← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

أنبيائه ومن شاء من عباده، ويختار من الناس من شاء أنبياء يرسلهم إلى الناس لإبلاع رسالاته. وقد حفلت السنة العطرة بذكر آفاق ذلك في أحاديث، منها: الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد في المسند، عن أبي زُرعة عن أبي هريرة قال: أجلس جبريل إلى النبي ﷺ فنظر إلى السماء، فإذا ملك ينزل، فقال له جبريل: هذا الملك ما نزل منذُ خُلقَ قبل الساعة، فلما نزل قال: يا محمد أرسلني إليك ربك: أملكًا أجعلك أم عبدًا رسولًا؟ قال له جبريل: تواضع لربك يا محمد! فقال رسول الله ﷺ : لا، بل عبدًا رسولًا] (١). الحديث الثاني: أخرج أحمد وأبو يعلى والبزار بسند صحيح عن علي قال: [قال لي النبي ﷺ ولأبي بكر يوم بدر: مع أحدكما جبريل ومع الآخر ميكائيل، وإسرافيل ملك عظيم يشهد القتال، أو يكون في الصف] (٢). وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾. أي: سميع لأقوال عباده، بصير بأعمالهم وشؤونهم. وقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾. أي: يعلم أفعال ملائكته ورسله من قبل أن يخلقهم ومن قبل أن يرسلهم، ويعلم ما يكون مما لم يأت مما هم قادمون عليه وبعد فنائهم، ومَرَدّ الأمور والعباد كله إلى الله سبحانه. وفي التنزيل: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٨].

стр. 2977

قال النسفي: (والذي هو بهذه الصفات لا يسأل عما يفعل، وليس لأحد أن يعترض عليه في حكمه وتدابيره واختيار رسله). وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. أمر منه سبحانه لعباده المؤمنين بإقامة ركوعهم وإتمام سجودهم -لله تعالى- في صلاتهم، والتذلل لربهم والخضوع له بالطاعة في أعمالهم كلها، وفعل الخيرات التي يرجى من ورائها النجاح والفلاح. وقوله: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾. أي: بأموالكم وألسنتكم وأنفسكم، ابذلوا ما بوسعكم. قال ابن عباس: (لا تخافوا في الله لومة لائم). وبنحوه قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾. أي عظموا أمره وخافوه سبحانه حق الخوف. وقوله: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾. قال ابن زيد: (هو هداكم). قال ابن جرير: (يقول: هو اختاركم لدينه، واصطفاكم لحرب أعدائه، والجهاد في سبيله). وقال ابن كثير: (﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾. أي: يا هذه الأمة، الله اصطفاكم واختاركم على سائر الأمم، وفضّلكم وشرَّفكم وخَصَّكم بأكرم رسول، وأكملِ شرع). وفي التنزيل: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : [ما مِنَ الأنبياء نبيٌّ إلا أُعطي من الآيات ما مِثْلُهُ آمَنَ عليه البَشَرُ، وإنما كان الذي أوتيتُهُ وَحْيًا أوحاه الله إليَّ، فأرجو أن أكونَ أكثرهم تابعًا يومَ القيامة] (١).

стр. 2978

وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. قال ابن عباس: (الحرج: الضيق، فجعل الله الكفارات مَخْرجًا من ذلك). وقال أبو العالية: (إن الله لم يضيق عليكم، لم يجعل عليكم في الدين من حرج). وقال الضحاك: (جعل الدين واسعًا، ولم يجعله ضيقًا). قلت: ويشمل هذا على ما رخّصَ الله لعباده في حالات الحرج من مرض أو ضيق أو عجز أو بعض ما يكون من ذلك في الحضر والسفر. وأمثلة ذلك كثيرة: في الاستنجاء والوضوء أو التيمّم والصلاة وما يكون في السفر من قصر وجمع، وكذلك جمع في الحضر حالة الضيق أو الحرج، وفي الصيام والحج وبعض أنواع البيوع والمعاملات والتي تدل بمجموعها على مرونة هذا الدين واستيعابه لكل أحوال العباد. ومن أحاديث السنة العطرة في ذلك: الحديث الأول: روى النسائي عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: [إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار فَلْيَسْتَطِبْ بها فإنها تجزئ عنه] (١). الحديث الثاني: أخرج الترمذي والنسائي بسند حسن عن صفوان قال: [كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا سفرًا ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، لكن من غائط وبول ونوم] (٢). الحديث الثالث: أخرج مسلم وأبو داود والنسائي عن ابن عباس قال: [جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر] (٣). قيل لابن عباس: ما أراد إلى ذلك؟ قال: (أراد أن لا يحرج أمته). الحديث الرابع: أخرج النسائي والطبراني بسند حسن عن ابن عمر قال: قال

стр. 2979

رسول الله ﷺ : [إذا حضر أحدكم الأمر يخشى فوته فليصل هذه الصلاة. (يعني الجمع بين الصلاتين)] (١). الحديث الخامس: أخرج أبو داود بسند صحيح عن أسامةَ بن شريك قال: [خرجت مع النبي ﷺ حاجًا، فكان الناس يأتونه، فَمَنْ قال: يا رسول الله سعيت قبل أن أطوفَ أو قدّمت شيئًا أو أخّرت شيئًا فكان يقول: لا حرَجَ لا حرجَ] الحديث (٢). الحديث السادس: أخرج أبو داود بسند صحيح عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: [لقد رأيت رسول الله ﷺ بالعَرْج يصب على رأسه الماء وهو صائم من العطش أو من الحر] (٣). الحديث السابع: أخرج الإمام مسلم عن عائشة قالت: [دَخَلَتْ هندُ بنتُ عُتبة امرأة أبي سفيان على رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النَّفَقَةِ ما يكفيني ويكفي بَنيَّ إلا ما أخذتُ من ماله بغير علمه، فهل عليَّ في ذلك مِنْ جُناح؟ فقال رسول الله ﷺ : خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك] (٤). إلى غير ذلك من المرونة العالية في منهاج الفقه الإسلامي المستنبط من سيرته العطرة - صلوات الله وسلامه عليه. وقوله: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾. قال الزجاج: (المعنى اتبعوا ملة أبيكم). وقال الفرّاء: (انتصب على تقدير حذف الكاف، كأنه قال كمِلّة). وبنحوه أفاد ابن جرير حيث قال: (نصب ﴿مِلَّةَ﴾ بمعنى: وما جعل عليكم في الدين من حرج، بل وسّعه، كملّة أبيكم، فلما لم يجعل فيها الكاف اتصلت بالفعل الذي قبلها فنصبت، وقد يحتمل نصبها أن تكون على وجه الأمر بها، لأن الكلام قبله أمر، فكأنه قيل: اركعوا واسجدوا، والزموا ملة أبيكم إبراهيم).

стр. 2980

وقال النسفي: (أي اتبعوا ملة أبيكم، أو نصب على الاختصاص، أي: أعني بالدين ملة أبيكم). وقوله: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ - فيه تأويلان محتملان: ١ - قال ابن عباس: (يقول: الله سماكم المسلمين من قبل). وقال مجاهد: (الله سماكم). ٢ - قال ابن زيد: (﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾، يعني إبراهيم، وذلك لقوله: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]). واختار الأول ابن جرير ﵀، وإن كان التأويل الثاني سالكًا بإعادة الضمير إلى إبراهيم. ويمكن أن يقال: الله تعالى سمانا المسلمين -كما جاء في النص الآتي من حديث الحارث الأشعري- وكذلك صدر ذلك في كلام ودعاء إبراهيم، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم. وقوله: ﴿وَفِي هَذَا﴾ - يعني القرآن. قال مجاهد: (الله سماكم المسلمين من قبل في الكتب المتقدمة، وفي الذكر). وفي مسند أحمد وسنن الترمذي والنسائي بسند صحبح من حديث الحارث الأشعري مرفوعًا: [ومن دعا بدعوةِ الجاهلية فهو مِنْ جُثاء جهنم، وإن صامَ وصلى وزعمَ أنه مسلم، فادعوا بدعوة اللهِ التي سماكم بها المسلمين المؤمنين عبادَ الله] (١). وفي رواية: [ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو من جُثاء جهنم. قالوا: يا رسول الله وإن صلى وصام؟ فقال: وإن صلى وصام، وزعم أنه مسلم، فادعوا المسلمين بأسمائهم التي سمّاهم الله : المسلمين المؤمنين، عباد الله]. وقوله: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾. قال مجاهد: (﴿مِنْ قَبْلُ﴾ قال: في الكتب كلها والذكر ﴿وَوَفِي هَذَا﴾ يعني القرآن، وقوله: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ يقول تعالى ذكره اجتباكم الله وسماكم أيها المؤمنون بالله وآياته، من أمة محمد ﷺ مسلمين، ليكون محمد

стр. 2981

رسول الله شهيدًا عليكم يوم القيامة، بأنه قد بلغكم ما أرسل به إليكم، وتكونوا أنتم شهداء حينئذٍ على الرسل أجمعين، أنهم قد بلّغوا أممهم ما أرسلوا به إليهم). قلت: وهذا المعنى قد ورد في القرآن وصحيح السنة. ففي التنزيل: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. ومن كنوز السنة العطرة: الحديث الأول. أخرج البخاري عن ابن عمر ﵄ في خطبته ﷺ في حجة الوداع أيام التشريق- قال: [ألا إن الله حرّم عليكم دماءكم وأموالكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم. قال: اللهم اشهد ثلاثًا] (١). وله شاهد في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله: [أن رسول الله ﷺ قال في خطبته يوم عرفة: ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم. وفي لفظ: (وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلّغت وأدّيت ونصحت)]. الحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه، وأحمد في مسنده عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: [يجيء نوحٌ وأمَّتُه، فيقول الله: هل بلَّغت؟ فيقول: نعم، أي ربِّ! فيقول لأمته: هَلْ بلَّغكم؟ فيقولون: لا، ما جاء لنا من نبيّ؟ فيقول لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمدٌ وأمته، وهو قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ والوسط: العدل، فَيُدْعَون، فيشهدون له بالبلاغ، ثم أشهد عليكم] (٢). الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد في المسند والنسائي وابن ماجة في السنن، بسند صحيح عن أبي سعيد ﵁، عن النبي ﷺ قال: [يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجل، والنبيُّ ومعه الرجلان، والنبيّ ومعه الثلاثة، وأكثر من ذلك، فَيُقال

стр. 2982

له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم، فَيُدْعى دومه، فيقال لهم: هل بلَّغَكم هذا؟ فيقولون: لا، فيقال له: من يشهدُ لك؟ فيقول: محمدٌ وأمته، فيدعى محمدٌ وأمتُه، فَيقالُ لهم: هل بلَّغَ هذا قومه؟ فيقولون: نعم، فيقال: وما عِلْمُكُم بذلك؟ فيقولون: جاءنا نبيُّنا، فأخبرنا أن الرسل قد بَلَّغوا فصدَّقناه، فذلك قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾] (١). وقوله: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾. أي: فأقيموا الإسلام في حياتكم، وأخصُّ ذلك صلاتكم وزكاتكم. قال ابن كثير: (أي: قابلوا هذه النعمةَ العظيمة بالقيام بِشُكْرِها، وأدّوا حَقَّ الله عليكم في أداء ما افترض، وطاعةِ ما أوجَبَ، وتَرْكِ ما حَرَّم. ومن أهمِّ ذلك إقامُ الصلاة وإيتاء الزكاة، وهو الإحسان إلى خلقِ الله بما أوجبَ للفقير على الغني، من إخراجِ جُزْءٍ نَزْرٍ من ماله في السَّنة للضعفاء والمحاويج). وقوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ﴾. قال ابن جرير: (يقول: وثقوا بالله، وتوكلوا عليه في أموركم). وقوله: ﴿هُوَ مَوْلَاكُمْ﴾. أي: حافظكم ومؤيدكم ومعينكم وناصركم على أعدائكم. وقوله: ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾. أي: فنعم الولي ونعم الناصر المعين. وفي المعجم "الأوسط" للطبراني بسند حسن، من حديث أنس، أن رسول الله ﷺ كان يقول: [يا وليَّ الإسلام وأهله، مسِّكني بالإسلام حتى ألقاك] (٢). تم تفسير سورة الحج بعون الله وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه

стр. 2983

دروس ونتائج وأحكام ١ - يوم زلزلة الساعة يوم عظيم، يأمر الله فيه آدم أن يخرج بعث النار: من كل ألف تسع مئة وتسعة وتسعون -واحد إلى الجنة من المؤمنين، والبقية إلى النار من يأجوج ومأجوج-. ٢ - المؤمنون في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور الأبيض، أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود. ٣ - مراتب الضلال: أ- الضياع والانحراف. ب- الترك والإهمال والتناسي والخذلان. ج- الهداية إلى النار يوم القيامة. ٤ - الملك الموكل بالرحم يؤمر بكتابة أربع كلمات: العمل والرزق والأجل والمستقر. ٥ - أعمار هذه الأمة بين الستين والسبعين، وأقلهم من يتجاوز ذلك. ٦ - تفكروا في آلاء الله، ولا تفكروا في الله . ٧ - التعالم وحب الرياسة والظهور، يفسد المجتمع ويقطع الظهور. ٨ - أهل النار: كل عُتل جَوَّاظ مستكبر، والكبر بَطرُ الحق وغَمْطُ الناس. ٩ - المنافق يعبد الله على حرف، والمؤمن يعبد الله في كل حال. ١٠ - علم الله فيما لم يزل عدد أهل الجنة وعدد أهل النار، فلا زيادة ولا نقصان. ١١ - يُقال للمستكبرين الذين يصدون عن سبيل الله ويكيدون لمنع حصول الشوكة والقوة لأهله: موتوا بغيظكم، إن الله ناصر دينه وأوليائه. ١٢ - كل ما خلق الله من شيء فهو يتفيؤ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدًا لله وهم داخرون. ولله يسجد ما في السماوات والأرض، وكل قد علم صلاته وتسبيحه.

стр. 2984

١٣ - من يُهن الله بالشقاوة فما له من مكرم بالسعادة. ١٤ - نار الدنيا جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم، كلهن مِثلُ حَرِّها. ١٥ - المؤمنون في الجنة جَمَّل الله بواطنهم بالشراب الطهور، وسواعدهم بالأساور، وأبدانهم بثياب الحرير. ١٦ - مراتب الهداية: أ- هداية الخلق العامة. ب- هداية الدلالة والإرشاد. ج- هداية التوفيق والإلهام. هـ- هداية المؤمنين يوم القيامة إلى الجنة. ١٧ - دور مكة توهب وتورث وتباع وتملك بخلاف الأرض. ١٨ - الهمّ في الحرم بأمر أثيم، يوجب له من الله العذاب الأليم. ١٩ - المسجد الحرام أول مسجد وضع في الأرض ثم المسجد الأقصى. ٢٠ - الطواف بالبيت صلاة، ولكن الله أحل فيه النطق، فمن نطق فلا ينطق إلا بخير، فأقلوا فيه الكلام. ٢١ - ما من أيام العمل الصالح أحب فيهن إلى الله من أيام العشر. ٢٢ - التفث: المناسك كلها. ومن نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه، ويكفره ما يكفِّر اليمين. ٢٣ - الحجاج والعمار وفدُ الله، دعاهم فأجابوه، سألوه فأعطاهم. ٢٤ - الحرمة ما وجب القيام به وحرم التفريط فيه، وأول التعظيم تعظيم الأمر والنهي، وهو أن لا يُعارضا بترخصٍ جاف، ولا يُعَرّضا لتشدّد غال. ٢٥ - أكبر الكبائر: الإشراك بالله وعقوق الوالدين وشهادة الزور. ٢٦ - منافع البدن: الركوب عند الحاجة، والشرب من ألبانها عند الضرورة. ٢٧ - السنة ذبحُ الرجل بيده، وأن يستقبل القبلة بذبيحته، وأن يحدّ شفرته، ويريح ذبيحته. ٢٨ - إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم. ٢٩ - إن الله يدافع عن المؤمنين، ويمكر بالكافرين، ويفضح المنافقين.

стр. 2985

٣٠ - القتال شوكة للمؤمنين، والنصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، وإن مع العسر يسرًا، إن مع العسر يسرًا. ٣١ - الصوامع للوهبان، والبيع والصلوات لأهل الكتاب، والمساجد للمسلمين. ٣٢ - التمكين في الأرض لإقامة الدين، ومحاصرة الشرك والفسق والمجرمين. ٣٣ - إن الله تعالى ليملي للظالم ويستدرجه، فإذا أخذه لم يفلته. ٣٤ - ليس العمى عمى البصر، إنما العمى عمى البصيرة. ٣٥ - القلب مركز العقل والفقه، والدماغ مركز المحاكمات والتفكير. ٣٦ - يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم: خمس مئة عام. ٣٧ - قصة الغرانيق من أماني الشيطان، والله يبطل الباطل ويحق نصرة الحق والرسل وأهل الإيمان. ٣٨ - يقتص الخلق بعضهم من بعض يوم القيامة، حتى الجماء من القرناء. ٣٩ - أجر مفارقة العشائر والأوطان، والأهلين والخلّان، لإعلاء كلمة الرحمان، هو دخول الجنان. ٤٠ - من راح إلى المسجد فهو ضامن على الله، ومن دخل بيته بسلام فهو ضامن على الله، والمجاهد في سبيل الله ضامن على الله: الغنيمة أو الجنة. ٤١ - لكل أمة شريعة ومنسك، وشريعة محمد ناسخة للشرائع قبلها. ٤٢ - أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب القدر وما هو كائن إلى الأبد. ٤٣ - المشركون يحاولون البطش بأهل الحق، والله ناصر أوليائه ولو كره الكافرون. ٤٤ - الحرج: الضيق، والله تعالى لم يجعل علينا في الدين من حرج. ٤٥ - مَنْ دعا بدعوة الجاهلية فهو من جُثاء جهنم، وإن صامَ وصلى وزعم أنه مسلم، فادعوا بدعوةِ الله التي سماكم بها المسلمين المؤمنين عباد الله.

стр. 2986

٢٣ - سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ وهي سورة مكية، وعدد آياتها (١١٨). موضوع السورة وصف المؤمنين والثناء عليهم والانتصار لهم في الدارين - منهاج السورة - ١ - الثناء على المؤمنين في خشوعهم في صلاتهم وإعراضهم عن اللغو في كلامهم وعلاقاتهم، وأدائهم لزكاة أموالهم، وحفظهم لفروجهم وأماناتهم وعهودهم، وضمان جنات الفردوس لمستقرهم. ٢ - خلقُ الإنسان من نطفة فعلقة فمضغة، ثم تشكيل العظام واللحم، فالحياة فالموت فالبعث فالحساب فالمستقر. ٣ - خلقُ السماوات وإنزال المطر وإخراج الزرع والثمر وخلق الأنعام وذكر منافعها. ٤ - إرسال الله تعالى الرسل: خبر نوح وقومه واستهزائهم، وأمر الله تعالى له بصناعة السفينة وقصة النجاة للمؤمنين، والغرق للكافرين. ٥ - تتابع الرسل في الأمم، واستمرار التكذيب والعناد حتى نزول النِّقَم. ٦ - قصة موسى وهارون مع فرعون وقومه، وانتهاء التكذيب بإهلاكه وجنده.

стр. 2987

٧ - أمْرُ الله تعالى الرسل وعباده المؤمنين بأكل الحلال، وامتثال الصالح من الأعمال. ٨ - سنة الله في استدراج القوم الظالمين، ثم استئصالهم من حيث لا يشعرون. ٩ - ثناء الله على الخاشعين المحسنين، المسارعين في الخيرات لعلهم يفلحون. ١٠ - التكاليف الشرعية متحملة، وكتاب الأعمال دقيق ينطق بالصغائر والكبائر، والقوم في غفلة عن مصيرهم، وإنما يستجيرون عند نزول الهلاك بهم. ١١ - ذم أهل الهوى في منهاج عبادتهم، فهم في ضلالة وطغيان يعمهون. ١٢ - إنزالُ المصائب على المشركين لعلهم يذكرون، وتنبيههم إلى نعم الله عليهم لعلهم يشكرون، وصرفهم لرؤية عجائب قدرته تعالى لعلهم يعقلون. ١٣ - اقتضاء الإيمان بالربوبية الإيمان بتوحيد الألوهية، والمشركون هم الكاذبون. ١٤ - نفي الولد والشريك عن الله، وتعذد الآلهة يقتضي خراب العالم. ١٥ - الأمر بالدفع بالتي هي أحسن والاستعاذة بالله من همزات الشياطين أو أن يحضرون. ١٦ - طلب المحتضر من الكفار الرجعة إلى الدنيا ليعمل صالحًا، وعذاب القبر حق. ١٧ - انعدام الانتفاع بالأنساب والقربى عند النفخ في الصور، والأعمال على الميزان: فمن ثقلت موازينه كان من المفلحين، ومن خفت موازينه كان من الخاسرين. ١٨ - اعتراف أهل الشقاء يوم القيامة بشقوتهم، وتمنيهم الخروج من النار، فيخرسهم الجبار، وينتصر لأوليائه، ويخزي أعداءه. ١٩ - اعتراف المشركين يوم الحشر بمكثهم في الحياة الدنيا يومًا أو بعض يوم. ٢٠ - أهل الشرك يومئذ في الأشقياء، وأهل الإيمان هم أهل الدعاء والابتهال إلى الله والرجاء، وسيكونون من المرحومين وفي منازل السعداء.

стр. 2988

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ١١. قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾. في هذه الآيات: ثناءُ الله تعالى على المؤمنين، الخاشعين في صلاتهم والمعرضين عن لغو القول وللزكاة هم فاعلون، ولفروجهم هم حافظون، ولأماناتهم وعهدهم هم راعون، وعلى صلواتهم يحافظون، لقد حُقّ لهم ميراث جنات الفردوس هم فيها خالدون. فقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾. قال ابن جرير: (قد أدرك الذين صدقوا الله ورسوله محمدًا ﷺ ، وأقرّوا بما جاءهم به من عند الله، وعملوا بما دعاهم إليه مما سمى في هذه الآيات الخلود في جنّات ربهم، وفازوا بِطَلِبتهم لديه). قال البزار: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا المغيرة بن سلمة، حدثنا وهيب عن الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد مرفوعًا: [خلق الله ﵎ الجنة، لبنةٌ من ذهبٍ، ولبنةٌ من فضة، وملاطُها المسكُ، فقال لها: تكلّمي، فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ

стр. 2989

الْمُؤْمِنُونَ﴾، فقالت الملائكة: طوبى لك، منزل الملوك] (١). وخرّجه البيهقي موقوفًا بلفظ: [إنّ الله أحاط حائط الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة، ثم شقق فيها الأنهار، وغرس فيها الأشجار، فلما نظرت الملائكة إلى حسنها قالت: طوبى لك منازل الملوك، . وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾. أي: الذين هم في صلاتهم متذللون خائفون وجلون. قال ابن عباس: (يقول: خائفون ساكنون). وقال مجاهد: (السكون فيها). وقال الزهري: (سكون المرء في صلاته). وقال الحسن: (كان خشوعهم في قلوبهم، فغضوا بذلك البصر، وخفضوا به الجناح). وقال أيضًا: (﴿خَاشِعُونَ﴾: خائفون). وقال قتادة: (الخشوع في القلب). قال ابن كثير: (والخشوع في الصلاة إنما يحصُل لمن فَرَّغ قلبه لها، واشتغل بها عَفَا عداها، وآثرها على غيرها، وحينئذ تكون راحة له وقرَّة عين). أخرج أحمد وأبو داود بسند جيد عن سالم بنِ أبي الجعد، أنَّ مُحَمد بنَ الحنفيَّة قال: دخلت مع أبي على صِهْرٍ لنا من الأنصار، فحَضَرت الصلاةُ، فقال: يا جاريةُ، ائتني بِوَضوءٍ لعلي أُصَلِّي فأسترِيحَ. فرانا أنْكرنا عليه ذلك، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [قُمْ يا بلالُ، فأرِحْنا بالصلاة] (٢). وفي رواية عن سالم بن أبي الجعد أيضًا قال: قال رجل: [ليتني صليت فاسترحت، فكأنهم عابوا عليه ذلك، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يا بلالُ أقِم الصلاةَ، أرِحْنا بها]. وفي المسند وسنن النسائي بسند صحيحِ عن أنس، عن رسول الله ﷺ أنه قال: [حُبِّبَ إليَّ من دُنْياكم: النِّساءُ والطِّيب، وَجُعِلتْ قُرَّةُ عيني في الصلاة] (٣). وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾. يشمل الشرك، واللغو من القول،

стр. 2990

والباطل، والمعاصي. قال ابن عباس: (يقول: الباطل). وقال الحسن: (﴿عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ قال: عن المعاصي). وقال قتادة: (أتاهم -والله- من أمر الله ما وقذهم عن ذلك). يعني عن كل ما لا فائدة فيه من الأقوال والأفعال. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾. يشمل زكاة النفس من الشرك والدنس، وزكاة الأموال والصدقات الواجبة، فقد فرضت الزكاة بمكة مجملة عامة ثم حُدِّدَت أنصبتها في المدينة، فالآية وإن كانت مكية فهي تدل على ما وجب عليهم بادئ الأمر من مطلق الزكاة. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾. قال ابن عباس: (يقول: رضي الله لهم إتيانهم أزواجهم وما ملكت أيمانهم). والمقصود: أنَّ حفظ الفروج عن مواقعة الزنا واللواط وما حرّم الله تعالى هو من صفات المؤمنين، وبورك لهم في مواقعة الحلال من الزوجات وما ملكت الأيمان. أخرج أحمد بسند حسن عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، عن النبي ﷺ قال: [احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك، قيل: إذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: إن استطعت أن لا يرينّها أحد فلا يرينّها. قيل: إذا كان أحدنا خاليًا؟ قال: الله أحقُّ أن يُستحيا منه من الناس] (١). قال ابن عروة الحنبلي في "الكواكب" (٥٧٥/ ٢٩/ ١): (ومباح لكل واحد من الزوجين النظر إلى جميع بدن صاحبه ولمسه حتى الفرج لهذا الحديث، ولأن الفرج يحل له الاستمتاع به فجاز النظر إليه ولمسه كبقية البدن). قلت: وهذا الذي ذكره ابن عروة الحنبلي ﵀ داخل في آفاق مفهوم قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾. قال ابن عباس: (نهاهم الله نهيًا شديدًا، فقال: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ فسمى الزاني من العادين). وقال ابن زيد: (﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾: الذين

стр. 2991

يتعدون الحلال إلى الحرام). وقال عطاء، عن أبي عبد الرحمن: (من زنى فهو عاد). قال ابن جرير: (وقوله: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾ يقول: فمن التمس لفرجه مَنْكَحًا سوى زوجته وملك يمينه، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ يقول: فهم العادون حدود الله، المجاوزون ما أحلَّ الله لهم، إلى ما حرَّمَ عليهم). وقد استدل الإمام الشافعي ﵀ على تحريم الاستمناء باليد بهذه الآية الكريمة وقال: (فهذا الصنيع خارجٌ عن هذين القسمين -يعني الأزواج وما ملكت الأيمان-). وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾. أي: ومن صفات هؤلاء المؤمنين الوفاء بالعهود وحفظ الأمانات، وأداؤها إلى أصحابها. قال القرطبي: (والأمانة والعهد يجمع كلَّ ما يحمله الإنسان من أمر دينه ودنياه قولًا وفعلًا، وهذا يعم معاشرة الناس والمواعيد وغيو ذلك، وغاية ذلك حفظه والقيام به. والأمانة أعمّ من العهد، وكل عهد فهو أمانة فيما تقدم فيه قول أو فعل أو معتقد). قلت: وقد جاءت نصوص الوحيين بالوفاء بالعهود وتحريم الخيانة والغدر. ففي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨]. وفي صحيح السنة المطهرة في ذلك أحاديث: الحديث الأول: أخرج أبو داود بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [المسلمون على شروطهم] (١). ورواه الطبراني من حديث رافع بن خديج بلفظ: [المسلمون عند شروطهم فيما أحِلّ].

стр. 2992

وله شاهد عند الحاكم من حديث أنس بلفظ: [المسلمون عند شروطهم، ما وافق الحق من ذلك]. الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أنس قال: قال النبي ﷺ : [لكل غادر لواء يوم القيامة، يقال: هذه غَدْرةُ فلان] (١). وفي لفظ لمسلم من حديث أبي سعيد: [لكل غادر لواء عند اسْتِه يوم القيامة يُرْفَعُ له بقدرِ غَدْرِه، ألا ولا غادِرَ أعظمُ غدرًا من أمير عامة] (٢). الحديث الثالث: أخرج الترمذي بسند صحيح من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [المسلم أخو المسلم، لا يخونُه، ولا يكذِبُهُ، ولا يخذُلُه، كل المسلم على المسلم حرام، عِرضُهُ، ومالهُ ودمهُ] (٣). الحديث الرايع: خَرّج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: [آيةُ المنافقِ ثلاثٌ: إذا حَدَّث كَذبَ، وإذا وَعَدَ أخْلَفَ، وإذا اؤْتُمِنَ خانَ] (٤). وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾. أي: يحافظون على أدائها في أوقاتها، تامة بأركانها وواجباتها وشروطها. وفي الصحيحين عن ابن مسعود ﵁: [قلت: يا رسول الله، أيُّ العمل أفضل؟ قال: الصلاة على وقتها. قلت: ثم أيُّ؟ قال: برُّ الوالدين. قلت: ثم أيُّ؟ قال: الجهاد في سبيل الله] (٥). وفي جامع الترمذي بإسناد صحيح عن القاسم بن غنام، عن عمته أم فروة، وكانت ممن بايعت النبي ﷺ قالت: سئل النبي ﷺ : أي الأعمال أفضل؟ قال: [الصلاة لأول وقتها] (٦).

стр. 2993

وفي الباب عن عائشة قالت: [ما صلى رسول الله ﷺ صلاة لوقتها الآخر مرتين حتى قبضه الله] (١). قال الشافعي: (والوقت الأول من الصلاة أفضل. ومما يدل على فضل أول الوقت على آخره: اختيار النبي ﷺ وأبي بكر، وعمر، فلم يكونوا يختارون إلا ما هو أفضل، ولم يكونوا يدَعون الفضلَ، وكانوا يصلون في أول الوقت). وفي المسند وسنن ابن ماجة عن ثوبان مرفوعًا: [استقيموا ولن تُحصوا، واعلموا أن خير أعمَالكم الصلاة، ولا يُحافظ على الوضوء إلا مؤمن] (٢). وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. هو غاية البشرى في نهاية المطاف، فإن تعظيم حرمات الله وشعائره يورث أجمل الجنان - جنة الفردوس تحت عرش الرحمان. وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ٦٣]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢]. أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [ما مِنكم مِنْ أحَدٍ إلا له مَنْزِلان، مَنْزِلٌ في الجنة، ومَنْزِلٌ في النار. فإذا مات، فدخلَ النار، ورِثَ أهلُ الجنة مَنْزِلَه. فذلك قولهُ تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾] (٣). وله شاهد في صحيح مسلم عن أبي بُردة بن أبي موسى، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: [يجيءُ يومَ القيامة ناسٌ من المسلمين بذنوبٍ أمثالِ الجبال، فيغفرها الله لهم، ويَضَعُها على اليهود والنصارى] (٤). وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [فإذا سألتم الله فاسألوه

стр. 2994

الفردوس فإنه أوسطُ الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تَفَجَّرُ أنهارُ الجنة] (١). قال مجاهد: (الفردوس: بستان بالرومية). وقال ابن جرير: (﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ﴾ البستان ذا الكَرْم، وهو ﴿الْفِرْدَوْسَ﴾ عند العرب)، والله تعالى أعلم. قلت: وجنان الله تعالى في الدار الآخرة ثمان، أعلاها جنة الفردوس وأجملها. ققد أخرج البخاري عن أنس: [أن حارثة بن سراقة قتل يوم بدر، وكان في النظّارة، أصابه سهم طائش فقتله، فجاءت أمه فقالت: يا رسول الله، أخبرني عن حارثة؟ فإن كان في الجنة صبرت، وإلا فليَرَيَنَّ الله ما أصنع. فقال: ويحك أهبلت؟ ! أو جنة واحدة هي؟ إنها جنان كثيرة، وإنه في جنة الفردوس] (٢). وفي رواية: [إنها جنان ثمان، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى]. ١٢ - ١٦. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾. في هذه الآيات: تقريرُ الله تعالى خلق الإنسان الأول من قبضة جمعها من تراب الأرض، ثم تتابع النسل من نطفة فعلقة فمضغة، ثم كان تشكيل العظام وكسوته باللحم، فتبارك الله أحسن الخالقين. ثم يكون الموت بعد اكتمال السعي في هذه الحياة الدنيا، ثم القيام للحساب بين يدي رب العالمين. فقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾. قال قتادة: (استُلّ آدم من الطين). وقال أيضًا: (استلّ آدم من طين، وخُلقت ذرّيته من ماء مهين).

стр. 2995

والمقصود: أنّ خلق آدم كان من سلالة -وهي المستلة- من كل تربة من ترب الأرض المختلفة، قبضها الله تعالى وأوجد منها آدم ﵇. أخرج أبو داود والترمذي بسند صحيح عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الله خَلق آدم من قَبْضَةٍ قبضَها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض: جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك، والسَّهلُ والحَزْنُ والخبيثُ والطيب] (١). وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾. أي: ثم جعلنا النسل المتتابع بعد الخلق الأول نطفة تتوضع في الرحم في مكان مُعَدّ لذلك، قد هُيِّئَ ليستقر فيه الجنين إلى بلوغ أمره. فالضمير في قوله ﴿جَعَلْنَاهُ﴾ عائد على جنس الإنسان. وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٧ - ٨]. ٢ - وقال تعالى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٠ - ٢٣]. والعرب تسمي ولد الرجل ونطفته: سليله وسلالته، لأنهما مسلولان منه. قال مجاهد: (﴿مِنْ سُلَالَةٍ﴾ من مَنِيّ آدم). والماء المهين: هو الماء الضعيف، والمراد المنيّ. وقوله: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾. إخبار عن انتقال من حال إلى حال، حتى يتشكل الإنسان في أحسن تقويم، فالنطفة -وهي الماء الدافق الذي يخرج من صُلب الرجل، وهو ظهره، وترائب المرأة، وهي عظام صدرها ما بين الترقُوة إلى السرة- تصير علقة حمراء. قال عكرمة: (وهي دم). أي: قطعة من دم، ثم تصير مضغة، أي: قطعة من لحم، لا شكل فيها

стр. 2996

ولا تخطيط، ثم تصير بإذن الله عظامًا، ثم يلبس الله تعالى العظام لحمًا. وأول عظم يتشكل من الإنسان هو عجب الذنب، قال ابن عباس: (وهو عَظْمُ الصلب). وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [لَيْسَ من الإنسان شيءٌ إلا يَبْلى، إلا عظمًا واحدًا وهو عَجْبُ الذّنَب، ومنه يركّب الخلق يوم القيامة] (١). وفي لفظ لمسلم وأبي داود وابن ماجة: [كل ابن آدم يأكله التراب إلا عَجْبَ الذَّنَبِ، مِنْهُ خُلِقَ، ومنه يُرَكَّبُ] (٢). وقوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾. يشَمل نفخ الروح فيه، ثم إخراجه إلى الحياة لينتقل فيها من الطفولة إلى الشباب فالكهولة فالشيخوخة. قال ابن عباس: (نفخ الروح فيه). وقال الضحاك: (يعني الروح تنفخ فيه بعد الخلق). وقال ابن عباس أيضًا: (خرج من بطن أمه بعدما خلق، فكان من بدء خلقه الآخر أن استهلّ، ثم كان من خلقه أن دُل على ثدي أمه، ثم كان من خلقه أن علم كيف يبسط رجليه، إلى أن قعد، إلى أن حبا، إلى أن قام على رجليه، إلى أن مشى إلى أن فُطِمَ، فعلم كيف يشرب ويأكل من الطعام، إلى أن بلغ الحلم، إلى أن بلغ أن يتقلب في البلاد). وفي الصحيحين عن ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: [إنَّ أحدكم يُجمع خلقُهُ في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكًا، ويؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله، ورزقه، وأجله، وشقي أو سعيد، ثم ينفخُ فيه الروح، فإن الرجل منكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى لا يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار، فيدخل النار. وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا

стр. 2997

ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخل الجنة] (١). وله شاهد فيهما وفي المسند بسند صحيح عن أنس ﵁، عن النبي ﷺ قال: [إنّ الله تعالى وَكَّلَ بالرحم ملكًا يقول: أي رب نطفة، أي رب علقة، أي رب مضغة، فإذا أراد الله أن يقضي خلقها قال: أي رب شقي أم سعيد؟ ذكر أو أنثى؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيكتب كذلك في بطن أمه] (٢). وقوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾. أي: فتعالى أمره سبحانه في قدرته وعلمه، وهو خير المقدرين وخير الصانعين. قال مجاهد: (يصنعون ويصنع الله، والله خير الصانعين). وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾. أي: ثم إنكم بعد ما ذُكر من مراحل إنشائكم لمفارقون لهذه الحياة الدنيا، وذلك عند انقضاء آجالكم. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾. أي: من قبوركم للحساب والمجازاة. قال النسفي: (تحيون للجزاء). ثم يُوَفّى كل عامل عمله، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر. قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]. وفي مستدرك الحاكم بسند صحيح من حديث معاذ بن جبل مرفوعًا: [تعلمون المعادَ إلى الله، ثم إلى الجنة أو إلى النار، وإقامةٌ لا ظعن فيه، وخلودٌ لا موت في أجسادٍ لا تموت] (٣). ١٧ - ٢٢. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (١٧) وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (١٨)

стр. 2998

فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (١٩) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢)﴾. في هذه الآيات: عَطْفٌ على خلق الإنسان، بِذِكْرِ خَلْقِ السماوات السبع العظام، وإنزال المطر من السماء وإسكانه في جوف الأرض وإخراج الزرع والفواكه والنخيل والثمار. وفي خلق الأنعام عبرة ومنافع لكم أيها الناس ومنها تأكلون، وتركبون عليها وكذلك على الفلك تُحملون. فقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ﴾. قال ابن عباس: (الطرائق: السماوات). وقال مجاهد: (يعني: السماوات السبع). وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ [نوح: ١٥]. ٢ - وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]. وقوله: ﴿وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: وما كنا في خلقنا السماوات السبع فوقكم عن خلقنا الذي تحتها غافلين، بل كنا لهم حافظين من أن تسقط عليهم فتهلكهم). فالمعنى كلما في التنزيل: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤]. قال ابن كثير: (أي: وهو سبحانه لا يحجُب عنه سماءٌ سماءً، ولا أرضٌ أرضًا، ولا جبلٌ إلا يعلم ما في وَعْره، ولا بَحْرٌ إلا يعلم ما في قَعْرِه، يعلم عدَدَ ما في الجبال والتلال والرمَال، والبحار، والقِفار والأشجار، ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]). وقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾. قال ابن جريج: (ماء هو من السماء). والمقصود: ذِكْرُ حِكْمَتِه سبحانه بإنزال ماء المطر بحسب الحاجة، لينتفع به العباد

стр. 2999

وتحيا به البلاد، وقد سلكه ينابيع في الأرض لتحصل الفائدة منه عند طلبه. وقوله: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾. قال النسفي: (أي كما قدرنا على إنزاله نقدر على إذهابه، فقيِّدوا هذه النعمة بالشكر). وقولهُ تعالى: ﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: فأحدثنا لكم بالماء الذي أنزلناه من السماء، بساتين من نخيل وأعناب، ﴿لَكُمْ فِيهَا﴾ يقول: لكم في الجنات فواكه كثيرة ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ يقول: ومن الفواكه تأكلون). وخصّ سبحانه بالذكر النخيل والأعناب لأنها أشرف الثمار وأهمها عند العرب، وخاصة أهل الحجاز. فالنخيل لأهل المدينة، والأعناب لأهل الطائف، فذكرهم سبحانه بأجَلِّ ما يعرفون من نعم الله عليهم في طعامهم ليفردوه سبحانه بالشكر والتعظيم. قال القرطبي: ﴿لَكُمْ فِيهَا﴾ أي في الجنات. ﴿فَوَاكِهُ﴾ من غير الرطب والعنب. ويحتمل أن يعود على النخيل والأعناب خاصة إذ فيها مراتب وأنواع، والأول أعم لسائر الثمرات). وقوله: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾. المقصود بالشجرة هنا: شجرة الزيتون. والطور: الجبل. و ﴿سَيْنَاءَ﴾ و"سِيْناء" قراءتان مشهورتان. فأهل الكوفة قرؤوها بفتح السين، وأهل المدينة والبصرة بكسرها. وطور سيناء هو طور سينين، وهو الجبل الذي كَلَّمَ الله عليه موسى ﵇، وما حوله من جبال الزيتون. قال ابن عباس: (﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾: هو جبل بالشام مبارك. قال: الجبل الذي نودي منه موسى ﷺ ). وقال قتادة: (هو جبل حسن). قال الضحاك: (الطور: الجبل بالنبطية، وسيناء: حسنة بالنبطية). وقوله: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ أي تنبت ومعها الدهن. قال مجاهد: (بثمره). وعن ابن عباس: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ يقول: هو الزيت يؤكل ويُدَّهن به). وقيل: الباء زائدة

стр. 3000

والتقدير: تُنبت الدهن. وقيل: التقدير: تنبت جناها ومعه الدهن، فالمفعول محذوف. وقوله: ﴿وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾. قال ابن زيد: (هذا الزيتون صبغ للآكلين، يأتدمون به ويصطبغون به). قال القاسمي: (﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ أي ملتبسة بالدهن المستصبح به ﴿وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ أي وبإدام يغمس فيه الخبز فـ (الصبغ) كالصباغ ما يصطبغ به من الإدام. ويختص بكل إدام مائع، يقال: "صبغ اللقمة: دهنها وغمسها" وكل ما غمس فقد صبغ. كذا في "المصباح" و"التاج"). قلت: وفضل الزيت وارد في القرآن الكريم كذلك في سورة النور. قال تعالى: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾. وأما السنة العطرة فقد جاء في فضائل الزيت والادهان به أحاديث صحيحة، منها: الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد والترمذي بسند حسن عن أبي أسيد ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : [كلوا الزيت وادّهنوا به، فإنه يخرج من شجرة مباركة] (١). الحديث الثاني: أخرج ابن ماجة والترمذي بسند حسن في الشواهد عن عمر أن رسول الله ﷺ قال: [ائتدموا بالزيت وادّهنوا به، فإنه يخرجُ من شجرة مباركة] (٢). الحديث الثالث: أخرج الطبراني بسند حسن عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: [ائتدموا من هذه الشجرة، يعني الزيت، ومَنْ عُرِضَ عليه طيبٌ فَلْيُصِبْ منه] (٣). قال ابن القيم في "زاد المعاد": (الزيت حار رطب في الأولى، وغلط من قال: يابس، والزيت بحسب زيتونه، فالمعتصر من النضيج أعدلُه وأجوده، ومن الفج فيه برودة ويُبوسة، ومن الزيتون الأحمر متوسط بين الزيتين، ومن الأسود يُسخن ويرطب

стр. 3001

باعتدال، وينفع من السموم، ويطلق البطن، ويخرج الدود، والعتيق منه أشد تسخينًا وتحليلًا، وما استُخْرِجَ منه بالماء فهو أقل حرارة، وألطف وأبلغ في النفع، وجميع أصنافه ملينة للبشرة، وتبطئ الشيب. قال: وماء الزيتون المالح يمنع من تَنَفُّطِ حرق النار، ويشد اللّثَةَ، وورقُه ينفع من الحمرة والنّملة، والقروح الوسخة، والشَّرى، ويمنع العرق، ومنافعه أضعاف ما ذكرنا) (١). وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾. ذكرُ بعض نعم الله تعالى في تسخير الأنعام للناس، فطريقة خلقها تشدّ إلى التأمل في عظيم قدرته سبحانه، واللبن الخارج من بين الفرث والدم آية كبرى، وبعض الأنعام كالإبل يُحمل عليها ويُركب ظهرها ويشرب درّها، آية أخرى. ثم يضاف إلى كل ذلك تذليل لحومها للأكل، وما يكون من غذائها من عظيم الفائدة للأبدان، آيات لقوم يتفكرون. قال ابن جرير: (وقوله: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ يقول: وعلى الأنعام وعلى السفن تحملون، على هذه في البرّ، وعلى هذه في البحر). ٢٣ - ٢٥. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٢٣) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٢٤) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥)﴾. في هذه الآيات: إرسالُ الله تعالى نبيَّه نوحًا ﷺ يدعو قومه لإفراد الله سبحانه بالعبادة والتعظيم، ومقابلةُ الملأ الكافر له بالاستهزاء وأنه بشر ليس بملك كريم، وأنهم ما سمعوا بمثل ذلك في آبائهم الأولين، ثم اتهامهم له بالجنون وتواصيهم بانتظار اقتراب استراحتهم منه وريب المنون.

стр. 3002

فقوله: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾. إخبار من الله تعالى عن إرساله لنبيه نوح ﵊ لينذر قومه عذاب الله وانتقامه ممن أشرك به ولم يفرده بالعبادة والتعظيم. وقوله: ﴿أَفَلَا تتَقُونَ﴾. قال ابن كثير: (أي: ألا تخافون من الله في إشراككم به؟ ! ). وقوله: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ﴾. يعني السادة والأشراف والأكابر منهم. ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾. قال النسفي: (أي يطلب الفضل عليكم ويترأس). وقال القرطبي: (أي يسودكم ويشرُف عليكم بأن يكون متبوعًا ونحن له تبع). وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾. أي: لو شاء الله إرسال رسول لأرسل ملكًا من عنده ولم يكن بَشَرًا. وقوله: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾. أي: ما سمعنا ببعثه البشر في أجدادنا والأمم قبلنا. قال النسفي: (أي: بإرسال بشر رسولًا، أو بما يأمرنا به من التوحيد وسب آلهتنا، والعجب منهم أنهم رضوا بالألوهية للحجر ولم يرضوا بالنبوة للبشر). وقوله ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾. أي: ما بنوح إلا الجنون، إذ يزعم أن الله اختاره من بينكم لرسالته، واختصه بالوحي من دونكم. وقوله: ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ﴾. قال ابن جرير: (يقول: فتلبثوا به، وتنظروا به حتى حين). وقال ابن كثير: (أي: انتظروا به ريبَ المنون، واصبروا عليه مُدَّةَ حتى تستريحوا منه). ٢٦ - ٣٠. قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٢٦) فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧) فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ

стр. 3003

الظَّالِمِينَ (٢٨) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (٣٠)﴾. في هذه الآياتِ: استنصارُ نوح ﷺ بالله من تكذيب قومه المجرمين، وَوَحْيُ الله تعالى إليه بصناعة السفينة وإدخال فيها من كل زوجين وأهله المؤمنين، وحمدُ الله عند ركوبها على النجاة من القوم الظالمين، ودعائه تعالى عند النزول منها اختيار خير المنازل لعباده الصالحين. فقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾. فيه إعلام بانسداد الطريق بين نوح ﵊ وقومه الذين أصروا على التكذيب والعناد، وعدم الانتفاع بأي بلاغ. فهنالك استنصر نوح ربَّه عليهم كما قال تعالى في سورة القمر: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾. وقوله: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾. هو جواب الله تعالى دعاء نوح ﷺ ، فأمره بصنع السفينة وإحكامها وإتقانها. وفي سورة هود: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾. قال ابن عباس: (بعين الله). وقال قتادة: (بعين الله ووحيه). وقال ابن جرير - في آية القمر المشابهة -: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾: (تجري السفينة التي حملنا نوحُا فيها بمرأى منا ومنظر). قلت: فلفظ "العين" في التنزيل يفيد الصفة التي لابد من إثباتها لله ، وقد يفيد العناية والرعاية - كما هو هنا - وقد يفيد الأمرين معًا، والله تعالى أعلم. وقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ﴾. قال القاسمي: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ أي عذابنا ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ كناية عن الشدة. كقولهم "حمي الوطيس". و ﴿التَّنُوْرُ﴾ كانون الخبز حقيقة. وأطلقه بعضهم على وجه الأرض ومنبع الماء، للآية مجازًا ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا﴾ أي فأدخل في الفلك ﴿مِنْ كُلٍّ﴾ أي من كل أمة ﴿زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾). قال ابن كثير: (أمره تعالى بصَنْعة السفينة وإحكامها وإتقانها، وأن يحمل فيها من كل زوجين اثنين، أي: ذكرًا وأَنثى من كُلِّ صِنْفٍ من الحيوانات والنباتات والثمار وغير ذلك، وأن يحمل فيها أهله ﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ﴾، أي: من سبقَ فيه القولُ

стр. 3004

من الله بالهلاك، وهم الذين لم جمومنوا به من أهله، كابنه وزوجته، والله أعلم). وقوله: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾. قال ابن عباس: (يقول: ولا تسألني في الذين كفروا بالله أن أنجيهم ﴿إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ يقول: فإني قد حتمت عليهم أن أغرق جميعهم). والمقصود: لا يكن بك شفقة عليهم إذا رأيتهم حوصروا بالماء وحلّ بهم الغرق والهلاك، فإن الله تعالى قد قضى إغراق قومكَ الذين كفروا وكانوا مجرمين. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. يعني: إذا اعتدلت يا نوح أنت ومن معك من المؤمنين في السفينة فاحمدوا الله العظيم أن نجاكم من القوم المشركين. وهذا ما فعله نوح ﷺ حِين أمر قومه بذلك. ففي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود: ٤١]. فذكر نوح ربه آمرًا قومه بذلك عند ابتداء سيره وعندَ انتهائه. ٢ - وقال تعالى: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٢ - ١٤]. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر ﵄: [أنَّ رسول الله ﷺ كان إذا استوى على بعيره خارجًا إلى سفر كبَّرَ ثلاثًا، ثم قال: سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾. اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البِرَّ والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هَوِّن علينا سفرنا هذا، واطْوِ عَنَّا بُعْدَه، اللهم أنت الصاحِبُ في السفر والخليفة في الأهل. اللهم إني أعوذ بك من وَعْثاء السفر، وكآبة المَنْظَرِ وسوءَ المُنْقَلَب في المال والأهل. وإذا رجع قالهنّ وزاد فيهن: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون" (١). وفي جامع الترمذي بسند صحيح عن علي بن ربيعة قال: [شهدت عليًا أُتِيَ بدابة ليركبها، فلما وضع رجله في الركاب قال بسم الله، فلما استوى على ظهرها قال: الحمد لله. ثم قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا

стр. 3005

لَمُنْقَلِبُونَ﴾. ثم قال: الحمد لله ثلاثًا، الله أكبر ثلاثًا، سبحانك إني قد ظلمت نفسي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ثم ضحك. فقلت: من أي شيء ضحكت يا أمير المؤمنين؟ قال: رأيت رسول الله ﷺ صنع كما صنعت، ثم ضحك فقلت: من أي شيء ضحكت يا رسول الله؟ قال: إنّ ربَّك لَيَعْجَبُ مَنْ عبدِه إذا قال: ربِّ اغفر لي ذُنوبي، إنه لا يَغْفِرُ الذنوبَ غَيْرُك] (١). وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره لنبيه نوح ﵇: وقل إذا سلمك الله وأخرجك من الفلك، فنزلت عنها ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا﴾ من الأرض ﴿مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ من أنزل عباده المنازل). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾. أي: إن في إنجاء المؤمنين وإهلاك الكافرين لدلالات بينات على صدق الأنبياء في دعوتهم، وصدق الله لهم في نصرهم على عدوهم، وإنما قضى الله تعالى ابتلاء القوم بعضهم ببعض ليميز الخبيث من الطيب، ثم يحق الحق ويزهق الباطل. وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩)﴾ [آل عمران: ١٧٩]. ٢ - وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٦)﴾ [التوبة: ١٦]. وقال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨)﴾ [الأنبياء: ١٨]. ومن كنوز صحيح السنة في ذلك أحاديث: الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن أبي عبيدة بن حذيفة عن عمته فاطمة أنَّها قالت: [أَتَيْنَا رسول الله ﷺ ، نعوده في نسائه، فإذا سقاء معلق نحوه يقطر

стр. 3006

ماؤه عليه من شدة ما يجد من حرّ الحمى، قلنا: يا رسول الله لو دعوت الله فشفاك. فقال رسول الله ﷺ : إنّ من أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" (١). الحديث الثاني: أخرج الترمذي وابن ماجة بسند حسن عن أنس، عن النبي ﷺ قال: [إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط] (٢). الحديث الثالث: يروي الدارمي وأحمد بسند صحيح عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب قال: [بينا رسول الله ﷺ قاعد مع أصحابه إذ ضحك، فقال: ألا تسألوني مم أضحك؟ قالوا: يا رسول الله! ومم تضحك؟ قال: عجبت لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، إن أصابه ما يحب حمد الله وكان له خير، وإن أصابه ما يكره فصبر كان له خير، وليس كل أحد أمره كله خير إلا المؤمن] (٣). ٣١ - ٤١. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٣١) فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣٢) وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٣٤) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٣٩) قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ (٤٠) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤١)﴾. في هذه الآياتِ: تتابعُ الرسل في الأمم وتكذيب الملأ الكافر بالنبوة في كل زمان

стр. 3007

وحين، والتشكيك في أمر المعاد والبعث من القبور والقيام لرب العالمين، واستنصار كل رسول بالله العظيم، لينزل العذاب فيحيط بالقوم الظالمين. فقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾. أي: ثم أوجدنا من بعد مهلك قوم نوح قومًا آخرين. قيل المراد عاد، وقيل ثمود وهو الراجح لذكر مهلكهم في آخر الآياتِ بالصيحة، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾. أي: فبعث الله فيهم رسولًا من بينهم يحذرهم مغبة الشرك وعبادة الأوثان، ويحثهم على إفراد الله تعالى بالعبادة والتعظيم، وينذرهم بأسه تعالى وبطشه إن أصروا على الكفر وما هم عليه من الانحراف والجحود. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وقالت الأشراف من قوم الرسول الذي أرسلنا بعد نوح، وعنى بالرسول في هذا الموضع: صالحًا، وبقومه: ثمود ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾ يقول: الذين جحدوا توحيد الله، وكذّبوا بلقاء الآخرة: يعني كذبوا بلقاء الله في الآخرة. وقوله: ﴿وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يقول: ونعَّمناهم في حياتهم الدنيا، بما وسَّعنا عليهم من المعاش، وبسطنا لهم من الرزق، حتى بطروا وعَتَوا على ربهم، وكفروا. قال: وقوله: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ يقول: قالوا: بعث الله صالحًا إلينا رسولًا من بيننا وخصه بالرسالة دوننا وهو إنسان مثلنا يأكل مما نأكل منه من الطعام ويشرب مما نشرب، وكيف لم يرسل ملكًا من عنده يبلغنا رسالته). قال ابن كثير: (فكذبوه وخالفوه، وأبوا من اتباعه لكونِه بشرًا مثلهم، واستنكفوا عن اتباع رسول بشري، فكذّبوا بلقاء الله في القيامة، وأنكروا المعاد الجُثماني، وقالوا: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ أي بعيد بعيد ذلك). وقوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾. كقول كفار مكة: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤].

стр. 3008

وكقيلهم وهم يقسمون كذبًا - كما حكى الله عنهم في سورة النحل -: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٣٨]. مما يدل أن منهج الكفر واحد منذ القرون الأولى إلى قيام الساعة. وقوله تعالى: (﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ قال النسفي: (أي ما هو إلا مفتر على الله فيما يدعيه من استنبائه وفيما يعدنا من البعث، ﴿وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ بمصدقين). وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾. أي: استفتح الرسول وطلب النصر من الله على قوم أصروا على كفرهم وتكذيبهم. وقوله تعالى: ﴿قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾. إجابةُ الله دعوة رسوله بأن الندم سيحيط بهم مصبحين نتيجة استهزائهم بالوحي والنبوة. وقوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ﴾. أي: وقع بهم انتقام الله تعالى باستحقاقهم العقاب منه بكفرهم وتماديهم. وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾. اي صيرناهم كالغثاء لا قيمة له. والغثاء ما ارتفع على السيل ونحوه. قال ابن عباس: (جعلوا كالشيء الميت البالي من الشجر). وقال مجاهد: (كالرميم الهامد، الذي يحتمل السيل). قال النسفي: (شبههم في دمارهم بالغثاء، وهو حميل السيل ما بلي واسودّ من الورق والعيدان). وقوله: ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. أي: هلاكًا لهم. أو بُعْدًا لهم من رحمة الله. والفاء عاطفة، و ﴿بُعْدًا﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف والتقدير: ابعدوا بعدًا. أي: أبعد الله القوم الظالمين بإهلاكهم إذ أصروا على الكفر بربهم وتكذيب رسله ووحيه. ٤٢ - ٤٤. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ (٤٢) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣) ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا

стр. 3009

وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (٤٤)﴾. في هذه الآياتِ: استمرارُ إرسال الله تعالى الرسل في القرون المتتابعة، واستمرار تكذيب الملأ الكافر وأتباعهم في الأمم المتلاحقة، وختام ذلك نزول نقمة الله على المكذبين وتصييرهم أحاديث للأجيال القادمة. فقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾. أي: ثم أوجدنا من بعد هلاك هؤلاء أممًا وأقوامًا آخرين. قال ابن عباس: (يريد بني إسرائيل). قال القرطبي: (وفي الكلام حذف: فكذبوا أنبياءهم فأهلكناهم). وقوله تعالى: ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾. قال ابن كثير: (يعني: بل يؤخذون حسبَ ما قدَّر لهم تعالى في كتابه المحفوظ وعِلْمِهِ قبل كَوْنِهِم، أمة بعد أمة وقرنًا بعد قرنٍ، وجيلًا بعد جيل، وخلفًا بعد سلف). وقوله: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾. معنى ﴿تَتْرَا﴾ تتواتر. قال ابن عباس: (يعني يتبع بعضهم بعضًا). والمقصود: ثم واترنا رسلنا على أجيال الخلق يتبع بعضهم بعضًا ترغيبًا وترهيبًا. وقوله: ﴿كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا﴾. أي: بالهلاك. وقوله ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾. أي أخبارًا وأحاديث للناس لِضَرْبِ المثل والتعجب. قال الأخفش: (إنما يقال هذا في الشر ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ ولا يقال في الخير، كما يقال: صار فلان حديثًا أي عبرة ومثلًا، كما قال في آية أخرى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ: ١٩]). وقوله: ﴿فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: فأبعد الله قومًا لا يؤمنون بالله، ولا يصدقون برسوله). ٤٥ - ٤٩. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٤٥) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (٤٦) فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا

стр. 3010

لَنَا عَابِدُونَ (٤٧) فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (٤٨) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٤٩)﴾. في هذه الآياتِ: إخباره تعالى أنه تابع الرسالة فبعث موسى وأخاه هارون ﵉ إلى فرعون وقومه بحجة الحق البالغة وسلطان الوحي العظيم. فقابلوا ذلك بالكبر والبغي والعلو في الأرض واتباع سبيل الشياطين، وعاملوهما كما عاملت الأمم السابقة الهالكة رسلها مستنكرين بشريتهما محتجين بانقياد الناس - بالإكراه والظلم - لهم، فجاء العذاب وقصم الله فرعون والقبط، وأكرم الله موسى والمؤمنين معه بهدي التوراة ليكون لهم نورًا في الدنيا ونجاة في الآخرة. قال النسفي: (﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ يعملون بشرائعها ومواعظها). وقال ابن كثير: (وأنزل على موسى الكتاب - وهو التوراةُ - فيها أحكامهُ وأوامِرُه ونواهيه، وذلك بعدما قَصَمَ الله فِرعونَ والقبط، وأخذهم أخذَ عزيز مقتدر. وبعد أن أنزل الله التوراة لم يُهلك أمة بعامَّة، بل أمر المؤمنين بقتال الكافرين، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣)﴾ [القصص: ٤٣]). ٥٠. قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (٥٠)﴾. في هذه الآية: يخبر تعالى أنه جعل عيسى وأمه مريم ﵉ حجة على أهل ذلك الزمان، في إظهار قدرته جل ذكره بإنشاء الأجسام من غير أصل، فهو كآدم خلقه من تراب وقال له كن فكان، وهذه الآية باقية إلى قيام الساعة، وأنه تعالى برحمته آوى عيسى وأمه إلى أرض منبسطة مرتفعة ذات خصب وماء. فعن قتادة: (﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ﴾ قال: ولدته من غير أب هو له، ولذلك وُحِّدت الآية، وقد ذكر مريم وابنها). وقال ابن عباس: (الربوة: المكان المرتفع من الأرض، وهو أحسن ما يكون فيه النبات).

стр. 3011

قال: (وقوله: ﴿ذَاتِ قَرَار﴾ يقول: ذات خصب ﴿وَمَعِينٍ﴾ يعني ماء ظاهرًا). وقال (المعين الماء الجاري، وهو النهر الذي قال الله تعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٤]). وقال مجاهد: (ربْوة مستوية). وقال سعيد بن جبير: (﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ استوى الماء فيها). وقال قتادة: (﴿وَمَعِينٍ﴾ الماء الجاري). وقال: (هو بيت المقدس). وخلاصة القول: لقد آوى الله تعالى عبده عيسى بن مريم ﷺ وأمه إلى أرض مرتفعة خصبة تحفل بالنبات والثمر والماء رحمة منه تعالى بهما. وظاهر آيات القرآن أن ذلك كان في بيت المقدس، والله تعالى أعلم. ٥١ - ٥٦. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤) أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾. في هذه الآياتِ: أمْرُ الله تعالى الرسل وعباده المؤمنين بأكل الحلال، وامتثال الصالح من الأعمال، والدعوة إلى الدين الحق، واجتناب الفرقة أو الانزلاق إلى الشبهات والشهوات، والتنبيه إلى سنة الله في استدراج القوم الظالمين، ثم استئصالهم من حيث لا يشعرون. فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾. أمرٌ من الله سبحانه لعباده المرسلين بأكل الحلال وترك الحرام وامتثال صالح الأعمال، وهو - تعالى - عليم باعمالهم ومجازيهم بجميعها أحسن الثواب. قال الحسن: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ يعني: الحلال). والخطاب وإن كان موجهًا للرسل فهو لأتباعهم من باب أولى، وإنما خصّ الموسلين بالكلام لأنهم قدوة العباد وأسوة البشرية جميعًا. ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [يا أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال:

стр. 3012

﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾. وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]. ثم ذكر الرجل يُطيل السفَرَ أشعثَ أغبرَ، يَمُدُّ يديه إلى السماء، يا ربِّ! يا ربِّ! وَمَطْعَمُهُ حرامٌ، ومَشْرَبُهُ حرامٌ، ومَلْبَسُهُ حرامٌ، وغُذِيَ بالحرام، فأنّى يُستجابُ لذلك] (١). وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾. يعني: وإن ملتكم معشر الأنبياء ملة واحدة، ودينكم دين واحد، وهو دين التوحيد: إفراد الله تعالى بالعبادة والتعظيم، فاتقوا الله ربكم وادعوا الخلق إلى هذا الدين القويم. قال ابن جريجٍ: (﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قال: الملة والدين). وقد نصب قوله: ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ على الحال. وقوله تعالى: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا﴾. أي: تمزقت أمم الرسل فيما بينهم، وجعلوا دينهم أديانًا، واتبعوا الشبهات والشهوات. و ﴿زُبُرًا﴾: جمع زبور. أي كتبًا مختلفة. قيل: تفرقوا في دينهم فرقًا كل فرقة تنتحل كتابًا. وعن الحسن قال: (قطعوا كتاب الله قطعًا وحرفوه). وقوله: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. أي كل فريق بما هم عليه من الهوى والضلال معجبون. قال النسفي: (كل فرقة من فرق هؤلاء المختلفين المتقطعين دينهم ﴿بِمَا لَدَيْهِمْ﴾ من الكتاب والدين أو من الهوى والرأي ﴿فَرِحُونَ﴾ مسرورون معتقدون أنهم على الحق). وقوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ﴾. تهديد ووعيد. أي: فدع يا محمد هؤلاء القوم الذين انغمسوا في غَيهم وضلالهم إلى حين حلول عذابهم أو انقضاء آجالهم. قال مجاهد: ﴿فِي غَمْرَتِهِمْ﴾: في ضلالهم). وقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. قال مجاهد: (﴿أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ﴾: نعطيهم، نسارع لهم، قال: نزيدهم في الخير، نُمْلي لهم، قال: هذا لقريش).

стр. 3013

قال ابن كثير: (يعني: أيظن هؤلاء المغرورون أن ما نعطيهم من الأموال والأولاد لِكَرامَتِهمِ علينا ومَعَزَّتهم عندنا؟ ! كلَّا، ليس الأمر كما يزعمون في قولهم: ﴿نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ: ٣٥]، لقد أخطؤوا في ذلك وخاب رجاؤهم، بل إنما نفعل بهم ذلك استدراجًا وإنظارًا وإملاءً، ولهذا قال: ﴿بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾). وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾ [التوبة: ٥٥]. ٢ - وقال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥)﴾ [القلم: ٤٤، ٤٥]. ٣ - وقال تعالى: وَ ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨)﴾ [آل عمران: ١٧٨]. ومن صحيح السنة المطهرة في ذلك أحاديث: الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد بسند قوي عن عقبة بن عامر مرفوعًا: [إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج، ثم تلا: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾] (١). الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : [إنَّ الله لَيُمْلي للظالم حتى إذا أخذه لمْ يُفْلِتْهُ، قال: ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] (٢). الحديث الثالث: خرّج مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : [إنَّ الله لا يَظْلِمُ مؤمنًا حسنة، يُعطي بها في الدنيا ويَجْزي بها في الآخرة، وأما

стр. 3014

الكافِرُ فَيُطْعَمُ بحسنات ما عَمِلَ بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم تكُنْ له حسَنةٌ يُجْزى بها" (١). ٥٧ - ٦١. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾. في هذه الآياتِ: ثناءُ الله تعالى على عباده المؤمنين، الذين جمعوا إلى إيمانهم إحسانًا وشفقة من يوم الدين، والذين يسارعون في الخيرات وقلوبهم وجلة أن لا يقبل منهم يوم يعرضون على رب العالمين. فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾. قال الحسن البصري: (إن المؤمن جمع إحسانًا وشفقة، وإن الكافر جمع إساءة وأمنًا). فالمؤمنون بالله وجلون خائفون مع إحسانهم وإيمانهم ومبادرتهم إلى الطاعات والقربات. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾. يشمل الآياتِ الكونية والشرعية. قال النسفي: (﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ أي بكتب الله كلها، لا يفرقون بين كتبه كالذين تقطعوا أمرهم بينهم وهم أهل الكتاب). وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾. أي: يفردون ربهم سبحانه بالعبادة والتعظيم، ويوحدونه في أسمائه وصفاته ومحامده لا شريك له. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾. أي: يعطون الصدقات ويتقربون بالطاعات وهم خائفون أن لا يقبل منهم. قال ابن عباس: (المؤمن ينفق ماله ويتصدق وقلبه وجل أنه إلى ربه راجع). وقال سعيد بن

стр. 3015

جبير: (يفعلون ما يفعلون وهم يعلمون أنهم صائرون إلى الموت، وهي من المبشرات). أخرج الترمذي وابن ماجة بسند صحيح عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: [سألت رسول الله ﷺ عن هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ قالت عائشة: أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ قال: لا، يا بِنْتَ الصديق ولكنهم الذين يَصومون ويُصلون وَيتَصَدَّقون وهم يخافون أن لا تُقْبَلَ منهم، أولئك الذين يُسارعون في الخيرات وهم لها سابقون] (١). وفي لفظ ابن ماجة: [قالت: أهو الذي يزني ويسرق ويشرب الخمر؟ قال: لا. يا بنت أبي بكر. "أو يا بنت الصديق! "، ولكنه الرجل يصومُ وَيتَصَدَّق ويُصَلِّي، وهو يخاف أن لا تُقْبَّلَ منه]. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾. قال ابن عباس: (يقول: سبقت لهم السعادة). وقال ابن زيد: (والخيرات: المخافة والوجل والإيمان، والكف عن الشرك بالله، فذلك المسابقة إلى هذه الخيرات، وقوله: ﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ كان بعضهم يقول: معناه: سبقت لهم من الله السعادة، فذلك سبوقهم الخيرات التي يعملونها). قلت: والحديث السابق يدل على أن حالة القلب الذي يخشى صاحبه عدم القبول وهو مجتهد في الإيمان والعمل الصالح هي حالة صِحِّية يُرجى لصاحبها السبق والفوز في الآخرة. وقد جاءت نصوص الوحيين بذلك: ففي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦]. ٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠].
следующие страницы →