة الأوثان وتعظيم الأصنام بأن ما تعبدونه من دون الله من الآلهة إنما هم وقود جهنم التي أنتم إليها داخلون. وأن لهؤلاء المشركين وآلهتهم زفيرًا في نارِ جهنم وهم فيها لا يسمعون. والذين سبقت لهم من الله السعادة هم فيما اشتهت أنفسهم خالدون، فلا فزع ولا نصب وتستقبلهم الملائكة بالبشرى: هذا يومكم الذي كنتم توعدون. فقوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾. قال ابن عباس: (شجر جهنم). أو قال: (وقودها). وقال مجاهد: (حَطبها). وقال قتادة: (حطب جهنم يقذفون فيها). وفي التنزيل: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤]. وقوله: ﴿أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾. أي: فيها داخلون. وقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. قال ابن زيد: (الآلهة التي عبد القوم، قال: العابد والمعبود). والمعنى: لو كان هؤلاء آلهة كما زعمتم ما دخلوا النار، وكل من العابد والمعبود في النار خالدون. وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾.

стр. 2885

أي: لهؤلاء المشركين وآلهتهم زفير في نار جهنم وهم في النار لا يسمعون. قال النسفي: ﴿لَهُمْ﴾ للكفار ﴿فِيهَا زَفِيرٌ﴾ أنين وبكاء وعويل ﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾ شيئًا ما، لأنهم صاروا صمًا وفي السماعِ نوع أنس فلم يعطوه). وفي التنزيل: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦]. والزفير: خروج أنفاسهم، والشهيق: ولوج أنفاسهم. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾. قال عكرمة: (﴿الْحُسْنَى﴾ الرحمة). وقال غيره: السعادة. أخرج الطبراني والحاكم بسند صحيح عن ابن عباس قال: [لما نزلت: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾. قال عبد الله ابن الزِّبَعْرَى: أنا أخصم لكم محمدًا، فقال: يا محمد! أليس فيما أنزل عليكَ: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾؟ قال: نعم. فهذه النصارى تعبدُ عيسى وهذه اليهود تعبد عزيرًا وهذه بنو تميم تعبد الملائكة فهؤلاء في النار؟ ! فأنزل الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾] (١). وعن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: [لما نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ الآية، قال المشركون: عيسى يعبد، وعزير والشمس والقمر! فانزل : ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾] (٢). والخلاصة: إن الذين سبقت لهم من الله السعادة أحسن الله مآلهم وثوابهم بما أسلفوا من الأعمال الصالحة في الدنيا، فنجاهم سبحانهُ من العذاب وحصَّل لهم رفيع الثواب. وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. ٢ - وقال تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]. وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري، أن النبي ﷺ قال: [إن الله

стр. 2886

يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة! فيقولون: لَبَّيْكَ، ربنا وسَعْدَيْك، والخيرُ في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى؟ يا رَبِّ! وقد أعطيتنا ما لم تُعْطِ أحدًا مِنْ خلقِك. فيقول: ألا أعطيكم أفضلَ من ذلك؟ فيقولون: يا ربِّ! وأيُّ شيء أفضلُ من ذلكَ؟ فيقول: أُحِلُّ عليكم رِضواني، فلا أسخَطُ عليكم بعدهُ أبدًا] (١). وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾. قال ابن عباس: (يقول: لا يسمع أهل الجنة حسيسَ النار إذا نزلوا منزلهم من الجنة. قال: وهم فيما تشتهيه نفوسهم من نعيمها ولذاتها ماكثون فيها، لا يخافون زوالًا عنها، ولا انتقالًا عنها). قال ابن جرير: (ويعني بالحسيس: الصوت والحس). وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [قال الله : أَعْدَدْتُ لعبادي الصالحينَ ما لا عَيْنٌ رأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ على قلبِ بَشَرٍ] (٢). زاد في رواية: (ذُخْرًا، بَلْهَ (٣) ما أطلعكم الله عليه). ومصداق ذلكَ قول الله تعالى في كتابه: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]. وقوله: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾. قال ابن عباس: (يعني النفخة الآخرة). وقال سعيد بن جبير: (النارُ إذا أطبقت على أهلها). وقال الحسن: (انصراف العبد حين يؤمر به إلى النار). وقيل: الموت، وقيل غير ذلك. قلت، وفي التنزيل: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾. فيكون الفزع للحشر وأهواله، فأهل الإيمان يأمنون ذلك الفزع يومئذ بفضل رحمة الله بهم. وقوله: ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾. أي: وتستقبلهم الملائكةُ يهنئونهم ويبشرونهم قائلين لهم: ﴿هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي

стр. 2887

كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ فيه عظيم الثواب، وجزيل التكريم، ورفيع الحِباء، مقابل ما صبرتم في الدنيا على طاعة الله وتعظيم أمره، واجتناب نهيه وحراسة دينهِ في الأرض. وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : [حُفَّتْ الجنَّةُ بالمكاره، وحُفَّت النارُ بالشهوات] (١). ١٠٤ - ١٠٧. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤) وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥) إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (١٠٦) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾. في هذه الآيات: طيُّ الله السماء يوم القيامةِ كطي الصحف، وثبوت البشرى للمؤمنْين الصابرين على منهاج النبوة بملك الدنيا وسياستها وعز الآخرة. وهذا النبي الكريم، إنما هو رحمة لجميع العالمين. فقوله: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾. قال ابن عباس: (يقول: كطي الصحيفة على الكتاب). وفي رواية: (كطي الصحف). وقال مجاهد: (السِّجل الصحيفة). والمقصود: كطي الصحف على ما فيها من المكتوبات. وقوله: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾. أي: كما بدأ سبحانه الخلق فهو القادرُ على إعادتهم وإحيائهم من قبورهم ليوم البعث والحساب. قال مجاهد: (حُفاة عُراة غُرْلًا). وفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: [خطب النبي ﷺ فقال: إنكم محشورون إلى الله حُفاةً عُرَاةً غُرْلًا ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾، ثم إنَّ أوَّلَ مَنْ يكْسَى يوم القيامة إبراهيم، ألا إنَّهُ يُجاء برجالٍ من أمتي، فيؤخذُ بهم ذات الشمال فأقول: يا رب أصحابي، فيُقالُ: لا تَدْري ما أَحْدَثوا

стр. 2888

بَعْدك. فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿شَهِيدًا﴾ فيقال: إنَّ هؤلاء لمْ يزالوا مُرْتَدين على أعقابهم مُنْذُ فارقتهم] (١). وقوله: ﴿وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾. أي: ذلك واجب الوقوع، فهو من جُملة وعد الله الذي لا يُخلف ولا ويُبَدَّل ولا بد من وقوعه. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾. قال مجاهد: (﴿الزَّبُورِ﴾ الكتاب ﴿مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ قال: أم الكتاب عند الله). وقال سعيد: (كتبنا في القرآن من بعد التوراة). قال القاسمي: (﴿الصَّالِحُونَ﴾: أي العاملون بطاعته. المنتهون إلى أمره ونهيه. دون العاملين منهم بمعصيته، المؤثرين طاعة الشيطان على طاعته. و ﴿الزَّبُورِ﴾ علم على كتاب داود ﵇، ويقال: المراد بهِ كل كتاب منزل. والذكر - قالوا - التوراة أو أم الكتاب. يعني اللوح الذي كتبَ فيه كل شيء قبل الخلق، واللهُ أعلم). قلت: والآية تحمل البشرى للمؤمنين الصابرين على إقامة منهج الله تعالى بملك الدنيا وسياستها وعز الآخرة. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾. قال ابن عباس: (يقول: عاملين). وقال كعب: (لأمة محمد). قال ابن كثير: (أي: إن في هذا القرآن الذي أنزلناهُ على عبدنا محمد ﷺ لبلاغًا: لَمَنْفَعة وكفايةً لقوم عابدين، وهم الذين عبدوا الله بما شَرَعَه وأحبَّهُ ورَضِيَه، وآثروا طاعة الله على طاعة الشيطان وشَهَوات أنفسهم). وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. أي: رحمة مهداة من الله لجميع خلقه. قال النسفي: (لأنه جاء بما يسعدهم إن اتبعوه، ومن لم يتبع فإنما أتي من عند نفسه حيث ضيّع نصيبه منها. وقيل: هو رحمة للمؤمنين في الدارين وللكافرين في الدنيا

стр. 2889

بتأخير العقوبة فيها. وقيل: هو رحمة للمؤمنين والكافرين في الدنيا بتأخير عذاب الاستئصال والمسخ والخسف). وبعض أهل اللغة يذهبون إلى نصب ﴿رَحْمَةً﴾ على الحال، والتقدير: "ذا رحمة". ومنهم من يجعلها مفعولًا له. فيكون "إلا" للحصر، و"رحمة": مفعول لأجلهِ منصوب، وهذا وجه قوي. وفي التنزيل: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]. ومن كنوز السنة الصحيحة في ذلك أحاديث كثيرة، منها: الحديث الأول: أخرج ابن سعد في "الطبقات" والحاكم في "المستدرك" بسند صحيح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [يا أيها الناس، إنما أنا رحمة مهداة] (١). الحديث الثاني: أخرج ابن عساكر بسند صحيحع لشواهده عن علي مرفوعًا: [إن الله بعثني إلى كل أحمرَ وأسودَ، ونُصرت بالرُّعب، وَأُحِلَّ ليَ المغنمُ، وجُعلت ليَ الأرضُ مسجدًا وطهورًا، وأعطيتُ الشفاعة للمذنبين من أمتي يوم القيامة] (٢)، الحديث الثالث: روى مسلم في صحيحه عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: [قيلَ يا رسول الله! ادْعُ على المشركين، قال: إني لمْ أبْعَثْ لعَّانًا، وإنما بُعِثْتُ رحمةً] (٣). الحديث الرابع: روى مسلم عن أبي صالح عن أبي هريرةَ قال: قال رسول الله ﷺ : [اللهمَّ إنما أنا بَشَرٌ، فأَيُّما رَجُلٍ من المسلمين سَبَبْتُهُ، أو لَعَنْتُهُ، أو جَلَدْتُهُ، فاجْعلها له زكاةً ورحمة] (٤). الحديث الخامس: أخرج أبو داود بسند صحيح عن عمرو ابن أبي قرة قال: [كان

стр. 2890

حذيفة بالمداين، فكان يذكر أشياء قالها رسول الله ﷺ لأناس من أصحابه في الغضب، فينطلق ناسٌ ممن سمعَ ذلكَ من حذيفة، فيأتونَ سلمان فيذكرون له قول حذيفة. فيقول سلمان: حذيفة أعلمُ بما يقول، فيرجعون إلى حذيفة فيقولون له قد ذكرنا قولك لسلمان، فما صدقك ولا كذبك! فأتى حذيفة سلمان وهو في مَبْقَلَةٍ فقال: يا سلمان، ما يمنعكَ أن تصدقني بما سمعتُ من رسول الله ﷺ ؟ فقال سلمان: إن رسول الله ﷺ ، كان يغضب فيقول في الغضب لناس من أصحابه، ويرضى فيقول في الرضا لناس من أصحابه. أما تنتهي! حتى تورِّثَ رجالًا حب رجال، ورجالًا بغض رجال، وحتى توقعَ اختلافًا وفرقة؟ ولقد علمت أن رسول الله ﷺ ، خطب فقال: "أيُّما رَجُل من أمتي سَبَبْتُهُ سَبَّةً، أوْ لَعَنْتُهُ لَعْنَةً في غضبي، فإنما أنا مِنْ وَلدِ آدم، أَغْضَبُ كما يَغْضَبُونَ، وإنما بَعثني رَحْمةً للعالمينَ، فاجْعَلها عليهم صلاة يوم القيامة". والله لتَنْتَهِيَنَّ! أَوْ لأكْتُبَنَّ إلى عُمر] (١). ١٠٨ - ١١٢. قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ (١٠٩) إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (١١٠) وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (١١١) قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١١٢)﴾. في هذه الآيات: وَحْيُ الله تعالى إلى نبيه ﵊، أنَّهُ تعالى الإلهُ الحق الأحد الصمد الذي لا ينبغي أن يعبدَ غيرَهُ الأنامِ، وإعلانُ البراءةِ من القوم إن أصروا على الجاهيلة واجتنابِ الإسلام، وإخبارُ الله نَبِيَّهُ لِيُعْلِمَ قَوْمَهُ أن حلول وقت عقابهم إنما هو بيد الرحمان، فهو يعلم السر وأخفى وله الحكم وهو المستعان. فقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره لنبيّه محمد ﷺ : قل يا محمد: ما يوحي إلي ربي

стр. 2891

إلا أنَّهُ لا إله لكم يجوز أن يُعبدَ إلا إلهٌ واحدٌ، لا تصلحُ العبادة إلا له، ولا ينبغي ذلكَ لغيره. ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ يقول: فهل أنتم مذعنون لهُ أيها المشركون، العابدون الأوثان والأصنام بالخضوع لذلك، ومتبرئون من عبادة ما دونه من آلهتكم). وقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾. قال ابن جريج: (فإن تولوا يعني قريشًا). قال القرطبي: (أي إن أعرضوا عن الإسلام ﴿فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ أي أعلمتكم على بيان أنا وإياكم حرب لا صلح بيننا). والمقصود: إعلان البراءة من القوم إن أصروا على الجاهلية واجتناب الإسلام. وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١]. ٢ - قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨]. وقوله: ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾. قال ابن جريج: (الأجل). والمقصود: إخبار الله تعالى نبيّهُ ﷺ ليقول لقومه المعاندين: إن الوقت والأجل الذي يحل به عقاب الله بكم لا أعلمه، وربما كان قريبًا أو يؤخره تعالى بحكمته إلى أجل أبعد، فالأمر راجع إلى مشيئته وحكمته جلت عظمته وقدرته، وإنما أنا لكم نذير. وفي الصحيحين عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: [مثلي ومثلُ ما بعثني اللهُ بهِ كمثل رجل أتى قومًا، فقال: يا قوم إني رأيتُ الجيش بعيني، وإني أنا النذيرُ العُريان، فالنجاءَ النجاءَ، فأطاعهُ طائفةٌ مِنْ قومهِ، فأدلجوا، وانطلقوا على مهلِهم فنجوا، وكذبته طائفةٌ منهم، فأصبحوا مكانَهم، فَصَبَّحهم الجيش، فأهلكهم واجتاحهم، فذلكَ مَثَلُ من أطاعني فاتبع ما جئت به، ومثلُ من عصاني وكذّب بما جئت بهِ من الحق] (١). وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ﴾. أي: إنه تعالى يعلمُ السر وأخفى، ويعلم الغيب وما سيكون، ويعلم ما تخفي

стр. 2892

الصدور، ويعلم ما يسرون وما يعلنون، فلا يغيبُ عنه شيء من أمر خلقه. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾. قال ابن عباس: (يقول: لعل ما أُقرِّب لكم من العذاب والساعة، أن يؤخَّر عنكم لمدتكم، ومتاع إلى حين، فيصير قولي ذلكَ لكم فتنة). وقال ابن جرير: (لعل تأخيرهُ ذلكَ عنكم مع وعده إياكم، لفتنة يريدها بكم، ولتتمتعوا بحياتكم إلى أجل قد جعله لكم تبلغونه، ثم ينزل بكم حيئنذ نقمته). وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾. أي: قل يا محمد: يا رب افصل بيني وبين قومي ممن كذبني بالحق. قال ابن عباس: (لا يحكم بالحق إلا الله، ولكن إنما استعجل بذلكَ في الدنيا، يسأل ربه على قومه). قلت: وهذه الدعوة قد مضى عليها الأنبياء من قبل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. ففي التنزيل نحو ذلك: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩]. وقوله: ﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾. أي: قل يا محمد: وربنا الرحمن الذي وسعت رحمته كل شيء، وغمرت نعمتهُ كل عباده، أستعينُ به على تكذيبكم وعنادكم وجحودكم آلاءه ورحمته بكم بإرساله لي بالنبوة ومنهج النجاة لكم. قال النسفي: (﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ﴾ العاطف على خلقه ﴿الْمُسْتَعَانُ﴾ المطلوب منه المعونة ﴿عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ - قال: كانوا يصفون الحال على خلاف ما جرت عليه، وكانوا يطمعون أن تكون الشوكة لهم والغلبة فكذب اللهُ ظنونهم وخيب آمالهم ونصر رسول الله ﷺ والمؤمنين، وخذلهم - أي الكفار - وهو المستعانُ على ما يصفون). تم تفسير سورة الأنبياء بعون الله وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه

стр. 2893

دروس ونتائج وأحكام ١ - اقتربت الساعةُ ولا يزداد الناس على الدنيا إلا حرصًا، ولا يزدادون من الله إلا بعدًا. ٢ - شرف العرب بهذا القرآن والنبي ﵊، ووجوب الرجوعِ لفهم الدين إلى أهل العلم والإيمان. ٣ - تعاقب سنن الله في أمم المكذبين، واعتراف القوم بظلمهم حين نزول العذاب المهين. ٤ - سنة الله رفع لواء الحق وأهله، وتنكيس لواء الباطل وإزهاقه. ٥ - الله تعالى هو الإله الحق الأحد الصمد، ولو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا. ٦ - الميزان يوم القيامة له كفتان، والوزن يومئذ بالحق فلا تظلم نفس شيئًا. ٧ - التوراة والإنجيل والقرآن فرقان بين الحق والباطل، والقرآن ناسخ لكل الشرائع قبله وهو الكتاب الكامل. ٨ - سنة الله تعالى في تأييد ونجاة المرسلين ومن معهم من المؤمنين، وإنزالُ الهلاك والعذاب على الملأ الكافر وأتباعهم من المجرمين. ٩ - وحدة منهاج الأنبياء، فإن الأنبياء إخوة لعلات، دينهم واحد وأمهاتهم شتى. ١٠ - خروج يأجوج ومأجوج آخر الزمان، بعد هلاك الدجال على يد المسيح عيسى ﵇.

стр. 2894

٢٢ - سورة الحج قال الجمهور: (السورة مختلطة، منها مَكِّي ومنها مَدَنيّ). وعدد آياتها (٧٨). موضوع السورة تشريع الحج إلى بيت الله الحرام وإحياء ملة إبراهيم ﵊. - منهاج السورة - ١ - الأمر بصدق التقوى لمواجهة أحداث زلزلة الساعة وأهوال القيامة. ٢ - ذمّ المكذبين بالبعث والنشور، والمتبعين في منهاجهم كل شيطان مريد. ٣ - الاستدلال على البعث ببدء الخلق، ومراحل خلق الإنسان حتى البعث من القبر. ٤ - نَعْتُ أرباب الضلال بعد وصف الضُّلال، فهم يجمعون بين قلة العلم وحب الجدل. ٥ - نَعْتُ حال أكثر الناس في تأرجح صلتهم بالله، فهم يعبدونه على شرط العافية والرزق، فإن نزل بهم بعض الآلام والمصائب تغيّر حالهم. ٦ - ذكر أهل السعادة بعد ذكر أهل الشقاوة، فهم في روضات الجنات ناعمون. ٧ - دعوة للحاقدين على نصر هذا الدين أن يموتوا بغيظهم، فإن الله ناصر رسوله ودينه.

стр. 2895

٨ - الفصل بين الملل يوم القيامة، واشتراك جميع المخلوقات في السجود لله، وامتناع الكافرين وقد حقّ عليهم الخزي والعذاب. ٩ - اختصام الفريقين يوم القيامة: فريق الأولياء، وفريق الكفرة الأعداء. فالفريق الأول أهل النعيم، والفريق الثاني أهل الشقوة والجحيم. ١٠ - ذَمُّ الله الصادّين عن سبيله والمسجد الحرام، وَأَمْرُ الله إبراهيم بعمارة البيت ومناداة الناس للحج من جميع البلدان. ١١ - تعظيمُ الحرمات وتعظيم الشعائر من تقوى القلوب، والبُدْن فيها منافع ثم محلها إلى البيت العتيق، وذبحُ المناسك على اسم الله أَمْرٌ للمؤمنين المخبتين، والله تعالى يناله التقوى من المؤمنين. ١٢ - دفاع الله تعالى عن المؤمنين، وسخطه على الخائنين الكافرين، وتشريع القتال لإقامة هذا الدين، ودفْعُ الله الناس بعضهم ببعض لنصرة الحق المبين. ١٣ - الوعد للمؤمنين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر بالشوكة والتمكين. ١٤ - إخبار الله تعالى عن تكذيب الأمم المرسلين، ونزول الدمار والهلاك على القوم المسرفين المستكبرين. ١٥ - استعجال المشركين العذاب وليسوا بمعجزين، ولهم في الآخرة عذاب الجحيم، والمؤمنون موعودون بالنصر في الدنيا ولهم في الآخرة جنات النعيم. ١٦ - إبطال الله وساوس وأماني الشيطان، ونسخ الله بحكمته بعض الأحكام. ١٧ - استمرار الكفار في الشك والريب من هذا القرآن، حتى تنزل بهم ساعة الانتقام. ١٨ - ثناء الله على المهاجرين والمجاهدين، ووعدهم بالنصر المبين والرزق الكريم. ١٩ - ربْطُ النصر بأمر الله، والله هو الحق وماذا بعد الحق إلا الضلال. ٢٠ - إخبار الله عن عجائب آياته في هذا الكون، ولكن الإنسان كفور. ٢١ - تقرير الله الشرائع في كل أمة، وجعل لشريعة محمد ﷺ ناسخة لكل لشريعة، وتهديد ووعيد للذين جعلوا منهاجهم جدال المرسلين.

стр. 2896

٢٢ - إخبارُ الله عن كمال قدرته وكتابته كل شيء، ونعتُ سلوك المجرمين تجاه المؤمنين، والنار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير. ٢٣ - تسفيهُ آلهة المشركين، فهي عاجزة عن خلق ذباب واحد، وهم عاجزون عن الانتصار لها لو سلبها الذباب شيئًا، فضعف الطالب والمطلوب، والله هو القوي العزيز. ٢٤ - اجتباءُ الله الرسل وعلمه بأعمالهم وما هم قادمون عليه، ومردّ جميع الأمور ومصير جميع العباد إلى الله تعالى. ٢٥ - أمْرُه تعالى عباده المؤمنين بالصلاة والجهاد وبذل وسعهم لخدمة هذا الدين، ملة أبيهم إبراهيم الذي سمّاهم المسلمين.

стр. 2897

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ٢. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾. في هذه الآيات: أمْرُ الله عباده أنْ يَصْدُقوه التقوى فإن زلزلةَ أهوال القيامة شيء عظيم. فهنالك تترك الأم ولدها لشدة الكرب وتُسْقِطُ كل حامل حملها وترى الناس سكارى من شدة الخوف وليس من الشراب، فلقد عَظُم ما يعاينونه من الأهوال. فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾. ترغيب وترهيب، وتطميع وتخويف، يحث الله تعالى بذلك عباده على استفراغ وسعهم في تقواه، والاستعداد لمواجهة أحداث يوم عصيب، وأهوال قيام الساعة. وأصل الزلزلة شدة الحركة، فهي من زَلَّ عن الموضع إذا زال عنه وتحرّك. والجمهور على أنها الزلزلة المعروفة التي هي إحدى شرائط الساعة، والتي تكون في الدنيا قبل يوم القيامة. قلت: والراجح أن هذه الزلزلة تشمل إضافة لذلك أهوال يوم الحشر وما يكون فيه من أمور عظيمة، فإن لفظة "الزلزلة" تستعمل في تهويل الشيء، وقد جاءت السُّنةُ الصحيحة بتفصيل زلزلة ذلك اليوم في أحاديث: الحديث الأول: أخرج الترمذي بسند صحيح عن عمران بن حصين قال: [كنا مع النبي ﷺ في سفر فتفاوت بين أصحابه في السير، فرفع رسول الله ﷺ صوته بهاتين الآيتين: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ - إلى قوله - ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾. فلما سمع ذلك أصحابه حثوا المطي وعرفوا أنه عِندَ قَول يقوله. فقال:

стр. 2898

"هَلْ تَدْرُونَ أيُّ يَوْمٍ ذلِكَ؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "ذلك يَوْمٌ يُنادي الله فيه آدمَ فيناديه رَبُّهُ فيقول: يا آدمُ ابْعَث بَعْثَ النار. فيقول: أي رَبِّ وما بعثُ النار؟ فيقول: مِنْ كلِّ ألف تِسْعُ مَئَةٍ وتِسْعَةٌ وتِسعون إلى النار، وواحِدٌ إلى الجنة". فَيَئِسَ القومُ حتى ما أبْدَوا بِضاحِكةٍ. فلما رأى رسول الله ﷺ الذي بأصحابه قال: "اعملوا وأبشروا، فوالذي نَفسُ مُحَمَّدٍ بيدِه، إنّكمُ لَمعَ خليقَتَيْنِ ما كانتا مع شيء إلا كَثَّرتاهُ: يأجوجُ ومأجوجُ، ومَنْ ماتَ مِنْ بني آدم، وَبَني إبليسَ". قال: فسُرِّيَ عن القوم بعض الذي يجدون، قال: "اعملوا وأبْشِروا فوالذي نَفْسُ محمد بيده ما أنتم في الناس إلا كالشَّامَةِ في جَنْب البعير أو كالرَّقْمَةِ في ذراع الدّابة"] (١). الحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري قال: قال النبي ﷺ : [يقول الله يومَ القيامة: يا آدمُ، فيقولُ: لَبَّيْكَ رَبَّنا وسَعْدَيك. فَيُنادَى بِصَوْتٍ: إنَّ الله يأمُرُكَ أَنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَتِكَ بَعْثًا إلى النار. قال: يا رَبّ وما بَعْثُ النار؟ قال: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ -أُراه قال- تِسْعَ مئَةٍ وتِسْعَةً وَتِسْعينَ، فحينَئذٍ تضُعُ الحامل حَمْلَها ويشيبُ الوليد ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾. فَشَقَّ ذلك علىٍ الناس حتى تَغَيَّرَتْ وُجُوهُهُمْ، فقال النبي ﷺ : "مِنْ يأجوجَ ومأجوجَ تِسعَ مئَةٍ وتِسْعَةً وتِسْعينَ ومنْكم وَاحدٌ. ثم أنتم في الناس كالشَّعْرَةِ السَّوْداء في جَنْبِ الثَّوْرِ الأبيضِ أو كالشَّعْرَةِ البيضاء في جَنْبِ الثَّوْر الأسْوَدِ، وإني لأرجو أن تكونوا رُبُعَ أهل الجنة" فَكَبَّرْنا، ثُمَّ قال: "ثُلُثَ أهل الجنة" فَكَبَّرْنا، ثم قال: "شَطْرَ أهل الجنة" فَكَبَّرْنا] (٢). الحديث الثالث: أخرج أبو يعلى وابن حبان والحاكم بسند حسن من حديث أنس قال: [﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ - إلى - ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ قال: نزلت على النبي ﷺ وهو في مَسير له، فرفع بها صوته حتى ثابَ إليه أصحابه فقال: "أتدرون أيَّ يوم هذا؟ هذا يوم يقول الله لآدم ﷺ يا آدم قم فابعث بَعْثَ أهل النار، من كل ألف تِسع مئةٍ وتسعة وتسعون إلى النار وواحد

стр. 2899

إلى الجنة". فَكَبُرَ ذلك على المسلمين، فقال النبي ﷺ : "سَدِّدُوا وقارِبوا وأبشروا فوالذي نفسي بيده ما أنتم في الناس إلا كالشَّامَة في جنب البعير أو كالرَّقْمة في ذراع الحمار وإن معكم خليقتين ما كانتا مع شيء إلا كثّرتاه يأجوج ومأجوج ومن هلك من كفرة الجن والإنس"] (١). وعن ابن زيد: (﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ قال: تترك ولدها للكرب الذي نزل بها). وقال الحسن: (ذهلت عن أولادها بغير فطام). والمقصود: شدة الهول يوم الحشر ومتاعب النفوس القادمة على الحساب. وعن الحسن: ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾، يقول: وتسقط كل حامل من شدّة كرب ذلك حملها). قال: (﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ من الخوف ﴿وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ من الشراب). وعن ابن جريج: (﴿وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ قال: ما هم بسكارى من الشراب ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾). وعن ابن وهب قال: (قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ قال: ما شربوا خمرًا ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ يقول تعالى ذكره: ولكنهم صاروا سكارى من خوف عذاب الله عند معاينتهم ما عاينوا من كرب ذلك وعظيم هوله، مع علمهم بشدّة عذاب الله). والمقصود: أن الناس يصيرون يومئذ في دهشة في عقولهم، فتغيب أذهانهم من شدة الهول حتى يحسبهم من ينظر إليهم أنهم سكارى وما هم كذلك على الحقيقة. ٣ - ٤. قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (٣) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٤)﴾. في هذه الآيات: ذمُّ الله تعالى مُكَذّبي البعث والنشور، ومنكري قدرة الله تعالى على إحياء مَنْ في القبور، وَهُمْ بذلك مُتَّبعون كل شيطان مريد من أهل الجن أو الإنس

стр. 2900

أصحاب العتو والغُلُوّ والشرور. لقد قضي على الشيطان وكتب عليه أن أتباعه يقتبسون من ضلاله المفضي إلى عذاب السعير. فعن ابن جُريج: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ قال: النضْر بن الحارث. ويعني بقوله: ﴿مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ من يخاصم في الله، فيزعم أن الله غير قادر على إحياء من قد بَلي وصار ترابًا، بغير علم يعلمه، بل بجهل منه بما يقول، ﴿وَيَتَّبِعُ﴾ في قيله ذلك وجداله في الله بغير علم ﴿كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾). ولا شك أن هذا حال كثير من أهل البدع والضلال، فهم يعرضون عن اتباع الحق بدليل صحيح، ويَمْضوُنَ خلف أهوائهم وما ألْفَوا عليه آباءهم ومشايخهم، فيقعون في الغلو أو الابتداع أو تحكم المردة من الشياطين. ففي مسند الإمام أحمد بسند صحيح عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : [إياكم والغُلُوّ، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو] (١). وفي الصحيحين عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : [من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ] (٢). وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ﴾. قال قتادة: (كُتب على الشيطان، أنه من اتبع الشيطان من خلق الله). وقال مجاهد: ﴿أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ﴾ قال: الشيطان اتبعه. وقوله: ﴿فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ يقول: فإن الشيطان يضله، يعني: يُضِلّ من تولاه). والمقصود: قضي على الشيطان وسبق أن كتب عليه أنه يُضل أتباعه ولا يهديهم الحق. وقوله: ﴿وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾. قال ابن جرير: (يقول: ويسوق من اتّبَعهُ إلى عذاب جهنم الموقدة، وسياقه إياه إليه بدعائه إياه إلى طاعته ومعصية الرحمن، فذلك هدايته من تبعه إلى عذاب جهنم). قلت: والآية تجمع بين مراتب الضلال الثلاث: أ- الضياع والانحراف.

стр. 2901

ب- الترك والإهمال والتناسي والخذلان. ج- الهداية إلى النار يوم القيامة. وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ١٦٨ - ١٦٩]. ٢ - وقال تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٢ - ٢٤]. وفي جامع الترمذي بسند حسن عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: [يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار، يسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال] (١). ٥ - ٧. قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾. في هذه الآيات: استدلالٌ على البعث ببدء الخلق، فالله تعالى بدأ خلق الإنسان من طين، ثم من نطفة من ماء مهين، ثم سواه علقة فمضغة لِيُتَابع تشكيله وتخطيطه أو يُوقَف فيكون الإسقاط، فتارة يستقر في الرحم وتارة لا يستقر، ثم يخرج الجنين طفلًا

стр. 2902

فيرعاه ليصبح شابًّا يمدُّه بالهمة والقوة، ثم قد يُقبضُ في حالة الشباب، وقد يُمَدّ له في العمر إلى الشيخوخة والهرم، وظهور علامات العجز وضعف العقل والفهم، وكذلك الأرض تتحرك بالنبات بنزول المطر عليها، وتخرج الأصناف من الثمار والزروع. كل ذلك بسبب أن الله هو الحق وحده المحي والمميت، فهو الذي يبعث من في القبور ليوم الحشر والحساب. فقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾. ردٌّ على المنكرين للبعث والمعاد، بذكره سبحانه إحاطته بأحوال العباد، فهو خلقهم أول مرة من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾. قال قتادة: (تامة وغير تامة). وقال مجاهد: (السِّقط مخلوق وغير مخلوق). قال النسفي: (يعني إن ارتبتم في البعث فمزيل ريبكم أن تنظروا في بدء خلقكم وقد كنتم في الابتداء ترابًا وماء، وليس سبب إنكاركم البعث إلا هذا وهو صيرورة الخلق ترابًا وماء ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ﴾ أي أباكم ﴿مِنْ تُرَابٍ﴾ خلقتم ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾ أي قطعة دم جامدة ﴿ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ﴾ أي لحمة صغيرة قدر ما يمضغ ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ المخلقة المسواة الملساء من النقصان والعيب، كأن الله يخلق المضغة متفاوتة منها ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب ومنها ما هو على عكس ذلك، فيتبع ذلك التفاوت تفاوت الناس في خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصانهم، وإنما نقلناكم من حال إلى حال ومن خلقة إلى خلقة ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ بهذا التدريج كمال قدرتنا وحكمتنا، وأن من قدر على خلق البشر من تراب أولًا ثم من نطفة ثانيًا ولا مناسبة بين التراب والماء، وقدر أن يجعل النطفة علقة والعلقة مضغة والمضغة عظامًا قادر على إعادة ما بدأه). وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال: [حَدَّثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق- قال: إنّ أحدكم يجمع خلقُه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقةً مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكًا، ويؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح] (١).

стр. 2903

قال ابن كثير: (وذلك أنه إذا استقرت النطفة في رحم المرأة، مكثت أربعين يومًا كذلك، يُضاف إليه ما يجتمع إليها، ثم تنقلب علقة حمراء بإذن الله، فتمكث كذلك أربعين يومًا، ثم تستحيل فتصيرِ مضغة: قطعةً من لحم لا شكلَ فيها ولا تخطيط، ثم يشْرَعُ في التشكيل والتخطيط، فيُصَوَّرُ منها رأس ويَدان، وصدر وبطن، وفخذان، ورِجْلان، وسائر الأعضاء. فتارة تُسقطها المرأة قبل التشكيل والتخطيط، وتارة تُلقيها وقد صارت ذات شَكل وتخطيط، ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾، أي كما تشاهدونها). وقوله: ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. قال مجاهد: (التمام). وقال ابن زيد: (الأجل المسمى: إقامته في الرحم حتى يخرج). والمقصود: أنه تارة يستقر الحمل في الرحم وتارة لا يستقر. قال القرطبي: (والأجل المسمى يختلف بحسب جنين وجنين، فَثَمَّ من يسقط وثَمَّ من يكمل أمره ويخرج حَيًّا). وقوله: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾. أي: في حالة من الضعف في البدن والحواس يحتاج إلى رعاية الأهل وحنان الأبوين. قال القرطبي: (﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ أي أطفالًا، فهو اسم جنس. وأيضًا فإن العرب قد تسمّي الجمع باسم الواحد). وقوله: ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾. أي: في كمال الشباب واستواء العقل وحسن المنظر. قال ابن جرير: (يقول: ثم لتبلغوا كمال عقولكم ونهاية قواكم بعمركم). وقوله: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾. أي: ومنكم من يقبض في حالة شبابه وقوته، ومنكم من يُمَدُّ له في العمر إلى حالة الشيخوخة والهرم، وظهور علامات العجز وضعف العقل والفهم. وفي التنزيل: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم: ٥٤]. قلت: ومَنْ بلّغَهُ الله من العمر ستين سنة فقد أقام حجته تعالى عليه في العمر،

стр. 2904

فيكون بذلك قد أخذ حدّه الكامل ليختار طريق الإيمان أو طريق الكفر، وإنما الناس في غفلة عن ذلك. ومن كنوز صحيح السنة في آفاق هذا المعنى أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [أعذر الله إلى امرئٍ أخَّرَ أجله حتى بلغ ستين سنة] (١). الحديث الثاني: أخرج الحاكم بسند صحيح عن أبي هريرة مرفوعًا: [إذا بلغَ الرجل من أمتي ستين سنة، فقد أعذر الله إليه في العمر] (٢). ورواه عبد بن حميد من حديث سهل بن سعد بلفظ: [إذا بَلَّغَ الله العبدَ ستين سنة فقد أعْذَرَ إليه، وأبْلَغَ إليه في العُمُرِ]. الحديث الثالث: أخرج الحاكم بسند صحيح عن سهل بن سعد مرفوعًا: [من عَمَّرَ من أمتي سبعين سنة، فقد أعذر الله إليه في العمر] (٣). وله شاهد في المسند من طريق سعيد المقبري عن أبي هريرة بلفظ: [لقد أعذر الله إلى عبد أحياه حتى بلغ ستين أو سبعين سنة، لقد أعذر الله إليه] (٤). الحديث الرابع: أخرج الترمذي وابن ماجة بسند حسن لذاته عن أبي هريرة مرفوعًا: [أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك] (٥). وقوله: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً﴾. قال ابن جريج: (لا نبات فيها). وقوله: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾. قال قتادة: (حسنت، وعُرِف الغيث في ربوها). والمقصود: تحركت بالنبات بنزول المطر عليها، ﴿وَرَبَتْ﴾. أي: ضاعفت النبات

стр. 2905

واشتد ثمرها، فأنبتت ما فيها من الألوان والفنون من أصناف الثمار والزروع وأنواع النباتات المختلفة الطعوم والروائح والأشكال والمنافع والألوان. وقوله ﴿وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾. قال قتادة: (حسن). والبهيج: ما هو حسن المنظر طيب الريح. وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾. قال القاسمي: (أي ذلك الذي ذكر من خلق الإنسان على أطوار مختلفة، وتصريفه في أحوال متباينة، وإحياء الأرض بعد موتها، حاصل بسبب أن الله هو الحق وحده في ذاته وصفاته وأفعاله. المحقق لما سواه من الأشياء. فهي من آثار ألوهيته وشؤونه الذاتية وحده، وما سواه مما يعبد باطل، لا يقدر على شيء من ذلك). وقوله: ﴿وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى﴾. أي: كما أحيا النطفة والأرض الميتة، فهو سبحانه القادر على ذلك. وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩]. ٢ - وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣]. ٣ - وقال تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٩]. ومن صحيح السنة العطرة في آفاق ذلك المعنى أحاديث: الحديث الأول: أخرج أبو نعيم في "الحلية" بسند حسن في الشواهد، عن عبد الله بن سلام مرفوعًا: [لا تفكروا في الله، وتفكروا في خلق الله، فإن ربنا خلَقَ مَلَكًا، قدماه في الأرض السابعة السفلى، ورأسه قد جاوز السماء العليا، ما بين قدميه إلى ركبتيه مسيرة ست مئة عام، وما بين كعبيه إلى أخمص قدميه مسيرة ست مئة عام، والخالق أعظم من المخلوق] (١). الحديث الثاني: روى الطبراني في "الأوسط" بسند حسن لشواهده، عن عبد الله بن

стр. 2906

عمر مرفوعًا: [تفكروا في آلاء الله، ولا تفكروا في الله ] (١). وله شاهد من حديث أبي هريرة مرفوعًا به. وزاد: [فإنكم لن تدركوه إلا بالتصديق]. وشاهد من حديث ابن عباس بلفظ: [تفكروا في خلق الله، ولا تفكروا في الله] (٢). الحديث الثالث: أخرج أبو داود وابن ماجة بسند حسن عن أبي رزين، قال موسى العقيلي، قال: [قلت: يا رسول الله، أكلنا يرى ربه؟ مخليًا به يوم القيامة، وما آية ذلك في خلقه؟ قال: يا أبا رزين، أليس كلكم يرى القمر ليلة البدر مخليًا به؟ قلت: بلى! قال: فالله أعظم فإنما هو خلق من خلقِ الله، فالله أجل وأعظم] (٣). وقوله: ﴿وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: لا يمتنع على قدرته العجيبة شيء. وقوله: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾. أي: قادمة لا شك في ذلك ولا ريب. وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾. أي: من الأموات، لموقف الحشر، ونوال الثواب والعقاب. ٨ - ١٠. قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٨) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (٩) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٠)﴾. في هذه الآيات: وَصْفُ أرباب الضلال بعد نَعْتِ الضُلّال، فَهُمْ في حالة تَنَطُّعٍ وغُرور، وقِلَّةٍ في العلم والحجةَ، وإنما يدفعهم للكلام بغير علم حب الرياسة والظهور، أولئك سيلقون الخزي والنكال يوم النشور. فقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾. قال ابن كثير: (لما ذكر تعالى حال الضُّلال الجُهَّال المقلِّدين في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ

стр. 2907

مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ [الحج: ٣]، ذكر في هذه حال الدُّعاة إلى الضلال من رؤوس الكفر والبِدَع، فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِي﴾، أي بلا عقل صحيح، ولا نَقْل صريح، بل بمجرَّدِ الرأي والهوى). والمقصود: وصف حال طائفة من المدّعين أهل التنطع والغرور بأن جدالهم لا يكون ببرهان وحجة، ولا ببيّنة وبصيرة، ولا بوحي من كتاب أو سنة، وإنما هو التعالم أو حب الظهور، الذي يفسد ويقطع الظهور. وفي التنزيل: ١ - قال تعالى ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]. ٢ - وقال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٤]. وفي سنن أبي داود وابن ماجة بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [من تعلم علمًا مما يُبْتغى به وجهُ الله تعالى، لا يتعلمه إلا ليصيبَ به عرضًا من الدنيا، لم يجد عَرْفَ الجنة يوم القيامة] (١). يعني ريحها. وفي سنن ابن ماجة بإسناد صحيح عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : [لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء، ولا تماروا به السفهاءَ، ولا تخيّروا به المجالس، فمن فعل ذلك فالنار النار] (٢). وقوله: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾. قال المبرّد: (العِطْفُ ما انثنى من العنق). وقال المفضّل: (والعطف الجانب، ومنه قولهم: فلان ينظر في أعطافه: أي في جوانبه). وعِطْفَا الرجل من لدُن رأسه إلى وَركيْه. والعرب تقول: ثنى فلان عني عِطفه إذا أعرض واستكبر. والمقصود بالآية وصف المعرض عن الحق في جداله واستكباره. فقوله: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ - قال ابن عباس: (يقول: مستكبرًا في نفسه). أو قال: (يعرض عن ذكري). وقال مجاهد وقتادة ومالك عن زيد بن أسلم: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾،

стр. 2908

أي: (لاوِي عُنُقِهِ، وهي رقبته). وقال ابن زيد: (لاويًا رأسه، معرضًا موليًا، لا يريد أن يسمع ما قيل له). قلت: والعطف الجانب. وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [المنافقون: ٥]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا﴾ [لقمان: ٧]. ٣ - وقال تعالى: ﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٣٨ - ٣٩]. ٤ - وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦١]. ومن كنوز صحيح السنة في آفاق معنى الآية أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: [بينما رجل يمشي في حلة تُعْجِبُهُ نفسُه، مُرَجِّلٌ رأسَهُ، يختال في مِشْيَتِهِ، إذ خسف الله به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة] (١). الحديث الثاني: خَرَّج مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: [لا يدخل الجنة من كان في قلبه مِثقالُ ذرة من كِبر. فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة؟ قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطرُ الحق وغَمْطُ الناس] (٢). الحديث الثالث: أخرج الشيخان عن حارثة بن وهب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [ألا أخبركم بأهل النار؟ كُلُّ عُتُلٍّ جوّاظ مستكبر] (٣). وقوله: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. أي: ليصد المؤمنين بالله عن دينهم، ويقف عثرة دون دخول الناس في الدين الحق. وقوله: ﴿لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾. قال ابن جرير: (يقول جل ثناؤه: لهذا المجادل في الله

стр. 2909

بغير علم، في الدنيا خزي وهو القتل والذّل، والمهانة بأيدي المؤمنين، فقتله الله بأيديهم يوم بدر). وقوله: ﴿وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾. أي: نسلط عليه في الآخرة عذاب الحرق في جهنم. ويكون بذلك قد جمع له عذاب الدارين. وقوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾. تقريع وتوبيخ، أي إنما صَلِيتَ هذا العذاب بما اجترحت يداك وبما اكتسبت من عمل. قال النسفي: (أي السبب في عذاب الدارين هو ما قدمت نفسه من الكفر والتكذيب، وكنى عنها باليد لأن اليد آلة الكسب). وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾. أي: هو المُقْسِط سبحانه والعادل في حكمه بين عباده فلا يظلم تعالى أحدًا. وفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر، عن رسول الله ﷺ ، فيما يرويه عن ربه أنه قال: [يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا .. ] الحديث (١). ١١ - ١٣. قولى تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١) يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٢) يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (١٣)﴾. في هذه الآيات: نَعْتُ حال كثير من الناس يعبدون الله على شرط القوة والرزق والعافية، فإن نزل بهم من المصائب والفتن انقلبوا إلى الجادّة الثانية، وأشركوا بالله وجحدوا نعمه الباقية. فعن مجاهد: (﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ قال: على شَكٍّ، ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ﴾ رخاء وعافية ﴿اطْمَأَنَّ بِهِ﴾: استقر ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ عذاب ومصيبة ﴿انْقَلَبَ﴾ ارتدّ ﴿عَلَى وَجْهِه﴾ كافرًا). وعن قتادة: (﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ﴾ يقول: أكثر ماله، وكثرت ماشيته اطمأنَّ وقال: لم

стр. 2910

يصبني في ديني هذا منذ دخلته إلا خير ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ يقول: وإن ذهب ماله، وذهبت ماشيته ﴿انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾). وعن ابن زيد قال: (هذا المنافق، إن صلحت له دنياه أقام على العبادة، وإن فسدت عليه دنياه، وتغيّرت انقلب، ولا يقيم على العبادة إلا لما صَلَحَ من دنياه. وإذا أصابته شدّة أو فتنة، أو اختبار أو ضيق، ترك دينه ورجع إلى الكفر). وفي صحيح البخاري -عند تفسير هذه الآية- عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: [﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ قال: كان الرَّجُلُ يَقْدَمُ المدينة، فَيُسْلِمُ، فإنْ ولَدَتِ امرأتُهُ غُلامًا وَنُتِجَتْ خَيْلُهُ قال: هذا دينٌ صالحٌ، وإنْ لمْ تَلِدِ امْرأتُهُ ولمْ تُنْتَجْ خَيْلُهُ قال: هذا دينُ سُوءٍ] (١). وقوله: ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾. أي: ما أصاب من الدنيا ولا سَعِدَ في الآخرة، فالكفرُ بالله ونعمه يورث الشقاء والإهانة في الدار الآخرة. قال القرطبي: (وخسرانه الدنيا بأن لا حظّ له في غنيمة ولا ثناء، والآخرة بأن لا ثواب له فيها). وقال النسفي: (والخسران في الدنيا بالقتل فيها، وفي الآخرة بالخلود في النار). وقوله: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾. أي: هذا الخسران في الدارين، هو أبلغ الخسارة وأظهرها. قال القاسمي: (أي الواضح الذي لا يخفى على ذي بصيرة). وقوله: ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ﴾. قال ابن زيد: (يكفر بعد إيمانه). وقال أبو السعود: (﴿يَدْعُو﴾: استئناف مبين لعظيم الخسران). والمقصود: أنه يستنصر الأوثان والأنداد ويسترزقها ويستغيث بها وهي لا تنفعه ولا تضره، بل سيكون هذا التوجّه الفاسد سبب خسارته في الدنيا وشقائه في الآخرة. وقوله: ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾. أي: ذلك المنهج هو منهج الشقاء الأبعد عن الاستقامة. قال ابن جرير: (يقول: ارتداده ذلك داعيًا من دون الله هذه الآلهة هو الأخذ على غير استقامة، والذهاب عن دين الله ذهابًا بعيدًا).
следующие страницы →