← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾. أي: فلما رأى كل فريق من الفريقين صاحبه قال أصحاب موسى له: إنا لملحقون. قال النسفي: (أي: قرب أن يلحقنا عدونا وأمامنا البحر). وقوله تعالى: ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾. قال السدي: (يقول: سيكفيني). أي: قال موسى لقومه كلا لا تخافوا وأحسنوا ثقتكم بالله فإنكم لن تُدْرَكُوا، إنَّ معي ربي سيهديني. قال ابن جرير: (يقول: سيهديني لطريق أنجو فيه من فرعون وقومه). وقوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾. قال ابن عباس: (يقول: كالجبل). وقال السدي: (﴿كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾: كالجبل العظيم). أي: فأوحينا أمرنا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فضربه فانفلق بإذن الله فكان كل جزء متفرق منه كالجبل الكبير. قال ابن عباس: (صار البحر اثني عشر طريقًا، لكل سِبْطٍ طريق). وزاد السدي: (وصار فيه طاقاتٌ ينظر بعضهم إلى بعض، وقام الماء على حَيْلِهِ كالحيطان، وبعثَ الله الريح على قَعر البحر فَلَفَحته، فَصَار يَبَسًا كوجه الأرض، قال الله تعالى: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: ٧٧]). وقوله تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾. قال ابن عباس: (قرّبنا). وقال قتادة: (هم قوم فرعون قربهم الله حتى أغرقهم في البحر). قال القاسمي: (﴿وَأَزْلَفْنَا﴾ أي: قرّبنا ﴿ثَمَّ﴾ أي: حيث انفلق البحر ﴿الْآخَرِينَ﴾ يعني قوم فزعون، أي: قدمناهم إلى البحر حتى دخلوا على أثر بني إسرائيل). وقوله تعالى: ﴿وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾. أي: حفظنا البحر على تلك الهيئة حتى عبر موسى ومن معه ونجوا. ثم أطبقنا البحر على قوم فرعون فهلكوا ولم يبق منهم أحد. أخرج الإمام الترمذي في جامعه، والإمام أحمد في مسنده، بسند صحيح عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: [لمَّا أغرق الله فِرْعونَ قال: آمَنْتُ أنَّه لا إله إلا الذي آمنت به

стр. 3222

بنو إسرائيل. فقال جبرئيل: يا مُحمَّدُ لو رَأَيْتَني وأنا آخذ من حالِ البَحْر وأدُسُّهُ في فيهِ مخافةَ أنْ تدركَهُ الرَّحْمة] (١). وكذلك روى الترمذي عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، ذكر أحدهما عن النبي ﷺ : [أنّهُ ذَكَرَ أنَّ جِبْرَئيل جعل يَدُسُّ في فِي فِرْعونَ الطينَ، خَشْيةَ أن يقولَ: لا إلهَ إلا الله فَيرحَمَهُ الله، أوْ خَشْيَةَ أن يَرْحَمَهُ] (٢). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾. أي: إن في هذا الخبر عن فرعون ومصيره هو وقومه وما في ذلك من العجائب والنصر والتأييد من الله لعباده المؤمنين، لدلالة وحجة بالغة لمن أراد الاعتبار والتدبر، ولكن ما كان أكثر قومك - يا محمد - مؤمنين بما آتاك الله من الآيات والحق المبين. وإن ربك لهو ﴿الْعَزِيزُ﴾ في انتقامه ممن كفر به وكذب رسله ﴿الرَّحِيمُ﴾ بأوليائه وأتباع رسله ومن أنجى منهم أن ينالهم الغرق والعذاب الذي نزل بأعدائه. قال ابن جرير: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يقول: وما كان أكثر قومك يا محمد مؤمنين بما آتاك الله من الحق المبين، فسابق في علمي أنهم لا يؤمنون). ٦٩ - ٧٧. قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (٧٠) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (٧١) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤) قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧)﴾. في هذه الآيات: إخبارٌ من الله تعالى عن عبده ورسوله وخليله إبراهيم، عليه أفضل الصلاة والتسليم، إمام الحنفاء وقدوة الموحدين، وأسوة المخلصين والمتوكلين، في خطابه لأبيه وقومه المشركين، الذين يعبدون الأصنام محتجين بفعل آبائهم الضالين، وقد أعلن لهم براءته من أوثانهم وخضوعه الكامل لله رب العالمين.

стр. 3223

فقوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾. أي: واقصص يا محمد على قومك من المشركين خبر أبيهم إبراهيم، إذ استنكر على أبيه وقومه ما يعبدون من دون الله من الأصنام والأوثان. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾. قال ابن عباس: (الصلاة لأصنامهم). قال ابن جرير: (قالوا له نعبد أصنامًا. فنظل لها خدمًا مقيمين على عبادتها وخدمتها). وقوله تعالى: ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾. أي: قال لهم إبراهيم: هل يسمعون دعاءكم حين تدعونهم، أو يجلبون لكم النفع إن عبدتموها، أو يضرونكم بأذى إن تركتم عبادتها؟ ! فأجابوه معترفين بأن أصنامهم لا تفعل شيئًا من ذلك وإنما هو تعظيم ميراث الآباء وطريقتهم. قال أبو السعود: (اعترفوا بأنها بمعزل مما ذكر من السمع والمنفعة والمضرّة بالمرة. واضطروا إلى إظهار أن لا سند لهم سوى التقليد). وقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾. قال ابن كثير: (أي: إن كانت هذه الأصنام شيئًا ولها تأثير فَلْتخْلُص إليَّ بالمساءة، فإني عَدُوٌّ لها لا أباليها ولا أفكِّرُ فيها). وفي التنزيل من سير الأنبياء نحو ذلك: ١ - قال تعالى - مخبرًا عن نوح ﵇: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾ [يونس: ٧١]. ٢ - وقال تعالى - مخبرًا عن هود ﵇: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٤ - ٥٦]. ٣ - وقال تعالى - مخبرًا عن إبراهيم ﷺ : ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤].

стр. 3224

٤ - وقال تعالى عنه أيضًا: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا﴾ [الأنعام: ٨١]. ٧٨ - ٨٢. قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)﴾. في هذه الآيات: إعلانُ إبراهيم لقومه بعض صفات ربه الكريم، فهو الذي خلقه ويهديه، ويطعمه ويسقيه، وإذا مرض فهو يشفيه، وهو الذي يميته ويحييه، وهو بذلك خاضع له طامع بمغفرته، والنجاة من سخطه وعذابه. فقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾. أي: يرشدني إلى الدين الحق. قال ابن جرير: (﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ للصواب من القول والعمل، ويسدّدني للرشاد). وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾. أي: والذي هو يغذوني بالطعام والشراب، ويرزقني الأرزاق والطيبات. قال القرطبي: (ودخول ﴿هُوَ﴾ تنبيه على أن غيره لا يُطعم ولا يسقي، كما تقول: زيد هو الذي فعل كذا، أي: لم يفعله غيره). وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾. أي: وإذا اعتل جسمي ونزلت به الأسقام والآلام، فهو وحده الذي يبرئه ويشفيه ويعافيه. وفي الآية دلالة على أدب رفيع تألق به إبراهيم ﷺ ، إذ نسب المرض لنفسه والشفاء لله، مع أن الكل من عند الله، وإنما هذا منهاج العبودية الصحيحة لله جل ثناؤه، فإن المؤمن يعتبر ما يعتريه من المصائب والأسقام والهموم والآلام بسبب ذنوبه وتقصيره. كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠].

стр. 3225

وفي معجم الطبراني "الصغير" بسند حسن عن البراء بن عازب مرفوعًا: [ما اخْتلَجَ عِرْقٌ ولا عَيْنٌ إلا بِذَنْبٍ، وما يَدْفَعُ الله عنه أكثر] (١). وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾. أي: وهو الذي يميتني إذا شاء ثم يحييني متى شاء، فالبدء والمنتهى إليه، وبأمره البعث للقيام بين يديه. قال النسفي: (ولم يقل إذا مت لأنه الخروج من حبس البلاء، ودار الفناء، إلى روض البقاء، لوعد اللقاء، وأدخل ثم في الإحياء لتراخيه عن الإفناء، وأدخل الفاء في الهداية والشفاء لأنهما يعقبان الخلق والمرض لا معًا معًا). وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾. قال مجاهد: (قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]، وقوله لسارة: إنها أختي، حين أراد فرعون من الفراعنة أن يأخذها). وهذه الأخطاء التي كان يخشى منها إبراهيم ﵊ ما هي إلا من المعاريض الجائزة، وإنما استغفار الأنبياء تواضع منهم لربهم، وهضم لأنفسهم، وتربية وتعليم لأمتهم، لينهجوا نهج الاستغفار، الذي هو مفتاح كثير من الفرج ونزول طيب الأقدار. ٨٣ - ٨٩. قوله تعالى: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣) وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾. في هذه الآيات: التجاءُ إبراهيم ﵇ إلى ربه سائلًا العلم والحكمة واللحاق بركب الصالحين، وحفظ السمعة العطرة له في الآخرين، وجعله من ورثة جنة

стр. 3226

النعيم، والمغفرة لأبيه الذي كان من الضالين، وحفظه من الخزي يوم الدين، يوم لا ينفع المال والولد بل العمل الصالح والقلب السليم. فقوله: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾. قال ابن عباس: (وهو العِلْم). وقال مجاهد: (هو القرآن). وقال السدي: (هو النبوة) - وبه قال ابن جرير. قال النسفي: (﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ أي: حكمة، أو حكمًا بين الناس بالحق، أو نبوة، لأن النبيّ ﵇ ذو حكمة وذو حكم بين عباد الله). وقوله: ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾. قال القاسمي: (أي: وفقني لأنتظم في سلكهم، لأكون من الذين جعلتهم سببًا لصلاح العالم وكمال الخلق). وفي المسند وسنن النسائي من حديث ابن رفاعة الزُّرَقي عن أبيه - في دعاء النبي ﷺ بعد غزوة أحد: [اللهم توفنا مسلمين، وأحينا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين] (١). وقوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾. قال ابن عباس: (هو اجتماع الأمم عليه). وقال مجاهد: (يعني الثناء الحسن). وقال ابن زيد: (اللسان الصِّدق، والذكر الصدق، والثناء الصالح، والذكر الصالح، في الآخرين من الناس، من الأمم). والمقصود: أنَّ إبراهيم ﵇ سأل ربه تعالى أن يجعل له الذكر الجميل في الأمم وأن يجعله قدوة تتأسى به الأجيال. وقد حصل له ذلك بفضل الله، كما قال ليثُ بن أبي سُلَيم: (كُلُّ ملة تُحِبُّه وتتولّاه). وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠٨ - ١١٠]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧]. ٣ - وقال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [النحل: ١٢٢].

стр. 3227

وقوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾. قال القرطبي: (دعاء بالجنة وبمن يرثها). وقال ابن جرير: (أورثني يا ربّ من منازل مَنْ هلك من أعدائك المشركين بك من الجنة، وأسكني ذلك). قلت: ومن السنة المطهرة في آفاق هذا المعنى للآية أحاديث: الحديث الأول: روى مسلم عن ابن عمر، أنَّ رسول الله ﷺ قال: [إنَّ أحدكم إذا مات عُرِضَ عليه مَقْعَدُهُ بالغداة والعشي، إنْ كانَ مِن أهل الجنة فَمِنْ أهل الجنة، وإنْ كان من أهل النار فمِنْ أهل النار. يقال: هذا مقعدك حتى يبعثكَ الله إليه يوم القيامة] (١). وفي رواية: [ثم يقال: هذا مَقْعَدكَ الذي تُبْعَثُ إليه يوم القيامة]. الحديث الثاني: روى مسلم كذلك عن أنس - في حديث سؤال الملكين - قال نبي الله ﷺ : [فأما المؤمن فيقول: أشهدُ أنه عبدُ الله ورسوله. فيقال له: انظر إلى مقعدِك مِنَ النار، قد أبدلك الله به مَقْعَدًا من الجنة. قال نبي الله ﷺ : فيراهُما جميعًا] (٢). قال قتادة: (وذُكِرَ لنا أنَّهُ يُفْسَحُ له في قبره سبعون ذِراعًا، وَيُمْلأُ عليه خَضِرًا إلى يوم يُبعثون). الحديث الثالث: أخرج ابن عساكر، وأبو نعيم في "أخبار أصبهان" من طرق عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: [إذا كان يومُ القيامة بُعِثَ إلى كُلِّ مُؤْمِنٍ بِمَلَكٍ مَعَهُ كافِرٌ، فيقول المَلكُ للمؤمِن: يا مؤمن! هاكَ هذا الكافر، فهذا فِداؤك من النار] (٣). وقوله تعالى: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾. أي: واصفح عن شرك أبي بك وتجاوز عنه، إنه كان ممن ضَلّ عن سبيل الهدى

стр. 3228

والحق. وهو كقوله: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ [إبراهيم: ٤١]. وقد تراجع إبراهيم ﷺ عن مثل هذا الدعاء حين علم نهي الله تعالى عن ذلك. كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾. أي: نجني من الخزي يوم تبعث عبادك. قال البخاري في كتاب التفسير من صحيحه - باب: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾: [وقال إبراهيم بن طَهْمان عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُرِيّ، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إن إبراهيم ﵊ يرى أباه يَوْمَ القيامة عليه الغَبَرَةُ والقَترَة". والغَبَرَة: هي القترة] (١). ثم قال البخاري: حَدّثنا إسماعيل، حدثنا أخي عن ابنِ أبي ذِئب، عن سعيد المَقْبُرِيِّ، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: [يَلْقى إبراهيم أباهُ فيقول: يا رب إنك وَعَدْتني أن: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ فيقول الله: إني حَرَّمتُ الجنة على الكافرين] (٢). وقد أورد البخاري تفصيل هذه الرواية في كتاب أحاديث الأنبياء، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: [يَلْقى إبراهيمُ أباه آزرَ يَوْمَ القيامة وعلى وجهِ آزر قتَرَةٌ وغَبَرَة، فيقول له إبراهيم: أَلَمْ أَقُلْ لك: لا تَعْصِني؟ فيقول أبوه: فاليوم لا أَعْصِيكَ، فيقول إبراهيم: يا رَبِّ إنَّك وَعَدْتني أنْ لا تُخْزِيَني يوم يُبعثون، فأيُّ خِزْيٍ أخْزى مِنْ أبي الأبْعَد؟ فيقول الله تعالى: إني حَرَّمْتُ الجنة على الكافرين، ثم يُقال: يا إبراهيمُ ما تَحْتَ رجْلَيْك؟ فَينْطرُ فإذا هو بِذِيخٍ مُتَلَطِّخ فَيُؤْخَذُ بقوائِمِه فَيُلقى في النار] (٣). وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. قال القاسمي: (أي: لا يقي المرء من عذاب الله ماله، ولو افتدى بملء الأرض ذهبًا. ولا بنوه، وإن كانوا غاية في القوة. فإن الأمر ثمة ليس كما يعهدون في الدنيا،

стр. 3229

بل لا ينفع إلا الموافاة بقلب سليم من مرض الكفر والنفاق والخصال المذمومة والملكات المشؤومة). قلت: فأما إن صرف المال في وجوه البر وكان بنوه صالحين فإنه ينتفع بهم، فيكون المال والبنون حينئذ من الباقيات الصالحات. ففي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: ٤٦]. ٢ - وقال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]. ومن كنوز السنة العطرة في آفاق ذلك أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أنس ﵁ قال: [كانَ أبو طَلْحَةَ ﵁ أكثرَ الأنصار بالمدينة مالًا مِنْ نَخْل، وكانَ أَحَبُّ أمْوالِهِ إليه بَيْرَحَاء، وكانت مستقبلةَ المسجد (١)، وكان رسول الله ﷺ يدخُلُها ويَشْرَبُ مِنْ ماءٍ فيها طَيِّبٍ (٢). قال أنس: فلما نزلت هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قام أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن الله تعالى أَنْزلَ عَلَيْك: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وإنَّ أحَبَّ مالي إليَّ بَيْرَحاءُ، وإنها صَدَقَةٌ لله تعالى أرجو بِرَّها (٣) وذُخْرَها عند الله تعالى، فَضَعْها يا رسول الله ﷺ حيث أراك الله، فقال رسول الله ﷺ : بخٍ (٤)! ذلكَ مالٌ رابحٌ، ذلك مالٌ رابحٌ، وقد سَمِعْتُ ما قُلْتَ، وإني أرى أن تَجْعَلَها في الأقربين. فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فَقَسَّمَها أبو طلحة في أقاربه، وبني عَمِّه] (٥). الحديث الثاني: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن عقبة بن عامر يقول: سمعت

стр. 3230

رسول الله ﷺ يقول: [من كان له ثلاث بنات، فصبر عليهن، وأطعمهن، وسقاهن، وكساهن من جدته، كن له حجابًا من النار يوم القيامة] (١). الحديث الثالث: أخرج أبو يعلى في مسنده بإسناد صحيح عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : [من كن له ثلاث بنات، أو ثلاث أخوات، فاتقى الله وأقام عليهن كان معي في الجنة هكذا، وأومأ بالسباحة والوسطى] (٢). الحديث الرابع: أخرج أحمد وابن حبان بسند صحيح عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : [من عالَ ابنتين، أو ثلاث بنات، أو أختين أو ثلاث أخوات، حتى يمتن (وفي رواية: يبلغن) أو يموت عنهن كنت أنا وهو كهاتين، وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى] (٣). وله شاهد في صحيح مسلم وسنن الترمذي من حديث أنس مرفوعًا: [من عال جاريتين حتى تبلغا، جاء يوم القيامة أنا وهو، وضم أصابعه] (٤). الحديث الخامس: خرّج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: [إذا ماتَ الإنسانُ انْقَطَعَ عنه عَمَلُهُ إلا من ثلاثة: إلا مِنْ صَدَقَةٍ جارية، أو عِلْمٍ ينُتَفَعُ به، أو وَلَدٍ صالحٍ يدعو له] (٥). وأما قولهُ تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ففيه أقوال متقاربة متكاملة. ١ - عن ابن عباس: (﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، يعني: يشهد أن لا إله إلا الله). ٢ - وقال مجاهد: (﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ يعني: من الشرك). أو قال: (ليس فيه شك في الحق). ٣ - وقال ابن زيد: (سليم من الشرك، فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد).

стр. 3231

٤ - وقال سعيد بن المسيِّب: (القلب السليمُ: هو القلب الصحيح، وهو قلبُ المؤمن، لأن قلب المنافق مريض، قال الله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠]). ٥ - وقال أبو عثمان النيسابوري: (هو القلب الخالي من البِدعة، المطمئِنُّ على السُّنَّةِ). ٦ - وقال الضحاك: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قال: هو الخالص). قلت: وكل هذه الأقوال يدل على المعنى، وهو أن القلب السليم هو القلب الذي سلم من الشرك والنفاق وخلص فيه التوجه إلى الله تعالى على منهاج النبوة. ٩٠ - ١٠٤. قوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (٩١) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٠٤)﴾. في هذه الآيات: يخبر تعالى عن جنة الخلد كيف قربت يوم القيامة من أهلها وأدنيت منهم مزخرفة مزينة لأهل التقوى أهل النعيم، وعن نار جهنم كيف أظهرت وهي تزفر لأهلها المشركين والمجرمين، ثم ألقوا فيها أذلاء صاغرين، فهم فيها وإبليس وجنوده يختصمون، وقد حيل بينهم وبين الشفاعة وما يشتهون، وفي ذلك أكبر الآيات من الله العزيز الرحيم، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون. فقوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾. قال القرطبي: (أي قربت وأدنيت ليدخلوها). وقال الزجاج: (قرب دخولهم إياها). وقوله تعالى: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: وأظهرت النار للذين غووا فضلوا عن سواء السبيل). وقال ابن كثير: (أي: أُظهِرت وكُشِفَ عنها، وبدت

стр. 3232

منها عُنُقٌ فَزَفرت زَفرة بلغت منها القلوب الحناجر). وقال القرطبي: (أي: أظهرت ﴿الْجَحِيمُ﴾ يعني جهنم. ﴿لِلْغَاوِينَ﴾ أي: الكافرين الذين ضلوا عن الهدى. أي: تظهر جهنم لأهلها قبل أن يدخلوها حتى يستشعروا الروع والحزن، كما يستشعر أهل الجنة الفرح لعلمهم أنهم يدخلون الجنة). وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : [يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مَعَ كل زمام سبعون ألف ملك يجرُّونها] (١). وقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾. تقريع وتوبيخ لأهل النار الذين استحقوا دخولها بعبادتهم الأوثان والأنداد والطواغيت من دون الله. فيقال لهم: أين الأنداد اليوم لينقذوكم من عذاب الله وبأسه وغضبه؟ ! أو ينصرون أنفسهم فينجون من دخول النار معكم! ؟ قال النسفي: (يوبخون على إشراكهم فيقال لهم: أين آلهتكم هل ينفعونكم بنصرتهم لكم؟ أو هل ينفعون أنفسهم بانتصارهم؟ لأنهم وآلهتهم وقود النار). وقوله تعالى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾. أي: فرمي ببعضهم في الجحيم على بعض منكبين على وجوههم إذلالًا لهم. قال ابن عباس: (﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا﴾ يقول: فجمعوا فيها). وقال مجاهد: (﴿فَكُبْكِبُوا﴾: فدهوروا). وقال ابن زيد: (طرحوا فيها). وعن قتادة: (﴿وَالْغَاوُونَ﴾: الشياطين). وفي لغة العرب: كبكَبهُ أي كبَّهُ، وكبَّه الله لوجهه أي: صرعه. والمقصود: ألقي الكفار بعضهم على بعض في جهنم وقادتهم الذين دعوهم إلى الشرك. قال الزمخشري: (والكبكبة تكرير الكب - وهو الإلقاء على الوجه - جعل التكرير في اللفظ دليلًا على التكرير في المعنى، كأنه إذا ألقي في جهنم ينكب مرة بعد مرة حتى يستقر في قعرها). وقوله تعالى: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: وكبكب فيها مع الأنداد والغاوين جنود إبليس أجمعون. وجنوده، كل من كان من تباعه من ذرّيته كان أو من ذرّية آدم).

стр. 3233

وقوله تعالى: ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. أي: يتخاصم الضعفاء مع الطغاة في نار جهنم، يقولون لهم: تالله لقد كنا في ضلال عن الحق حين نعدلكم برب العالمين، فنطيعكم في غيكم ومكركم وكفركم بدلًا من طاعة الله رب العالمين. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾. قال عكرمة: (إبليس وابن آدم القاتل). قال القاسمي: ﴿وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾ أي: رؤساؤهم، كما في آية: ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب: ٦٧]). وقوله تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾. تحَسُّرٌ من أصحاب النار على أنفسهم. أي: كانوا يظنون في أصنامهم أنهم شفعاؤهم عند الله، وفي أصدقائهم من شياطين الإنس والجن أنهم أهل منفعة لهم في مثل هذه النوائب. قال قتادة: (يعلمون والله أن الصديق إذا كان صالحًا نفع، وأن الحميم إذا كان صالحًا شفع). قال الزمخشري: (و"الحميم" من الاحتمام وهو الاهتمام، وهو الذي يهمه ما يهمك. أو من "الحامة" بمعنى الخاصة. وهو الصديق الخاص. وفيه معنى الحدة والسخونة. كأنه يحتدّ ويحمى، لحماية خليله ورعايته، والقيام بمهماته. وهذا هو الذي قيل: "إنه أعز من بيض الأنوق" وإنه اسم بلا مسمى). وفي التنزيل: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]. وقوله تعالى: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. أي: فلو أن لنا رجعة إلى دار الدنيا فنحسن الإيمان والعمل ونستأنف طريق النجاة. قال ابن كثير: (وذلك أنهم يتَمنَّون أن يُردُّوا إلى الدار الدنيا، ليعملوا بطاعة ربهم فيما يزعمون، وهو يعلم أنه لو رَدَّهم إلى الدار الدنيا لعادُوا لما نُهوا عنه وإنهم لكاذبون).

стр. 3234

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾. أي: إن في احتجاج إبراهيم على قومه بحجج الوحي البالغة أنه لا إله إلا الله، وأن من قلّد قوم إبراهيم في شركهم مآله كمآلهم يكبكبون في النار مع جنود إبليس أجمعين، ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. قال ابن جرير: (وما كان أكثرهم في سابق علمه مؤمنين. وإن ربك يا محمد لهو الشديد الانتقام ممن عبد دونه ثم لم يتب من كفره حتى هلك، الرحيم بمن تاب منهم أن يعاقبه على ما كان سلف منه قبل توبته من إثم وجرم). ١٠٥ - ١٢٢. قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١١٠) قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦) قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨) فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (١٢٠) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٢٢)﴾. في هذه الآيات: تكذيبُ قوم نوح رسولهم واستخفافهم بالمؤمنين، وحثهم له على طردهم والانتهاء من دعوته أو ليكونن من المرجومين، ولجوء نوح ﷺ إلى الله ليفصل بينه وبين قومه المكذبين، وإجابة الله تعالى له بنجاته في السفينة والمؤمنين، وفي ذلك أكبر الآيات من الله العزيز الرحيم، وقد كان سبق في علم الله أن أكثرهم لا يؤمنون. فقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾. قال القرطبي: (﴿كَذَّبَتْ﴾ والقوم مذكر، لأن المعنى: كذبت جماعة قوم نوح، وقال: ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ لأن من كذب رسولًا فقد كذب الرسل، لأن كل رسول يأمر بتصديق جميع الرسل. وقيل: كذبوا نوحًا في النبوة وفيما أخبرهم به من مجيء المرسلين بعده. وقيل: ذكر الجنس والمراد نوح ﵇.

стр. 3235

وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾. قال النسفي: (﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ﴾ نسبًا لا دينًا ﴿نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ خالق الأنام، فتتركوا عبادة الأصنام). قلت: وقد ضل بعض المغرورين في هذا الزمان من المتعالمين حين استدلوا بهذه الآية على جواز الإشارة إلى أهل الكتاب بأنهم إخوانهم ويقصدون الأخوة في الدين، مع أن الآية تدل على أخوة المجانسة كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤]، أو أن نوحًا ابن أبيهم وهي أخوة نسب لا أخوة دين، كقول العرب: يا أخا بني عمرو، يعنون: يا واحدًا منهم. وقوله تعالى: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾. إن نوحًا ﷺ هو أول رسول بُعث إلى أهل الأرض. كما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة - حديث الشفاعة -: [فيأتون نوحًا ﷺ فيقولون: يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض وسمّاك الله عبدًا شكورًا فاشفع لنا إلى ربك] الحديث (١). فقال لقومه: إني لكم رسول ﴿أَمِينٌ﴾ أي: صادق في إبلاغي لكم رسالة ربي أن تعبدوه وحده لا شريك له، وتستتروا بطاعته من عقابه. وتطيعوني فيما آمركم به من الإيمان. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾. أي: وما لي طمع في أموالكم وإنما أرجو جزاء دعوتي إليكم عند الله رب العالمين. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: استتروا بطاعته وتعظيم أمره، وأطيعوني في نصحي لكم. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾. قال ابن جرير: (قالوا: أنؤمن لك يا نوح، ونقرّ بتصديقك فيما تدعونا إليه، وإنما اتبعك منا الأرذلون دون ذوي الشرف وأهل البيوتات). قلت: وهذا شأن الملأ الكافر على مر الزمان، فإنهم يحتجون على رسلهم بالكبر وحب الرياسة والشرف ويترفعون عن الجلوس مع ضعفاء المؤمنين. لقد اعتادوا الظلم والعلو والبغي في الأرض بغير الحق. وقد واجه مشركو قريش النبي ﷺ بهذه الصيغة كما جاء في السنة الصحيحة في أحاديث، منها: الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن سعد ﵁ قال: [فيَّ

стр. 3236

نزلت: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾، قال: نزلت في ستة: أنا وابن مسعود منهم، وكان المشركون قالوا: تدني هؤلاء] (١). الحديث الثاني: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن سعد قال: [كنا مع النبي ﷺ ستة نفر، فقال المشركون للنبي ﷺ : اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا. قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقع فحدّث نفسه، فأنزل الله : ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾. قال ابن جريج: (هو أعلم بما في نفوسهم). قال القرطبي: ("كان" زائدة، والمعنى: وما علمي بما يعملون، أي: لم أكلف العلم بأعمالهم إنما كلفت أن أدعوهم إلى الإيمان، والاعتبار بالإيمان لا بالحِرَف والصَّنائع. وكأنهم قالوا: إنما اتبعك هؤلاء الضعفاء طمعًا في العزة والمال. فقال: إني لم أقف على باطن أمرهم وإنما إليّ ظاهرهم. وقيل: المعنى إني لم أعلم أن الله يهديهم ويضلكم، ويرشدهم ويغويكم، ويوفقهم ويخذلكم. ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ﴾ أي: في أعمالهم وإيمانهم ﴿إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، أي: لو شعرتم أن حسابهم على ربهم لما عبتموهم بصنائعهم). وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾. أي: إنما بعثت نذيرًا إلى الناس كافة، وما أرسلت خصوصًا لأهل الغنى والشرف دون أهل الفقر والحاجة. ومن ثمَّ فلا يجوز لي أن أطرد المؤمنين لخساسة أحوالهم وأشغالهم، وأقدم الشرفاء والرؤساء. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾. قال ابن عباس: (من المقتولين). وقال قتادة: (﴿مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾: أي بالحجارة). وقال ابن جرير: (يقول: قال لنوح قومه: لئن لَمْ تنته يا نوح عما تقول، وتدعو إليه، وتعيب به آلهتنا، لتكوننّ من المشتومين، يقول: لنشتمنك).

стр. 3237

قلت: ومثل هذا التهديد عادة يشمل الشتم وبسط الأيدي في الأذى كما حصل لكثير من الرسل من أقوامهم. وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. أي: احكم بيننا بما ينبغي لكل واحد منا، ونجني ومن اتبعني من المؤمنين. فهو لجوءٌ من نوح ﷺ إلى ربه تعالى حين استعصى القوم وأصروا على الكفر، كما قال جل ثناؤه في سورة القمر: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ [١٠ - ١٤]. قال الزمخشري: (الفتاحة: الحكومة. والفتاح: الحاكم. لأنه يفتح المستغلق. كما سمي فيصلًا لأنه يفصل بين الخصومات). وفي "التهذيب": (الفتح أن تحكم بين قوم يختصمون إليك). قلت: والله تعالى هو: "الفتّاح" أي: الحاكم بين عباده، كما قال جل ذكره في سورة "سبأ": ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ: ٢٦]. قال الحافظ ابن كثير: (﴿وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ أي: الحاكم العادل العالم بحقائق الأمور). وقوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ﴾. قال ابن عباس: (﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾: يعني الموقر). وقال مجاهد: (المفروغ منه تحميلًا). وقال قتادة: (هو المحمل). والمقصود: فاستجاب الله دعاء نوح ﵇ فأنجاه والمؤمنين معه في الفلك المملوء بالأمتعة والأزواج التي أُمِرَ أن يحمل، ثم كان الغرق والهلاك على القوم المكذبين، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾. ١٢٣ - ١٤٠. قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٢٦) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢٧) أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٣١) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا

стр. 3238

تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٣٤) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣٥) قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ (١٣٦) إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (١٣٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٤٠)﴾. في هذه الآيات: تكذيبُ عاد رسولهم الذي حذّرهم نقمة الله بهم إن أصرّوا على شركهم وكبرهم، وكفرهم بنعمه تعالى عليهم، فما زالوا في عنادهم واستهزائهم حتى نزل أمر هلاكهم من الله العزيز الرحيم، وقد كان سبق في علم الله أن أكثرهم لا يؤمنون. فقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾. أي: كذبوا رسولهم- هودًا- ﷺ ، فهم بذلك يكذبون جميع المرسلين. قال القرطبي: (التأنيث بمعنى القبيلة والجماعة). وقال النسفي: (هي قبيلة، وفي الأصل اسم رجل هو أبو القبيلة). وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٢٦) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال ابن كثير: (وهذا إخبارٌ من الله تعالى عن عبده ورسوله هُودٍ ﵇: أنه دعا قومه عادًا وكانوا قومًا يسكنُون الأحقاف، وهي جبالُ الرمل قريبًا من بلاد حَضْرَموتَ، متاخمةٌ لبلاد اليمن، وكان زمانُهم بعد قوم نوح، كما قال في سورة الأعراف: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾ [الأعراف: ٦٩]، وذلك أنهم كانوا في غاية من قُوَّة التركيب، والقُوَّة والبطش الشديد، والطولِ المَديدِ، والأرزاقِ الدارَّة، والأموالِ والجَنّاتِ والعيونِ، والأبناء والزروع والثمار، وكانوا مع ذلك يعبدون غيرَ الله معه، فبعث الله إليهم رجلًا منهم رسولًا وبشيرًا ونذيرًا، فدعاهم إلى الله وحدَه، وحذّرهم نِقمَتَه وعذابه في مخالفته، فقال لهم كما قال نوح لقومه). وقوله تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾. الرِّيع كل مكان مشرف من الأرض مرتفع، أو طريق أو واد. قال الرازي في "مختار الصِّحاح": (و"الرِّيع" بالكسر المُرْتَفِع من الأرض، وقيل الجبل، ومنه قوله تعالى:

стр. 3239

﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾). فالمراد المكان المرتفع عند جواد الطرق المشهورة. وعن ابن عباس: (قوله: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ يقول: بكل شَرَف). أو قال: (بكل طريق). قال: (الآية: علم). قال: (﴿تَعْبَثُونَ﴾: تلعبون). وعن مجاهد: (الريع: الثنية الصغيرة. أو قال: فجّ وواد. وقال: بين جبلين). وقال أيضًا: (﴿بِكُلِّ رِيعٍ﴾: شرف ومنظر. ﴿آيَةً﴾ بنيان). وقال النسفي: (﴿آيَةً﴾ برج حمام أو بناء يكون لارتفاعه كالعلامة يسخرون بمن مرّ بهم). قلت: - والمقصود - قال هود لقومه: أتبنون على كل مرتفع وشرف من الأرض بناء محكمًا باهرًا هائلًا ليكون مَعْلمًا مشهورًا تفعلون ذلك عبثًا ولهوًا وكبرًا لا لحاجة لكم، وإنما بقصد الزينة والتفاخر وإظهار القوة وتضييع الأموال والأوقات فيما لا جدوى منه. وقوله تعالى: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾. أي: تتخذون القصور والبنيان المشيدة كأنكم تخلدون. قال مجاهد: (﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾: قصور مشيدة، وبنيان مخلدة). أو قال: (قصور مشيدة وبنيان). أو قال: (حصون وقصور). وقال قتادة: (هي مآخذ الماء). قال الجوهري: (المصنَعة كالحوض يجتمع فيها ماء المطر، وكذلك المصنُعة بضم النون. والمصانع الحصون). قال ابن جرير: (المصانع جمع مصنعة، والعرب تسمي كل بناء مصنعة، وجائز أن يكون ذلك البناء كان قصورًا وحصونًا مشيدة، وجائز أن يكون كان مآخذ للماء). قال القاسمي: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ أي: راجين الخلود في الدنيا إشارة إلى أن عملهم ذلك، لقصر نظرهم على الدنيا والإعجاب بالآثار، والتباهي بالمشيدات، والغفلة عن أعمال المجدّين البصيرين بالعواقب، الصالحين المصلحين). وقال ابن أبي حاتم ﵀: حدثنا أبي، حدثنا الحَكَمُ بن موسى، حدثنا الوليد، حدثنا ابن عَجْلان، حدثني عَونُ بن عبد الله بن عُتْبةَ، أن أبا الدرداء ﵁ لما رأى ما أحدث المسلمون في الغوطة من البُنيان ونَصْبِ الشَّجر قام في مسجدهم فنادى: (يا أهل دمشقَ! فاجتمعوا إليه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ألا تَستحيُون! ألا تَستحيون! ألا تَسْتَحيون! تجمعون ما لا تأكلون، وتبنُون ما لا تسكُنون، وتأملُون ما لا تُدرِكون! قد كانت قبلكم قرونٌ، يجمعون فَيُوعون، ويثنون فيوثِقون، ويأمُلونَ فيُطيلون، فأصبح أملُهم غرورًا، وأصبح جمعُهم بورًا،

стр. 3240

وأصبحت مساكِنُهم قبورًا، ألا إن عادًا مَلكت ما بين عَدَن وعُمان خيلًا ورِكابًا، مَنْ يشتري مني ميراثَ عادِ بدرهمين) - ذكره الحافظ ابن كثير. قلت: والبناء الضروري لحاجة العبد مما يُكِنُّ من المطر ويظلل من الشمس يؤجر به العبد إن شاء الله، وأما تضييعُ الأموال في تشييد البنيان الذي لا يسكنه العبد ولا حاجة له به فهذا لا يؤجر عليه. وفي ذلك أحاديث: الحديث الأول: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن عبد الله بن عمر، قال: [مرّ علينا رسول الله ﷺ ونحن نُعالِجُ خُصًّا لنا (١). فقال: ما هذا؟ فقلت: خُصٌّ لنا وَهَى، نحن نُصْلِحُه. فقال رسول الله ﷺ : مَا أُرَى الأمْرَ إلا أعْجَلَ مِنْ ذلك] (٢). الحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه، وابن ماجة في سننه - واللفظ له - عن ابن عمر قال: [لقد رأيتني مع رسول الله ﷺ بنيتُ بيتًا يُكِنُّني من المطر ويكنني من الشمس. ما أعانني عليه خلق الله تعالى] (٣). الحديث الثالث: أخرج الطبراني بسند صحيح عن خباب، عن النبي ﷺ قال: [كل نَفَقة يُنْفقُها العبدُ يُؤْجَرُ فيها إلا البنيانَ] (٤). وفي لفظ: [ما أنفقَ مُؤمِنٌ مِنْ نَفَقَةٍ إلا أُجِرَ فيها، إلا نفقتَه في هذا التراب]. وله شاهد أخرجه ابن ماجة عن حارثة بن مُضَرِّب قال: [أتينا خبابًا نعوده فقال: لَقَدْ طال سُقْمِي. ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تَتَمنَّوا المَوْتَ" لتَمَنَّيْتُه. وقال: "إن العَبْدَ لَيُؤْجَرُ في نَفقَتِهِ كُلِّها، إلا في التراب. أو قال: "في البناء"]. والمقصود: البناء فوق الحاجة. وشاهد آخر رواه الترمذي عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : [النفقة كلها في سبيل الله إلا البناء فلا خير فيه].

стр. 3241

وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾. أي: وإذا أخذتم أحدًا بعقوبة كنتم غلاظًا جبابرة قُساة. قال ابن جُريج: (القتل بالسيف والسياط). وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾. أي: فاستتروا بعبادة ربكم وطاعة رسولكم. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٣٤) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. تذكير لهم ببعض نعم الله الجليلة عليهم عسى أن ينتهوا بذلك عن الكفر والظلم. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيل هود لقومه من عاد: اتقوا عقاب الله أيها القوم بطاعتكم إياه فيما أمركم ونهاكم، وانتهوا عن اللهو واللعب، وظلم الناس، وقهرهم بالغلبة والفساد في الأرض، واحذروا سخط الذي أعطاكم من عنده ما تعلمون، وأعانكم به من بين المواشي والبنين والبساتين والأنهار ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ﴾ من الله ﴿عَظِيمٍ﴾). وقوله تعالى: ﴿قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾. أي: فأجابت عاد هودًا ﵊: إن وعظك إيانا وعدمه سواء، فلا تتعب نفسك فلن نؤمن لك. وهذا كما في التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦]. قال القاسمي: (تناهوا في الغواية والضلال، إلى حيث لا يجديهم الإنذار والتذكير). ٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧]. ٣ - وقال تعالى: ﴿قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ٥٣]. قال ابن عباس: (كان رسول الله ﷺ يحرص أن يؤمن جميع الناس ويتابعوه على الهدى، فأخبره الله تعالى أنه لا يؤمن إلا من سبق له من الله السعادة في الذكر الأول، ولا يضل إلا من سبق له من الله الشقاوة في الذكر الأول). أخرج الإمام أحمد في المسند بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو ﵄ -

стр. 3242

قال: [خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يده كتابان، فقال: أتدرون ما هذان الكتابان؟ قال: قلنا لا إلا أن تُخْبِرنا يا رسول الله، فقال للذي في يده اليمنى: هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أُجمِل على آخرهم، فلا يُزاد فيهم ولا يُنْقَصُ منهم أبدًا. ثم قال للذي في شماله: هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقَصُ منهم أبدًا. فقال أصحاب رسول الله ﷺ : فلأي شيء إذن نعمَلُ إن كان هذا أمْرًا قد فُرغَ منه؟ قال رسول الله ﷺ : سدّدوا وقاربوا، فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أي عمل، وإنّ صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل، ثم قال بيده فقبضها، ثم قال: فرغ ربكم من العباد، ثم قال باليمنى فنبذ بها فقال: فريق في الجنة، ونبذ باليسرى فقال: فريق في السعير] (١). وقوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾. قال ابن عباس: (دين الأولين). وقال مجاهد: (كذبهم). والمقصود: طريقة الأولين وعادتهم وأخلاقهم في التعامل مع الوحي والمرسلين، فهم سائرون على نهجهم، يعيشون كما عاشوا، ويموتون كما ماتوا، ولا يؤمنون ببعث ولا نشور ولا حساب. وقوله تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾. أي: لا يقرّونَ بالعذاب الذي كتبه الله على مخالفة الرسل سواء في الدنيا أو الآخرة. وقوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. أي: فلما كذبت عاد هودًا أهلكناهم بريح صرصر عاتية، أي: شديدة الهُبوب، ذات برد شديد قارس، فكان الجزاء من جنس العناد والعتو والتجبر، وتركهم الله عبرة لمن يعتبر، وكان قد سبق في علم الله أن أكثرهم لا يؤمنون. وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت: ١٥].

стр. 3243

٢ - وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦ - ٧]. قال ابن كثير: (أي: بَقُوا أبدانًا بلا رُؤوس، وذلك أن الريح كانت تأتي الرجل منهم فتَقتلِعهُ وتَرْفَعُه في الهواء، ثم تَنْكِسهُ على أُمِّ رأسه فتَشدَخ دِماغَه، وتكسِر رأسه، وتُلقِيه، كأنهم أعجاز نخلٍ مُنْقَعِر. وقد كانوا تَحَصَّنُوا في الجبال والكُهوفِ والمغارات، وحَفَروا لهم في الأرض إلى أنصافِهم، فلم يُغن عنهم ذلك من أمر الله شيئًا). وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾. أي: العزيز في انتقامه من أعدائه، الرحيم بإنجاء أوليائه وأتباع رسله. ١٤١ - ١٥٩. قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٤٤) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٤٥) أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (١٤٨) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (١٤٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (١٥٢) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤) قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦) فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٥٩)﴾. في هذه الآيات: ذِكْرُ قصة ثمود الذين كانوا عَرَبًا يسكنون مدينة الحِجْر، التي بين وادي القرى وبلاد الشام، وتحذيرُ صالح ﵊ لهم مغبة الاستمرار على الشوك بالله والإفساد في الأرض وَعَقْر الناقة التي جعلها الله اختبارًا لهم، فكذبوه وعقروها فأصبحوا نادمين، وأخذهم العذاب ليكونوا آية لمن بعدهم وقد سبق في علم الله أن أكثرهم لا يؤمنون.

стр. 3244

فقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾. قال القرطبي: (ذكر قصة صالح وقومه وهم ثمود، وكانوا يسكنون الحِجْر: وهي ذوات نخل وزروع ومياه). ولقد دعاهم نبيّهم صالح ﵊ فقال: ألا تتقون عقاب الله - يا قوم - على خلافكم أمره، ولزومكم معصيته، والإفساد في الأرض. وقوله تعالى: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٤٤) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. أي: إني أرسلت إليكم وأنا أمين على رسالة الله لكم، فاتقوا الله أيها القوم واستمعوا نصيحتي لكم، ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ في تحذيري إياكم، فإني لا أبتغي من وراء بلاغي لكم أجرًا ولا منزلة، وإنما أرجو بذلك الثواب الجزيل عند الله تعالى. وقوله تعالى: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾. أي: قال صالح لقومه ثمود: أتظنون أنكم متروكون في هذه الدنيا آمنين، في بساتين وعيون ماء، وزروع ونخل قد أرطب ثمره فهو لين نضيج. قال النسفي: (إنكار لأن يتركوا خالدين في نعيمهم لا يزالون عنه ﴿فِي مَا هَاهُنَا﴾ في الذي استقر في هذا المكان من النعيم ﴿آمِنِينَ﴾ من العذاب والزوال والموت). وعن ابن عباس: (قوله: ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ يقول: أينع وبلغ فهو هضيم). أو قال: (إذا رَطُبَ واسترخى). وقال عكرمة: (الهضيم: الرطب اللين). وقوله تعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾. قال ابن عباس: (يعني حاذقين). أو قال: (شَرهين أشرين). قال ابن كثير: (كانوا يتخذون تلك البيوت المنحوتة في الجبال أشرًا وبَطرًا وعبثًا، من غير حاجة إلى سكناها، وكانوا حاذقين مُتقِنين لنحتِها ونَقْشِها، كما هو المشاهَدُ من حالهم لمن رأى مَنَازِلهم). وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾. أي: فخافوا الله ربكم، ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ في نصحي لكم، ولا تتبعوا أمر الرؤساء

стр. 3245

والكبراء دعاة الشرك والبطر فيكم، الذين يسعون في أرض الله بالمعاصي والآثام، ولا يصلحون أنفسهم ولا ما يعود نفعه بخير على الأنام. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾. قال مجاهد وقتادة: (إنما أنت من المسحورين). قال القرطبي: (أي: أصبت بالسحر فبطل عقلك، لأنك بشر مثلنا فلِمَ تدّع الرسالة دوننا). وقوله تعالى: ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. قال ابن عباس: (قالوا إن كنت صادقًا فادع الله يخرج لنا من هذا الجبل ناقة حمراء عشراء (١) فتضع ونحن ننظر، وترد هذا الماء فتشرب وتغدو علينا بمثله لبنا). فدعا الله وفعل الله ذلك. وقوله تعالى: ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. أي: هذه ناقة أخرجها الله لكم ترِدُ ماءكم يومًا، ويومًا تردونه أنتم، ليس لكم في يوم وردها أن تشربوا من شربها شيئًا، ولا لها أن تشرب في يومكم مما لكم شيئًا. ولا تنالوها بضرب أو أذى فينالكم عذاب أليم. قال ابن جرير: (ويعني بالشرب: الحظّ والنصيب من الماء). وعن ابن جريج: (﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾ لا تعقروها. وقوله: ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ يقول: فيحل بكم من الله عذاب يوم عظيم عذابه). وقوله تعالى: ﴿فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾. أي: فانبعث أشقاهم فعقرها برضاهم فأصبحوا نادمين على عقرها خوفًا من نزول العذاب بهم وحلول النقمة عليهم. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾. أي: إن في خبر ثمود لعبرة كبيرة، وقد سبق في علم الله أن أكثرهم لا يؤمنون. وإن ربك - يا محمد - هو العزيز في انتقامه من أعدائه، الرحيم بإنجائه أولياءه.

стр. 3246

١٦٠ - ١٧٥. قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٤) أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (١٦٧) قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (١٦٨) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (١٦٩) فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٧٠) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٧١) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٤) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٧٥)﴾. في هذه الآيات: تكذيبُ قوم لوط رسولهم حين دعاهم إلى إفراد الله تعالى بالتعظيم، ونبذ الفواحش وإتيان الذكران من العالمين، فهدّدوه إن لم ينته عن نصحهم ليكونن من المخرجين، وما زالوا على فاحشتهم حتى دكهم الله بعذاب مهين، وكان في ذلك آية من الله العزيز الرحيم، وقد كان سبق في علم الله أن أكثرهم لا يؤمنون. فقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال ابن كثير: (يقول الله تعالى مخبرًا عن عبده ورسولِه لوطٍ ﵇ وهو: لوط بن هارانَ بن آزَرَ، وهو ابنُ أخي إبراهيم الخليل، وكان الله تعالى قد بَعَثَه إلى أمة عظيمةٍ في حياة إبراهيم، وكانوا يسكُنون "سَدُوم" وأعمالَها التي أهلكها الله بها، وجُعل مكانها بُحيرةٌ مُنْتِنهٌ خَبيثة، وهي مشهورة ببلاد الغَور، متاخمة لجبال بيت المقدس، بينها وبين بلاد الكَرَك والشَّوبَك. فدعاهم إلى الله أن يعبدوه وحده لا شريك له، وأن يطيعوا رَسُولهم الذي بعثه الله إليهم، ونهاهم عن معصية الله، وارتكاب ما كانوا قد ابتدعوه في العالم، مما لم يسبقهُم الخلائقُ إلى فِعله، من إتيان الذُّكْرَان دونَ الإناث). وقوله تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾. قال ابن جرير: (يعني: أتنكحون الذكران من بني آدم في أدبارهم .. يقول: وتدعون الذي خلق لكم ربكم من أزواجكم من فروجهنّ، فأحله لكم).

стр. 3247

وقوله تعالى: ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾. قال مجاهد: (تركتم أقبال النساء إلى أدبار الرجال وأدبار النساء). وقال ابن جريج: (﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ قال: قوم معتدون). وفي المسند ومستدرك الحاكم وسنن ابن ماجة بسند صحيح عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قال: [مَنْ وَجَدْتُموه يَعْمَلْ عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعِلَ والمفعولَ به] (١). وفي صحيح سنن ابن ماجة بسند حسن عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في الذي يعمل عمل قوم لوط، قال: [ارجموا الأعْلَى والأسفل. ارجموهما جميعًا] (٢). وفي الباب عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : [إنَّ أخوف ما أخاف على أمتي عَمَلُ قومِ لوط] (٣). وقوله تعالى: ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾. أي: - فأجابوه - لئن لم تنته يا لوط عن نهينا عن الاستمتاع بالذكران لننفينك من بين أظهرنا وبلدنا. كما قال تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦]. وقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾. أي: من المبغضين المنكرين لعملكم اللواط. والقلي: البغض. قال ابن جرير: (يقول لهم لوط: إني لعملكم الذي تعملونه من إتيان الذكران في أدبارهم من القالين، يعني من المبغضين، المنكرين فعله). وقوله تعالى: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (١٦٩) فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٧٠) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾. أي: دعا لوط ﷺ ربه حين استعصى عليه قومه وأصروا على ركوب

стр. 3248

الفاحشة المقيتة أن ينجيه الله من عذاب عملهم، فأنجاه الله تعالى وأهله الذين تابعوه على الإيمان. إلا امرأته كانت عجوز سوء. قال قتادة: (غبرت في عذاب الله أي بقيت). قال ابن كثير: (بقيت فَهَلَكَتْ مع من بَقِيَ من قومها). وقال ابن جرير: (فإنها أهلكت من بين أهل لوط، لأنها كانت تدل قومها على الأضياف). قلت: والله تعالى أعلم. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾. أي: أهلكناهم بالخسف والحصب. قال مقاتل: (خسف الله بقوم لوط وأرسل الحجارة على من كان خارجًا من القرية). قال القرطبي: (﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ يعني الحجارة ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾. وقيل: إن جبريل خسف بقريتهم وجعل عاليها سافلها، ثم أتبعها الله بالحجارة). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٤) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾. أي: إن في تدمير قرية قوم لوط على رؤوس أهلها لعبرة لمن سيأتي بعدهم، وما كان أكثرهم في سابق علم الله مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز في انتقامه من الطغاة والعتاة والمجرمين، الرحيم في إنجاء أوليائه الصالحين. ١٧٦ - ١٩١. قوله تعالى: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٠) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (١٨٦) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧) قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٩١)﴾. في هذه الآيات: تكذيبُ أهل مدين نبيّهم شعيبًا ﵊، الذي

стр. 3249

دعاهم إلى إفراد الله تعالى بالعبادة والوفاء بالقسط والميزان، فما زالوا على كبرهم وعنادهم حتى دكهم الله بالعذاب ليكون آية لمن بعدهم تتناقله الأجيال عبر الزمان، وقد كان سبق في علم الله أن أكثرهم لن يكونوا في أهل الإيمان. فقوله تعالى: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾. يعني أهل مدين كذبوا نبيهم شعيبًا. والأيك: الشجر الملتف الكثير، والواحدة أيكة. قال ابن عباس: (قوله: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾ قال: أهل مدين، والأيكة: الملتف من الشجر). وقال ابن زيد: (بعث الله شعيبًا إلى قومه من أهل مدين وإلى أهل البادية، قال: وهم أصحاب ليكة. وليكة والأيكة: واحد). قال ابن كثير: (وكان نبيُّ الله شُعيب من أنفسهم، وإنما لم يَقُل ها هنا أخوهم شعيب، لأنهم نُسِبُوا إلى عبادة الأيكة، وهي شجرة. وقيل: شجَرٌ مُلْتَفٌّ كالغيضةِ، كانوا يعبدونها). وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. أي: إذ خاطبهم نبيّهم شعيب ﷺ ألا تستترون بطاعة الله وتحرزون أنفسكم من عقابه، إني لكم رسول أمين على ما أرسلت به من الوحي إليكم، فخافوا الله ربكم وأطيعوا رسولكم في نصحه لكم، فما سألتكم أجرًا على بلاغي لكم، وإنما أحتسب ثواب ذلك عند الله بارئكم. وقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾. أي: أوفوا الناس حقوقهم إذا وزنتم لهم أو كِلْتم إليهم، وإياكم والتطفيف. قال القرطبي: (﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ الناقصين للكيل والوزن). وقوله تعالى: ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾. القسطاس: هو الميزان. وقيل: القَبَّان. قال مجاهد: (القسطاس المستقيم: العدل بالروميّة). وقوله: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾. قال ابن جرير: (يقول: ولا تنقصوا الناس حقوقهم في الكيل والوزن). وقوله: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. قال النسفي: (ولا تبالغوا فيها في الإفساد، نحو قطع الطريق والغارة وإهلاك الزروع، وكانوا يفعلون ذلك فنهوا عنه).

стр. 3250

وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾. قال مجاهد: (الخليقة). وقال ابن زيد: (الخَلْقَ الأولين، الجبلة: الخَلْق). قال ابن كثير: (يُخَوِّفهم بأس الله الذي خلقهم وخَلَقَ آباءهم الأوائل). وقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ - يعنون من المسحورين. وهذا كقيل ثمود لرسولها من قبل، تشابهت قلوبهم، فهم يلجؤون عند إفلاس حججهم إلى الاتهام والمكر. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾. أي: وما أنت إلا بشر مثلنا تأكل وتشرب، ومن ثَمَّ فلا يُعقل اصطفاؤك من بيننا. قال القاسمي: (﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ أي: فيما تدّعيه من النبوة). وقوله تعالى: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. أي: فأسقط علينا قطعًا من السماء إن كنت صادقًا في دعواك النبوة. قال ابن عباس: (﴿كِسَفًا﴾ يقول: قِطعًا). وقال الضحاك: (جانبًا من السماء). وقال ابن زيد: (﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾: ناحية من السماء، عذاب ذلك الكسف). وقال السدي: (عذابًا من السماء). وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. قال القرطبي: (تهديد، أي إنما عليَّ التبليغ وليس العذاب الذي سألتم إليّ وهو يجازيكم). وقال ابن كثير: (يقول: الله أعلمُ بكم، فإن كنتم تستحقون ذلك جازاكم به غيرِ ظالم لكم. وكذلك وقع بهم كما سألوا، جزاءً وفاقًا، ولهذا قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. وهذا من جنس ما سألوا من إسقاط الكِسف عليهم، فإن الله جعل عقوبتهم أن أصابهم حَرٌّ شديد جدًّا مُدَّةَ سبعة أيام لا يَكُنُّهم منه شيء، ثم أقبلت إليهم سحابة أَظَلَّتهم، فجعلوا ينطلِقون إليها يستظِلّون بِظِلّها من الحر، فلما اجتمعوا كلهم تحتها أرسل الله تعالى عليهم منها شَرَرًا من نار، ولهبًا وَوَهجًا عظيمًا، ورجفت بهم الأرض، وجاءتهم صيحة عظيمة أزهقت أرواحهم، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. وعن مجاهد: (﴿عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ قال: أظلّ العذابُ قوم شعيب). وقال ابن زيد: (بعث الله إليهم ظُلة من سحاب، وبعث إلى الشمس فأحرقت ما

стр. 3251

على وجه الأرض، فخرجوا كلهم إلى تلك الظلة، حتى إذا اجتمعوا كلهمِ، كشف الله عنهم الظلة، وأحمى عليهم الشمس، فاحترقوا كما يحترق الجراد في المِقلى). وقد ذُكِرَت قصة إهلاك أهل مدين في القرآن الكريم في أحوال ثلاثة، حسب ما يناسب السياق. الحال الأول: قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [الأعراف: ٩١]. الحال الثانية: قوله تعالى: ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [هود: ٩٤]. الحال الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٨٩]. ففي آية "الأعراف ذكر هلاكهم بالرجفة، وناسب ذلك محاولتهم الإرجاف بنبيّ الله ومن اتبعه حيث قالوا له: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [الأعراف: ٨٨]. وفي آية "هود" ذُكر هلاكهم بالصيحة، وناسب ذلك محاولة التهكم بنبيِّهم والازدراء، حيث قالوا له: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧]، فناسب أن تأتيهم صيحة تخرسهم. وهنا في آية "الشعراء" ذُكر هلاكهم بإسقاط الكسف عليهم كما سألوا، وإنما كان الكسف شررًا ولهبًا من نار تحرق أجسامهم وتزهق أرواحهم وتخترق الظلة التي كانت من مكر الله بهم. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾. أي: إن في إهلاك أهل مدين بهذه الصورة المقيتة المؤلمة لعبرة لمن جاء بعدهم، وما كان أكثرهم في سابق علمه تعالى مؤمنين. وإن ربك - يا محمد - لهو العزيز في انتقامه من أعداء رسله، الرحيم في إنجائه الصالحين منهم. ١٩٢ - ٢٠٢. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦) أَوَلَمْ يَكُنْ

стр. 3252

لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٩٧) وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (١٩٩) كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٢٠١) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٢٠٢)﴾. في هذه الآيات: نزولُ جبريل ﵇ بهذا القرآن، بأمر من الرحمان، على رسول الأنام، ﵊، بلسان عربي مبين، ليكون نذيرًا للعالمين، وخبر هذا القرآن مذكور في كتب الأولين، ولو نزل على بعض الأعاجم ممن لا يحسن العربية فقرأه عليهم قراءة فصيحة لاتهموه بالسحر لفرط عنادهم، فهو لا يؤمنون حتى يروا العذاب المباغت الأليم. فقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال قتادة: (هذا القرآن). أي: أنزله الله تعالى عليك - يا محمَّد - وأوحاه إليك. وقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾. قال ابن عباس: (جبريل). وقوله تعالى: ﴿عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: نزل به الروح الأمين فتلاه عليك يا محمَّد، حتى وعيته بقلبك. يقول: لتكون من رسل الله الذين كانوا ينذرون من أُرسلوا إليه من قومهم، فتنذر بهذا التنزيل قومك المكذّبين بآيات الله). وقوله تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾. قال القرطبي: (أي لئلا يقولوا لسنا نفهم ما تقول). وقال ابن كثير: (أي: هذا القرآن الذي أنزلناه إليك بلسانك العربيِّ الفَصِيح الكاملِ الشامل، ليكون بَيِّنًا واضحًا ظاهرًا، قاطِعًا للعُذر، مُقيمًا للحجَّة، دليلًا إلى المحجَّة). وقوله تعالي: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾. الزبر: الكتب، واحدها زبور، كما قال تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ [القمر: ٥٢]. أي: مكتوب في صُحف الملائكة. قال النسفي: (﴿وَإِنَّهُ﴾ وإن القرآن ﴿لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ يعني ذكره مثبت في سائر الكتب السماوية، وقيل إن معانيه فيها). قلت: والبشارة بأحمد ﷺ وصفاته مذكورة في التوراة والإنجيل نحو ما هي في القرآن.

стр. 3253

وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]. وفي صحيح السنة المطهرة في آفاق هذه الآية أحاديث: الحديث الأوّل: أخرج الحاكم بسند صحيح عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : [مكتوب في الإنجيل: لا فظٌّ، ولا غليظٌ، ولا سخَّابٌ بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة مثلَها، بل يعفو ويصفح] (١). الحديث الثاني: أخرج البخاري عن عطاء بن يسار قال: [لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص، قلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة؟ قال: أجل، والله إنه لموصوف ببعض صفته في القرآن، ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا لا إله إلا الله، ويفتح بها أعينًا عميًا وآذانًا صمًّا وقلوبًا غلفًا] (٢). الحديث الثالث: أخرج الدارمي وكذلك صاحب "مشكاة المصابيح " - واللفظ له - عن كعب يحكي عن التوراة قال: [نجد مكتوبًا محمَّد رسول الله، عبدي المختار، لا فظ ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، مولده بمكة، وهجرته بطيبة، وملكه بالشام، وأمته الحمادون، يحمدون الله في السراء والضراء، يحمدون الله في كل منزلة، ويكبرونه على كل شرف، رعاة للشمس، يصلون الصلاة إذا جاء وقتها، يتأزَّرون على أنصافهم، ويتوضؤون على

стр. 3254

أطرافهم، مناديهم ينادي في جو السماء، صفّهم في القتال وصفهم في الصلاة سواء، لهم بالليل دوي كدوي النحل] (١). وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. قال مجاهد: (يعني عبد الله بن سَلام وسلمان وغيرهما ممن أسلم). قال ابن كثير: (أي: أو ليس يكفيهم من الشاهد الصادق على ذلك أن العلماء من بني إسرائيل يجدون ذكر هذا القرآن في كتبهم التي يدرسونها؟ ! والمراد العدول منهم، الذين يعترفون بما في أيديهم من صفة محمَّد ﷺ ومَبْعَثِهِ وأمَّتِهِ، كما أخبر بذلك مَنْ آمَنَ منهم كعبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي، عمن أدركه منهم ومن شاكلهم). قال القرطبي: (وإنما صارت شهادة أهل الكتاب حجة على المشركين، لأنهم كانوا يرجعون في أشياء من أمور الدين إلى أهل الكتاب، لأنهم مظنون بهم علمٌ). قلت: وقد روى بعض أهل السنن خبر اكتشاف عبد الله بن سلام صدق النبوة في وجه النبي ﷺ خلال تأمله فيه، وأن وجهه ﵊ قد امتلأ صدقًا ونورًا. فقد أخرج الترمذي وابن ماجة والحاكم بإسناد على شرط الشيخين عن عبد الله بن سلام ﵁ قال: [أول ما قدم رسول الله ﷺ المدينة، انجفَلَ الناس إليه، فكنت فيمن جاءه، فلما تأمَّلْتُ وجهَه واسْتَبَنْتُهُ، عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، قال: فكان أول ما سمعتُ من كلامه أن قال: أيها الناس! أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام] (٢). ثمَّ أقبل عبد الله بن سلام فأسلم وشهد للنبي ﷺ بأنّه رسول الله حقًّا، وأنه جاء بحق، ثمَّ باهت يهود في ذلك وكشف كذبهم ومكرهم أمام النبي ﷺ ، وذلك بعد أن استقر النبي ﷺ في دار أبي أيوب بعد وصوله المدينة. فقد أخرج البخاري في صحيحه عن أنس قال: [. . . فقال نبيّ الله ﷺ : أيّ بيوت أهلِنا أقربُ؟ فقال أبو أيوب: أنا يا نبيّ الله، هذه داري وهذا بابي، قال: فانطلقْ فَهيِّئ لنا مقيلًا. قال: قوما على بركة الله، فلما جاء نبي الله ﷺ جاء عبد الله بن سلام،

стр. 3255

فقال: أشهد أنك رسول الله وأنك جئت بحق، وقد علمت يهودُ أني سيدهم وابن سيِّدهم وأعلمهم وابن أعلمهم، فادعهم فاسألهم عني قبل أن يعلموا أني قد أسلمت، فإنهم إن يعلموا أني قد أسلمت قالوا فِيَّ ما ليس فِيَّ، فأرسل نبي الله ﷺ فأقبلوا فدخلوا عليه فقال لهم رسول الله ﷺ : يا معشر اليهود! وَيْلكم اتقوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول الله حقًّا، وأني جئتكم بحق فأسلموا. قالوا: ما نَعْلَمُهُ. قالوا للنبي ﷺ ، قالها ثلاثَ مرار. قال: فأيُّ رجل فيكم عبدُ الله بنُ سلام؟ قالوا: ذاكَ سيدنا وابن سيدنا، وأعلمُنا وابن أعلمنا. قال: أفرأيتم إن أسلم؟ قالوا: حاشى لله ما كان لِيُسْلِم. قال: أفرأيتم إن أسلم؟ قالوا: حاشى لله ما كان ليسلم. قال: أفرأيتم إن أسلم؟ قالوا: حاشى لله ما كانَ لِيُسْلِم. قال: يا ابن سلام أخرج عليهم. فخرج فقال: يا معشر اليهود اتقوا الله، فو الله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنَّه رسول الله وأنه جاء بحق. قالوا: كذبت، فأخرجهم رسول الله ﷺ ] (١). وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾. الأعجم هو الذي لا يفصح، وكذلك الأعجمي، ففيه زيادة ياء النسبة للتأكيد. قال القاسمي: (أي: ولو نزلناه بنظمه البديع على بعض الأعاجم الذي لا يحسن العربية، فقرأه عليهم قراءة فصيحة، انفتق لسانه بها، خرقًا للعادة، لكفروا به كما كفروا. ولتمحّلوا لجحودهم عذرًا. ولسموه سحرًا، لفرط عنادهم). وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾. قال ابن جريج: (﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ﴾ قال الكفر ﴿فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾). وقال عكرمة: (القسوة). وقال يحيى بن سلّام: (سلكنا التكذيب في قلوبهم، فذلك الذي منعهم من الإيمان). والمقصود: كذلك أدخلنا في قلوب المجرمين ترك الإيمان بهذا القرآن، والجدال بالباطل لمحاربته، ليذوقوا وبال عنادهم وتكبرهم عذابًا أليمًا في عاجل الدنيا ويوم القيامة.

стр. 3256

وقوله تعالى: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾. قال النسفي: (المراد معاينة العذاب عند الموت ويكون ذلك إيمان يأس فلا ينفعهم). وقال ابن جرير: (فعلنا ذلك بهم لئلا يصدقوا بهذا القرآن، حتى يروا العذاب الأليم في عاجل الدنيا، كما رأت ذلك الأمم الذين قصّ الله قصصهم في هذه السورة). وقوله تعالى: ﴿فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. أي: فيأتيهم العذاب الأليم فجأة وهم لا يعلمون اقترابه، وإنما يبغتهم بغتة فإذا هم في العذاب المهين المذل. ٢٠٣ - ٢٠٩. قوله تعالى: ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (٢٠٣) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (٢٠٤) أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧) وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. في هذه الآيات: سؤالُ المشركين حين نزول العذاب بهم النظرة والإمهال دون جدوى، وتوبيخٌ لهم وإنكار عليهم الاستهزاء بقدوم العذاب، وسنة الله إنذار أهل القرى قبل حلول العذاب، فما الله بظلام للعبيد. فقوله تعالى: ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾. قال النسفي: (يسألون النظِرة والإمهال طرفة عين فلا يجابون إليها). وقال ابن كثير: (أي: يَتَمَنَّون حين يُشاهدون العذاب أن لو أنظِروا قليلًا ليعملوا في زعمهم بطاعة الله، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤]، فكل ظالم وفاجر وكافر إذا شاهد عقوبته نَدِم نَدَمًا شديدًا). وقوله تعالى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ - توبيخ لهم، وإنكار عليهم الاستهزاء بقدوم العذاب، وقولهم تنطّعًا وغرورًا: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]. وكقولهم: ﴿ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ٢٩].

стр. 3257

وقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾. أي: أفرأيت - يا محمَّد - إن متعناهم في هذه الدنيا سنين - والمراد أهل مكة ومن ثمَّ فالآية عامة في أمثالهم من المستكبرين - ثمَّ نزل بهم العذاب والهلاك الذي وُعدوا به على بغيهم وعنادهم، فأي شيء يُجدي عنهم ما كانوا فيه من الزخارف والبهجة والنعيم، أو فما أغنى عنهم الزمان الذي كانوا يمتعونه. وفي الأثر عن الزهري (١): إن عمر بن عبد العزيز كان إذا أصبح أمسك بلحيته ثمَّ قرأ: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ ثمَّ يبكي ويقول: نهارُك يا مغرورُ سهوٌ وغفلةٌ ... وليلُكَ نومٌ والرَّدى لك لازمُ فلا أنتَ في الأيقاظ يقظانُ حازمٌ ... ولا أنتَ في النُّوَّام ناجٍ فسالمُ تُسَرُّ بما يَفنى وتفرحُ بالمنى ... كما سُرَّ باللذات في النوم حالم وتسعى إلى ما سوف تكره غِبَّهُ ... كذلك في الدنيا تعيشُ البهائم وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٤٦]. ٢ - وقال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥]. ٣ - وقال تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ [الليل: ١١]. وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : [يُؤتى بأنعمِ أهلِ الدنيا، مِنْ أهل النار، يوم القيامة، فَيُصْبَغُ في النار صَبْغَةً، ثمَ يُقال: يا ابنَ آدمَ! هل رأيتَ خيرًا قطّ؟ هل مَرَّ بك نعيمٌ قط؟ فيقول: لا، والله! يا رب! ] الحديث (٢). وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. إخبار عن عدله تعالى في خلقه، فإنَّه قد أعذر إلى كل أمة قبل إهلاكها، فلما طغوا وأبوا إلا الكفر والعناد قابلهم بالعذاب والدمار.

стр. 3258

قال الكسائي: ﴿ذِكْرَى﴾ في موضع نصب على الحال. وقال الفراء: بل في موضع نصب على المصدر والتقدير: يذكّرون ذكرى. واختاره القرطبي وقال: (وهذا قول صحيح؛ لأنَّ معنى ﴿إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾ إلا لها مذكّرون. ويجوز أن يكون ﴿ذِكْرَى﴾ في موضع رفع على إضمار مبتدأ. قال أبو إسحاق: أي إنذارنا ذكرى. وقال الفراء: أي ذلك ذكرى، وتلك ذكرى. ﴿وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ في تعذيبهم حيث قدمنا الحجة عليهم وأعذرنا إليهم). وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]. ٢ - وقال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: ٨]. وفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر مرفوعًا إلى النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه : [قال الله تعالى: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا] (١). ٢١٠ - ٢١٢. قوله تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠: ٢١٢]. في هذه الآيات: حفظُ الله القرآن عن أيدي الشياطين وسمعهم برمي الشهب عليهم، فهو تنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين، على قلب محمَّد النبي الأمين. وعن قتادة: (قوله: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾ قال: هذا القرآن. وفي قوله: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ قال: عن سمع السماء). فذكر سبحانه أن هذا الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، إنما هو تنزيل رب العالمين نزل به الروح جبريل الأمين، وما تنزلت به الشياطين، فإن ذلك ممتنع عليهم من ثلاثة أوجه: الوجه الأوّل: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ﴾. قال ابن كثير: (أي: ليس هو من بُغيتهم ولا من

стр. 3259

طَلِبَتهم، لأنَّ من سَجَاياهم الفساد وإضلال العباد، وهذا فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونورٌ وهدى وبرهان عظيم، فبينه وبين الشياطين منافاةٌ عظيمة). الوجه الثاني: ﴿وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾. أي: ولو انبغى لهم لما استطاعوا ذلك. قال النسفي: (وما يتسهل لهم ولا يقدرون عليه). وقال ابن جرير: (يقول: وما يستطيعون أن يتنزلوا به، لأنهم لا يصلون إلى استماعه في المكان الذي هو به من السماء). الوجه الثالث: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾. قال القرطبي: (أي برمي الشهب). والمقصود: إنهم عن استراق السمع أصبحوا ممنوعين بعد بعثة النبي ﷺ . ففي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: ٥]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٦: ١٨]. ٣ - وقال تعالى: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت: ١٢]. وفي الصحيحين عن ابن عباس قال: [انطلق رسول الله ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين. فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب. قال: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا ما حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الأمر الذي حدث، فانطلقوا فضربوا مشارق الأرض ومغاربها ينظرون ما هذا الأمر الذي حال بينهم وبين خبر السماء. قال: فانطلق الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول الله ﷺ بنخلة وهو عامد إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر. فلما سمعوا القرآن تسمعوا له فقالوا: هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك رجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا إنا سمعنا قرآنا عجبًا] الحديث (١). ٢١٣ - ٢٢٠. قوله تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)

стр. 3260

وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. في هذه الآيات: تحذيرُ الله تعالى من الشرك، وأمرُه نبيّه ﷺ البدء بالقرابة والعشيرة في الدعوة وخفض الجناح للمؤمنين، والتوكل عليه إنه هو العزيز الرحيم، الذي يرى قنوتك له - يا محمَّد - وتقلبك في الساجدين. فقوله تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾. قيل: المعنى قل لمن كفر هذا. وقيل: الخطاب للنبي ﷺ والمراد من حوله وأمته فهو المعصوم لا يشرك بالله شيئًا. قال القرطبي: (ودلّ على هذا قوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ أي: لا يتكلون على نسبهم وقرابتهم فيدعون ما يجب عليهم). وقوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. أَمْرٌ بإنذار العشيرة والأقربين، فقد صحّ الخبر بانقضاء مرحلة الدعوة السرية بنزول هذه الآية، وفي ذلك أحاديث: الحديث الأوّل: أخرج البخاري ومسلم - واللفظ للإمام البخاري - عن ابن عباس ﵄ قال: [لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ صَعِدَ النبي ﷺ على الصفا فجعل ينادي: يا بني فِهْر، يا بني عَدِيّ لبطون قريش حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرُجَ أرسلَ رسولًا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش، فقال: أرأيتكم لو أخبرْتُكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغيرَ عليكم أكنتم مصدقيَّ؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقًا. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب: تَبًّا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾] (١). الحديث الثاني: خرّج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: [لما أنزلت هذه الآية ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ دعا رسول الله ﷺ قريشًا فاجتمعوا فَعَمَّ وخَصَّ، فقال:
следующие страницы →