← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

٢ - وقال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦]. ٣ - وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩]. ومن كنوز السنة العطرة في آفاق هذه الآية أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: [يَعْقِدُ الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاثَ عقد، يضرب على كل عُقدة: عليك ليل طويل فارقد! فإن استيقظ فذكر الله تعالى انحلت عُقدة، فإن توضأ انحلت عُقدة، فإن صلى انحلت عُقَدُهُ كُلُّها، فأصبح نشيطًا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان] (١). الحديث الثاني: أخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [أفضل الصيام بعدَ رمضان شهرُ الله المحرَّم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاةُ الليل] (٢). الحديث الثالث: أخرج الترمذي بسند حسن عن أبي أمامة الباهلي ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: [عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى ربكم، ومَكْفَرَةٌ للسيئات، ومَنْهاةٌ عن الإثم] (٣). الحديث الرابع: أخرج الطبراني بإسناد حسن عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: [في الجنة غرفةٌ يُرى ظاهرها من باطنها، وباطِنُها من ظاهرها. فقال أبو مالك الأشعري: لمن هي يا رسول الله؟ قال: لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وباتَ قائمًا والناس نيام] (٤). وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾. أي: ومن صفات هؤلاء المؤمنين عباد الرحمن سؤالهم ربهم أن يصرف

стр. 3187

عنهم عذاب النار يوم القيامة، إن عذابها كان غرامًا: أي: ملازمًا دائمًا مهلكًا. قال ابن جُريج: (﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ قال: لا يُفارِقُه). وقال الحسن: (قد علموا أن كلّ غريم مفارق غريمه إلا غريم جهنم). وقال محمد بن كعب: (إن الله سأل الكفار عن نعمه، فلم يردّوها إليه، فأغرمهم، فأدخلهم النار). قلت: وأصل الغرام في لغة العرب الشَّرُ الدائم والعذاب. قال أبو عبيدة: (﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾: أي هلاكًا ولزامًا لهم). وفي جامع الترمذي بسند صحيح عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : [مَنْ سَأَلَ الله الجَنَّة ثلاثَ مراتٍ قالت الجَنّة: اللهم أدْخِلْه الجَنَّة. ومَنْ استَجار من النار ثلاثَ مرات، قالت النار: اللهم أجِرْه من النار] (١). وأجمل من ذلك وأروع ما رواه أبو يعلى في مسنده بسند صحيح عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : [ما استجار عبدٌ من النار سبعَ مرّات في يوم إلا قالت النار: يا رَبِّ إن عبدك فلانًا قد استجاركَ مني فأجِرْه، ولا يسألُ اللهَ عبدٌ الجنة في يوم سبعَ مرات إلا قالت الجنة: يا ربِّ! إنَّ عبدكَ فلانًا سألني فأدخِلْهُ الجَنَّة] (٢). وقوله تعالى: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾. المستقر: القرار. والمقام: مكان الإقامة. قال ابن جرير: (كأن معنى الكلام: ساءت جهنم منزلًا ومقامًا). وقال القرطبي: (أي بئس المستقر وبئس المقام. أي إنهم يقولون ذلك عن علم، وإذا قالوه عن علم كانوا أعرف بعظم قدر ما يطلبون، فيكون ذلك أقرب إلى النجح). وقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾. الإسراف: الإنفاق الذي يجاوز الحدّ اللائق والمباح. والإقتار: ما قصر عما أمر الله به من النفقة. والقوام: بين ذلك. ويبدو أن الإسراف يكون في الحلال، وأما إن كان في الحرام فهو التبذير كما قال

стр. 3188

تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧]. فالمعنى: ومن صفات عباد الرحمن أنهم إذا أنفقوا أموالهم لم يبالغوا في الإنفاق فوق الحاجة، ولم يَبْخَلوا عن أهليهم فيما يجب عليهم في حقهم، وإنما هم أهل العدل والوسطية في إنفاقهم كما هو كذلك في كل شيء. وقوله: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾. قال النسفي: (أي عدلًا بينهما، فالقوام العدل بين الشيئين). وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩]. ٢ - وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٤]. ومن صحيح السنة العطرة في آفاق هذه الآية أحاديث: الحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : [إذا أنفقت المرأة من بيت زوجها غيرَ مُفْسِدَة، كان لها أَجْرُها، ولهُ مِثْلُهُ بما اكتسب، ولها بما أنفقت، وللخازنِ مِثْلُ ذلك، من غير أن يُنْقَصَ من أجورهم شيئًا] (١). الحديث الثاني: أخرج البخاري والنسائي عن أبي مسعود البدري مرفوعًا: [إذا أنفق الرجل على أهله نفقة يحتسبها فهي له صدقة] (٢). الحديث الثالث: أخرج أبو داود بسند صحيح عن معاوية القشيري قال: قلت: يا رسول الله، ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: [أَنْ تطعِمَها إذا طَعِمْتَ، وتكْسُوَها إذا اكتسيت، أو "اكتسبت"، ولا تضرب الوجه، ولا تقبّحْ ولا تَهْجُرْ إلا في البيت] (٣). ٦٨ - ٧١. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ

стр. 3189

النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (٧١)﴾. في هذه الآيات: متابعةُ الثناء من الله تعالى على عباده المؤمنين، فهم يفردونه بالألوهية ولا يقتلون النفس التي حرّم ولا يزنون فإن من يفعل ذلك يصبح من الآثمين، ويضاعف له العذاب المهين، إلا من تاب وآمن وبادر بالعمل الصالح فإنه يلقى عفو الغفور الرحيم. أخرج البخاري ومسلم وأحمد والنسائي عن عبد الله ﵁ قال: [سأَلَتْ -أو سُئِلَ- رسولُ الله ﷺ : أيُّ الذنب عند الله أكْبَرُ؟ قال: أن تَجْعَلَ لله نِدًّا وهو خلقَكَ. قلتُ: ثم أيُّ؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يَطْعَمَ معك. قلتُ: ثم أيُّ؟ قال: أن تُزاني بحليلة جارِك. قال: ونزلت هذه الآية تَصْديقًا لقول رسول الله ﷺ ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾] (١). وفي الصحيحين أيضًا عن ابن عباس ﵄: [أنّ أناسًا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا، وزنوا وأكثروا، فأتوا محمدًا ﷺ فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أنّ لما عملنا كفارة، فننرل: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾. ونزل: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣]] (٢). فربط سبحانه في هذه الآية الكريمة بين الشرك والقتل والزنا، فإن الشرك بالله يتبعه كل كبيرة، فليس يحول بين المشرك والكبائر خوف من الله شأن المؤمنين، وكذلك

стр. 3190

انتشار القتل وهو الهرج غالبًا ما يتبعه استباحة الأعراض وركوب الفواحش، نعوذ بالله من حال المجرمين والمستكبرين والمشركين. وقوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾. أي يلق من الله تعالى جزاء إثمه عقوبة ونكالًا. والأثام: العقاب. وقوله تعالى: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾. قال النسفي: (أي يعذب على مرور الأيام في الآخرة عذابًا على عذاب. وقيل إذا ارتكب المشرك معاصي مع الشرك عذب على الشرك وعلى المعاصي جميعًا، فتضاعف العقوبة لمضاعفة المعاقب عليه. ويخلد ﴿فِيهِ﴾ في العذاب. ﴿مُهَانًا﴾ حال أي ذليلًا). وقال القاسمي: (﴿مُهَانًا﴾ أي ذليلًا محتقرًا جامعًا لعذابي الجسم والروح). قلت: ولا شك أنّ هذا اللفظ ﴿مُهَانًا﴾ فيه مبالغة في الوعيد مما ينتظر المشركين يوم القيامة، من الإهانة والاحتقار والمذلة والصَّغار. أخرج الترمذي بسند حسن عن عبد الله بن عمرو ﵁، عن النبي ﷺ قال: [يحشرُ المتكبرون يوم القيامة أمثالَ الذّرِ في صُوَرِ الرجال، يغشاهم الذُّل من كل مكانٍ، يُساقون إلى سجنٍ في جهنم يُسمى بُولُسَ، تعلوهم نار الأنيار، يُسْقَون من عصارة أهل النار، طينة الخبال] (١). وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. أي: إلا من راجع طاعة ربه بالتوبة والإنابة وتصحيح الإيمان وامتثال صالح العمل فأولئك تصير سيئاتهم حسنات والله غفور رحيم. أخرج الشيخان عن سعيد بن جبير قال: [أمرني عبد الرحمن بن أبْزى قال: سَل ابن عباس عن هاتين الآيتين ما أمرهما؟ ! ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾. فسألت ابن عباس فقال: لَمَّا نزلت التي في الفرقان قال مشركوا أهل مكة: قد قتلنا النفس التي حرّم الله، ودعونا مع الله إلهًا آخر، وقد آتينا الفواحش! فأنزل الله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾. وأما التي في النساء الرجل إذا عرفَ الإسلام

стр. 3191

وشرائعه ثم قتل فجزاؤه جهنم خالدًا فيها. فذكرته لمجاهد فقال: إلا من ندم] (١). وله شاهد عند الطبراني بسند حسن عن زيد بن ثابت قال: [لما نزلت هذه الآية التي في "الفرقان": ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ عَجِبْنا لِلِيْنْها، فلبثنا ستة أشهر، ثم نزلت التي في "النساء": ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ حتى فرغ]. وعن سعيد بن المسيب: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ قال: (تصير سيئاتهم حسنات لهم يوم القيامة). وعن ابن زيد قال: (﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ قال: تاب من الشرك، قال: وآمن بعقاب الله ورسوله ﴿وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾، قال. صدق، ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ قال: يبدل الله أعمالهم السيئة التي كانت في الشرك بالأعمال الصالحة حين دخلوا في الإيمان). قلت: فصدق الإيمان بالله مع التوبة الصادقة يقابله الله تعالى بتبديل السيئات التي تيب منها حسنات. فقد أخرج الحاكم بسند حسن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [لَيَتَمَنَّيَنَ أَقْوامٌ لو أكْثروا من السيئات، قالوا: بِمَ يا رسول الله؟ قال: الذين بدل الله سيئاتهم حسنات] (٢). وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. أي: وكان الله ولم يزل ذا عفو عن ذنوب من تاب من عباده، واستقبل طاعته وتعظيم أمره، وذا رحمة به أن يعاقبه على ما سلف من الذنوب بعد صدق التوبة منها. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾. أي: ومن يترك المعاصي ويندم عليها ويدخل في العمل الصالح، فإنه بذلك تائب إلى الله متابًا مَرْضِيًا عنده، مكفرًا للخطايا، محصلًا للثواب. قرّره الزمخشري. قلت: والآية تدل أن التماس العمل الصالح والمثابرة عليه يؤكد صحة التوبة ويرجى من جراء هذه المثابرة قبولها.

стр. 3192

وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠]. ٢ - وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤) وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٤، ١٠٥]. ومن صحيح السنة العطرة في آفاق ذلك أحاديث: الحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: [إنَّ الله تعالى يَبْسُطُ يده بالليل ليتوب مسيءُ النهار، ويَبْسُطُ يده بالنهار ليتوب مسيءُ الليل حتى تطلع الشمس من مَغْربها] (١). الحديث الثاني: خَرَّج مسلم في الصحيح عن أنس قال: [جاء رجُلٌ إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! أصَبْتُ حَدًّا فأقِمْهُ عليَّ، قال: وحَضَرت الصلاةُ فصَلّى مع رسول الله ﷺ ، فلما قضى الصلاةَ قال: يا رسول الله! إني أصَبْتُ حَدًّا فأقِمْ فِيَّ كتاب اللهِ، قال: هل حَضَرْتَ مَعَنا الصلاة؟ قال: نعم، قال: قَدْ غُفِرَ لك] (٢). وفي رواية: [فقال له رسول الله ﷺ : أرأيت حينَ خرجْتَ مِنْ بَيْتِكَ، أليس قد تَوَضَّأتَ فأحسنْتَ الوضوء؟ قال: بلى، يا رسول الله! قال: ثم شهدت الصلاةَ معنا؟ قال: نعم، يا رسول الله! قال: فقال له رسول الله ﷺ : فإنَّ الله قد غَفَرَ لك حَدَّك، أو قال: ذَنْبَكَ]. الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد والترمذي بسند صحيح عن المقدام بن معد يكرب قال: قال رسول الله ﷺ : [للشهيد عند الله سِتُّ خصال: يُغْفَرُ له في أَوَّلِ دُفْعَةٍ ويُرى مَقْعَدَه من الجنة .. ] الحديث (٣). وفي لفظ: [يُغفر له في أول دفعة من دمه، ويَرى مقعده من الجنة].

стр. 3193

فانظر إلى أثر المبادرة بالعمل الصالح كالاستغفار طرفي النهار وفي الليل، والحرص على صلاة الجماعة في المسجد، والجهاد في سبيل الله، في تأكيد صحة التوبة ورجاء قبولها. ٧٢ - ٧٤. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (٧٢) وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (٧٣) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)﴾. في هذه الآيات: استمرارُ المدح والثناء من الله تعالى لعباده المؤمنين، فهم لا يشهدون الزور ويبتعدون عن اللغو وإذا ذُكِّروا بآياته سبحانه أصغوا إليها منصتين، وهم مثابرون في دعائهم يسألون ربهم أن يهب لهم من أزواجهم وذرياتهم قرة أعين وأن يجعلهم أئمة وأسوة للمتقين. فقوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾. قال الضحاك: (الشرك). وقال مجاهد: (لا يسمعون الغناء). وقال ابن جُريج: (﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ قال: الكذب). قلت: وفي لغة العرب: (الزُّور: الكذب). والتزوير: تزيين الكذب. قال الرازي: (و"زَوَّرَ" الشيء "تزويرًا" حَسَّنَهُ وقَوَّمه). فوصف الله عباده المؤمنين بأنهم لا يحضرون مجالس الزور، فيدخل فيها مجالس المجون والكذب والباطل، وأشدّ ذلك -أو من أشدّه- شهادة الزور. قال النسفي: (﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ أي الكذب، يعني ينفرون عن محاضر الكذابين ومجالس الخطائين فلا يقربونها تنزهًا عن مخالطة الشر وأهله، إذ مشاهدة الباطل شركة فيه، وكذلك النظارة إلى ما لم تسوغه الشريعة هم شركاء فاعليه في الآثام، لأن حضورهم ونظرهم دليل الرضا وسبب وجود الزيادة فيه. قال: أو لا يشهدون شهادة الزور على حذف المضاف).

стр. 3194

وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]. وفي السنة العطرة من آفاق مفهوم هذه الآية أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم والترمذي عن أبي بَكْرَةَ ﵁ قال: [قال رسول الله ﷺ : ألا أنبِّئكُم بأكْبَرِ الكبائِرِ؟ -ثلاثًا- قلنا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراكُ بالله وعقوقُ الوالدين. وكان مُتَكِئًا فَجَلَسَ فقال: "ألا وقَوْلُ الزُّور، وشهادَةُ الزُّور، ألا وقَوْلُ الزُّور، وشهادَةُ الزُور"، فما زال يقولها حتى قُلْتُ: لا يَسْكُت] (١). وفي لفظ: [فما زال يُكَرِّرُها حتى قُلنا: لَيْتَهُ سكت]. الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن ابن مسعود ﵁، أن النبي ﷺ قال: [مَنْ حَلَفَ على مال امرئٍ مسلم بغَيْرِ حَقِّه، لقيَ اللهَ وهو عليه غضبان. قال: ثم قرأ علينا رسول الله ﷺ مِصْداقَهُ من كتاب الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] إلى آخر الآية] (٢). الحديث الثالث: أخرج البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، عن النبي ﷺ قال: [الكبائِرُ: الإشراك بالله، وعقوقُ الوالدين، وقَتْلُ النفس، واليمينُ الغموس] (٣). الحديث الرابع: أخرج الترمذي بسند حسن من حديث جابر أن النبي ﷺ قال: [من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يَجْلِس على مائدة يُدارُ عليها الخمر] (٤). وقوله: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾. أي: وإذا حصل لهم مرور بمجالس الفحش أو الباطل مروا معرضين مكرمين

стр. 3195

أنفسهم عن التلوث برجس تلك المجالس، متنزهين عن التدنس بما فيها من اللغو والفساد. قال الحسن: (اللغو كله: المعاصي). وعن سَيّار: (إذا مَرّوا بالرفث كفّوا). وقال مجاهد: (إذا أوذوا مروا كرامًا، قال: صفحوا). وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾. قال قتادة: (يقول: لم يَصُمّوا عن الحق ولم يَعْموا فيه، فهم -والله- قوم عقلوا عن الحق، وانتفعوا بما سمعوا من كتابه). وقال الحسن البصري: (كم من رجل يقرؤها ويخرّ عليها أصمَّ أعمى). وعن مجاهد: (﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ فلا يسمعون، ولا يبصرون، ولا يفقهون حقًّا). قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: والذين إذا ذكَّرهم مذكر بحجج الله، لم يكونوا صُمًّا لا يسمعون، وعميًا لا يبصرونها. ولكنهم يِقَاظُ القلوب، فهماء العقول، يفهمون عن الله ما يذكِّرهم به، ويفهمون عنه ما ينبههم عليه، فيوعون مواعظه آذانًا سمعته، وقلوبًا وعته). وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾. هو من جوامع الدعاء الذي أوحاه الله في صفة رجاء عباده المؤمنين، فهم يرغبون إلى ربهم في دعائهم ومسألتهم أن يجعل في أزواجهم وذرياتهم ما تقرّ به أعينهم حين يرونهم يقومون بطاعة الله ويعملون بهديه. وفي آفاق ذلك تكلم المفسرون: ١ - قال ابن عباس: (قوله: ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ يعنون: من يعمل لك بالطاعة، فتقرّ بهم أعيننا في الدنيا والآخرة). ٢ - وعن الحسن قال: (المؤمن يرى زوجته وولده يطيعون الله). ٣ - وعن ابن جُريج قال: (قوله: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ قال: يعبدونك يحسنون عبادتك، ولا يجرّون علينا الجرائر). ٤ - وقال ابن زيد. (يسألون الله لأزواجهم وذرياتهم أن يهديهم للإسلام). أخرج الإمام أحمد في المسند، بإسناد صحيح، عن عبد الرحمن بن جُبَير بن نُفَير، عن أبيه قال: [جَلسنا إلى المِقداد بن الأسود يومًا، فَمَرَّ به رجل فقال: طُوبى

стр. 3196

لهاتين العينين اللَّتَين رأتا رسولَ الله ﷺ ! لَوَدِدْنَا أنا رأينا ما رأيتَ، وشهدنا ما شهدت. فاستغضَبَ، فجعلتُ أعجَبُ، ما قال إلا خيرًا! ثم أقبل إليه فقال: ما يحمل الرجلَ على أن يتمنى مَحْضَرًا غَيَّبَهُ الله عنه، لا يَدري لو شَهِدَه كيف كان يكونُ فيه؟ والله لقد حَضَرَ رسولَ الله ﷺ أقوامٌ أَكَبَّهُم الله على مَنَاخِرِهم في جَهَنَّم، لم يجيبوه ولم يُصدِّقوه، أولا تحمَدون الله إذا أخرَجَكُم لا تعرفون إلا بَّكم مُصَدِّقين لما جاء به نَبِيُّكُم، قد كُفيتم البلاء بغيركم؟ لقد بعث الله النبي ﷺ على أشدَّ حالٍ بعثَ عليها نَبيًّا منِ الأنبياء في فترةٍ من جاهلية، ما يَرونَ أنَّ دينًا أفضلَ من عبادةِ الأوثان. فجاء بِفُرقانٍ فرَقَ به بين الحق والباطل، وفَرَقَ بين الوالدِ ووَلده، إن كان الرجل ليرى والده وولدَهُ، أو أخاه كافرًا، وقد فتح الله قُفْلَ قلبهِ للإيمان، يعلَمُ أنه إن هلكَ دَخَلَ النار، فلا تَقَرُّ عينُه وهو يعلم أن حبيبَه في النار، وإنَّها التي قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾] (١). وأما قوله: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ - فيه أقوال متكاملة: ١ - قال ابن عباس: (يقول: أئمة يُقتدى بنا). قال إبراهيم النخعي: (لم يطلبوا الرياسة بل بأن يكونوا قدوة في الدين). ٢ - وقال مجاهد: (أئمة نقتدي بمن قبلنا، ونكون أئمة لمن بعدنا). ٣ - وقال آخرون: (﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾: هداة مَهْدِيِّين ودعاةً إلى الخير). ٤ - وقال مكحول: (اجعلنا أئمة في التقوى يقتدي بنا المتقون). وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤].

стр. 3197

وفي الموطأ: "إنكم أيها الرهط أئمة يقتدى بكم"- فكان ابن عمر يقول في دعائه: [اللهم اجعلنا من أئمة المتقين] (١). ومن كنوز صحيح السنة في آفاق هذه الآية: الحديث الأول: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن ابن عمر قال: [لم يكن رسول الله ﷺ يدع هؤلاء الدعوات. حين يمسي وحين يصبح: "اللهم! إني أسألك العَفْوَ والعافية في الدنيا والآخرة. اللهم! أسألك العَفْوَ والعافيةَ في ديني ودنْيايَ، وأهلي ومالي. اللهمَّ! اسْتُر عوراتي، وآمِنْ رَوْعَاتي واحفظني مِنْ بَيْنِ يَديَّ، ومِنْ خَلفي، وعن يميني وعَنْ شِمالي، ومِنْ فوْقي. وأعوذ بكَ أنْ أُغْتالَ من تحتي"] (٢). قال وكيع: (يعني الخسف). الحديث الثاني: أخرج البزار والحاكم بسند صحيح عن ابن عباس رفعه إلى النبي ﷺ قال: [إن الله لَيَرْفَعُ ذُرّيةَ المؤمن إليه في درجته، وإنْ كانوا دونَهُ في العمل، لِتَقَرَّ بهم عَيْنُهُ، ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾ [الطور: ٢١] الآية، ثم قال: وما نَقَصْنا الآباء بما أعْطيْنا البنين] (٣). الحديث الثالث: خرّج مسلم في صحيحه في كتاب الوصية -باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته- عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: [إذا مات الإنسانُ انقطعَ عنه عَمَلُهُ إلا مِنْ ثَلاثةٍ: إلا مِنْ صَدَقة جاريةٍ، أو عِلْم يُنْتَفَعُ به، أو ولدٍ صالحٍ يدْعو له] (٤). ٧٥ - ٧٧. قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (٧٥) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٧٦) قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ

стр. 3198

رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (٧٧)﴾. في هذه الآيات: إخبارُ الله تعالى عن جزيل الثواب وحسن الاستقبال لأولئك العباد المتقين في جنات النعيم، التي حسنت مستقرًا ومنزلًا للصالحين، وجزاء التكذيب الخزي والمذلة للمكذبين في الدارين. فقوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ خبر للمبتدأ ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ في بداية الآيات، وما تخلل بين المبتدأ وخبره أوصافهم من التحلي والتخلي، وهي إحدى عشرة -كما ذكر القرطبي-: (التواضع، والحلم، والتهجد، والخوف، وترك الإسراف والإقتار، والنزاهة عن الشرك، والزنى والقتل، والتوبة وتجنب الكذب، والعفو عن المسيء، وقبول المواعظ، والابتهال إلى الله). وقوله: ﴿يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: يثابون على أفعالهم هذه التي فعلوها في الدنيا ﴿الْغُرْفَةَ﴾ وهي منزلة من منازل الجنة رفيعة). وقال القرطبي: (و"الغُرْفة" الدرجة الرفيعة وهي أعلى منازل الجنة وأفضلها كما أن الغرفة أعلى مساكن الدنيا. حكاه ابن شجرة). وعن الضحاك: (الغرفة: الجنة). وقال السدي: (سُمِّيت بذلك لارتفاعها). وقوله: ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾. قال محمد بن علي بن الحسين: (﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ على الفقر والفاقة في الدنيا). وقال الضحاك: (﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ عن الشهوات). قلت: والمقصود أعم من ذلك، فإنهم أثيبوا على صبرهم على إقامة الدين ومقارعة الطغاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقوله: ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾. أي يستقبلون في الجنة بالتحية والسلام في توقير مستمر. قال ابن كثير: (أي يُبْتَدَرُون فيها بالتحية والإكرام، وَيُلَقَّون التوقير والاحترام، فلهم السلام وعليهم السلامُ). وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣].

стр. 3199

٣ - وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (٥٧) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٥ - ٥٨]. وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [ينادي مُنادٍ: إنَّ لكم أن تَصِحُّوا فلا تَسْقَموا أبدًا، وإنَّ لكم أن تَحْيَوا فلا تموتوا أبدًا، وإنَّ لكم أن تَشِبُّوا فلا تهرموا أبدًا، وإنَّ لكم أن تَنْعَموا فلا تبأسوا أبدًا. فذلك قوله : ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾] (١). وقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾. أي: ماكثون فيها طابت منزلًا ومقامًا وحسنت مقيلًا ونعيمًا. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [مَنْ يَدْخُل الجنة يَنْعَمُ لا يَبْأَسُ، لا تَبْلى ثيابُه ولا يفنى شبابُه] (٢). وفي صحيح مسلم عنه أيضًا أن النبي ﷺ قال: [قال الله : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أُذُنٌ سَمِعَت، ولا خَطَرَ على قلب بشر، ذُخْرًا، بَلْهَ ما أطلعكم الله عليه] (٣). وقوله: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي﴾. أي: لا يبالي بكم ولا يكترث بكم إن اخترتم غير منهاج عبادته وتعظيمه. قال ابن زيد: (﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي﴾ يصنع لولا دعاؤكم). وقال مجاهد: (يعبأ: يفعل). وقوله: ﴿لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾. أي: لولا طاعتكم وإيمانكم وعبادتكم. قال ابن عباس. (يقول: لولا إيمانكم، وأخبر الله الكفار أنه لا حاجة له بهم إذ لم يخلقهم مؤمنين، ولو كان له بهم حاجة لحبَّبَ إليهم الإيمان كما حَبَّبهُ إلى المؤمنين). وقال مجاهد: (﴿لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾: لولا دعاؤكم إياه لتعبدوه وتطيعوه). وقوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾. قال ابن عباس: (فقد كذب الكافرون أعداء الله). وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾. أي: حلول العذاب في الدنيا والنكال يوم القيامة.

стр. 3200

قال ابن مسعود: (فسوف يلقون لزامًا يوم بدر). وقال أبي بن كعب: (هو القتل يوم بدر). وقال ابن زيد: (اللزام: القتال. فسوف يكون قتالًا). وعن ابن عباس: (قال: موتًا). وقال الحسن البصري: (﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾، يعني: يوم القيامة). قُلْتُ: ولا تعارض بين القولين، فإن المقصود أن تكذيب الكافرين ستلزمهم تبعاته، سواء في الإهانة والمذلة بالقتل والسبي في الدنيا، أو بالفضيحة والخزي وعذاب الحريق يوم القيامة. ويجمع هذه المعاني كلها ما رواه مسلم في صحيحه وأحمد في مسنده عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ فيما روى عن الله ﵎ أنه قال: [يا عبادي إني حَرّمتُ الظلم على نفسي وجعلته بينكم مُحَرَّمًا فلا تظالموا، يا عبادي كُلّكُم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أَكْسُكُمْ، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعًا فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضرّي فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أنّ أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، يا عبادي لو أنّ أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المِخْيطُ إذا أُدخل البحر، يا عبادي إنما هي أعمالكم، أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومَنَّ إلا نفسه] (١). تمَّ تفسير سورة الفرقان بعون الله وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه.

стр. 3201

دروس ونتائج وأحكام ١ - مقام العبودية أرفع مقام، وقد أثنى الله به على نبينا ﵊. ٢ - تَنَزُّه الله تعالى عن الشريك والولد، فله ملك كل شيء وهو الواحد الأحد. ٣ - اقتضاء حكمة الله جعل الجهاد في الدنيا لإعلاء كلمة الحق لا لسكنى القصور والنظر في الأموال، وأن يكون هذا القرآن بما بسط الله فيه من الآيات البديعة مصدر الإيمان والاستدلال، وقد هيأ الله في الدار الآخرة من النعيم لأوليائه ما يعجز عنه الوصف والخيال. ٤ - البور: الذي ليس فيه من الخير شيء. والمشركون هم الهالكون. ٥ - الله تعالى أغنى الشركاء عن الشرك، ومن يشرك بالله يترك وشركه. ٦ - الحِجْر في كلام العرب: الحرام. والمشركون يقولون يوم يرون الملائكة: حِجْرًا مَحْجُورًا. أي حرامًا محرمًا أن ينعموا بالبشرى. ٧ - الخيمةُ في الجنة درّة طولها ستون ميلًا، في كل زاوية أهل للمؤمن لا يراهم الآخرون، يطوف عليهم المؤمن. ٨ - النصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، وإنَّ مع العسر يُسرًا. ٩ - يُحشر الكافر على وجهه يوم القيامة، فالذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادر على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة. ١٠ - الكافر إذا عمل حسنةً أُطعم بها طُعمَةً من الدنيا، والمؤمن يدخر الله له حسناته في الآخرة، ويُعقبه رِزقًا في الدنيا على طاعته. ١١ - ما من عام بأكثر مطرًا من عام، ولكن الله يصرفه بين خلقه حيث يشاء. فإذا عمل الناس بالمعاصي صرف الله المياه إلى الفيافي والبحار.

стр. 3202

١٢ - البحر: هو الطهور ماؤه، الحِلّ ميتته. ١٣ - أحبّ الكلام إلى الله تعالى: سبحان الله وبحمده. وأحب الأسماء إليه: عبد الله، وعبد الرحمان. ١٤ - في الجنة غرفة يُرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، وهي لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وباتَ قائمًا والناس نيام. ١٥ - أكبر الذنوب: الشرك بالله، وقتل الرجل ولده خشية إطعامه، والزنى بحليلة جاره. ١٦ - ليتمنين أقوام لو أكثروا من السيئات: الذين بدّل الله سيئاتهم حسنات. ١٧ - يبسط الله يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبْسُطُ يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها. ١٨ - من حلفَ على مال امرئ مسلم بغير حَقِّه، لقي الله وهو عليه غضبان. ١٩ - إن الله ليرفع ذرية المؤمن إليه في درجته في الجنة وإن كانوا دونه في العمل لتقرَّ بهم عينه. ٢٠ - مَنْ يدخل الجنة ينعم لا يبأس، لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه، فجزاء التقوى جنات النعيم، وجزاء التكذيب بالحق الخزي في الدارين. * * *

стр. 3203

٢٦ - سُورَةُ الشُّعَراءِ وهي سورة مكية، وعدد آياتها (٢٢٧) موضوع السورة هلاك المكذبين من الأمم والشعراء. - منهاج السورة - ١ - انتصار الله تعالى للقرآن، وتسلية للنبي ﵊. ٢ - تكذيب المشركين بالحق، وسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون، فهلّا نظروا كيف ينبت الله من كل زوج كريم، إن في ذلك لآية من الله العزيز الرحيم. ٣ - ذكر مناداة الله موسى وتكليمه، ومدّه بأخيه هارون ليعينه، وحواره مع فرعون وتكذيبه، وجمعه السحرة لتثبيت سلطانه، وإيمان السحرة وكفرهم به، وشروع فرعون بالتهديد والبطش والتوعد للسحرة الذي قابلوه بإيمان كالجبال، ووصف نهاية فرعون وجنوده وغرقهم ونجاة موسى والمؤمنين بأمر الله الكبير المتعال. ٤ - ثناء الله على خليله إبراهيم، في براءته من أوثان المشركين، وخضوعه الكامل لله ربّ العالمين، وسؤاله النجاة يوم الدين. ٥ - دُنُوُّ الجنة يوم القيامة للمتقين، وتكدس المشركين في نار جهنم صاغرين.

стр. 3204

٦ - تكذيب قوم نوح المرسلين، وحثهم له على طرد المؤمنين، واستمرارهم بالعناد والكفر حتى دكّهم الطوفان فأغرقهم أجمعين. ٧ - تكذيب عاد رسولهم وإصرارهم على الشرك والكبر، حتى جاء أمر هلاكهم من الله العزيز الحكيم، وقد كان سبق في علمه أن أكثرهم لا يؤمنون. ٨ - تكذيب ثمود نبيهم وعقرهم الناقة وقصة إهلاكهم. ٩ - تكذيب قوم لوط رسولهم، وإصرارهم على الفاحشة حتى قلب الله عليهم مدينتهم، وأمطر عليهم حجارة فأهلكهم. ١٠ - تكذيب أهل مدين نبيّهم، والعبث بحقوق الناس وكيلهم، حتى جاء أمر الله بنزول نقمته بهم. ١١ - نزول جبريل بهذا القرآن بلسان عربي مبين، وخبر القرآن في كتب الأولين. ١٢ - سؤال المشركين حين نزول العذاب بهم النظرة والإمهال، وسنة الله في أهل القرى أن لا يهلكهم حتى يأتيهم الإنذار. ١٣ - حفظ الله القرآن عن أيدي الشياطين وسمعهم برمي الشُّهب عليهم. ١٤ - الأمر بالبدء بإنذار العشيرة والأقربين، وخفض الجناح للمؤمنين. ١٥ - تنزّلُ الشياطين على الأفاكين الآثمين، وذمّ الشعراء الضالين المنافقين، واستثناء المؤمنين الصالحين الذين ينتصرون للحق، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. * * *

стр. 3205

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ٩. قوله تعالى: ﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (٤) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٦) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩)﴾. في هذه الآيات: انتصارٌ لهذا القرآن وتسلية للنبي الكريم، وذكر حكمة الله تعالى في اختيار العباد أحد الطريقين، فالمشركون معرضون مكذبون وسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون. فهلّا نظروا إلى الأرض كيف ينبت الله فيها من كل زوج كريم؟ ! إن في ذلك لآية من الله العزيز الرحيم، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون. قوله تعالى: ﴿طسم﴾. تقدم القول في مفهوم الحروف المقطعة في أوائل السور، وأن غاية ما يقال: إن هذا القرآن هو من جنس هذه الأحرف، وهذه السورة الجامعة لتاريخ الأمم مع رسلها ومفهوم الخلق من مبدئه إلى منتهاه قد صيغت في بيان رائع من مثل هذه الحروف التي يتكلم العرب ويتخاطبون بها، ومع ذلك هم عاجزون عن معارضة هذا القرآن بمثله أو بسورة نحوه، أضف إلى ذلك ذكر الانتصار لهذا الكتاب المعجز بعد ذكر هذه الأحرف. قال ابن القيم ﵀ في "الكافية الشافية": وانظر إلى السور التي افتتحت بأحْرفها ... ترى سرًّا عظيم الشان لم يأت قط بسورة إلا أتى ... في إثرها خبر عن القرآن إذ كان إخبارًا به عنها وفي ... هذا الشفاء لطالب الإيمان

стр. 3206

ويدل أن كلامه هو نفسها ... لا غيرها، والحق ذو تبيان فانظر إلى مبدا الكتاب وبعدها الـ ... أعراف ثم كذا إلى لقمان مع تلوها أيضًا ومع حم مع ... يس وافهم مقتضى الفرقان وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾. أي: هذه آيات هذا القرآن البيّن الجلي، الفرقان الذي يفرق بين الحق والباطل. وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِين﴾. أي: لعلك - يا محمد - مهلك نفسك إن أصر قومك على كفرهم. والبَخْعُ في كلام العرب: القتل والإهلاك. قال الرازي: (بَخَعَ نفسه قتلها غَمًّا). وعن ابن عباس: (﴿بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾: قاتل نفسك). قال قتادة: (لعلك من الحرص على إيمانهم مخرج نفسك من جسدك، قال: ذلك البخع). وقوله تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾. أي: إن نشأ أن ننزل عليهم آية تحملهم على الإيمان قهرًا، وتضطرهم إلى الإذعان للحق جبرًا، لفعلنا ذلك، ولكن لا نريد لأحد أن يؤمن إلا باختياره، فمضت حكمة الله بإرسال الرسل وإنزال الكتب. قال ابن جريج: (لو شاء الله لأراهم أمرًا من أمره لا يعمَل أحد منهم بعده بمعصية). وعن ابن عباس: (قوله: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ قال: ملقين أعناقهم). وعن مجاهد: (فظلوا خاضعة أعناقهم لها). وقال ابن زيد: (الخاضع: الذليل). وخلاصة المعنى كما قال قتادة: (لو شاء الله لنزل عليه آية يذلون بها، فلا يَلْوي أحد عنقه إلى معصية الله). وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩].

стр. 3207

يروي أبو نعيم في "الحلية" بسند حسن عن عبد الله بن عمر ﵁، عن النبي ﷺ قال: [إنَّ الله لو شاء أن لا يُعصى ما خلق إبليس] (١). ورواه البيهقي في "الأسماء" من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال النبي ﷺ لأبي بكر: [يا أبا بكر! لو أراد الله أن لا يُعصى ما خلق إبليس]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وما يجيء هؤلاء المشركين الذين يكذبونك ويجحدون ما أتيتهم به يا محمد من عند ربك من تذكير وتنبيه على مواضع حجج الله عليهم على صدقك، وحقيقة ما تدعوهم إليه مما يحدثه الله إليك ويوحيه إليك، لتذكرهم به، إلا أعرضوا عن استماعه، وتركوا إعمال الفكر فيه وتدبيره). وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. وعيد وإنذار، وتهديد بالهلاك والدمار، لأولئك المتمادين في تكذيبك يا محمد. قال النسفي: (﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ محمدًا ﷺ فيما أتاهم به ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ﴾ فسيعلمون ﴿أَنْبَاءُ﴾ أخبار ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ وهذا وعيد لهم وإنذار بأنهم سيعلمون اذا مسهم عذاب الله يوم بدر أو يوم القيامة ما الشيء الذي كانوا يستهزئون به وهو القرآن، وسيأتيهم أنباؤه وأحواله التي كانت خافية عليهم). وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾. تذكير بعظمته تعالى، وتنبيه إلى بعض آلائه جل ذكره. أي: أولم ير هؤلاء المشركون المكذبون بالبعث من القبور، والنشر إلى الأرض يوم النشور، كم أنبتنا فيها بعد أن كانت ميتة لا نبات فيها، من كل زوج كريم: أي حسن بهي من الزروع والثمار. قال مجاهد: (﴿أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ قال: من نبات الأرض، مما تأكل الناس والأنعام).

стр. 3208

وعن قتادة: (﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ قال: حسن). قال الشعبي: (الناس من نبات الأرض، فمن دخل الجنة فهو كريم، ومن دخل النار فهو لئيم). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. أي: إن فيما ذكر من الإنبات في الأرض لدلالة على قدرة الله تعالى الذي لا يعجزه شيء، ولكن أكثر الناس في غفلة وبُعد عن الإيمان والصدق واليقين. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾. قال القرطبي: (يريد المنيع المنتقم من أعدائه، الرحيم بأوليائه). ١٠ - ٢٢. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (١١) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤) قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٧) قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (١٩) قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢١) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٢)﴾. في هذه الآيات: ذِكْرُ الله نداءه عبده ورسوله وكليمه موسى ﵊ حين ناداه وناجاه من جانب الطور الأيمن وأرسله إلى القوم الظالمين - أي الكافرين - قوم فرعون الطاغية يحذرهم بأس الله وعقابه كي يتقوه. فرغب موسى ﷺ إلى ربه تعالى بإزاحة أعذار يجدها: من خوف تكذيبه، وضيق صدره، وعدم انطلاق لسانه - للعلة القديمة التي كانت به -، فرجا ربه أن يؤازره بأخيه هارون. ثم إن ذنب القتل الذي عليه يجعله يخشى ثأر القوم وبطشهم به، فأيده ربه ليبلغ رسالته هو وهارون، إلى فرعون الذي أخذ يمتن عليه برعايته أيام طفولته ويأخذ عليه ذنب القتل والفرار، فقابله موسى بإساءته الأكبر من ذلك، وهي جعله بني إسرائيل عبيدًا له وخدمًا، يقهرهم ويظلمهم.

стр. 3209

والآيات الأولى من هذه الفقرة تشبه قوله تعالى في سورة طه: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (٣٥) قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى﴾ [طه: ٢٥ - ٣٦]. وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾. قال مجاهد: (قتل النفس التي قتل منهم). وعن قتادة: (﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ يقول: فأخاف أن يقتلوني قودًا بالنفس التي قتلت منهم). والمقصود: قتله ذلك القبطي الذي كان سبب خروجه من بلاد مصر. وقوله تعالى: ﴿قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾. أي: كلا لا تخف بطش القوم، فاذهب أنت وهارون، إنني معكما بحفظي وكلاءتي ونصري وتأييدي. وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٥]. ٢ - وقال تعالى: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]. قلت: فجاءت صفة السمع والبصر لتفسر المعية. أي إنه سبحانه بذاته فوق عرشه معهما بسمعه وبصره. كما في الآية الأخرى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]. قال الإمام البغوي الشافعي (١): (أي: إلا هو رابعهم بالعلم). وقوله تعالى: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. قال ابن كثير: (وقال في الآية الأخرى: ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧]، أي: كلٌّ منا رسولٌ من ربك إليك، ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، أي: أطلقهم من إسارِكَ وقبضتك وقهرك وتعذيبك، فإنهم عباد الله المؤمنون، وحِزْبُه المخلصون، وهم معك في العذاب المهين. فلما قال له موسى ذلك أعرض فرعونُ عما هُنالك بالكلية، ونظر بعين الازدراء والغَمْص فقال: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾).

стр. 3210

وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾. قال القرطبي: (على جهة المنّ عليه والاحتقار. أي: ربيناك صغيرًا ولم نقتلك في جملة من قتلنا). وقال النسفي: (والوليد الصبي لقرب عهده من الولادة، أي: ألم تكن صغيرًا فربيناك). وقوله تعالى: ﴿وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾. أي: مكثت فينا تحت نعمتنا لك مدة من السنين، فمتى كان هذا الذي تدعيه؟ ! . وقوله تعالى: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾. أي: الجاحدين. قال ابن زيد: (قال: ربيناك فينا وليدًا، فهذا الذي كافأتنا أن قتلت منا نفسًا، وكفرت نعمتنا). وعن ابن عباس: ﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ يقول: كافرًا للنعمة أن فرعون لم يكن يعلم ما الكفر). فالمعنى: يقول فرعون: أفبعد أن أنعمنا عليك بالرعاية والتربية والإطعام مدة من السنين في بيتنا، قابلت تلك النعمة أن قتلت منا رجلًا، وجحدت إحساننا إليك. وقوله تعالى: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾. قال مجاهد: (من الجاهلين). أي: أقدمت على ذلك القتل قبل أن يوحى إليّ ويكرمني الله تعالى بالرسالة والنبوة. وقوله تعالى: ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. قال القاسمي: (أي تقتلوني على القتل الخطأ، فنجاني الله منكم، وزادني إنعامًا ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ أي حكمة أو نبوة ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: لإبطال دعواك الربوبية، واستئصال شُبَه ما عليه قومك من الوثنية. وطلب إرسال قومي إلى مواطنهم الأصلية). وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. قال مجاهد: (قهرتهم واستعملتهم). وقال قتادة: (يقول موسى لفرعون: أتمنّ علي أن اتخذت أنت بني إسرائيل عبيدًا). قال ابن كثير: (أي: وما أحسنتَ إليَّ ورَبَّيْتَني مُقابل ما أسأتَ إلى بني إسرائيل! فجعلتهم عبيدًا وخدمًا، تُصرِّفُهم في أعمالك ومشاقِّ رَعيَّتِك، أَفَيفي إحسانُكَ إلى رجلٍ واحدٍ منهم بما أسأتَ إلى مجموعهم؟ ! . أي: ليس ما ذكرتَه شيئًا بالنسبة إلى ما فعلتَ بهم).

стр. 3211

٢٣ - ٢٨. قوله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨)﴾. في هذه الآيات: إخبارٌ من الله تعالى عن عتو فرعون وطغيانه، وعن تمرّده وجحوده وعناده، فهو يريد إثبات الربوبية لنفسه، وموسى ﵇ يحاجّه بقوارع الوحي ولوازم الربوبية التي لا تكون إلا لله رب السماوات والأرض والمشرق والمغرب، ورب كل شيء ومليكه. فقوله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. فيه تطاول ومماداة من فرعون اللعين، لأنه صَدَّقَ كَذِبَه حين قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]. ولأنه استجهل قومه واستصغر عقولهم كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزخرف: ٥٤]. وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾. قال ابن جرير: (﴿قَالَ﴾ موسى هو ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ومالكهن ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ يقول: ومالك ما بين السماوات والأرض من شيء ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ يقول: إن كنتم موقنين أن ما تعاينونه كما تعاينونه، فكذلك فأيقنوا أن ربنا هو رب السماوات والأرض وما بينهما). وقوله تعالى: ﴿قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾. محاولة من فرعون لكسب تأييد الجماهير له عن طريق الاستخفاف بقيل موسى له. قال القرطبي: (فقال فرعون: ﴿أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾ على معنى الإغراء والتعجب من سفه المقالة إذ كانت عقيدة القوم أن فرعون ربهم ومعبودهم والفراعنة قبله كذلك). وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾. أي: قال لهم موسى - حين أرادوا إظهار التعجب - بل هو الله تعالى ربكم ورب

стр. 3212

آبائكم وأجدادكم. فجاء بدليل يفهمونه عنه، ففناء الآباء والأجداد بانتظام واستمرار لابد لتلك الحوادث من مُغَيِّر، ولا يُعقل أنها تجري جزافًا. وقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾. هو محاولة جديدة من فرعون لصرف قوة تأثير موسى على قومه عن طريق الاستخفاف والاتهام بالجنون، شأن المفلسين من الحجة على مدار الزمان. وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾. قال النسفي: (﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فتستدلون بما أقول فتعرفون ربكم، وهذا غاية الإرشاد، حيث عَمَّمَ أولًا بخلق السماوات والأرض وما بينهما، ثم خَصَّصَ من العام للبيان أنفسهم وآباءهم، لأن أقرب المنظور فيه من العاقل نفسه ومن ولد منه وما شاهد من أحواله من وقت ميلاده إلى وقت وفاته، ثم خَضَصَ المشرق والمغرب لأن طلوع الشمس من أحد الخافقين وغروبها في الاخر على تقدير مستقيم في فصول السنة، وحساب مستو من أظهر ما استدل به). والمقصود: أن موسى ﵊ أراد تصغير فرعون وكبرياءه أمام قومه بحجة الوحي البالغة، فكأنه يقول له: إنك إن كنت تملك بلدًا واحدًا وقومًا تتحكم بحياتهم وشؤونهم فلست بشيء أمام مالك ما بين المشرق والمغرب وما بين السماوات والأرض فاعقلوا معشر السامعين. ٢٩ - ٣٧. قوله تعالى: ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (٣٣) قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (٣٥) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧)﴾. في هذه الآيات: تهديدُ فرعون لموسى إن صرف الإلهية لغيره، ومقابلة موسى له بالآيات الباهرات، والدلالات المعجزات، واتهامُ فرعون له بالسحر وجمعه السحرة للانتصار لسلطانه وطغيانه.

стр. 3213

فقوله تعالى: ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾. لجوء من فرعون لبسط نفوذه وسلطانه لاحتواء الموقف قبل أن يتدهور ويُكشف الكذب. فقال لموسى: لئن أقررت بمعبود غيري لأسجننك مع من في السجن من أهله. وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾. قال ابن جرير: (- يقول - أتجعلني من المسجونين ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ يبين لك صدق ما أقول يا فرعون وحقيقة ما أدعوك إليه. وإنما قال ذلك له، لأن من أخلاق الناس السكون للإنصاف، والإجابة إلى الحق بعد البيان). وقوله تعالى: ﴿قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾. قال ابن عباس: (يقول: مبين له خلق حية). وقوله تعالى: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾. أي: وأخرج موسى يده من جيبه فإذا هي بيضاء تلمع لمن ينظر إليها. قال النسفي: (فيه دليل على أن بياضها كان شيئًا يجتمع النظارة على النظر إليه لخروجه عن العادة، وكان بياضها نوريًا). وقوله تعالى: ﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾. قال ابن كثير: (أي: فاضِلٌ بارعٌ في السِّحْر. فَرَوّجَ عليهم فرعونُ أن هذا من قبيل السِّحر لا من قبيل المعجزة، ثم هَيَّجَهُمْ وحَرَّضَهم على مخالفته والكفْر به. فقال: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾، أي: أراد أن يذهب بقلوب الناس معه بسبب هذا، فيكثر أعوانُه وأنصارُه وأتباعُه ويغلبكم على دولتكم، فيأخذَ البلاد منكم، فأشيروا عليَّ فيه ماذا أصنعُ به؟ ). وقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾. أي: فأجابوه قائلين: أخِّره وأخاه حتى تحشد له عمالقة السِّحر في أرجاء مملكتك ليقارعوا سحره بخبرتهم العالية في هذا الفن، فتكون الغلبة لك في النهاية بعد اندحار أمره وانحسار سحره. ٣٨ - ٤٨. قوله تعالى: ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨) وَقِيلَ لِلنَّاسِ

стр. 3214

هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (٤٠) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢) قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣) فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (٤٤) فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (٤٥) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (٤٦) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (٤٨)﴾. في هذه الآيات: مجيءُ السحرة للميقات المعلوم، وتقريب فرعون لهم، واجتماع الناس لرؤية من تكون له الغلبة، وابتداء السحرة المشهد بِسحر حبالهم وعصيهم، وإلقاء موسى عصاه لتلقف ما يأفكون، وليخر السحرة ساجدين، معلنين الإيمان بالله رب العالمين، رب موسى وهارون. فقوله تعالى: ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾. قال النسفي: (أي: يوم الزينة وميقاته وقت الضحى، لأنه الوقت الذي وقته لهم موسى ﵇ من يوم الزينة في قوله تعالى: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩]). وقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾. قال القاسمي: (أي: لرؤية ما يعارض معجزة موسى. وكان خَامَرَ فؤادهم عجب منها واندهاش. والاستفهام مجاز عن الحث والاستعجال). وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾. قال ابن كثير: (وحُشِد الناسُ في الاجتماع ذلك اليوم، وقال قائلهم: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾، ولم يقولوا: نَتَّبع الحق سواءٌ كان من السَّحَرة أو من موسى، بل الرعية على دين ملكهم). وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾. أي: فلما جاء السحرة للمكان المخصص لهم وقد حشد فرعون حشمه وخدَمه ووزراءه ورؤساء دولته وجنود مملكته، كلّم السحرة فرعون قبل الشروع في مهمتهم يذكّرونه بما يأملون من الإحسان منه إليهم والرفع لمنزلتهم عنده إذا هم أفلحوا في

стр. 3215

وظيفتهم وربحوا الجولة على موسى. فأجابهم: نعم وبكل تأكيد إنكم ستكونون من أخص المقربين، ومن أقرب الجلساء والمعنيّين. وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣) فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾. أي: لما اطمأنوا من فرعون على ما يطمحون لديه من المنزلة بعد النصر، عادوا إلى مقام المناظرة. وفي الكلام اختصار يفسره قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَالَ بَلْ أَلْقُوا﴾ [طه: ٦٥ - ٦٦]. فألقوا حبالهم وعصيهم التي تشكل أدوات سحرهم وأقسموا بعزة فرعون ليكونن من يكسب هذه المنافسة والمناظرة. قال النسفي: (أقسموا بعزته وقوته وهو من أيمان الجاهلية). قال ابن كثير: (وهذا كما يقول الجهلة من العوام إذا فعلوا شيئًا: هذا بثواب فلان). وقوله تعالى: ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾. فيه اختصار لتفصيل أكبر ورد في سورة الأعراف وطه. ١ - قال تعالى: ﴿قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦]. ٢ - وقال تعالى: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٦ - ٦٩]. ٣ - وقال ها هنا: ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: فإذا عصا موسى تزدرد ما يأتون به من الفرية والسحر الذي لا حقيقة له، وإنما هو مخاييل وخدعة). والمقصود: أن عصا موسى تحولت بإذن الله إلى حَيَّة تخطف وتبتلع كل أدوات مكر السحرة ضمن مشهد رهيب. وقوله تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (٤٦) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾. قال عكرمة: (أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء). فنصر الله الحق في يوم مشهود، وكان نصرًا كبيرًا مؤزرًا خُذِلَ فيه فرعون بغطرسته أيما خذلان، إذ استنصر بالسحرة ومهّد لهم من الوعود والآمال الكبيرة، فإذا بهم

стр. 3216

يؤمنون ويخذلونه ويخرون لله ساجدين، قائلين آمنا برب العالمين، رب موسى وهارون، كافرين بربوبية فرعون الكاذبة ومكر أتباعه وجنده المجرمين. ٤٩ - ٥١. قوله تعالى: ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩) قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (٥٠) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١)﴾. في هذه الآيات: شروعُ فِرعون باللجوء إلى التهديد والبطش والتوعد للسحرة الذين قابلوه بإيمان كالجبال، مستخفين ببأسه طامعين بمغفرة الله رب العالمين. فقوله: ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾. يقول فرعون: إنه كان ينبغي أن تستأذنوني في أمر إيمانكم فإني أنا الحاكم المطاع والأمر لي ولا يكون الإيمان إلا بي. وقوله: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾. قال ابن كثير: (وهذه مكابرة يعلم كُلُّ أحدٍ بُطلانَها، فإنهم لم يجتمعوا بموسى قبل ذلك اليوم، فكيف يكون كبيرَهم الذي أفادهم صناعة السحر؟ ! هذا لا يقوله عاقل). وقوله: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. توعَّدهم بقطع الأيدي والأرجل والصَّلب. قال القاسمي: (﴿مِنْ خِلَافٍ﴾ أي: جانبين متخالفين). وقال النسفي: (﴿مِنْ خِلَافٍ﴾ من أجل خلاف ظهر منكم). وقوله: ﴿قَالُوا لَا ضَيْرَ﴾. أي: لا حرج، فليكن ما يكون، لقد ظهر الحق وكُشِفَ عن القلوب حجاب الكفر، فما كان من أمر موسى لا يصدر عن بشر، إلا أن يكون عن خالق البشر، الذي أيده بنصره وتمكينه وأبطل المكر والسحر، فافض ما أنت قاض فإنا لا نبالي ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾ - أي: المرجع والمآل إليه، والثواب والعقاب بين يديه، وهو لا يضيع أجر من أحسن عملًا، ولا يخيب عنده جهاد المؤمنين وصبرهم على الأذى والظلم. قال ابن زيد: (﴿لَا ضَيْرَ﴾ هو يقول: لا يضرّنا الذي تقول، وإن

стр. 3217

صنعته بنا وصلبتنا ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾ يقول: إنا إلى ربنا راجعون، وهو مجازينا بصبرنا على عقوبتك إيانا، وثباتنا على توحيده، والبراءة من الكفر به). وقوله: ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا﴾. قال ابن زيد: (السحر والكفر الذي كانوا فيه). وقوله: ﴿أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال ابن وهب، قال ابن زيد: (كانوا كذلك يومئذ أول من آمن بآياته حين رأوها). والمقصود: إنا نرجو عفو الله ومغفرته عما انغمسنا فيه من السحر والكفر وطاعة فرعون، ونتوسل إليه سبحانه بعمل صالح: أن كنا أول من أعْلنَ إيمانه بالله العظيم. ٥٢ - ٥٩. قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٥٣) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (٥٦) فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. في هذه الآيات: وَحْيُ الله تعالى إلى موسى ﵇ الخروج ليلًا مع بني إسرائيل، واتباع فرعون وجنوده لهم، وإغراق الله تعالى فرعون وجنده واستخلاف بني إسرائيل. فقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾. سنة الله تعالى في التوطئة لإنجاء المؤمنين، وإهلاك الكافرين، بعد رضاه سبحانه عن منهاج فئة الإيمان، وبلاع حجة الرحمان، حجة الوحي البالغة. فإنه لما قام موسى ﵇ ببلاد مصر يدعو إلى عبادة الله وحده والكفر بفرعون وغروره في دعواه الربوبية، لم يكن بُدٌّ بعد حين مِن استعارِ نار العداوة من الطاغية إلى حد الطغيان، فهنا جاء أمر الله لموسى والمؤمنين بالهجرة فقد اقترب يوم الفصل. قال القرطبي: (أمر موسى أن يخرج ببني إسرائيل ليلًا وسمّاهم عباده، لأنهم آمنوا بموسى. ومعنى: ﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ أي: يتبعكم فرعون وقومه ليردوكم. وفي ضمن هذا الكلام تعريفهم أن الله ينجيهم منهم، فخرج موسى ﵇ ببني إسرائيل سَحَرًا،

стр. 3218

فترك الطريق إلى الشام على يساره وتوجه نحو البحر. قال: فلما أصبح فرعون وعلم بِسُرى موسى ببني إسرائيل، خرج في أثرهم). وقوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾. قال النسفي: (أي جامعين للناس بعنف). والمقصود: أن فرعون قد استنفر وبعث بأمره إلى مدائن مصر لتلحقه العسكر. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾. قال القاسمي: (-أي- جامعين لعسكره، قائلين ما يقلِّل به الأعداء في أعين الجنود). وأصل الشِّرذمة - في كلام العرب - الجمع القليل المحتقر، والجمع: الشَّراذِم. قال الجوهري: (الشِّرذمة الطائفة من الناس والقطعة من الشيء). والمقصود: يقول فرعون مشجعًا جنوده في الأمصار، على الالتحاق به بسرعة واستنفار، إن هؤلاء - يعني بني إسرائيل - طائفة قليلة خرجت عن الطاعة ولا بد من تأديبها. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾. هو من قيل فرعون الممتلئ صدره غيظًا مما يجري ضده. أي: وإنهم في مسلكهم هذا يفعلون أفعالًا تغيظنا، وتضيق به صدورنا، من اختيارهم الإيمان على غير طريقتنا، وخلاف أمرنا، وخروجه دون إذننا. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾. أي: متيقظون مستعدون حذرون، متهيئون بالسلاح لاستئصال شأفتهم وإبادة خضرائهم والإجهاز عليهم. قال النسفي: (وهذه معاذير اعتذر بها إلى أهل المدائن لئلا يظن به العجز والفتور). وقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾. أي: انقلب المكر على أهله. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: فأخرجنا فرعون وقومه من بساتين وعيون ماء، وكنوز ذهب وفضة، ومقام كريم).

стр. 3219

وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. أي: وأورث الله ذلك الجاه والمنازل العالية والبساتين والأنهار والأموال والأرزاق مؤمني بني إسرائيل. وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٥ - ٦]. ومن كنوز السنة العطرة في آفاق تلك الآيات أحاديث: الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه قال: [لما فتحت قبرس فرق بين أهلها، فبكى بعضهم إلى بعض، رأيت أبا الدرداء جالسًا وحده يبكي، فقلت: يا أبا الدرداء ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟ فقال: ويحك يا جبير، ما أهونَ الخلق على الله إذا أضاعوا أمره، بينما هي أمة قاهرة ظاهرة، لهم الملك، تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى] (١). الحديث الثاني: أخرج أبو داود بسند صحيح عن عمرو بن مُرَّة قال: سمعت أبا البختري يقول: أخبرني مَنْ سَمِعَ النبي ﷺ يقول: [لَنْ يَهْلِكَ الناسُ حتى يُعْذَروا من أنْفسهم] (٢). الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند حسن من حديث جرير أن النبي ﷺ قال:

стр. 3220

[ما مِنْ قوم يُعْمَلُ فيهم بالمعاصي، هُمْ أَعَزُّ وأكثرُ مِمَّنْ يَعْمَلُهُ، لمْ يُغيِّروه، إلا عَمَّهم الله بعقاب] (١). الحديث الرابع: أخرج البيهقي في "شعب الإيمان" بسند حسن في الشواهد عن عائشة مرفوعًا: [إذا ظهر السوء في الأرض أنزل الله بأسه بأهل الأرض، وإن كان فيهم صالحون، يصيبهم ما أصاب الناس، ثم يرجعون إلى رحمة الله] (٢). وله شاهد عند الطبراني والحاكم من حديث ابن عباس مرفوعًا: [إذا ظهر الزِّنا والرِّبا في قرية، فقد أحَلُّوا بأنفسهم عذاب الله]. ٦٠ - ٦٨. قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠) فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦٨)﴾. في هذه الآيات: قصةُ غرق الطاغية فرعون وجنده الظالمين، وانفلاق البحر ونجاة موسى ﵇ والمؤمنين، وفي ذلك أكبر آية من الله العزيز الرحيم، وقد كان سبق في علم الله أن أكثرهم لا يؤمنون. فقوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾. قال مجاهد: (فرعون وأصحابه، وخيل فرعون في ملء أعنتها في رأي عيونهم، ولا تبرح، حبست عن موسى وأصحابه حتى تواروا). وقوله: ﴿مُشْرِقِينَ﴾ حال، أي: داخلين في وقت شروق الشمس وهو طلوعها، أدرك فرعون - الذي خرج في جَحْفلٍ عظيم وجمع كبير من الجنود والأعوان والأمراء والوزراء - موسى وقومه وقت طلوع الشمس.

стр. 3221

وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾. أي: فلما رأى كل فريق من الفريقين صاحبه قال أصحاب موسى له: إنا لملحقون. قال النسفي: (أي: قرب أن يلحقنا عدونا وأمامنا البحر). وقوله تعالى: ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾. قال السدي: (يقول: سيكفيني). أي: قال موسى لقومه كلا لا تخافوا وأحسنوا ثقتكم بالله فإنكم لن تُدْرَكُوا، إنَّ معي ربي سيهديني. قال ابن جرير: (يقول: سيهديني لطريق أنجو فيه من فرعون وقومه). وقوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾. قال ابن عباس: (يقول: كالجبل). وقال السدي: (﴿كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾: كالجبل العظيم). أي: فأوحينا أمرنا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فضربه فانفلق بإذن الله فكان كل جزء متفرق منه كالجبل الكبير. قال ابن عباس: (صار البحر اثني عشر طريقًا، لكل سِبْطٍ طريق). وزاد السدي: (وصار فيه طاقاتٌ ينظر بعضهم إلى بعض، وقام الماء على حَيْلِهِ كالحيطان، وبعثَ الله الريح على قَعر البحر فَلَفَحته، فَصَار يَبَسًا كوجه الأرض، قال الله تعالى: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: ٧٧]). وقوله تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾. قال ابن عباس: (قرّبنا). وقال قتادة: (هم قوم فرعون قربهم الله حتى أغرقهم في البحر). قال القاسمي: (﴿وَأَزْلَفْنَا﴾ أي: قرّبنا ﴿ثَمَّ﴾ أي: حيث انفلق البحر ﴿الْآخَرِينَ﴾ يعني قوم فزعون، أي: قدمناهم إلى البحر حتى دخلوا على أثر بني إسرائيل). وقوله تعالى: ﴿وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾. أي: حفظنا البحر على تلك الهيئة حتى عبر موسى ومن معه ونجوا. ثم أطبقنا البحر على قوم فرعون فهلكوا ولم يبق منهم أحد. أخرج الإمام الترمذي في جامعه، والإمام أحمد في مسنده، بسند صحيح عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: [لمَّا أغرق الله فِرْعونَ قال: آمَنْتُ أنَّه لا إله إلا الذي آمنت به

стр. 3222

بنو إسرائيل. فقال جبرئيل: يا مُحمَّدُ لو رَأَيْتَني وأنا آخذ من حالِ البَحْر وأدُسُّهُ في فيهِ مخافةَ أنْ تدركَهُ الرَّحْمة] (١). وكذلك روى الترمذي عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، ذكر أحدهما عن النبي ﷺ : [أنّهُ ذَكَرَ أنَّ جِبْرَئيل جعل يَدُسُّ في فِي فِرْعونَ الطينَ، خَشْيةَ أن يقولَ: لا إلهَ إلا الله فَيرحَمَهُ الله، أوْ خَشْيَةَ أن يَرْحَمَهُ] (٢). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾. أي: إن في هذا الخبر عن فرعون ومصيره هو وقومه وما في ذلك من العجائب والنصر والتأييد من الله لعباده المؤمنين، لدلالة وحجة بالغة لمن أراد الاعتبار والتدبر، ولكن ما كان أكثر قومك - يا محمد - مؤمنين بما آتاك الله من الآيات والحق المبين. وإن ربك لهو ﴿الْعَزِيزُ﴾ في انتقامه ممن كفر به وكذب رسله ﴿الرَّحِيمُ﴾ بأوليائه وأتباع رسله ومن أنجى منهم أن ينالهم الغرق والعذاب الذي نزل بأعدائه. قال ابن جرير: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يقول: وما كان أكثر قومك يا محمد مؤمنين بما آتاك الله من الحق المبين، فسابق في علمي أنهم لا يؤمنون). ٦٩ - ٧٧. قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (٧٠) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (٧١) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤) قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧)﴾. في هذه الآيات: إخبارٌ من الله تعالى عن عبده ورسوله وخليله إبراهيم، عليه أفضل الصلاة والتسليم، إمام الحنفاء وقدوة الموحدين، وأسوة المخلصين والمتوكلين، في خطابه لأبيه وقومه المشركين، الذين يعبدون الأصنام محتجين بفعل آبائهم الضالين، وقد أعلن لهم براءته من أوثانهم وخضوعه الكامل لله رب العالمين.

стр. 3223

فقوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾. أي: واقصص يا محمد على قومك من المشركين خبر أبيهم إبراهيم، إذ استنكر على أبيه وقومه ما يعبدون من دون الله من الأصنام والأوثان. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾. قال ابن عباس: (الصلاة لأصنامهم). قال ابن جرير: (قالوا له نعبد أصنامًا. فنظل لها خدمًا مقيمين على عبادتها وخدمتها). وقوله تعالى: ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾. أي: قال لهم إبراهيم: هل يسمعون دعاءكم حين تدعونهم، أو يجلبون لكم النفع إن عبدتموها، أو يضرونكم بأذى إن تركتم عبادتها؟ ! فأجابوه معترفين بأن أصنامهم لا تفعل شيئًا من ذلك وإنما هو تعظيم ميراث الآباء وطريقتهم. قال أبو السعود: (اعترفوا بأنها بمعزل مما ذكر من السمع والمنفعة والمضرّة بالمرة. واضطروا إلى إظهار أن لا سند لهم سوى التقليد). وقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾. قال ابن كثير: (أي: إن كانت هذه الأصنام شيئًا ولها تأثير فَلْتخْلُص إليَّ بالمساءة، فإني عَدُوٌّ لها لا أباليها ولا أفكِّرُ فيها). وفي التنزيل من سير الأنبياء نحو ذلك: ١ - قال تعالى - مخبرًا عن نوح ﵇: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾ [يونس: ٧١]. ٢ - وقال تعالى - مخبرًا عن هود ﵇: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٤ - ٥٦]. ٣ - وقال تعالى - مخبرًا عن إبراهيم ﷺ : ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤].

стр. 3224

٤ - وقال تعالى عنه أيضًا: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا﴾ [الأنعام: ٨١]. ٧٨ - ٨٢. قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)﴾. في هذه الآيات: إعلانُ إبراهيم لقومه بعض صفات ربه الكريم، فهو الذي خلقه ويهديه، ويطعمه ويسقيه، وإذا مرض فهو يشفيه، وهو الذي يميته ويحييه، وهو بذلك خاضع له طامع بمغفرته، والنجاة من سخطه وعذابه. فقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾. أي: يرشدني إلى الدين الحق. قال ابن جرير: (﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ للصواب من القول والعمل، ويسدّدني للرشاد). وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾. أي: والذي هو يغذوني بالطعام والشراب، ويرزقني الأرزاق والطيبات. قال القرطبي: (ودخول ﴿هُوَ﴾ تنبيه على أن غيره لا يُطعم ولا يسقي، كما تقول: زيد هو الذي فعل كذا، أي: لم يفعله غيره). وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾. أي: وإذا اعتل جسمي ونزلت به الأسقام والآلام، فهو وحده الذي يبرئه ويشفيه ويعافيه. وفي الآية دلالة على أدب رفيع تألق به إبراهيم ﷺ ، إذ نسب المرض لنفسه والشفاء لله، مع أن الكل من عند الله، وإنما هذا منهاج العبودية الصحيحة لله جل ثناؤه، فإن المؤمن يعتبر ما يعتريه من المصائب والأسقام والهموم والآلام بسبب ذنوبه وتقصيره. كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠].

стр. 3225

وفي معجم الطبراني "الصغير" بسند حسن عن البراء بن عازب مرفوعًا: [ما اخْتلَجَ عِرْقٌ ولا عَيْنٌ إلا بِذَنْبٍ، وما يَدْفَعُ الله عنه أكثر] (١). وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾. أي: وهو الذي يميتني إذا شاء ثم يحييني متى شاء، فالبدء والمنتهى إليه، وبأمره البعث للقيام بين يديه. قال النسفي: (ولم يقل إذا مت لأنه الخروج من حبس البلاء، ودار الفناء، إلى روض البقاء، لوعد اللقاء، وأدخل ثم في الإحياء لتراخيه عن الإفناء، وأدخل الفاء في الهداية والشفاء لأنهما يعقبان الخلق والمرض لا معًا معًا). وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾. قال مجاهد: (قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]، وقوله لسارة: إنها أختي، حين أراد فرعون من الفراعنة أن يأخذها). وهذه الأخطاء التي كان يخشى منها إبراهيم ﵊ ما هي إلا من المعاريض الجائزة، وإنما استغفار الأنبياء تواضع منهم لربهم، وهضم لأنفسهم، وتربية وتعليم لأمتهم، لينهجوا نهج الاستغفار، الذي هو مفتاح كثير من الفرج ونزول طيب الأقدار. ٨٣ - ٨٩. قوله تعالى: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣) وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾. في هذه الآيات: التجاءُ إبراهيم ﵇ إلى ربه سائلًا العلم والحكمة واللحاق بركب الصالحين، وحفظ السمعة العطرة له في الآخرين، وجعله من ورثة جنة
следующие страницы →