(من قِوام). قلت: فدل هذا على تحريم السحر في كل الأديان التي نزلت على الرسل صلوات الله وسلامه عليهم. قال تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٩].
وفي صحيح البخاري عن بَجالة بن عَبَدة قال: (كتب عمر بن الخطّاب أن اقتلوا كلَّ ساحر وساحرة) (١). قال: (فقتلنا ثلاث سواحر) (٢).
والمشهور عن أحمد أنَّه يقتل دون استتابة، وهو قول مالك، لأنَّ علم السحر لا يزول بالتوبة. وفي رواية عن أحمد أنَّه يستتاب فإن تاب قبلت توبته وهو قول الشافعي، قالوا: لأنَّ ذنبه لا يزيد عن الشرك، والشرك تقبل توبة صاحبه، ولذلك صح إيمان سحرة فرعون وتوبتهم.
وقوله: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢].
قال ابن جرير: (ولبئس ما باع به نفسه من تعلم السحر، لو كان يعلم سوء عاقبته).
ثمَّ ذكر قول السدي: (يقول: بئس ما باعوا به أنفسهم).
وقال ابن كثير: (يقول تعالى: ﴿وَلَبِئْسَ﴾ البديل ما استبدلوا به من السحر عوضًا عن الإيمان ومتابعة الرسول لو كان لهم علمٌ بما وُعظوا به).
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٣].
المعنى: لو أنهم صدقوا الله الإيمان والتقوى، فعظموا أوامره واجتنبوا نواهيه، لكان مثوبة الله على ذلك خيرًا لهم مما رضوا لأنفسهم من السقوط في معصيته، نحو قوله سبحانه في سورة القصص: ﴿وَقَال الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص: ٨٠].
وعن قتادة: (قوله: ﴿لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ يقول: ثوابٌ من عند الله).
وقال السدي: (أما "المثوبة" فهو الثواب). وقال الربيع: (يقول: لثَواب من عند الله).
стр. 352
١٠٤ - ١٠٥ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.
في هذه الآيات: يخاطب الله سبحانه عباده المؤمنين محذرًا لهم أن يتشبهوا بالكافرين في طريقة كلامهم أو فعالهم. فإن الكفرة لا يتمنون بالمؤمنين أن يختصهم الله بفضل منه ورحمة.
قال ابن كثير: (وذلك أن اليهود كانوا يعانون من الكلام ما فيه تورية لما يقصدونه من التنقص - عليهم لعائن الله - فإذا أرادوا أن يقولوا: اسمع لنا. يقولون: راعنا. ويورون بالرّعونة، كما قال تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٤٦]. وكذلك جاءت الأحاديث بالإخبار عنهم، بأنهم كانوا إذا سلّموا إنما يقولون: السام عليكم. والسام هو: الموت. ولهذا أمرنا أن نَرُدّ عليهم بـ"وعليكم").
وحقيقة "راعنا" في اللغة أَرْعِنا ولْنَرْعَك، أي احفظنا ولنحفظك، وارقبنا ولنرقبك، وربما كانت من أرعنا سمعك والمراد فرّغ سمعك لنا ولا شك أن في هذا جفاء، فأمر الله المؤمنين بمخالفتهم واختيار أحسن الألفاظ وأرقها.
قال ابن عباس: (كان المسلمون يقولون للنبي ﷺ : راعنا. على جهة الطلب والرّغبة - من المراعاة - أي التفت إلينا، وكان هذا بلسان اليهود سَبًّا، أي اسمع لا سمِعتَ، فاغتنموها وقولوا: كنا نَسُبُّهُ سِرًّا فالآن نَسُبُّهُ جهرًا، فكانوا يخاطبون بها النبي ﷺ ويضحكون فيما بينهم، فسمعها سعد بن معاذ وكان يعرف لغتهم، فقال لليهود: عليكم لعنة الله! لئن سمعتها من رجل منكم يقولها للنبي ﷺ لأضربن عنقه، فقالوا: أولستم تقولونها؟ فنزلت الآية، ونُهوا عنها لئلا تقتدي بها اليهود في اللفظ وتقصد المعنى الفاسد فيه) ذكره القرطبي.
стр. 353
وقد وردت تفاسير متنوعة في معنى "راعنا" ذكرها ابن جرير، منها:
١ - عن مجاهد: (﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ [البقرة: ١٠٤]: لا تقولوا خِلافًا).
٢ - عن ابن عباس: (أرْعِنا سمعك). وقال مجاهد: (اسمع منا ونسمع منك). وقال الضحاك: (كان الرجل من المشركين يقول: أرعِني سمعك).
٣ - عن قتادة: (قول كانت تقوله اليهود استهزاءً، فزجر الله المؤمنين أن يقولوا كقولهم).
وقال عطية: (كان أناس من اليهود يقولون: أرعنا سمعك! حتى قالها أناس من المسلمين. فكره الله لهم ما قالت اليهود فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾، كما قالت اليهود والنصارى).
٤ - قال ابن زيد: (هذا الراعن - والراعن: الخطّاء - قال: فقال للمؤمنين: لا تقولوا: خطّاء، كما قال القوم، وقولوا: ﴿انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾ قال: كانوا ينظرون إلى النبي ﷺ ويكلِّمونه، ويسمع منهم، ويسألونه ويجيبهم).
٥ - قال عطاء: (كانت لُغَةً في الأنصار في الجاهلية). وقال أبو العالية: (إن مشركي العرب كانوا إذا حدّث بعضهم بعضًا يقول أحدهم لصاحبه: أرْعِني سمعك! فنهوا عن ذلك). قال ابن عباس: (وإنما ﴿رَاعِنَا﴾ كقولك: عاطنا).
٦ - وقال ابن جريج: (﴿رَاعِنَا﴾، قولُ الساخر. فنهاهم أن يسخروا من قول محمَّد ﷺ ).
قال ابن جرير: (والصواب من القول في ذلك عندنا: أن الله نهى المؤمنين أن يقولوا لنبيه ﷺ راعنا. لأنها كلمة كرهها الله تعالى أن يقولوها لنبيّه ﷺ ، نظير الذي ذكر عن النبي ﷺ أنَّه قال: "لا تقولوا للعنب الكَرْمُ ولكن قولوا: الحَبَلَة. ولا تقولوا: عبدي ولكن قولوا: فتايَ).
قلت: وقد جاءت السنة الصحيحة بالنهي عن التشبه بالكفار في طريقة كلامهم ولباسهم وحياتهم.
ففي المسند للإمام أحمد، بسند حسن، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : [بُعِثْتُ بين يدي الساعة بالسيف، حتى يُعبدَ الله وحده لا شريك له.
стр. 354
وجُعِلَ رِزْقي تحت ظل رمحي، وجعلت الذلَّة والصَّغار على من خالف أمري، ومن تَشبَّه بقوم فهو منهم] (١).
وفي سنن أبي داود عن أبي النضر هاشم بن القاسم، به: [من تشبّه بقوم فهو منهم] (٢).
وفي الصحيحين والمسند عن أنس، عن النبي ﷺ قال: [المرءُ معَ من أحَبّ] (٣).
وذكر ابن أبي حاتم عن عبد الله بن المبارك، عن مسعر، عن مَعْن وعون - أو أحدهما - أن رجلًا أتى عبد الله بنِ مسعود، فقال: اعْهَدْ إليّ. فقال: (إذا سمعت الله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَأَرْعِها سمعك، فإنَّه خير يأمر به، أو شرٌّ ينهى عنه).
وقوله: ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾.
قال مجاهد: (فهِّمنا، بَيِّن لنا يا محمَّد).
قال ابن جرير: (قولوا أيها المؤمنون لنبيِّكم ﷺ : انْظرْنا وارقبنا، نفهم ونتبين ما تقول لنا، وتُعَلِّمنا).
وقوله: ﴿وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٠٤].
أي: اسمعوا ما يقال لكم ويتلى عليكم من كتاب ربكم، وافهموه، واعلموا أن العذاب الموجع سينزل بالكافرين الجاحدين.
قال السدي: (﴿وَاسْمَعُوا﴾: اسمعوا ما يقال لكم).
وقوله: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٥].
يخبر تعالى المؤمنين عن شدة عداوة الكافرين من أهل الكتاب والمشركين الذين حذّر سبحانه من مشابهتهم، وأمر المؤمنين أن يقطعوا المودة بينهم وبينهم، فهم يتمنون لو لم ينزل الله الفرقان عليكم، حسدًا وبغيًا منهم لكم.
ثمَّ قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.
стр. 355
لقد اختصكم الله - أيها المؤمنون - بشرع الكمال والجمال دون غيركم، رحمة منه بكم وتفضيلًا وتكريمًا، فاحرصوا على هذا الدين وأقيموه في حياتكم فهو سرّ سعادتكم.
قال ابن جرير: (تعريضٌ من الله تعالى ذكره بأهل الكتاب: أن الذي آتى نبيه محمدًا ﷺ والمؤمنين به من الهداية، تَفَضُّل منه، وأنّ نعمه لا تدرك بالأماني، ولكنها مواهبُ منه يختص بها من يشاء من خلقه).
١٠٦ - ١٠٧. قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٠٦ - ١٠٧].
في هذه الآيات: إثبات نسخ بعض الآيات بحكمة الله تعالى، فهو الملك الحكيم العلم القدير، وما لكم معشر المؤمنين من دون الله من ولي ولا نصير.
قال ابن عباس: (﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾، يقوله: ما نبدِّل من آية). وقال السدي: (أما نَسخها، فقبضها). وقال مجاهد: (نثبت خَطَّها، ونبدل حكمها).
وأصل النسخ من "نسخ الكتاب"، وهو نقله من نُسخة إلى أخرى غيرها. ومثله يكون نسخ الحكم إلى غيره، وهذ المعنى يشمل التفاسير الثلاثة السابقة.
قال ابن جرير: (﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾: ما ننقُلْ من حُكْم آية، إلى غيره فنبدله ونغيره. وذلك أن يحوّل الحلال حرامًا، والحرام حلالًا، والمباح محظورًا، والمحظور مباحًا. ولا يكون ذلك إلا في الأمر والنهي، والحظر والإطلاق، والمنع والإباحة، فأما الأخبار، فلا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ).
وقوله: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾.
قرئ على وجهين: "نَنسأَها" و"نُنْسها". فالأولى قراءة جماعة من الكوفة والبصرة.
والثانية قراءة أهل المدينة والكوفة.
١ - فعلى القراءة الأولى يكون المعنى: نؤخرها. قال ابن عباس: (﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ يقول: ما نبدل من آية أو نتركها لا نبدّلها).
стр. 356
وقال مجاهد: (﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾: نثبت خطها ونبدل حكمها). وقال عطاء: (﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾: نؤخِّرُها ونُرْجئها). وقال عطية: (نؤخرها فلا ننسخها).
وقال أبو العالية: (أي نؤخرها عندنا). وقال الضحاك: (﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾: يعني الناسخ من المنسوخ).
ويروي ابن أبي حاتم بسنده إلى ابن عباس قال: خطبنا عمر ﵁، فقال: يقول الله : ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ أي: نؤخرها) ذكره ابن كثير.
٢ - وعلى القراءة الثانية: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾. قال قتادة: (كان الله : يُنسي نبيّه ﷺ ما يشاء، وينسخ ما يشاء). وقال الحسن: (إن نبيكم ﷺ أقرئ قرآنًا ثمَّ نَسِيه).
يروي ابن جرير بإسناده إلى القاسم بن ربيعة قال: سمعت سعد بن أبي وقاص يقرأ: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ قال: قلت له: فإن سعيد بن المسيِّب يقرأ: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ قال: فقال سعد: إن القرآن لم ينزل على المسيِّب ولا على آل المسيّب، قال الله جل ثناؤه: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ [الأعلى: ٦]، ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ. . .﴾ [الكهف: ٢٤].
أخرج البخاري عن ابن عباس قال: قال عمر (أقرؤنا أُبيّ، وأقضانا عليّ، وإنا لندَعُ من قول أُبيّ، وذاك أن أبيًّا يقول: لا أدع شيئًا سمعته من رسول الله ﷺ ، وقد قال الله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ (١).
وفي رواية: (قال عمر: أبيٌّ أقرؤنا وإنا لنَدَعُ من لَحْنِ أُبَيٍّ، وأُبَيٌّ يقول: أَخذْتُهُ مِنْ في رسول الله ﷺ فلا أَتْرُكُهُ لِشيءٍ، قال الله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾) (٢).
وقوله: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾.
أي: في الحكم والمنفعة والرفق والتخفيف. وتفصيل ذلك:
١ - عن ابن عباس: (﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾، يقول: خير لكم في المنفعة، وأرفق بكم).
٢ - وقال قتادة فيها: (يقول: آية فيها تخفيف، فيها رحمة، فيها أمر، فيها نَهي).
стр. 357
٣ - وقال السدي: (يقول: نأت بخير من التي نسخناها، أو مثل التي تركناها).
٤ - وقال مجاهد: (كان عبيد بن عمير يقول: ﴿نُنْسِهَا﴾: نرفعها من عندكم، نأت بمثلها أو خير منها).
و﴿نَأْتِ﴾ جواب الشرط، و ﴿نُنْسِهَا﴾ عطف على ﴿نَنْسَخْ﴾، وحذفت الياء للجزم.
قال القرطبي: (وهذه آية عظمى في الأحكام. وسببها أن اليهود لما حسدوا المسلمين في التوجه إلى الكعبة وطعنوا في الإسلام بذلك، وقالوا: إن محمدًا يأمر أصحابه بشيء ثمَّ ينهاهم عنه، فما كان هذا القرآن إلا من جهته، ولهذا يناقض بعضه بعضًا، فأنزل الله: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ وأنزل ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾).
ثمَّ قال: (معرفة هذا الياب أكيدة وفائدته عظيمة، لا يستغني عن معرفته العلماء، ولا ينكره إلا الجهلة الأغبياء، لما يترتب عليه من النوازل في الأحكام، ومعرفة الحلال من الحرام. روى أبو البَخْتَرِيّ قال: دخل عليّ ﵁ المسجد فإذا رجل يخوّف الناس، فقال: ما هذا؟ قالوا: رجلٌ يُذكّر الناس، فقال: ليس برجل يذكّر الناس! لكنه يقول أنا فلان بن فلان فاعرفوني، فأرسل إليه فقال: أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ ! فقال: لا، قال: فاخرج من مسجدنا ولا تُذَكِّر فيه. في رواية أخرى: أعلمتَ الناسخ والمنسوخ؟ قال: لا، قال: هلكتَ وأهلكتَ).
ثمَّ ذكر خلاصة مَفهوم النسخ في كلام العرب وأنه على وجهين:
الوجه الأوّل: النقل، كنقل كتاب من آخر. وعلى هذا يكون القرآن كله منسوخًا، أي من اللوح المحفوظ وإنزاله إلى بيت العِزّة في السماء الدنيا، وهذا لا مدخل له في هذه الآية، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩] أي نأمر بنسخه وإثباته.
الوجه الثاني: الإبطال والإزالة، وهو المقصود هنا، وهو منقسم في اللغة على ضربين: أحدهما: إبطال الشيء وزواله وإقامة آخر مقامه، ومنه نسخَتِ الشمسُ الظلَّ إذا أذهبته وحلّت محله، وهو معنى قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾. وفي صحيح مسلم: [لم تكن نبوة قط إلا تناسخت]، أي: تحولت من حال إلى حال، يعني أمر الأمّة. قال ابن فارس: النسخ نسخ الكتاب، والنسخ أن تزيل أمرًا
стр. 358
كان من قبل يُعمل به ثمَّ تنسخه بحادث غيره، كالآية تنزل بأمر ثمَّ ينسخ بأخرى. وكل شيء خلف شيئًا فقد انتسخه، يقال: انتسخت الشمس الظلَّ، والشيبُ الشباب. وتناسخُ الورثة: أن تموت ورثة بعد ورثة وأصل الميراث قائم لم يقسم، وكذلك تناسخُ الأزمنة والقرون.
الثاني: إزالة الشيء دون أن يقوم آخر مقامه، كقولهم: نسخت الريح الأثر، ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ [الحج: ٥٢] أي: يزيله فلا يتلى ولا يثبت في المصحف بدله.
وقوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
أي: من نسخ الأحكام وتبديلها واختيار أنفع منها وما هو أخف على العباد.
وقوله قعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٠٧].
يرشد سبحانه عباده بهذا إلى أنَّه المتصرف في خلقه بما يشاء، فله الإيجاد والاختراع، والملك والسلطان، ونفوذ الأمر والإرادة، فكما أنَّه تعالى يخلق ما يشاء، ويُسعد من يشاء، ويشقي من يشاء، ويُصِحّ من يشاء، ويُمرِض من يشاء، ويوفق من يشاء، ويَخْذُلُ من يشاء، فكذلك فإنَّه سبحانه يحكم في عباده بما يشاء، فيحلّ ما يشاء، ويحرِّم ما يشاء، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
والآية ردّ على اليهود الذين أنكروا نسخ أحكام التوراة، وجحدوا نبوة عيسى ومحمد - عليهما الصلاة والسلام - وقد وقع النسخ في الكتب المتقدمة والشرائع الماضية، كما أحل لآدم تزويج بناته من بنيه، ثم حرّم ذلك، وكما أباح لنوح بعد خروجه من السفينة أكل جميع الحيوانات، ثمَّ نسخ حِلَّ بعضها، وكان نكاح الأختين مباحًا لإسرائيل وبنيه، وقد حرم ذلك في شريعة التوراة وما بعدها.
وأمر إبراهيم ﵇ بذبح ولده، ثمَّ نسخه قبل الفعل، وأمر جمهور بني إسرائيل بقتل من عَبَدَ العجل منهم، ثم رَفَعَ عنهم القتل، كيلا يستأصلهم القتل. وفي القرآن من النسخ ما اتفقت عليه كلمة أهل العلم: كنسخ العدة بالحول إلى أربعة أشهر وعشر، وكذلك أمر تحويل القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة، وكذلك نسخ مصابرة المسلم لعشرة من الكفرة إلى مصابرة الاثنين، وكذلك نسخ وجوب الصدقة قبل مناجاة الرسول ﷺ وغير ذلك من الأمور.
стр. 359
وقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.
أي: ليس لكم، أيها المؤمنون، بعد الله من قيّم بأمركم، ولا نصير فيؤيدكم ويقوّيكم، فيعينكم على أعدائكم. ذكره ابن جرير.
١٠٨. قوله تعالى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ١٠٨].
في هذه الآية: ينهى الله سبحانه عباده المؤمنين عن كثرة سؤال النبي ﷺ عن الأشياء قبل حدوثها، وعن تقليد اليهود الذين أكثروا السؤال لموسى ﵇ تنطعًا وشعورًا بالترف وقلة المسؤولية.
قال القرطبي: (﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾ هذه "أمْ" المنقطعة التي بمعنى بل، أي بل تريدون، ومعنى الكلام التوبيخ).
يروي ابن جرير عن ابن عباس: (قال رافع بن حُرَيْملة ووهب بن زيد لرسول الله ﷺ : ائتنا بكتاب تنزِّله علينا من السماء نقرؤه، وفجِّر لنا أنهارًا، نَتَّبِعكَ ونصدقك! فأنزل الله في ذلك من قولهما: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾، الآية).
وعن قتادة قوله: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ قال: (وكان موسى يُسأل، فقيل له: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾).
قال ابن كثير: (والمراد أن الله ذمّ من سأل الرسول ﷺ عن شيء على وجه التعنّت والاقتراح، كما سألت بنو إسرائيل موسى ﵇ تعنتًا وتكذيبًا وعنادًا).
قلت: ولا شك أن الخطاب بهذه الآية يمتد إلى الكافرين ولا يقتصر على المؤمنين. ففي التنزيل: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٣]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]. أي: إن تسألوا عنها بعد نزولها وحدوثها.
стр. 360
وقد استفاضت السنة الصحيحة بهذا المعنى، وفي ذلك أحاديث:
الحديث الأوّل: أخرج البخاري ومسلم عن المغيرة بن شعبة قال: سمعت النبي ﷺ يقول: [إن الله كَرِهَ لكم ثلاثًا: قيلَ وقال، وإضاعةَ المال، وكثرةَ السؤال] (١).
الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم وأحمد عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه أن النبي ﷺ قال: [إن أعظمَ المسلمين جُرْمًا مَنْ سألَ عن شيءٍ لمْ يُحَرَّمْ فَحُرِّمَ من أجل مسألتهِ] (٢).
الحديث الثالث: أخرج البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [دعوني ما تَرَكْتُكُمْ، فإنما هلكَ من كان قبلكم سؤالهُم واختلافُهُم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم] (٣).
وأصله في صحيح مسلم عنه قال: [خطبنا رسول الله ﷺ فقال: أيها الناس! قد فُرِض عليكم الحجُّ فحُجُّوا. فقال رجل: أكُلَّ عام؟ يا رسول الله! فسكت، حتى قالها ثلاثًا، فقال رسول الله ﷺ : لو قلتُ: نَعَمْ، لوجَبَتْ، ولما استطعتم، ثمَّ قال: ذروني ما تركْتُكُمْ، فإنما هَلَكَ من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه] (٤).
الحديث الرابع: أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث سهل بن سعد: [أن عُوَيْمِرًا العَجْلانِيَّ جاء إلى عاصم بن عديٍّ الأنصاريِّ فقال له: أرأيت يا عاصمْ! لو أن رجلًا وجد مع امرأته رَجُلًا، أَيَقْتُلُهُ فتقتلونَهُ؟ أم كيف يفعل؟ فاسْئَل لي عن ذلك - يا عاصم! رسول الله ﷺ . فسأل عاصمٌ رسول الله ﷺ فكَرِهَ رسولُ الله ﷺ المسائل وعابها. .] (٥).
الحديث الخامس: أخرج الإمام مسلم أيضًا في صحيحه عن أنس قال: [نُهينا أن
стр. 361
نَسْأَل رسولَ الله ﷺ عن شيءٍ، فكان يُعْجِبنا أن يجيءَ الرجل من أهل البادية، العاقِلُ، فَيَسْألَهُ ونحن نسمع] (١).
وله شاهد عند أبي يعلى عن البراء بن عازب قال: [إن كان ليأتي عليَّ السنة، أريد أن أسأل رسول الله ﷺ عن الشيء، فَأتهيَّبُ منه، وإن كنا لنتمنى الأعراب] (٢).
الحديث السادس: أخرج البزّار بسنده عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: [ما رأيت قومًا خيرًا من أصحاب محمَّد ﷺ ، ما سألوه إلا عن اثنتي عشرة مسألة، كلها في القرآن: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ. . .﴾ [البقرة: ٢١٩]. و ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ. . .﴾ [البقرة: ٢١٧]، و ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى. . .﴾ [البقرة: ٢٢٠]. يعني هذا وأشباهه] (٣).
وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾.
قال أبو العالية: (يقول: يتبدل الشدة بالرخاء).
واستبعد ابن جرير هذا التفسير وقال: (إلا أن يكون قائل ذلك أراد بتأويله ﴿الْكُفْرَ﴾ بمعنى الشدة في هذا الموضع، وبتأويله ﴿بِالْإِيمَانِ﴾ في معنى الرخاء: ما أعدّ الله للكفار في الآخرة من الشدائد، وما أعدّ الله لأهل الإيمان فيها من النعيم).
والمعنى: ومن يختر الكفر بديلًا عن الإيمان فقد عدل عن الصراط المستقيم إلى الجهل والضلال. لذلك قال تعالى: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. قال الراغب: (فإن قيل ما فائدة قوله: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ﴾ إلخ ومعلوم أنَّه بدون الكفر يضل الإنسان سواء السبيل فكيف بالكفر؟ قيل معنى ذلك: من يتبدل الكفر بالإيمان يعلم أنَّه قد ضل، قبلُ، سواء السبيل، وفي ذلك تنبيه أن ضلاله سواء السبيل قاده إلى الكفر بعد الإيمان. ومعناه: لا تسألوا رسولكم كما سئل موسى فتضلوا سواء السبيل فيؤدي بكم إلى تبديل الكفر بالإيمان. قال: ووجه آخر، وهو أنَّه سمى معاندة الأنبياء ﵈، بعد حصول ما تسكن النفس إليه، كفرًا، إذ هي مؤدية إليه) ذكره القاسمي.
стр. 362
١٠٩ - ١١٠. قوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
في هذه الآيات: يوجّه الباري عباده المؤمنين إلى أخذ الحذر من مداخل الكفار من أهل الكتاب، ويكشف لهم عن ما تنطوي عليه أنفسهم من العداوة والبغضاء والغل والمكر والحسد، ثمَّ يأمر سبحانه عباده المؤمنين بالصفح والعفو حتى ينزل الفرج من الله بالنصر والظفر والفتح. ويأمرهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والاستعداد للقاء الله جل ذكره.
وقوله: ﴿وَدَّ﴾. أي: تمنى.
و﴿كُفَّارًا﴾ مفعول به ثان لـ ﴿يَرُدُّونَكُمْ﴾.
وقوله: ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾. أي: من تلقائهم من غير أن يجدوه في كتاب ولا أمروا به، وإنما فاضت به نفوسهم المريضة.
قال ابن عباس: (إن رسولًا أميًّا يخبرهم بما في أيديهم من الكتب والرسل والآيات، ثمَّ يصدق بذلك كله مثل تصديقهم، ولكنهم جحدوا ذلك كفرًا وحسدًا وبغيًا، وكذلك قال الله تعالى: ﴿كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ يقوله: من بعد ما أضاء لهم الحق، لَمْ يَجْهلوا منه شيئًا، ولكن الحسد حملهم على الجحود، فَعَيَّرهم ووبَّخَهم ولامهم أشدَّ الملامة).
وقال الربيع بن أنس: (﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾: من قِبَلِ أنفسهم).
وقال أبو العالية: (﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾: من بعد ما تبيّن أن محمدًا رسول الله يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، فكفروا به حسدًا وبغيًا، إذ كان من غيرهم).
والحسد نوعان: مذموم ومحمود. فالمذموم ما كان فيه تمني زوال نعمة الله عن
стр. 363
أخيك المسلم، لتعود إليك أو لا تعود، وقد ذمّ الله هذا النوع بقوله: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾.
قال القرطبي: (وإنما كان مذمومًا لأنَّ فيه تسفيه الحق سبحانه، وأنه أنعم على من لا يستحق).
وأما المحمود فهو بمعنى الغبطة. وهو تمني الحصول على النعمة التي على أخيك دون أن تزول عنه. فإن كان في العمل الصالح والمعالي فهو من المنافسة المحمودة كما قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦] فيجوز تسميته بالمنافسة. وقد صنف الإمام البخاري في صحيحه بابًا سمّاه: "باب الاغتباط في العلم والحكمة"، وبابًا سماه: "باب اغتباط صاحب القرآن"، روى فيه عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [لا حَسَدَ إلا على اثنتين، رجُلٌ آتاه اللهُ الكتابَ وقام به آناءَ الليل، ورجلٌ أعطاه الله مالًا فهو يتصدّق به آناء الليل وآناء النهار] (١).
وكذلك روى البخاري عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: [لا حَسَدَ إلا في اثنتين: رَجُلٌ عَلّمَهُ الله القرآنَ فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، فسمِعَهُ جارٌ له فقال: ليتني أُوتيتُ مِثْلَ ما أوتِيَ فلانٌ فَعَمِلْتُ مِثلَ ما يَعْمَلُ، ورجل آتاه الله مالًا فهو يُهلِكُهُ في الحق، فقال رجل: لَيْتَني أوتيتُ مِثلَ ما أوتيَ فلانٌ، فعملتُ مثلَ ما يعمل] (٢).
وقوله: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
يشبه قوله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦].
أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن عروة بن الزبير: أن أسامة بن زيد أخبرهُ، قال: [كان رسول الله ﷺ وأصحابُه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى. قال الله تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وكان رسول الله ﷺ يتأول من العفو ما أمره الله به، حتى أذن الله فيهم بالقتل، فقتل الله به من قتل من صناديد قريش] (٣).
стр. 364
والحديث السابق أورده البخاري في صحيحه ضمن حديث طويل عن أسامة بن زيد وفيه: [وكان النبي ﷺ وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله ويصبرون على الأذى، قال الله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا. . .﴾ الآية. [آل عمران: ١٨٦]، وقال الله: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ إلى آخر الآية، وكان النبي ﷺ يتأول العَفْو ما أمره الله به حتى أذن الله فيهم، فلما غزا رسول الله ﷺ بدرًا فقتل الله به صناديدَ كفار قريش قال ابنُ أُبيٍّ ابنُ سَلُول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان: هذا أمر قد توجّه. .] (١). أي ظهر وجهه، فأظهروا الإِسلام وأبطنوا النفاق والكفر.
قلت: وقد صحت رواية في أسباب نزول هذه الآية عن الزهري من رواية ابن أبي عاصم، عن عروة عن أسامة بن زيد أنَّه أخبره: [أن رسول الله ﷺ ركب على حمار فقال لسعد: ألم تسمع ما قال أبو الحباب - يريد عبد الله بن أبي - قال كذا وكذا، فقال سعد بن عبادة: اعف عنه واصفح. فعفا عنه رسول الله ﷺ ، وكان رسول الله ﷺ وأصحابه يعفون عن أهل الكتاب والمشركين، فأنزل الله : ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾] (٢).
ولا شك أن هذا الأمر بالعفو والصفح عن المشركين كان في أول الإِسلام، أيام غربته الأولى، ثمَّ أكرم الله المؤمنين بالشوكة ونزول آية السيف.
قال ابن عباس: (﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾: نسخ ذلك قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ. . .﴾ [التوبة: ٥]، وقوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ. .﴾، إلى قوله: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، فنسخ هذا عفوَه عن المشركين).
وقال أبو العالية والربيع بن أنس والسدي وقتادة: (إنها منسوخة بآية السيف).
ولا ريب أن قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ يرشد إلى ذلك.
стр. 365
وقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٠].
فيه توجيه من الله سبحانه للمؤمنين للاشتغال بما ينفعهم ويعود عليهم بخير العاقبة في الدار الآخرة، حتى يأذن الله سبحانه لهم بالنصر والتمكين. فإن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة لمن أجَلِّ الأعمال أيام غربة الإِسلام. كما قال تعالى في سورة النساء: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ. . .﴾ [النساء: ٧٧].
وعن الربيع: (قوله: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾، يعني: تجدوا ثوابه عند الله). وفي بعض الآثار: (إن العبد إذا مات قال الناس ما خَلّف! وقالت الملائكة ما قدَّم! ؟ ).
وفي صحيح البخاري وسنن النسائي عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : [أيُّكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟ قالوا: يا رسول الله، ما منّا من أحد إلا ماله أحبُّ إليه من مال وارثه، قال رسول الله ﷺ : ليس منكم من أحد إلا مال وارثه أحب إليه من ماله. مالُك ما قدَّمت ومالُ وارثك ما أخّرت].
هذا لفظ النسائي، ولفظ البخاري: [قال عبد الله: قال النبي ﷺ : أيّكم مال وارثِه أحب إليه من ماله؟ قالوا: يا رسول الله، ما منّا أحدٌ إلا ماله أحبُّ إليه، قال: فإن ماله ما قدّم، ومال وارثه ما أخَّر] (١).
قال أبو العتاهية:
اسعَدْ بِمالِكَ في حياتك إنما ... يبقى وراءك مصلحٌ أو مفسدُ
وإذا تركت لمفسدٍ لم يبقه ... وأخو الصلاح قليله يتزيّد
وإن استطعت فكن لنفسك وارثًا ... إن المورّث نفسه لمسدّد
وقال آخر:
وَلَدَتْكَ إذْ وَلَدَتْكَ أمُّك باكيًا ... والقومُ حَوْلَكَ يضحكون سرورًا
فاعمل ليومٍ تكون فيه إذا بَكَوْا ... في يوم موتك ضاحكًا مسرورًا
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
فيه وعد ووعيد وأمر وزجر.
стр. 366
قال ابن جرير: (وذلك أنَّه أعلم القوم أنَّه بصير بجميع أعمالهم، ليجدّوا في طاعته، إذ كان ذلك مذخورًا لهم عنده حتى يُثيبهم عليه، كما قال: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾، وليحذروا معصيته، إذ كان مطّلعًا على راكبها، بعد تقدُّمه إليه فيها بالوعيد عليها، وما أوْعَدَ عليه ربُّنا جل ثناؤه فمنهي عنه، وما وَعَدَ عليه فمأمور به. أما قوله: ﴿بَصِيرٌ﴾، فإنَّه "مُبْصر" صُرِفَ إلى ﴿بَصِيرٌ﴾، كما صُرِفَ "مُبْدع" إلى "بديع" و"مؤلم" إلى "أليم").
١١١ - ١١٣. قوله تعالى: ﴿وَقَالوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢) وَقَالتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَال الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.
في هذه الآيات: يخبر عن غرور اليهود والنصارى حين ادّعت كل طائفة منهم أنه لن يدخل الجنة إلا من كان على ملتها فأكذبهم الله بغرورهم، كما أكذبهم حين قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ. . .﴾ [المائدة: ١٨]، ثمَّ الفصل بينهم يوم القيامة.
والهود: جم هائد، وهو التائب الراجع إلى الحق. أو أن يكون مصدرًا عن الجميع، وقيل: المراد إلا من كان يهودًا. وهذا ما عناه القوم وحلّقوا فيه بأمانيهم. قال قتادة: (﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾: أماني يتمنَّونها على الله كاذبة).
وقال الربيع: (تمنوا على الله بغير الحق).
قال تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾. قال قتادة: (هاتوا بَيِّنَتَكُمْ). وقال السدي: (هاتوا حُجَّتَكُم). وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ يعني: في دعواكم.
قال الرازي: (دلت الآية على أن المدعي سواء ادّعى نفيًا أو إثباتًا، فلا بد له من الدليل والبرهان، وذلك من أصدق الدلائل على بطلان القول بالتقليد).
стр. 367
وقال الزمخشري: (وهذا أهدم شيء لمذهب المقلدين، وإن كل قول لا دليل عليه، فهو باطل غير ثابت).
ثمَّ قال سبحانه: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾
أي: أخلص دينه لله تعالى. ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي: متبع فيه لرسول الله ﷺ ومنهاجه.
وقوله: ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ يعني: القبول وتلقي العمل ورفعه. فإن للعمل المتقبل شرطين: الأوّل: أن يكون خالصًا لله وحده. والثاني: أن يكون موافقًا لمنهاج الشريعة.
ففي صحيح مسلم عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ قال: [من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد] (١). ورواه البخاري وأحمد عنها بلفظ: [من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد] (٢). وقوله "بلى" تكذيب وردّ لهم. أي ليس الأمر كما تقولون وتدّعون.
ومعنى ﴿أَسْلَمَ﴾: استسلم وخضع. وقيل: أخلص عمله. قال القرطبي: (وخصّ الوجه بالذكر لكونه أشرف ما يُرى من الإنسان، ولأنه موضع الحواس، وفيه يظهر العِزُّ والذُّل. والعرب تخبر بالوجه عن جملة الشيء، ويصح أن يكون الوجه في هذه الآية المقصد). وجملة ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ في محلّ نصب حال.
قال ابن جرير: (يعني بقوله جل ثناؤه: ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾، فللمسلم وجْهَه لله محسنًا، جزاؤه وثوابه على إسلامه وطاعته ربه، عند الله في معاده).
وقوله: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾.
يعني: على المسلمين وجوههم لله وهم محسنون، من عقاب وعذاب جهنم، بل هم آمنون بإخلاصهم وصواب توجههم إلى الله سبحانه. ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على
стр. 368
ما خلّفوا وراءهم في هذه الحياة الدنيا، ولا أن يمنعوا من النعيم المقيم الذي أعدّه الله لأوليائه وأهل طاعته.
وقوله: ﴿وَقَالتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾.
يبين في هذه الآية تناقض الفريقين من أهل الكتاب وتباغضهم وتعاديهم وتعاندهم.
قال مجاهد: (قد كانت أوائل اليهود والنصارى على شيء). وقال قتادة: (﴿وَقَالتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ﴾، قال: بلى، قد كانت أوائل النصارى على شيء ولكنهم ابتدعوا وتفرقوا. ﴿وَقَالتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ قال: بلى، قد كانت أوائل اليهود على شيء، ولكنهم ابتدعوا وتفرقوا).
وقوله: ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾.
قال ابن عباس: (أي كلٌّ يتلو في كتابه تصديق ما كفر به، أي يكفر اليهود بعيسى وعندهم التوراة فيها ما أخذ الله عليهم من الميثاق على لسان موسى بالتصديق بعيسى ﵇، وفي الإنجيل مما جاء به عيسى تصديقُ موسى وما جاء به من التوراة من عند الله، وكلٌّ يكفر بما في يد صاحبه).
ثمَّ قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ قَال الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾.
وفيه عند المفسرين أقوال:
١ - عن الربيع: ﴿قَال الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾، قال: (وقالت النصارى مثل قول اليهود قبلهم).
٢ - عن ابن جريج: قلت لعطاء: من هؤلاء الذين لا يعلمون؟ قال: (أمم كانت قبل اليهود والنصارى، وقبل التوراة والإنجيل).
٣ - وقال السدي: (هم العرب، قالوا: ليس محمَّد ﷺ على شيء).
وقال ابن جرير: (وقال بعضهم: عنى بذلك مُشركي العرب؛ لأنهم لم يكونوا أهل كتاب، فنسبوا إلى الجهل، ونُفي عنهم من أجل ذلك العلم).
وبالجمع بين الأقوال: فإن أهل الكتاب قد أتوا من قِيل الباطل والافتراء على الله
стр. 369
وجحود نبوة الأنبياء والرسل مثل ما قال أهل الجهل بالله وكتبه ورسله ممن لم يبعث الله لهم رسولًا ولا أنزل عليهم كتابًا. وهو اختيار ابن جرير.
وقوله: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.
قال ابن كثير: (أي: إنه تعالى يجمع بينهم يوم المعاد، ويفصل بينهم بقضائه العَدْل، الذي لا يجورُ فيه ولا يظلم مثقال ذرة).
قال تعالى في سورة الحج: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: ١٧].
وقال في سورة سبأ: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ: ٢٦].
١١٤. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
في هذه الآية: تهديد ووعيد لمن منع مساجد الله أن يُعَظَّم فيها ويذكر فيها وتعلّم فيها علوم كتابه وهدي نبيّه ﷺ ، وهؤلاء سيبقون على خوف عند دخولها مما يمكن أن ينزل بهم، فلهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم.
المساجد: جمع مسجد، وهو كل موضع عُبِد الله فيه، وفي الآية أكثر من تأويل:
التأويل الأوّل: المقصود النصارى، والمسجد بيت المقدس.
قال مجاهد: (﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾: النصارى، كانوا يطرحون في بيت المقدس الأذى، ويمنعون الناس أن يُصَلّوا فيه). وقال ابن عباس: (إنهم النصارى). وهو اختيار شيخ المفسرين ابن جرير ﵀،
التأويل الثاني: قيل بل هو بُخْتَنَصَّر وجنده ومن أعانهم من النصارى، والمسجد مسجد بيت المقدس. فعن قتادة في تفسير الآية قال: (أولئك أعداء الله النصارى، حملهم بُغض اليهود على أن أعانوا بُخْتَنَصَّر البابلي المجوسي على تخريب بيت المقدس). وفي رواية: (هو بختنصَّر وأصحابه، خرّب بيت المقدس، وأعانه على ذلك النصارى).
стр. 370
وقال السدي فيها: (الرُّوم، كانوا ظاهروا بختنصَّر على خراب بيت المقدس حتى خرّبه، وأمر به أن تطرح فيه الجيف، وإنما أعانه الروم على خرابه، من أجل أن بني إسرائيل قتلوا يحيى بن زكريا).
التأويل الثالث: قيل بل المقصود مشركو قريش إذ منعوا رسول الله ﷺ من المسجد الحرام.
قال ابن زيد فيها: (هؤلاء المشركون، حيث حالوا بين رسول الله ﷺ يوم الحديبية وبين أن يدخل مكة، حتى نحر هديه بذي طُوىً وهادنهم، وقال لهم: ما كان أحد يُرَدُّ عن هذا البيت، وقد كان الرجل يلقى قاتل أبيه أو أخيه فيه فما يصدُّه! وقالوا: لا يدخل علينا مَنْ قَتَلَ آباءنا يوم بدر وفينا باقٍ! ). وهو اختيار ابن كثير. واستبعد ابن جرير هذا القول، واحتج بأن قريشًا لم تسعَ في خراب الكعبة، ورجح القول الأوّل.
قلت: والآية عامة، والأولى أن تبقى كذلك عامة في حق كل من منع مساجدَ الله أن يعظَّم فيها ويذكَر فيها وتُعَلَّم فيها علوم كتابه وهدي نبيّه ﷺ ، وكذلك اختار القرطبي ﵀، أن المراد مَنْ منع مِن كل مسجد إلى يوم القيامة، لأنَّ اللفظ عام ورد بصيغة الجمع، فتخصيصها ببعض المساجد وبعض الأشخاص ضعيف، والله تعالى أعلم. ثمَّ قال: (خراب المساجد قد يكون حقيقيًّا كتخريب بُخْتَ نَصَّر والنصارى بيت المقدس على ما ذُكر أنهم غَزَوا بني إسرائيل مع بعض ملوكهم - قيل: اسمه نطوس بن اسبيسانوس الرومي فيما ذكر الغزنَوِيّ - فقتلوا وسَبَوْا، وحرقوا التوراة، وقذفوا في بيت المقدس العَذِرة وخربوه. ويكون مجازًا كمنع المشركين المسلمين حين صدّوا رسول الله ﷺ عن المسجد الحرام، وعلى الجملة فتعطيل المساجد عن الصلاة وإظهار شعائر الإِسلام فيها خراب لها).
وقوله: ﴿أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾.
خبرٌ من الله سبحانه بأن عقوبة أولئك المخربين لبيوته المانعين فيها ذكره أن حرّم عليهم دخول المساجد التي سعوا في تخريبها، إلا على خوف ووجل من العقوبة أن تنزل بهم.
فعن قتادة: (﴿مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾، وهم النصارى، فلا يدخلون المسجد إلا مُسارقةً، إنْ قُدِر عليهم عوقبوا). قال السدي: (فليس في الأرض روميٌّ
стр. 371
يدخلها اليوم إلا وهو خائف أن تُضربَ عنقه، أو قد أخِيف بأداء الجزية، فهو يؤدِّيها).
وقال ابن زيد: (نادى رسول الله ﷺ : "لا يَحُجُّ بعد العام مشوك، ولا يطوف بالبيت عُريان". قال: فجعل المشركون يقولون: اللهم إنا منعنا أن نَنْزِل).
وقوله: ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
يعني: القتل والسباء في الدنيا، أو الذلة والصغار بأداء الجزية، ونار جهنم في الآخرة.
قال قتادة فيها: (يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون). وقال السدي: (أما خِزيهم في الدنيا، فإنهم إذا قام المهديُّ وفتحت القسطنطينية قتلهم. فذلك الخزي. وأما العذاب العظيم، فإنَّه عذاب جهنم الذي لا يخفّف عن أهله، ولا يقضى عليهم فيها فيموتوا. وتأويل الآية: لهم في الدنيا الذّلة والهوانُ والقتل والسَّبْي - على منعهم مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعيهم في خرابها، ولهم، على معصيتهم وكفرهم بربهم وسعيهم في الأرض فسادًا، عذابُ جهنم، وهو العذاب العظيم).
١١٥. قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.
في هذه الآية: يُسَلّي الله سبحانه رسوله ﷺ وأصحابه وقد أخرجوا من مكة وفارقوا مسجدهم ومصلاهم، وقد مكثوا بمكة يصلون إلى بيت المقدس والكعبة أمامهم، وكذلك مكثوا ستة عشر شهرًا تقريبًا يصلون إليه بالمدينة حتى حولهم ربهم سبحانه إلى الكعبة.
قال ابن عباس: (أول ما نُسِخَ من القرآن فيما ذكر لنا - والله أعلم - شأن القِبلة. قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ فاستقبل رسول الله ﷺ ، فصلّى نحو بيت المقدس، وتَرَك البيت العتيق، ثمَّ صرفه إلى البيت العتيق ونسخها. فقال: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾) (١).
стр. 372
وقوله: ﴿فَأَيْنَمَا﴾. يعني: حيثما. وقوله ﴿فَثَمَّ﴾. يعني هنالك. وقوله: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾. قال مجاهد: (قبلة الله). وقيل: فثم الله ﵎. وقيل: يعني رضا الله. وقيل: وجه الله صفة له.
وقد اختلف في سبب نزول هذه الآية على عدة أقوال:
القول الأوّل: استنكار اليهود تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، فأنزل الله الآية.
قال ابن عباس: (فارتاب من ذلك اليهود وقالوا: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ فأنزل الله : ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾، وقال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾).
فيكون تأويل الآية: (يقول سبحانه: المشارقُ والمغارب كلها لي، أصْرفُ وجوهَ عبادي كيف أشاء منها، فحيثما تُوَلوا فثم وجه الله).
القول الثاني: أنزلت قبل أن يفرض الله القبلة على نبيّه ﷺ نحو البيت الحرام، فكان لهم التوجه بوجوههم للصلاة حيث شاؤوا من نواحي المشرق والمغرب.
قال قتادة: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾: هي القبلة، ثمَّ نسختها القبلة إلى المسجد الحرام).
القول الثالث: أنزلت في التطوع، إذْنًا من الله تعالى لنبيه ﷺ أن يصليها حيث توجه في مسيره في سفره، وحال المسايفة، وفي شدة الخوف والتقاء الزحوف في الفرائض.
ففي صحيح مسلم عن ابن عمر قال: [كان رسول الله ﷺ يصلي، وهو مُقْبِلٌ مِنْ مكَّةَ إلى المدينة، على راحلته حيثُ كان وجْهُه. قال: وفيه نزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾] (١).
القول الرابع: قيل بل نزلت في قوم عُمِّيت عليهم القبلة فصلوا على أنحاءٍ مختلفة.
أخرج ابن ماجة والترمذي عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه، قال: [كنا مع رسول الله ﷺ ، في ليلة سوداء مظلمة، فنزلنا منزلًا، فجعل الرجل يأخذ الأحجار فيعمل مسجدًا يصلي فيه، فلما أن أصبحنا إذ نحن قد صلينا إلى غير القبلة. فقلنا: يا
стр. 373
رسول الله، لقد صلينا ليلتنا هذه لغير القبلة؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾] (١).
وعند ابن مَرْدُويه عن ابن عباس: (أن رسول الله ﷺ بعث سرية فأخذتهم ضبابة فلم يهتدوا إلى القبلة، فصلوا لغير القبلة. ثمَّ استبان لهم بعدما طلعت الشمس أنهم صلوا لغير القبلة، فلما جاؤوا إلى رسول الله ﷺ حدثوه، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾) (٢).
القول الخامس: قيل بل نزلت في النجاشي مات قبل أن يصلي إلى القبلة.
قلت: والراجح عندي القول الثالث والرابع من الأقوال، فإن القول الثالث ثبت البيان فيه في خبر السنة الصحيحة، وقد صنف بذلك الإمام مسلم في صحيحه بابًا لذلك، وروى فيه خبر نزول الآية، ثمَّ روى عن سالم بن عبد الله، عن أبيه قال: [كان رسول الله ﷺ يسبِّح على الراحلة قِبَلَ أيِّ وَجْهٍ تَوَجَّهَ، ويوتِرُ عليها، غيرَ أنَّه لا يصلي عليه المكتوبة] (٣).
فيدل على جواز صلاة النافلة أينما توجه العبد وهو راكب في السفر أو الغزو، كما أن القول الرابع يدلّ على أنَّه لا إعادة على من بذل وسعه لمعرفة القبلة في الفريضة فصلاها لغير القبلة، فصلاته صحيحة، ويؤيد ذلك ما أخرج الترمذي وابن ماجة بسند حسن عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: [ما بين المشرق والمغرب قبلة] (٤). وفي لفظ:
[ما بين المشرق والمغرب قبلة لأهل المدينة، وأهل الشام، وأهل العراق] (٥).
стр. 374
قال ابن عمرة (إذا جعلت المغرب عن يمينك والمشرق عن يسارك، فما بينهما قبلة، إذا استقبلت القبلة) (١). وقال مجاهد: (﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾: قبلةُ الله، فأينما كنتَ من شرق أو غرب فاستقبلها). وقال: (حيثما كنتم فلكم قبلة تستقبلونها. قال: الكعبة). أي أن التوجه إليها ممكن من كل بقاع الأرض. وروي عنه أيضًا أن الدعاء داخل في مفهوم هذه الآية، أي: أينما تولوا وجوهكم في دعائكم فهنالك وجهي، أستجيب لكم دعاءكم. قال ابن جريج: (قال مجاهد: لما نزلت: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ قالوا: إلى أين؟ فنزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾).
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.
قال ابن جرير: (يسع خلقه كلهم بالكفاية والإفضال والجود والتدبير. وأما قوله: ﴿عَلِيمٌ﴾ فإنه يعني: أنَّه عليم بأفعالهم، لا يغيب عنه منها شيء ولا يعزب عن علمه، بل هو بجميعها عليم).
١١٦ - ١١٧. قوله تعالى: ﴿وَقَالوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
في هذه الآيات: ردٌّ على النصارى، ومن أشبههم من اليهود ومشركي العرب، ممن جعل الملائكة بنات الله، فأكذب الله جميعهم بدعواهم الكذب أن لله ولدًا. ﴿سُبْحَانَهُ﴾ تنزه وتقدس وتعالى عما يقولون علوًا كبيرًا. فهو المبدع لكل شيء في السماوات والأرض، وأمره لا يزيد على قوله ﴿كُنْ﴾ فيكون.
وفي التنزيل: ﴿وَقَالوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَال هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٨: ٩٥].
стр. 375
وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾.
فأخبر بذلك سبحانه أنَّه السيد العظيم الأحد الذي لا نظير له ولا شبيه، وكل ما سواه مخلوق له، فكيف يكون له منها ولد، وله ما في السماوات وما في الأرض.
قال ابن جرير: (ومعنى ذلك: وكيف يكون المسيح لله ولدًا، وهو لا يخلو: إما أن يكون في بعض هذه الأماكن، إمّا في السماوات، وإمّا في الأرض، ولله ملِك ما فيهما، ولو كان المسيح ابنًا كما زعمتم، لم يكن كسائر ما في السماوات والأرض من خلقه وعبيده، في ظهور آيات الصنعة فيه).
أخرج البخاري في تفسير هذه الآية من سورة البقرة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: [قال الله ﵎: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إيّاي فيزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي فقوله: لي ولدٌ فسبحاني أن أتخذ صاحِبةً أو ولدًا] (١).
وكذلك أخرج البخاري ﵀ في تفسير سورة الإخلاص، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنَّه قال: [قال الله تعالى: كذّبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إيّاي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أوَّل الخلق بأهْوَنَ عَليَّ من إعادتِه، وأما شتْمُهُ إيَّايَ فقوله: اتخذ الله ولدًا، وأنا الأحد الصَّمد، لم ألِدْ ولمْ أُولدْ، ولم يَكُنْ لي كُفُوًا أحد] (٢).
وفي الصحيحين عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: [لا أحدَ أصبرُ على أذى سَمِعَه من الله، إنهم يجعلون له ولدًا، وهو يرزقهم ويعافيهم] (٣).
وقوله: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾.
فيه أقوال:
١ - قال مجاهد: (مطيعون. قال: طاعة الكافر في سُجود ظلّه). وفي رواية: (بسجود ظله وهو كاره).
стр. 376
٢ - قال السدي: (كل له مطيعون يوم القيامة).
٣ - قال عكرمة: (كل مقرٌّ له بالعبودية).
٤ - وقال الربيع: (كل له قائم يوم القيامة).
قال ابن جرير: (ولـ ﴿القنوت﴾ في كلام العرب معانٍ: أحدها: الطاعة، والآخر: القيام، والثالث: الكف عن الكلام والإمساك عنه). ثمَّ اختار أن المعنى في الآية هنا الطاعة والإقرار لله بالعبودية، بشهادة أجسامهم، بما فيها من آثار الصنعة والدلالة على وحدانية الله ، وأن الله تعالى ذكره بارئها وخالقها.
وكذلك ذهب الحافظ ابن كثير حيث قال: (القنوت هو الطاعة والاستكانة إلى الله، وذلك شرعي وقَدَري، كما قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾) [الرعد: ١٥]).
وقوله: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. أي: مبدعها.
وإنما هو "مُفْعِل" أي مُبْدع، فصرف إلى "فعيل" أي بديع. كما صرف المؤلم إلى الأليم، والمسمع إلى سميع. قال الربيع: (﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، يقول: ابتدع خلقها، ولم يشركه في خلقها أحد). وقال السدي: (ابتدعها، فخلقها، ولم يُخْلق قبلها شيء فيتمثَّل به).
والمبدع هو المحدث ما لم يسبق إليه. ومنه سمي المبتدع في الدين مبتدعًا، وما أحدثه يسمى بدعة، كما في صحيح مسلم: [فإن كل محدثة بدعة] (١).
قال الحافظ ابن كثير في التفسير: (والبدعة على قسمين، تارة تكون بدعةً شرعية، كقوله: "فإن كلّ محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" (٢). وتارة تكون بدعةً لغوية، كقول أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب ﵁ عن جَمْعه إياهم على صلاة التراويح واستمرارهم: نِعْمَت البدعة هذه).
стр. 377
وقوله: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
بيان من الله سبحانه لكمال قدرته وعظيم سلطانه. فيقول للأمر: كن، أي: مرة واحدة، فيكون كما أراد سبحانه ووفق ما أراد.
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠].
٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢].
٣ - وقال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠].
وقد خلق سبحانه عيسى ﵇ من قبل بكلمة: كنْ. فكان كما أمره الله تعالى، قال جل ذكره: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَال لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩].
١١٨. قوله تعالى: ﴿وَقَال الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَال الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾.
في هذه الآية: ظهور العتو والعناد وسؤال ما لا حاجة فيه من كفار العرب كما ظهر ذلك في أمم أهل الكتابين، فقد تشابه القوم في الضلال.
وقد اختلف المفسرون في المقصود بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ على أقوال:
١ - قال مجاهد: (﴿وَقَال الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾: النصارى). واختاره ابن جرير.
٢ - قال ابن عباس: (هم اليهود). وعن محمَّد بن إسحاق بسنده إلى ابن عباس قال: (قال رافع بن حُرَيملة لرسول الله ﷺ : إنْ كنت رسولًا من عند الله كما تقول، فقل لله فليكلِّمنا حتى نسمع كلامه! فأنزل الله في ذلك من قوله: ﴿وَقَال الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ الآية كلها).
٣ - وقال قتادة: (هم كفار العرب). وهو اختيار ابن كثير.
стр. 378
وقوله: ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾.
أي: فهلاّ يكلمنا الله ويؤتينا آية كما أوتي الرسل. وقيل المعنى: (أي يخاطبنا بنبوتك يا محمَّد) حكاه القرطبي.
ثمَّ اختلفوا بناء على ما سبق في قوله: ﴿كَذَلِكَ قَال الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ على أقوال:
١ - قال مجاهد: (هم اليهود).
٢ - قال قتادة: (يعني اليهود والنصارى وغيرهم). وبنحوه قال السدي: (قالوا: - يعني العرب - كما قالت اليهود والنصارى من قبلهم).
٣ - قيل بل هم الأمم السالفة. وعني بالذين لا يعلمون: اليهود والنصارى.
قلت: ويبدو أن المقصود بـ ﴿الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ هم مشركو العرب، فإن طلبهم الذي طلبوه قد تكرر في القرآن في آيات كثيرة:
١ - قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٤].
٢ - وقال في سورة الإسراء: ﴿وَقَالوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] إلى قوله: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣].
٣ - وقال في سورة الفرقان: ﴿وَقَال الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا. . .﴾ [الفرقان: ٢١].
٤ - وقال في سورة المدثر: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢].
فهذه الخصال من العتو والعناد وسؤال ما لا حاجة فيه قد تكررت من كفار العرب ومشركيهم، كما ظهرت قبلهم في الأمم الخالية من أهل الكتابين، كما قال سبحانه: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً. . .﴾ [النساء: ١٥٣]
وقوله: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة: ١١٨].
أي: في الكفر والعناد والتنطع.
стр. 379
قال الفراء: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ في اتفاقهم على الكفر). وقيل: (في التعنيت والاقتراح وترك الإيمان) ذكره القرطبي. وقال ابن كثير: (أي أشْبَهَتْ قلوب مشركي العرب قلوب من تقدمهم في الكفر والعناد والعتو، كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٢ - ٥٣].
وقوله: ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾. أي: يتعظون بأخبار من سبقهم فيؤمنون بالله ورسله بصدق ويقين لئلا ينزل بهم ما نزل بالمكذبين والمعاندين.
١١٩. قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾.
في هذه الآية: إعلام الله تعالى نبيّه ﷺ أنَّه مرسل بالحق بالبشارة والنذارة، وإنما الهداية بيد الله، ولا عليك شأن المتكبرين والمعاندين.
أخرج البخاري في صحيحه، وأحمد في مسنده، عن عطاء بن يسار، قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص، فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة. فقال: [أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥]، وحِرْزًا للأميّين، أنت عبدي ورسولي، سَمَّيْتُك المتوكل، ليس بفَظّ ولا غليظٍ، ولا سخّاب في الأسواق، ولا يَدْفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيمَ به المِلَّةَ العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويُفْتَحُ بها أعينٌ عُمْيٌ، وآذانٌ صُمٌّ، وقلوب غُلْف] (١).
وفي لفظ: (فيفتح به أعينًا عُمْيا، وآذانًا صمًّا، وقلوبًا غُلْفًا).
وقوله: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾.
أي: إنما عليك البلاغ والإنذار، ولست مسؤولًا عمن كفر وعن مصير من كفر.
وقرأ بعض أهل المدينة: ﴿وَلَا تُسْأَلُ﴾ جزمًا، في حين قرأها أُبيّ بن كعب: "وما
стр. 380
تُسْأَلُ"، وذكر ابن جرير أنها في قراءة ابن مسعود: "ولن تُسألَ"، والقراءة المشهورة هي قراءة قرّاء الأمصار: ﴿وَلَا تُسْأَلُ﴾.
١٢٠ - ١٢١. قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٢٠) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
في هذه الآيات: يخبر الله سبحانه نبيّه ﷺ والمؤمنين عن طبيعة اليهود والنصارى، بأنهم لا يرضون عنك أبدًا حتى توافق طريقتهم وأهواءهم، وتترك ما أنت عليه من الحق لأجلهم، ومن ثمَّ فإن الخير لك ولأمتك في خلافهم وعدم مشابهتهم، وتعظيم الوحي والهدى الذي اختصك الله به لجمع الخلق كلهم ولو كره المبطلون.
قال القرطبي: (المعنى: ليس غرضهم يا محمَّد بما يقترحون من الآيات أن يؤمنوا، بل لو أتيتهم بكل ما يسألون لم يرضوا عنك، وإنما يرضيهم ترك ما أنت عليه من الإِسلام واتباعهم).
والملة: اسم لما شرعه الله لعباده في كتبه وعلى ألسنة رسله، فالملة هي الدين، وجمعها المِلَل.
وقوله: ﴿إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾.
أي: بيان الله هو الحجة وهو القضاء الفصل وإليه التحاكم، وفي ذلك تكذيب لادعائهم أنَّه لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى.
وقوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.
هو تهديد ووعيد، وتحذير شديد، من الله سبحانه للأمة إذا اتبعت طرائق اليهود والنصارى بعدما علموا من القرآن والسنة، والخطاب وإن كان للرسول ﷺ ، إلا أن الأمة به مرادة.
قال ابن كثير: (وقد استدل كثير من الفقهاء بقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾، حيث أفردَ الملّة، على أن الكفر كلّه ملّة واحدة، كقوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾).
стр. 381
فقد ذهب أبو حنيفة والشافعيُّ وأحمد إلى ذلك، وكذلك استدلوا بالحديث: [لا يتوارث أهل ملتين] (١) على أن المراد به الإِسلام والكفر. بدليل قوله ﵇: [لا يرث المسلم الكافر] (٢)، فعلى هذا لا يتوارث المسلمون والكفار.
وفي قوله تعالى: ﴿مِنَ الْعِلْمِ﴾.
سُئل أحمد بن حنبل عمن يقول: القرآن مخلوق، فقال: كافر، قيل: بم كفَّرته؟ فقال: (بآيات من كتاب الله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ والقرآن من علم الله. فمن زعم أنَّه مخلوق فقد كفر).
قال الرازي: (في الآية دلالة على أن اتباع الهوى لا يكون إلا باطلًا. فمن هذا الوجه تدل على بطلان التقليد).
وختام الآية: ﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾. يلي أمرك ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾ يدفع عنك عقابه.
قال القاسمي: (وإنما أوثِر خطابه ﷺ ليدخل دخولًا أوليًّا مَن اتبع أهواءهم بعد الإِسلام من المنافقين تمسكًا بولايتهم، طمعًا في نصرتهم).
وفي فتح البيان ما نصّه: (وفي هذه الآية من الوعيد الشديد الذي ترجف له القلوب وتنصدع منه الأفئدة، ما يوجب على أهل العلم الحاملين لحجج الله سبحانه، والقائمين ببيان شرائعه - ترك الدهان لتاركي العمل بالكتاب والسنة، المؤْثرين لمحض الرأي عليهما).
وقوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾.
قال قتادة: (هؤلاء أصحاب نبيّ الله ﷺ آمنوا بكتاب الله وصدقوا به).
وقيل: بل المراد علماء بني إسرائيل الذين آمنوا بالله وصدقوا رسله، فأقرّوا بحكم التوراة وامتثلوا ما جاء بها من الأمر باتباع محمَّد ﷺ وتصديقه. قال ابن زيد في الآية: (من كفر بالنبي ﷺ من يهود، فأولئك هم الخاسرون). وهو اختيار ابن جرير.
стр. 382
وقوله: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾.
فيه أقوال متقاربة:
١ - قال ابن عباس: (يتبعونه حق اتباعه). قال: (يحلون حلاله ويحرمون حرامه، ولا يحرِّفونه).
٢ - وقال ابن مسعود: (والذي نفسي بيده، إنّ حقَّ تلاوته: أن يُحل حلاله ويحرِّم حرامه، ويقرأه كما أنزله الله، ولا يحرِّف الكلم عن مواضعه، ولا يتأوّل منه شيئًا على غير تأويله). وعن مجاهد: (﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ قال: عملًا به). قال: (يعملون به حقّ عمله). وقال عطاء: (يتبعونه حق اتباعه، يعملون به حق عمله).
٣ - عن قيس بن سعد: (﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾، قال: يتبعونه حق اتباعه، ألم تر إلى قوله: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ يعني الشمسَ إذا تبعها القمر).
٤ - وقال الحسن: (يعملون بمُحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، ويكِلون ما أشكل عليهم إلى عالمه).
٥ - وقال آخرون: (يقرؤونه حق قراءته).
أخرج ابن أبي حاتم عن أسامة بن زيد، عن أبيه، عن عمر بن الخطّاب: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ قال: (إذا مَرَّ بذكر الجنة سأل الله الجنة، وإذا مرّ بذكر النار تعوذ بالله من النار). ذكره ابن كثير.
قلت: ويؤيده ما في صحيح الإمام مسلم من حديث حذيفة قال: [كان إذا مرَّ بآية خوفٍ تعوَّذ، وإذا مرَّ بآية رحمة سألَ، وإذا مرّ بآيةٍ فيها تنزيهُ الله سبّح] (١).
وقال أبو موسى الأشعري: (من يتبع القرآن يهبط به على رياض الجنة) ذكره القرطبي.
قلت: وكل هذه الآثار والتفاسير تتدفق من مفهوم قوله تعالى: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾.
وقوله: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾.
خبر عن ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾.
стр. 383
قال ابن زيد: (من آمن برسول الله ﷺ من بني إسرائيل وبالتوراة، وإن الكافر بمحمد ﷺ هو الكافر بها الخاسر، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾).
وفي التنزيل: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ. . .﴾ [المائدة: ٦٨].
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ. . .﴾ [المائدة: ٦٦].
﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ. . .﴾ [الأعراف: ١٥٧].
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ [القصص: ٥٢: ٥٤].
وفي الصحيح: [ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجُلٌ من أهل الكتاب آمن بنبيه وأدرك النبي ﷺ فآمن به واتبعه وصدقه فله أجران. .] الحديث (١).
وقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
قال ابن زيد: (من كفر بالنبي ﷺ من يهود، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾).
وفي التنزيل نحوه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ. . .﴾ [هود: ١٧].
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: [والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثمَّ يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلت به، إلا كان من أصحاب النار] (٢).
١٢٢ - ١٢٣. قوله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي
стр. 384
فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالمِينَ (١٢٢) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾.
في هذه الآيات: توجيه الله تعالى بني إسرائيل لذكر نعمته عليهم وعلى آبائهم وكيف فضلهم على عالمي أهل زمانهم. وتنبيه لهم لسلوك طريق التقوى والاستعداد ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم.
لقد تقدم نظير هذه الآية في صدر السورة، ثمَّ كررت هنا ليختم بها الأوامر والوصايا مرة أخرى.
قال القاسمي: (قال القاضي: ولما صدّر قصتهم بالأمر بذكر النعم والقيام بحقوقها، والحذر من إضاعتها والخوف من الساعة وأهوالها - كرر ذلك وختم به الكلام معهم، مبالغة في النصح وإيذانًا بأنّه فذلكة القضية والمقصود من القصة).
وقال ابن كثير: (وكررت هاهنا للتأكيد والحث على اتباع الرسول النبي الأمي الذي يجدون صفته في كتبهم ونعته واسمه وأمْرَه وأمته. فحذّرهم من كتمان هذا، وكتمان ما أنعم به عليهم، وأمرهم أن يذكروا نعمة الله عليهم، من النعم الدنيوية والدينية، ولا يحسدوا بني عَمِّهم من العرب على ما رزقهم الله من إرسال الرسول الخاتم منهم. ولا يحمِلهم ذلك الحسد على مخالفته وتكذيبه، والحيدة عن موافقته، صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين).
١٢٤. قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَال إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَال وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَال لَا يَنَال عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.
في هذه الآية: اختبار الله تعالى خليله إبراهيم ﵇ ببعض التكاليف الشرعية، وأختياره لمقام الإمامة في الدين، وتقريره تعالى أنَّه لا تكون النبوة والإمامة للظالمين.
فقوله: ﴿ابْتَلَى﴾.
أي: اختبر. ومنه قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٦]. يعني: اختبروهم.
قال ابن جرير: (وكان اختبار الله تعالى ذكره إبراهيم، اختبارًا بفرائض فرضها
стр. 385
عليه، وأمرٍ أمره به. وذلك هو "الكلمات" التي أوْحَاهنّ إليه، وكلفه العمل بهن، امتحانًا منه له واختبارًا).
وأما صفة هذه "الكلمات" موضع الابتلاء، ففي ذلك أقوال عند المفسرين:
القول الأوّل: هي شرائع الإِسلام، وهي ثلاثون سهمًا.
قال ابن عباس: (ما ابتُلي أحدٌ بهذا الدين فقام به كله غير إبراهيم، ابتلي بالإِسلام فأتمه، فكتب الله له البراءة فقال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧]، فذكر عشرًا في "براءة" فقال: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ﴾ إلى آخر الآية، وعشرًا في "الأحزاب": ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾، وعشرًا في "سورة المؤمنين" (١ - ٩) إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾، وعشرًا في ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ [٢٢ - ٣٤]: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾).
القول الثاني: هي خصال عشر من سُنن الإِسلام.
فعن ابن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس: (﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾، قال: ابتلاه الله بالطهارة، خمسٌ في الرأس، وخمس في الجسد. في الرأس: قصُّ الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسِّواك، وفَرْق الرأس. وفي الجسد: تقليم الأظفار، وحَلق العانة، والخِتان، ونتف الإبط، وغَسل أثر الغائط والبول بالماء).
وذكر ابن جرير أثرًا آخر بسنده عن مطر، عن أبي الجلد قال: (ابتلي إبراهيم بعشرة أشياءَ، هن في الإنسان، سُنَّة: الاستنشاق، وقصّ الشارب، والسِّواك، ونتْف الإبط، وقَلْم الأظفار، وغسل البراجم، والختان، وحَلْقُ العانة، وغسل الدبر والفرج).
قلت: وهذه الأمور مذكورة في السنة الصحيحة. ففي صحيح مسلم عن عائشة ﵂، قالت: [قال رسول الله ﷺ : عَشْرٌ من الفطرة: قصُّ الشارب، وإعفاء اللحية، والسِّواك، واستنشاق الماء، وقصُّ الأظفار، وغَسْلُ البَراجم، ونَتْفُ الإبط، وحَلْقُ العانة، وانتقاص الماء. قال مصعب: ونسيتُ العاشرة إلا أن تكون المضمضة. قال وكيع: انتقاص الماء يعني الاستنجاء] (١).
стр. 386
وفي الصحيحين عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [الفطرة خمس: الخِتان، والاستحداد، وقصُّ الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط] (١).
القول الثالث: قيل بل الكلمات التي ابتلي بهنّ عشرُ خِلال، بعضهُنّ في تطهير الجسد، وبعضهن في مناسك الحج.
قال الربيع: (فالكلمات: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾، وقوله: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾، وقوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، وقوله: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ الآية. قال: فذلك كله من الكلمات التي ابتُلي بهن إبراهيم).
قال ابن عباس: (فمنهن: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾، ومنهن: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾، ومنهن الآيات في شأن النسك والمقام الذي جعل لإبراهيم، والرِّزق الذي رُزق ساكنو البيت، ومحمد ﷺ في ذريتهما ﵉.
القول الرابع: قيل بل هي مناسك الحج خاصة.
قال ابن عباس: (إن الكلمات التي ابتُلي بها إبراهيم، المناسك). قال: (مناسك الحج). وفي رواية: (منهن مناسك الحج).
القول الخامس: قيل بل هي أمور، منهن الختان.
فعن يونس بن أبي إسحاق، عن الشعبي: (﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ قال: منهن الختان).
القول السادس: قيل بل ذلك الخلال الستّ: الكوكب، والقمر، والشمس، والنار، والهجرة، والختان، التي ابتلي بهن فصبر عليهن.
قال الحسن: (إي والله، ابتلاه بأمرٍ فصَبَرَ عليه: ابتلاه بالكوكب والشمس والقمر، فأحسنَ في ذلك، وعَرَف أن ربَّه دائم لا يزول، فوجَّه وجهَه للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا وما كان من المشركين، ثمَّ ابتلاه بالهجرة، فخرج من بلاده وقومه حتى لحق بالشام مهاجرًا إلى الله، ثمَّ ابتلاه بالنار قبل الهجرة، فصبر على ذلك، فابتلاه الله بذبح ابنه وبالختان، فصبر على ذلك).
стр. 387
القول السابع: عن السدي: (الكلمات التي ابتلى بهن إبراهيمَ ربُّه: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ. . .﴾).
قلت: وكل هذه الأقوال لا مانع من دلالتها على الكلمات التي ابتلى الله بها إبراهيم ﵊ فقام بمقتضاها أحسن القيام حتى استحق ثناء الله عليه وعلو ذكره بين الملائكة والمؤمنين.
وقوله: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾.
قال ابن عباس: (أي فأدّاهن). وقال قتادة: (أي عمل بهنّ فأتمهن).
وقوله: ﴿قَال إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾.
قال الربيع: (ليؤتم به ويقتدى به).
وقوله: ﴿قَال وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾.
قال الربيع: (يقول: فاجعل من ذريتي من يُؤتم به، ويقتدى به).
يعني: فاجعل مثل الذي جعلتني به، من الإمامة للناس، يكون كذلك من ذريتي. قال ابن كثير: (سأل الله أن تكون الأئمة من بعده من ذريته، فأجيب إلى ذلك، وأُخبرَ أنَّه سيكون من ذريته ظالمون، وأنه لا ينالهم عهد الله، ولا يكونون أئمة فلا يُقتدى بهم).
قال تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ. . .﴾.
فاستجاب الله سبحانه له، فكل نبي أرسله أو كتاب أنزله بعد إبراهيم، ففي ذريته عليه وعلى الأنبياء صلوات الله وسلامه.
وقوله: ﴿قَال لَا يَنَال عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.
يعني أن الظالم لا يكون إمامًا لأهل الخير.
قال ابن جرير: (لأن الإمامة إنما هي لأوليائه وأهل طاعته، دون أعدائه والكافرين به). فهو خبر من الله سبحانه عن أن الظالم لا يكون إمامًا يَقتدي به أهل الخير.
وأما العهد الذي حرمه الله على الظالمين ففيه أقوال:
القول الأوّل: (العهد) النبوة. يعني لا ينال النّبوةَ أهلُ الظلم والشرك.
стр. 388
فعن السدي: (﴿قَال لَا يَنَال عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾، يقول: عهدي، نبوّتي).
القول الثاني: ﴿العهد﴾ عهد الإمامة. يعني لا أجعل من كان من ذريتك ظالمًا، إمامًا لعبادي يُقتدى به.
فعن مجاهد: (قال الله: ﴿لَا يَنَال عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾، قال: لا يكون إمامٌ ظالمًا).
وفي رواية: (قال: لا يكون إمامٌ ظالم يقتدى به) أو قال: (لا أجعل إمامًا ظالمًا يقتدى به). وفي رواية: (قال: لا يكون إمامًا ظالم). وقال عطاء: (فأبى أن يجعل من ذريته ظالمًا إمامًا). وقال ابن جُريج لعطاء: ما عهده؟ قال: (أمره).
القول الثالث: قيل بل المعنى: لا عهد عليك لظالم أن تطيعه في ظلمه.
فعن ابن عباس فيها قال: (يعني: لا عهدَ لظالم عليك في ظلمه، أن تطيعه فيه).
وقال: (ليس للظالمين عهدٌ، وإن عاهدتهُ فانقضه). وقال ابن عباس: (ليس لظالم عهدٌ).
القول الرابع: ﴿العهد﴾ في هذه الموضع: الأمان.
فتأويل الكلام حينئذ: لا ينال أماني أعدائي، وأهل الظلم لعبادي. أي: لا أؤمنهم من عذابي في الآخرة.
فعن قتادة: (﴿قَال لَا يَنَال عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾، ذلكم عند الله يوم القيامة، لا ينال عَهده ظالم"، فأما في الدنيا، فقد نالوا عهد الله، فوارثوا به المسلمين وَغازَوْهم وناكحوهم به. فلما كان يوم القيامة قَصَرَ الله عهده وكرامته على أوليائه).
وقال أيضًا: (لا ينال عهد الله في الآخرة الظالمون، فأما في الدنيا فقد ناله الظالم، وأكل به وعاش). وعن إبراهيم نحوه وقال في آخره: (فأما في الدنيا فقد ناله الظالم فأمِن به، وَأكل وأبصر وعاش).
ولا شك أن الآية فيها إعلام من الله لإبراهيم: أن من ولده من يشرك به، ويجور عن قصد السبيل، ويظلم نفسه وعباده. كما قال مجاهد فيها: (إنه سيكون في ذريتك ظالمون).
القول الخامس: قيل بل ﴿العهد﴾ هنا دين الله.
فعن الربيع قال: (قال الله لإبراهيم: ﴿لَا يَنَال عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾، فقال: فعهد الله الذي عهد إلى عباده، دينُه. يقول: لا ينال دينُه الظالمين. ألا ترى أنَّه قال: ﴿وَبَارَكْنَا
стр. 389
عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١١٣]، يقول: ليس كل ذريتك يا إبراهيم على الحق).
وقال الضحاك فيها: (لا ينال عهدي عدوٌّ لي يَعْصيني، ولا أَنْحَلُها إلا وليًّا لي يطيعني).
وخلاصة القول: إن الآية تحتمل في مفهومها كل ما سبق، فلا ينال النبوة أهل الظلم والشرك، كما لا يكون ظالم إمامًا للمسلمين يقتدى به، فإن ظهر وتغلب فلا طاعة إلا بالمعروف، ولا أمان لظالم في الآخرة، ودين الله لا ينال الظالمين.
قلت: وفي الآية نكتة بديعة من نكت علم السياسة الشرعية. فقوله تعالى: ﴿لَا يَنَال عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ دليل على أن العدل والعلم بالكتاب والسنة شرط من شروط اختيار المسلمين للإمام الأعظم، فلا بد للحاكم أو الخليفة من العلم بالعدل الذي دلّ عليه الكتاب والسنة الصحيحة، وأن يكون ممن يمتثلون ذلك في حياتهم وسيرتهم ورعايتهم.
فإن حصل وتغلب الظالم وظهر على الأمة فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق .
فقد أخرج البخاري في صحيحه من حديث علي ﵁: [أن النبي ﷺ بعثَ جيشًا وأمَّرَ عليه رجلًا، فأوقد نارًا وقال: ادخلوها، فأرادوا أن يدخلوها. وقال آخرون: إنما فررنا منها. فذكروا للنبي ﷺ فقال للذين أرادوا أن يدخلوها: لو دخلوها لم يزالوا فيها إلى يوم القيامة. وقال للآخرين: لا طاعة في المعصية، إنما الطاعة في المعروف] (١).
قال ابن خُوَيْزٍ مَنْداد المالكيّ: (الظالم لا يصلح أن يكون خليفة ولا حاكمًا ولا مفتيًا ولا إمام صلاة ولا شاهدًا ولا راويًا).
وأصل "الذّرية" من الذَّر. قال القرطبي: (لأن الله تعالى أخرج الخلق من صلب آدم ﵇ كالذَّرِ حين أشهدهم على أنفسهم). وقيل: بل هو مأخوذ من ذرأ الله الخلق يذرؤهم ذرءًا خَلَقهم، ومنه الدرية وهي نسل الثقلين. وقال الخليل: (إنما سُمُّوا ذُرِّية، لأنَّ الله تعالى ذرأها على الأرض كما ذرأ الزارع البذر).
стр. 390
وأما نصب ﴿الظَّالِمِينَ﴾ فلأن العهدَ هو الذي لا ينال الظالمين. وذُكر أنَّه في قراءة ابن مسعود: "لا ينال عهدي الظالمون" يعني: لا ينال الظالمون عهدَ الله. حكاه ابن جرير.
١٢٥. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾.
في هذه الآية: إخباره تعالى عن جَعْله البيت للحج، يحج الناس إليه ويتخذون من مقام إبراهيم مصلى، وقد طهره إبراهيم وإسماعيل من ألوان الشرك بأمر الله.
فقوله: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً﴾.
أي: مرجِعًا للناس ومعاذًا، يأتونه كلّ عام ويرجعون إليه، فلا يقضون منه وطرًا.
وحول هذا المعنى مدار أقوال المفسرين. وتفصيل ذلك:
١ - قال مجاهد: (﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾، قال: لا يقضون منه وَطَرًا).
وقال: (يثوبون إليه، لا يقضون منه وطرًا).
٢ - قال ابن عباس: (لا يقضُون منه وَطرًا، يأتونه، ثمَّ يرجعون إلى أهليهم، ثمَّ يعودون إليه).
٣ - قال السدي: (أما المثابة، فهو الذي يثوبون إليه كل سنة، لا يدعه الإنسان إذا أتاه مرّةً أن يعود إليه).
٤ - قال أبو عمرو: حدثني عبدة بن أبي لبابة في قوله: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾، قال: (لا ينصرِف عنه منصرف وهو يرى أنَّه قد قضى منه وطرًا).
٥ - وقال سعيد بن جبير: (يَحُجُّون ويثوبون). وقال: (يحجّون ثمَّ يحجّون، ولا يقضون منه وطرًا).
٦ - وقال قتادة: (مجمعًا). وقال ابن زيد: (يثوبون إليه من البلدان كلِّها ويأتونه).
وقوله: ﴿وَأَمْنًا﴾.
يعني: مَعاذًا لمن استعاذ به. كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ