← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

وقوله تعالى: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾. قال النسفي: (المراد معاينة العذاب عند الموت ويكون ذلك إيمان يأس فلا ينفعهم). وقال ابن جرير: (فعلنا ذلك بهم لئلا يصدقوا بهذا القرآن، حتى يروا العذاب الأليم في عاجل الدنيا، كما رأت ذلك الأمم الذين قصّ الله قصصهم في هذه السورة). وقوله تعالى: ﴿فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. أي: فيأتيهم العذاب الأليم فجأة وهم لا يعلمون اقترابه، وإنما يبغتهم بغتة فإذا هم في العذاب المهين المذل. ٢٠٣ - ٢٠٩. قوله تعالى: ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (٢٠٣) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (٢٠٤) أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧) وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. في هذه الآيات: سؤالُ المشركين حين نزول العذاب بهم النظرة والإمهال دون جدوى، وتوبيخٌ لهم وإنكار عليهم الاستهزاء بقدوم العذاب، وسنة الله إنذار أهل القرى قبل حلول العذاب، فما الله بظلام للعبيد. فقوله تعالى: ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾. قال النسفي: (يسألون النظِرة والإمهال طرفة عين فلا يجابون إليها). وقال ابن كثير: (أي: يَتَمَنَّون حين يُشاهدون العذاب أن لو أنظِروا قليلًا ليعملوا في زعمهم بطاعة الله، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤]، فكل ظالم وفاجر وكافر إذا شاهد عقوبته نَدِم نَدَمًا شديدًا). وقوله تعالى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ - توبيخ لهم، وإنكار عليهم الاستهزاء بقدوم العذاب، وقولهم تنطّعًا وغرورًا: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]. وكقولهم: ﴿ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ٢٩].

стр. 3257

وقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾. أي: أفرأيت - يا محمَّد - إن متعناهم في هذه الدنيا سنين - والمراد أهل مكة ومن ثمَّ فالآية عامة في أمثالهم من المستكبرين - ثمَّ نزل بهم العذاب والهلاك الذي وُعدوا به على بغيهم وعنادهم، فأي شيء يُجدي عنهم ما كانوا فيه من الزخارف والبهجة والنعيم، أو فما أغنى عنهم الزمان الذي كانوا يمتعونه. وفي الأثر عن الزهري (١): إن عمر بن عبد العزيز كان إذا أصبح أمسك بلحيته ثمَّ قرأ: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ ثمَّ يبكي ويقول: نهارُك يا مغرورُ سهوٌ وغفلةٌ ... وليلُكَ نومٌ والرَّدى لك لازمُ فلا أنتَ في الأيقاظ يقظانُ حازمٌ ... ولا أنتَ في النُّوَّام ناجٍ فسالمُ تُسَرُّ بما يَفنى وتفرحُ بالمنى ... كما سُرَّ باللذات في النوم حالم وتسعى إلى ما سوف تكره غِبَّهُ ... كذلك في الدنيا تعيشُ البهائم وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٤٦]. ٢ - وقال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥]. ٣ - وقال تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ [الليل: ١١]. وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : [يُؤتى بأنعمِ أهلِ الدنيا، مِنْ أهل النار، يوم القيامة، فَيُصْبَغُ في النار صَبْغَةً، ثمَ يُقال: يا ابنَ آدمَ! هل رأيتَ خيرًا قطّ؟ هل مَرَّ بك نعيمٌ قط؟ فيقول: لا، والله! يا رب! ] الحديث (٢). وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. إخبار عن عدله تعالى في خلقه، فإنَّه قد أعذر إلى كل أمة قبل إهلاكها، فلما طغوا وأبوا إلا الكفر والعناد قابلهم بالعذاب والدمار.

стр. 3258

قال الكسائي: ﴿ذِكْرَى﴾ في موضع نصب على الحال. وقال الفراء: بل في موضع نصب على المصدر والتقدير: يذكّرون ذكرى. واختاره القرطبي وقال: (وهذا قول صحيح؛ لأنَّ معنى ﴿إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾ إلا لها مذكّرون. ويجوز أن يكون ﴿ذِكْرَى﴾ في موضع رفع على إضمار مبتدأ. قال أبو إسحاق: أي إنذارنا ذكرى. وقال الفراء: أي ذلك ذكرى، وتلك ذكرى. ﴿وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ في تعذيبهم حيث قدمنا الحجة عليهم وأعذرنا إليهم). وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]. ٢ - وقال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: ٨]. وفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر مرفوعًا إلى النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه : [قال الله تعالى: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا] (١). ٢١٠ - ٢١٢. قوله تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠: ٢١٢]. في هذه الآيات: حفظُ الله القرآن عن أيدي الشياطين وسمعهم برمي الشهب عليهم، فهو تنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين، على قلب محمَّد النبي الأمين. وعن قتادة: (قوله: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾ قال: هذا القرآن. وفي قوله: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ قال: عن سمع السماء). فذكر سبحانه أن هذا الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، إنما هو تنزيل رب العالمين نزل به الروح جبريل الأمين، وما تنزلت به الشياطين، فإن ذلك ممتنع عليهم من ثلاثة أوجه: الوجه الأوّل: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ﴾. قال ابن كثير: (أي: ليس هو من بُغيتهم ولا من

стр. 3259

طَلِبَتهم، لأنَّ من سَجَاياهم الفساد وإضلال العباد، وهذا فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونورٌ وهدى وبرهان عظيم، فبينه وبين الشياطين منافاةٌ عظيمة). الوجه الثاني: ﴿وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾. أي: ولو انبغى لهم لما استطاعوا ذلك. قال النسفي: (وما يتسهل لهم ولا يقدرون عليه). وقال ابن جرير: (يقول: وما يستطيعون أن يتنزلوا به، لأنهم لا يصلون إلى استماعه في المكان الذي هو به من السماء). الوجه الثالث: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾. قال القرطبي: (أي برمي الشهب). والمقصود: إنهم عن استراق السمع أصبحوا ممنوعين بعد بعثة النبي ﷺ . ففي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: ٥]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٦: ١٨]. ٣ - وقال تعالى: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت: ١٢]. وفي الصحيحين عن ابن عباس قال: [انطلق رسول الله ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين. فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب. قال: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا ما حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الأمر الذي حدث، فانطلقوا فضربوا مشارق الأرض ومغاربها ينظرون ما هذا الأمر الذي حال بينهم وبين خبر السماء. قال: فانطلق الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول الله ﷺ بنخلة وهو عامد إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر. فلما سمعوا القرآن تسمعوا له فقالوا: هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك رجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا إنا سمعنا قرآنا عجبًا] الحديث (١). ٢١٣ - ٢٢٠. قوله تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)

стр. 3260

وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. في هذه الآيات: تحذيرُ الله تعالى من الشرك، وأمرُه نبيّه ﷺ البدء بالقرابة والعشيرة في الدعوة وخفض الجناح للمؤمنين، والتوكل عليه إنه هو العزيز الرحيم، الذي يرى قنوتك له - يا محمَّد - وتقلبك في الساجدين. فقوله تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾. قيل: المعنى قل لمن كفر هذا. وقيل: الخطاب للنبي ﷺ والمراد من حوله وأمته فهو المعصوم لا يشرك بالله شيئًا. قال القرطبي: (ودلّ على هذا قوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ أي: لا يتكلون على نسبهم وقرابتهم فيدعون ما يجب عليهم). وقوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. أَمْرٌ بإنذار العشيرة والأقربين، فقد صحّ الخبر بانقضاء مرحلة الدعوة السرية بنزول هذه الآية، وفي ذلك أحاديث: الحديث الأوّل: أخرج البخاري ومسلم - واللفظ للإمام البخاري - عن ابن عباس ﵄ قال: [لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ صَعِدَ النبي ﷺ على الصفا فجعل ينادي: يا بني فِهْر، يا بني عَدِيّ لبطون قريش حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرُجَ أرسلَ رسولًا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش، فقال: أرأيتكم لو أخبرْتُكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغيرَ عليكم أكنتم مصدقيَّ؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقًا. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب: تَبًّا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾] (١). الحديث الثاني: خرّج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: [لما أنزلت هذه الآية ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ دعا رسول الله ﷺ قريشًا فاجتمعوا فَعَمَّ وخَصَّ، فقال:

стр. 3261

يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مُرَّة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبدِ شمس أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مَنَافٍ أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئًا، غير أن لكم رحِمًا سَأَبُلُّها بِبِلالِها] (١). الحديث الثالث: أخرج البخاري عن أبي هريرة قال: [قام رسول الله ﷺ حين أنزل الله : ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ قال: يا معشر قريش اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبدِ مناف لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباسُ بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا صفيةُ عمةَ رسول الله لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا فاطمةُ بنتَ محمَّد سليني ما شِئت لا أغني عنك من الله شيئًا] (٢). وله شاهد عند الترمذي من حديث أبي موسى الأشعري قال: [لما نزل: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. وضع رسول الله ﷺ إصبعيه في أذنيه فرفع صوته فقال: "يا بني عبد مناف يا صباحاه"]. فكان الأمر بالبدء بالأهل والقرابة في الدعوة، فإن الأقارب والأرحام سند طبيعي للرجل، وصلة فطرية فطر الله الخلق عليها، فإن آمنوا كان ذلك قوة إلى قوة، ونورًا على نور، قد جمعوا بين قوة الإيمان ونور الإِسلام، وبين صلة القرابة والنسب وأُنس الأرحام. وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢]. ٢ - وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]. وفي صحيح مسلم عن قبيصة أن النبي ﷺ قال: [يا بني عبد مناف، يا بني عبد

стр. 3262

مناف! إني نذير، إنما مثلي ومثلكم، كمثل رجل رأى العدوَّ، فانطلق يريد أهله، فخشي أن يسبقوه إلى أهله، فجعل يهتف: يا صباحاه، يا صباحاه! أُتيتُم أُتيتم] (١). ثمَّ إن الرحم المظلومة والقرابة المقطوعة ستقف يوم القيامة أمام ربها تلتمس منه النصر من الذي قطعها ومن الذي ظلمها، فينتصر الله لها أمام الخلائق في مشهد الحساب. فقد أخرج الإمام البخاري في "الأدب المفرد" بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو وأبي هريرة قالا: [عطف لنا النبي ﷺ إصبعه فقال: الرحم شَجْنَةٌ من الرحمن، من يصلها يصله، ومن يقطعها يقطعه، لها لسان طلقٌ ذَلْقٌ يوم القيامة، تقول: يا ربّ إني ظلمت، يا ربّ إني قطعت، يا ربّ إني إني، فيجيبها: ألا ترضين أن أقطع من قطعك، وأصل من وصلك؟ (وفي رواية: قالت بلى يا ربّ. قال: فذلك لك). ثمَّ قال أبو هريرة: فاقرؤوا إن شئتم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢]] (٢). وقوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال ابن زيد: (يقول: لِنْ لهم). قال ابن جرير: (يقول: وألن جانبك وكلامك لمن اتبعك من المؤمنين). وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾. أي: فإن أصرّت عشيرتك - يا محمَّد - وقرابتك على عبادة الأوثان ولزوم تقاليد الآباء الفاسدة وأبوا إلا معصية أمرك فيما تدعوهم إليه من الوحي الكريم والهدي العظيم، فقل لهم: إني بريء مما أنتم عليه من عبادة الأصنام ومعصية رب الأنام. وقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾. أي: واجعل اعتمادك - يا محمَّد - على العزيز في انتقامه من أعدائه، الرحيم بأوليائه وأهل الإنابة إليه. وقوله تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾. قال مجاهد: (أينما كنت).

стр. 3263

قال النسفي: (﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾ متهجدًا). وقال ابن جرير: (الذي يراك حين تقوم إلى صلاتك). وقوله تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾. قال ابن عباس: (يقول: قيامك وركوعك وسجودك). وقال عكرمة: (قائمًا وساجدًا وراكعًا وجالسًا). وعن قتادة: (﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ قال: في المصلين). قال ابن عباس: (يراك وأنت مع الساجدين تقلب وتقوم وتقعد معهم). وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. أي: السميع لأقوال عباده ومناجاتهم، العلم بأعمالهم وتقلبهم وحركاتهم وسكناتهم. ٢٢١ - ٢٢٧. قوله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (٢٢٣) وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾. في هذه الآيات: تَنَزُّلُ الشياطين على الأفاكين الآثمين، وذمُّ الشعراء الضالين المنافقين، واستثناءُ الذين آمنوا منهم وعملوا الصالحات وانتصروا للحق وكانوا من الذاكرين، وسيعلم الظالمون أي منقلب ينقلبون. فقوله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾. أي: يقول تعالى: هل أنبئكم أيها الناس على من تتنزل الشياطين؟ ! إنها تتنزل على كل كذاب بهات دجال آثم. قال مجاهد: (﴿كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾: كل كذّاب من الناس). وقال قتادة: (هم الكهنة تسترق الجن السمع، ثمَّ يأتون به إلى أوليائهم من الإنس). وقوله تعالى: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾. أي: يسترقون السمع فيقذفون

стр. 3264

بالشهب فيزيدون الخبر بالكذب. قال مجاهد: (الشياطين ما سمعته ألقته على كلّ أفّاك كذّاب). وفي صحيح السنة المطهرة من آفاق هذه الآية أحاديث: الحديث الأوّل: أخرج البخاري عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂ قالت: [سألَ رسولَ الله ﷺ ناسٌ عن الكُهَّان، فقال: لَيْسَ بشيء. فقالوا: يا رسول الله إنَّهم يُحَدِّثوننا أحْيانًا بشيءٍ فيكون حقًّا، فقال رسول الله ﷺ : تلك الكلمةُ من الحق يَخْطَفُها الجِنِّيُ فَيُقِرُّها في أُذُنِ وَلِيِّهِ فيخلِطُون معها مئة كَذْبَةٍ] (١). الحديث الثاني: أخرج البخاري وأبو داود عن سفيان عن عمرو قال: سمعت عكرمة يقول: سمعت أبا هريرة يقول: إنَّ نبي الله ﷺ قال: [إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خُضْعانًا لقوله، كأنه سِلْسِلَةٌ على صَفْوان، حتى إذا فُزِّعَ عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحقَّ، وهو العَليُّ الكبير. فيسمعُها مُسترقو السمعِ، ومُسْتَرِقو السمع - هكذا بعضُهم فوق بعض - وَوَصَفَ سفيانُ بيَده فَحَرَفها، وبَدَّد بين أصابعه - فيسمَعُ الكلمةَ، فَيُلْقِيها إلى مَن تَحته، ثمَّ يلقيها الآخر إلى من تحتَه، حتى يُلقِيها على لسانِ السَّاحر - أو: الكاهن. فَرُبَّما أدركَهُ الشهابُ قبل أن يُلقيها، وربَّما ألقاها قبل أن يدرِكَهُ، فَيَكذِبُ معها مئة كذبة. فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكَذا كذا وكَذا؟ فَيُصَدَّقُ بتلك الكلمة التي سُمِعت من السماء] (٢). الحديث الثالث: أخرج البخاري عن عروة، عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ قال: [الملائكةُ تحَدَّثُ في العَنانِ - والعَنانُ: الغمامُ - بالأمر يكون في الأرض فَتَسْمَعُ الشياطين الكلمةَ فَتَقُرُّهَا في آذان الكاهن كما تُقَرُّ القارورةُ فيزيدون معها مئة كِذْبَةٍ] (٣). وفي رواية: تقول عائشة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [إنَّ الملائكة تنزلُ في العَنانِ - وهوَ السَّحاب - فَتَذْكُرُ الأمْرَ قُضِيَ في السَّماء، فَتَسْترِقُ الشياطين السَّمْعَ

стр. 3265

فَتَسْمَعُهُ، فتوحيه إلى الكُّهان، فيكذِبُون معها مئة كَذْبَةٍ من عِنْد أنفسهم]. وقوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾. قال مجاهد: (الشياطين). وقال قتادة: (يتبعهم الشياطين). وقال عكرمة: (عصاة الجن). وقال ابن زيد: (الغاوون المشركون). وعن ابن عباس قال: (كان رجلان على عهد رسول الله ﷺ : أحدهما من الأنصار، والآخر من قوم آخرين، وأنهما تهاجيا، وكان مع كل أحد منهما غواة من قومه، وهم السفهاء، فقال الله: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾). قال ابن جرير: (إن شعراء المشركين يتبعهم غواة الناس، ومردة الشياطين، وعصاة الجن). وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [لأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ الرجل قَيْحًا يَرِيهِ، خيرٌ مِنْ أن يَمْتَلِئَ شِعْرًا] (١). وفي صحيح مسلم ومسند أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: [بَيْنا نحنُ نَسيرُ مع رسول الله ﷺ بالعَرْج (٢)، إذ عَرَضَ شاعِرٌ يُنْشِدُ، فقال رسول الله ﷺ : خذوا الشيطان، أو أمسكوا الشيطان؛ لأنَّ يَمْتَلِئَ جوفُ رَجُلٍ قَيْحًا، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا] (٣). والخلاصة: لا يتبع شعراء الجاهلية إلا الغاوون وهم السفهاء أو الراوون أو الشياطين أو المشركون، فإنهم يتبعونهم على باطلهم وكذبهم وتمزيق الأعراض والقدح في الأنساب ومدح من لا يستحق المدح وغير ذلك من وجوه الفساد. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾. أي: في كل واد من الكلام يخوضون ويتحدثون. قال ابن عباس: (في كُلِّ لَغْوٍ يخوضون). وقال الضحاك عن ابن عباس: (في كُلِّ فَنٍّ من الكلام). وقال مجاهد: (في كل فن يَفْتَنُّون). وقال قتادة: (يمدحون قومًا بباطل، ويشتمون قومًا بباطل).

стр. 3266

وعن الحسن البصري قال: (قد - والله - رأينا أوديتهم التي يهيمون فيها، مَرَّةً في شَتْمةِ فلان، ومرة في مِدْحة فُلان). قال النسفي: (﴿يَهِيمُونَ﴾ خبر أن، أي: في كل فن من الكذب يتحدثون، أو في كل لغو وباطل يخوضون، والهائم الذاهب على وجهه لا مقصد له، وهو تمثيل لذهابهم في كل شعب من القول واعتسافهم حتى يفضلوا أجبن الناس على عنترة، وأبخلهم على حاتم). وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾. قال ابن عباس: (أكثر قولهم يَكْذِبون فيه). قال: (وعنى بذلك شعراء المشركين). قال ابن كثير: (فإن الشعراء يَتَبَجَّحُون بأقوال وأفعال لم تصدُر منهم، ولا عنهم، فيتكثَّرون بما ليس لهم). قلت: وطربُ العامة ببعض هؤلاء الشعراء يدفع شعراء الجاهلية - هؤلاء - إلى تسويق أي شيء لسدّ الفراغ ولو على حساب الاستهزاء بالحق وثوابت الدين: كسؤال الملكين في القبر وأمر الموت والحساب والجنة والنار وأمر الملائكة والرسل وغير ذلك، فتراهم مدفوعين إلى التجاوزات والمبالغات بتشجيع أولئك السفهاء لهم ليحق قول الله فيهم: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾. ومما يُذكر في هذا الجانب عن الفرزدق، أن سليمان بن عبد الملك سمع قوله: فبتن بجانبيّ مصرعات ... وبت أفض أغلاق الختام فقال: وجب عليك الحد. فقال: قد درأ الله عني الحد بقوله: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ حيث وصفهم بالكذب والخلف في الوعد. وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. استثناء لشعراء الإِسلام الأبطال، كعبد الله بن رواحة، وحسان بن ثابت، وكعب بن زهير، وكعب بن مالك ﵃، ومن مضى على منهاجهم في الشعر المتألق، الذي سخروه لنصرة هذا الدين، ومدح الله العظيم، ورسوله الكريم، والذب عن عرض المسلمين.

стр. 3267

قال ابن عباس: (ثمَّ استثنى المؤمنين منهم، يعني الشعراء، فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾). وقوله: ﴿وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾. قال ابن عباس: (في كلامهم). وقال ابن زيد: (ذكروا الله في شعرهم). قال النسفي: (﴿وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ أي: كان ذكر الله وتلاوة القرآن أغلب عليهم من الشعر، وإذا قالوا شعرًا قالوه في توحيد الله تعالى والثناء عليه والحكمة والموعظة والزهد والأدب ومدح رسول الله والصحابة وصلحاء الأمة ونحو ذلك مما ليس فيه ذنب). قلت: وهذا الذي ذكره الإمام النسفي في تفسير هذه الآية هو من روائع البيان والتأويل لجوامع الكلم في قوله تعالى: ﴿وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾. قال ابن عباس: (يردون على الكفار الذين كانوا يهجون المؤمنين). وقال ابن زيد: (﴿وَانْتَصَرُوا﴾ من المشركين ﴿مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾). قال ابن جرير: (يقول: وانتصروا ممن هجاهم من شعراء المشركين ظلمًا بشعرهم وهجائهم إياهم، وإجابتهم عما هجوهم به). وفي السنة العطرة كثير من آفاق هذا الاستثناء لشعراء هذا الدين، ومن ذلك: الحديث الأوّل: أخرج الإمام أحمد في مسنده، وابن حبَّان في صحيحه، بإسناد على شرط الشيخين عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه أنَّه قال للنبي ﷺ : إنَّ الله قد نزل في الشعر ما أنزل، فقال رسول الله ﷺ : [إنَّ المؤمن يُجاهِدُ بسيفِهِ ولسانِه، والذي نفسي بيده لكأنَّ ما تَرْمونَهُمْ به نَضْحُ النَّبْلِ] (١). الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن البراء بن عازب قال: [سمعت رسول الله ﷺ يقول لحسان بن ثابت: اهْجُهُم، أو هَاجِهِمْ، وجِبْرَئِيلُ معك] (٢). الحديث الثالث: خرّج مسلم في الصحيح عن أبي هريرة: [أنَّ عُمَرَ مَرَّ بِحَسَّانَ وهو يُنْشِدُ الشِّعْرَ في المسجد، فَلحَظَ إليه، فقال: قَدْ كُنْتُ أُنْشِدُ، وفيه مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ،

стр. 3268

ثمَّ التفتَ إلى أبي هريرة، فقال: أنشُدُكَ الله أسَمِعْتَ رسولَ الله ﷺ يقول: أَجِبْ عَنِّي، اللهمَّ! أَيِّدْهُ بِروحِ القُدُسِ؟ قال: اللهمَّ! نَعَم] (١). الحديث الرابع: أخرج مسلم عن عائشة قالت: [قال حَسَّانُ: يا رسولَ الله! ائذن لي في أبي سفيان. قال: كَيْفَ بقرابتي مِنْه؟ قال: والذي أَكْرَمك! لأَسُلَّنَكَ منهم كما تُسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنَ الخَميرِ، فقال حسّان: وإنَّ سَنَامَ المَجْدِ مِنْ آل هاشِم ... بنو بِنْتِ مَخزُومٍ، ووالِدكَ العَبْدُ قصيدته هذه (٢)]. وفي رواية: [والذي بعثك بالحق! لأسُلَّنَكَ منهم كما تُسَلُّ الشعرة من العجين. قالت عائشة: فسمعت رسول الله ﷺ يقول لحسان: "إن روح القدس لا يزال يؤيِّدُكَ، ما نافَحْتَ عن الله ورسوله". وقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "هجاهم حَسّانُ فشفى واشتفى"] (٣). الحديث الخامس: أخرج الترمذي بسند صحيح عن أنس: [أن النبي ﷺ دخل مكة في عمرة القضاء، وعبد الله بن رواحة بين يديه يمشي وهو يقول: خَلُّوا بني الكُفَّار عن سبيلهِ ... اليَوْمَ نَضْرِبْكُم على تَنْزيله ضَرْبًا يزيل الهامَ عَنْ مَقِيْلِهِ ... ويُذْهِلُ الخليلَ عنْ خليلِهِ فقال له عمر: يا ابن رواحة، بين يدي رسول الله ﷺ وفي حرم الله تقول الشعر؟ فقال رسول الله ﷺ : خَلِّ عَنْهُ يا عُمر فلهي أسْرَعُ فيهم مِنْ نَضْحِ النَّبْل] (٤). وقوله: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾. تهديد لمن انتصر بظلم.

стр. 3269

قال ابن زيد: (وسيعلم الذين ظلموا من المشركين أي منقلب ينقلبون). وقال شريح: (سيعلم الظالمون كيف يخلصون من بين يدي الله ، فالظالم ينتظر العقاب، والمظلوم ينتظر النصرة). وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر: ٥٢]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [الحج: ٧١]. ٣ - وقال تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨]. وفي صحيح السنة المطهرة في آفاق هذه الآية أحاديث: الحديث الأوّل: خرّج مسلم في صحيحه عن جابر، أن رسول الله ﷺ قال: [اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم] (١). الحديث الثاني: روى مسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: [لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يُقادَ للشاة الجَلْحاء - التي لا قرن لها - من الشاة القَرْناء] (٢). الحديث الثالث: أخرج الشيخان عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [إنَّ الله لَيُملي للظالم، فإذا أخذه لم يُفْلِتْهُ ثمَّ قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] (٣). تمّ تفسير سورة "الشعراء" بعون الله وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه * * *

стр. 3270

دروس ونتائج وأحكام ١ - البَخْعُ: القتل والإهلاك. وقلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمان يقلبها كيف شاء، فمن شاء أقامه، ومن شاء أزاغه. ٢ - سحرة فرعون أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء، والسحر من أعمال الكفر. ٣ - لن يهلِكَ الناسُ حتى يُعذروا من أنفسهم، وإذا ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله. ٤ - جعل جبريل يدسُ في في فِرعون الطين خشية أن يقول: لا إله إلا الله، فيرحمه الله، أو خشية أن يَرْحمه. ٥ - ما اختلج عِرْق ولا عين إلا بذنب، وما يدفع الله عنه أكثر. ٦ - تَأَلُقُ أدب إبراهيم ﵊، في نسبه الضر لذنبه وما يكون من الزلل أو التقصير والوقوع في الآثام. ٧ - يؤتى بجهنم يوم القيامة لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرّونها. ٨ - هلاك الأمم بتكذيب الرسل، والإصرار على الكفر، وإشاعة الفواحش والفساد والآثام. ٩ - مكتوب في الإنجيل: "لا فظٌّ، ولا غليظٌ، ولا سخّابٌ بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة مثلها، بل يعفو ويصفح" ﵊ ومكتوب في التوراة نحو ذلك. ١٠ - القرآن أكبر معجزة خالدة في الأرض إلى يوم القيامة.

стр. 3271

١١ - البدء بالقرابة في الدعوة إلى الله، وَالرحم معلقة بالعرش، وهي شجنة من الرحمن، من يصلها يصله، ومن يقطعها يقطعه. ١٢ - الملائكة تحدَّث في العَنان بالأمر يكون في الأرض فَتَسمع الشياطين الكلمة فتقُرُّها في آذان الكاهن، فيكذبون معها مئة كذبة. ١٣ - الشعر بمنزلة الكلام، فحسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام. ١٤ - اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشحّ أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم. ١٥ - إن الله ليملي للظالم ويستدرجه، فإذا أخذه لم يفلته. * * *

стр. 3272

٢٧ - سُورَةُ النَّمْلِ وهي سورة مكية، وعدد آياتها (٩٣). موضوع السورة ملك سليمان ﵊ وتسخير الله لدولته الجن والإنس والطير والنمل لإقامة سلطان الإِسلام - منهاج السورة - ١ - ثناء الله تعالى على القرآن الكريم، وأهله المؤمنين، وذمّ المشركين المكذبين. ٢ - قصة موسى ﵊، وخبر خروجه من مدين إلى مصر، ورؤيته النار وتكليم الله له، وتحميله المهمة مع الآيات إلى فرعون وقومه، وجحود فرعون وملئه ونزول العذاب بهم. ٣ - خبرُ داود وسليمان ﵉، وتسخيره تعالى لسليمان الجن والإنس والطير وسماع حوار النمل، ومقابلة سليمان ربه تعالى بالشكر والتعظيم. ٤ - تفقُّد سليمان الهدهد، ومجيء الهدهد بالخبر المُسَوِّغ لتأخره. ٥ - استقبال سليمان ﵇ الخبر من الهدهد على وجه التثبت والتحقق قبل اتخاذ القرار، وإعطاؤه رسالة عاجلة منه إلى بلقيس يأمرهم بالخضوع لسلطانه القائم بأمر الله قبل أن لا ينفعهم الفرار.

стр. 3273

٦ - استشارة بلقيس قومها محذرة لهم بأس الملوك، واستقرار رأيها على إرسال هدية لسليمان تستطلع بذلك طبيعة الأمر وما يُتوقع من السلوك. ٧ - غضب سليمان ﵇ من فعل بلقيس، وتقريره الزحف بجيش كبير نحوها، ورؤيته إبراز شيء من قوته وسلطانه ليباغتها به عند وصولها، واستعانته بجنوده من الجن لتحقيق ذلك. ٨ - وصول بلقيس ووضعها أمام الاختبار، وإعلان إسلامها في نهاية الأمر بعد التفكر والاعتبار. ٩ - قصة ثمود مع نبيهم صالح ﵇، وإصرارهم على التكذيب والمكر حتى دمرهم الله فما استطاعوا القيام. ١٠ - إنذار لوط قومه مغبة فاحشتهم، وإصرارهم على ما هم فيه حتى نزل العذاب بهم. ١١ - دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام، توحيد الربوبية يقتضي توحيد الألوهية. ١٢ - انفراد الله بعلم الغيب، وجهل الكفار بالحق، وتسلية النبي ﷺ عما يلقاه من الأذى. ١٣ - ثناء الله على القرآن، وأمره نبيّه التوكل عليه، وتقريره تعالى له أنَّه لا يسمع الموتى أو الصم ولا يهدي العمي، بل الهداية من الله للمؤمنين. ١٤ - خروج الدابة من علامات الساعة، فتنة للناس عند فسادهم. ١٥ - ذكر مشهد الحشر، واجتماع الناس خلف راياتهم وآلهتهم في أرض المحشر. ١٦ - امتنان الله على الناس بنعمة الليل ليسكنوا فيه، والنهار لينتشروا فيه. ١٧ - أحداث القيامة: نفخة الفزع، وحركة الجبال، والميزان يزن أعمال العباد. ١٨ - إعلامُ النبي ﷺ قومه أنَّه أُمِرَ بإفراد الله رب هذه البلدة بالعبادة والتعظيم. ١٩ - أمره تعالى نبيّه ﷺ بتلاوة القرآن وإقامة الحجة على الناس أجمعين. ٢٠ - الحمد لله الذي بيده عجائب الآيات يريها خلقه ليؤمنوا وما هو بغافل عما يعملون. * * *

стр. 3274

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ٦. قوله تعالى: ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (١) هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٣) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٥) وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ١: ٦]. في هذه الآيات: انتصارٌ للقرآن الكريم، الذي يحمل الهدى والبشرى للمؤمنين، الذين يقيمون الصلاة بأركانها وواجباتها ومواقيتها وخشوعها، ويؤتون الزكاة المفروضة في أموالهم بأوقاتها ومقاديرها، وبالآخرة هم يوقنون. إن الذين يكفرون بالآخرة هم في تزيين الشيطان يتخبطون، وهم في الآخرة هم الأخسرون، وهذا القرآن - يا محمَّد - تُلقاه من الله الحكيم العليم. فقوله: ﴿طس﴾ - تقدم الكلام في أوائل السور التي ابتدأت بمثل هذه الحروف المقطعة، وأنها تحمل معنى التحدي والإعجاز لهذا القرآن العظيم الذي هو من جنس هذه الأحرف. وقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾. انتصار لهذا القرآن وتعظيم له وثناء عليه بعد ذكر تلك الحروف. قال ابن كثير: (أي: هذه آيات ﴿الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾، أي: بَيِّنٌ واضح). وقال القاسمي: (مبين لما تضمنه من الحكم والأحكام والمواعظ والاعتبار). وقوله تعالى: ﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. قال القرطبي: (﴿هُدًى﴾ في موضع نصب على الحال من الكتاب، أي تلك آيات الكتاب هادية ومبشرة. ويجوز فيه الرفع على الابتداء، أي هو هدى. وإن شئت على حذف حرف الصفة، أي فيه هدى. ويجوز أن يكون الخبر ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾).

стр. 3275

والمقصود: أي هذا القرآن هدى من الضلالة، وبشرى للمؤمنين برحمة الله ورضوانه. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾. أي: هذه البشرى للمؤمنين الموصوفين بإقامة الصلاة بأركانها وواجباتها وإتمام وضوئها وخشوعها والمحافظة على مواقيتها، وكذلك بإيتاء الزكاة المفروضة حسب أنواعها ومقاديرها، وهم موقنون برجوعهم إلى ربهم في الدار الآخرة، راجون عفوه ومغفرته وكرمه. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾. قال الزجاج: (جعلنا جزاءهم على كفرهم أن زينا لهم ما هم فيه). وعن ابن عباس: (﴿فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾: يتمادون). وقال قتادة: (يلعبون). وقال الحسن: (يتحيرون). والمقصود: إن الذين يستبعدون البعث للحساب يوم القيامة، ويكذبون بوعد الله ووعيده في ذلك، حَسَّنّا لهم ما هم عليه من التيه والغرور، ومددنا لهم في غيِّهم فهم في ظلمات العمل يتيهون. وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠]. ٣ - وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر: ٨]. ومن كنوز صحيح السنة في آفاق معنى هذه الآية أحاديث: الحديث الأوّل: أخرج الترمذي بسند صحيح عن أنس عن النبي ﷺ قال: [إذا أراد

стр. 3276

الله بعبده الخير عجلَ له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشَّر أمسك عنه بذنبه حتى يُوَافى به يوم القيامة] (١). الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد بسند قوي عن عقبة بن عامر مرفوعًا: [إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج. ثمَّ تلا: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤]] (٢). الحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم فيٍ الصحيح عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الله لا يظلم مؤمنًا حَسَنةً، يُعطي بها في الدنيا ويَجْزي بها في الآخرة. وأما الكافر فيُطْعَمُ بحسنات ما عَمِلَ بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يُجزى بها] (٣). وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾. أي: هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة لهم عذاب الخزي في الدنيا والآخرة، ثمَّ هم في الآخرة أخسر من كل خاسر. قال القرطبي: (فإن من الناس من خسر الدنيا وربح الآخرة، وهؤلاء خسروا الآخرة بكفرهم فهم أخسر كل خاسر). وقال ابن كثير: (أي: ليس يخسر أنفسَهم وأموالَهم سِواهُم من أهل المحشر). وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾. قال قتادة: (﴿لَتُلَقَّى﴾، أي: لَتَأخذ). و ﴿لَدُنْ﴾ بمعنى عند، وهي مبنية غير معربة. فالمعنى: وإنك يا محمَّد ليلقى عليك هذا القرآن فتلقاه وتعلمه من عند حكيم بتدبير خلقه، عليم بمصالح عباده وجميع أحوال ما في ملكه. ٧ - ١٤. قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧) فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ

стр. 3277

اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨) يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١) وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (١٢) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾. في هذه الآيات: خبرُ موسى ﵊ أثناء مسيره من مدين إلى مصر ورؤيته النار وتكليم الله له وتحميله المهمة مع الآيات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قومًا فاسقين. وجحودُ فرعون وملئه الحق بعد ظهوره ظلمًا وعلوًا فكيف كان عاقبة المفسدين؟ ! . فقوله: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾. قال ابن جرير: (و ﴿إِذْ﴾ من صلة عليم. ومعنى الكلام عليم حين قال موسى ﴿لِأَهْلِهِ﴾ وهو في مسيره من مدين إلى مصر، وقد آذاهم برد ليلهم لما أصلد زنده ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ أي أبصرت نارًا أو أحسستها، فامكثوا مكانكم ﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ يعني من النار). وقوله: ﴿أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾. أي: أو آتيكم من النار بشعلة أقتبسها منها. وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾. أي تتدفؤون به. قال النسفي: ﴿أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ﴾ أي شعلة مضيئة ﴿قَبَسٍ﴾ نار مقبوسة بدل أو صفة. ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ تستدفئون بالنار من البرد الذي أصابكم، والطاء بدل من تاء افتعل لأجل الصاد)، وقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾. أي: فلما جاء موسى النار التي آنسها رأى منظرًا هائلًا عظيمًا حيث انتهى إليها. قال ابن كثير: (والنار تضطرم في شجرةٍ خضراءَ، لا تزدادُ النارُ إلا توقُّدًا، ولا تزداد الشجرة إلا خضرة ونَضْرَةً، ثمَّ رفَّ رأسه فإذا نورُها متصل بِعَنان السماء). فهنالك نودي ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾. ومن أقوال المفسرين في ذلك: ١ - قال ابن عباس: (لم تكن نارًا، إنما كانت نورًا يتوهَجّ). أو قال: (نور رب

стр. 3278

العالمين). وقال: (﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾ يقول: قدس). قال: (كان نور رب العالمين في الشجرة. ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ قال: يعني الملائكة). ٢ - قال قتادة: (﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾: نور الله بورك). وقال مجاهد: (بوركت النار). ٣ - وقال محمَّد بن كعب: (﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ قال موسى النبي والملائكة). قلت: والراجح عندي أنَّه لما جاء موسى النار التي آنسها نودي أن تقدس نور رب العالمين وبورك من حول النار: موسى والملائكة. وقوله: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. أي: وتنزيهًا لله رب العالمين، العلي العظيم، نور السماوات والأرض، الأحد الصمد الذي ليس كمثله شيء، عما يصفه الظالمون. وفي صحيح مسلم عن أبي موسى قال: [قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كَلِماتٍ فقال: إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينامَ، يَخْفِضُ القِسْطَ ويرفَعُه، يُرْفَعُ إليه عَمَلُ الليل قبل عمل النهار، وعَمَلُ النهار قبل عمل الليل، حجابُه النور - وفي رواية: النارُ - لو كشفه لأحْرقت سبحاتُ وجْهه ما انتهى إليه بصره من خلقه] (١). وقوله تعالى: ﴿يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. إعلام منه سبحانه لموسى أن الذي يخاطبه ويناجيه إنما هو ربُّه الله العزيز في انتقامه من فرعون وأمثاله من الطغاة، الحكيم في ترتيب حياة أنبيائه والصالحين وفي تدبير كل أمور خلقه. ثمَّ أمره تعالى بإلقاء عصاه من يده ليريه دليلًا واضحًا على أنَّه القادر على كل شيء، فيهون عليه أمر فرعون وطغيانه. وهو قوله تعالى: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾. قال ابن جريج: (﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ قال: حين تحولت حية تسعى). وعن مجاهد: (﴿وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ قال: لم يرجع). قال القاسمي: (﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ هو ضرب من الحيات، أسرعه حركة وأكثره اضطرابًا ﴿وَلَّى﴾ أي من الخوف ﴿مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ أي لم يرجع على عقبه من شدة

стр. 3279

خوفه ﴿يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ أي لحفظي لهم وعنايتي بهم وعصمتي إياهم مما يؤذيهم. وفيه تبشير له باصطفائه بالرسالة والنبوة. وتشجيع له بنزع الخوف. إذ لا يتمكن من أداء الرسالة، ما لم يزل خوفه من المرسل إليه). وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. استثناء منقطع، وفتح باب عظيم من أبواب الأمل بعد الزلل، فإن من وقع في المعصية ثمَّ تدارك أمره بالتوبة والإنابة يجد الله غفورًا رحيمًا. قال الزمخشري: (يوشك أن يقصد بهذا، التعريض بما وجد من موسى. وهو من التعريضات التي يلطف مأخذها، وسماه ظلمًا كما قال موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦]). وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١]. ومن السنة العطرة في آفاق هذه الآية أحاديث: الحديث الأوّل: خَرَّجَ مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [من تاب قبل أن تطلع الشمسُ من مغربها تاب الله عليه] (١). الحديث الثاني: روى مسلم عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: [إنَّ الله تعالى يبسط يدَهُ بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيءُ الليل حتى تطلع الشمس من مغربها] (٢). الحديث الثالث: أخرج البزار في مسنده بسند حسن لطرقه عن عبد الرحمن بن جُبَيْر، عن أبي طويل شطْب الممدود: [أنَّه أتى رسول الله ﷺ فقال: أرأيت رجلًا عمل

стр. 3280

الذنوب كُلَّها، فلم يترك منها شيئًا، وهو في ذلك لم يترك حاجة ولا داجَةً إلا أتاها، فهل له من توبة؟ قال: فهل أسلمت؟ قال: أما أنا، فأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنك رسول الله. قال: نعم، تفعل الخيرات وتترك السيئات. فيجعلهُنَّ الله لك خيرات كُلَّهن. قال: وغَدَراتي وفجراتي؟ قال: نعم. قال: الله أكبر! فما زال يكبر حتى توارى] (١). وقوله تعالى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾. قال ابن كثير: (هذه آية أخرى، ودليلٌ باهرٌ على قدرة الله الفاعل المختار، وصِدْقِ مَنْ جعل له مُعجزةً، وذلك أن الله تعالى أمره أن يُدخِلَ يَده في حبيب دِرْعِه، فإذا أدخلها وأخرجها خرجت بيضاء ساطِعةً، كأنها قطعة قَمَرٍ لها لَمَعانٌ يتلألأ كالبرق الخاطِفِ. وقوله تعالى: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾، أي: هاتان ثنتانِ من تسعِ آياتٍ أُؤيدك بِهنَّ، وأجعلهن بُرهانًا لك إلى فرعون وقومه، ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾. وهذه هي الآيات التسع التي قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١]). وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. قال ابن جُريج: (﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً﴾ قال: بينة ﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. يقول: قال فرعون وقومه: هذا الذي جاءنا به موسى سحر مبين، يقول: يبين للناظرين له أنَّه سحر). وقوله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾. قال ابن زيد: (استيقنوا أن الآيات من الله حق، فلِمَ جحدوا بها؟ قال: ظلمًا وعلوًا). وقال ابن جريج: (﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾: تعظمًا واستكبارًا). والمعنى: لقد جحد فرعون وقومه الآيات التسع وكذبوها بعدما أيقنتها قلوبهم، وعلموا يقينًا أنها من عند الله، وإنما حملهم على معاندتها والتنكر لها الكبر والظلم

стр. 3281

الذي ألفوه وأحبوه وظنوا أنَّه يجرّ لهم المنافع والمناصب والمصالح، حتى انتقم الله منهم وانقلب السحر على الساحر. وقوله: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾. أي: فانظر - يا محمَّد - بعين قلبك كيف كان مصيرهم بعد طغيانهم، وكيف أغرقهم الله عن آخِرهم في صبيحة واحدة. والخطاب بطريق الأولى لمشركي قريش الذين يواجهون الوحي بعنادهم وكبرهم، فإن التاريخ المؤلم قد يعيده الله على مستحقيه متى شاء وأين شاء، فليعتبر هؤلاء الطغاة أن ينالهم ما نال فرعون وقومه من الدمار والهلاك والأيام النَّحِسات. ١٥ - ١٩. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥) وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦) وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٨) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾. في هذه الآيات: خبرُ داود وسليمان ﵉ وحمدهما الله تعالى الذي فضلهما على كثير من عباده المؤمنين، وتسخيره تعالى لسليمان الجن والإنس والطير فهم يوزعون. وسماعُه حديث النملة في وادي النمل وتبسمه من قولها وشكره الله الذي أنعم عليه وعلى والديه وسؤاله الدخول في عباده الصالحين. فقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾. قال قتادة: (أي فهمًا). وقيل: علمًا بالدين والحكم وغيرهما، كما قال جلّ ذكره: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠]. قال ابن جرير: (﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾ وذلك علم كلام الطير والدّواب، وغير ذلك مما خصّهم الله بعلمه).

стр. 3282

قلت: ولا شك أن الله تعالى اختص داود وسليمان ﵉ إضافة إلى علوم الوحي والنبوة والحكمة، بعلوم كثيرة تفيد التمكين في الأرض، وقوة الملك والنفوذ لإقامة دولة الحق. وقوله: ﴿وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. فيه مسألتان: المسألة الأولى: حَمْدُ الله تعالى على النعمة، وهو أفضل من النعمة نفسها. قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]. وفي سننٍ ابن ماجة بإسناد حسن عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : [ما أنعم الله على عَبْدٍ نِعْمَة فقال: الحَمْدُ لله، إلا كان الذي أعطاه أَفْضَلَ مما أخذَ] (١). المسألة الثانية: شرف العلم ورفعة منزلته على بقية النعم. قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]. وقال هنا: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال القرطبي: (وفي الآية دليل على شرف العلم وإنافة محلّه وتقدّم حملته وأهله، وأن نعمة العلم من أجَلّ النِّعَم وأجزل القِسَم، وأن مَنْ أوتيه فقد أوتي فضلًا على كثير من عباد الله المؤمنين). وقوله: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾. قال ابن كثير: (أي: في الملك والنبوة، وليس المرادُ وِراثة المال، إذ لو كان كذلك لم يَخُصَّ سليمان وحدَه من بين سائر أولاد داودَ، فإنَّه قد كان لدوادَ مئةُ امرأة، ولكن المراد بذلك وراثةُ المُلك والنبوة، فإن الأنبياء لا تورثُ أموالهم. كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ : "نحن معشر الأنبياء لا نُورث، ما تركنا فهو صدقة"). وقوله: ﴿وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾. قال النسفي: (تشهيرًا لنعمة الله تعالى واعترافًا بمكانها، ودعاء للناس إلى التصديق

стр. 3283

بذكر المعجزة التي هي علم منطق الطير. والمنطق كل ما يصوت به من المفرد والمؤلف المفيد وغير المفيد، وكان سليمان ﵇ يفهم منها كما يفهم بعضها من بعض). قال ابن جرير: (﴿وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يقول: وأعطينا ووهب لنا من كل شيء من الخيرات). وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾. اعتراف من سليمان ﵊ لله تعالى بهذه النعم الجليلة، وشكر منه له جل ثناؤه على تلك العطايا والمواهب الجميلة. قال القاسمي: (﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ أي البين الظاهر. وهو قول وارد على سبيل الشكر والمحمدة. كما قال رسول الله ﷺ : "أنا سيد ولد آدم ولا فخر" (١) أي أقول هذا القول شكرًا، ولا أقوله فخرًا). وقوله تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾. قال ابن زيد: (يوزعون: يُساقون). وقال الحسن: (يتقدمون). وقال قتادة: (يردّ أولهم على آخرهم). وفضل ذلك ابن عباس بقوله: (جعل على كل صنف من يرد أولاها على أُخراها لئلا يتقدموا في المسير كما تصنع الملوك). قال ابن كثير: (أي: وجُمع لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير. يعني رَكِبَ فيهم في أبهة وعظمة كبيرة، في الإنس وكانوا هم الذين يَلُونَه، والجنُّ بعدَهم في المنزلة، والطير ومنزلتها فوق رأسه، فإن كان حَرٌّ أظلته منه بأجنحتها. وقوله: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾، أي: يكُفّ أولهم على آخرهم، لئلا يتقدَّم أحدٌ عن مَنْزِلَتِهِ التي هي مَرْتَبَةٌ له). وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾. أي: حتى إذا أتى سليمان وجنوده أثناء المسير على وادي النمل ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾. قال ابن جرير: (يقول: لا يكسرنكم ويقتلنكم سليمان وجنوده). وقوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. أي: وهم لا يعلمون أنهم يحطمونكم. قال النسفي: (أي لو شعروا لم يفعلوا، قالت ذلك على وجه العذر واصفة سليمان وجنوده بالعدل).

стр. 3284

وقوله: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾. أي فهم ذلك سليمان فتبسم ضاحكًا متعجبًا من حذرها واهتدائها لمصالحها ونصيحتها للنمل، أو فَرَحًا لظهور عدله. وقوله: ﴿وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾. قال ابن عباس: (يقول: اجعلني). وقال ابن زيد: (﴿أَوْزِعْنِي﴾ ألهمني وحرضني على أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والديّ). وفي لغة العرب: أوزعه بالشيء أغراه به. واسْتَوْزَعْتُ الله شكره فَأَوْزَعَني أي اسْتَلْهَمْتُه فألهمني. والمقصود: توجه سليمان ﵊ إلى الله أن يلهمه شكر نعمته عليه من تعليمه منطق الطير والحيوان، وعلى والديه بنعمة الإِسلام والإيمان. وقوله: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾. أي: وألهمني العمل الصالح الذي تحبه وترضاه ووفقني إليه. وقوله: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾. قال ابن زيد: (مع عبادك الصالحين الأنبياء والمؤمنين). قال ابن جرير: (يقول: وأدخلني برحمتك مع عبادك الصالحين، الذين اخترتهم لرسالتك، وانتخبتهم لوحيك، يقول: أدخلني من الجنة مداخلهم). ٢٠ - ٢٦. قوله تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (٢٠) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢١) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (٢٤) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾. في هذه الآيات: تفقُّد سليمان ﵇ للهدهد، وترّيثُه لمعرفة عذر غيابه أو

стр. 3285

لينزلن به العقاب الأليم. ومجيء الهدهد بالخبر المُسَوِّغ لتأخّره بوجود ملكة وقومها يسجدون للشمس من دون الله العلي العظيم. فعن وهب بن منبه: (﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ أخطأه بصري في الطير، أو غاب فلم يحضر؟ ). والتفقد طلب ما غاب عنك. قال النسفي: (﴿أم غاب﴾ أم بمعنى بل، والمعنى أنَّه تعرف الطير فلم يجد فيها الهدهد، فقال ما لي لا أراه على معنى أنَّه لا يراه وهو حاضر لساتر ستره أو غير ذلك، ثمَّ لاح له أنَّه غائب فأضرب عن ذلك وأخذ يقول بل هو غائب). قلت: وهذا يدل على قيام سليمان على أمر جنوده ومتابعته لشؤونهم وأحوالهم وما وكل إليهم من أعمال، وهو درس للقادة المسلمين بعده في الحرص على إقامة العدل والانضباط، والتأكد من جاهزية الجنود والعمال، وحسن أدائهم لوظائفهم. وقوله: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾. قال ابن عباس: (يعني نَتْفَ ريشه). وقال عبد الله بن شداد: (نتف ريشه وتشميسُه). وقيل: نتف ريشه وتَركه ملقى يأكله الذّرُ - صغار النمل. قلت: ولا دليل على كل ما ذُكر، والله أعلم كيف مقصود سليمان بهذا العذاب الشديد. وقوله: ﴿أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ﴾. قال الضحاك: (يقول: أو لأقتلنه). وقوله: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾. أي بعذر واضح جلي. قال ابن عباس: (يقول: ببينة أعذره بها، وهو مثل قوله: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ﴾ [غافر: ٣٥] يقول: بغير بَيِّنَة). وقال عكرمة: (كل شيء في القرآن سلطان، فهو حجة). وقوله: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ أي الهدهد، غاب زمانًا يسيرًا ثمَّ أقبل فقال لسليمان: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ أي: اطلعت على أمر غاب عنك وعن جنودك. قال وهب بن منبه: (أي أدركت ملكًا لم يبلغه ملكك). وقوله: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾. أي: أتيتك من سبأ بِخبرِ صِدْقٍ حق يقين. وسبأ: هم حِمير، وهم ملوك اليمن.

стр. 3286

وقوله: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾. قال الحسن: (وهي بلقيسُ بنتُ شُراحِيلَ ملكة سبأ). قال القرطبي: (ويقال: كيف خفي على سليمان مكانها وكانت المسافة بين محطِّهِ وبين بلدها قريبة، وهي من مسيرة ثلاث بين صنعاء ومأرب؟ والجواب أن الله تعالى أخفى ذلك عنه لمصلحة، كما أخفى على يعقوب مكان يوسف). وقوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مبالغة، والمقصود: أعطيت من كل شيء تحتاج إليه أمور مملكتها وقوام حكمها، شأن كل ملك متمكِّن. قال الحسن: (يعني: من كل أمر الدنيا). وقوله: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾. قال ابن عباس: (سرير كريم، قال: حَسن الصَّنعة، وعرشها: سرير من ذهب قوائمه من جوهر ولؤلؤ). وقال الحسن: (﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾: يعني سرير عظيم). وقوله: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾. قال ابن جرير: (يقول: وجدت هذه المرأة ملكة سبأ، وقومها من سبأ، يسجدون للشمس فيعبدونها من دون الله. وقوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ يقول: وحَسَّن لهم إبليس عبادتهم الشمس، وسجودهم لها من دون الله، وحبب ذلك إليهم). وقوله: ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾. أي: فمنعهم بتحسينه وتزيينه لهم من اتباع الصراط المستقيم، وهو دين الله القويم، فهم لا يهتدون إلى طريق الحق، بل هم في غَيِّهم يترددون. وقوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال ابن عباس: (يعلم كل خبيئة في السماء والأرض). وقد قرأ بعض قراء مكة والمدينة والكوفة ﴿أَلَّا﴾ بالتخفيف. والتقدير: ألا يا هؤلاء اسجدوا لله وحده الذي يعلم كل خفية في السماوات والأرض فيخرجها إن شاء. وقرأ أبو عمرو ونافع وعاصم وحمزة ﴿أَلَّا﴾ بالتشديد. والتقدير: وزيَّنَ لهم الشيطان أعمالهم لئلا يسجدوا لله. وهما قراءتان مستفيضتان مشهورتان في قراء الأمصار، كما ذكر شيخ المفسرين. وعن مجاهد: (﴿يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ قال: الغيث).

стр. 3287

وقال ابن زيد: (﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال: خبء السماء والأرض: ما جعل الله فيها من الأرزاق، والمطر من السماء، والنبات من الأرض، كانتا رتقًا لا تمطر هذه ولا تنبت هذه، ففتق السماء، وأنزل منها المطر، وأخرج النبات). قلت: والآية أعم من ذلك، فهي تشمل كل خفية في السماوات والأرض، وكل غائبة صغيرة أو كبيرة، فهو يعلمها ويخرجها متى شاء، كما قال سبحانه في آخر هذه السورة: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٧٥]. فيشمل الخبء كل ما هو مخبوء فيهما من نبات ومعادن وأرزاق ومخلوقات مختلفة لا يعلمها إلا الله. وقوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾. أي: ويعلم ما يخفيه العباد وما يعلنونه من الأقوال والأفعال، لا يخفى عليه سبحانه من أمر خلقه شيء. وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [هود: ٥]. ٢ - وقال تعالى: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد: ١٠]. ٣ - وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧]. وفي المسند وسنن النسائي عن عروة عن عائشة قالت: [الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى النبي ﷺ تكلمه وأنا في ناحية البيت ما أسمع ما تقول، فأنزل الله : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ إلى آخر الآية] (١). وفي صحيح مسلم من حديث عمر - قال جبريل للنبي ﷺ أخبرني عن الإحسان؟ قال -: [الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنَّه يراك].

стр. 3288

وفي لفظ من حديث أبي هريرة: [قال: يا رسول الله! ما الإحسان؟ قال: أنْ تخشى الله كأنك تراه، فإنَّك إنْ لا تكنْ تراه فإنَّه يراك] (١). وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾. قال ابن زيد: (هذا كله كلام الهدهد). والمعنى: هلا يسجدون لله العظيم الذي لا تصلح العبادة إلا له، لا إله إلا هو، رب العرش العظيم الذي ليس في المخلوقات أعظمُ منه. أخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن أبي ذر الغفاري قال: قال رسول الله ﷺ : [ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة] (٢). وأخرج ابن خزيمة في "التوحيد"، وعبد الله بن أحمد في "السنة"، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: [الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر أحد قدره] (٣). فائدة: لقد نطق النمل في أول السورة بكلام حق، وفهمه سليمان ﵇ وتبسم لذلك تعجبًا، ثمَّ تبعه الهدهد في هذا الموقف النبيل الذي يدلّ فيه قائده على ما فيه تمام قوته وشوكته وحماية دولة الحق. وقد نهى الله سبحانه - على لسان نبيه ﷺ عن قتل النمل والهدهد. فقد أخرج أبو داود وابن ماجة بسند صحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: [نهى النبي ﷺ عَنْ قَتْلِ أرْبَعٍ من الدَّواب: النَّملةِ والنَّحْلَةِ والهُدْهُدِ والصُّرَد] (٤). وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [قرصَتْ نَمْلَةٌ نبيًّا من الأنبياء،

стр. 3289

فأمر بقريةِ النمل فَأُحرِقَت، فأوحى الله إليه، أن قرصَتْكَ نَمْلَةٌ أحرقْتَ أُمَّةً من الأمم تُسَبِّحُ الله؟ ] (١). وفي رواية: [نزل نبيٌّ من الأنبياء ﵇ تحت شجرة، فلدغَتْهُ نَمْلَةٌ، فأمَرَ بِجَهازِه فَأُخْرِجَ من تحتِها، وأمرَ بها فأُحرقت في النار، قال: فأوحى الله إليه: فهلّا نَمْلَةً واحدة]. وفي لفظ: [أفي أن قَرَصَتْكَ نَمْلَةٌ أهلكت أُمّةً من الأمم تُسَبِّح]. ٢٧ - ٣٥. قوله تعالى: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (٢٨) قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١) قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (٣٣) قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾. في هذه الآيات: استقبالُ سليمان ﵇ الخبر من الهدهد على وجه التثبت والتحقق قبل اتخاذ القرار، وإعطاؤه رسالة عاجلة منه إلى بلقيس يأمرهم بالخضوع لسلطانه القائم بأمر الله قبل أن لا ينفعهم الفرار. واستشارة بلقيس قومها محذرة لهم بأس الملوك وأبعاد هذا الإنذار، واستقرار الرأي منها على إرسال هدية لسليمان لاستخلاص ما يكون وراء ذلك من الأخبار. فقوله تعالى: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾. أي: سنتحقق مما قلت أصِدْقٌ هو أم أردت أن تتخلّص بذلك الإخبار من الوعيد والعقاب. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ﴿قَالَ﴾ سليمان للهدهد ﴿سَنَنْظُرُ﴾ فيما

стр. 3290

اعتذرت به من العذر، واحتججت به من الحجة لغيبتك عنا، وفيما جئتنا به من الخبر ﴿أَصَدَقْتَ﴾ في ذلك كله ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فيه). وقوله تعالى: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾. قال الضحاك: (فمضى الهدهد بالكتاب، حتى إذا حاذى الملكة وهي على عرشها ألقى إليها الكتاب). قال ابن كثير: (وذلك أن سليمان ﵇ كتب كتابًا إلى بلقيس وقومِها. وأعطاه لذلك الهدهد فحمله، قيل: في جناحه كما هو عادةُ الطير، وقيل: بمنقاره، وذهب إلى بلادهم فجاء إلى قصر بِلْقيس، إلى الخَلْوَةِ التي كانت تختلي فيها بنفسِها، فألقاه إليها من كُوَّةٍ هنالِكَ بينَ يديها، ثمَّ تولى ناحيةً أدبًا ورياسة فتحيَّرت مما رأت، وهالها ذلك، ثمَّ عَمَدت إلى الكتاب فأخذَته، ففتحت خَتْمَهُ وقرأته، فإذا فيه: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾). وقوله: ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾. الملأ: أشراف قومها. والمقصود: أنها جمعت أمراءها ووزراءها وكبراء دولتها ومملكتها وأخبرتهم قائلة لهم: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾. وفي تأويله وجوه: ١ - الوجه الأوّل: قال النسفي: (﴿أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ حسن مضمونه وما فيه). ٢ - الوجه الثاني: قال ابن جرير: (قال بعضهم: وصفته بذلك لأنه كان مختومًا). ٣ - الوجه الثالث: قال ابن زيد: (هو كتاب سليمان حيث كتب إليها). فوصفت الكتاب بالكريم لأنه من عند عظيم في نفسها ونفوسهم فعظَّمته إجلالًا لسليمان ﵇. ٤ - الوجه الرابع: قيل: لأنه بدأ فيه بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ - ذكره القرطبي. ٥ - الوجه الخامس: قيل: تعني بكرمه ما رأته من عجيب أمره، كون طائر أتى به فألقاه إليها، ثمَّ تولّى عنها أَدَبًا. وهذا أمْرٌ لا يقِدرُ عليه أحدٌ من الملوك، ولا سبيل لهم إلى ذلك - ذكره ابن كثير. ٦ - الوجه السادس: قيل: وصفته بذلك، لما تضمن من لين القول والموعظة في الدعاء إلى عبادة الله ، وحسن الاستعطاف والاستلطاف من غير أن يتضمن سَبًّا ولا لعنًا، ولا ما يغيّر النفس، ومن غير كلام نازل ولا مستغلق، على عادة الرسل في

стр. 3291

الدعاء إلى الله ، ألا ترى إلى قول الله لنبيّه ﷺ : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥]، وقوله لموسى وهارون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤]. ذكره القرطبي بعد أوجه أخرى ثمَّ قال: (وكلها وجوه حسان وهذا أحسنها). قلت: ولا شك أن مجموع ما سبق من الخصال يمكن أن يوصف به كتاب سليمان ﵊ إلى بلقيس ملكة سبأ. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾. أي قالت: يا أيها الملأ إني ألقي إليّ كتاب كريم، وإنه من سليمان ابتدأه بـ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. فعرفوا أنَّه من نبي الله سليمان ﵇. وأنه لا قِبَل لهم به. قال ابن كثير: (وهذا الكتاب في غاية البلاغة والوَجازَةِ والفصاحة، فإنَّه حَصَّل المعنى بأيسر عبارة وأحسنها، قال العلماء: ولم يكتب أحد ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قبل سليمان ﵇. قال ابن زيد: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾: أن لا تمتنعوا من الذي دعوتكم إليه، إن امتنعتم جاهدتكم. ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ يقول: وأقبلوا إليّ مذعنين لله بالوحدانية والطاعة). وقال ابن جرير: (وعنى بقوله: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾: أن لا تتكبروا ولا تتعاظموا عما دعوتكم إليه). وقوله تعالى: ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾. قال ابن زيد: (دعت قومها تشاورهم. قالت: ﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا﴾ بمعنى: قاضية). قال القاسمي: (أي: لا أبتُّ أمرًا إلا بمحضركم ومشورتكم. ولا أستبدّ بقضاء إلا باستطلاع آرائكم والرجوع إلى استشارتكم). وقوله تعالى: ﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾. قال ابن زيد: (عرضوا لها القتال، يقاتلون لها، والأمر إليك بعد هذا ﴿فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾).

стр. 3292

قال النسفي: (أرادوا بالقوة قوة الأجساد والآلات، وبالبأس النجدة والبلاء في الحرب). أي: قالوا لها: نحن أولو قوة في العدَدِ والعُدَدِ، وأولو بأس ونجدة وبلاء في الحرب كما تعلمين، وإنما أمر القتال أو الصلح مفوض إليك، فرأينا من رأيك، فانظري ما هو أبقى لشرفك وملكك. وقوله: ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾. قال ابن عباس: (إذا دخلوها عنوة خرّبوها). وقوله: ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾. قال ابن كثير: (أي: وقصدوا من فيها من الوُلاةِ والجنود فأهانوهم غاية الهوان، إما بالقتل أو بالأسر). وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾. قال ابن عباس: (قالت بِلْقيسُ: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾، قال الرب : ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾). وقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾. قال قتادة: (رَحِمَها الله ورَضِيَ عنها. ما كان أعقَلَها في إسلامها وفي شِرْكِها! عَلِمَت أن الهدية تقع مَوقعًا من الناس). قال القرطبي: (﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ هذا من حسن نظرها وتدبيرها، أي إني أجرب هذا الرجل بهدية، وأعطيه فيها نفائس من الأموال، وَأُغْرِبُ عليه بأمور المملكة: فإن كان ملكًا دنياويًا أرضاه المال وعملنا معه بحسب ذلك، وإن كان نبيًّا لم يرضه المال ولازَمَنا في أمر الدِّين، فينبغي لنا أن نؤمن به ونتبعه على دينه). ٣٦ - ٤٠. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (٣٧) قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ

стр. 3293

مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠)﴾. في هذه الآيات: استثارةُ سليمان ﵇ من فعل بلقيس وهديتها، وتقريره الزحف بجيش كبير نحوها، ورؤيته إبراز شيء من قوته وسلطانه ليباغتها به عند وصولها، واستعانتُه بالجن وعالِمِهم في ذلك وشكره ربه تعالى على ما آتاه من القوة والتمكين، وأغدق عليه من ألوان النعيم. فقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾. قال ابن كثير: (أي: أتصانعونني بمال لأترككم على شرِكِكم ومُلْكِكم؟ ! ﴿فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾ أي: الذي أعطاني الله من الملك والمال والجنود خيرٌ مما أنتم فيه، ﴿بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾، أي: أنتم الذين تنقادونَ للهدايا والتحَف، وأما أنا فلا أقبل إلا الإِسلامَ أو السَّيف). قلت: وقد أكثر المفسرون من ذكر تفاصيل الهدية دون دليل يليق على منهاج النبوة، وإنما أَكْثَرُ ذلك مأخوذٌ مِنَ الإسرائليات. ومِن ثمَّ فلا ينبغي تسويد صفحات كتب التفسير به، والظاهر أن سليمانَ ﵊ لم يأبه إلى ماهية هديتهم وما فيها من زينة وعجائب، بل نظر أبعدَ من ذلك بكثير، وهو مستقبل الناس بين يدي الله ونجاتهم من عذاب الله يوم القيامة، هذا من جهة، ومستقبل دولة الإِسلام أن لا يجاورها دولة شرك في الأرض من جهة أخرى. وقوله: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ﴾. أي: رُدَّ عليهم هديتهم. قال ابن جرير: (وهذا قول سُليمان لرسول المرأة). وقوله: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾. قال أبو صالح: (لا طاقة لهم بها). قال النسفي: (وحقيقة القبل المقاومة والمقابلة، أي لا يقدرون أن يقابلوهم). وقوله: ﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾. قال وهب بن منبه: (أو لتأتيني مسلمة هي وقومها). والمقصود: ولنخرجهم من سبأ مهانين أذلاء إن لم يأتوا مسلمين ويدينوا بالولاء للإسلام ودولة الحق. وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾. إخبار عن إرادة سليمان إظهار عظمة ما وهبه الله من الملك واستقرار دولة الحق،

стр. 3294

وتسخيره - تعالى - له أسباب التمكين من الجنود الكثيرة، والخبرات الكبيرة، وبعض نواميس الطبيعة. وقد ذكر المفسرون تفاصيل سرير بلقيس الذي كانت تجلس عليه وأنه من ذهب مُفَصَّص بالياقوت والزبرجد واللؤلؤ وغير ذلك، والمهم بالنسبة لنا ما ذكر القرآن الكريم أنَّه عرش عظيم. فأراد سليمان ﵊ أن يُريها صغار قوتها أمام عظمة ما آتاه الله من الملك والتسخير والتمكين. فخاطب جنوده قائلًا: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾. قال ابن عباس: (مستسلمين). قال ابن زيد: (استدعاه ليريها القدرة التي هي من عند الله، ويجعله دليلًا على نبوته، لأخذه من بيوتها دون جيش ولا حرب). وقوله: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾. قال مجاهد: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ مارِدٌ من الجن). وقال ابن عباس: (﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾: يعني قبل أن تقومَ من مجلسك). وقال مجاهد: (مقعدك). وقوله: ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾. قال ابن عباس: (أي قويٌّ على حَمْلِهِ، أمينٌ على ما فيه من الجوْهر). وقوله: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾. الظاهر أن سليمان أراد أعجل من ذلك في إحضار السرير ليظهر لبلقيس عظمة ما هو عليه مِمّا وهبه الله من الملك والتمكين والتسخير الذي لم يكن لأحد قبله، ولا يكون لأحد بعده. فقام جنّي آخر من المؤمنين ممن عنده علم على منهاج النبوة فقال لسليمان: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾. قال وهب بن منبه: (امدُد بَصَرك، فلا يبلغ مداه حتى آتيك به). قلت: وقد ذكر المفسرون هنا أقوالًا كثيرة في تعريف الذي عنده علم من الكتاب، وبعضهم أتى من ذلك بالعجائب، ولا دليل عندهم تقوم به الحجة، وإنما سياق الآيات يقتضي ما ذكرنا والله تعالى أعلم. وفي ذلك تنبيه لفضل العلم وشرفه ومكانته، فإنَّه لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، وقد رأينا في زماننا هذا سَبْقَ الأمم العاملةِ المتقنةِ الأممَ النائمةَ الضعيفةَ إنما كان بالعلم والدأب والإتقان. فإذا جمع العَالِمُ بين علم الدنيا والآخرة، وبين

стр. 3295

التقوى والصلاح، فلا أعجب حينئذ من ذلك ولا أقوى ولا أفضل. وهذا ما جمعه الله تعالى لسليمان ﵊ وأعطاه بعض جنوده. وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]. ٢ - وقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]. ٣ - وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]. وفي كنوز السُّنة العطرة من آفاق ذلك أحاديث، منها: الحديث الأوّل: روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن مسعود قال: قال النبي ﷺ : [لا حَسَدَ إلا في اثْنَتَيْن: رَجُلٍ آتاه اللهُ مالًا فَسُلِّطَ على هلكتِه في الحق، ورجُلٍ آتاه الله الحِكْمةَ فهو يقضي بها ويُعَلِّمُها] (١). الحديث الثاني: أخرج الترمذي في السنن بإسناد صحيح عن أبي أمامة الباهلي قال: ذُكِرَ لرسول الله ﷺ رجلان أحدهما: عابد، والآخر: عالم. فقال رسول الله ﷺ : [فَضْلُ العالِمِ على العابدِ كَفَضْلي على أدناكم. ثمَّ قال رسول الله ﷺ : إنَّ الله وملائكتَه وأهْلَ السماوات والأرض حتى النَّملة في جُحْرِهَا، وحتى الحوت لَيُصَلُّونَ على مُعَلِّمِ الناسِ الخير] (٢). قال أبو عيسى: سمعت أبا عمار الحسين بن حريث الخزاعي يقول: سمعت الفضيل بن عياض يقول: (عالم عامل معلم يدعى كبيرًا في ملكوت السماوات). الحديث الثالث: أخرج البزار والطبراني بإسناد حسن عن حذيفة بن اليمان ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : [فَضْلُ العِلْمِ خيرٌ من فضلِ العبادة، وخيرُ دينكم الورَعُ] (٣). وفي لفظ: (أحبُّ إلي) بدل "خير".
следующие страницы →