وقد جاءت السنة العطرة بهذا المعنى في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن زِيادِ بن جُبيرٍ قال: [رأَيْتُ ابنَ عمرَ ﵄ أتى على رَجُلٍ قد أناخ بدنَتَهُ يَنْحَرُها، قال: ابعثها قيامًا مُقَيَّدةً، سُنَّةَ محمدٍ ﷺ ] (١).
قال البخاري في كتاب الحج من صحيحه -باب نحرِ البُدْن قائمة- وقال ابن عمر ﵄: سنة محمد ﷺ . وقال ابن عباس ﵄: ﴿صَوَافَّ﴾: قيامًا.
الحديث الثاني: أخرج أبو داود بسند حسن عن جابر: [أنَّ رسول الله ﷺ وأصحابَه كانوا ينحرون البُدْن معقولةَ اليُسْرى، قائمة على ما بقي من قوائمها] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند جيد عن أبي رافع: [أنّ رسول الله ﷺ كان إذا ضحّى اشترى كبشين سمينين أقرنيق أملحَين، فإذا صلى وخطبَ الناس أُتي بأحدهما وهو قائم في مُصَلّاه فَذَبحه بنَفْسِهِ بالمُدْية، ثم يقول: "اللهمّ، هذا عن أمتي جميعها، مَنْ شَهِدَ لك بالتوحيد وشَهدَ لي بالبلاغ". ثم يُؤتى بالآخر فيذبحه بنفسه، ثم يقول: "هذا عن محمد وآل محمد" فيطعِمُها جميعًا المساكين، ويأكل هو وأهله منهما] (٣).
وقوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾. أي: إذا سقطت على جنوبها ميتة. فكنى عن الموت بالسقوط. قال مجاهد: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ سقطت إلى الأرض).
أو قال: (نحرت). وقال ابن زيد: (فإذا ماتت). وقال ابن إسحاق: (إذا فرغت ونُحِرت).
والمقصود: لا يجوز الأكل من البدنة إذا نحرت حتى تموت وتبرد حركتها، ولا بد من الإسراع في الذبح وتحديد الشفرة لئلا تُعَذّب البهيمة.
ففي صحيح مسلم عن شداد بن أوس قال: [ثِنْتان حَفِظْتُهُمَا عَنْ رسول الله ﷺ قال: إنَّ الله كتب الإحسانَ على كل شيء، فإذا قَتَلتُمْ فأحِسنُوا القِتْلَةَ، وإذا ذَبَحْتُم فأحسنوا
стр. 2942
الذَّبْحَ، وليُحِدَّ أحدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَليُرحْ ذبيحته] (١).
وفي سنن أبي داود وابن ماجة بسند حسن عن أبي واقد اللَّيثيّ قال: قال رسول الله ﷺ : [ما قُطِعَ من البهيمة وهي حَيَّةٌ فهو مَيْتةٌ] (٢).
وقوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾. قال مالك: (يستحب ذلك). فهو أمر إباحة لا وجوب.
وعن مجاهد: (هي رخصة. وقال: إن شاء أكل، وإن شاء لم يأكل).
وقوله: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ - فيه أقوال متقاربة متكاملة:
١ - قال ابن عباس: (القانع: المستغني بما أعطيته، وهو في بيته. والمعتز: الذي يتعرَّض لك، ويلمّ بك أن تطعمه من اللحم ولا يسأل، وهؤلاء الذين أمر أن يطعموا من البدن).
٢ - قال مجاهد: (القانع: جارك الذي يقنع بما أعطيته. والمعتزّ: الذي يتعزض لك ولا يسألك). وقال: (القانع: أهل مكة. والمعتزّ: الذي يعتريك فيسألك).
٣ - قال قتادة: (القانع: المتعفف الجالس في بيته، والمعترّ: الذي يعتريك فيسألك).
وقد استدل بعض أهل العلم بهذه الآية: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ أنّ الأضحية تُجَزَّأُ ثلاثةَ أجزاء، فثلث لصاحبها يأكله، وثلث يهديه لأصحابه، وثلث يتصدق به على الفقراء.
وفي صحيح البخاري من حديث سلمة بن الأكوع قال: قال النبي ﷺ : [مَنْ ضَحّى منكم فلا يُصْبِحَنَّ بعدَ الثالثة وبَقيَ في بيتهِ منه شيء. فلما كان العامُ المقبلُ قالوا: يا رسول الله، نفعلُ كما فعلنا العام الماضي؟ قال: كلوا وأطعموا وادَّخِروا، فإن ذلك العام كان بالناس جَهْدٌ فأرَدْتُ أن تُعينوا فيها] (٣).
стр. 2943
وفي لفظ مسلم: (فكلوا وادّخِروا وتصدقوا) (١). وفي رواية: (كلوا وتزودوا وادّخروا).
وفي لفظ آخر: (كلوا وأطعموا واحْبِسوا أو ادّخِروا) (٢).
وقوله: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
أي: هذا التذليل من الله تعالى لهذه البدن لكم: في ركوبها ولحومها ولبنها إنما هو فضل الله وكرمه عليكم لعلكم تحسنون شكره وعبادته.
وفي التنزيل نحو ذلك:
قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ [يس: ٧١ - ٧٣].
ولكنْ: قليل من عباد الله هم الشاكرون، وأكثر الناس في غفلة عن نعم الله التي تغمرهم.
ففي المسند للإمام أحمد بسند صحيح عن عتبة بن عبد، عن النبي ﷺ قال: [لو أنَّ رجلًا يُجَرُّ على وجهه من يوم ولد إلى يوم يموت هرمًا في مرضاة الله تعالى لَحَقِرَهُ يوم القيامة] (٣).
وفي جامع الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة وعن أبي سعيد قالا: قال رسول الله ﷺ : [يؤتى بالعبد يوم القيامة فيقول له: ألمْ أجْعل لك سَمْعًا وبَصَرًا ومالًا وَوَلدًا وسَخَّرْت لك الأنعام والحرث، وتركتُكَ تَرْأَسُ وتَرْبَعُ، فكنتَ تَظُنُّ أنك ملاقِيَّ يَوْمَكَ هذا؟ فيقول: لا. فيقول له: اليوم أنساك كما نسيتني] (٤).
وقوله: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾.
قال إبراهيم: (ما أريد به وجه الله). وهو كما قال ابن زيد: (إن اتقيت الله في هذه
стр. 2944
البُدن، وعملت فيها لله، وطلبت ما قال الله تعظيمًا لشعائر الله، ولحرمات الله).
وعن ابن جريج قال: (كان أهل الجاهلية ينضَحُون البيتَ بلُحوم الإبل ودِمَائها، فقال أصحاب رسول الله ﷺ : فنحن أحق أن ننضح. فأنزل الله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾).
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [إنَّ اللهَ لا ينظرُ إلى أجسامكم، ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم] (١).
وفي رواية: [إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم].
وقوله: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾.
أي: كذلك سخر الله لكم هذه البدن وذلّلها كي تعظموا الله على ما هداكم له من أمر دينكم وإتمام مناسك حجكم.
قالى ابن زيد: (﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ قال: على ذبحها في تلك الأيام ﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ يقول: وبشِّر يا محمد الذين أطاعوا الله فأحسنوا في طاعتهم إياه في الدنيا بالجنة في الآخرة).
٣٨ - ٤١، قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨) أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾.
في هذه الآيات: دفاعُ الله عن المؤمنين، وسخطه على الخائنين الكافرين، وتشريعُ
стр. 2945
القتال لإقامة هذا الدين، ودفعُ الله الناس بعضهم ببعض لنصرة الحق المبين. والمؤمنون الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر موعودون بالشوكة والتمكين.
فقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾.
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: إن الله يدفع غائلة المشركين عن الذين آمنوا بالله وبرسوله، إن الله لا يحبّ كلّ خوّان يخون الله، فيخالف أمره ونهيه ويعصيه، ويطيع الشيطان ﴿كَفُورٍ﴾ يقول: جَحود لنعمه عنده، لا يعرف لمنعمها حقه فيشكره عليها).
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٣].
٢ - وقال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ٣٦]
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [إنّ الله تعالى قال: من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينّه، وإن استعاذني لأعيذنّه، وما تردّدت عن شيء أنا فاعله تردّدي عن قبض نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته] (١).
فمن كان وليًّا لله آذن الله تعالى من عاداه بالحرب، وكان في عناية الله وحراسته.
وفي صحيح مسلم عن جندب قال: قال رسول الله ﷺ : [مَنْ صلّى صلاة الصبح فهو في ذِمَّة الله، فلا يَطْلُبَنَّكُم الله من ذِمَّتِهِ بشيء، فإنه من يَطْلُبْهُ من ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ يُدْرِكْهُ، ثم يَكْبّهُ على وجهه في نار جهنم] (٢).
стр. 2946
وقوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾.
أخرج أحمد في المسند ورجاله رجال الصحيح، وكذلك الترمذي في السنن بسند صحيح عن ابن عباس قال: [لمّا خرجَ النبي ﷺ من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيّهم! إنا لله وإنا إليه راجعون، لَيَهْلِكُنَّ. قال: فأنزل الله : ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ قال أبو بكر ﵁: فعرفت أنه سيكون قتال. قال ابن عباس: (وهي أول آية نزلت في القتال)] (١)
وقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾. قال ابن كثير: (أي: هو قادرٌ على نصر عباده المؤمنين من غير قتال، ولكن هو يريد من عباده أن يبلو جُهدَهم في طاعته، كما قال: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد: ٤ - ٦]).
وعن ابن عباس: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ قال: وقد فَعَل).
وفي التنزيل أيضًا:
١ - قال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١٤ - ١٥].
٢ - وقال تعال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٦].
٣ - وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢].
٤ - وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١].
أخرج الخطيب في "التاريخ" وبنحوه الإمام أحمد والحاكم بسند صحيح عن أنس
стр. 2947
مرفوعًا: [النَّصْرُ مع الصَّبْرِ، والفَرَجُ مع الكَرْب، وإنَّ مع العُسْرِ يُسْرًا] (١).
وقوله: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾.
قال ابن عباس: (أُخرجوا من مكة إلى المدينة بغير حق، يعنى محمدًا وأصحابه).
وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾.
أي: ما كان لهم من ذنب حين أخرجهم الكفار واضطروهم إلى الهجرة إلا أنهم أخلصوا التوحيد لله بقولهم: ربنا الله وحده لا شريك له، وأفردوه بالعبادة والتعظيم.
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ [الممتحنة: ١].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨].
وفي صحيح البخاري من حديث أسامة بن زيد أنه قال زمن الفتح: يا رسول الله أين تنزل غدًا؟ قال النبي ﷺ : [وهل ترك لنا عقيل مِنْ منزل] (٢).
وقوله: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾.
الصوامع: المعابد الصِّغار التي تخصّ الرهبان. قال مجاهد: (صوامع الرهبان).
وقال الضحاك: (﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ﴾ وهي الصوامع الصغار يبنونها).
والبيع أوسع من الصوامع، وأكثر عابدين فيها، وهي خاصة بالنصارى أيضًا. وقيل بل هي كنائس اليهود.
قال الضحاك: (البيع: بيع النصارى). وقال مجاهد: (﴿وَبِيَعٌ﴾ قال: وكنائس).
وقال ابن زيد: (البيع: الكنائس). وروي عن ابن عباس: (أنها كنائس اليهود).
والصلوات: قال ابن عباس: (يعني بالصلوات الكنائس). وقال الضحاك: (﴿وَصَلَوَاتٌ﴾ كنائس اليهود، ويسمون الكنيسة صلوتًا). وقال أبو العالية: (هي مساجد الصابئين).
стр. 2948
وقال مجاهد: (﴿وَصَلَوَاتٌ﴾ مساجد لأهل الكتاب، ولأهل الإسلام بالطرق)، والله تعالى أعلم.
وقوله: ﴿وَمَسَاجِد﴾ قال رفيع: (مساجد المسلمين). وقال قتادة: (المساجد: مساجد المسلمين يذكر فيها اسم الله كثيرًا).
وقوله: ﴿يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾. قال الضحاك: (الجميع يذكر فيها اسم الله كثيرًا).
وقيل: بل الضمير في قوله ﴿فِيهَا﴾ عائد إلى المساجد لأنها أقرب المذكورات.
قال ابن جرير: (الصوابُ لَهُدِّمَت صوامع الرهبان وبيعُ النصارى وصلواتُ اليهود، وهي كنائسهم، ومساجد المسلمين التي يذكر فيها اسمُ الله كثيرًا، لأن هذا هو المستعمل المعروف في كلام العرب). وقال بعض أهل العلم: (هذا تَرَقٍّ من الأقل إلى الأكثر إلى أن ينتهي إلى المساجد، وهي أكثر عُمَّارًا وأكثر عُبّادًا، وهم ذوو القَصْدِ الصحيح).
والخلاصة: هذه سنة من سنن الله تعالى في خلقه وعباده، فإنه لولا أنه سبحانه يدفع عن قوم بقوم، ويكشف شرَّ أناس عن غيرهم بما يخلقه ويقدّره من الأسباب والتصريف لشؤون وأحوال العباد، لفسدت الأرض، وأهلك القوقي الضعيف، ولَبَالَغَ المتجبرون والطغاة في عتوهم وبطشهم، ولكن إرادة الله وأقداره تكسرهم وتمنعهم.
وقوله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾.
سنة أخرى من سنن الله تعالى، وهي في أوليائه وأتباع أنبيائه ورسله. فإنهم إن صدقوا الله تعالى نَصْرَ دينه، صَدَقَهُم الله جل ثناؤه النصرَ والتمكين.
ففي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١].
٢ - وقال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١].
٣ - وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٧ - ٨].
وفي مسند الإمام أحمد بإسناد صحيح على شرط الشيخين عن عبد الرحمن بن
стр. 2949
كعب بن مالك عن أبيه مرفوعًا إلى النبي ﷺ : [إن المؤمنَ يجاهدُ بسيفه ولسانه] (١).
وفي صحيح مسلم عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ على المنبر يقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ ألا إن القوة الرمي، ألا إنّ القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي] (٢).
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾. أي: هو القوي فيمكن المؤمنين بقوته وجبروته ليقهروا عدوهم، وهو العزيز فكل الطغاة مقهورون بعزته مهزومون بكبريائه أذلاء تحت حكمه وقضائه.
وقوله: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾. هو غاية التمكين، ومنهاج المؤمنين، فإن في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إقامة للدين.
قال أبو العالية: (كان أمرهم بالمعروف أنهم دعوا إلى الإخلاص لله وحده، لا شريك له، ونهيهم عن المنكر، أنهم نهوا عن عبادة الأوثان، وعبادة الشياطين، قال: فمن دعا إلى الله من الناس كلهم، فقد أمر بالمعروف، ومن نهى عن عبادة الأوثان وعبادة الشيطان، فقد نهى عن المنكر).
وفي التنزيل:
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى﴾ [النور: ٥٥].
وقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُور﴾. قال زيد بن أسلم: (وعند الله ثواب ما صنعوا).
قال ابن جرير: (يقول: ولله آخر أمور الخلق، يعني: أن إليه مصيرها في الثواب عليها، والعقاب في الدار الآخرة).
وفي التنزيل:
﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣]، ﴿وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٥].
وفي صحيح البخاري من حديث عبد الله بن مسعود مرفوعًا: [من أَحْسَنَ في
стр. 2950
الإسلام لم يُؤاخذ بما عمِلَ في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أُخِذَ بالأول والآخر] (١).
٤٢ - ٤٦. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٤) فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾.
في هذه الآيات: إخبارُ الله تعالى عن تكذيب الأمم المرسلين، كقوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم، وقوم لوط وكذلك كُذِّبَ موسى رغم الحجج البينات، والأدلة القاطعات الواضحات، فأملى تعالى للكافرين، ثم أخذهم بعذاب مهين. إنه كم من قرية كذَّبَ أهلها فنزل بها العذاب، فإذا هي خراب، وبئر لا يُستسقى منها ولا يردها أحد، وقد كانت تعج بالواردين، وَقَصْرٍ محكم البنيان، لم يمنع أهله من الخزي والخذلان. أفلم يبصر هؤلاء المكذبون أثناء تحركهم في الأرض مصارع أمثالهم من الأمم المكذبة الزائلة، فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.
فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى﴾ الآية.
تسلية من الله سبحانه لنبيه محمد ﷺ عما يلقاه من أذى قومه وتكذيبهم له، وإخباره أن هذا الموقف الساقط الذي يواجه به قومه ما يأتيهم من الحق والحجة والبرهان إنما هو سنة إخوانهم من الأمم الخالية المكذبة مع رسل الله إليهم.
وقوله: ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾.
قال ابن جرير: (يقول: فأمهلت لأهل الكفر بالله من هذه الأمم، فلم أعاجلهم
стр. 2951
بالنقمة والعذاب ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾: ثم أحللت بهم العقاب بعد الإملاء ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ يقول: فانظر يا محمد كيف كان تغييري ما كان بهم من نعمة، وتنكري لهم عما كنت عليه من الإحسان إليهم، ألم أبدلهم بالكثرة قلة، وبالحياة موتًا وهلاكًا، وبالعمارة خرابًا؟ يقول: فكذلك فعلي بمكذّبيك من قريش، وإن أمليت لهم إلى آجالهم، فإني مُنْجِزك وعدي فيهم، كما أنجزت غيرك من رسلي وعدي في أممهم، فأهلكناهم، وأنجيتهم من بين أظهرهم).
وفي الصحيحين عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : [إنّ الله لَيُمْلي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفْلِتْه. قال: ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]] (١).
وقوله: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾.
أي: وكم -يا محمد- من قرية أهلكتها وهي مكذبة لرسولها، وتقوم على الكفر وفعل المعصية.
وقوله: ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾. قال الضحاك: (خواؤها: خرابها، وعروشها: سقوفها).
وقال قتادة: ﴿خَاوِيَةٌ﴾: خربة ليس فيها أحد).
وقوله: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾. أي: لا يُستقى منها، ولا يرِدُها أحد بعد أن كانت تعجّ بكثرة الواردين لها، والمزدحمين على السقاية منها.
وعن عطاء عن ابن عباس: (﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ قال: التي تُرِكت، وقال غيره: لا أهل لها).
وعن قتادة قال: (عطلها أهلها، تركوها).
وقوله: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ - فيه أقوال متقاربة:
١ - عن عكرمة: (﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قال: مُجَصَّص). قال: (والجصّ بالمدينة يسمى الشِّيد).
стр. 2952
٢ - وعن مجاهد: (﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قال: بالقِصَّة أو الفضة). وقال: (بالقصة يعني بالجصّ).
٣ - قال قتادة: (كان أهله شيّدوه وحصَّنوه، فهلكوا وتركوه). وقال الضحاك: (﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ يقول: طويل).
وكلها أقوال محتملة، وإنما العبرة من كل ما سبق أن شدة البناء والإحكام والتحصين والارتفاع لم تحم أهل القصر والبنيان من حلول بأس الله ونقمته بهم لما جاء أجلهم وحان وقت عذابهم مقابل تكذيبهم وبغيهم.
وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾.
أي: أفلم يسيروا -هؤلاء المكذبون رسلهم الجاحدون قدرة ربهم على إحداث التغيير والدمار- فينظروا إلى مصارع ضربائهم وأمثالهم من الأمم الماضية المكذّبة الزائلة.
وقوله: ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾.
قال النسفي: (أي يعقلون ما يجب أن يعقل من التوحيد ونحوه، ويسمعون ما يجب سماعه من الوحي).
وقوله: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾.
قال ابن كثير: (أي: ليس العمى عمى البصر، وإنما العمى عمى البصيرة، وإن كانت القوة الباصرةُ سليمةً فإنها لا تنفذ إلى العِبَر، ولا تدري ما الخبر).
فائدة: القلب مركز التفكير والفقه، وليس العقل الذي في الدماغ.
١ - قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩].
٢ - وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦].
والحق أن الدماغ هو متأثر بالقلب الذي هو من جهة: مركز حياة الأبدان وموجه حركتها، وبتعطله تتعطل الحياة. ومن جهة ثانية: فهو مركز الفكر والعقل والفقه والوعي والفهم.
стр. 2953
وفي الصحيحين من حديث النعمان بن بشير مرفوعًا: [ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كلُّه، وإذا فسدت فسدَ الجسد كلّه، ألا وهي القلب] (١).
٤٧ - ٥١. قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨) قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٥١)﴾.
في هذه الآيات: استعجالُ المشركين العذاب ولن يخلف الله وعده في الانتقام منهم، وإن مقدار ألف سنة عند خَلْقِه كيوم واحدٍ عنده بالنسبة إلى حكمه. إنه كم من قرية طغى أهلها فكان إنظارهم ثم نزول العذاب بهم وإلى الله المصير. قل -يا محمد- معلنًا للناس أنك نذير مبين، فالمؤمنون لهم مغفرة لذنوبهم وهم في جنات النعيم، والكافرون ليسوا معجزين ولهم عذاب الجحيم.
فقوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾. أي: استهزاء وكبرًا. والمقصود: طغاة مكة الذين كذبوا النبوة وجحدوا الدار الآخرة.
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٣].
٣ - وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص: ١٦].
وفي مسند الإمام أحمد بإسناد قوي عن عقبة بن عامر مرفوعًا: [إذا رأيت الله يعطي
стр. 2954
العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج. ثم تلا: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾] (١).
وقوله: ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ - عام في أوليائه وأعدائه.
قال ابن جرير: (ولن يخلف الله وعده الذي وعدك فيهم، من إحلال عذابه ونقمته بهم في عاجل الدنيا، ففعل ذلك، ووفى لهم بما وعدهم، فقتلهم يوم بدر).
قلت: ووعد الله تعالى في الانتقام من أعدائه لا يقتصر على الدنيا، بل يشمل خزي يوم القيامة.
وقوله: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾.
قال ابن عباس: (من الأيام التي خلق الله فيها السماوات والأرض). وقال النسفي: (أي كيف يستعجلون بعذاب من يوم واحد من أيام عذابه في طول ألف سنة من سنيكم لأن أيام الشدائد طوال).
قال ابن كثير: (أي: هو تعالى لا يعجَلُ، فإنَّ مقدارَ ألفِ سنةٍ عند خَلْقِهِ كيوم واحدٍ عنده بالنسبة إلى حُكمِهِ، لعِلْمِهِ بأنَهُ على الانتقام قادر، وأنه لا يفوتُه شيء، وإن أجَّلَ وأنْظَرَ وأمْلَى).
وفي جامع الترمذي ومسند أحمد بسند حسن عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: [يدخلُ فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم، خمس مئة عام] (٢).
وفي سنن أبي داود بسند صحيح عن سعد بن أبي وقاص: [أن النبي ﷺ قال: إني لأرجو، أنْ لا تعجزَ أمتي عند ربها أن يؤخرهم نِصفَ يوم. قيل لسعد: وكم نصف ذلك اليوم؟ قال: خمس مئة سنة] (٣).
وله شاهد عنده من حديث أبي ثعلبة الخشني قال: قال رسول الله ﷺ : [لَنْ يُعْجزَ الله هذه الأمةَ من نصف يوم] (٤).
стр. 2955
وأخرج ابن جرير بسنده إلى أبي نَضْرَة، عن سُمَير بن نَهار قال: قال أبو هريرة: (يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بمقدار نصف يوم. قلت: وما نصف يوم؟ قال: أو ما تقرأ القرآن؟ قلت: بلى. قال: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾) (١).
وقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾.
قال النسفي: (أي: وكم من أهل قرية كانوا مثلكم ظالمين قد أنظرتهم حينًا ﴿وَثُمَّ أَخَذْتُهَا﴾ بالعذاب ﴿وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ أي المرجع إلي فلا يفوتني شيء).
وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾.
ردٌّ على كفار مكة حين سألوا رسول الله ﷺ تعجيل العذاب، فأخبرهم أنه إنما عليه النذارة وليس إليه أمر العقاب، فالله يحكم ﴿لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ٤١].
وقوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾.
قال ابن جريج: (الجنة). فإن أهل الإيمان والعمل الصالح موعودون من ربهم بستر ذنوبهم ومضاعفة حسناتهم.
قال محمد بن كعب القرظي: (إذا سمعت الله تعالى يقول: ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾، فهو الجنة).
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾.
١ - قرأ قراء المدينة والكوفة "معاجزين".
قال ابن عباس: ("معاجزين": مشاقّين)، أو قال: (مراغمين). وعن قتادة قال: (كذّبوا بآيات الله، فظنوا أنهم يُعجزون الله، ولن يعجزوه).
٢ - وقرأ بعض قراء مكة والبصرة: "مُعَجِّزين" أي عَجَّزوا الناس وثَبَّطُوهم عن اتباع رسول الله ﷺ وعن الإيمان بالقرآن. قال مجاهد: (قوله: "مُعَجِّزين": مُبَطِّئين، يَبُطِّئُونَ الناس عن اتباع النبي ﷺ ).
والقراءتان مشهورتان في الأمصار، والمعنى متقارب، فإن المكذبين بآيات الله
стр. 2956
ووعده ووعيده يحسبون أنهم يفلتون من حكم الله ويحاربون أولياءه ويصدون الناس عن سبيل الله، ونار الجحيم تنتظرهم لتكون مستقرهم ومآلهم.
٥٢ - ٥٤. قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤)﴾.
في هذه الآيات: إبطالُ الله وساوس وأماني الشيطان من دعوة الرسل، وجعل تلك الأماني والوساوس فتنة للشاكين المنافقين والقاسية قلوبهم، ففي إنزال إلله آيات القرآن ونسخ ما ألقى الشيطان تثبيت للمؤمنين، ودحض لأمنيات المبطلين، والله يهدي المؤمنين إلى صراط مستقيم.
فقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ الآية.
قال البخاري: (وقال ابن عباس في ﴿إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾: إذا حَدَّثَ ألقى الشيطان في حديثه، فيُبْطِلُ الله ما يكقي الشيطان ويُحْكِمُ آياته، ويُقال أُمْنِيَّتُهُ قِراءتُه، ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨]: يقرؤون ولا يكتبون) (١).
وقال القاسمى: (﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾ أي رغب في انتشار دعوته، وسرعة علوّ شرعته ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ أي بما يصد عنها، ويصرف المدعوّين عن إجابتها ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ أي يبطله ويمحقه ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ أي يثبتها ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ يعلم الإلقاءات الشيطانية، وطريق نسخها من وجه وحيه ﴿حَكِيمٌ﴾ يحكم آياته بحكمته).
قلت: وأما ما ذكر المفسّرون عند هذه الآية من قصة الغرانيق: أن رسول الله ﷺ
стр. 2957
مدح أصنام الكفار بقوله: "تلك الغرانيق العُلا، وإن شفاعتهن لترتجى" فهو كذب وافتراء وباطل. ويبدو أنه من صنع المشركين الذين لم يتمالكوا عند سماع سورة النجم يتلوها رسول الله ﷺ عند الكعبة إلا أن خرّوا ساجدين.
فقد أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄: [أَنَّ النبي ﷺ سجدَ بالنجم، وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس] (١).
وكذلك أخرج البخاري من طريق عبد الله بن مسعود ﵁ قال: أقرأ النبي ﷺ النجم بمكة، فسجد فيها وسجد من معه غيرَ شيخ، أخذ كفًا من حصى، أو تراب، فرفعه إلى جبهته، وقال يكفيني هذا، فرأيته بعد ذلك قُتِلَ كافرًا] (٢).
والذي يظهر في التحقيق أنه لما توالى على الذين سجدوا من المشركين اللوم والعتاب ممن لم يحضر من رفاقهم وعشائرهم، لجؤوا إلى الكذب والافتراء وزعموا أن رسول الله ﷺ مدح أصنامهم فسجدوا لذلك. ثم إن القصة لا تثبت من الجهة الحديثية، فإن أسانيدها مظلمة يحطم بعضها بعضًا (٣)، فضلًا عن أنها مرفوضة متنًا لاصطدامها مع العصمة النبوية، في قضية الوحي والتوحيد والأمور الإيمانية الشرعية.
وقوله: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾.
قال ابن جريج: (يقول: وللذين قست قلوبهم عن الإيمان بالله، فلا تلين ولا ترعوي، وهم المشركون بالله). وقال: (﴿لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: هم المنافقون).
والآية تشير إلى بعض مقتضيات حكمته تعالى من ذلك أنه يجعل هذا الإلقاء
стр. 2958
الشيطاني فتنة للشاكين المنافقين والقاسية قلوبهم عن قبول الحق، ابتلاء لهم ليزدادوا عتوًا وإثمًا، ورحمة للمؤمنين ليزدادوا يقينًا وثباتًا.
وقوله: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾. أي: في ضياع وضلال ومخالفة وعناد عن قبول الحق والإذعان إليه.
وقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾. هو إخبار من الله تعالى عن بعض حكمته من إنزال آيات القرآن، في دحض أمنيات الشيطان. قال ابن جريج: (﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾: يعني القرآن).
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وكي يعلم أهل العلم بالله أن الذي أنزله الله من آياته التي أحكمها لوسوله، ونسخ ما ألقى الشيطان فيه، أنه الحق من عند ربك يا محمد، ﴿فَيُؤْمِنُوا بِهِ﴾: يقول: فيصدقوا به، ﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾: يقول: فتخضع للقرآن قلوبهم، وتذعن بالتصديق به، والإقرار بما فيه).
وقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
يدل على هداية التوفيق والإلهام، للثبات على الحق والإيمان، ضد محاولات كيد الشيطان.
قال النسفي: (فيتأولون ما تشابه في الدين بالتأويلات الصحيحة، ويطلبون لما أشكل منه المحمل الذي تقتضيه الأصول المحكمة حتى لا تلحقهم حيرة ولا تعتريهم شبهة).
أخرج البيهقي بسند حسن عن إبراهيم بن عبد الرحمن العُذري قال: قال رسول الله ﷺ : [يحمل هذا العلم من كل خلف عُدولُه، ينفون عنه تحريفَ الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين] (١).
٥٥ - ٥٧. قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ
стр. 2959
فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥٧)﴾.
في هذه الآيات: استمرارُ الكفار في الشك والريب من هذا القرآن حتى تنزل بهم ساعة النقمة فجأة أو عذاب يوم القيامة. إنه في ذلك اليوم يتفرد الله تعالى بالملك والحكم فالمؤمنون في جنات النعيم، والكفار في شقاء الجحيم.
فعن ابن جريج: (﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ قال: من القرآن).
أي: لا يزال الكفار في شك وريب من هذا القرآن الذي أحكم الله آياته. واختاره ابن جرير.
وقوله: ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾. أي حتى تأتيهم ساعة النقمةِ فجأة، فيحلّ بهم بأس الله وسخطه. قال مجاهد: (﴿بَغْتَةً﴾: فجأة). وقال قتادة (﴿بَغْتَةً﴾، بَغَتَ القومَ أمرُ الله، وما أخذ الله قومًا قط إلا عند سكرتهم وَغِرَّتهم ونعمتهم، فلا تغتروا بالله، إنه لا يغْتَرُّ بالله إلا القوم الفاسقون).
وقوله: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾. قال مجاهد: (قال أبي بن كعب: هو يوم بدر) - واختاره ابن جرير. وقال مجاهد -في رواية أخرى- وعكرمة: (هو يومُ القيامة لا ليلةَ له).
قلت: والسياق يدل على القول الثاني، وهو وعيد القيامة وما يكون من الهول والمصيبة على الكفار في ذلك اليوم العقيم، ولذلك قال تعالى في الآية بعدها: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾. واختاره الحافظ ابن كثير وقال: (وهذا القولُ هو الصحيح -يشير إلى قول عكرمة ومجاهد- وان كان يوم بدر من جُملة ما أوعدوا به).
وقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾. أي السلطان والحكم لله يوم يحشر الناس، ويوضع الميزان، ويكون القصاص.
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤].
٢ - وقال تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٦].
стр. 2960
ومن كنوز السنة العطرة في ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الحاكم بسند جيد عن سلمان، عن النبي ﷺ ، قال: [يوضع الميزان يوم القيامة، فلو وزن فيه السماوات والأرض لوسعت، فتقول الملائكة: يا رب: لِمَنْ يرنُ هذا؟ فيقول الله تعالى: لمن شئت من خلقي. فتقول الملائكة: سبحانَك ما عبدناك حقّ عبادتك. ويوضع الصراط مثل حد الموسى فتقول الملائكة: من تجيز على هذا؟ فيقول: من شئت من خلقي. فيقولون: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك] (١).
الحديث الثاني: خزج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة مرفوعًا: [لتؤدُّنَّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء] (٢).
الحديث الثالث: أخرج أحمد في المسند بسند صحيح عن أبي هريرة مرفوعًا: [يقتص الخلق بعضهم من بعض حتى الجماء من القرناء، وحتى الذرة من الذرة] (٣).
ورواه من طريق أبي حجيرة عنه مرفوعًا بلفظ: [ألا والذي نفسي بيده، ليختصمن كل شيء يوم القيامة حتى الشاتان فيما انتطحتا] (٤).
وفيه من حديث أبي ذر قال: [رأى رسول الله ﷺ شاتين تنتطحان، فقال: يا أبا ذر! أتدري فيمَ تنتطحان؟ قلت: لا، قال: ولكن ربك يدري، وسيقضي بينهما يوم القيامة] (٥).
الحديث الرابع: أخرج الشيخان عن عائشة: [أن النبي ﷺ قال: ليس أحد يحاسَبُ يومَ القيامة إلا هلك. قلت: أو ليس يقول الله: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ فقال: إنما ذلك العرض، ولكن من نوقش في الحساب يهلك] (٦).
стр. 2961
وقوله: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾.
نعتٌ لِمُسْتَحِقّي جنات الخلد والنعيم المقيم، إنهم المؤمنون على منهاج النبوة، أهل العمل الصالح والمسابقة في الخيرات.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾.
نَعْتٌ لِمُسْتَحِقّي صلي الجحيم والعذاب المهين، إنهم الذين كفروا بالوحي وكذبوا النبوة، فإن جَزاء الاستكبار عن الإيمان بالله وحده ومتابعة الرسل هو نار جهنم.
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٥٦].
٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠].
وفي جامع الترمذي بسند حسن عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: [يُحشر المتكبرون يوم القيامة أمثالَ الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يُساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار، يُسْقون من عُصارة أهل النار، طينةِ الخبال] (١).
٥٨ - ٦٠. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩) ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٦٠)﴾.
في هذه الآيات: ثناءُ الله تعالى على المهاجرين والمجاهدين ووعدهم الرزق الحسن وخير المنازل إذا قضوا في سبيل الله والله خير الرازقين. ووعدٌ لِمَنْ بُغِي عليه من المؤمنين فأخرجوا من ديارهم بانتصار الله لهم من المشركين الظالمين.
стр. 2962
فقوله: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾.
فيه أجر مفارقة العشائر والأوطان، والأهلين والخلّان، لإعلاء كلمة الحق ودين الرحمن، ولو كان ثمن ذلك الأرواح والأبدان.
قال النسفي: (﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ خرجوا من أوطانهم مجاهدين ﴿ثُمَّ قُتِلُوا﴾ في الجهاد ﴿أَوْ مَاتُوا﴾ حتف أنفهم ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ قيل الرزق الحسن الذي لا ينقطع أبدًا).
وقد حفلت السنة العطرة بآفاق هذا الرزق الحسن في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة: أنّ رسول الله ﷺ قال: [تَكَفَّلَ الله لِمَنْ جَاهَدَ في سبيله، لا يُخْرِجُهُ إلا الجهادُ في سبيله وتصديقُ كَلِماتِه، بأنْ يُدْخِلهُ الجَنَّةَ أو يرجِعَهُ إلى مَسْكَنِهِ الذي خرجَ منه مع ما نالَ من أجْرٍ أو غنيمة] (١).
الحديث الثاني: أخرج البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [انتدب الله لِمَنْ خرجَ في سبيله لا يُخْرجُه إلا إيمانٌ بي وتصديق بُرِسُلي أنْ أَرْجِعَهُ بما نالَ مِنْ أَجْرٍ أو غنيمة أو أدخِلَهُ الجنة، ولولا أَنْ أَشقَّ على أمتي ما قَعَدْتُ خَلْفَ سَريّةٍ، وَلَوَدِدْتُ أني أقتل في سبيل الله، ثم أُحْيَا، ثم اقْتَلُ ثم أُحْيَا ثم أقتلُ] (٢).
الحديث الثالث: أخرج أبو داود بسند صحيح عن أبي أمامة الباهلي، عن رسول الله ﷺ قال: [ثلاثة كُلُّهم ضامِن على الله ، رجلٌ خرج غازيًا في سبيل الله، فهو ضامن على الله حتى يتوفاه فيدخله الجنة، أو يرده بما نال من أجر وغنيمة، ورجل راح إلى المسجد فهو ضامن على الله حتى يتوفاه فيدخله الجنة أو يرده بما نال من أجر وغنيمة، ورجل دخل بيته بسلام فهو ضامن على الله ] (٣).
وقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾.
قال ابن جرير: (يقول: وإن الله لهو خير من بسط فضله على أهل طاعته وأكرمهم).
стр. 2963
وقال النسفي: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ لأنه المخترع للخلق بلا مثال، المتكفل للرزق بلا ملال).
يروي ابن جرير في التفسير، وكذلك ابن أبي حاتم -واللفظ له- قال: (حَدّثنا أبو زُرْعةَ، حدثنا زيد بن بِشْر، أخبرني همَامٌ، أنه سمع أبا قبيل وربيعةَ بنَ سَيْفٍ المَعَافِرِيَّ يقولان: كنا بِرودِسَ، ومعنا فَضالةُ بن عُبَيد الأنصاري صاحبُ رسول الله ﷺ فَمُرَّ بجنازتين، إحداهما قتيل والأُخرى مُتَوفّى، فمال الناسُ على القتيل، فقال فَضالة: ما لي أرى الناسَ مالُوا معَ هذا وتركوا هذا؟ ! فقالوا: هذا قتيلٌ في سبيل الله تعالى. فقال: والله ما أُبالي من أيِّ حُفْرتَيْهما بُعِثْتُ، اسمعوا كتاب الله: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾).
وقوله: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ﴾ - أي الجنان. وفيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
وقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾. قال ابن عباس: (عليم بنياتهم، حليم عن عقابهم).
وقوله: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾.
وعدٌ من الله تعالى المؤمنين بالنصر على المشركين الذين بغوا عليهم فأخرجوهم من ديارهم.
قال القرطبي: (﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾ أي بالكلام والإزعاج من وطنه، وذلك أن المشركين كذّبوا نَبيَّهم وآذَوا مَنْ آمن به وأخرجوه وأخرجوهم من مكة، وظاهروا على إخراجهم ﴿لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ أي لينصرنَّ الله محمدًا ﷺ وأصحابه، فإن الكفار بغوا عليهم).
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾.
أي: إنه تعالى ذو عفو وصفح عمن انتصر من ظالمه، غفور لما صَدَر من انتصاره مِمَّن ظَلَمه مثل ما فُعِل به من الظلم.
٦١ - ٦٢. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ
стр. 2964
النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾.
في هذه الآيات: رَبْطُ نصر الله الغائب الموعود، بقدرته في هذا الكون المشهود، والله هو الحق وماذا بعد الحق إلا الضلال، سبحانه هو السميع البصير العلي الكبير.
فقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾.
أي: ذلك النصر للمظلوم ممن بغى عليه هو بعض ما يجريه الله تعالى في هذا الكون من التدبير، فهو القادر على كل شيء، ومن آيات قدرته إيلاج الليل في النهار، والنهار في الليل: أي إدخاله مِنْ هذا في هذا، ومِنْ هذا في هذا، فتارة يطولُ الليل ويقصر النهار كما هو في الشتاء، وتارة يطولُ النهار ويقصر الليل كما هو في الصيف، ذلك بأنه خالق الليل والنهار ومصرفهما.
وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾.
قال النسفي: (فلا يخفى عليه ما يجري فيهما على أيدي عباده من الخير والشر والبغي والإنصاف، وأنه سميع لما يقولون ولا يشغله سمع عن سمع، وإن اختلفت في النهار الأصوات بفنون اللغات، بصير بما يفعلون ولا يستتر عنه شيء بشيء في الليالي، وإن توالت الظلمات).
وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾. أي: الإله الحق الذي لا تصلح العبادة إلا له، ولا ينبغي التعظيم إلا إليه، فهو الخالق الواحد الأحد المهيمن القهار.
وقوله: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾.
أي: إنَّ كل ما عُبِدَ مِنْ غير الله باطل، من الأصنام والأوثان والطواغيت والشياطين.
وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.
قال ابن جرير: (﴿الْعَلِيُّ﴾ ذو العلوّ على كل شيء، هو فوق كل شيء، وكل شيء دونه. ﴿الْكَبِيرُ﴾ يعني العظيم، الذي كل شيء دونه، ولا شيء أعظم منه).
وفي التنزيل من أدلة العلو:
١ - قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا
стр. 2965
يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٤٩ - ٥٠].
٢ - وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٥].
٣ - وقال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤].
ومن صحيح السنة العطرة في ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري عن أنس: أن زينب بنت جحش كانت تفخر على أزواج النبي ﷺ تقول: [زَوَّجَكُنَّ أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات].
وفي لفظ: [إن الله أنكحني في السماء].
وفي رواية: [زوجنيك الرحمن من فوق عرشه] (١).
الحديث الثاني: خَرَّجَ مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : [ألا تأمنوني وأنا أمين مَنْ في السماء؟ يأتيني خبر السماء صباحًا ومساءً] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الحاكم بسند صحيح عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : [اتقوا دعوة المظلوم، فإنها تصعد إلى الله كأنها شرارة] (٣).
وأما ﴿الْكَبِيرُ﴾: فهو الموصوف بالجلال وكبر الشأن:
١ - قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩].
٢ - وقال تعالى: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر: ١٢].
فالله تعالى هو الكبير لأنه أكبر من كل شيء، والمتعال: لأنه علا كل شيء وقهره وأحاط بكل شيء علمًا، فهو الذي خضعت له الرقاب ودان له العباد طوعًا وكرهًا.
٦٣ - ٦٦. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ
стр. 2966
اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥) وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ (٦٦)﴾.
في هذه الآيات: إخبارُ الله تعالى عن عجائب آياته في هذا الكون، من إنزاله الماء واخضرار الزرع، وتسخيره ما في الأرض والفلك تجري في البحر، وحمله السماء أن تقع على الأرض وإحياؤه الموتى، ولكن الإنسان كفور.
فقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾.
دلالة جديدة على قدرة الله وعظيم سلطانه، فهو الذي يرسل الرياح فتثير سحابًا، فينزل الماء على الأرض اليابسة الممحلة فتصبح خضراء عُقيب المطر قد أخرجت نباتها بإذن ربها.
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ [الزمر: ٢١].
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾. أي: لطيف باستخراج النبات من الأرض، خبير بحاجة العباد وفاقتهم.
قال ابن عباس: (﴿خَبِيرٌ﴾ بما ينطوي عليه العبد من القنوط عند تأخير المطر. ﴿لَطِيفٌ﴾ بأرزاق عباده).
وقوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. قال القرطبي: (خلقًا وملكًا، وكلٌّ محتاج إلى تدبيره وإتقانه).
وقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. أي: الغني في كل شيء، المحمود على كل حال.
وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾.
ذِكْرٌ لنعمة أخرى مما امتن الله به على عباده، فقد سخّر لعباده ما يحتاجون إليه من الدواب والشجر والأنهار وغير ذلك.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال: [خلق الله
стр. 2967
التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبثَّ فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة، في آخر الخلق، في آخر ساعةٍ من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل] (١).
وقوله: ﴿وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾.
أي: وكذلك سَخَّرَ لكم الفلك تجري في البحر بأمره، ولكم من جَرْيها منافع كثيرة، في النقل والتجارة والأسفار.
وقوله: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ - هو كقوله تعالى: (﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١].
قال ابن كثير: (أي: لو شاء لأذن للسماء فسقطت على الأرض، فَهَلك مَنْ فيها، ولكن من لُطْفِهِ ورحمته وقدرته، يُمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه).
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
أي: إنه تعالى رحيم بعباده رغم ذنوبهم وظلمهم، فكل ما سبق بعض أفضاله وآلائه فيهم: من ألوان التسخير الكثيرة، وإمساك السماوات لئلا تقع عليهم، وغير ذلك من النعم وألوان الرزق التي تدل على رأفته سبحانه بهم.
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الرعد: ٦].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [النحل: ٦١].
وفي صحيح البخاري عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: [لَيْسَ أحدٌ أصْبَرَ على أذى سَمِعَه من الله، إنهم ليدعون له ولدًا، وإنه ليعافيهم ويرزقهم] (٢).
стр. 2968
وفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر مرفوعًا إلى النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه ﵎ قال: [يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعًا فاستغفروني أغفر لكم] الحديث (١).
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾.
قال النسفي: (﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ﴾ في أرحام أمهاتكم ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ عند انقضاء آجالكم ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ لإيصال جزائكم ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾ لجحود لما أفاض عليه من ضروب النعم، ودفع عنه من صنوف النقم، أو لا يعرف نعمة الإنشاء المبدئ للوجود، ولا الإفناء المقرب إلى الموعود، ولا الإحياء الموصل إلى المقصود؟ ! ).
٦٧ - ٦٩. قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (٦٧) وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (٦٨) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٦٩)﴾.
في هذه الآيات: تقريرُ الله الشرائع في كل أمة وجعل شريعة نبينا محمد ﷺ ناسخة لجميع الشرائع قبلها. وتهديد ووعيد للذين جعلوا منهاجهم جدال المرسلين، ويوم الفصل يعلمون ما كانوا فيه يمترون.
فقوله: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾. قال ابن عباس: (يقول: عيدًا).
وقال مجاهد: (إراقة الدم بمكة). وقال قتادة: (﴿مَنْسَكًا﴾: ذبحًا وحَجًّا).
وأصل المنْسَك الموضع الذي يعتاده الإنسان ويتردّد إليه لخير أو شر، ولكنه غالبًا ما يربط بالتعبد وأعمال العبادة. ومنه مناسك الحج. قال الرازي: (و"المَنْسِك" بفتح السين وكسرها الموْضِعُ الذي تُذْبَحُ فيه النَّسَائِك، وقرئ بهما قولُه تعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾).
قلت: والراجح من سياق الآية أن المقصود أعم من الذبح، فقوله: ﴿مَنْسَكًا هُمْ
стр. 2969
نَاسِكُوهُ﴾ أي شرعًا هم عاملون به مأمورون باتباع تفاصيله. وهذا متكرر في كل أمة مضت من الأمم، حتى ختم الله الرسالات ونسخ الشرائع بشريعة محمد ﷺ التي لا يُقبل اليوم غيرها.
وقوله: ﴿فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ﴾. قال الزجاج: (أي فلا يجادلنك). قال القرطبي: (أي لا ينازعنك أحد منهم فيما يشُرع لأمتك، فقد كانت الشرائع في كل عصر).
وقوله: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾.
أي: لا تلتفت -يا محمد- إلى جدال المشركين، وامض في دعوتك إلى التوحيد والدين الحق، فإنك أنت على الدين القويم الذي لا اعوجاج فيه.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. أي: إن جادلوك بالباطل فأعرض عن مماراتهم.
قال مجاهد: ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ﴾ قال: قول أهل الشرك: أما ما ذبح الله بيمينه ﴿فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ لنا أعمالنا ولكم أعمالكم).
والآية فيها تهديد ووعيد، فإن جدال الأنبياء والمرسلين ليس كجدال أحد من الناس.
وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾.
قال النسفي: (هذا خطاب من الله للمؤمنين والكافرين، أي يفصل بينكم بالثواب والعقاب، ومسلاة لرسول الله ﷺ مما كان يلقى منهم).
وقال القرطبي: (في هذه الآية أدبٌ حَسَن علّمه الله عبادَه في الرد على من جادل متَعنِّتًا ومِراء ألا يجاب ولا يُناظر ويُدفع بهذا القول الذي علّمه الله لنبيّه ﷺ ).
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١].
٢ - وقال تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [الشورى: ١٥].
٣ - وقال تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤) قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا
стр. 2970
أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ: ٢٤ - ٢٦].
٤ - وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الأحقاف: ٨].
وفي مستدرك الحاكم بسند صحيح عن ابن سابط عن عمرو بن ميمون الأودي قال: قام فينا معاذ بن جبل فقال: يا بني أود! إني رسولُ رسولِ الله ﷺ : [تعلمون المعادَ إلى الله، ثم إلى الجنة أو إلى النار، وإقامةٌ لا ظعن فيه، وخلودٌ لا موت، في أجسادٍ لا تموت] (١).
٧٠ - ٧٢. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٧١) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٢)﴾.
في هذه الآيات: إخبارُ الله تعالى عن كمال علمه وقدرته وكتابته كل شيء وما هو كائن إلى الأبد، والمشركون على مدار الزمان يعبدون آلهة لا تضر ولا تنفع وينسون الواحد الأحد. وإذا تُتلى على مشركي قريش -وأمثالهم- آيات القرآن الواضحة الدلالة والحجة علت وجوههم الكراهة لما يسمعون، وجوارحهم الهمّ بالبطش بالذين يؤمنون، فقل لهم -يا محمد-: أفأنبئكم أيها المشركون بأكره إليكم من ذلك: النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير.
فقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾.
إخبار عن كمال علمه سبحانه وإحاطته بخلقه وتمام تقديره، وكتابته تفاصيل كل
стр. 2971
ذلك في اللوح المحفوظ، فلا ينفذ قضاء في هذا الكون إلا قد عَلِمَه وكَتَبَه، وأن كل شيء عليه تعالى يسير.
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦].
٢ - وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧].
وفي كنوز السنة العطرة من آفاق ذلك أحاديث:
الحديث الأول: خرّج الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : [إنَّ الله كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. وكان عرشه على الماء] (١).
الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند بإسناد صبحيح من حديث عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [إن أول ما خلق الله القلم، ثم قال له: اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة] (٢).
وفي رواية: [إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب. قال: يا رب وما أكتب؟ قال: اكتب القدر وما هو كائن إلى الأبد].
وفي لفظ: [اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة].
الحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم في صحيحه، والإمام أحمد في مسنده، عن أبي هريرة قال: [جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله ﷺ في القدر. فنزلت: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٨ - ٤٩]] (٣).
стр. 2972
وقوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ.
إخبار عن حال المشركين على مدار الزمان، فإنهم يدعون آلهة لا تضر ولا تنفع، ولا علم لهم فيما اختلقوه وائتفكوه، وإنما هو تعظيم مسلك الآباء والأجداد بلا في ليل ولا حجة ولا برهان، ولا يليق التعظيم والكبرياء إلا بالله .
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧].
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال، قال رسول الله ﷺ : [قال الله تعالى: الكبرياء ردائي، والعِزُّ إزاري، فمن نازعني في شيء منهما عذّبته] (١).
ورواه أحمد عنه بلفظ: [قال الله تعالى: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما قذفتُه في النار].
وقوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾. أي: من ناصر ينصرهم ويدفع عنهم ما كتب الله عليهم من الشقاء والنكال والعقاب.
وقوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ﴾.
أي: وإذا تتلى على مشركي قريش آيات القرآن الواضحة الدلالة والحجة تتبين في وجوههم -يا محمد- العبوس والكراهة لما يسمعون من الحق، شأن المشركين مع الوحي على مدار الزمان.
وقوله: ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾.
قال ابن عباس: (﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ﴾ يقول: يبطشون). أو قال: (يقعون بمن ذكرهم).
وقال مجاهد: (يكادون يقعون بهم).
стр. 2973
قال النسفي: (﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ﴾ يبطشون، والسطو الوثب والبطش ﴿بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ هم النبي ﷺ وأصحابه).
وقوله: ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
قال الضحاك: (يقول: أفأنبئكم أيها المشركون بأكره إليكم من هؤلاء الذين تتكرّهون قراءتهم القرآن عليكم، هي ﴿النَّارُ﴾، وعدها الله الذين كفروا).
فقوله: ﴿النَّارُ﴾ خبر لمبتدأ محذوف تقديره هي. والمقصود: ستكون النار أغيظَ عليكم -معشر المشركين- من غيظكم من التالين الذكر، وأشد عليكم مما تجدونه من جرّاء ذلك من الضجر والكراهة، بل ستكون النار يوم القيامة مصدر تعاستكم وشقائكم، فبئست النار المستقر والمنزل والمقام لكم.
٧٣ - ٧٤. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤)﴾.
في هذه الآيات: تسفيه آلهة المشركين بضرب مثل لعجزها، فهي عاجزة عن خلق ذباب واحد، وهم عاجزون عن الانتصار لها لو سلبها الذباب شيئًا، فضعف الطالب والمطلوب. إنهم لم يقدروا الله حق قدره حين أشركوا به والله هو القوي العزيز.
فقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾.
أي: ضرب مثل لسخافة وحقارة الأصنام التي يعبدها المشركون فانصتوا له وتفهّموا مغزاه. قال ابن زيد: (هذا مثل ضربه الله لآلهتهم).
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾.
أي: إن الذين تدعون وتعبدون من دون الله من الأوثان والطواغيت والسادة والشياطين وغيرهم مما يدعى ويعبد من الآلهة الباطلة لن يقدروا على خلق الذباب المعروف في صغره وضعفه ولو اجتمعوا من أجل ذلك.
стр. 2974
قال القرطبي: (الذباب اسم واحد للذكر والأنثى، والجمع القليل أَذِبَّة والكثير ذِبّان).
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ قال: [قال الله : ومن أظلمُ مِمَّنْ ذهبَ يخلقُ كَخَلْقي؟ فليخلُقوا ذَرَّةً، أوْ لِيَخْلُقوا حَبَّةً أو شعيرة] (١).
وفي مسند الإمام أحمد بسند حسن في الشواهد عن أبي زُرْعة عن أبي هريرة -رفع الحديث- قال: [ومن أظلم مِمَّن خَلَقَ كخلقي! فَلْيَخْلُقُوا مثلَ خَلقي ذَرّة، أو ذُبابة، أو حَبَّة] (٢).
وقوله: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾.
قال ابن كثير: (أي: هم عاجِزونَ عن خَلْقِ ذُبَابٍ واحدٍ، بل أبلغ من ذلك عاجزون عن مقاومته والانتصار منه، لو سَلَبَها شيئًا من الذي عليها من الطيب، ثم أرادت أن تستنقذه منه لما قدرت على ذلك. هذا والذباب من أضعف مخلوقات الله وأحقرها، ولهذا قال: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾).
وعن ابن عباس: (﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ﴾ قال: آلهتهم ﴿وَالْمَطْلُوبُ﴾: الذباب).
أي عجز الطالب وهو الصنم أو الآلهة الباطلة أن تستنقذ من الذباب شيئًا سلبه، كالطيب وما أشبهه، فالذباب هو المطلوب، والصنم أو الوثن هو الطالب.
وقوله: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. قال ابن زيد: (حين يعبدون مع الله ما لا ينتصف من الذباب ولا يمتنع منه).
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾. أي: هو القوي سبحانه الذي كل شيء دونه ضعيف فقير محتاج إلى عونه وقوته، وهو العزيز الذي قد عزَّ كلَّ شيء فقَهَرَهُ وغلبه، ولا يليق الكبر إلا به سبحانه.
أخرج الإمام أحمد بسند رجاله ثقات عن أبي هريرة مرفوعًا: [قال الله :
стр. 2975
الكبرياء ردائي، والعزة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما ألقيه في النار] (١).
ورواه أبو داود بلفظ: [قال الله : الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحِدًا مِنهما، قَذَفْتُهُ في النار] (٢).
٧٥ - ٧٨. قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٧٦) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)﴾.
في هذه الآيات: اجتباءُ الله الرسل، وعلمه بأعمالهم وما هم قادمون عليه وبعد فنائهم، ومرد الأمور والعباد كله إلى الله. وأمْر الله تعالى عباده المؤمنين بإقامة ركوعهم وإتمام سجودهم والتذلل الكامل لربهم وفعل الخيرات لعلهم يفلحون. وأمره لهم بالجهاد في سبيل الله بأموالهم وألسنتهم وأنفسهم وبذل وسعهم في ذلك، فهو اختارهم لدينه واصطفاهم لحرب أعدائه والجهاد في سبيله، وما أراد بهم الحرج والتضييق، بل ملة أبيهم إبراهيم الذي سماهم المسلمين، ليكونوا بذلك شهداء مع نبتهم على بلاع الرسل ضد أممهم المكذبة بذلك يوم القيامة، فليقابلوا شكر هذه النعمة العظيمة بالقيام بحقها من الصلاة والزكاة وإقامة الدين وتمكين الصلة بالله نعم المولى ونعم النصير.
فقوله: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾.
إخبار منه تعالى أنه يختار من الملائكة رسلًا -كجبريل وميكائيل- يرسلهم إلى
стр. 2976
أنبيائه ومن شاء من عباده، ويختار من الناس من شاء أنبياء يرسلهم إلى الناس لإبلاع رسالاته.
وقد حفلت السنة العطرة بذكر آفاق ذلك في أحاديث، منها:
الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد في المسند، عن أبي زُرعة عن أبي هريرة قال: أجلس جبريل إلى النبي ﷺ فنظر إلى السماء، فإذا ملك ينزل، فقال له جبريل: هذا الملك ما نزل منذُ خُلقَ قبل الساعة، فلما نزل قال: يا محمد أرسلني إليك ربك: أملكًا أجعلك أم عبدًا رسولًا؟ قال له جبريل: تواضع لربك يا محمد! فقال رسول الله ﷺ : لا، بل عبدًا رسولًا] (١).
الحديث الثاني: أخرج أحمد وأبو يعلى والبزار بسند صحيح عن علي قال: [قال لي النبي ﷺ ولأبي بكر يوم بدر: مع أحدكما جبريل ومع الآخر ميكائيل، وإسرافيل ملك عظيم يشهد القتال، أو يكون في الصف] (٢).
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾. أي: سميع لأقوال عباده، بصير بأعمالهم وشؤونهم.
وقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾.
أي: يعلم أفعال ملائكته ورسله من قبل أن يخلقهم ومن قبل أن يرسلهم، ويعلم ما يكون مما لم يأت مما هم قادمون عليه وبعد فنائهم، ومَرَدّ الأمور والعباد كله إلى الله سبحانه.
وفي التنزيل:
﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٨].
стр. 2977
قال النسفي: (والذي هو بهذه الصفات لا يسأل عما يفعل، وليس لأحد أن يعترض عليه في حكمه وتدابيره واختيار رسله).
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
أمر منه سبحانه لعباده المؤمنين بإقامة ركوعهم وإتمام سجودهم -لله تعالى- في صلاتهم، والتذلل لربهم والخضوع له بالطاعة في أعمالهم كلها، وفعل الخيرات التي يرجى من ورائها النجاح والفلاح.
وقوله: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾. أي: بأموالكم وألسنتكم وأنفسكم، ابذلوا ما بوسعكم.
قال ابن عباس: (لا تخافوا في الله لومة لائم).
وبنحوه قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾. أي عظموا أمره وخافوه سبحانه حق الخوف.
وقوله: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾. قال ابن زيد: (هو هداكم).
قال ابن جرير: (يقول: هو اختاركم لدينه، واصطفاكم لحرب أعدائه، والجهاد في سبيله).
وقال ابن كثير: (﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾. أي: يا هذه الأمة، الله اصطفاكم واختاركم على سائر الأمم، وفضّلكم وشرَّفكم وخَصَّكم بأكرم رسول، وأكملِ شرع).
وفي التنزيل:
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : [ما مِنَ الأنبياء نبيٌّ إلا أُعطي من الآيات ما مِثْلُهُ آمَنَ عليه البَشَرُ، وإنما كان الذي أوتيتُهُ وَحْيًا أوحاه الله إليَّ، فأرجو أن أكونَ أكثرهم تابعًا يومَ القيامة] (١).
стр. 2978
وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾.
قال ابن عباس: (الحرج: الضيق، فجعل الله الكفارات مَخْرجًا من ذلك).
وقال أبو العالية: (إن الله لم يضيق عليكم، لم يجعل عليكم في الدين من حرج).
وقال الضحاك: (جعل الدين واسعًا، ولم يجعله ضيقًا).
قلت: ويشمل هذا على ما رخّصَ الله لعباده في حالات الحرج من مرض أو ضيق أو عجز أو بعض ما يكون من ذلك في الحضر والسفر.
وأمثلة ذلك كثيرة: في الاستنجاء والوضوء أو التيمّم والصلاة وما يكون في السفر من قصر وجمع، وكذلك جمع في الحضر حالة الضيق أو الحرج، وفي الصيام والحج وبعض أنواع البيوع والمعاملات والتي تدل بمجموعها على مرونة هذا الدين واستيعابه لكل أحوال العباد.
ومن أحاديث السنة العطرة في ذلك:
الحديث الأول: روى النسائي عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: [إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار فَلْيَسْتَطِبْ بها فإنها تجزئ عنه] (١).
الحديث الثاني: أخرج الترمذي والنسائي بسند حسن عن صفوان قال: [كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا سفرًا ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، لكن من غائط وبول ونوم] (٢).
الحديث الثالث: أخرج مسلم وأبو داود والنسائي عن ابن عباس قال: [جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر] (٣).
قيل لابن عباس: ما أراد إلى ذلك؟ قال: (أراد أن لا يحرج أمته).
الحديث الرابع: أخرج النسائي والطبراني بسند حسن عن ابن عمر قال: قال
стр. 2979
رسول الله ﷺ : [إذا حضر أحدكم الأمر يخشى فوته فليصل هذه الصلاة. (يعني الجمع بين الصلاتين)] (١).
الحديث الخامس: أخرج أبو داود بسند صحيح عن أسامةَ بن شريك قال: [خرجت مع النبي ﷺ حاجًا، فكان الناس يأتونه، فَمَنْ قال: يا رسول الله سعيت قبل أن أطوفَ أو قدّمت شيئًا أو أخّرت شيئًا فكان يقول: لا حرَجَ لا حرجَ] الحديث (٢).
الحديث السادس: أخرج أبو داود بسند صحيح عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: [لقد رأيت رسول الله ﷺ بالعَرْج يصب على رأسه الماء وهو صائم من العطش أو من الحر] (٣).
الحديث السابع: أخرج الإمام مسلم عن عائشة قالت: [دَخَلَتْ هندُ بنتُ عُتبة امرأة أبي سفيان على رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النَّفَقَةِ ما يكفيني ويكفي بَنيَّ إلا ما أخذتُ من ماله بغير علمه، فهل عليَّ في ذلك مِنْ جُناح؟ فقال رسول الله ﷺ : خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك] (٤).
إلى غير ذلك من المرونة العالية في منهاج الفقه الإسلامي المستنبط من سيرته العطرة - صلوات الله وسلامه عليه.
وقوله: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾. قال الزجاج: (المعنى اتبعوا ملة أبيكم). وقال الفرّاء: (انتصب على تقدير حذف الكاف، كأنه قال كمِلّة). وبنحوه أفاد ابن جرير حيث قال: (نصب ﴿مِلَّةَ﴾ بمعنى: وما جعل عليكم في الدين من حرج، بل وسّعه، كملّة أبيكم، فلما لم يجعل فيها الكاف اتصلت بالفعل الذي قبلها فنصبت، وقد يحتمل نصبها أن تكون على وجه الأمر بها، لأن الكلام قبله أمر، فكأنه قيل: اركعوا واسجدوا، والزموا ملة أبيكم إبراهيم).
стр. 2980
وقال النسفي: (أي اتبعوا ملة أبيكم، أو نصب على الاختصاص، أي: أعني بالدين ملة أبيكم).
وقوله: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ - فيه تأويلان محتملان:
١ - قال ابن عباس: (يقول: الله سماكم المسلمين من قبل). وقال مجاهد: (الله سماكم).
٢ - قال ابن زيد: (﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾، يعني إبراهيم، وذلك لقوله: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]).
واختار الأول ابن جرير ﵀، وإن كان التأويل الثاني سالكًا بإعادة الضمير إلى إبراهيم.
ويمكن أن يقال: الله تعالى سمانا المسلمين -كما جاء في النص الآتي من حديث الحارث الأشعري- وكذلك صدر ذلك في كلام ودعاء إبراهيم، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
وقوله: ﴿وَفِي هَذَا﴾ - يعني القرآن.
قال مجاهد: (الله سماكم المسلمين من قبل في الكتب المتقدمة، وفي الذكر).
وفي مسند أحمد وسنن الترمذي والنسائي بسند صحبح من حديث الحارث الأشعري مرفوعًا: [ومن دعا بدعوةِ الجاهلية فهو مِنْ جُثاء جهنم، وإن صامَ وصلى وزعمَ أنه مسلم، فادعوا بدعوة اللهِ التي سماكم بها المسلمين المؤمنين عبادَ الله] (١).
وفي رواية: [ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو من جُثاء جهنم. قالوا: يا رسول الله وإن صلى وصام؟ فقال: وإن صلى وصام، وزعم أنه مسلم، فادعوا المسلمين بأسمائهم التي سمّاهم الله : المسلمين المؤمنين، عباد الله].
وقوله: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾.
قال مجاهد: (﴿مِنْ قَبْلُ﴾ قال: في الكتب كلها والذكر ﴿وَوَفِي هَذَا﴾ يعني القرآن، وقوله: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ يقول تعالى ذكره اجتباكم الله وسماكم أيها المؤمنون بالله وآياته، من أمة محمد ﷺ مسلمين، ليكون محمد