← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

عمر مرفوعًا: [تفكروا في آلاء الله، ولا تفكروا في الله ] (١). وله شاهد من حديث أبي هريرة مرفوعًا به. وزاد: [فإنكم لن تدركوه إلا بالتصديق]. وشاهد من حديث ابن عباس بلفظ: [تفكروا في خلق الله، ولا تفكروا في الله] (٢). الحديث الثالث: أخرج أبو داود وابن ماجة بسند حسن عن أبي رزين، قال موسى العقيلي، قال: [قلت: يا رسول الله، أكلنا يرى ربه؟ مخليًا به يوم القيامة، وما آية ذلك في خلقه؟ قال: يا أبا رزين، أليس كلكم يرى القمر ليلة البدر مخليًا به؟ قلت: بلى! قال: فالله أعظم فإنما هو خلق من خلقِ الله، فالله أجل وأعظم] (٣). وقوله: ﴿وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: لا يمتنع على قدرته العجيبة شيء. وقوله: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾. أي: قادمة لا شك في ذلك ولا ريب. وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾. أي: من الأموات، لموقف الحشر، ونوال الثواب والعقاب. ٨ - ١٠. قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٨) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (٩) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٠)﴾. في هذه الآيات: وَصْفُ أرباب الضلال بعد نَعْتِ الضُلّال، فَهُمْ في حالة تَنَطُّعٍ وغُرور، وقِلَّةٍ في العلم والحجةَ، وإنما يدفعهم للكلام بغير علم حب الرياسة والظهور، أولئك سيلقون الخزي والنكال يوم النشور. فقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾. قال ابن كثير: (لما ذكر تعالى حال الضُّلال الجُهَّال المقلِّدين في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ

стр. 2907

مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ [الحج: ٣]، ذكر في هذه حال الدُّعاة إلى الضلال من رؤوس الكفر والبِدَع، فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِي﴾، أي بلا عقل صحيح، ولا نَقْل صريح، بل بمجرَّدِ الرأي والهوى). والمقصود: وصف حال طائفة من المدّعين أهل التنطع والغرور بأن جدالهم لا يكون ببرهان وحجة، ولا ببيّنة وبصيرة، ولا بوحي من كتاب أو سنة، وإنما هو التعالم أو حب الظهور، الذي يفسد ويقطع الظهور. وفي التنزيل: ١ - قال تعالى ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]. ٢ - وقال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٤]. وفي سنن أبي داود وابن ماجة بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [من تعلم علمًا مما يُبْتغى به وجهُ الله تعالى، لا يتعلمه إلا ليصيبَ به عرضًا من الدنيا، لم يجد عَرْفَ الجنة يوم القيامة] (١). يعني ريحها. وفي سنن ابن ماجة بإسناد صحيح عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : [لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء، ولا تماروا به السفهاءَ، ولا تخيّروا به المجالس، فمن فعل ذلك فالنار النار] (٢). وقوله: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾. قال المبرّد: (العِطْفُ ما انثنى من العنق). وقال المفضّل: (والعطف الجانب، ومنه قولهم: فلان ينظر في أعطافه: أي في جوانبه). وعِطْفَا الرجل من لدُن رأسه إلى وَركيْه. والعرب تقول: ثنى فلان عني عِطفه إذا أعرض واستكبر. والمقصود بالآية وصف المعرض عن الحق في جداله واستكباره. فقوله: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ - قال ابن عباس: (يقول: مستكبرًا في نفسه). أو قال: (يعرض عن ذكري). وقال مجاهد وقتادة ومالك عن زيد بن أسلم: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾،

стр. 2908

أي: (لاوِي عُنُقِهِ، وهي رقبته). وقال ابن زيد: (لاويًا رأسه، معرضًا موليًا، لا يريد أن يسمع ما قيل له). قلت: والعطف الجانب. وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [المنافقون: ٥]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا﴾ [لقمان: ٧]. ٣ - وقال تعالى: ﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٣٨ - ٣٩]. ٤ - وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦١]. ومن كنوز صحيح السنة في آفاق معنى الآية أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: [بينما رجل يمشي في حلة تُعْجِبُهُ نفسُه، مُرَجِّلٌ رأسَهُ، يختال في مِشْيَتِهِ، إذ خسف الله به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة] (١). الحديث الثاني: خَرَّج مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: [لا يدخل الجنة من كان في قلبه مِثقالُ ذرة من كِبر. فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة؟ قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطرُ الحق وغَمْطُ الناس] (٢). الحديث الثالث: أخرج الشيخان عن حارثة بن وهب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [ألا أخبركم بأهل النار؟ كُلُّ عُتُلٍّ جوّاظ مستكبر] (٣). وقوله: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. أي: ليصد المؤمنين بالله عن دينهم، ويقف عثرة دون دخول الناس في الدين الحق. وقوله: ﴿لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾. قال ابن جرير: (يقول جل ثناؤه: لهذا المجادل في الله

стр. 2909

بغير علم، في الدنيا خزي وهو القتل والذّل، والمهانة بأيدي المؤمنين، فقتله الله بأيديهم يوم بدر). وقوله: ﴿وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾. أي: نسلط عليه في الآخرة عذاب الحرق في جهنم. ويكون بذلك قد جمع له عذاب الدارين. وقوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾. تقريع وتوبيخ، أي إنما صَلِيتَ هذا العذاب بما اجترحت يداك وبما اكتسبت من عمل. قال النسفي: (أي السبب في عذاب الدارين هو ما قدمت نفسه من الكفر والتكذيب، وكنى عنها باليد لأن اليد آلة الكسب). وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾. أي: هو المُقْسِط سبحانه والعادل في حكمه بين عباده فلا يظلم تعالى أحدًا. وفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر، عن رسول الله ﷺ ، فيما يرويه عن ربه أنه قال: [يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا .. ] الحديث (١). ١١ - ١٣. قولى تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١) يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٢) يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (١٣)﴾. في هذه الآيات: نَعْتُ حال كثير من الناس يعبدون الله على شرط القوة والرزق والعافية، فإن نزل بهم من المصائب والفتن انقلبوا إلى الجادّة الثانية، وأشركوا بالله وجحدوا نعمه الباقية. فعن مجاهد: (﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ قال: على شَكٍّ، ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ﴾ رخاء وعافية ﴿اطْمَأَنَّ بِهِ﴾: استقر ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ عذاب ومصيبة ﴿انْقَلَبَ﴾ ارتدّ ﴿عَلَى وَجْهِه﴾ كافرًا). وعن قتادة: (﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ﴾ يقول: أكثر ماله، وكثرت ماشيته اطمأنَّ وقال: لم

стр. 2910

يصبني في ديني هذا منذ دخلته إلا خير ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ يقول: وإن ذهب ماله، وذهبت ماشيته ﴿انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾). وعن ابن زيد قال: (هذا المنافق، إن صلحت له دنياه أقام على العبادة، وإن فسدت عليه دنياه، وتغيّرت انقلب، ولا يقيم على العبادة إلا لما صَلَحَ من دنياه. وإذا أصابته شدّة أو فتنة، أو اختبار أو ضيق، ترك دينه ورجع إلى الكفر). وفي صحيح البخاري -عند تفسير هذه الآية- عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: [﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ قال: كان الرَّجُلُ يَقْدَمُ المدينة، فَيُسْلِمُ، فإنْ ولَدَتِ امرأتُهُ غُلامًا وَنُتِجَتْ خَيْلُهُ قال: هذا دينٌ صالحٌ، وإنْ لمْ تَلِدِ امْرأتُهُ ولمْ تُنْتَجْ خَيْلُهُ قال: هذا دينُ سُوءٍ] (١). وقوله: ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾. أي: ما أصاب من الدنيا ولا سَعِدَ في الآخرة، فالكفرُ بالله ونعمه يورث الشقاء والإهانة في الدار الآخرة. قال القرطبي: (وخسرانه الدنيا بأن لا حظّ له في غنيمة ولا ثناء، والآخرة بأن لا ثواب له فيها). وقال النسفي: (والخسران في الدنيا بالقتل فيها، وفي الآخرة بالخلود في النار). وقوله: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾. أي: هذا الخسران في الدارين، هو أبلغ الخسارة وأظهرها. قال القاسمي: (أي الواضح الذي لا يخفى على ذي بصيرة). وقوله: ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ﴾. قال ابن زيد: (يكفر بعد إيمانه). وقال أبو السعود: (﴿يَدْعُو﴾: استئناف مبين لعظيم الخسران). والمقصود: أنه يستنصر الأوثان والأنداد ويسترزقها ويستغيث بها وهي لا تنفعه ولا تضره، بل سيكون هذا التوجّه الفاسد سبب خسارته في الدنيا وشقائه في الآخرة. وقوله: ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾. أي: ذلك المنهج هو منهج الشقاء الأبعد عن الاستقامة. قال ابن جرير: (يقول: ارتداده ذلك داعيًا من دون الله هذه الآلهة هو الأخذ على غير استقامة، والذهاب عن دين الله ذهابًا بعيدًا).

стр. 2911

وقوله: ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾. قال ابن كثير: (أي: ضَرَرُه في الدنيا قبل الآخرة أقربُ من نفعه فيها، وأما في الآخرة فَضَرَرُهُ محقَّقٌ متيقّنٌ). وقوله: ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾. قال مجاهد: (يعني الوثن). وقال ابن زيد: (العشير: هو المعاشر الصاحب، وقد قيل: عني بالمولى في هذا الموضع: الوليّ الناصر). قلت: وعموم الآية يشمل كل ما عبد من دون الله وصرفت له العبادة والتعظيم، من الأوثان وطواغيت الإنس والجن، فإنه بئس المولى: أي الناصر الصاحب، وبئس العشير: أي المعاشر المصاحب. ١٤. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (١٤)﴾. في هذه الآية: عَطْفٌ على ذكر أهل الشقاوة، بذكر أهل النجاة والسعادة، فإن أهل الإيمان والعمل الصالح سيرثون جنان النعيم، تجري من تحتها الأنهار في سرور مقيم، فإنه تعالى هدى هؤلاء وأشقى أولئك: بعلمه وحكمته وكمال عدله، فهو سبحانه أعلم بالشاكرين، وهو تعالى يفعل ما يريد. أخرج ابن أبي عاصم في "السّنة"، بسند صحيح عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب أنه قال: [قلت يا رسول الله: أرأيت عملنا هذا على أمر قد فرغ منه أم على أمر نستقبله؟ فقال رسول الله ﷺ : بل على أمر قد فرغ منه. قال عمر: ففيم العمل؟ فقال رسول الله ﷺ : كلا، لا يُنال إلا بعمل. فقال عمر: إذن نجتهد] (١). وكذلك روى الآجري، والبيهقي في "الأسماء والصفات"، عن هشام بن حكيم: [أن رجلًا أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله: أنبتدئ الأعمال أم قد قُضِيَ القضاء؟ فقال: إنَّ الله تعالى أخذ ذرية آدم من ظهورهم وأشهدهم على أنفسهم، ثم أفاض بهم في كفيه، فقال: هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار، فأهل الجنة ميسرون لعمل أهل

стр. 2912

الجنة، وأهل النار ميسرون لعمل أهل النار] (١). قال الإمام الطحاوي ﵀: (وقد علم الله تعالى فيما لم يزل عددَ مَنْ يدخل الجنة وعدد من يدخل النار، جملة واحدة، فلا يزاد في ذلك العدد ولا ينقص منه، وكذلك أفعالهم فيما علم منهم أن يفعلوه، وكل ميسر لما خُلِقَ له، والأعمال بالخواتيم، والسعيد من سعد بقضاء الله، والشقي من شقي بقضاء الله) (٢). ١٥ - ١٦. قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (١٥) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (١٦)﴾. في هذه الآيات: دَعْوَةُ الحاقدين على نَصْرِ الله نبيّه أن يموتوا بغيظهم، ويخنقوا أنفاسهم، فإن الله أنزل عليه القرآن بالحق، ووعده النصر، وهو تعالى يوفق ويهدي من يريد. فعن قتادة: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ قال: من كان يظنّ أن لن ينصر الله نبيّه ﷺ ، ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾ يقول: بحبل إلى سماء البيت ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ يقول: ثم ليختنق ثم لينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ). وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: (﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾، أي: ليتوصَّلَ إلى بلوغ السماء، فإن النصرَ إنما يأتي محمدًا من السماء، ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ ذلك عنه، إن قَدَرَ على ذلك). وعن السدي: (﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾: يعني من شأن محمد ﷺ ). وقال عطاء: (فلينظرْ هل يَشْفي ذلك ما يجدُ في صدره من الغيظ). وغاية المعنى: من ظَنَّ أن الله سيخذل محمدًا وكتابه ودينه فليذهب فليقتل نفسه، فإن الله تعالى تكفّل بنصره وتأييده وإظهاره على عدوه، فمن لم يعجبه ذلك فليخنق نفسه وليحترق غيظًا. فهو كما قال ابن عباس: (من كان يظن أن لن ينصر الله محمدًا، فليربط حبلًا في سقف، ثم ليختنق به حتى يموت).

стр. 2913

وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١]. ٢ - وقال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١]. وقد حصل لنبينا محمد ﷺ من التأييد العجيب والنصر البليغ يوم بدر، حتى أراه الله مصرع أعدائه أمام عينه، وشاركته الملائكة ذلك الظفر. ففي صحيح البخاري ومسند أحمد عن رفاعة عن النبي ﷺ قال: [جاء جبريل فقال: ما تعدّون من شهد بدرًا فيكم؟ قلت: خيارنا. قال: وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة هم عندنا خيار الملائكة] (١). وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ - يعني هذا القرآن. أنزله الله تعالى آيات واضحات في اللفظ والمعنى، معجزات في البيان والآفاق، ليكون حجة منه سبحانه على عباده. وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ﴾. أي: يوفق لإصابة الحق من شاء فهو أعلم بالشاكرين. ١٧ - ١٨. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾ في هذه الآيات: فَصْلُ الله بين الطوائف في اختلاف منهاج عبادتها وتوجهاتها يوم القيامة والله على كل شيء شهيد. إنَّ الله تعالى يسجد له من في السماوات ومن في

стр. 2914

الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب والمؤمنون، وأبى السجود الكافرون، فحق عليهم العذاب، فما يصح الخروج عن طاعة ربّ الأرباب. فعن قتادة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾. قال: (الصابئون: قوم يعبدون الملائكة، ويصلون للقبلة، ويقرؤون الزبور .. والمجوس: يعبدون الشمس والقمر والنيران. والذين أشركوا: يعبدون الأوثان. والأديان ستة: خمسة للشيطان، وواحد للرحمن). وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. أي: إنّ الله تعالى يحكم بينهم بالعدل يوم القيامة فيجازي كلًّا منهم ما يستحق، فمن آمن به تعالى وأقام أركان الإيمان أدخله الجنة، ومن كفر به وكذّب بالوحي أدخله النار، إنه سبحانه شهيد على أعمالهم جميعًا، حفيظ لأقوالهم، عليم بسرائرهم، ولا يُظْلَمُ عنده أحد من عباده. وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾. قال مجاهد: (ظلال هذا كله). والمعنى: ألم تر -يا محمد- بقلبك، أن كل شيء في هذا الكون الفسيح يسجد لله العظيم، فالملائكة في السماوات، والحيوانات في جميع الجهات، من الإنس والجن والدواب والطير، كل قد علم صلاته وتسبيحه. قال ابن كثير: (وقوله: ﴿وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ﴾، إنما ذكر هذه على التنصيص، لأنها قد عُبدت من دون الله، فَبَيَّنَ أنها تسجد لخالقها، وأنها مربوبة مُسَخَّرة، ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧]). وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: ٤٩]. ٣ - وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: ٤١].

стр. 2915

ومن صحيح السنة العطرة في آفاق معنى الآية أحاديث: الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه، وأحمد في مسنده، والنسائي وابن حبان في صحيحه، عن أبي ذر الغِفاري قال: [سألت رسول الله ﷺ عن قول الله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: ٣٨] قال: مستقرّها تحت العرش]. وفي رواية أخرى: قال أبو ذر: [دخَلْتُ المسجدَ ورسول الله ﷺ جالِسٌ، فلما غابت الشمس قال: يا أبا ذر! هل تدري أينَ تذهَبُ هذه الشمس؟ قال: قلتُ: الله ورسوله أعلَمُ. قال: فإنها تذهب فتستأذن في السجود، فيؤذَنُ لها، وكأنها قد قيل لها: ارجعي من حَيْثُ جِئْتِ، فتطلعُ من مَغْرِبها] (١). الحديث الثاني: أخرج ابن ماجة والترمذي بسند حسن -واللفظ لابن ماجة- عن ابن عباس قال: [كنت عند النبي ﷺ فأتاه رجل فقال: إني رأيت البارحة، فيما يرى النائم، كاني أُصَلّي إلى أصل شجرة. فقرأت السجدة فسجدت. فسجدت الشجرة لسجودي. فسمعتها تقول: اللهم احطُط عني بها وِزرًا، واكتب لي بها أجرًا، واجعلها لي عندك ذخرًا. قال ابن عباس: فرأيت النبي ﷺ قرأ السجدة فسجد. فسمعته يقول في سجوده مثل الذي أخبره الرجل عن قول الشجرة] (٢). وفي لفظ الترمذي: [قال الحسن بن محمد بن عبيد الله بن أبي يزيد: قال لي ابن جريج: يا حسن! أخبرني عبيد الله بن أبي يزيد عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني رأيتني الليلة وأنا نائم، كأني أصلي خلف شجرة، فسجدت فسجدت الشجرة لسجودي، فسمعتها وهي تقول: "اللهم اكتب لي بها عندك أجرًا، وضَع عني بها وزرًا، واجعلها لي عندك ذخرًا، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود". قال الحسن: قال لي ابن جريج: قال لي جدك: قال ابن عباس: فقرأ النبي ﷺ

стр. 2916

سجدة ثم سجد. فقال ابن عباس: فسمعته وهو يقول مثل ما أخبره الرجل عن قول الشجرة]. الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد في المسند، والترمذي في الجامع، وابن ماجة في السنن، بسند حسن عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ : [إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطَّت السماء وحُقَّ لها أن تَئِطَّ، ما فيها موضِعُ أربع أصابعَ إلا وملك واضِعٌ جبهته لله تعالى ساجدًا، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا، وما تلذذتم بالنساء على الفُرُش ولخرجتم إلى الصُّعُدات تجأرون إلى الله] (١). وقوله: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾. قال مجاهد: (المؤمنون). قال ابن جرير: (يقول: ويسجد كثير من بني آدم، وهم المؤمنون بالله). وقوله: ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾. قال مجاهد: (وكثير أبى السجود، لأن قوله ﴿حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ يدل على معصية الله وإبائه السجود، فاستحقّ بذلك العذاب). وقال أيضًا: (وكثير من بني آدم حقّ عليه عذاب الله، فوجب عليه بكفره به، وهو مع ذلك يسجد لله كله). وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [إذا قرأ ابْنُ آدم السَّجْدَةَ فسَجَدَ، اعتزلَ الشيطانُ يبكي، يقول: يا وَيْلَهُ -وفي رواية: يا وَيْلي! - أُمِرَ ابْنُ آدمَ بالسجود فسَجَدَ فله الجَنَّة، وأمِرْتُ بالسجود فَأبَيْتُ فَلِيَ النَّار] (٢). وفي رواية: "فعصيت فلي النار". وقوله: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾. أي: ومن يهن الله بالشقاوة فما له من مكرم بالسعادة. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾. قال النسفي: (من الإكرام والإهانة وغير ذلك، وظاهر هذه الآية والتي قبلها ينقض على المعتزلة قولهم، لأنهم يقولون شاء أشياء ولم يفعل، وهو يقول يفعل ما يشاء).

стр. 2917

١٩ - ٢٢. قوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٢٢)﴾. في هذه الآيات: اختصامُ الفريقين عند ربهم يوم القيامة: فويق الأولياء، وفويق الكفرة الأعداء. فالكفار في نار العذاب يصب على رؤوسهم الحميم، فيصهر به ما في بطونهم والجلود، ويضربون بسياط من جديد، ويمنعون من الخروج ليتضاعف عليهم العذاب الشديد. أخرج البخاري في صحيحه عن أبي ذر ﵁ قال: [نزلت: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ في ستة من قويش: علي وحمزة وعبيدة بن الحارث، وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة] (١). وفي رواية: عن قَيْسِ بن عُبَادِ، عن أبي ذر ﵁ أنه كان يُقسم قسمًا: [إنَّ هذه الآية: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ نزلت في حمزة وصاحبيه، وعُتْبَة وصاحِبَيْه يوم بَرَزُوا في يوم بدر] (٢). وأخرج البخاري في الصحيح، والنسائي في التفسير، عن قَيْسِ بن عُبادٍ، عن عليٍّ ﵁ قال: [أنا أوّلُ مَنْ يَجْثُو بَيْنَ يدي الرحمن للخصومة يومَ القيامة، قال قيس: وفيهم نزلت: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾. قال: هم الذين بارزوا يوم بَدْرٍ: عَليٌّ وحَمْزَةُ وعُبَيْدَةُ، وشَيْبَةُ بنُ ربيعةَ وعُتْبَةُ بن ربيعةَ والوليدُ بنُ عُتبة] (٣). والمقصود: إخبار من الله تعالى عن الفريقين المتخاصمين الذين خرجوا للمبارزة يوم بدر، الفريق الأول: أهل الإيمان حمزة وعلي وعبيدة ﵃. والفريق الثاني: أهل الكفر من أبناء عمومتهم عتبة وشيبة والوليد بن عتبة عليهم سخط الله

стр. 2918

وغضبه. قال مجاهد: (مثل الكافر والمؤمن اختصما في البعث). وقال عطاء: (هم المؤمنون والكافرون). قلت: وخصام الفريقين كان في الإيمان بالوحي وتصديق النبوة. وقوله: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾. أي: فُصِّلَت لهم ثياب ملتهبة من النار. قال مجاهد: (الكافر قطعت له ثياب من نار، والمؤمن يدخله الله جنات تجري من تحتها الأنهار). وقال سعيد: (﴿ثِيَابٌ مِنْ نَار﴾: ثياب من نحاس، وليس شيء من الآنية أحمى وأشد حَرًّا منه). وقوله: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾. قال مجاهد: (يقول: يصب على رؤوسهم ماء مُغْلى). وقال سعيد: (هو النحاس المذاب، أذاب ما في بطونهم من الشَّحم والأمعاء). وقوله تعالى: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾. أي يذيب هذا السائل المغلي شحومهم وأمعاءهم وكذلك يشوي جلودهم حتى تتساقط. وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾. المقامع: جمع مِقْمَعة. قال النسفي: (سياط مختصة بهم يضربون بها). وقيل: المقامع المطارق، وهي المرازب. وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾. أي: كُلّما هموا بالخروج من النار أعيدوا فيها بالضرب من الملائكة بالمقامع والإهانة وغير ذلك، وقيل لهم: ذوقوا عذاب الحريق المؤلم الموجع. قال الفضيل بن عياض: (والله ما طمعوا في الخروج، إنَّ الأرجُلَ لَمُقَيَّدَة، وإن الأيدي لموثَّقَةٌ، ولكن يرفعُهم لَهَبُها، وتَرُدُّهم مقامِعُها). وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ٢٠].

стр. 2919

٢ - وقال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٧]. وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: [نارُكم جُزْءٌ من سبعين جُزْءًا من نار جهنم. قيل: يا رسول الله، إن كانت لكافية، قال: فُضِّلتْ عليهن بِتِسْعةٍ وستِّينَ جُزْءًا كُلُّهنَ مِثْلُ حَرِّها] (١). ٢٣ - ٢٤. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٢٣) وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (٢٤)﴾. في هذه الآيات: ذكْرُ الصورة المقابلة للصورة السابقة، فأهل الجنة في النعيم المقيم، في الوقت الذي فيه أهل النار في أشد الجحيم، فالمؤمنون تجري من تحتهم الأنهار ويحلون من أساور الذهب واللؤلؤ ويلبسون الحرير وينعمون بتمام المِنّة. وقد هداهم الله إلى طيب القول وإلى منازلهم في الجنة. فقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. قال ابن كثير: (أي: تتخَرّق في أكنافها وأرجائها وجوانبها، وتحت أشجارها وقُصورها، يَصْرفونها حيث شاؤوا وأين شاؤوا). وقوله: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾. الأساور: جمع أَسْوِرة، وأسورة واحدها سِوار. قال القرطبي: (قال المفسرون: لما كانت الملوك تلبَس في الدنيا الأساور والتِّيجان جعل الله ذلك لأهل الجنة، وليس أحد من أهل الجنة إلا وفي يده ثلاثة أسورة: سوار من ذهب، وسوار من فضة، وسوار من لؤلؤ. قال هنا وفي فاطر: ﴿مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ [فاطر: ٣٣]. وقال في سورة الإنسان: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ٢١]).

стр. 2920

وقوله: ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾ - منصوب بفعل محذوف دلّ عليه الأول. أي: ويحلون لؤلؤًا. وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال: سمعت خليلي ﷺ يقول: [تبلغ الحِليةُ منَ المؤمن حيثُ يَبْلغُ الوضوء] (١). وفي التنزيل: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]. قال ابن القيم: (جمَّل البواطن بالشراب الطهور، والسواعد بالأساور، والأبدان بثياب الحرير)، وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [أَوَّلُ زُمْرَةٍ تلجُ الجنة صورَتُهم على صورة القمر ليلةَ البدر، لا يَبْصُقون فيها ولا يَمْتَخِطون، ولا يَتَغوَّطُون، آنِيَتُهم فيها الذهب، أمْشاطهم من الذهب والفضة، ومَجامِرُهُم الألُوَّةُ، ورشْحُهم المِسْكُ، ولكل واحدٍ منهم زَوْجَتان يُرَى مُخُّ سوقِهما من وراء اللحم من الحُسْن، لا اختلاف بينهم ولا تباغُضَ، قلوبهم قَلْبٌ واحِدٌ، يُسبِّحونَ الله بُكرةً وعَشِيًّا] (٢). وقوله: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾. قال ابن جرير. (يقول: ولبوسهم التي تلي أبشارهم فيها ثياب حرير). فكما أن ثياب أهل الشقاء قد فُصِّلت لهم من نار، فكذلك -في مقابلة ذلك- ثياب أهل النعيم من الحرير بنوعيه -السندس والإستبرق- قد فُصِّلت لهم. وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ [الإنسان: ٢١]. ٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الدخان: ٥١ - ٥٣].

стр. 2921

٣ - وقال تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٣١]. والسندس مَا رَقَّ من الديباج، والإستبرق ما غلظ منه. قال الزجاج: (هما نوعان من الحرير). وقوله في آية "الإنسان" -"عاليهم"-: يفيد أن ذلك اللباس ظاهر بارز للزينة والجمال. ومن كنوز صحيح السنة في آفاق معنى الآية أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أنس بن مالك قال: [أهدى أكيدر (١) دومة إلى النبي ﷺ جبة من سندس، فتعجب الناس من حسنها، فقال: لمناديل سعد في الجنة أحسن من هذا] (٢). وله شاهد فيهما من حديث البراء قال: [أهدي لرسول الله ﷺ ثوب حرير فجعلوا يعجبون من لينه، فقال رسول الله ﷺ : تعجبون من هذا؟ لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا] (٣). الحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه عن عمر بن الخطاب، أن رسول الله ﷺ قال: [إنما يلبَسُ الحريرَ في الدنيا مَنْ لا خَلاقَ له في الآخرة] (٤). ويشهد له رواية أخرى فيه عنه قال: قال النبي ﷺ : [مَنْ لبس الحرير في الدنيا لم يَلْبَسْهُ في الآخرة]. الحديث الثالث: خرَّج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [من يدخل الجنة ينعم ولا يبأس ولا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه، في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر] (٥).

стр. 2922

وقوله: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ - فيه أقوال متقاربة متكاملة. ١ - قال ابن عباس: (ألهموا). وقيل: الطيب من القول: القرآن، وقيل: لا إله إلا الله. وقيل: الأذكار المشروعة. ٢ - قال ابن زيد: (هدوا إلى الكلام الطيب: لا إله إلا الله، والله أكبر، والحمد لله، قال الله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]). ٣ - قال ابن جرير: (وهداهم ربهم في الدنيا إلى شهادة أن لا إله إلا الله). ٤ - قال ابن كثير: (فهُدوا إلى المكان الذي يسمعون فيه الكلام الطيب) - يعني في الجنة. ولا شك أن الكلام الطيب يشمل تحية أهل الجنة، وتحية الملائكة لهم "السلام"، وكذلك التسبيح والتحميد. ففي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ [إبراهيم: ٢٣]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤]. ٣ - وقال تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾ [الواقعة: ٢٥ - ٢٦]. وفي صحيح مسلم عن جابر قال: سمعت النبي ﷺ يقول: [إنَّ أهلَ الجنة يأكلون فيها ويشربون، ولا يَتْفِلونَ ولا يبولون، ولا يتغوَّطون ولا يمتخِطون. قالوا: فما بال الطعام؟ قال: جُشاءٌ وَرَشْحٌ كَرَشْحِ المسْكِ، يُلْهمون التسبيح والتحميد، كما يُلهمونَ النَّفَس] (١). وفي رواية: (ويُلهمون التسبيح والتكبير، كما يُلهمون النَّفَس). وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [قلوبهم قلبٌ واحدٌ، يسبحون الله بُكرةً وعَشِيًّا] (٢). وقوله: ﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾. أي: في الدنيا والآخرة. والحميد فعيل بمعنى

стр. 2923

مفعول: أي محمود. قال النسفي: (أي أرشد هؤلاء في الدنيا إلى كلمة التوحيد وإلى صراط الحميد أي الإسلام، أو هداهم الله في الآخرة وألهمهم أن يقولوا الحمد لله الذي صدقنا وعده، وهداهم إلى طريق الجنة. والحميد الله المحمود بكل لسان). قلت: والهداية المذكورة في هذه الآية هي النوع الرابع من أنواع الهداية. فالهداية كما وردت في القرآن والسنة تقسم إلى الأقسام الآتية: ١ - هداية الخالق العامة لجميع خلقه لمصالحهم. كما قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ٢ - ٣]. ٢ - هداية الدلالة والإرشاد. وهي هداية البيان وإقامة الحجة من الرسل على أممهم. قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمً﴾ [النساء: ١٦٥]. وقال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣]. وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: [إنه لم يكن نبيّ قبلي إلا كان حقًّا عليه أن يدلَّ أمته على خيرِ ما يعلمه لهم وينذرهم شرَّ ما يعلمه لهم .. ] الحديث (١). ٣ - هداية التوفيق والإلهام. وهي هداية خاصة بالمؤمنين الذين أخلصوا دينهم لله. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١]. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩]. وفي جامع الترمذي بسند صحيح عن قتادة بن النعمان، أنّ رسول الله ﷺ قال: [إذا أحبَّ الله عَبْدًا حَماهُ في الدنيا كما يَظَلُّ أحدُكُم يَحْمي سَقيمَهُ الماء] (٢). ٤ - هداية الله المؤمنين يوم القيامة إِلى الجنة. وهي هداية في الدار الآخرة إلى مساكن النعيم والخلود. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [يونس: ٩]. قال مجاهد: (يهديهم ربهم بإيمانهم: يكون لهم نورًا يمشون به). وقال ابن جرير: (يرشدهم ربهم بإيمانهم إلى الجنة).

стр. 2924

وعن مجاهد: (﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد: ٥ - ٦]. قال: يهتدي أهلها إلى بيوتهم ومساكنهم لا يخطئون كأنهم ساكنوها منذ خلقوا، لا يستدلون عليها أحدًا). وقال ابن عباس: (هم أعرف بمنازلهم من أهل الجمعة إذا انصرفوا إلى منازلهم). وفي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري أن نبيّ الله ﷺ قال: [إذا خَلَصَ المؤمنون من النار حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار، يتقاصُّون مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم بدخول الجنة، والذي نفسي بيده إن أحدهم بمنزله في الجنة أدل منه بمسكنه كان في الدنيا] (١). وله شاهد فيه من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [والذي بعثني بالحق ما أنتم في الدنيا بأعرف بأحوالكم ومساكنكم من أهل الجنة بأزواجهم ومساكنهم إذا دخلوا الجنة]. ٢٥ - ٢٩. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥) وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾. في هذه الآيات: ذمُّ الله الكفار الذين يصدون عن سبيله ويمنعون المؤمنين من المسجد الحرام الذي جعله الله للصلاة والطواف والعبادة يقصده الناس من جميع الأمصار. وتوعّد من يَهّم في الحرم بأمر فظيع من الشرك أو المعاصي الكبار بعذاب أليم. وتعيين الله تعالى لخليله إبراهيم مكان البيت للعمارة والعبادة، وأمره مناداة

стр. 2925

الناس بالحج إليه من جميع الأقطار. ليجمعوا أثناء حجهم من المنافع الأخروية والدنيوية ويشكروا الله على كتابتهم في الحجاج والعُمّار. فقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال النسفي: (أي يمنعون عن الدخول في الإسلام). وقال ابن كثير: (﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، أي: ومن صفتهم مع كُفرهم أنهم يصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام، أي: ويصدون عن المسجد الحرام مَنْ أراده من المؤمنين الذين هم أحقُّ الناس به في نفس الأمر). فقوله: ﴿وَيَصُدُّونَ﴾ حال من فاعل كفروا، والتقدير: وهم يصدون، أي هي صفة استمرار منهم، فقد جمعوا بين الكفر والصد عن سبيل الله والمسجد الحرام، احتكارًا وكبرًا وعلوًا في الأرض بالظلم والإفساد. وقوله: ﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾. أي: جعله الله للصلاة والطواف والعبادة لجميع الناس حاضرهم وباديهم. والعاكف: المقيم الملازم. والبادي: أهل البادية ومَنْ يقدُم عليهم. قال القرطبي: (يقول: سواء في تعظيم حرمته وقضاء النّسك فيه الحاضرُ والذي يأتيه من البلاد، فليس أهل مكة أحقّ من النازح إليه). فائدة: دور مكة توهب وتورث وتباع وتملك بخلاف الأرض. وهذا مأخوذ من فعله ﷺ يوم الفتح إذ لم يقسم أراضي مكة بين الغانمين. وذهب الإمام أحمد إلى أن الإمام مخيَّرٌ بين وقفها وقسمتها، وبنحوه ذهب أبو حنيفة. ولكن هناك فرق بين الأرض وبين الدور، فأرض مكة وقف من الله على العالمين فهي أرض لا تقسم كسائر القرى المفتوحة، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ الآية. قال ابن القيم: (وأما مكة، فإن فيها شيئًا آخر يمنع من قسمتها ولو وجبت قسمة ما عداها من القرى، وهي أنها لا تُملك، فإنها دارُ النسك، ومتعبَّدُ الخلق، وحرَمُ الرب تعالى الذي جعله للناس سواء العاكِفُ فيه والباد، فهي وقف من الله على العالمين) (١).

стр. 2926

وقال في موضع آخر: (فإن الأرض ليست داخلةً في الغنائم التي أمر الله بتخميسها وقسمتها، ولهذا قال عمر: إنها غيرُ المال). ثم قال: (فالصواب القول بموجب الأدلة من الجانبين، وأن الدور تُملكُ، وتوهبُ، وتورثُ وتُباع، ويكون نقلُ الملك في البناء لا في الأرض والعرصة، فلو زال بناؤه، لم يكن له أن يبيع الأرض، وله أن يبنيها ويُعيدها كما كانت، وهو أحق بها يَسْكنُها ويُسْكِنُ فيها من شاء) (١). وإليه ذهب الشافعي ﵀: إلى أن رِباع مكة تملك وتورَّث وتؤجَّر، واحتج بما روى البخاري ومسلم عن أسامة بن زيد قال: [قلت يا رسول الله، أتنزل غدًا في دارك بمكة؟ فقال: وهل ترك لنا عَقيلٌ من رِباع؟ وفي رواية: (يا رسول الله أين نَنْزِلُ غدًا؟ قال النبي ﷺ : "وهل تركَ لنا عقيلٌ من مَنْزِلٍ؟ "). ثم قال: لا يرث المؤمن الكافر، ولا الكافر المؤمن"] (٢). وكذلك احتجّ بما ثبت أن عمر بن الخطاب اشترى من صفوان بن أمية دارًا بمكة، فجعلها سِجْنًا بأربعة آلاف درهم، وهو أول من حبس في السجن في الإسلام. وقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. قال ابن عباس: (يعني أن تستحل من الحرام ما حرّم الله عليك من لسان أو قتل، فتظلم من لا يظلمك، وتقتل من لا يقتلك، فإذا فعل ذلك فقد وجب له عذاب أليم). وعن ابن عباس أيضًا: (﴿بِظُلْمٍ﴾ بشرك). وقال مجاهد: (هو أن يعبد فيه غير الله). وكذلك عن مجاهد: (﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ قال: يعمل فيه عملًا سيئًا). وقال ابن زيد: (الإلحاد: الظلم في الحرم). والخلاصة: إنَّ مَنْ يَهُمُّ في الحرم بأمرٍ فظيع من الشرك أو المعاصي الكبار عامدًا قاصدًا الظلم غير متأول فقد وجب له عذاب أليم. وذهب بعض علماء العربية أن الباء في قوله تعالى: ﴿بِإِلْحَادٍ﴾ زائدة، والتقدير: ومن يرد فيه إلحادًا. ومثله قوله تعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠]، والتقدير: تُنْبِتُ الدُّهن.

стр. 2927

وفي مسند الإمام أحمد بإسناد على شرط الشيخين عن سعيد بن عمرو قال: [أتى عبد الله بن عمرو بن الزبير: وهو جالس في الحِجر فقال: يا ابن الزُّبير، إياكَ والإلحادَ في الحَرَم، فإني أشهد لسمعتُ رسول الله ﷺ يقول: يُحِلُّها ويُحلُّ به رجُلٌ من قريش، لو وُزِنَتْ ذنوبُه بذنوب الثقلين لوزَنَتْها. قال: فانظر لا تكون هو] (١). وفي رواية: [يا ابن الزبير، إياكَ والإلحادَ في حرم الله، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنه سَيُلحِدُ فيه رجلٌ من قُرَيش، لو توزنُ ذنوبُه بذنوب الثقلين لَرَجَحَتْ، فانظر لا تكونُه] (٢). وقوله: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ - أي عيَّنا له موضعه وأريناه أصله ليبنيه. قال ابن جرير: (بوأنا: وطأنا له مكان البيت). وقال النسفي: (واذكر يا محمد حين جعلنا لإبراهيم مكان البيت مباءة أي مرجعًا يرجع إليه للعمارة والعبادة، وقد رفع البيت إلى السماء أيام الطوفان وكان من ياقوتة حمراء، فأعلم الله إبراهيم مكانه بريح أرسلها فكنست مكان البيت فبناه على أساسه القديم) - وبنحوه ذكر القرطبي. قلت: والذي ذكره القرطبي والنسفي له ما يشهد له من حديث أبي قلابة -كما ذكر الذهبي- قال: (لما أهبط الله تعالى آدم قال: "يا آدم إني مهبط معك بيتًا يطاف حوله كما يطاف حول عرشي، ويصلى عنده كما يصلى عند عرشي". فلم يزل كذلك حتى كان الطوفان رفع، فكانت الأنبياء تحجه، يأتونه فلا يعرفون موضعه، حتى بوأه الله تعالى لإبراهيم ﵇. قال الذهبي: (وهو ثابت عن أبي قلابة، وأين مثل أبي قلابة في الفضل والجلالة؟ هرب من تولية القضاء من العراق إلى الشام) (٣). وفي التنزيل ما يؤيد ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: ٩٦ - ٩٧].

стр. 2928

٢ - وقال تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥]. ٣ - وقال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧]. فالأساسات التي قام عليها البيت موجودة من قبل، وإنما رفع البناء عليها وجدّده إبراهيم بمعاونة ابنه إسماعيل عليهما الصلاة والسلام. وفي صحيح البخاري عن أبي ذر ﵁ قال: [قلت: يا رسول الله، أيُّ مَسْجدٍ وُضِعَ في الأرض أؤَل؟ قال: "المسجد الحرام"، قال: قلت: ثم أيُّ؟ قال: المسجِدُ الأقصى. قلت: كم كانَ بينَهما؟ قال: أربعون سنة، ثم أيْنَما أدْرَكتْكَ الصلاةُ بَعْدُ فَصَلِّهِ فإن الفَضْلَ فيه] (١). وفي رواية: (ثم قال: حَيْثما أدركتك الصلاة فصَلِّ والأرض لك مسجدٌ). قلت: وإنما جدّد سليمان ﵊ بناء بيت القدس بعد خرابه كما هو معلوم. وقوله: ﴿أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾.- "أنْ "- هي التفسيرية. أي المفسرة للقول، والتقدير: قائلين له ﴿ألَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ - أي ابنه خالصًا على اسمي وحدي، لتكون العبادة لله وحده. وقوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾. قال مجاهد: (من الشرك). وقال قتادة: (من الشرك وعبادة الأوثان). وقوله: ﴿لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾. قال ابن زيد: (القائم والراكع والساجد هو المصلي، والطائف هو الذي يطوف به. وقوله: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ يقول: والركع السجود في صلاتهم حول البيت). قال ابن كثير: (أي: اجعله خالصًا لهؤلاء الذين يعبدون الله وحده لا شريك له، فالطائف به معروفٌ، وهو أخصُّ العبادات عند البيت، فإنه لا يفْعَل ببقعة من الأرض سواها، والقائمين، أي: في الصلاة، ولهذا قال: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾، فقرن الطواف بالصلاة، لأنهما لا يُشرَعان إلا مختصين بالبيت، فالطواف عنده، والصلاة

стр. 2929

إليه في غالب الأحوال، إلا ما استثنى من الصلاة عند اشتباه القبلة وفي الحرب، وفي النافلة في السَّفر، والله أعلم). قلت: والطواف في البيت صلاة، فيجب لها الوضوء والتطهر من الجنابة، إلا أنه أبيح فيها الكلام. وللطائف أن يقرأ القرآن ويدعو ويسبح ويهلل وغير ذلك مما هو مشروع في الذكر. فقد أخرج الترمذي بسند صحيح عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: [الطواف بالبيت صلاة، ولكن الله أحل فيه النطق، فمن نطق فلا ينطق إلا بخير. وفي رواية: فأقلوا فيه الكلام] (١). وقوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾. أي: ناد في الناس داعيًا لهم إلى إقامة هذه المناسك العظيمة بحج بيت الله الحرام. وعن سعيد بن جبير قال: (لما فرغ إبراهيم من بناء البيت أوحى الله إليه أن أذّن في الناس بالحج. فخرج فنادى في الناس: يا أيها الناس إن ربكم قد اتَّخَذَ بيتًا وأمركم أن تحجوه. قال: قال ابن عباس: فسمعه ما بين السماء والأرض، ألا ترى الناس يجيئون من أقصى الأرض يلبون). وقوله: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾. قال ابن عباس: (﴿رِجَالًا﴾ على أرجلهم، ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِر﴾ قال: الإبل). فجُمع لأنه أريد بكل ضامر: النوق. ولذلك قال: ﴿يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾. قال ابن عباس: (من مكان بعيد). وفي التنزيل: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧]. قال ابن كثير: (فليس أحدٌ من أهل الإسلام إلا وهو يَحِنُّ إلى رؤية الكعبة والطواف، والناس يقصِدُونها من سائر الجهات والأقطار). وقوله: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾. قال مجاهد: (الأجر في الآخرة، والتجارة في الدنيا).

стр. 2930

وقوله: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾. قال قتادة: (أيام العشر، والمعدودات أيام التشريق). وقوله: ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ - أي الهدايا والبُدْن التي أهدوها من الإبل والبقر والغنم. وقوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ - أمر إباحة لا وجوب. قال مجاهد: (إنما هي رخصة). وقوله: ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾. قال عكرمة: (هل المضطرُّ الذي عليه البؤس، والفقير: المتعفِّف). وقال مجاهد: (هو الذي لا يبسط يده). وقال قتادة: (هو الزَّمِنُ). وقال مقاتل: (هو الضَّرير). قلت: وقد ذكر البخاري في "كتاب العيدين" من صحيحه، بابًا سمّاه: باب فضل العمل في أيام التشريق، وقال ابن عباس: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٨]: أيام العشر، والأيام المعدودات: أيامُ التشريق، وكان ابنُ عمرَ وأبو هريرة يَخْرجان إلى السوق في أيام العشر يُكبِّران ويكبِّرُ الناس بتكبيرهما، وكبَّر محمدُ بن عَليٍّ خلف النافلة. ثم روى البخاري في الباب عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أنه قال: [ما العملُ في أيام (العشر) أفضلُ منها في هذه. قالوا: ولا الجهاد؟ قال: ولا الجهادُ، إلا رجُلٌ خرجَ يُخاطِرُ بنفسه وماله فلمْ يَرْجِعْ بشيءٍ] (١). وقوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾. قال ابن عمر: (التفثُ: المناسكُ كلُّها). وقال مجاهد: (حلق الرأس وحلق العانة وقص الأظفار وقص الشارب ورمي الجمار). وزاد ابن جريج: (والأخذ من اللحية). قلت: والراجح ما ذكره ابن عمر من أن التفث جميع المناسك، لحديث عروة بن مُضَرس مرفوعًا: [من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى يَدْفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا، فقد تَمَّ حَجُّه وقضى تَفَثَهُ] (٢). وقوله: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ - وهو ما نذر المرء على نفسه في الحج من شيء مشروع أو مباح. فإن كان غير مشروع أو غير مباح فلا وفاء به.

стр. 2931

فقد أخرج البخاري عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: [من نذر أن يُطيعَ الله فَلْيُطِعْهُ، ومَنْ نذَرَ أن يعصي الله فلا يعصه] (١). وفي سنن النسائي بسند صحيح عن عِمران بن حُصَين، عن النبي ﷺ قال: [النذر نَذْران، فما كان مِنْ نَذْرٍ في طاعة الله فذلك لله، وفيه الوفاء. وما كان من نذر في معصية الله فذلك للشيطان، ولا وفاء فيه، ويكفِّره ما يكفِّر اليمين] (٢). وقوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. قال ابن الزبير: (إنما سمي البيت العتيق، لأن الله أعتقه من الجبابرة). وفي الصحيحين عن ابن عباس أنه قال: [أُمِرَ الناس أن يكون آخرَ عهدهم بالبيت الطوافُ، إلا أنه خُفِّفَ عن المرأة الحائض] (٣). فيودِّع المسلم البيت بطواف، كما استقبله بطواف، فإن قضى حجّه واستطاع أن يتابع بعد فترة بعمرة كان ذلك خيرًا كبيرًا. فقد أخرج الترمذي والنسائي بسند صحيح عن عبد الله بن مسعود ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: [تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقرَ والذنوب، كما ينفي الكيرُ خبثَ الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة] (٤). وأخرج البزار بسند صحيح عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : [الحجَّاجُ والعُمَّار وَفْدُ الله، دعاهم فأجابوه، سألوه فأعطاهم] (٥). ٣٠ - ٣٣. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا

стр. 2932

خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١) ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣)﴾. في هذه الآيات: تعظيمُ الحرمات تعظيمٌ للدين، والشركُ أكبر الآثام وعقابه أليم. وتعظيمُ الشعائر من تقوى القلوب، ولكم في البدن منافع في الشرب والركوب، إلى وقت وجوب نحرها عند البيت العتيق. فعن مجاهد، في قوله: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾ قال: (الحرمة: مكة والحجّ والعمرة، وما نهى الله عنه من معاصيه كلها). وقال الليث: (حرمات الله ما لا يحل انتهاكها). وقال قوم: (الحرمات هي الأمر والنهي). وقال الزجاج: (الحرمة ما وجب القيام به وحرم التفريط فيه). قلت: وكل ما سبق داخل في مفهوم حرمات الله، فإن تعظيم الشرع الممثل بالقرآن والسنة العطرة وما جاء فيهما من أحكام يورث الخير في الدنيا والآخرة. قال ابن القيم: (وأول التعظيم تعظيم الأمر والنهي، وهو أن لا يُعارضا بترخص جاف، ولا يُعَرَّضا لتشدّد غال). أخرج الترمذي بسند صحيح عن ابن شهاب، أن سالم بن عبد الله حَدَّثَه: [أنه سمع رجلًا من أهل الشام، وهو يسأل عبد الله بن عمر: عن التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال عبد الله بن عمر: هي حلال. فقال الشامي: إنَّ أَباك قد نهى عنها. فقال عبد الله بن عمر: أرأيت إن كان أبي نهى عنها وصنعها رسول الله ﷺ ! أمرُ أبي يُتبَع، أم أمر رسول الله ﷺ ؟ فقال الرجل: بل أمر رسول الله ﷺ . فقال: لقد صنعها رسول الله ﷺ ] (١). وقوله: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾. أي هذا التعظيم لأحكام هذا الدين يتبعه عند الله يوم القيامة ثوابٌ جزيل وخير وفير.

стр. 2933

﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾. قال ابن جرير: (يقول جل ثناؤه: وأحلّ الله لكم أيها الناس الأنعام، أن تأكلوها إذا ذكَّيتموها، فلم يحرّمِ عليكم منها بحيرة، ولا سائبة، ولا وصيلة، ولا حاميًا، ولا ما جعلتموه منها لآلهتكم ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ يقول: إلا ما يتلى عليكم في كتاب الله، وذلك: الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهلّ لغير الله به، والمنخنقة، والموقوذة، والمتردّية، والنطيحة، وما أكل السبع، وما ذُبح على النُصب، فإن ذلك كله رجس). وقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾. قال ابن عباس: (يقول تعالى ذكره: فاجتنبوا طاعة الشيطان في عبادة الأوثان). أي: فعبادة الأوثان هي الرجس من ذلك. وقوله: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾. أي: واحذروا قول الكذب وما هو افتراء على الله. وعن ابن عباس: (﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ يعني: الافتراء على الله والتكذيب). وعن عاصم، عن وائل بن ربيعة، عن عبد الله، قال: (تعدل شهادة الزور بالشرك، وقرأ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾). وفي الصحيحين وسنن الترمذي عن أبي بَكْرَةَ قال: قال رسول الله ﷺ : [ألا أُنَبِّئكُمُ بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى، يا رسول الله. قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين -وكان مُتَّكِئًا فجَلَسَ- فقال: ألا وقولُ الزور، ألا وشهادةُ الزور. فما زال يكرِّرُها، حتى قلنا: ليته سكتَ] (١). وقوله: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ﴾. أي مستقيمين على الإخلاص لله وتوحيده وتعظيم شرعه. و ﴿حُنَفَاءَ﴾ نصب على الحال. وقوله: ﴿غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾. أي: لا تدعون مع الله إلهًا غيره. فله العبادة وله الكبرياء وحده لا شريك له.

стр. 2934

وقوله: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾. قال قتادة: (هذا مثل ضربه الله لمن أشرك بالله في بُعده من الهدى وهلاكه). وعن مجاهد: (﴿فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ قال: بعيد). والمقصود: أنّ مثل المشرك بالله في بعده عن الهدى وإصابة الحق وهلاكه وذهابه عن ربه كمثل ذلك الذي خرّ من السماء فتخطفه الطير في الهواء وتقطعه وتمزقه، فهلك، أو هوت به الريح في مكان بعيد فلقي مصيره الفاجع. وفي حديث البراء -في المسند وسنن أبي داود ومستدرك الحاكم- في صعود ملائكة العذاب بروح الكافر وخروج الريح الخبيثة منها، قال رسول الله ﷺ : [فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان بن فلان -بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا-، حتى ينتهي به إلى السماء الدنيا، فيستفتح له، فلا يفتح له، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾. فيقول الله : اكتبوا كتابه في سجين، في الأرض السفلى، ثم يقال: أعيدوا عبدي إلى الأرض فإني وعدتهم أني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى، فتطرح روحه من السماء طرحًا حتى تقع في جسده، ثم قرأ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾] الحديث (١). وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾. يشمل تعظيم أوامر الله جميعها، ومن ذلك استحسان البُدن واستسمانها، وأداء مناسك الحج كما جاءت في القرآن وصحيح السنة، دون ترخص جاف أو تشدّد غال. قال مجاهد: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾: الاستسمان والاستعظام). أو قال: (استعظام البدن، واستسمانها، واستحسانها). وقال ابن زيد: (الشعائر: الجمار، والصفا والمروة من شعائر الله، والمَشْعَر الحرام، والمزدلفة).

стр. 2935

وقال محمد بن أبي موسى: (الوقوف بعرفة من شعائر الله، وبِجَمْع (١) من شعائر الله، ورمي الجمار من شعائر الله، والبُدْن من شعائر الله، ومن يعظمها فإنها من شعائر الله في قوله: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ فمن يعظمها فإنها من تقوى القلوب). وفي كنوز صحيح السنة العطرة من ذلك أحاديث: الحديث الأول: أخرج أبو داود بسند صحيح عن يزيد بن شيبان قال: أتانا ابن مربع الأنصاري ونحن بعرفة فقال: أما إني رَسولُ رَسُولِ الله ﷺ إليكم، يقول لكم: [قِفوا على مشاعركم، فإنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم] (٢). الحديث الثاني: أخرج البخاري عن أنس: [أنَّ رسول الله ﷺ ضحّى بكبشين أَملحَين أقرنين] (٣). الحديث الثالث: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن عائشة وعن أبي هريرة: [أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يضحي، اشترى كبشين عظيمين سمينين أقرنين أملحين موجوءين. فذبح أحدهما عن أمّته، لمن شهد لله بالتوحيد، وشهد له بالبلاع. وذبح الآخر عن محمد وعن آل محمد ﷺ ] (٤). الحديث الرابع: أخرج أحمد وأبو داود بسند صحيح عن البراء قال: قال رسول الله ﷺ : [أربعٌ لا تجوز في الأضاحي: العَوْراءُ البَيِّنُ عَوَرُها، والمريضة البَيِّنُ مَرَضُها، والعَرْجاءُ البيِّنُ ظَلَعُها، والكسيرة التي لا تُنْقي] (٥). والظلع: هو العرج، والكسيرة: المنكسرة الرجل التي لا تقدر على المشي. وقوله: "لا تنقي" من أنقى إذا صار ذا نِقيٍ. فالمعنى: التي ما بقي لها مخ من غاية العجف.

стр. 2936

وقوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. أي: لكم في هذه البدن منافع من الركوب عند الحاجة وشرب ألبانها عند الضرورة إلى أن تنحر، وهو الأجل المسمى، ثم محلها -وهو وقت وجوب نحرها- انتهاؤه إلى البيت العتيق، وهو الكعبة. وأقوال أئمة التفسير حول هذا المعنى: ١ - قال ابن عباس: (﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ قال: ما لم يسمّ بدنًا). ٢ - قال مجاهد: (﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ قال: الركوب واللبن والولد، فإذا سميت بدنة أو هديًا ذهب كله). وقال: (لكم في ظهورها وألبانها وأوبارها، حتى تصير بُدْنًا). أو قال: (في أشعارها وأوبارها وألبانها، قبل أن تسميها بدنة). وفي لفظ: (قبل أن تسمى هديًا). ٣ - وعن عطاء قال: (منافع في ألبانها وظهورها وأوبارها، إلى أجل مسمى: إلى أن تقلد). ٤ - وقال آخرون: بل له أن ينتفع بها وإن كان هَدْيًا، إذا احتاج إلى ذلك. ومن كنوز صحيح السنة في ذلك أحاديث: الحديث الأول: في الصحيحين عن أنس ﵁: [أنّ النبي ﷺ رأى رجلًا يسوقُ بَدَنَةً، قال: "اركبْها"، قال: إنّها بَدَنَةٌ. قال: "ارْكَبْها"، قال: إنّها بَدَنَةٌ، قال: "اركبها" ثلاثًا] (١). وفي لفظ: [فقال في الثالثة أو في الرابعة: ارْكَبْها وَيْلكَ أو وَيْحَك]. الحديث الثاني: روى مسلم عن أنس قال: [مُرَّ على النبي ﷺ ببدنة أو هَدِيّة، فقال: "اركبْها" قال: إنها بَدَنَةٌ أو هَدِيّةٌ، فقال: "وإنْ"] (٢). الحديث الثالث: خرّج مسلم في الصحيح عن أبي الزبير قال: سمعت جابر بن عبد الله سُئِلَ عَنْ رُكوبِ الهَدْي؟ فقال: سمعت النبي ﷺ يقول: [ارْكبْها بالمعروف إذا أُلْجِئْتَ إليها، حتى تجدَ ظَهْرًا] (٣). وفي لفط: [اركبْها بالمعروف، حتى تجد ظهْرًا].

стр. 2937

٣٤ - ٣٥. قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥)﴾. في هذه الآيات: ذْبحُ المناسك وإراقة الدماء على اسم الله أمْرُ الله في جميع الأمم والبشرى للمخبتين. الذين ذلّت قلوبهم لله بالخشوع وجوارحهم بأداء الصلاة وإيتاء الزكاة والصدقات وكانوا مع الصابرين. فعن مجاهد: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ قال: إهراق الدماء ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ عليها). وعن ابن عباس: (﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾، قال: عيدًا). وقال عكرمة: (ذَبْحًا). قال ابن كثير: (يخبر تعالى أنه لم يزل ذبحُ المناسك وإراقة الدّماء على اسم الله مَشْروعًا في جميع المِلَل). وقوله: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾. قال القرطبي: (أي على ذبح ما رزقهم. فأمر تعالى عند الذبح بذكره وأن يكون الذبح له، لأنه رازق ذلك. ثم رجع اللفظ من الخبر عن الأمم إلى إخبار الحاضرين بما معناه: فالإله واحد لجميعكم، فكذلك الأمر في الذبيحة إنما ينبغي أن تخلص له). وفي الصحيحين عن أنس قال: [ضحّى النبي ﷺ بكَبْشَينِ أمْلَحين، فرأَيْتُه واضِعًا قدَمَهُ على صِفاحِهما يُسَمِّي ويكبِّرُ فَذَبَحَهُما بيده] (١). فالسنة أن يذبح الرجل بيده إن تيسَّر، وأن يستقبل بذبيحته القبلة. فقد روى عبد الرزاق بسند صحيح عن ابن عمر: [أنه كان يكره أن يأكل ذبيحة ذبحت لغير القبلة] (٢).

стр. 2938

فيضجعها على جانبها الأيسر ويضع قدمه اليمنى على جانبها الأيمن. قال الحافظ في الفتح "١٠/ ١٦": (ليكونَ أسهل على الذابح في أخذ السكين باليمين، وإمساك رأسها بيده اليسار). وأما الإبل فالسنة أن ينحرها وهي قائمة معقولة اليسرى قائمة على ما بقي من قوائمها ووجهها قِبَل القبلة، ويقول عند الذبح: (بسم الله والله أكبر، اللهم إنّ هذا منك ولك، اللهم تقبّل مني). وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾، لأن من البهائم ما ليس من الأنعام، كالخيل والبغال والحمير. وقيل: إنما قيل للبهائم بهائم لأنها لا تتكلم- ذكره ابن جرير. وقوله: ﴿فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾. أي فلله إلهكم الحق اخضعوا وذلوا له بالعبودية والطاعة، وبشر -يا محمد- المنيبين لربهم المتواضعين لأمره المذعنين لطاعته، الخاشعين لذكره. وعن مجاهد: (﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ قال: المطمئنين). أو قال: (المطمئنين إلى الله). وقال قتادة: (المتواضعين). وقال عمرو بن أوس: (المخبتون: الذين لا يظلمون، وإذا ظلموا لم ينتصروا). وقال السدي: (الوَجِلين). وقال الثوري: (﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾، قال: المطمئنين الراضِينَ بقضاء الله، المستسلمين له). وقوله: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. أي: خافت من تذكر عظمته قلوبهم، وهو أحسن التفسير للآية السابقة ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾. وقوله: ﴿وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ﴾. قال ابن زيد: (من شدة في أمر الله، ونالهم من مكروه في جنبه). وقوله: ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ﴾. أي بأركانها وواجباتها ووضوئها وشروطها. وقوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. قال ابن زيد: (﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ من الأموال ﴿يُنْفِقُونَ﴾ في الواجب عليهم إنفاقها فيه في زكاة، ونفقة عيال، ومن وجبت عليه نفقته، وفي سبيل الله). ٣٦ - ٣٧ قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ

стр. 2939

سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦) لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧)﴾. في هذه الآيات: تشريعُ ذبح البدن وذِكْرُ اسم الله عليها مصطفة، وتذليل لحومها ولبنها وركوبها إنما هو فضل الله عليكم -أيها المؤمنون- لعلكم تشكرون. إنه لن يصل إلى الله لحمها ودمها وإنما يناله التقوى منكم، ومن ذلك إتمام مناسككم، والبشرى للمحسنين. فعن عطاء: (﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ قال: البقرة، والبعير). وقال مجاهد: (إنما البُدْن من الإبل). قلت: فالبدن يشمل البقر والإبل، وهو من أفضل ما يهدى إلى بيت الله الحرام. وقد صحّ أن النبي ﷺ جعل البقرة في الأضاحي عن سبعة، وكذلك البَدَنة، وإليه ذهب الإمام الشافعي، وكذلك الإمام أحمد في المشهور عنه. ففي صحيح مسلم عن ابن عباس قال. [نحرنا مع رسول الله ﷺ عامَ الحديبية، البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة] (١). وأما إسحاق وغيره من الفقهاء فقد ذهبوا إلى أن البدنة تجزئ عن عشرة. وفي التحقيق فإن البدنة تجزئ عن سبعة أو عشرة حسب حجمها. وعليه تدل مجموع الأحاديث، ومن ذلك: الحديث الأول: أخرج البخاري عن رافع بن خديج: [أن رسول الله ﷺ قَسَمَ بينهم الغنائم، فعدل الجَزُور بِعَشْرِ شِياه] (٢). الحديث الثاني: أخرج مسلم عن جابر قال: [خرجنا مع رسول الله ﷺ مُهِدِّينَ بالحج معنا النساءُ والولدانُ، فلما قدمنا مكة، طُفْنا بالبيت وبالصفا والمروة، وأمرنا رسولُ الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر كُلُّ سبعة منا في بَدَنة] (٣). الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد والنسائي بسند حسن عن ابن عباس قال: [كنّا

стр. 2940

مع النبي ﷺ في سفر، فحضَر الأضحى، فاشتركنا في البقرة سَبْعة، وفي الجزور عشرة] (١). وواضح أن أحاديث السبعة أكثر وأصح. قال ابن القيم: (وإما أن يُقال: عَدْلُ البعير بعشرة من الغنم، تقويمٌ في الغنائم لأجل تعديل القِسمة، وأما كونُه عن سبعة في الهدايا، فهو تقدير شرعي، وإما أن يُقال: إن ذلك يختلف باختلاف الأزمنة، والأمكنة، والإبل، ففي بعضها كان البعير يعدل عشر شياه، فجعله عن عشرة، وفي بعضها يَعْدِلُ سبعة، فجعله عن سبعة، والله أعلم) (٢). وقوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾. قال مجاهد: (أجرٌ ومنافع). وقال إبراهيم النَخعِيُّ: (يركبها ويحلبها إذا احتاج إليها). وقوله: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾. قال ابن عباس: (قيامًا على ثلاث قوائم، معقولة يدُها اليسرى، يقول: [باسم الله والله أكبر، اللهم منك ولك). وقال مجاهد: (إذا عُقِلت رجلُها اليسرى قامت على ثلاث). قال: (﴿صَوَافَّ﴾: تُصَفُّ بين يديها). وفي قراءة لابن مسعود: "صوافن"- قال قتادة: (أي: مُعَقّلة قيامًا). وفي قراءة طاووس والحسن: ﴿فاذكروا الله عليها صوافي﴾، يعني خالصةً لله ، وكذلك رواه مالك عن الزهري. وقال عبد الرحمن بن زيد: ("صوافي": ليس فيها شِرْكٌ كَشِرْكِ الجاهلية لأصنامهم). واختار ابن جرير القراءة المشهورة: ﴿صَوَافَّ﴾ بمعنى مصطفة، واحدها: صافة، وقد صفت بين أيديها وهي المعقولة إحدى قوائمها. وقال القرطبي: (﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ أي انحروها على اسم الله، و ﴿صَوَافَّ﴾ أي قد صُفّت قوائمها. والإبل تُنحر قيامًا معقولة. وأصل هذا الوصف في الخيل، يقال: صَفَنَ الفرس فهو صافن إذا قام على ثلاث قوائم وثنى سُنْبُك الرابعة، والسّنبك طرف الحافر).

стр. 2941

وقد جاءت السنة العطرة بهذا المعنى في أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن زِيادِ بن جُبيرٍ قال: [رأَيْتُ ابنَ عمرَ ﵄ أتى على رَجُلٍ قد أناخ بدنَتَهُ يَنْحَرُها، قال: ابعثها قيامًا مُقَيَّدةً، سُنَّةَ محمدٍ ﷺ ] (١). قال البخاري في كتاب الحج من صحيحه -باب نحرِ البُدْن قائمة- وقال ابن عمر ﵄: سنة محمد ﷺ . وقال ابن عباس ﵄: ﴿صَوَافَّ﴾: قيامًا. الحديث الثاني: أخرج أبو داود بسند حسن عن جابر: [أنَّ رسول الله ﷺ وأصحابَه كانوا ينحرون البُدْن معقولةَ اليُسْرى، قائمة على ما بقي من قوائمها] (٢). الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند جيد عن أبي رافع: [أنّ رسول الله ﷺ كان إذا ضحّى اشترى كبشين سمينين أقرنيق أملحَين، فإذا صلى وخطبَ الناس أُتي بأحدهما وهو قائم في مُصَلّاه فَذَبحه بنَفْسِهِ بالمُدْية، ثم يقول: "اللهمّ، هذا عن أمتي جميعها، مَنْ شَهِدَ لك بالتوحيد وشَهدَ لي بالبلاغ". ثم يُؤتى بالآخر فيذبحه بنفسه، ثم يقول: "هذا عن محمد وآل محمد" فيطعِمُها جميعًا المساكين، ويأكل هو وأهله منهما] (٣). وقوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾. أي: إذا سقطت على جنوبها ميتة. فكنى عن الموت بالسقوط. قال مجاهد: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ سقطت إلى الأرض). أو قال: (نحرت). وقال ابن زيد: (فإذا ماتت). وقال ابن إسحاق: (إذا فرغت ونُحِرت). والمقصود: لا يجوز الأكل من البدنة إذا نحرت حتى تموت وتبرد حركتها، ولا بد من الإسراع في الذبح وتحديد الشفرة لئلا تُعَذّب البهيمة. ففي صحيح مسلم عن شداد بن أوس قال: [ثِنْتان حَفِظْتُهُمَا عَنْ رسول الله ﷺ قال: إنَّ الله كتب الإحسانَ على كل شيء، فإذا قَتَلتُمْ فأحِسنُوا القِتْلَةَ، وإذا ذَبَحْتُم فأحسنوا

стр. 2942

الذَّبْحَ، وليُحِدَّ أحدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَليُرحْ ذبيحته] (١). وفي سنن أبي داود وابن ماجة بسند حسن عن أبي واقد اللَّيثيّ قال: قال رسول الله ﷺ : [ما قُطِعَ من البهيمة وهي حَيَّةٌ فهو مَيْتةٌ] (٢). وقوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾. قال مالك: (يستحب ذلك). فهو أمر إباحة لا وجوب. وعن مجاهد: (هي رخصة. وقال: إن شاء أكل، وإن شاء لم يأكل). وقوله: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ - فيه أقوال متقاربة متكاملة: ١ - قال ابن عباس: (القانع: المستغني بما أعطيته، وهو في بيته. والمعتز: الذي يتعرَّض لك، ويلمّ بك أن تطعمه من اللحم ولا يسأل، وهؤلاء الذين أمر أن يطعموا من البدن). ٢ - قال مجاهد: (القانع: جارك الذي يقنع بما أعطيته. والمعتزّ: الذي يتعزض لك ولا يسألك). وقال: (القانع: أهل مكة. والمعتزّ: الذي يعتريك فيسألك). ٣ - قال قتادة: (القانع: المتعفف الجالس في بيته، والمعترّ: الذي يعتريك فيسألك). وقد استدل بعض أهل العلم بهذه الآية: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ أنّ الأضحية تُجَزَّأُ ثلاثةَ أجزاء، فثلث لصاحبها يأكله، وثلث يهديه لأصحابه، وثلث يتصدق به على الفقراء. وفي صحيح البخاري من حديث سلمة بن الأكوع قال: قال النبي ﷺ : [مَنْ ضَحّى منكم فلا يُصْبِحَنَّ بعدَ الثالثة وبَقيَ في بيتهِ منه شيء. فلما كان العامُ المقبلُ قالوا: يا رسول الله، نفعلُ كما فعلنا العام الماضي؟ قال: كلوا وأطعموا وادَّخِروا، فإن ذلك العام كان بالناس جَهْدٌ فأرَدْتُ أن تُعينوا فيها] (٣).

стр. 2943

وفي لفظ مسلم: (فكلوا وادّخِروا وتصدقوا) (١). وفي رواية: (كلوا وتزودوا وادّخروا). وفي لفظ آخر: (كلوا وأطعموا واحْبِسوا أو ادّخِروا) (٢). وقوله: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. أي: هذا التذليل من الله تعالى لهذه البدن لكم: في ركوبها ولحومها ولبنها إنما هو فضل الله وكرمه عليكم لعلكم تحسنون شكره وعبادته. وفي التنزيل نحو ذلك: قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ [يس: ٧١ - ٧٣]. ولكنْ: قليل من عباد الله هم الشاكرون، وأكثر الناس في غفلة عن نعم الله التي تغمرهم. ففي المسند للإمام أحمد بسند صحيح عن عتبة بن عبد، عن النبي ﷺ قال: [لو أنَّ رجلًا يُجَرُّ على وجهه من يوم ولد إلى يوم يموت هرمًا في مرضاة الله تعالى لَحَقِرَهُ يوم القيامة] (٣). وفي جامع الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة وعن أبي سعيد قالا: قال رسول الله ﷺ : [يؤتى بالعبد يوم القيامة فيقول له: ألمْ أجْعل لك سَمْعًا وبَصَرًا ومالًا وَوَلدًا وسَخَّرْت لك الأنعام والحرث، وتركتُكَ تَرْأَسُ وتَرْبَعُ، فكنتَ تَظُنُّ أنك ملاقِيَّ يَوْمَكَ هذا؟ فيقول: لا. فيقول له: اليوم أنساك كما نسيتني] (٤). وقوله: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾. قال إبراهيم: (ما أريد به وجه الله). وهو كما قال ابن زيد: (إن اتقيت الله في هذه

стр. 2944

البُدن، وعملت فيها لله، وطلبت ما قال الله تعظيمًا لشعائر الله، ولحرمات الله). وعن ابن جريج قال: (كان أهل الجاهلية ينضَحُون البيتَ بلُحوم الإبل ودِمَائها، فقال أصحاب رسول الله ﷺ : فنحن أحق أن ننضح. فأنزل الله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾). وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [إنَّ اللهَ لا ينظرُ إلى أجسامكم، ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم] (١). وفي رواية: [إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم]. وقوله: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾. أي: كذلك سخر الله لكم هذه البدن وذلّلها كي تعظموا الله على ما هداكم له من أمر دينكم وإتمام مناسك حجكم. قالى ابن زيد: (﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ قال: على ذبحها في تلك الأيام ﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ يقول: وبشِّر يا محمد الذين أطاعوا الله فأحسنوا في طاعتهم إياه في الدنيا بالجنة في الآخرة). ٣٨ - ٤١، قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨) أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾. في هذه الآيات: دفاعُ الله عن المؤمنين، وسخطه على الخائنين الكافرين، وتشريعُ

стр. 2945

القتال لإقامة هذا الدين، ودفعُ الله الناس بعضهم ببعض لنصرة الحق المبين. والمؤمنون الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر موعودون بالشوكة والتمكين. فقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: إن الله يدفع غائلة المشركين عن الذين آمنوا بالله وبرسوله، إن الله لا يحبّ كلّ خوّان يخون الله، فيخالف أمره ونهيه ويعصيه، ويطيع الشيطان ﴿كَفُورٍ﴾ يقول: جَحود لنعمه عنده، لا يعرف لمنعمها حقه فيشكره عليها). وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٣]. ٢ - وقال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ٣٦] وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [إنّ الله تعالى قال: من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينّه، وإن استعاذني لأعيذنّه، وما تردّدت عن شيء أنا فاعله تردّدي عن قبض نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته] (١). فمن كان وليًّا لله آذن الله تعالى من عاداه بالحرب، وكان في عناية الله وحراسته. وفي صحيح مسلم عن جندب قال: قال رسول الله ﷺ : [مَنْ صلّى صلاة الصبح فهو في ذِمَّة الله، فلا يَطْلُبَنَّكُم الله من ذِمَّتِهِ بشيء، فإنه من يَطْلُبْهُ من ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ يُدْرِكْهُ، ثم يَكْبّهُ على وجهه في نار جهنم] (٢).
следующие страницы →