← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

فيذبح، ويقال: يا أهل الجَنَّة خلودٌ ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت" (١). ٣٨ - قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣)﴾. في هذه الآية: ذكر الميثاق الذي أخذه الله تعالى على بني إسرائيل أن لا يعبدوا غيره، وأن يحسنوا إلى الآباء والقرابة والأرحام واليتامى والمساكين ويتخيروا القول الحسن لسائر الناس، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فما وفى منهم إلا قليل. والميثاق مِفْعال من التوثّق وتأكيد القول بيمين ونحوه، والمعنى: واذكروا أيضًا يا معشر بني إسرائيل إذ أخذنا ميثاقكم أن تخلصوا العبادة لله وحده، ولا تشركوا به شيئًا. فهذا حق الله سبحانه عليكم وعلى جميع العباد كما قال جل ذكره في سورة الأنبياء: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾. وكذلك في سورة النحل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ .... ﴾. ثم عطف على أعلى الحقوق وأعظمها - وهو حق الله ﵎ أن يعبد وحده لا شريك له - حق الوالدين وذوي القربى ثم اليتامى والمساكين، كما قال جل ذكره في سورة لقمان: ﴿اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾. وكذلك في سورة الإسراء: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ إلى أن قال: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ .... ﴾. ويشمل حق الوالدين فعل المعروف لهما، والقول الجميل، وخفض جناح الذّلّ رحمةً بهما، والتحنُّن عليهما، والرأفة بهما، والدعاء بالخير لهما، ونحو ذلك مما هو فيه شريعة الرسل جميعهم صلوات الله وسلامه عليهم. وفي الصحيحين عن ابن مسعود ﵁: [قلت: يا رسول الله، أي العمل

стр. 317

أفضل؟ قال: الصلاة على وقتها. قلت: ثم أي؟ قال: برّ الوالدين. قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله] (١). وفي الصحيحين أيضًا عن أبي هريرة ﵁ قال: [جاء رجلٌ إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، من أحقّ بِحُسْنِ صحابتي؟ قال: أُمُّك، قال: ثُمَّ مَن؟ قال: ثمَّ أمُّكَ، قال: ثمَّ مَنْ؟ قال: ثمَّ أمُّكَ، قال: ثمَّ مَنْ؟ قال: ثم أبوك" (٢). فائدة: قوله تعالى: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ قيل: خبرٌ بمعنى الطلب، وهو أَكد، حكاه الزمخشري. وقيل: أصله "أن لا تعبدوا إِلَّا اللَّهَ" كما بقراءة بعض السلف، فحذفت "أن" فارتفع. وقيل بل هو في قراءة أبيّ وابن مسعود: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾. وقيل ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾ مرفوع على أنه قسم، والتقدير: والله لا تعبدون إلا الله. ذكره القرطبي عن سيبويه. و﴿الْقُرْبَى﴾ بمعنى القرابة، وهو مصدر، والمعنى: وأمرناهم بالإحسان إلى القرابات بصلة أرحامهم. و"اليتامى" جميع يتيم ويدخل في ذلك المذكور والإناث. قال القرطبي: (واليُتْم في بني آدم بفقد الأب، وفي البهائم بفقد الأم). و﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ جمع مسكين، وهو المتخشِّع المتذلِّل من الفاقة والحاجة، والمَسْكَنَة هي ذُل الحاجة والفاقة. فيكون المعنى كما قال ابن جرير: (وبذي القربى: أنَّ تصلوا رحمه، وتعرفوا حقه، وباليتامى: أنْ تتعطفوا عليهم بالرحمة والرأفة، وبالمساكين: أن تُؤتوهم حقوقهم التي ألزمها الله أموالكم). وفي المسند وجامع الترمذي بسند جيد عن أبي هريرة مرفوعًا: [تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، فإن صلة الرحم محبة في الأهل، مثراة في المال، منسأة في الأثر] (٣). وله شاهد عند الطبراني بسند صحيح من حديث عمرو بن سهل بلفظ: [صِلة القرابة

стр. 318

مثراةٌ في المال، محبَّةٌ في الأهل، منسأة في الأجل] (١). وفي الصحيحين عن زينبَ الثقفيَّة امرأةِ عبد الله بن مسعود ﵄ قالت: قال رسول الله ﷺ : [تصدَّقْنَ يا معشر النساء! ولو من حُلِيِّكُنَ. قالت: فرجعت إلى عبد الله بن مسعود فقلت: إنك رجل خفيف ذات اليد، وإن رسول الله ﷺ قد أمرنا بالصدقة، فائته فسله، فإن كان ذلك يُجْزي عني، وإلا صرفتها إلى غيركم. فقال عبد الله: بل ائتيه أنت فانطلقْتُ، فإذا امرأةٌ من الأنصار بباب رسول الله ﷺ ، حاجتها حاجتي، وكان رسول الله ﷺ قد أُلقيت عليه المهابة، فخرج علينا بلال، فقلنا له: ائت رسولَ الله ﷺ فأخبره أن امرأتين في الباب، يسألانك: أتجزئ الصدقة عنهما على أزواجهما، وعلى أيتام في حجورهما؟ ... فقال رسول الله ﷺ : لهما أجر القرابة وأجر الصدقة" (٢). وفي المسند بسند صحيح عن سلمانَ بن عامرٍ ﵁، عن النبي ﷺ . قال: [الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة] (٣). وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [الساعي على الأَرْمَلَة والمِسْكين، كالمجاهد في سبيل الله - وأحْسِبُهُ قال: - وكالقائم لا يَفتُرُ وكالصائم لا يُفطرُ] (٤). وقوله: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾. التقدير: قولوا للناس قولًا ذا حسن، وإنما نُصب "حُسْنًا" على المصدر. وقد قرأها قراء الكوفة غير عاصم "حَسَنًا"، في حين قرأها قراء المدينة "حُسْنًا". قال الأخفش: هما بمعنىً واحد، مثل البُخْل والبَخَل، والرُّشْد والرَّشَد. وأما أقوال أئمة التفسير فيها فمتقاربة يزيد أحدهم في تفسيره وضوحًا على الآخر: ١ - قال ابن عباس: (أمرهم أيضًا بعد هذا الخُلُق: أنْ يقولوا للناس حسنًا، أن يأمروا بـ "لا إله إلا الله" من لم يقُلها ورغب عنها، حتى يقولوها كما قالوها، فإن ذلك

стр. 319

قُرْبةٌ من الله جل ثناؤه. وقال: الحسن أيضًا، ليِّن القول، من الأدب الحسن الجميل والخُلق الكريم، وهو مما ارتضاه الله وأحبه). ٢ - قال أبو العالية: (قولوا للناس معروفًا). وقال سفيان الثوري: (مُروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر). ٣ - قال ابن جريجٍ: (قولوا للناس صدقًا في شأن محمد ﷺ ولا تغيِّروا نعته). ٤ - قال أبو العالية: (قولوا لهم الطيِّب من القول، وجازوهم بأحسن ما تحبون أن تجازوا به). والخلاصة كما قال القرطبي ﵀: (وهذا كله حض على مكارم الأخلاق، فينبغي للإنسان أن يكون قوله للناس ليِّنًا ووجهه منبسطًا طَلْقًا مع البَرِّ والفاجر، والسُّنيّ والمبتدع، من غير مداهنة، ومن غير أن يتكلم معه بكلام يظن أن يُرضي مذهبه، لأن الله تعالى قال لموسى وهارون: ﴿فَقُوْلَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾. فالقائل ليس بأفضل من موسى وهارون، والفاجر ليس بأخبث من فرعون، وقد أمرهما الله تعالى باللين معه). وفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر، قال رسول الله ﷺ : [لا تُحقِرَنَّ من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجهٍ طلق] (١). وقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾. المعنى: أقيموا الصلاة المكتوبة بحقوقها: بأركانها وواجباتها. وأدوا الزكاة المفروضة عليكم: طاعةً لله وإخلاصًا له طيبة بها أنفسكم. قال ابن مسعود: (إقامة الصلاة تمامُ الركوع والسجود والتلاوة والخشوع، والإقبال عليها فيها). قال ابن عباس: (الزكاة التي أمروا بها طاعة الله والإخلاس). وقال: (إيتاء الزكاة، ما كان الله فرض عليهم في أموالهم من الزكاة، وهي سُنَّة كانت لهم غير سُنّة محمد ﷺ . كانت زكاة أموالهم قربانًا تهبط إليه نار فتحملها، فكان ذلك تقبُّله. ومن لم تفعل النار به ذلك كان غير متقبَّل، وكان الذي قرّب، منْ مكسب لا يحلُّ: من ظُلْم أو غَشْم، أو أَخْذٍ بغير ما أمره الله به وبيّنه له).

стр. 320

قلت: الله أعلم بصحة ذلك فليس لدينا تفصيل من ديننا تقوم به الحجة. والخلاصة كما قال القاسمي ﵀: (المراد الصلاة التي كانوا يصلونها، والزكاة التي كانوا يخرجونها). وقوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾. المقصود نكث يهود بني إسرائيل العهد السابق ونقضهم الميثاق، فبدّلوا وغيّروا وتركوا. قال ابن عباس: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ يقول: "أعرضتم عن طاعتي، ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ﴾ قال: القليل الذين اخترتهم لطاعتي، وسيحل عقابي عمّن تولى وأعرض عنها، يقول: تركها استخفافًا بها). وقيل: بل الخطاب للأحفاد الذين كانوا بين ظهراني مُهاجر رسول الله ﷺ من يهود بني إسرائيل لنقضهم العهد الذي أخذ عليهم في التوراة وركوبهم المعاصي والآثام. ٨٤ - ٨٦. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦)﴾. في هذه الآياتِ: المراد بنو إسرائيل ومَنْ بعدهم، فإن الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ لم يكونوا أحسن حالًا من آبائهم، بل كانوا متورِّطين في تحالفات قتال مع الأوس والخزرج ضد بعضهم. فبنو قينقاع حلفاء الخزرج، وبنو قريظة والنضير حلفاء الأوس، فإذا نشبت الحرب قاتل كل فريق مع حلفائه، فيقتل اليهودي الآخر من الفريق الآخر، وذلك حرام عليهم في دينهم ونص كتابهم، ويخرجونهم من بيوتهم وينتهبون ما فيها من الأثاث والأمتعة والأموال. ثم إذا وضعت الحرب أوزارها استفكَّوا الأسارى من الفريق المغلوب، عملًا بحكم التوراة.

стр. 321

فقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾. فيه دلالة أن أهل الملة الواحدة بمنزلة النفس الواحدة. قال قتادة: (لا يقْتُلْ بعضكم بعضًا ... ونفسك يا ابن آدم أهل ملَّتك). وقال أبو العالية: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾، يقول: لا يقتل بعضكم بعضًا، ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾، يقول: لا يخرج بعضكم بعضًا من الديار). وقال قتادة: (لا يقتل بعضكم بعضًا بغير حق ... فتسفك يا بن آدم دماء أهل ملَّتك ودعوتك). وقوله: ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤)﴾. قال أبو العالية: (يقول: أقررتم بهذا الميثاق، وأنتم شهود). وقيل المراد: وأنتم شهداء بقلوبكم على هذا. وقيل: بل الشهادة بمعنى الحضور، أي تحضرون سفك دمائكم، وإخراج أنفسكم من دياركم. وقوله: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. التقدير: ثم أنتم يا هؤلاء تقتلون أنفسكم. قال ابن عباس: (أَنَّبَهُم الله بذلك من فعلهم، وقد حُرِّم عليهم في التوراة سفك دمائهم، وافترض عليهم فيها فداء أسراهم، فكانوا فريقي: طائفة منهم بنو قينقاع وهم حلفاء الخزرج، والنضير وقريظة وهم حلفاء "الأوس، فكانوا إذا كانت بين الأوس والخزرج حرب خرجت بنو قينقاع مع الخزرج، وخرجت النضير وقريظة مع الأوس، يُظَاهر كلّ واحد من الفريقين حلفاءه على إخوانه، حتى يتسافكوا دماءهم بيمهم، وبأيديهم التوراة يعرفون فيها ما عليهم وما لهم. والأوس والخزرج أهل شِرْكٍ يعبدون الأوثان، ولا يعرفون جنَّة ولا نارًا، ولا بعثًا ولا قيامةً، ولا كتابًا، ولا حلالًا ولا حرامًا، فإذا وضعت الحرب أوزارها، افتدوا أسراهم، تصديقًا لما في التوراة وأخذًا به، بعضهم من بعض، يفتدي بنو قينقاع ما كان من أسراهم في أيدي الأوس، ويفتدي النضير وقريظة ما كان في أيدي الخزرج منهم، ويطلبون ما أصابوا من دمائهم، وقتلوا مَنْ قَتَلوا منهم فيما بينهم، مظاهرةً لأهل الشرك عليهم. يقول الله تعالى ذكره حيث أنبأهم بذلك: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ

стр. 322

بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ أي: تفادونه بحكم التوراة، وتقتلونه وفي حكم التوراة أن لا يُقتَل، ولا يُخْرَج من داره، ولا يُظاهَر عليه من يشرك بالله، ويعبد الأوثان من دونه ابتغاء عرض الدنيا؟ ففي ذلك من فعلهم مع الأوس والخزرج - فيما بلغني - نزلت هذه القصة). وقال السُّدّي: (كانت قريظة حلفاء الأوس، وكانت النضير حلفاء الخزرج، فكانوا يَقْتَتِلون في حرب سُمَير، فيقاتل بنو قريظة مع حلفائهم النضير وحلفاءهم، وكانت النضير تقاتل قريظة وحلفاءها، ويغلبونهم، فيخربون ديارهم، ويخرجونهم منها، فإذا أُسِرَ رجلٌ من الفريقين كليهما، جمعوا له حتى يفدوه، فتعيَّرهم العرب بذلك، ويقولون: كيف تقاتلونهم وتفدونهم؟ قالوا: إنا أُمِرْنا أن نفديهم، وحُرّم علينا قتالهم. قالوا: فلم تقاتلونهم؟ قالوا: إنا نستحي أن تُسْتَذَل حلفاؤنا. فذلك حين عيّرهم الله ﵎، فقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ الآية). وقال أبو العالية: (كان في بني إسرائيل: إذا استضعفوا قومًا أخرجوهم من ديارهم. وقد أخذ عليهم الميثاق أن لا يسفكوا دماءهم، ولا يخرجوا أنفسهم من ديارهم). وقوله: ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. فالعدوان مِنَ التَعدِّي والظلم ومجاوزة الحد. وأما ﴿تَظَاهَرُونَ﴾ فمعناها تتعاونون، مشتق من الظَّهر، لأن بعضهم يقوي بعضًا فيكون له كالظَّهر. والإثم: الفعل المستحق صاحبه للذم. وقد قرأ أهل المدينة وأهل مكة ﴿تظَّاهرون﴾ بالتشديد، والأصل تتظاهرون. في حين قرأ أهل الكوفة ﴿تظاهرون﴾ بالتخفيف. وكلاهما بمعنى واحد. وقوله: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾. قال مجاهد: (يقول: إن وَجَدْتَه في يد غيرك فديته، وأنت تقتله بيدك). وكان قتادة يقول في قوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾: (فكان إخراجهم كفرًا، وفداؤهم إيمانًا). وهذه الآية تدل على خيانة اليهود لميراثهم ونقضهم عهود التوراة عليهم، ومن ثمَّ

стр. 323

فلا يؤتمنون على النقل منها ولا التحدث بما فيها، فهم متّهمون بذلك الكذب والمكر إلى يوم القيامة. وقد حذَّر النبي ﷺ هذه الأمة أن تسلك طريقهم وتشابه مسلكهم. فقد أخرج البيهقي بسند حسن عن أنس عن النبي ﷺ قال: [أتيتُ ليلةَ أُسريَ بي على قومٍ تقرض شفاههم بمقاريض من نار، كلَّما قرضتْ وفَتْ، فقلتُ يا جبريلُ من هؤلاء؟ قال: خطباء أمتِكَ الذين يقولون ما لايفعلون، ويقرؤون كتاب الله ولا يعملون به" (١). وقد قرأ حمزة "أَسْرى"، في حين هي في قراءة الجماعة ﴿أُسَارَى﴾ وهي في محل نصب حال. وقرأ نافع وحمزة والكسائي ﴿تُفادوهم﴾، في حين قرأها الباقون "تَفْدوهم" من الفداء. والأسير مشتق من الإسار، وهو القِدّ الذي يشُدّ به المحمل فَسمِّيَ أسيرًا؛ لأنه يشد وثاقه، ومن ثم فإن العرب تسمي كل أَخيذ أسيرًا، وإن لم يؤسر. وقوله: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ والخزي الذي أصابهم في الدنيا بسبب معصيتهم على ثلاثة أنواع: ١ - هو حُكم الله الذي أنزله إلى نبيه محمد ﷺ : من أخذ القاتل بمن قتَل، والقَوَد به قصاصًا، والانتقام للمظلوم من الظالم. ٢ - هو أخذ الجزية منهم ما أقاموا على دينهم، ذلَّةً لهم وصَغارًا. ٣ - وهو إخراج رسول الله ﷺ النضيرَ من ديارهم لأول الحشر، وقتل مقاتلة قُريظة وسبي ذراريهم. وقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾. فقد وعدهم الله النار في الآخرة مقابل تماديهم بالبغي والعناد والكفر، فهو سبحانه يحصي عليهم ما اقترفوه ليجدوه في صحفهم يوم القيامة.

стр. 324

وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦)﴾. قال قتادة: (استحبوا قليل الدنيا على كثير الآخرة). فلا يُفَتَّرُ عنهم العذاب ساعة واحدة يوم يُقْتَصُّ منهم في نار جهنم، وليس لهم ناصر ينقذهم مما هم فيه من العذاب المستمر ولا يجيرهم منه. ٨٧ - ٨٩. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧) وَقَالوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (٨٨) وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩)﴾. في هذه الآيات: يخبر سبحانه أنه آتى موسى التوراة ثم أردف الرسل بعده على منهاجها - منهاج الدين الحق -، وأَتى عيسى الحجج وأظهر على يديه دلائل النبوة وأيده بجبريل ﵇، ثم هؤلاء اليهود كلما جاءهم رسول بغير ما تهواه أنفسهم لجؤوا إلى البغي والتكبر والقتل. وقالوا: قلوبنا في أغطية بل ختم الله عليها وحجب عنها الإيمان. ولما جاءهم القرآن على لسان محمد ﷺ وكانوا يستطيلون على المشركين باقتراب نبي يبعث يقتلونهم معه تنكروا له وكفروا به، فلعنة الله على الكافرين. فقوله: ﴿وَآتَيْنَا﴾ بمعنى: أنزلنا، وقوله: ﴿وَقَفِيِّنَا﴾ بمعنى: وأردفنا. من قَفَوْتُ فلانًا: إذا صرت خلف قفاه. قال ابن جرير: (وإنما يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾، أي: أتبعنا بعضهم بعضًا على منهاج واحد وشريعة واحدة. لأنَّ كلَّ من بعثه الله نبيًّا بعد موسى ﷺ إلى زمان عيسى بن مريم، فإنما بعثه بأمر بني إسرائيل بإقامة التوراة، والعمل بما فيها، والدعاء إلى ما فيها).

стр. 325

وقوله: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾. أي: أعطيناه الحجج وما أظهر الله على يديه مما يدلى على نبوته: من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه، وغير ذلك. قال ابن عباس: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾ أي: الآيات التي وضع على يديه: من إحياء الموتى، وخلقه من الطين كهيئة الطير، ثم ينفخ فيه فيكون طائرًا بإذن الله، وإبراء الأسقام، والخبر بكثير من الغيوب ممّا يدّخرون في بيوتهم، وما ردَّ عليهم من التوراة، مع الإنجيل الذي أحدث الله إليه). وقوله: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾. أي: قوّيناه، وأعنّاه بجبريل ﵇. قال الضحاك: (﴿وَأَيَّدْنَاهُ﴾ يقول: نصرناه). ومنه قولهم رجل ذو أيْد: أي ذو قوة. ولقد اختلف في روح القدس على أقوال: ١ - القول الأولى: جبريل ﵇. قال قتادة: (هو جبريل). وقال الضحاك: (روح القدس: جبريل). وقال الربيع: (أيد عيسى بجبريل، وهو روح القدس). ٢ - القول الثاني: الإنجيل. قال ابن زيد: (أيد الله عيسى بالإنجيل رُوحًا، كما جعل القرآن روحًا، كلاهما روح الله، كما قال الله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾. ٣ - القول الثالث: هو الاسم الذي كان عيسى يحيي به الموتى. قال ابن عباس: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾: هو الاسم الذي كان يحيي عيسى به الموتى). ولا شك أن القول الأولى هو أصح هذه الأقوال. فروح القدس هنا هو جبريل ﵇. ويدل على ذلك قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿إِذْ قَال اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ... (١١٠)﴾ فلو كان الروح الذى أيَّده به هو الإنجيل لكان ما بعده تكرير قول لا معنى له كما ذكر ابن جرير. وقد سمى الله جبريل روحًا لأنه كان بتكوين الله له روحًا من عنده من غير ولادة والد

стр. 326

ولدَه (١)، ثم أضافه إلى القدس وهو الطهر. وإن كان في أقوال المفسرين أقوال أخرى للقدس. فقد روي عن السُّدي قوله: (القدس: البركة). وقال أبو جعفر: (القدس: وهو الرب تعالى ذكره). وقال ابن زيد: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾، قال: الله، القُدُس. وأيّد عيسى بروحه، قال: نَعْتُ الله، القُدُس. وقرأ قول الله جل ثناؤه: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ ... (٢٣)﴾، قال: القدس والقدُّوس، واحد). وقال كعب: (الله، القدس). والخلاصة: إن روح القدس هو جبريل ﵇، وعليه تدل السنة الصحيحة: فقد أخرج الحاكم بسند صحيح عن البراء، عن النبي ﷺ قال: [إن روحَ القدس معك ما هاجَيْتَهُم] (٢). وهو في الصحيحين والمسند عنه بلفظ: [اهْجُ المشركين فإن روح القدس معك] (٣). والخطاب لحسان بن ثابت شاعر الإسلام الأول. وفي لفظ من طريق عائشة: [اهج قريشًا فإنه أشد عليهم من رشق النبل] (٤). ورواه مسلم عنها بلفظ: [إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافَحْتَ عن الله ورسوله. قاله لحسان] (٥). وعند أبي نعيم في الحلية بسند صحيح عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: [إن روح القدس نفث في روعي، أن نفسًا لن تموت حتى تستكمل أجلها وتَسْتَوْعِبَ رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ... ] لحديث (٦).

стр. 327

وقوله: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾. الخطاب موجه إلى اليهود من بني إسرائيل، وقد آتى الله موسى التوراة نعمة عظيمة منه سبحانه ليبين لهم طريق النجاة وسعادة الدنيا والآخرة، ثم تابع عليهم من بعده بالرسل، وآتى عيسى بن مريم البينات والحجج وأيَّده بروح القدس، ثم هؤلاء اليهود كلما جاءهم رسول بغير ما تهواه أنفسهم لجؤوا إلى البغي والتكبر والقتل. قال الزمخشري: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾: إنما لم يقل وفريقًا قتلتم؛ لأنه أراد بذلك وصفهم في المستقبل أيضًا؛ لأنهم حاولوا قتل النبي ﷺ بالسم والسحر). ففي صحيح البخاري عن عائشة ﵂ قالت: [كان النبي ﷺ يقول في مرضه الذي مات فيه: يا عائشة، ما أزال أجدُ ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوانُ وجدتُ انقطاعَ أبهَري من ذلك السُّم] (١). وأصل الهوى الميل إلى الشيء، ويجمع على أهواء. قال القرطبي: (وسمّيَ الهوى هوىً لأنه يهوي بصاحبه إلى النار، ولذلك لا يستعمل في الغالب إلا فيما ليس بحق وفيما لا خير فيه، وهذه الآية من ذلك. وقد يستعمل في الحق، ومنه قول عمر ﵁ في أسارى بدر: فَهَوِيَ رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر ولم يَهْوَ ما قلت. وقالت عائشة للنبي ﷺ في صحيح الحديث: والله ما أرى ربك إلا يُسارع في هواك. أخرجهما مسلم). وقوله: ﴿وَقَالوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾. قرأها عامة القراء ﴿غُلْفٌ﴾ بتسكين اللام، في حين قرأها ابن عباس والأعرج وابن مُحَيْصِن ﴿غُلُفٌ﴾ وبضم اللام. والمعنى إذا قرئت بسكون اللام كأنهم قالوا: قلوبنا في أكنَّةٍ وأغطية، فهي جمع أغلف، وهو الذي في غلاف وغطاء. فإلى ذكر من قال ذلك: ١ - قال ابن عباس: ﴿وَقَالوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ أي: في أكنة). وقال: (أي: في غطاء). وقال: (فهي القلوب المطبوع عليها). وقال السدي: (عليها غلاف، وهو الغطاء). ٢ - قال مجاهد: ﴿وَقَالوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾: عليها غشاوة).

стр. 328

٣ - وقال قتادة: (أي لا تفقه). وقال: (هو كقوله: ﴿قُلُوبُنُا فِي أَكِنَّةٍ﴾). و"أما إذا قرئت ﴿غُلُفٌ﴾ فالمعنى كما تأولوها: قلوبنا غُلُفٌ للعلم، بمعنى أنَّها أوعية. والغلف بهذا التأويل جمع غلاف. قال عطية: (أوعية للذكر). وقال: (أوعية للعلم). وقال ابن عباس: (مملوءة علمًا، لا تحتاج إلى محمد ﷺ ولا غيره). وقيل بل المعنى: (قلوبنا أوعية للعلم، فما بالها لا تفهم قول محمد) ذكره القرطبي. واختار ابن جرير القراءة الأولى فهي أشهر بين القراء وأهل التأويل. في حين سكت عن الترجيح القرطبي وابن كثير. وقوله: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾. يعني أقصاهم وأبعدهم وطردهم وأهلكهم وأخزاهم سبحانه بما جحدوا آياته وكتبه وقتلوا رسله وأنبياءه. وأصل اللَّعن في كلام العرب الطرد والإبعاد. أي ليس الأمر كما ادّعوا، بل قلوبهم ملعونة مطبوع عليها فلا تعرف معروفًا ولا تنكر منكرًا. وقوله: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: بالحق. وفيه أكثر من معنى: ١ - قليل منهم من يؤمن. قال قتادة: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾: فلعمري لمن رَجع من أهل الشرك أكثر ممن رجع من أهل الكتاب، إنما آمن من أهل الكتاب رَهْطٌ يَسير). وقال: (لا يؤمن منهم إلا قليل). ٢ - لا يؤمنون إلا بقليل مما في أيديهم. قال مَعْمَر: (المعنى لا يؤمنون إلا بقليل مما في أيديهم ويكفرون بأكثره). قال ابن كثير: (وقيل: فقليل إيمانهم. بمعنى أنهم يؤمنون بما جاء به موسى من أمر المعاد والثواب والعقاب، ولكنه إيمانٌ لا ينفعهم؛ لأنه مغمورٌ بما كفروا به من الذي جاءهم به محمد ﷺ ). ٣ - لا يؤمنون بشيء أبدًا. قال الواقدي: (معناه لا يؤمنون قليلًا ولا كثيرًا، كى، تقول: ما أقلَّ ما يفعل كذا، أي لا يفعله البتّة). وقال الكسائي: (تقول العرب مَرَرْنا بأرض قلَّ ما تُنبت الكراث والبصل، أي لا تنبت شيئًا). ونصب قوله: ﴿فَقَلِيلًا﴾ لأنه نعت للمصدر المحذوف، والتقدير: فإيمانًا قليلًا ما يؤمنون.

стр. 329

وقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾. المعنى: لما جاء اليهودَ من بني إسرائيل - الذين تقدم وصفهم - القرآن الذي نزّله الله على محمد ﷺ وهو مصدّق لما معهم من الكتب. قال الربيع: (وهو القرآن الذي أنزل على محمد ﷺ ، مصدق لما معهم من التوراة والإنجيل). وقوله: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. أي كانوا قبل مجيء هذا الرسول بهذا الكتاب يستنصرون بمجيئه على أعدائهم من المشركين إذا قاتلوهم. وقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. قال ابن إسحاق: (وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن رجال من قومه قالوا: إن مما دعانا إلى الإسلام مع رحمة الله تعالى وهداه لنا لما كنا نسمع من رجال يهود، وكنا أهلَ شرك أصحاب أوثان، وكانوا أهل كتاب عندهم علم ليس لنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا: إنه قد تقارب زمان نبي يبعث الآن نقتلكم معه قتل عاد وإرم، فكنا كثيرًا ما نسمع ذلك منهم، فلما بعث الله رسوله ﷺ أجبناه حين دعانا إلى الله تعالى، وعرفنا ما كانوا يتوعدونا به، فبادرناهم إليه فآمنا به وكفروا به، ففينا وفيهم نزل الآياتِ من البقرة: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾) (١). قال ابن جرير: ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾: فَخِزْيُ الله وإبعاده على الجاحدين ما قد عرفوا من الحق عليهم لله ولأنبيائه، المنكرين لما قد ثَبَت عندهم صحته من نبوة محمد ﷺ ). ٩٠ - قوله تعالى: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ

стр. 330

مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩٠)﴾. في هذه الآية: يخبر تعالى عن خسارة صفقة اليهود بشرائهم الحق بالباطل وكتمانهم خبر محمّد ﷺ كبرًا وحقدًا وحسدًا، ليجمعوا بين تحريفهم التوراة وكفرهم بالقرآن ثم ينتظرهم في الآخرة عذاب أليم. فقوله: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا﴾. أي: ساء ما اشتروا به أنفسهم، فقد شروا الحق بالباطل وكتموا خبر محمد ﷺ ظلمًا وحسدًا، لأن الله اختاره من العرب. قال مجاهد: (يهود شروا الحق بالباطل، وكتمانَ ما جاء به محمد ﷺ بأن يُبَيِّنوه). وقال السدي: (بَغَوْا على محمد ﷺ وحسدوه، وقالوا: إنما كانت الرسل من بني إسرائيل، فما بال هذا من بني إسماعيل؟ فحسدوه أن يُنَزِّلَ الله من فضله على من يشاء من عباده). وقوله: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾. فيه أقوال متقاربة: ١ - قال ابن عباس: (فالغضب على الغضب، غضبُه عليهم فيما كانوا ضيّعوا من التوراة وهي معهم، وغضبٌ بكفرهم بهذا النبي الذي أحدثَ الله إليهم). ٢ - قال عكرمة: (كفرٌ بعيسى، وكفرٌ بمحمد ﷺ ). ٣ - قال الشَّعْبي: (الناس يوم القيامة على أربعة منازل: رجل كان مؤمنًا بعيسى وآمن بمحمد صلى الله عليهما، فله أجران. ورجل كان كافرًا بعيسى فآمن بمحمد ﷺ ، فله أجْر. ورجل كان كافرًا بعيسى، فكفر بمحمد، فباء بغضب على غضب. ورجل كان كافرًا بعيسى من مشركي العرب، فمات بكفره قبل محمد ﷺ ، فباء بغضب). ٤ - قال قتادة: (غضب الله عليهم بكفرهم بالإنجيل وبعيسى، وغضب عليهم بكفرهم بالقرآن وبمحمد ﷺ ). ٥ - قال مجاهد: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ﴾ اليهود، بما كان من تبديلهم التوراة قبل خروج النبي ﷺ ، ﴿عَلَى غَضَبٍ﴾، جحودهم النبي ﷺ ، وكفرهم بما جاء به).

стр. 331

٦ - قال السدي: (أما الغضب الأول فهو حين غضب الله عليهم في العجل، وأما الغضب الثاني فغضب عليهم حين كفروا بمحمد ﷺ ). وقوله: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. المعنى: إن للجاحدين نبوة محمد ﷺ عذابًا من الله إما في الآخرة، أو يضاف له عذاب في الدنيا. قال القرطبي: (و ﴿مُهِينٌ﴾ مأخوذ من الهوان، وهو ما اقتضى الخلود في النار دائمًا بخلاف خلود العصاة من المسلمين، فإن ذلك تمحيص لهم وتطهير، كرجم الزاني وقطع يد السارق). أخرج الحاكم بسند صحيح عن خزيمة بن ثابت رضي إلله عنه أن رسول الله ﷺ قال: [أيُّما عبدٍ أصاب شيئًا مما نهى اللهُ عنه، ثم أقيمَ عليه حَدُّه، كفِّر عنه ذلك الذَّنْبَ]- ورواه أحمد (١). ويشهد له ما أخرجه الطبراني في الكبير عن خزيمة بن معمر الأنصاري قال: [رجمت امرأة في عهد النبي ﷺ ، فقال الناس: حبط عملها، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: هو كفارة ذنوبها، وتحشر على ما سوى ذلك] (٢). وأما الكفار الذين تكبّروا على الحق، وقابلوا أهله بالكبر والبغي والحسد، فأولئك يحشرون ذليلين صاغرين مهانين. فقد أخرج الإمام أحمد في المسند والترمذي في الجامع بسند حسن عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: [يُحْشَرُ المتكبرون يوم القيامة أمثال الذَّرِّ في صُوَرِ الناس، يعلوهم كلُّ شيء من الصغار، حتى يدخلوا سجنًا في جهنّم، يقال له: بُولَس، فيعلوهم نار الأنيار، يسقون من طينة الخَبَال: عصارة أهل النار] (٣). ٩١ - ٩٢. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ

стр. 332

قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٩٢)﴾. في هذه الآياتِ: وإذا قيل لليهود ونظرائهم من أهل الكتاب آمنوا بالوحي النازل على محمد واتبعوه قالوا بل نؤمن بالتوراة والإنجيل - الكتابين اللذين أنزل علينا - مع أن القرآن يصدق الكتب السابقة قبل تحريفها. فوبخهم الله بقوله لهم: فَلِمَ تتولون قتلة الأنبياء من أجدادكم إن كنتم مؤمنين حقًّا. ولقد جاء موسى أجدادكم بالحق ثم غافلوه وعبدوا العجل ظلمًا وبغيًا وأنتم على منهاجهم. فقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾. يعني اليهود وأمثالهم من أهل الكتاب. ﴿آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ أي: على محمد ﷺ ، فصدقوه واتبعوه. ﴿قَالوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ يعني التوراة والإنجيل. ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾. قال قتادة: (يقول: بما بعده). وقوله: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾. أي: أنَّ القرآن الذي أنزل على محمد ﷺ يصدق التوراة والإنجيل قبل تحريفها، فَكُتُبُ الله يُصدِّق بعضها بعضًا، فنُصب ﴿مُصَدِّقًا﴾ على الحال. ثم قال تعالى: ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. قال السدي: (يعيّرهم الله ﵎. والخطاب لليهود الذين أدركوا رسولَ الله ﷺ وأسلافهم، وإنما قال ﴿تَقْتُلُونَ﴾ لأن اليهود المتأخرين كانوا على منهاج أسلافهم في قولهم: نؤمن بما أنزل علينا، فكانوا متولين لأوائلهم قتلة الأنبياء، فخوطِبَ الأحفاد بصفة الآباء نفسها. والتقدير: إن كنتم مؤمنين - كما تزعمون - فلم تتولّون قتلة أنبياء الله؟ أي: ترضون أعمالهم ومسلكهم. ثم قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾. فمن البينات التي جاء بها موسى مما يدل بها على صحة نبوته: العصا التي تحولت ثعبانًا، ويده التي أخرجها بيضاء للناظرين، وفَلْق البحر ومصير أرضه له طريقًا يبسًا، والمن والسلوى، والغمام، والجراد والقُمَّل والضفادع، وغير ذلك. ولكنهم مع ذلك استزلهم الشيطان فاتخذوا العجل معبودًا من دون الله بعدما ذهب

стр. 333

موسى عنهم إلى الطور لمناجاة ربه . قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ .... ﴾ [الأعراف: ١٤٨]. وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾. أي: في اتخاذ العجل تعبدونه دون الله وحده لا شريك له، وقد ظهرت لكم الآياتِ الواضحات التي تدلكم على وجوب تنزيهه سبحانه وإفراده بالتعظيم والعبادة. قال القرطبي: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ توبيخ، و ﴿ثُمَّ﴾ أبلغ من الواو في التقريع، أي بعد النظر في الآياتِ والإتيان بها اتخذتم. وهذا يدلّ على أنهم إنما فعلوا ذلك بعد مهلة من النظر في الآياتِ، وذلك أعظم لجرمهم). وفي التنزيل: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٩]. ٩٣ - قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣)﴾. في هذه الآية: يخاطب الله سبحانه يهود بني إسرائيل ويعدّد عليهم مخالفاتهم للميثاق وعتوهم وإعراضهم عنه، حتى رفع سبحانه الطور عليهم فقبلوا ذلك ثم عتوا وتمردوا كما مضى ذكره. و ﴿قَالوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ استكبارًا منهم وسوء اتباع. ثم ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ أي: أشربوا حبّه، حتى خلص ذلك إلى قلوبهم. فعن قتادة: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ قال: (أشربوا حُبَّه، حتى خلص ذلك إلى قلوبهم). وقال أبو العالية: (أشربوا حُبَّ العجل بكفرهم). فقال سبحانه: ﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. أي: قل يا محمد ليهود بني إسرائيل: بئس الأمر يأمركم به إيمانكم، من قتل الأنبياء والتكذيب بالكتب وكفركم بمحمد ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين الذي تجدونه في التوراة وتجحدون أمره وتشوهون معالمه وصفاته بالتغطية والكذب والافتراء. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: تهكّم بهم وتوبيخ لشأنهم، فالتوراة لا تأمر بهذا المنهج الفاسد الذي ارتضوه صفة لهم على مر الزمان.

стр. 334

٩٤ - ٩٦. قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾. في هذه الآياتِ: يحتج الله سبحانه على اليهود الذين عاصروا رسول الله ﷺ بهذه البيِّنة التي تفضح سرائرهم ومنهاج أحبارهم وعلمائهم: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. فإنه بتمنيكم الموت بصدق وحصولكم عليه، تصيرون بعده إلى الراحة من تعب الدنيا ونَصَبها وكدَر عيشها، والفوز بجوار الله ورضوانه ونعيم جنانه كما تدّعون! فامتنع اليهود من الإجابة لذلك كما امتنع النصارى عن المباهلة خشية الخزي والفضيحة. فإنهم لن يتمنوا الموت، بل هم من أشد الأمم حرصًا على الحياة. فعن ابن عباس: (لو تمنى اليهود الموت لماتوا). وقال: (لو تمنوا الموت لشرق أحدُهم بريقه). وقال أيضًا: (لو تمنوه يوم قال ذلك لهم، ما بقي على ظهر الأرض يهودي إلَّا مات). وأما سبب سؤالهم تمني الموت ففيه أقوال: ١ - القول الأول: أمروا أن يتمنوه على وجه الدعاء على الفريق الكاذب منهما. قال ابن عباس: (قال الله لنبيّه ﷺ : ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، أي: ادعوا بالموت على أي الفريقين أكذبُ). ٢ - القول الثاني: قيل لهم ذلك حين ادّعوا أنهم أبناء الله وأحباؤه، ولا يدخل الجَنَّة إلا من كان هودًا أو نصارى. فَعن قتادة: (قوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ

стр. 335

النَّاسِ، وذلك أنهم قالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾، وقالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ فقيل لهم: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. وقوله: ﴿خَالِصَةً﴾ أي: صافية. قال ابن عباس: (خاصة لكم). وفي قوله: ﴿مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾ قال: (يقول: من دون محمد ﷺ وأصحابه الذين استهزأتم بهم، وزعمتم أن الحق في أيديكم، وأن الدار الآخرة لكم دونهم). وفي قوله: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ قال: (فسلوا الموت)، ثم قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾. قال ابن عباس: (فأبوا ذلك على رسول الله ﷺ ، أي: بعلمهم بما عندهم من العلم بك، والكفر بذلك). وقال أيضًا: (لأنهم يعلمون أنهم كاذبون. ولو كانوا صادقين لتمنَّوه ورغبوا في التعجيل إلى كرامتي، فليس يتمنَّونه أبدًا بما قدمت أيديهم). قال ابن جريج: (وكانت اليهود أشدَّ فرارًا من الموت، ولم يكونوا ليتمنَّوه أبدًا). وقوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾. أي: بما أسلفت أيديهم وبما عرفوا عن نبوة محمد ﷺ وكتموا. قال ابن جريجٍ: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾: إنهم عرفوا أن محمدًا ﷺ نبيٌّ، فكتموه). ثم قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾. أي: بهم. قال القاسمي: (تذييل للتهديد. والتنبيه عاى أنهم ظالمون في دعوى ما ليس لهم، ونفيه عمن سواهم). وهذه الآية تشبه الآية التي في سورة الجمعة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾. ثم قال سبحانه: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾. قال ابن عباس: (يعني اليهود). والخطاب للنبي ﷺ ، فإنك يا محمد لتجدن هؤلاء اليهود أكثر الناس حرصًا على الدنيا وأشدهم كراهية للموت. قال ابن جرير: (لعلمهم بما لهم في الآخرة من الخزي والهوان الطويل).

стр. 336

وقوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾. يعني: هم على الدنيا أشد حرصًا من المشركين وكذلك كراهيتهم للموت أشد. والسّر أن اليهود يؤمنون بالبعث والعذاب الذي أعدّ لهم ولأمثالهم، وأما المشركون لا يؤمنون ببعث ولا عقاب. وعني بالمشركين في هذه الآية المجوس أو الذين ينكرون البعث، فإلى ذكر أقوال أهل التفسير: ١ - قال أبو العالية: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾: يعني: المجوس). ٢ - قال ابن زيد: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾، قال: يهود، أحرصُ من هؤلاء على الحياة). ٣ - وقال سعيد بن جبير، أو عكرمة، عن ابن عباس: (﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾، وذلك أن المشرك لا يرجو بعثًا بعد الموت، فهو يحب طول الحياة، وأن اليهودي قد عرف ما لَه في الآخرة من الخزي، بما ضيّعَ مما عنده من العلم). وقوله: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. يخبر تعالى عن هؤلاء اليهود الخاطئين بأن أحدهم يتمنى لو يعمر ألف سنة، فقد حَبّبَتْ إليهم الخطيئة طول العمر، حتى جعل من تأسّى بهم من المشركين في ذلك تحية بعضهم لبعض: "عشرة آلاف عام" حرصًا منهم على الحياة. فإلى أقوال أئمة التفسير في ذلك: ١ - قال ابن عباس في قوله: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾، قال. (هو قول الأعاجم: "سال زه نوروز مهرجان حر"). وقال سعيد بن جبير: (هو قول أهل الشرك بعضهم لبعض إذا عطس: "زه هزار سال". يقول: عشرة آلاف سنة). ٢ - وقال قتادة: (حَبَّبَتْ إليهم الخطيئة طولَ العمر). ٣ - وقال ابن زيد: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ حتى بلغ ﴿لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾، يهودُ، أحرص من هؤلاء على الحياة وقد ودّ هؤلاء لو يعمر أحدهم ألف سنة).

стр. 337

وقوله: ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ﴾. التفسير: وما طول العمر بمبعدِه من عذاب الله، ولا منحِّيه منه، فإنه لا بد للعمر من الفناء، وهذه الدنيا لا تدوم لأحد، ثم المصير إلى الله الواحد الأحد. وتفصيل ذلك: ١ - فعن ابن عباس: ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾، أي: ما هو بمنحِّيه من العذاب). وقال أبو العالية: (يقول: وإن عُمِّر، فما ذاك بمُغيثه من العذاب ولا منجيه). ٢ - قال ابن عباس: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ﴾، فهم الذين عادَوا جبريل ﵇. ٣ - وقال ابن زيد: (ويهود أحرصُ على الحياة من هؤلاء. وقد ودّ هؤلاء لو يعمَّر أحدهم ألف سنة، وليس ذلك بمزحزحه من العذاب، لو عُمِّر كما عمّر إبليس لم ينفعه ذلك، إذ كان كافرًا، ولم يزحزحه ذلك من العذاب). وقوله: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾. أي: خبير ذو إبصار بما يعمل عباده، لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، وهو لها حافظ ذاكر حتى يوافيهم جزاءها يوم القيامة. ٩٧ - ٩٨. قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَال فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾. في هذه الآيات: إعلان يهود السافر عداءهم لجبريل ﵇ صاحب الوحي الذي فيه حياة البِشر والسعادة في الدارين، وبراءة الله تعالى ممن عاداه وملائكته ورسله وجبريل وميكال. قال ابن جرير: (أجمع أهل العلم بالتأويل جميعًا على أن هذه الآية نزلت جوابًا لليهود من بني إسرائيل، إذ زعموا أن جبريل عدُوٌّ لهم، وأن ميكائيل وليٌّ لهم).

стр. 338

قلت: وقد ثبت في السنة الصحيحة نزول هذه الآياتِ بعد مناظرة جرت بين اليهود وبين رسول الله ﷺ في أمر نبوته، وفي ذلك أحاديث: الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد والطبراني بسندٍ حسن عن ابن عباس قال: [أقبلت يهودُ إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا أبا القاسم، إنا نسألك عن خمسة أشياء، فإن أنبأتنا بهنَّ عرفنا أنك نبي واتَّبَعْناك. فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل على بنيه إذ قال: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾. قال: "هاتوا". قالوا: أخبرنا عن علامة النبي؟ . قال: تنام عيناه ولا ينام قلبه. قالوا: أخبرنا كيف تُؤنِّثُ المرأة وكيف تذكر؟ قال: يلتقي الماءان، فإذا علا ماءُ الرجل ماءَ المرأة أذكرت، وإذا علا ماءُ المرأة ماء الرجل أنثت. قالوا: أخبرنا ما حرَّم إسرائيل على نفسه؟ قال: كان يشتكي عِرْقَ النَّسا، فلم يجد شيئًا يلائمه إلا ألبان كذا وكذا - قال أحمد: قال بعضهم: يعني الإبل - فحرَّم لحومها، قالوا: صدقتَ. قالوا: أخبرنا ما هذا الرعد؟ قالْ مَلَكٌ من ملائكة الله ، موكَّلٌ بالسحاب، بيده - أو في يده - مِخْراقٌ من نار يَزْجُرُ به السحاب، يسوقُه حيث أمره الله تعالى. قالوا: فما هذا الصوت الذي نسمع؟ قال: صوته. قالوا: صدقت. قالوا: إنما بقيت واحدة، وهي التي نبايعك إن أخبرتنا بها، فإنه ليس من نبي إلا وله ملك يأتيه بالخبر، فأخبرنا من صاحبك؟ قال: جبريل ﵇. قالوا: جبريل ذاك الذي ينزل بالحرب والقتال والعذاب عَدُوُّنا، لو قلت: ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والقَطْرِ والنبات لكان، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ إلى آخر الآية" (١). الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد والطيالسي والبيهقي بسند حسن عن شهر بن حوشب عن ابن عباس، أنه قال: [حضرتْ عصابة من اليهود رسولَ الله ﷺ ، فقالوا: يا أبا القاسم، حدّثنا عن خِلالٍ نسألك عنهنّ، لا يعلمهن إلا نبيّ. فقال رسول الله ﷺ : سَلُوا عما شئتم، ولكن اجعلوا لي ذمّة الله وما أخذ يعقوبُ على بنيه، لئن أنا حدَّثتُكم شيئًا فعرفتموه لتتابِعنّي على الإسلام. فقالوا: ذلك لك. فقال رسول الله ﷺ : سلوني عما شئتم. فقالوا: أَخبرنا عن أربع خلال نسألك عنهن، أخبرنا أيّ الطعام حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة؟ وأخبرنا كيف ماء المرأة وماء الرجل؟ وكيف

стр. 339

يكون الذكر منه والأنثى؟ وأخبرنا بهذا النبي الأميّ في التوراة، ومن وليه من الملائكة؟ . فقال النبي ﷺ : عليكم عهدُ إلله لئن أنا أنبأتكم لتتابعنِّي؟ فأعطوه ما شاء من عهد وميثاق. فقال: نشدتكم بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن إسرائيل: يعقوب، مَرِض مرضًا شديدًا، فطال سُقْمه منه، فنذر لله نذرًا لئن عافاه الله من سقمه ليُحَرِّمَنَّ أحبّ الطعام والشراب إليه، وكان أحبَّ الطعام إليه لحم الإبل، وأحبُّ الشراب إليه ألبانها. فقالوا: اللهمَّ نعم. فقال رسول الله ﷺ : اللهم أُشهدك عليهم. وأنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، الذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن ماء الرجل أبيض غليظ، وأن ماء المرأة أصفر رقيق، فأيّهما علا كان له الولدُ والشَّبَهُ بإذن الله ، فإذا علا ماء الرجل ماءَ المرأة كان الولد ذكرًا بإذن الله، وإذا علا ماءُ المرأة ماءَ الرجل كان الولد أنثى بإذن الله . قالوا: اللهم نعم. قال: اللهم اشهدْ، قال: وأنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن هذا النبيّ الأميّ تنام عيناه ولا ينام قلبه؟ . قالوا: اللهم نعم. قال: اللهم اشهد. قالوا: أنت الآن، فحدِّثنا من وليُّكَ من الملائكة، فعندها نجامعك أو نفارقك. قال: فإن وليِّي جبريل، ولم يبعث الله نبيًّا قط إلا وهو وليّه. قالوا: فعندها نفارقُك، ولو كان وليّك سواه من الملائكة تابعناك وصدّقناك. قال: فما يمنعكم أن تصدقوه؟ قالوا: إنه عدونا. فأنزل الله : ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ إلى قوله: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ فعندها باؤوا بغضب على غضب] (١). وفي رواية عن ابن جرير عن شهر بن حوشب مرسلًا: [قالوا: فأخبرنا عن الروح. قال: أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل، هل تعلمون أنه جبريل، وهو الذي يأتيني؟ قالوا: اللهم نعم، ولكنه عدو لنا، وهو ملك إنما يأتي بالشدَّة وسفك الدماء، فلولا ذلك اتبعناك. فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٢). وله شاهد عند ابن جرير عن مجاهد قال: (قالت يهود: يا محمد ما ينزل جبريل إلا

стр. 340

بشدَّة وحرب وقتال، وإنه لنا عدوّ. فنزل: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ ... ﴾ الآية). الحديث الثالث: وقال البخاري: (قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾، قال عكرمة: جَبْر، ومِيك، وسَرافِ: عبد. وإيل: الله (١). حدثنا عبد الله بن منير، سَمِعَ عبد الله بن بَكْر، حدثنا حُميدٌ، عن أنس بن مالك، قال: سَمعَ عبد الله بن سلام بمَقْدِم رسول الله ﷺ وهو في أرض يَخْتَرِفُ (٢). فأتى النبي ﷺ فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهنّ إلا نبيٌّ: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام أهل الجَنَّة؟ وما يَنْزِعُ الولدَ إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال: أخبرني بهن جبريل آنفًا. قال: جبريلُ؟ قال: نعم. قال: ذاك عدوُّ اليهود من الملائكة، فقرأ هذه الآية: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾. أما أول أشراط الساعة، فنارٌ تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أَوَّل طعام يأكلهُ أهل الجَنَّة، فزيادة كبد الحوت، وإذا سبق ماءُ الرجل ماءَ المرأة، نزع الولدُ، وإذا سبق ماءُ المرأة ماء الرجل نزعتْ. قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، يا رسول الله، إن اليهود قوم بُهُت، وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم يَبْهَتُوني. فجاءت اليهود، فقال النبي ﷺ : أيّ رجل عبد الله بن سَلام فيكم؟ قالوا: خيرُنا وابن خيرنا، وسَيِّدُنا وابن سيدنا. قال: أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام! فقالوا: أعاذه الله من ذلك. فخرج عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله. فقالوا: هو شرُّنا وابن شرِّنا. وانتقصوه. فقال: هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله] (٣). ومفهوم الآية: انتصار من الله سبحانه للروح الأمين جبريل ﵇ ضدّ يهود المكر والكفر، فإن من عادى جبريل - وهو الذي نزل بالذكر الحكيم على قلب رسول الله ﷺ فقد عادى جميع الملائكة، كما أن من عادى رسولًا فقد عادى جميع الرسل، فإن الإيمان بالملائكة يستلزم توقيرهم جَميعهم، كما أن الإيمان بالرسل يستلزم الإيمان بجميع الرسل. وفي التنزيل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ

стр. 341

الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٥١]. وعن الربيع: (﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ يقول: نزل الكتاب على قلبك جبريل). وقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. يعني أن جبريل لا ينزل بالأمر من تلقاء نفسه، وإنما ينزل بأمر ربه. وفي التنزيل: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٤]. وفي صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄: [قال النبي ﷺ لجبريل: ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟ فنزلت: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا ... ﴾ [مريم: ٦٤] (١). وأخرج البخاري وابن حبان وغيرهما عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : [من عادى لي وليًا فقد بارزني بالحرب] (٢). وفي لفظ: [فقد آذنته بالحرب]. وقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾. يعني: القرآن يصدق ما سل من الكتب أمامه بموافقة معانيه معانيها في الأمر باتباع محمد ﷺ وما جاء به من عند الله وهي تصدّقه. قال ابن عباس: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾، يقول لما قبله من الكتب التي أنزلها الله، والآيات، والرسل الذين بعثهم الله بالآيات، نحو موسى ونوح وهود وشعيب وصالح، وأشباههم من الرسل صلى الله عليهم). وقال قتادة: (﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: من التوراة والإنجيل). وقوله: ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. أي دليل وبرهان للمؤمنين ويحمل البشرى بالسعادة في الدارين لهم.

стр. 342

قال ابن جرير: (وإنما سَمَّاه الله جل ثناؤه ﴿وَهُدًى﴾ لاهتداء المؤمن به. و"اهتداؤه به" اتخاذه إيَّاه هاديًا يتبعه، وقائدًا ينقاد لأمره ونهيه وحلاله وحرامه). والهادي من كل شيء: ما تقدم أمامه. ومنه قول العرب لأوائل الخيل "هواديها" لتقدمها أمامها وكذلك قيل للعنق: "الهادي" لتقدمها أمام سائر الجسد. قال قتادة: ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. لأن المؤمن إذا سمع القرآن حَفظه ووعاه، وانتفع به واطمأن إليه، وصدَّق بموعود الله الذي وعد فيه، وكان على يقين من ذلك). وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَال فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾. التأويل: من كان عدوًا لله عاداه وعادى جميع ملائكته ورسله. وقوله: ﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَال﴾ هو من باب عطف الخاص على العام، فإنهما دخلا في الملائكة، في عموم الرسل، ثم خُصِّصا بالذكر لاقتضاء السياق ذلك، فإن الآية في معرض الانتصار لجبريل، وهو السفير بين الله وأنبيائه، وقرن معه ميكائيل لزعم اليهود أنه وليهم، فأخبرهم تعالى بذلك أن معاداة أحدهما معاداة للآخر، بل وهي معاداة لله ولجميع ملائكته ورسله فإن الله لا يحب الكافرين. فائدة: لعلماء اللسان في جبريل ﵇ لغات: (١ - جِبريل: لغة أهل الحجاز. ٢ - جَبْرِيل: قراءة الحسن وابن كثير. ٣ - جَبْرَئِل: قراءة أبي بكر عن عاصم. ٤ - جَبْرَئيل: قراءة أهل الكوفة. ٥ - جبرائِل: قراءة عكرمة. ٦ - جبرييل: قراءة الأعمش.٧ - جَبْرَئين. ٨ - جِبرين: قراءة بني أسد). وبنحوه قرئ: (ميكاييل، وميكائيل، وميكال، وميكئيل، وميكاءَل). ذكره القرطبي. ٩٩ - ١٠١. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (٩٩) أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٠) وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١)﴾. قال ابن جرير: (يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾، أي:

стр. 343

أنزلنا إليك يا محمد علاماتٍ واضحات دالّات على نُبوّتك. وتلك الآياتِ ما حَواه كتابُ الله الذي أنزله إلى محمد ﷺ من خفايا علوم اليهود ومكنون سرائر أخبارهم وأخبار أوائلهم من بني إسرائيل، والنبأ عما تضمنته كتبهم التي لم يكن يعلمها إلا أحبارهم وعلماؤهم، وما حرفه أوائلهم وأواخرهم وبدّلوه، من أحكامهم التي كانت في التوراة. فأطلعها الله في كتابه الذي أنزله على نبيه محمد ﷺ . فكان، في ذلك من أمره، الآياتِ البينات لمن أنصف نفسه، ولم يدْعُهُ إلى إهلاكها الحسدُ والبغي. إذ كان في فطرة كل ذي فطرة صحيحة، تصديقُ من أتى بمثل الذي أتى به محمد ﷺ من الآياتِ التي وصفتُ، من غير تعلُّم تعلَّمه من بشر، ولا أخذ شيء منه عن آدمي). قال ابن عباس: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ يقول: فأنت تتلوه عليهم، وتخبِرُهم به غدُوةً وعشيةً وبين ذلك، وأنت عندهم أميّ لم تقرأ كتابًا، وأنت تخبرهم بما في أيديهم على وجهه. يقول الله: ففي ذلك لهم عبرة وتبيان، وعليهم حجة لو كانوا يعلمون). وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾. يعني: ما يجحد بهذه الدلائل البينات على صدقك ونبوتك إلا الخارج من هؤلاء الأحبار عن دينه. وقوله تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. قال ابن عباس: (قال مالك بن الصيف - حين بعث رسول الله ﷺ ، وذكر ما أخذ عليهم من الميثاق، وما عهد الله إليهم فيه -: والله ما عهد إلينا في محمد ﷺ ، وما أخذ له علينا ميثاقًا! فأنزل الله جل ثناؤه: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾). قال القرطبي: (أوكلما: الواو واو عطف، دخلت عليها ألف الاستفهام كما تدخل على الفاء في قوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾، ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾، ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ﴾. وعلى ثُمّ كقوله: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ﴾ هذا قول سيبويه). والتقدير: وَإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور ... قالوا: سمعنا وعصينا، وكلما عاهدوا عهدًا نبذه فريق منهم. وقال ابن جرير: (وأما "النَّبْذُ" فإن أصله - في كلام العرب - الطَّرْح ... ومنه سمي

стр. 344

النبيذ "نبيذًا" لأنه زبيب أو تَمْر يُطرح في وعاء ثم يعالج بالماء). والمعنى طرحه فريق منهم وتركه ونقضه ورفضه. وعن قتادة: ﴿نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ يقول: نقضه فريق منهم). قال ابن جريجٍ: (لم يكن في الأرض عهد يعاهِدون عليه إلا نقضوه، ويعاهدون اليوم وينقضون غدًا). وقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. قال القاسمي: (دفع لما يتوهم من أن النابذين هم الأقلون). ففي الآية أن الكثرة في الغالب مذمومة، والقلة المؤمنة خير من كثرة لا يستقيم إيمانها. وقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ﴾. قال السدي: (لما جاءهم محمد ﷺ ). وقوله: ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾. يعني: يصدق بما معهم مما أنزل عليهم من التوراة. وقوله: ﴿نَبَذَهُ فَرِيقٌ﴾. الفريق الجماعة، لا واحدَ له من لفظه. يعني جحدوه وكذبوه بغيًا وحسدًا. وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يعني: علماء اليهود الذين أعطاهم الله العلم بالتوراة. وقوله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ﴾ يعني: التوراة. وقوله: ﴿وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾. يعني: أعرضوا عنه ورفضوه. والعرب تقول لكل رافض أمرًا: جعله وراء ظهره، أو جعله منه بِظَهْر. ﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: قال السدي: (لما جاءهم محمد ﷺ عارضوه بالتوراة فخاصموه بها، فاتفقت التوراة والقرآن، فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف، وسحر هاروت وماروت. فذلك قول الله: ﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾). وقال قتادة: (أي أن القوم كانوا يعلمون، ولكنهم أفسدوا علمهم، وجحدوا وكفروا وكتموا). ١٠٢ - ١٠٣. قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا

стр. 345

كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣)﴾. في هذه الآياتِ: إن الفريق من أحبار اليهود وعلمائها الذين مضى وصفهم بأنهم نبذوا التوراة وراء ظهورهم تجاهلًا ومكرًا، وجحدوا ما يعلمون فيها من نبوة محمد ﷺ ونعته، فرفضوا القرآن الذي نزل إليه وقد أخذ عليهم الميثاق بالعمل بما فيه وتصديقه، هؤلاء أخبر الله عنهم أنهم اتبعوا السحر أيضًا، وما كانت الشياطين تتلو في عهد سليمان وتدعو إليه من اتباع الشهوات، وما كفر سليمان ولا أنزل الله السحر على الملكين، ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل، يعلمهم ذلك رجلان: اسم أحدهما هاروت واسم الآخر ماروت، ليفرقوا بالسحر بين المرء وزوجه، وليفسدوا في الأرض ويضيعوا الإيمان. قال السّدّي: (عارضت اليهود محمدًا ﷺ بالتوراة فاتفقت التوراة والقرآن فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف وبسحرِ هاروت وماروت) ذكره القرطبي. وقال ابن عباس: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ الآية: وكان حين ذهب مُلْكُ سليمان ارتد فئام من الجن والإنس، واتبعوا الشهوات، فلما أرجَعَ الله إلى سليمان ملكَه، وقام الناس على الدين كما كان أوان سليمان، ظهر على كتبهم فدفنها تحت كرسيه. وتوفي سليمان ﵇ حِدْثَان ذلك، فظهر الإنس والجنّ على الكتب بعد وفاة سليمان، وقالوا: هذا كتابٌ من الله نزل على سليمان أخفاه عنّا. فأخذوا به فجعلوه دينًا. فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ أي: واتبعوا الشهوات التي كانت تتلو الشياطين، وهي المعازف واللعب، وكل شيء يصد عن ذكر الله) ذكره ابن كثير.

стр. 346

ثم ذكر عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: (كان آصف كاتب سليمان، وكان يعلم الاسم الأعظم، وكان يكتب كل شيء بأمر سليمان، ويدفنه تحت كرسيه، فلما مات سليمان أخرجته الشياطين، فكتبوا بين كل سطرين سحرًا وكفرًا، وقالوا: هذا الذي كان سليمان يعمل به. قال: فأكفره جُهَّال الناس وسبّوه، ووقَفَ علماؤهم، فلم يزل جُهَّال الناس يسبُّونه حتى أنزل الله على محمد ﷺ : ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾. قال ابن جرير: (و ﴿عَلَى﴾ ههنا بمعنى "في" أي: تتلو في ملك سليمان). ثم أورد ابن جرير بإسناد على شرط البخاري عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: (كان سليمان ﵇، إذا أراد أن يدخل الخلاء، أو يأتي شيئًا من نسائه، أعطى الجرادة - وهي امرأته - خاتمه. فلما أراد الله أن يبتلي سليمان ﵇ بالذي ابتلاه به، أعطى الجرادة (١) ذات يوم خاتَمَهُ، فجاء الشيطان في صورة سليمان فقال لها: هاتي خاتمي. فأخذه ولَبِسَهُ. فلما لَبِسَهُ دانت له الشياطين والجن والإنس. قال: فجاءها سليمان، فقال لها: هاتي خاتمي. فقالت: كذبتَ، لست سليمان. قال: فعرف سليمان أنه بلاء ابتلي به. قال: فانطلقت الشياطين، فكتبتْ في تلك الأيام كتبًا فيها سِحْرٌ وكفر، ثم دفنوها تحت كرسي سليمان، ثم أخرجوها فقرؤوها على الناس، وقالوا: إنما كان سليمان يغلب الناس بهذه الكتب. قال: فبرئ الناس من سليمان ﵇ وكفروه، حتى بعث الله محمدًا ﷺ فأنزل عليه: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾). وقوله: ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾. قال السدي: (على عهد سليمان). والمقصود: أنَّ اليهود بعد إعراضهم عن التوراة وكفرهم بالقرآن اتبعوا أخبار الشياطين التي كانت تحدث بها من عهد سليمان. وقوله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾. قال السدي: (كانت الشياطين تصعد إلى السماء، فتقعد منها مقاعد للسمع، فيستمعون من كلام الملائكة ما يكون في الأرض من موت أو غيب أو أمر، فيأتون الكهنة فيخبرونهم. فتحَدِّثُ الكهنةُ الناس فيجدونه كما قالوا. حتى إذا أَمِنتَهم الكهنة

стр. 347

كذبوا لهم، وأدخلوا فيه غيوه، فزادوا مع كل كلمة سبعين كلمة، فاكتتب الناس ذلك الحديث في الكتب، وفشا في بني إسرائيل أن الجنّ تعلم الغيب، فبعث سليمانُ في الناس، فجمع تلك الكتب فجعلها في صندوق، ثم دفنها تحت كرسيه. ولم يكن أحد من الشياطين يستطيع أن يدنو من الكرسي إلا احترق. وقال: لا أسمع أحدًا يذكر أن الشياطين يعلمون الغيب إلا ضربتُ عنقه. فلما مات سليمان ﵇، وذهبت العلماء الذين كانوا يعرفون أمر سليمان، وخَلَفَ من بعد ذلك خلفٌ، تمثل الشيطان في صورة إنسان، ثم أتى نفرًا من بني إسرائيل، فقال لهم: هل أدلكم على كنز لا تأكلونه أبدًا؟ قالوا: نعم. قال: فاحفِروا تحت الكرسي. وذهب معهم فأراهم المكان، وقام ناحية، فقالوا له: فادن، فقال: لا، ولكنني هاهنا في أيديكم، فإن لم تجدوه فاقتلوني. فحفروا فوجدوا تلك الكتب. فلما أخرجوها قال الشيطان: إن سليمان إنما كان يضبط الإنس والشياطين والطير بهذا السِّحر، ثم طار وذهب. وفشا في الناس أن سليمان كان ساحرًا، واتخذت بنو إسرائيل تلك الكتب. فلما جاء محمد ﷺ خاصموه بها، فذلك حين يقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾). وقوله: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾. قال الحسن البصري ﵀: (وكان السحر قبل زمان سليمان بن داود). وذلك أن السحرة كانوا في زمان موسى ﵇، وسليمان بن داود بعده. وفي التنزيل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ... ﴾ [البقرة: ٢٤٦]. وقال قوم صالح لنبيهم: ﴿قَالوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٣]. وهم قبل إبراهيم الخليل ﵇. والسحر لغة: ما خفي ولطُف سببه. قال الرازي: (السِّحر: الأُخْذَةُ وكل ما لطف مأخذه ودقَّ فهو سحر). وقال أبو عبيد: (أصل السحر صرف الشيء عن حقيقته إلى غيره). والسحر في الاصطلاح الشرعي: هو ما كان من عمل فيه اتصال بالشياطين بقصد الفتنة أو الاعتماد على غير الله سبحانه في الدواء وجلب الشفاء. قال الليث: (السحر عمل يتقرب فيه إلى الشيطان، وبمعونة منه).

стр. 348

وفي التنزيل: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ يعني: السواحر اللاتي يعقدن في سحرهن وينفثن في عقدهن. ولو لم يكن للسحر حقيقة لما أمر الله تعالى بالاستعاذة منه. وقد حرّم الله السحر في كل الأديان، قال تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٩]. وقد نص أصحاب أحمد أنه يكفر بتعلمه وتعليمه. وذهب إلى كفر الساحر مالك وأبو حنيفة وأحمد ﵏. وقال الشافعي: (إذا تعلم السحر قلنا له: صف لنا سحرك، فإن وصف ما يوجب الكفر، مثل ما اعتقده أهل بابل من التقرب إلى الكواكب السبعة، وأنها تفعل ما يلتمس منها فهو كافر، وإن كان لا يوجب الكفر فإن اعتقد إباحته كفر). وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾. وذلك أن اليهود كانوا يزعمون أن السحر نزل به جبريل وميكائيل فأكذبهم الله، فيكون تأويل الآية: وما كفر سليمان، ولا أنزل الله السحر على الملكين، ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل، يعلمهم ذلك رجلان: اسم أحدهما هاروت واسم الآخر ماروت. فتكون (ما) نافية. قال عطية: (ما أنزل الله على جبريل وميكائيل السحر). قال مجاهد: (كانت الشياطين تسمع الوحي، فما سمعوا من كلمة زادوا فيها مئتين مثلها. فأرسل سليمان إلى ما كتبوا من ذلك فجمعه. فلما توفي سليمان وجدته الشياطيق فعلمته الناس وهو السحر). أخرج البخاري في صحيحه من حديث عكرمة قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: [إن نبي الله ﷺ قال: إذا قضى الله تعالى الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله كانه سلسلة على صفوان (١)، فإذا فزِّعَ عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال الحق وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض - ونشر سفيان أحد رواة الحديث بيده فحرفها ونشر بين أصابعه - فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها وربما ألقاها قبل أن

стр. 349

يدركه فيكذب معها مئة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا، كذا وكذا، فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء] (١). قلت: وهذا هو أفضل التفاسير وأقواها في شأن هاروت وماروت، وقد وردت أخبار عند المفسرين مفادها أن هاروت وماروت ملكان أذن الله لما بتعليم الناس السحر، أو هما قبيلان من الجن، إلى غير ذلك مما ينافي الشريعة أو لا تقوم به الحجة. وقوله: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾. قال ابن عباس: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾: وذلك أنهما عَلِما الخير والشر والكفر والإيمان، فعرفا أن السحر من الكفر). وقال ابن جريجٍ: (لا يجترئ على السحر إلا كافر). وأما الفتنة فهي المحنة والاختبار. وعن قتادة: (﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ أي: بلاء). وفي صحيح مسلم عن بعض أمهات المؤمنين أن النبي ﷺ قال: [من أتى عرافًا فسأله عن شيء، لم تقبل له صلاة أربعين يومًا] (٢). وفي مسند أحمد عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [من أتى عرافًا أو كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد] (٣). وفي لفظ: [من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول، أو أتى امرأة حائضًا، أو أتى امرأة في دبرها، فقد برئ مما أنزل على محمد] (٤). وقوله: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾. قال المقدسي: (السِّحر عزائم ورقى وعقد يؤثر في القلوب والأبدان، فيمرض ويقتل، ويفرق بين المرء وزوجه).

стр. 350

وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله ﵁، عن النبي ﷺ قال: [إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول ما صنعتَ شيئًا، ويجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله، فيدنيه منه ويقول: نِعْمَ أنت] (١). وله شاهد عند ابن حبان من حديث أبي موسى الأشعري بإسناد صحيح عن النبي ﷺ قال: [إذا أصبح إبليس بث جنوده، فيقول: من أضلَّ اليوم مسلمًا ألبستُه التاج، فيخرج هذا فيقول: لم أزل به حتى طلق امرأته، فيقول: أوشك أن يتزوج. ويجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى عقَّ والديه، فيقول: يوشك أن يَبَرَّهما. ويجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى أشرك، فيقول: أنت أنت، ويجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى قتل، فيقول: أنت أنت ويلبسه التاج] (٢). وقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. قال سفيان الثوري: (إلا بقضاء الله). وقال محمد بن إسحاق: (إلا بتخلية الله بينه وبين ما أراد). وقال الحسن البصري: (نعم، من شاء الله سلطهم عليه، ومن لم يشأ الله لم يُسلط، ولا يستطيعون ضرَّ أحد إلا بإذن الله، كما قال الله تعالى). وفي رواية عن الحسن قال: (لا يضر هذا السحرُ إلا من دخل فيه). وقوله: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾. قال القرطبي: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ﴾ يريد في الآخرة وإن أخذوا بها نفعًا قليلًا في الدنيا. وقيل: يضرهم في الدنيا، لأن ضرر السحر والتفريق يعود على الساحر في الدنيا إذا عثر عليه؛ لأنه يُؤدَّب ويُزجَر، ويلحقه شؤم السحر). وقوله: (﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. قال ابن عباس: (من نصيب). وقال قتادة: (وقد علم أهل الكتاب فيما عهد إليهم: أن الساحر لا خلاق له في الآخرة). وقال الحسن: (ليس له دين). وقال ابن جريجٍ:

стр. 351

(من قِوام). قلت: فدل هذا على تحريم السحر في كل الأديان التي نزلت على الرسل صلوات الله وسلامه عليهم. قال تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٩]. وفي صحيح البخاري عن بَجالة بن عَبَدة قال: (كتب عمر بن الخطّاب أن اقتلوا كلَّ ساحر وساحرة) (١). قال: (فقتلنا ثلاث سواحر) (٢). والمشهور عن أحمد أنَّه يقتل دون استتابة، وهو قول مالك، لأنَّ علم السحر لا يزول بالتوبة. وفي رواية عن أحمد أنَّه يستتاب فإن تاب قبلت توبته وهو قول الشافعي، قالوا: لأنَّ ذنبه لا يزيد عن الشرك، والشرك تقبل توبة صاحبه، ولذلك صح إيمان سحرة فرعون وتوبتهم. وقوله: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢]. قال ابن جرير: (ولبئس ما باع به نفسه من تعلم السحر، لو كان يعلم سوء عاقبته). ثمَّ ذكر قول السدي: (يقول: بئس ما باعوا به أنفسهم). وقال ابن كثير: (يقول تعالى: ﴿وَلَبِئْسَ﴾ البديل ما استبدلوا به من السحر عوضًا عن الإيمان ومتابعة الرسول لو كان لهم علمٌ بما وُعظوا به). وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٣]. المعنى: لو أنهم صدقوا الله الإيمان والتقوى، فعظموا أوامره واجتنبوا نواهيه، لكان مثوبة الله على ذلك خيرًا لهم مما رضوا لأنفسهم من السقوط في معصيته، نحو قوله سبحانه في سورة القصص: ﴿وَقَال الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص: ٨٠]. وعن قتادة: (قوله: ﴿لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ يقول: ثوابٌ من عند الله). وقال السدي: (أما "المثوبة" فهو الثواب). وقال الربيع: (يقول: لثَواب من عند الله).

стр. 352

١٠٤ - ١٠٥ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. في هذه الآيات: يخاطب الله سبحانه عباده المؤمنين محذرًا لهم أن يتشبهوا بالكافرين في طريقة كلامهم أو فعالهم. فإن الكفرة لا يتمنون بالمؤمنين أن يختصهم الله بفضل منه ورحمة. قال ابن كثير: (وذلك أن اليهود كانوا يعانون من الكلام ما فيه تورية لما يقصدونه من التنقص - عليهم لعائن الله - فإذا أرادوا أن يقولوا: اسمع لنا. يقولون: راعنا. ويورون بالرّعونة، كما قال تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٤٦]. وكذلك جاءت الأحاديث بالإخبار عنهم، بأنهم كانوا إذا سلّموا إنما يقولون: السام عليكم. والسام هو: الموت. ولهذا أمرنا أن نَرُدّ عليهم بـ"وعليكم"). وحقيقة "راعنا" في اللغة أَرْعِنا ولْنَرْعَك، أي احفظنا ولنحفظك، وارقبنا ولنرقبك، وربما كانت من أرعنا سمعك والمراد فرّغ سمعك لنا ولا شك أن في هذا جفاء، فأمر الله المؤمنين بمخالفتهم واختيار أحسن الألفاظ وأرقها. قال ابن عباس: (كان المسلمون يقولون للنبي ﷺ : راعنا. على جهة الطلب والرّغبة - من المراعاة - أي التفت إلينا، وكان هذا بلسان اليهود سَبًّا، أي اسمع لا سمِعتَ، فاغتنموها وقولوا: كنا نَسُبُّهُ سِرًّا فالآن نَسُبُّهُ جهرًا، فكانوا يخاطبون بها النبي ﷺ ويضحكون فيما بينهم، فسمعها سعد بن معاذ وكان يعرف لغتهم، فقال لليهود: عليكم لعنة الله! لئن سمعتها من رجل منكم يقولها للنبي ﷺ لأضربن عنقه، فقالوا: أولستم تقولونها؟ فنزلت الآية، ونُهوا عنها لئلا تقتدي بها اليهود في اللفظ وتقصد المعنى الفاسد فيه) ذكره القرطبي.

стр. 353

وقد وردت تفاسير متنوعة في معنى "راعنا" ذكرها ابن جرير، منها: ١ - عن مجاهد: (﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ [البقرة: ١٠٤]: لا تقولوا خِلافًا). ٢ - عن ابن عباس: (أرْعِنا سمعك). وقال مجاهد: (اسمع منا ونسمع منك). وقال الضحاك: (كان الرجل من المشركين يقول: أرعِني سمعك). ٣ - عن قتادة: (قول كانت تقوله اليهود استهزاءً، فزجر الله المؤمنين أن يقولوا كقولهم). وقال عطية: (كان أناس من اليهود يقولون: أرعنا سمعك! حتى قالها أناس من المسلمين. فكره الله لهم ما قالت اليهود فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾، كما قالت اليهود والنصارى). ٤ - قال ابن زيد: (هذا الراعن - والراعن: الخطّاء - قال: فقال للمؤمنين: لا تقولوا: خطّاء، كما قال القوم، وقولوا: ﴿انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾ قال: كانوا ينظرون إلى النبي ﷺ ويكلِّمونه، ويسمع منهم، ويسألونه ويجيبهم). ٥ - قال عطاء: (كانت لُغَةً في الأنصار في الجاهلية). وقال أبو العالية: (إن مشركي العرب كانوا إذا حدّث بعضهم بعضًا يقول أحدهم لصاحبه: أرْعِني سمعك! فنهوا عن ذلك). قال ابن عباس: (وإنما ﴿رَاعِنَا﴾ كقولك: عاطنا). ٦ - وقال ابن جريج: (﴿رَاعِنَا﴾، قولُ الساخر. فنهاهم أن يسخروا من قول محمَّد ﷺ ). قال ابن جرير: (والصواب من القول في ذلك عندنا: أن الله نهى المؤمنين أن يقولوا لنبيه ﷺ راعنا. لأنها كلمة كرهها الله تعالى أن يقولوها لنبيّه ﷺ ، نظير الذي ذكر عن النبي ﷺ أنَّه قال: "لا تقولوا للعنب الكَرْمُ ولكن قولوا: الحَبَلَة. ولا تقولوا: عبدي ولكن قولوا: فتايَ). قلت: وقد جاءت السنة الصحيحة بالنهي عن التشبه بالكفار في طريقة كلامهم ولباسهم وحياتهم. ففي المسند للإمام أحمد، بسند حسن، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : [بُعِثْتُ بين يدي الساعة بالسيف، حتى يُعبدَ الله وحده لا شريك له.

стр. 354

وجُعِلَ رِزْقي تحت ظل رمحي، وجعلت الذلَّة والصَّغار على من خالف أمري، ومن تَشبَّه بقوم فهو منهم] (١). وفي سنن أبي داود عن أبي النضر هاشم بن القاسم، به: [من تشبّه بقوم فهو منهم] (٢). وفي الصحيحين والمسند عن أنس، عن النبي ﷺ قال: [المرءُ معَ من أحَبّ] (٣). وذكر ابن أبي حاتم عن عبد الله بن المبارك، عن مسعر، عن مَعْن وعون - أو أحدهما - أن رجلًا أتى عبد الله بنِ مسعود، فقال: اعْهَدْ إليّ. فقال: (إذا سمعت الله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَأَرْعِها سمعك، فإنَّه خير يأمر به، أو شرٌّ ينهى عنه). وقوله: ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾. قال مجاهد: (فهِّمنا، بَيِّن لنا يا محمَّد). قال ابن جرير: (قولوا أيها المؤمنون لنبيِّكم ﷺ : انْظرْنا وارقبنا، نفهم ونتبين ما تقول لنا، وتُعَلِّمنا). وقوله: ﴿وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٠٤]. أي: اسمعوا ما يقال لكم ويتلى عليكم من كتاب ربكم، وافهموه، واعلموا أن العذاب الموجع سينزل بالكافرين الجاحدين. قال السدي: (﴿وَاسْمَعُوا﴾: اسمعوا ما يقال لكم). وقوله: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٥]. يخبر تعالى المؤمنين عن شدة عداوة الكافرين من أهل الكتاب والمشركين الذين حذّر سبحانه من مشابهتهم، وأمر المؤمنين أن يقطعوا المودة بينهم وبينهم، فهم يتمنون لو لم ينزل الله الفرقان عليكم، حسدًا وبغيًا منهم لكم. ثمَّ قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.

стр. 355

لقد اختصكم الله - أيها المؤمنون - بشرع الكمال والجمال دون غيركم، رحمة منه بكم وتفضيلًا وتكريمًا، فاحرصوا على هذا الدين وأقيموه في حياتكم فهو سرّ سعادتكم. قال ابن جرير: (تعريضٌ من الله تعالى ذكره بأهل الكتاب: أن الذي آتى نبيه محمدًا ﷺ والمؤمنين به من الهداية، تَفَضُّل منه، وأنّ نعمه لا تدرك بالأماني، ولكنها مواهبُ منه يختص بها من يشاء من خلقه). ١٠٦ - ١٠٧. قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٠٦ - ١٠٧]. في هذه الآيات: إثبات نسخ بعض الآيات بحكمة الله تعالى، فهو الملك الحكيم العلم القدير، وما لكم معشر المؤمنين من دون الله من ولي ولا نصير. قال ابن عباس: (﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾، يقوله: ما نبدِّل من آية). وقال السدي: (أما نَسخها، فقبضها). وقال مجاهد: (نثبت خَطَّها، ونبدل حكمها). وأصل النسخ من "نسخ الكتاب"، وهو نقله من نُسخة إلى أخرى غيرها. ومثله يكون نسخ الحكم إلى غيره، وهذ المعنى يشمل التفاسير الثلاثة السابقة. قال ابن جرير: (﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾: ما ننقُلْ من حُكْم آية، إلى غيره فنبدله ونغيره. وذلك أن يحوّل الحلال حرامًا، والحرام حلالًا، والمباح محظورًا، والمحظور مباحًا. ولا يكون ذلك إلا في الأمر والنهي، والحظر والإطلاق، والمنع والإباحة، فأما الأخبار، فلا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ). وقوله: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾. قرئ على وجهين: "نَنسأَها" و"نُنْسها". فالأولى قراءة جماعة من الكوفة والبصرة. والثانية قراءة أهل المدينة والكوفة. ١ - فعلى القراءة الأولى يكون المعنى: نؤخرها. قال ابن عباس: (﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ يقول: ما نبدل من آية أو نتركها لا نبدّلها).
следующие страницы →