الدعاء إلى الله ، ألا ترى إلى قول الله لنبيّه ﷺ : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥]، وقوله لموسى وهارون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤]. ذكره القرطبي بعد أوجه أخرى ثمَّ قال: (وكلها وجوه حسان وهذا أحسنها).
قلت: ولا شك أن مجموع ما سبق من الخصال يمكن أن يوصف به كتاب سليمان ﵊ إلى بلقيس ملكة سبأ.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾.
أي قالت: يا أيها الملأ إني ألقي إليّ كتاب كريم، وإنه من سليمان ابتدأه بـ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. فعرفوا أنَّه من نبي الله سليمان ﵇. وأنه لا قِبَل لهم به. قال ابن كثير: (وهذا الكتاب في غاية البلاغة والوَجازَةِ والفصاحة، فإنَّه حَصَّل المعنى بأيسر عبارة وأحسنها، قال العلماء: ولم يكتب أحد ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قبل سليمان ﵇.
قال ابن زيد: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾: أن لا تمتنعوا من الذي دعوتكم إليه، إن امتنعتم جاهدتكم. ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ يقول: وأقبلوا إليّ مذعنين لله بالوحدانية والطاعة).
وقال ابن جرير: (وعنى بقوله: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾: أن لا تتكبروا ولا تتعاظموا عما دعوتكم إليه).
وقوله تعالى: ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾.
قال ابن زيد: (دعت قومها تشاورهم. قالت: ﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا﴾ بمعنى: قاضية).
قال القاسمي: (أي: لا أبتُّ أمرًا إلا بمحضركم ومشورتكم. ولا أستبدّ بقضاء إلا باستطلاع آرائكم والرجوع إلى استشارتكم).
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾.
قال ابن زيد: (عرضوا لها القتال، يقاتلون لها، والأمر إليك بعد هذا ﴿فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾).
стр. 3292
قال النسفي: (أرادوا بالقوة قوة الأجساد والآلات، وبالبأس النجدة والبلاء في الحرب).
أي: قالوا لها: نحن أولو قوة في العدَدِ والعُدَدِ، وأولو بأس ونجدة وبلاء في الحرب كما تعلمين، وإنما أمر القتال أو الصلح مفوض إليك، فرأينا من رأيك، فانظري ما هو أبقى لشرفك وملكك.
وقوله: ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾.
قال ابن عباس: (إذا دخلوها عنوة خرّبوها).
وقوله: ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾. قال ابن كثير: (أي: وقصدوا من فيها من الوُلاةِ والجنود فأهانوهم غاية الهوان، إما بالقتل أو بالأسر).
وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾. قال ابن عباس: (قالت بِلْقيسُ: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾، قال الرب : ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾.
قال قتادة: (رَحِمَها الله ورَضِيَ عنها. ما كان أعقَلَها في إسلامها وفي شِرْكِها! عَلِمَت أن الهدية تقع مَوقعًا من الناس).
قال القرطبي: (﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ هذا من حسن نظرها وتدبيرها، أي إني أجرب هذا الرجل بهدية، وأعطيه فيها نفائس من الأموال، وَأُغْرِبُ عليه بأمور المملكة: فإن كان ملكًا دنياويًا أرضاه المال وعملنا معه بحسب ذلك، وإن كان نبيًّا لم يرضه المال ولازَمَنا في أمر الدِّين، فينبغي لنا أن نؤمن به ونتبعه على دينه).
٣٦ - ٤٠. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (٣٧) قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ
стр. 3293
مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠)﴾.
في هذه الآيات: استثارةُ سليمان ﵇ من فعل بلقيس وهديتها، وتقريره الزحف بجيش كبير نحوها، ورؤيته إبراز شيء من قوته وسلطانه ليباغتها به عند وصولها، واستعانتُه بالجن وعالِمِهم في ذلك وشكره ربه تعالى على ما آتاه من القوة والتمكين، وأغدق عليه من ألوان النعيم.
فقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾. قال ابن كثير: (أي: أتصانعونني بمال لأترككم على شرِكِكم ومُلْكِكم؟ ! ﴿فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾ أي: الذي أعطاني الله من الملك والمال والجنود خيرٌ مما أنتم فيه، ﴿بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾، أي: أنتم الذين تنقادونَ للهدايا والتحَف، وأما أنا فلا أقبل إلا الإِسلامَ أو السَّيف).
قلت: وقد أكثر المفسرون من ذكر تفاصيل الهدية دون دليل يليق على منهاج النبوة، وإنما أَكْثَرُ ذلك مأخوذٌ مِنَ الإسرائليات. ومِن ثمَّ فلا ينبغي تسويد صفحات كتب التفسير به، والظاهر أن سليمانَ ﵊ لم يأبه إلى ماهية هديتهم وما فيها من زينة وعجائب، بل نظر أبعدَ من ذلك بكثير، وهو مستقبل الناس بين يدي الله ونجاتهم من عذاب الله يوم القيامة، هذا من جهة، ومستقبل دولة الإِسلام أن لا يجاورها دولة شرك في الأرض من جهة أخرى.
وقوله: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ﴾. أي: رُدَّ عليهم هديتهم. قال ابن جرير: (وهذا قول سُليمان لرسول المرأة).
وقوله: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾. قال أبو صالح: (لا طاقة لهم بها). قال النسفي: (وحقيقة القبل المقاومة والمقابلة، أي لا يقدرون أن يقابلوهم).
وقوله: ﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾. قال وهب بن منبه: (أو لتأتيني مسلمة هي وقومها).
والمقصود: ولنخرجهم من سبأ مهانين أذلاء إن لم يأتوا مسلمين ويدينوا بالولاء للإسلام ودولة الحق.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾.
إخبار عن إرادة سليمان إظهار عظمة ما وهبه الله من الملك واستقرار دولة الحق،
стр. 3294
وتسخيره - تعالى - له أسباب التمكين من الجنود الكثيرة، والخبرات الكبيرة، وبعض نواميس الطبيعة.
وقد ذكر المفسرون تفاصيل سرير بلقيس الذي كانت تجلس عليه وأنه من ذهب مُفَصَّص بالياقوت والزبرجد واللؤلؤ وغير ذلك، والمهم بالنسبة لنا ما ذكر القرآن الكريم أنَّه عرش عظيم. فأراد سليمان ﵊ أن يُريها صغار قوتها أمام عظمة ما آتاه الله من الملك والتسخير والتمكين. فخاطب جنوده قائلًا: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾. قال ابن عباس: (مستسلمين).
قال ابن زيد: (استدعاه ليريها القدرة التي هي من عند الله، ويجعله دليلًا على نبوته، لأخذه من بيوتها دون جيش ولا حرب).
وقوله: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾.
قال مجاهد: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ مارِدٌ من الجن). وقال ابن عباس: (﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾: يعني قبل أن تقومَ من مجلسك). وقال مجاهد: (مقعدك).
وقوله: ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾. قال ابن عباس: (أي قويٌّ على حَمْلِهِ، أمينٌ على ما فيه من الجوْهر).
وقوله: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾.
الظاهر أن سليمان أراد أعجل من ذلك في إحضار السرير ليظهر لبلقيس عظمة ما هو عليه مِمّا وهبه الله من الملك والتمكين والتسخير الذي لم يكن لأحد قبله، ولا يكون لأحد بعده. فقام جنّي آخر من المؤمنين ممن عنده علم على منهاج النبوة فقال لسليمان: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾.
قال وهب بن منبه: (امدُد بَصَرك، فلا يبلغ مداه حتى آتيك به).
قلت: وقد ذكر المفسرون هنا أقوالًا كثيرة في تعريف الذي عنده علم من الكتاب، وبعضهم أتى من ذلك بالعجائب، ولا دليل عندهم تقوم به الحجة، وإنما سياق الآيات يقتضي ما ذكرنا والله تعالى أعلم.
وفي ذلك تنبيه لفضل العلم وشرفه ومكانته، فإنَّه لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، وقد رأينا في زماننا هذا سَبْقَ الأمم العاملةِ المتقنةِ الأممَ النائمةَ الضعيفةَ إنما كان بالعلم والدأب والإتقان. فإذا جمع العَالِمُ بين علم الدنيا والآخرة، وبين
стр. 3295
التقوى والصلاح، فلا أعجب حينئذ من ذلك ولا أقوى ولا أفضل. وهذا ما جمعه الله تعالى لسليمان ﵊ وأعطاه بعض جنوده.
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩].
٢ - وقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١].
٣ - وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].
وفي كنوز السُّنة العطرة من آفاق ذلك أحاديث، منها:
الحديث الأوّل: روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن مسعود قال: قال النبي ﷺ : [لا حَسَدَ إلا في اثْنَتَيْن: رَجُلٍ آتاه اللهُ مالًا فَسُلِّطَ على هلكتِه في الحق، ورجُلٍ آتاه الله الحِكْمةَ فهو يقضي بها ويُعَلِّمُها] (١).
الحديث الثاني: أخرج الترمذي في السنن بإسناد صحيح عن أبي أمامة الباهلي قال: ذُكِرَ لرسول الله ﷺ رجلان أحدهما: عابد، والآخر: عالم. فقال رسول الله ﷺ : [فَضْلُ العالِمِ على العابدِ كَفَضْلي على أدناكم. ثمَّ قال رسول الله ﷺ : إنَّ الله وملائكتَه وأهْلَ السماوات والأرض حتى النَّملة في جُحْرِهَا، وحتى الحوت لَيُصَلُّونَ على مُعَلِّمِ الناسِ الخير] (٢).
قال أبو عيسى: سمعت أبا عمار الحسين بن حريث الخزاعي يقول: سمعت الفضيل بن عياض يقول: (عالم عامل معلم يدعى كبيرًا في ملكوت السماوات).
الحديث الثالث: أخرج البزار والطبراني بإسناد حسن عن حذيفة بن اليمان ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : [فَضْلُ العِلْمِ خيرٌ من فضلِ العبادة، وخيرُ دينكم الورَعُ] (٣). وفي لفظ: (أحبُّ إلي) بدل "خير".
стр. 3296
وقوله: ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾.
أي: فلما رأى سليمان ﵇ عرش بلقيس ماثلًا أمام عينيه مستقرًا بين يديه أدرك عِظم فضل الله عليه وقال: هذا من نِعَم الله عليّ ليختبرني ويمتحنني، أأشكر ذلك من منّه وكرمه عليّ، أم أكفر نعمته علي فأهمل شكرها.
وقوله: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾.
أي: ومن شكر الله تعالى على نعمه فهو إنما يرجع بفائدة ذلك الشكر على نفسه: من رضا الله تعالى عليه، والزيادة له في نعمه، وذكره في عباده الشاكرين. فإن الله تعالى لا يحتاج إلى شكر عبده، ومن كفَرَ نعم الله تعالى فجحدها أو أهمل شكرها فإنما يرجع وبال ذلك عليه، فالله تعالى غني لا يفتقر إلى أحد، كريم يغدق على جميع عباده كافرهم ومؤمنهم.
قال ابن جرير: (﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ يقول: ومن كفر نعمه وإحسانه إليه وفضله عليه، لنفسه ظَلَمَ وحظَّها بَخَسَ، والله غني عن شكره، لا حاجة به إليه، لا يضره كفر من كفر به من خلقه، كريم: ومن كرمه إفضاله على من يكفر نعمه، ويجعلها وصلة يتوصل بها إلى معاصيه).
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧].
٢ - وقال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣].
وفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر مرفوعًا إلى النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه : [قال الله تعالى: يا عبادي، لو أن أولكم وآخرَكم، وإنسكم وجنَّكم، كانوا على أتقى قلبِ رجُلٍ واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئًا. يا عبادي، لو أنَّ أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلبِ رجلٍ منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئًا. يا عبادي، إنما هي أعمالكم أُحْصيها لكَم، ثمَّ أوفيكم إياها، فمن وجَدَ خيرًا فليحمد الله، ومن وَجَدَ غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَه] (١).
стр. 3297
وفي سنن ابن ماجة بإسناد صحيح عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: [ما أنعم الله تعالى على عبدٍ نعمة فقال: الحمد لله، إلا كان الذي أعطى أفضلَ مما أخذ] (١).
وله شاهد عن الطبراني بإسناد حسن من حديث أبي أمامة ﵁، عن النبي ﷺ قال: [ما أنعم الله على عبدٍ نعمة فحِمَدَ الله عليها إلا كان ذلك الحمد أَفضَلَ من تلكَ النعمة].
٤١ - ٤٤. قوله تعالى: ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (٤١) فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (٤٢) وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (٤٣) قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
في هذه الآيات: أمرُ سليمان جنده بتنكير عرش بلقيس ليختبر فطنتها، وإجابتها بقولها: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ عند سؤاله لها عن عرشها، وقد فَضَّل الله سليمان بالعلم والقوة وأضعفها ودولتها بكفرها وقومها، فلما اختبرها بالصرح الممرد من قوارير ما ملكت إلا أن اعترفت بظلمها نفسها وأعلنت إسلامها.
فقوله تعالى: ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾.
قال قتادة: (﴿نَكِّرُوا﴾: غيِّروا). وقال مجاهد: (﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾: غَيِّروه ﴿أَتَهْتَدِي﴾ أتعرفه).
قال ابن عباس: (وتنكير العرش، أنَّه زيد فيه ونقص). قال: (زيد في عرشها ونقص منه، لينظر إلى عقلها، فوُجدت ثابتة العقل).
وعن وهب بن منبه: (﴿أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾: أي أتعقل، أم تكون من الذين لا يعقلون. ففعل ذلك لينظر أتعرفه، أو لا تعرفه).
стр. 3298
والمقصود: لما أُتي سليمان ﵊ بِعَرْش بَلْقِيس قبل وصولها إليه، أمر بالعرش أن تُغَيَّر بعض صفاته ليختبِر معرفتها وثباتها عند رؤيته، هل تهتدي لمعرفة عرشها أو لا.
وقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾.
قال وهب بن منبه: (لما انتهت إلى سليمان وكلمته أخرج لها عرشها ثمَّ قال: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾؟ ﴿قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾). قال قتادة: (شبَّهته). وقال ابن زيد: (شكّت). قال ابن كثير: (أي عُرِض عليها عرشُها، وقد غُيِّرَ وَنُكِّرَ، وزيدَ فيه ونُقِصَ، وكان فيها ثَباتٌ وعقلٌ، ولها لُبّ ودَهاءٌ وحَزْمٌ، فلم تُقدِم على أنَّه هو لِبُعْدِ مسافتِه عنها، ولا أنَّه غيرُه، لِمَا رأت من آثاره وصِفاتِه، وإنْ غُيِّرَ وَبُدِّلَ ونُكِّرَ، فقالت: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾، أي: يُشْبِهُه ويُقارِبُه. وهذا غاية في الذَّكاء والحَزْم).
وقوله: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾. قال مجاهد: (سليمان يقوله).
قال ابن جرير: (وقال سليمان: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا﴾ أي هذه المرأة، بالله وبقدرته على ما يشاء، ﴿وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ لله من قبلها).
وقوله تعالى: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾.
أي: وكان صدّها عن الهداية ما كانت تعبد مع قومها الشمس من دون الله، فمنعها نشؤها بين أظهر الكفار من عبادة الله وحده.
قال مجاهد: (كفرها بقضاء الله، صدّها أن تهتدي للحق).
قال النسفي: (﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ متصل بكلام سليمان، أي وصدّها عن العلم بما علمناه، أو عن التقدم إلى الإِسلام عبادة الشمس ونشؤها بين أظهر الكفرة، ثمَّ بين نشأها بين الكفرة بقوله: ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾. أو كلام مبتدأ، أي: قال الله تعالى: ﴿وَصَدَّهَا﴾ قبل ذلك عما دخلت فيه ضلالها عن سواء السبيل، أو صدّها الله، أو سليمان عما كانت تعبد بتقدير حذف الجار وإيصال الفعل).
وقوله: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾. أي القصر أو صحن الدار.
قال وهب بن منبه: (أمر سليمان بالصرح، وقد عملته له الشياطين من زجاج كأنه الماء بياضًا، ثمَّ أرسل الماء تحته، ثمَّ وضع له فيه سريره، فجلس عليه، وعكفت عليه الطير والجن والإنس، ثمَّ قال: ﴿ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ ليريها مُلْكًا هو أعزّ من مُلكها،
стр. 3299
وسلطانًا هو أعظم من سلطانها. ﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ لا تشك أنَّه ماء تخوضه، قيل لها: ادخلي إنه صرح ممرّد من قوارير).
قال القاسمي: (وكان سليمان ﵇ اتخذ قصرًا بديعًا من زجاج، فأراد أن يريها منه عظمة ملكه وسلطانه، ومقدار ما آثره الله به ﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ﴾ أي صحنه ﴿حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ أي ماء عظيمًا ﴿وَكَشَفَتْ﴾ أي: للخوض فيه ﴿عَنْ سَاقَيْهَا﴾، قال: ﴿إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ﴾ أي مملّس ﴿مِنْ قَوَارِيرَ﴾ أي من الزجاج.
﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ أي بكفرها السالف وعبادتها وقومها الشمس ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي متابعة له في دينه وعبادته لله وحده لا شريك له).
تنبيه: أَكْثَرَ المفسرون في هذا المقام من روايات واهية لا تقوم بها الحجة، في شأن سليمان ﵇ مع بلقيس، وأكثرها لا يليق بمقام النبوة وعصمتها، وكان أولى أن لا تذكر، فإن أغلبها من الإسرائيليات والأحاديث الموضوعة المكذوبة.
٤٥ - ٥٣. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥) قَالَ يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٦) قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (٤٧) وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (٤٨) قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٤٩) وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾.
في هذه الآيات: إخبارُ الله تعالى عن إرساله نبيّه صالحًا ﵇ إلى ثمود بعبادة الله وحده ونبذ ما يُعبد من دونه فإذا هم ينقسمون إلى فريقين: فريق مصدق، وفريق مكذب. فدعاهم إلى توحيد الله واستغفاره، فقابلوه بالتطير منه، والمكر
стр. 3300
بالاشتراك مع الرهط المفسدين، فمكر الله بهم وهو أشد مكرًا بالقوم الظالمين، فدمرهم وكتب النجاة للقوم المؤمنين.
فقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾.
قال مجاهد: (مؤمن وكافر، قولهم صالح مرسل، وقولهم صالح ليس بمرسل. ويعني بقوله: ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ يختلفون).
وقوله: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾. قال مجاهد: (السيئة: العذاب، قبل الحسنة: قبل الرحمة. أو قال: قبل العافية).
أي قال لهم صالح ﵊: يا قوم لم تدعون بحضور العذاب ونزول النقمة، ولا تسألون الله الرحمة والعافية؟ !
وقوله: ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: هلا تتوبون إلى الله من كفركم، فيغفرلكم ربكم عظيم جرمكم، يصفح لكم عن عقوبته إياكم على ما قد أتيتم من عظيم الخطيئة). قال النسفي: (﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ بالإجابة).
وقوله: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾. أي: تَشَاءَمْنا بك وبمن تبعك.
قال مجاهد: (تشاءموا بهم). قال ابن كثير: (أي: - قالت ثمود لرسولها صالح - ما رأينا على وَجْهِك وَوُجُوهِ من اتَّبَعك خير. وذلك أنهم - لشقائهم - كان لا يُصيبُ أحدًا منهم سوءٌ إلا قال: هذا مِن قِبَل صالح وأصحابه).
ويبدو أن هذه الصفة متوارثة في الأمم المكذبة للرسل.
ففي التنزيل:
١ - قال تعالى - مخبرًا عن قوم فرعون -: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٣١].
٢ - وقال تعالى - مخبرًا عن أهل القرية إذ جاءها المرسلون -: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ [يس: ١٨ - ١٩].
٣ - وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨].
стр. 3301
قلت: وإنما منهاج المرسلين في بعث الأمل في نفوس العباد بإشراقة الثقة بالله، وباختيار الكلمة الطيبة التي ترضي الله سبحانه فيغير أحوال عباده ويسعدهم.
ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: [لا عدوى، ولا طيرة، ولا هَامةَ، ولا صَفَرَ، ولا نَوْءَ، ولا غُول] (١).
والعدوى من الإعداء، أي يُصاب الرجل بمثل ما بصاحب الداء، فأخبر أن ذلك إن حصل فبقدر الله. والطِّيَرَةُ من أمر الجاهلية وهي تعليق الخير والشر على حركة طائر. قال عكرمة: (كنا جلوسًا عند ابن عباس، فمرّ طائر يصيح، فقال رجل من القوم: خير خير. فقال ابن عباس: لا خير ولا شر، فبادره بالإنكار عليه، لئلا يعتقد تأثيره في الخير والشر).
والهامة: طير من طير الليل كأنه البومة، كانوا يتشاءمون بها إذا وقعت على بيت أحدهم.
والصفر: حية تصيبُ بطن الماشية والناس، وهي أعدى من الجرب عند العرب.
والنَوْء: جمعها أنواء وهي منازل القمر، فكانت العرب تزعم أن مع سقوط المنزلة يكون مطر.
والغول: جنس من الجن والشياطين، تزعم العرب أنَّه يخرج في الطريق فيضلهم ويهلكهم.
وفي سنن أبي داود بسند صحيح عن ابن مسعود مرفوعًا: [الطِّيرة شرك، الطِّيرةُ شِرك، وما منا إلا، ولكن الله يُذهِبُهُ بالتوكل] (٢).
والخلاصة: إن التطير عادة جاهلية قبيحة، حاربها الإِسلام، وردّها المرسلون على أقوامهم.
وقوله: ﴿قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾. قال ابن عباس: (مصائبكم). وقال قتادة: (علمكم
стр. 3302
عند الله). والمقصود: الله يقسم أيامكم وأعمالكم وأرزاقكم وأقداركم وليست معلقة على حركة طائر.
قال ابن جرير: (أي ما زجرتم من الطير لما يصيبكم من المكاره عند الله علمه، لا يُدرى أيُّ ذلك كائن، أم ما تظنون من المصائب أو المكاره، أم ما لا ترجونه من العافية والرجاء والمحاب).
وقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾. أي تختبرون وتمتحنون، وربما تُستدرجون فيما أنتم فيه من الضلال. قال قتادة: (تُبْتَلون بالطاعةِ والمعصية).
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾.
قال ابن عباس: (هم الذين عقروا الناقة (١) وقالوا حين عقروها: نبيت صالحًا وأهله فنقتلهم، ثم نقول لأولياء صالح: ما شهدنا من هذا شيئًا، وما لنا به علم. فدمرهم الله أجمعين).
والمقصود: أنه كان في مدينة ثمود تسعة نفر من طغاة ثمود ورؤوسهم، وأصحاب المكر والتكذيب فيهم، وقد انبعث أشقاهم لعقر الناقة، وهَمُّوا بقتل صالح كذلك، وكانوا أهل فساد وإفساد في البلاد.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾.
قال القاسمي: (أي ليحلف كل واحد منكم على موافقة الآخرين، بالله الذي هو أعظم المعبودين ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ أي لنقتلنّهُ ليلًا. وقرئ بالتاء على خطاب بعضهم لبعض ﴿وَأَهْلَهُ﴾ أي من آمن معه. ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ﴾ أي الطالب ثأره علينا ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ أي ما حضرنا مكان هلاك الأهل، مع تفرقهم في الأماكن الكثيرة، فضلًا عن مكانه، فضلًا عن مباشرته ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ أي ونحلف إنا لصادقون. أو: والحال إنا لصادقون فيما ذكرنا).
وقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
قال ابن زيد: (احتالوا لأمرهم، واحتال الله لهم، مكروا بصالح مكرًا، ومكرنا بهم مكرًا ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بمكرنا وشَعَرْنا بمكرهم).
стр. 3303
قلت: وقد ثبت - لله تعالى - صفة المكر والكيد بالكافرين.
ففي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد: ١٣].
٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥، ١٦].
٣ - وقال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤].
ومن صحيح السنة المطهرة في ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الترمذي عن أنس عن النبي ﷺ قال: [إذا أراد الله بعبده الخير عجلَ له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشّرَ أمسك عنه ذنبه حتى يُوافى به يوم القيامة] وسنده صحيح (١).
الحديث الثاني: أخرج أبو داود بإسناد صحيح عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: [إذا أراد الله بالأمير خيرًا جعل له وزير صدق، إنْ نَسِيَ ذَكَّرَه، وإن ذكر أعانه، وإذا أراد به غير ذلك جعلَ له وزيرَ سوء، إن نسيَ لم يذكِّرْهُ، وإن ذكر لم يُعِنْهُ] (٢).
الحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: [إنّ الله تعالى ليُملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يُفْلته] (٣).
وقوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
قال القرطبي: (أي بالصيحة التي أهلكتهم. وقد قيل: إن هلاك الكل كان بصيحة جبريل. والأظهر أن التسعة هلكوا بعذاب مفرد، ثم هلك الباقون بالصيحة والدمدمة).
وقوله: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾. أي فارغة ليس فيها منهم أحد، قد أبادهم الله فلا أثر لهم، وكان ذلك بظلمهم أنفسهم: بشركهم الله وتكذيب الرسل.
و﴿خَاوِيَةً﴾ بالنصب على الحال. أي خالية عن أهلها خرابًا ليس بها ساكن.
стр. 3304
قال النسفي: (﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾ ساقطة منهدمة من خوى النجم إذا سقط أو خالية من الخواء، وهي حال عمل فيها ما دل عليه تلك).
وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.
يقول: أي: إن بفعلنا ذلك بثمود لآية لقوم يعلمون قدرتنا فيتَّعِظون وينزجرون.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾.
سُنّةُ الله بين أوليائه المؤمنين وأعدائه الكافرين، فإن العاقبة والنجاة للمتقين، والدمار والهلاك على القوم الظالمين.
والمقصود هنا: وأنجينا صالحًا والذين آمنوا معه وكانوا من المتقين.
٥٤ - ٥٨. قوله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٥٥) فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٥٦) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (٥٧) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥٨)﴾.
في هذه الآيات: إنذارُ لوط ﷺ قومه مغبة استمرارهم على فواحشهم، ومقابلتهم له بالتهديد بالإخراج ومن آمن معه من قريتهم، فأنجاه الله - إلا امرأته - وأخزاهم وأمطرهم العذاب الذي زلزلهم.
فقوله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾.
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وأرسلنا لوطًا إلى قومه، إذ قال لهم: يا قوم ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ أنها فاحشة، لِعِلْمِكُم بأنه لم يسبقكم إلى ما تفعلون من ذلك أحد). وقال ابن كثير: (أنذر قومه نِقْمةَ الله بهم، في فعلهم الفاحشة التي لم يسبقهم إليها أحدٌ من بني آدم، وهي إتيان الذكور دونَ الإناث، وذلك فاحشة عظيمة، استغنى الرجال بالرجال، والنساء بالنساء، فقال: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾، أي: يرى بعضكم بعضًا، وتأتون في ناديكم المنكر! ؟ ). قال القرطبي:
стр. 3305
(﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ أنها فاحشة، وذلك أعظم ذنوبكم. وقيل: يأتي بعضكم بعضًا وأنتم تنظرون إليه. وكانوا لا يستترون عتوًّا منهم وتمرّدًا).
وقوله تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾.
قال ابن كثير: (أي: لا تعرفون شيئًا لا طبْعًا ولا شَرْعًا، كما قال في الآية الأخرى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٥، ١٦٦]).
قال القرطبي: (﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ أعاد ذكرها لفرط قبحها وشنعتها).
وقوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾.
أي: فلم يكن من قوم لوط حين دُعوا إلى التطهر من تلك القذارة إلا أن حَمَلوا على لوط والمؤمنين معه وطلبوا إخراجهم من القرية لمخالفتهم لهم فعلتهم الدنيئة وترفعهم عن رجس ما هم عليه.
قال ابن عباس: (قوله: ﴿أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ قال: من إتيان الرجال والنساء في أدبارهن).
وعن مجاهد، في قوله: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ قال: (من أدبار الرجال وأدبار النساء استهزاءً بهم).
قال قتادة: (عابوهم بغير عيب: أي إنهم يتطهرون من أعمال السوء).
وقوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾. أي الباقين مع الهالكين.
قال ابن كثير: (أي: من الهالكين مع قومها، لأنها كانت رِدْءًا لهم على دينهم، وعلى طريقتهم في رضاها بأفعالهم القبيحة، فكانت تَدُلُّ قومها على ضِيفان لوطٍ، ليأتوا إليهم، لا أنها كانت تفعلُ الفاحشة، تكرمةً لنبيِّ الله ﷺ لا كَرَامة لها).
وقوله: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾. أي: حجارة من سجيل. كما قال جل ثناؤه: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٢، ٨٣].
стр. 3306
وقوله: ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾.
أي: فساء مطر من أُنذر فلم يقبل الإنذار، وأصرّ على ركوب الفواحش والآثام.
٥٩ - ٦٤. قوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٦١) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣) أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦٤)﴾.
في هذه الآيات: خلاصة دعوة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم إلى أقوامهم:
- ليس هناك شركاء ولا شفعاء ولا وسطاء، ومن حق كل امرئٍ أن يُهرعَ إلى ربه ، وأن ينكر من أقاموا أنفسهم أو أقيموا من غيرهم زلفى إلى الله من البشر والحجارة.
- وإذا كنتم تُقِرُّون بأنه الخالق فلم تخضعون لغيره، وإذا كنتم تقرون بأنه المحيي والمميت فلم تسألون حجرًا أو قبرًا أو صالحًا مضى لا يملك لنفسه موتًا ولا حياة ولا نشورًا.
- وإذا كنتم تُقِرُّون بأنه الرازق فلم تلتمسون الرضى من غيره، وإذا كنتم تقرون بأنه الممطر أرضكم والمخصب زرعكم فلم تشكرون غيره.
- وإذا كنتم تُقِرُّون بأنه وحده يلجأ إليه في الشدائد والنائبات والكرب، فلم تسجدون
стр. 3307
لغيره، ولم تستغيثون بغيره، ولم تنافقون لبشر من خلقه، ولم تحتكمون لغير شرعه ولغير منهاجه.
فاحتجَّ الأنبياء والرسل على أقوامهم بإقرارهم لله بالربوبية، لماذا لم يفردوه سبحانه بالألوهية، ولماذا لم يوحدوه في أسمائه وصفاته ومحامده، ولماذا لم يفردوه بالتشريع والحاكمية.
فقوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾.
قال ابن عباس: (أصحاب محمد اصطفاهم الله لنبيه). وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: (إن المراد بعباده الذين اصطفى هم الأنبياء).
قلت: ولا تعارض بين القولين، فإن الأنبياء هم عباد الله الذين اصطفى وكذلك من تبعهم من حوارييهم ومن سار على منهاجهم إلى يوم الدين.
والمقصود: أمر الله رسوله ﷺ بحمده على نعمه وآلائه التي لا تحصى، وعلى اتصافه - جل ثناؤه - بالصفات العُلا والأسماء الحسنى، والخطاب من باب أولى لجميع الأمة.
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢].
فنزه الله تعالى نفسه عما يقوله المشركون وينسبونه له من النقص والعيوب، ثم أثنى على عباده المرسلين لسلامة ما وصفوه به سبحانه، ثم حمد نفسه جل ثناؤه على تفرده بأوصاف الكمال والجمال.
٢ - وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١].
٣ - وقال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١].
ومن صحيح السنة العطرة في آفاق ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال:
стр. 3308
قال رسول الله ﷺ : [لأن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أحبُّ إليَّ مما طلعت عليه الشمس] (١).
الحديث الثاني: خرّج مسلم كذلك في الصحيح عن أبي ذرّ الغفاري ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : [ألا أخبرك بأحبِّ الكلام إلى الله؟ إنَّ أحبَّ الكلام إلى الله سبحان الله وبحمده] (٢).
الحديث الثالث: أخرج مسلم أيضًا في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: [جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: عَلِّمني كلامًا أقوله. قال: قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الله أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا، سبحان الله رب العالمين، لا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم .. ] الحديث (٣).
وقوله: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ - استفهام إنكار على اختيار المشركين آلهة يعبدونها مع الله تعالى.
وقوله: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾.
أي: كيف تختارون معشر المشركين عبادة أوثان لا تضر ولا تنفع على عبادة خالق السماوات بارتفاعها وصفائها، وكواكبها ونجومها، وأفلاكها وملائكتها، وخالق الأرض بجبالها وسهولها، وأشجارها وثمارها، وبحارها وبراريها، وإنسها وجنها، وطيرها وحيوانها. ثم أنزل لكم من السماء مطرًا جعله رزقًا للعباد أنبت به البساتين والحدائق ذات المنظر الحسن والشكل البهيّ.
قال مجاهد: (البهجة: الفقاح مما يأكل الناس والأنعام).
وقوله. ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾. قال النسفي: (أراد أن تَأَتِّي ذلك محال من غيره).
стр. 3309
والمقصود: أنه لا يقدر على ذلك الإنبات إلا الله الخالق الرازق، ومع ذلك يعبد المشركون أوثانًا لا تضر ولا تنفع، ولا تنبت ولا تطعم.
وقوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾. قال ابن كثير: (أي: أإلهٌ مع الله يُعُبَدُ وقد تبيّنَ لكم ولكلِّ ذي لُبٍّ مما يَعرفون به أيضًا أنه الخالق الرزاق؟ ! ومن المفسرين من يقول معنى قوله ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ فَعَلَ هذا؟ . ثم قال في آخر الآية: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾، أي: يجعلون لله عدْلًا ونظيرًا).
وقوله: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾. قال ابن جرير: (تستقرون عليها لا تميد بكم).
أي: من الذي جعل هذه الأرض التي تسكنون عليها قارّة ساكنة ثابتة لا تميد ولا تتأرجح، ولو جُعلت تهتز وترجف بأهلها كلما تحركوا على أرجائها لاستحالت الحياة وتعقّدت.
وقوله: ﴿وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا﴾ أي: وشَقّ في أرجائها أنهارًا طويلة وقصيرة، تعبر البلاد والأمصار، تسقي الأرض والبهائم والعباد.
وقوله: ﴿وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ﴾ - وهي ثوابت الجبال، تثبت الأرض من أن تميد بأهلها.
وقوله: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾. قال ابن عباس: (سلطانًا من قدرته فلا هذا يغيّر ذاك، ولا ذاك يغيّر هذا، والحجز المنع).
والمقصود: جعل سبحانه حاجزًا بين المياه الحلوة العذبة والمياه المالحة ليتوازن العيش على هذه الأرض، فلا يزال يُستفاد من الماء العذب الزلال في الأنهار والبحيرات لسقي الحيوان والنبات والثمار. ولا يزالى الهواء عليلًا بانتشار تلك البحار والمحيطات المالحة فلا يفسد العيش.
وقوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾. قال القرطبي: (أي إذا ثبت أنه لا يقدر على هذا غيره فلم يعبدون ما لا يضر ولا ينفع).
وقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. أي: دل أكثرهم جط هلون حق ربهم وما يجب له من توحيد الإلهية.
стр. 3310
وقوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾.
أي: أمْ مَن يلجأ إليه العباد عند النوازل والمحن والمصائب، يرجون رحمته ويطمعون بكشف الضر عنهم مما نزل بهم.
قال ابن عباس: (﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ قال: هو ذو الضرورة المجهود).
وقال السديّ: (الذي لا حول له ولا قوة). وقال ذو النون: (هو الذي قطع العلائق عما دون الله). وقال سهل بن عبد الله: (هو الذي إذا رفع يديه إلى الله داعيًا لم يكن له وسيلة من طاعة قذمها).
وجاء رجل إلى مالك بن دينار فقال: أنا أسألك بالله أن تدعو لي فأنا مضطر، قال: (إذن فاسأله فإنه يجيب المضطر إذا دعاه).
وعن ابن جريج: (﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾: الضّر).
قال القرطبي: (ضمن الله تعالى إجابة المضطر إذا دعاه، وأخبر بذلك عن نفسه، والسبب في ذلك أن الضرورة إليه باللجاء ينشأ عن الإخلاص، وقطع القلب عما سواه، وللإخلاص عنده سبحانه موقع وذمّة، وجد من مؤمن أو كافر، طائع أو فاجر، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢]. وقوله: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] فأجابهم عند ضرورتهم ووقوع إخلاصهم، مع علمه أنهم يعودون إلى شركهم وكفرهم. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] فيجيب المضطر لموضع اضطراره وإخلاصه).
قلت: وهذا تفسير رائع من الإمام القرطبي ﵀ لآفاق هذه الآية الكريمة، وقد حفلت السنة العطرة ببدائع جوامع الكلم في ذلك.
الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أبي تميمة الهُجيمي، عن رجل من بَلْهُجَيْم قال: [قلت: يا رسول الله، إلامَ تدعُو؟ قال: أدعو إلى الله وحدَه، الذي إنْ مَسَّكَ ضُرٌّ فدعوته كشفَ عنكَ، والذي إنْ أَضْلَلْتَ بأرضٍ قَفرٍ فدعوتَه ردَّ عليك، والذي إن أصابتك سنةٌ فدعوتَه أنبتَ لك. قال: قلت: أَوْصِني. قال: لا تَسُبَّنَ
стр. 3311
أحدًا، ولا تَزْهَدَنّ في المعروف، ولو أن تلقى أخاك وأنت مُنْبَسِطٌ إليه وجهكَ، ولو إن تُفْرغَ من دلوكَ في إناء المُسْتَقي، واتّزِر إلى نصف الساق، فإن أبيت فإلى الكعبين. وإياك وإسبالَ الإزار فإن إسبالَ الإزار من المخيلة، وإن الله لا يحب المخيلة] (١).
الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن ابن عباس: أن نبيَّ الله ﷺ كان يقول عند الكرب: [لا إله إلا اللهُ العظيمُ الحليمُ، لا إله إلا الله ربُّ العرشِ العظيم، لا إله إلا الله ربُّ السماوات ورَبُّ الأرض ربُّ العرش الكريم] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند صحيح، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : [ما أصابَ أحدًا قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك، وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض فيَّ حكمك، عدل فيِّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله همه وحزنه وأبدله مكانه فرجًا. قيل يا رسول الله ألا نتعلمها؟ قال: بلى، ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها] (٣).
الحديث الرابع: يروي الترمذي بسند صحيح عن سعد، عن النبي ﷺ قال: [دعوةُ ذي النون إذ دعا ربَّه وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدعُ بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب له] (٤).
وله شاهد رواه الحاكم بلفظ: [ألا أخبركم بشيء إذا نزل برجل منكم كَرْبٌ، أو بلاء، من أمر الدنيا دعا به فَفُرِّج عنه؟ دعاء ذي النون: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين].
وقوله: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾. أي: قومًا يخلف بعضهم بعضًا، جيلًا بعد جيل وقرنًا بعد قرن. وقال الكلبي: (خلفًا من الكفار ينزلون أرضهم، وطاعة الله بعد كفرهم).
стр. 3312
وقوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ - توبيخ وتقريع. أي: أبعد كل ما ذكر تعبدون مع الله غيره. وهو الإله الحق الأحد الصمد المتفرد بالخلق والتدبير والإماتة والإحياء وكشف الضر وجلب الخير وبعث الأمل.
وقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: تذكرًا قليلًا من عظمة الله وأياديه عندكم تذكرون، وتعتبرون حجج الله عليكم يسيرًا، فلذلك أشركتم بالله غيره في عبادته).
وقوله: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾.
قال ابن جريج: (والظلمات في البر، ضلاله الطريق، والبحر، ضلاله طريقه وموجه وما يكون فيه).
والمقصود: مَنْ يهديكم إلى سبيل النجاة إذا تهتم في البر، أو ضللتم في ظلمات البحر وبين تلاطم أمواجه. أليس الله تعالى الذي جعل لكم من الدلائل السماوية والأرضية ما يرشدكم بها إذا أشرفتم على الضياع والهلاك.
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧].
قال شيخ الإسلام ﵀: (وقد أخبر سبحانه في كتابه من منافع النجوم، فإنه يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، وأخبر أنها زينة للسماء الدنيا، وأخبر أن الشياطين تُرجم بالنجوم).
وقوله: ﴿وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾.
قال ابن جريج: (يقول: والذي يرسل الرياح نُشُرًا (١) لموتان الأرض بين يدي رحمته، يعني: قدام الغيث الذي يحيى موات الأرض). قال ابن كثير: (أي: بين يدي السحاب الذي فيه مطرٌ، يغيثُ به عباده المجُدبينَ الآزِلين (٢) القنطين).
стр. 3313
وقوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
توبيخ آخر، وتقريع بعد تقريع. أي أإله مع الله يفعل ذلك ويعينه عليه ﴿تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ من دونه.
وقوله: ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾.
قال القرطبي: (كانوا يقرّون أنه الخالق الرازق، فألزمهم الإعادة، أي إذا قدر على الابتداء فمن ضرورته القدرة على الإعادة، وهو أهون عليه).
وقوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾. أي: يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويبعث للحساب والنشور؟
وقوله: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. أي: قل لهم - يا محمد - قدّموا حجتكم إن كان لديكم ما يدل أن أحدًا سوى الله يفعل شيئًا من ذلك إِن ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في دعواكم وزعمكم! ! .
وهو تحدّ للمشركين، وقد عُلِمَ أنهم فارغون من الدليل والحجة، وما لهم إلا اتباع سبيل الآباء وتعظيم أعراف الجاهلية.
وفي التنزيل نحو ذلك:
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧].
وفي صحيح البخاري عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال:
[مفاتيحُ الغيب خمسٌ لا يعلمُها إلا الله تعالى: لا يعلم أحدٌ ما يكون في غدٍ إلا الله تعالى، ولا يعلم أحدٌ ما يكون في الأرحام إلا الله تعالى، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله تعالى، ولا تدري نفس بأي أرض تموتُ إلا الله تعالى، ولا يدري أحدٌ متى يجيءُ المطر إلا الله تعالى] (١).
٦٥ - ٧٥. قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا
стр. 3314
عَمُونَ (٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧) لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٦٩) وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (٧٠) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٧١) قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (٧٢) وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٤) وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٧٥)﴾.
في هذه الآيات: انفرادُ الله تعالى بعلم الغيب، وجهل الكفار بالحق وشكهم في الآخرة، وتحذيرهم نزول نقمة الله بهم كما نزل بالأمم قبلهم، وتسلية للنبي ﷺ عما يلقاه من استهزاء قومه ومكرهم.
فقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾.
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : ﴿قُل﴾ يا محمد لسائليك من المشركين عن الساعة متى هي قائمة ﴿لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ﴾ الذي قد استأثر الله بعلمه، وحجب عنه خلقه غيره، والساعة من ذلك ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ يقول: وما يدري من في السماوات والأرض من خلقه متى هم مبعوثون من قبورهم لقيام الساعة).
وقوله: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ استثناء منقطع، أي: إن الله وحده هو المتفرد بعلم الغيب لا شريك له.
والخطاب وإن كان لمشركي مكة فهو عام لجميع الخلق أن يعلموا أن ربهم قد أحاط بالغيب وحده، ولم يطلع أحدًا من خلقه على شيء منه إلا بما شاء.
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩].
٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤].
стр. 3315
ومن صحيح السنة المطهرة في آفاق هذه الآية أحاديث:
الحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن الشَّعبي، عَنْ مَسْروق قال: [كنت مُتَّكِئًا عند عائشة فقالت: يا أبا عائشة! ثلاثٌ من تَكَلَّمَ بواحِدةٍ منهن فقد أَعْظَمَ على الله الفِرية، قلتُ ما هُنَّ؟ قالت: مَنْ زَعَمَ أن مُحَمدًا ﷺ رأى رَبَّهُ فقد أعظَمَ على الله الفرية ... قالت: ومن زعم أن رسول الله ﷺ كتمَ شيئًا مِن كتاب الله فقد أعظم على الله الفِرْية، والله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]. قالت: ومن زعمَ أنه يُخْبِرُ بما يكون في غَدٍ فقد أعظَمَ على الله الفِرية. والله يقول: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾] (١).
الحديث الثاني: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن أبي هريرة قال: [كان رسول الله ﷺ يومًا بارزًا للناس. فأتاه رجل فقال: يا رسول الله! متى الساعة؟ فقال: ما المسؤول عنها بأعْلَمَ من السائل. ولكن سأخبرك عن أشراطها. إذا ولدت الأمة رَبَّتَها، فذاكَ مِنْ أشراطها، وإذا كانت الحُفاةُ العراةُ رؤوس الناس، فذاك من أشراطها. وإذا تطاولَ رِعاءُ الغنم في البُنيان، فذاك من أشراطِها. في خمس لا يَعْلَمُهنَّ إلا الله. فتلا رسول الله ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ الآية] (٢).
قال قتادة: (إنما جعل الله هذه النجوم لثلاث خصال: جعلها زينة للسماء، وجعلها يُهتدى بها، وجعلها رجومًا فمن تعاطى فيها غير ذلك فقد قال برأيه، وأخطأ حَظَّهُ، وأضاع نصيبَهُ، وتكلَّف ما لا عِلمَ له به. وإنّ ناسًا جَهَلَةٌ بأمر بالله، قد أحدثوا من هذه النجوم كَهَانة: من أعْرَسَ بِنَجْم كذا وكذا، كان كذا وكذا. ومن سافَرَ بنجم كذا وكَذا، كان كذا وكذا. ومن وُلدَ بِنَجْم كذا وكذا، كان كذا وكذا، ولعمري (٣) ما من نجم إلا يُولَد به الأحمرُ والأسودُ، والقصير والطويلُ، والحسَنُ والدَّميمُ، وما عِلْمُ هذا النجم
стр. 3316
وهذه الدّابةِ وهذا الطير بشيءٍ من الغيب! وقضى الله تعالى أنه: ﴿لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾).
وقوله: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾.
قرأه قراء مكة: ﴿بل أَدْرَكَ علمهم في الآخرة﴾. والتقدير: هل أدرك علمهم علم الآخرة.
وقرأه قراء الكوفة: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾. والتقدير: أي لم يدرك.
ومن أقوال المفسرين في ذلك:
أ - على القراءة الأولى:
١ - عن ابن عباس: (﴿بل أدْرَكَ علمهم في الآخرة﴾ يقول: غاب علمهم).
٢ - وقال مجاهد: (﴿بل أَدْرَكَ علمهم﴾ قال: أم أدرك علمهم من أين يدرك علمهم).
٣ - وقال قتادة: (﴿بل أَدْرَكَ علمهم في الآخرة﴾، يعني بِجَهْلِهِم رَبَّهم، يقول: لم يَنْفُذْ لهم إلى الآخرة علمٌ).
٤ - وقال عطاء عن ابن عباس: (﴿بل أدرك علمهم في الآخرة﴾ حين لم ينفع العلم).
والمقصود: أن علمهم إنما يُدرِكُ ويَكمُل يومَ القيامة حيثُ لا ينفعهم ذلك كما قال تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [مريم: ٣٨]. وقد جاء في قراءة الحسن: ﴿بل ادّرك علمهم﴾ قال: (اضمحلّ علمهم في الدنيا حين عاينوا الآخرة).
ب - على القراءة الثانية:
١ - عن أبي حمزة، عن ابن عباس: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾: أي لم يدرك).
٢ - قال ابن زيد: (يقول: ضل علمهم في الآخرة فليس لهم فيها علم، ﴿هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾).
وفي الحديث السابق: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل" - أي تساوى في العجز عن درك ذلك علم السائل والمسؤول.
والخلاصة: أن المعنى حسب القراءتين المشهورتين يقتضي انتهاء علمهم وعجزهم عن معرفة وقت قيام الساعة، وكثير منهم يوقنون بها يوم حدوثها فيعلمون أنها حق.
стр. 3317
وقوله: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾.
أي: بل الكافرون شاكون بوقوعها غير مصدقين بحدوثها بعد فنائهم. ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾. قال ابن كثير: (أي: في عَمَايةٍ وجهل كبير في أمرها وشأنها).
قال الزمخشري: (وهو العمى، وأن يكون مثل البهيمة قد عكف همه على بطنه وفرجه، لا يُخْطِرُ بباله حقًّا ولا باطلًا، ولا يفكر في عاقبة. وقد جعل الآخرة مبدأ عماهم ومنشأَه. فلذلك عداه بـ "من" دون "عن" لأن الكفر بالعاقبة والجزاء، هو الذي جعلهم كالبهائم لا يتدبرون ولا يتبصرون).
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾.
إخبار من الله تعالى عن استبعاد منكري البعث إعادة الله أجسامهم بعد صيرورتها ترابًا وإخراجهم من قبورهم بعد فنائهم للبعث والحساب والقصاص.
وقوله: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ﴾. قال ابن جرير: (يقول: لقد وعدنا هذا من قبل محمد، واعدون وعدوا ذلك آباءنا، فلم نر لذلك حقيقة، ولم نتبيّن له صحة).
وقوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. قال القاسمي: (أي أحاديثهم وأكاذيبهم التي سطروها بعبارة مموّهة).
وقوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾.
أي: قل يا محمد لهؤلاء المكذبين بالمعاد: الدليل عليه هلاك الأمم المكذبة به وبالوحي قبلكم، ونجاة رسلهم والمؤمنين معهم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾.
أي: ولا تحزن - يا محمد - على إدبار هؤلاء المشركين عنك وتكذيبهم لما جئت به، ولا يضيق صدرك من مكرهم، فإن الله سينصرك عليهم وسيخذلهم.
وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٧١) قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾.
أي: ويقول المشركون المكذبون بالبعث والمعاد - لك يا محمد -: فمتى حصول هذا الوعد الذي تعدنا إياه ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فيما تعدوننا به. قل لهم - يا محمد -: عسى أن يكون قد اقترب لكم بعض الذي تستعجلون. قال مجاهد: (ردف: أزف).
стр. 3318
وقال أيضًا: (ردف: أعجل لكم). وقال الضحاك: (﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ اقترب لكم).
وعن ابن جريج: (﴿رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ قال: من العذاب).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾.
أي: وإن نعم الله على الناس لا يحصيها أحد منهم، ومع ذلك أكثرهم يجحدون فضله ويهملون شكره. قال القرطبي: (﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ في تأخير العقوبة وإدرار الرزق، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾ فضله ونعمه).
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨].
وفي صحيح البخاري عن أبي موسى ﵁، عن النبي ﷺ قال: [ليس أحَدٌ - أو ليس شيءٌ - أصْبَرَ على أذىّ سمِعَه من الله، إنهم ليدعونَ له ولدًا، وإنه ليعافيهم ويرزقُهم] (١).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾. أي: يعلم السرائر والضمائر، كما يعلم العلانية من ذلك والظواهر. قال ابن جريج: ﴿مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ قال: السر).
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩].
٢ - وقال تعالى: ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [هود: ٥]
٣ - وقال تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الزمر: ٧].
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : [كتب الله مقادير
стр. 3319
الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. وكان عرشه على الماء] (١).
وفي معجم الطبراني بسند صحيح عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: [فَرَغَ الله إلى كل عبد من خمس: من أجله ورزقه وأثره ومضجعه وشقي أو سعيد] (٢).
وله شاهد عن ابن عساكر بسند جيد من حديث أنس بلفظ: [فرغَ الله من أربع: من الخَلق والخُلُق والرزق والأجل].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.
قال ابن عباس: (يقول: ما من شيء في السماء والأرض سرّ ولا علانية إلا يعلمه).
٧٦ - ٨١. قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦) وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٧٨) فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩) إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١)﴾.
في هذه الآيات: ثناءُ الله تعالى على هذا القرآن، وعلى حكمه - جلت عظمته - بين الأنام، وأمرُه نبيّه ﷺ بالتوكل عليه للثبات على الحق المبين، وتقريره له أنه لا يسمع الموتى أو الصم ولا يهدي العمي وإنما الهداية من الله للمؤمنين.
فقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.
قال النسفي: (أي يبين لهم. قال: فإنهم اختلفوا في المسيح فتحزَّبوا فيه أحزابًا ووقع بينهم التناكر في أشياء كثيرة حتى لعن بعضهم بعضًا، وقد نزل القرآن ببيان ما اختلفوا فيه لو أنصفوا وأخذوا به وأسلموا، يريد اليهود والنصارى).
стр. 3320
والمقصود: أن هذا القرآن وسط عدل بين افتراء اليهود وغلو النصارى، فعيسى ﵊ عبدٌ من عباد الله وأنبيائه ورسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الزخرف: ٥٩].
٢ - وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم: ٣٤].
وفي صحيح البخاري عن ابن عباس: سَمعَ عمرَ ﵁ يقولُ على المِنبر: سمعت النبي ﷺ يقول: [لا تُطْرُوني كَما أطرت النصارى ابنَ مريم، فإنما أنا عبدُهُ فقولوا: عَبْدُ الله ورسولُه] (١).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
أي: وإن هذا القرآن هدى لقلوب المؤمنين ورحمة لمن صدق به وعمل بأمره.
قال القرطبي: (خصَّ المؤمنين لأنهم المنتفعون به).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾.
أي: إن ربك - يا محمد - يقضي بين المختلفين من بني إسرائيل بحكمه فيهم، فيجازي المحسن بإحسانه، والمبطل بجزائه. قال القاسمي: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ﴾ أي بين مَنْ آمن بالقرآن ومن كفر به، بعدله وحكمته ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ أي فلا يردّ قضاؤه، الغالب في انتقامه من المبطلين ﴿الْعَلِيمُ﴾ أي بالفصل بينهم وبين المحقين).
وقوله تعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾.
أي: ففوض أمرك - يا محمد - إلى الله العظيم، فإنك أنت على سبيل الحق المبين.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾.
أي: إنك يا محمد لا تسمع الكفار فهم كالموتى لا حسّ لهم ولا عقل، بسبب إعراضهم عن التدبر، كذلك هم بمنزلة الصم عن فهم المواعظ وسماع ما ينفعهم. قال
стр. 3321
القرطبي: (فإذا دعوا إلى الخير أعرضوا وولّوا كأنهم لا يسمعون، نظيره: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨]).
قلت: والآية نص في عدم سماع الأموات، وما حصل من كلام النبي ﷺ لقتلى المشركين يوم بدر خاص به ﷺ . واستنكار عمر يدل على هذا الأصل.
ففي صحيح البخاري من حديث أنس بن مالك عن أبي طلحة: [أن نبيَّ الله ﷺ أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلًا مِنْ صَناديد قُريشٍ فَقُذِفوا في طَوِيٍّ مِنْ أطواءِ بَدْرٍ خبيثٍ مُخْبِثٍ، وكان إذا ظَهَرَ على قومٍ أقامَ بالعرْصَةِ ثلاثَ ليالٍ، فلما كان بِبَدْرٍ اليومَ الثالثَ أمَرَ براحلته فَشُدَّ عليها رَحْلُها إلا لِبَعْضِ حاجَتِهِ، حتى قامَ على شَفةِ الرَّكِيِّ فجعل يُناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: يا فلانُ بنَ فلانٍ، ويا فلانُ بنَ فلانٍ، أيَسُرُّكُمْ أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنا قد وَجَدْنا ما وعدنا ربنا حقًّا، فهل وجدتم ما وعَدَ ربكم حقًّا؟ قال: فقال عمر: يا رسول الله، ما تُكَلِّمُ منْ أجْسَادٍ لا أرواحَ لها، فقال رسول الله ﷺ : والذي نَفْسُ محمد بيده، ما أنتم بأسمعَ لِما أقولُ منهم. قال قتادة: أحْياهُم الله، حتى أسْمَعَهُم قَوْلَهُ تَوْبيخًا وتصغيرًا ونِقْمَةً وحَسْرةً ونَدَمًا] (١).
وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾.
أي: وما أنت - يا محمد - بهادي من عمي عن الحق وغرق في الكفر، فليس بوسعك خلق الإيمان في قلوبهم.
وقوله: ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
قال ابن كثير: (أي: إنما يستجيب لكَ من هو سميعٌ بصيرٌ، السمعُ والبصرُ النافعُ في القلْبِ والبَصيرة الخاضعُ لله، ولما جاء عنه على ألسنة الرسل ﵈.
قلت: فمن عمي عن الحق وصمّ عن سماع حججه وبيانه فقد اختار البقاء في ظلمة الخلق الأولى التي خلق الله عباده فيها.
فقد أخرج الإمام أحمد في مسنده، وابن حبان في صحيحه، عن عبد الله بن عمرو ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: [إنّ الله تعالى خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضلَّ] (٢).
стр. 3322
والظلمة: هي ظلمة الطباع والجهل والأهواء والخضوع للغرائز والشهوات.
والنور: هو نور الوحي ونور السنة، نور النبوة والرسالات. نور الفطرة والميثاق مع الله، الذي أخذه سبحانه على عباده بِنَعْمان وهو واد إلى جنب عرفات.
٨٢. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢)﴾.
في هذه الآية: ذكر الدابة التي تخرج في آخر الزمان تخاطب الناس عند فسادهم وتبديلهم الدين الحق، وانتشار المنكر بينهم، فتنة لهم، وعلامة من علامات اقتراب الساعة
ومن أقوال المفسرين في ذلك:
١ - عن مجاهد: (﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ قال: حقّ عليهم. أو قال: حقَّ العَذاب).
٢ - وعن قتادة: (القول: الغضب). وقال عطية العوفي، عن ابن عمر: (هو حين لا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر). وروي عن علي ﵁ قال: (تكلمهم كلامًا، أي: تخاطبهم مخاطبة).
٣ - وعن ابن عباس: (﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ تحدثهم). قال: (كلامها تنبئهم ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾)، واختاره ابن جرير.
وفي صحيح السنة العطرة من ذكر الدابة أحاديث:
الحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن حذيفة بن أَسيد الغفاري قال: [أشرف علينا رسول الله ﷺ من غرفة ونحن نتذاكر أمرَ الساعة فقال: لا تقوم الساعة حتى تَرَوا عشر آيات: طلوعُ الشمس من مغربها، والدخان، والدابة، وخروج يأجوجَ، وخروج عيسى بن مريم، والدجال، وثلاثةُ خُسُوفٍ: خَسْفٌ بالمغرب، وخَسْفٌ بالمشرق، وخَسْفٌ بجزيرة العرب، ونار تخرج من قَعْر عدن تسوق - أو تحشر - الناس، تبيتُ معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا] (١).
стр. 3323
الحديث الثاني: روى مسلم في الصحيح عن عبد الله بن عَمْرو قال: حفظت من رسول الله ﷺ حديثًا لم أَنْسَهُ بعد: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [إنَّ أَوَّلَ الآيات خروجًا طلوع الشمس من مَغْرِبها، وخروج الدابة على الناس ضحا، وأيتهما ما كانت قبل صاحبتها، فالأخرى على إثرها قريبًا] (١).
الحديث الثالث: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن أنس بن مالك، عن رسول الله ﷺ قال: [بادروا بالأعمال سِتًّا: طلوعَ الشمس مِنْ مَغْربِها، والدُّخانَ، ودابَّةَ الأرض، والدَّجالَ، وخوَيْصَّةَ أحَدِكُمْ، وأمْرَ العامة] (٢).
والمقصود: المبادرة بصالح الأعمال لمواجهة هذه الفتن. "وخويصة أحدكم": يريد حادثة الموت التي تخص كل إنسان. وهي تصغير خاصة. وصغرت لاحتقارها في جانب ما بعدها من البعث والعرض والحساب وغير ذلك.
"وأمر العامة": أي بادروا بالاشتغال بالأعمال الصالحات، قبل أن يتوجه إليكم أمر العامة والرياسة، فيشغلكم عن العلم وصالح الأعمال.
٨٣ - ٨٦. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣) حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ (٨٥) أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٨٦)﴾.
في هذه الآيات: ذِكْرُ مشهد حشر الأمم يوم القيامة زمرة زمرة من المكذبين، حتى إذا اجتمعت أفواج الناس حسب راياتهم وما كانوا يعبدون، قال الله لهم: أكذبتم بآياتي أمّاذا كنتم تعملون، فوجب السخط والغضب من الله عليهم بما كانوا يكذبون، ألم يروا كيف أنعم الله عليهم بالليل ليسكنوا فيه والنهار لينتشروا فيه ولكن أكثرهم لا يؤمنون.
فعن مجاهد: (﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ قال: زمرة زمرة). وعن ابن عباس:
стр. 3324
(﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ قال: يقول: فهم يدفعون). وقال ابن زيد: (يُساقون). وقال قتادة: (وَزَعَةٌ تردُّ أولهم على آخرهم).
والمقصود: إخبار عن يوم القيامة وحَشْر الظالمين المكذبين بآيات الله للسؤال والتوبيخ والتقريع والتصغير والتحقير ثم صِليّ النار جزاء بما كانوا يكسبون.
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧].
٢ - وقال تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٢ - ٢٤].
وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [يجمع الله الناس يوم القيامة، فيقول: مَنْ كان يَعْبُدُ شيئًا فَلْيَتَّبِعْهُ، فيتَّبعُ مَنْ يَعْبُدُ الشَّمْسَ الشمسَ، ويتَّبعُ مَنْ يَعْبُدُ القمرَ القمرَ، ويتَّبعُ من يَعْبُدُ الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها .. ] الحديث (١).
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
أي: حتى إذا اجتمعت أفواج الناس وجماعاتهم حسب راياتهم وما كانوا يعبدون من دون الله قال الله لهم: ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي﴾ التي أنزلتها على رسلي، وأقمتها دلالة على توحيدي وإفرادي بالعبادة والتعظيم. ﴿وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا﴾. قال القرطبي: (أي ببطلانهما حتى تعرضوا عنها، بل كذبتم جاهلين غير مستدلين. ﴿أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ تقريع وتوبيخ، أي ماذا كنتم تعملون حين لم تبحثوا عنها ولم تتفكروا بما فيها).
وقوله تعالى: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾.
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ووجب السخط والغضب من الله على المكذبين بآياته ﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾ يعني بتكذيبهم بآيات الله، يوم يحشرون ﴿فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾ يقول: فهم لا ينطقون بحجة يدفعون بها عن أنفسهم عظيم ما حلّ بهم ووقع عليهم من القول).
стр. 3325
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
تنبيه على قدرته التامة، وهيمنته العامة، وعظيم سلطانه وجبروته.
قال ابن كثير: (﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾ أي: فيه ظلام تسكُنُ بسببه حركاتُهم وتهدأُ أنفاسهم، ويستريحون من نَصَبِ التَّعب في نهارهم. ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾، أي: منيرًا مشرقًا، فبسبب ذلك يتصرَّفون في المعايش والمكاسب، والأسفار والتِّجارات، وغير ذلك من شؤونهم التي يحتاجون إليها، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾).
٨٧ - ٩٠. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (٨٧) وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (٨٨) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩) وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠)﴾.
في هذه الآيات: تصويرُ الله الأحداث التي تسبق القيام بين يديه للحساب، من نفخة الفزع وحركة الجبال وهي تمر مرّ السحاب، ثم توضع الحسنات والسيئات على الميزان ليكون بعد ذلك الثواب والعقاب.
والنفخ في الصور على ثلاثة أنواع:
الأولى: نفخة الفزع. كما قال جل ثناؤه: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل: ٨٧]، . أي: واذكر يا محمد أو ذكرهم يوم ينفخ في الصور فيفزعون من الخوف والحزن.
الثانية: نفخة الصعق. كما قال جل ذكره في سورة الزمر: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨].
стр. 3326
يروي البخاري عن ابن عباس: [قال في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ الصور. و ﴿الرَّاجِفَةُ﴾: النفخة الأولى. و ﴿الرَّادِفَةُ﴾: الثانية] (١).
والثالثة: نفخة القيام لرب العالمين. كما قال سبحانه في تتمة آية الزمر: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨].
فبنفخة الصعق يموت الأحياء من أهل السماوات والأرض إلا من استثنى الله، ثم يقبض سبحانه أرواح الباقين حتى يكون آخر من يموت ملك الموت، وينفرد الحي القيوم الذي كان أولًا وهو الباقي آخرًا بالديمومة والبقاء، ويقول: "لمن الملك اليوم، لمن الملك اليوم، لمن الملك اليوم" ثم يجيب نفسه بنفسه سبحانه فيقول: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ أنا الذي كنت وحدي، وقد قهرت كل شيء، وحكصت بالفناء على كل شيء. ثم يحيي أول من يحيى إسرافيل ويأمره أن ينفخ في الصور نفخة أخرى وهي النفخة الثالثة نفخة البعث والقيام لرب العالمين ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾.
والصور قرن ينفخ فيه إسرافيل. قال مجاهد: (كهيئة البوق). وقيل هو البوق بلغة أهل اليمن. وقد جاءت السنة الصحيحة بتفصيل تلك الأحداث في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: [إنِّي مِنْ أَوَّلِ مَنْ يَرْفَعُ رأسَهُ بَعْدَ النفخة الآخِرة، فإذا أنا بموسى مُتَعَلِّقٌ بالعَرْشِ، فلا أدري أكذلك كان، أمْ بعد النفخة] (٢).
وفي رواية لمسلم: [فإذا موسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أحوسب بصعقته يوم الطور أو بعث قبلي]. وفي لفظ: [فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة يوم الطور].
قال أهل العلم: (والصعق لتجلي الله لعباده إذا جاء لفصل القضاء، فموسى إن كان لم يصعق معهم يكون قد جوزي بصعقة يوم تجلى ربه للجبل فجعله دكًّا).
الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 3327
[ما بين النفختين أربعون. قالوا: يا أبا هريرة أربعون يومًا؟ قال: أبيت (١). قالوا: أربعون شهرًا؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيت. ثم يُنْزِلُ اللهُ من السماء ماء فينبتون كما ينبتُ البقلُ. قال: وليس من الإنسان شيء لا يبلى إلا عَظمًا واحدًا وهو عَجْبُ الذنب (٢) ومنه يركب الخلق يوم القيامة] (٣).
الحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم في صحيحه، والإمام أحمد في مسنده، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : [يخرج الدجال في أمتي فيمكث فيهم أربعين لا أدري أربعين يومًا أو أربعين شهرًا أو أربعين عامًا أو أربعين ليلة، فيبعث الله تعالى عيسى بن مريم عليهما الصلاة والسلام كأنه عروة بن مسعود الثقفي فيظهر فيهلكه الله تعالى. (وفي رواية: فيطلبه فيهلكه). ثم يلبث الناس بعده سنين سبعًا ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله تعالى ريحًا باردة من قبل الشام فلا يبقى أحد في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلت عليه. ويبقى شرار الناس في خفة الطير (٤) وأحلام السباع (٥)، لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا. قال: فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان فيعبدونها، وهم في ذلك دارَّة أرزاقهم حسن عيشهم، ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتًا ورفع ليتًا - أي: أمال صفحة عنقه - وأول من يسمعه رجل يلوط حوضه - أي: يصلحه ويطينه - فيصعق، ثم لا يبقى أحد إلا صعق، ثم يرسل الله تعالى مطرًا كأنه الطل فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون. ثم يقال: أيها الناس، هلموا إلى ربكم ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ ثم يقال: أخرجوا بعث النار، فيقال كم؟ فيقال: من كل ألف تسع مئة وتسعة وتسعين، فيومئذ تبعث الولدان شيبًا، ويومئذ يكشف عن ساق] (٦).
وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾. قال أبو هريرة: "هم الشهداء" - رواه ابن جرير.
стр. 3328
فإنهم أحياء عند ربهم يرزقون. قال النسفي: (﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾: إلا من ثبت الله قلبه من الملائكة، قالوا: هم جبريل وميكائيل وإسرافيل، وملك الموت ﵈. وقيل: الشهداء. وقيل: الحور، وخزنة النار، وحملة العرش، وعن جابر ﵁: منهم موسى ﵇ لأنه صعق مرة).
قلت: وكل ما سبق محتمل في التأويل، والله تعالى أعلم بمن يستثني.
وقوله: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾. قال ابن عباس: (يقول: صاغرين).
قال ابن زيد: (الداخر: الصاغر الراغم. قال: لأن المرء الذي يفزع إذا فزع إنما همته الهرب من الأمر الذي فزع منه، قال: فلما نُفخ في الصور فزعوا، فلم يكن لهم من الله منجى).
وقد قرأته بعض قراء الأمصار بالمدّ ﴿وكل آتوه﴾، وقرئ ﴿أَتَوْهُ﴾ والمعنى واحد، أي جاؤوه طائعين صاغرين لم يتخلف منهم أحد.
وقوله: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾.
قال ابن عباس: (﴿تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾ يقول: قائمة، وهي تسير سيرًا حثيثًا).
وقال القتبي: (وذلك أن الجبال تُجمع وتُسيَّر، فهي في رؤية العين كالقائمة وهي تسير).
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾ [الطور: ٩ - ١٠].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ [طه: ١٠٥ - ١٠٧].
٣ - وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧].
٤ - وقال تعالى: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ [النبأ: ٢٠].
وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود قال: [جاء حَبْرٌ من اليهود إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد! إنَّ الله يُمْسِكُ السماوات يوم القيامة على أصبع، والأرضين على أصبع، والجبال والشجر على أصبع، والماء والثرى على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، ثم يهزّهن، فيقول: أنا الملك، أنا الله، فضحك رسول الله ﷺ تعجبًا مما قال الحَبْرُ تصديقًا له، ثم قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ
стр. 3329
الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧]] (١).
وقوله: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾. قال ابن عباس: (يقول: أحسن كل شيء خلقه وأوثقه). وقال أيضًا: (أحكم كل شيء).
وقوله: ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾. قال قتادة: (إن الله ذو علم وخبرة بما يفعل عباده من خير وشرّ وطاعة له ومعصية، وهو مجازي جميعهم على جميع ذلك على الخير الخيرَ، وعلى الشرِّ الشرّ نظيره).
وقوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾.
قال ابن عباس: (من جاء بلا إله إلا الله). وقال مجاهد: (كلمة الإخلاص).
والخلاصة: من جاء بالعمل الصالح على منهاج التوحيد فله بالحسنة خير منها إلى عشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة. كما قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠].
وفي صحيح مسلم عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ فيما يروي عن ربه قال: [إن الله كتبَ الحسنات والسيئات، ثم بَيَّنَ ذلك، فَمَنْ هَمَّ بحسنة فلم يَعْمَلْها كتبَها الله عنده حسنةً كامِلةً، فإنْ هَمَّ بها فَعَمِلها كَتبها الله عنده عَشْرَ حَسَناتٍ إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، الحديث (٢).
وقوله: ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾.
قال القاسمي: (أي لا يعتريهم ذلك الفزع الهائل. وقرئ ﴿فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ﴾ بالإضافة وكسر الميم وفتحها. وفزع منونًا وفتح الميم، على أنه ظرفَ لـ ﴿آمِنُونَ﴾ أو المحذوف هو صفة للفزع. والتنوين في ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ عوض عن جملة محذوفة، أي يوم إذ جاؤوا بالحسنة).
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٣].
стр. 3330
٢ - وقال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧].
٣ - وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [فصلت: ٤٠].
أخرج أبو نعيم في "الحلية"، وعبد الله بن المبارك في "الزهد" بسند حسن في الشواهد، عن شداد بن أوس، أن رسول الله ﷺ قال: [قال الله : وعزتي لا أجمع لعبدي أمنين ولا خوفين، إن هو أمنني في الدنيا أخفته يوم أجمع فيه عبادي، وإن هو خافني في الدنيا أمنته يوم أجمع فيه عبادي] (١).
وقوله: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾. قال ابن عباس: (الشرك).
وعن قتادة: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ قال: الإخلاص، ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ قال: الشرك).
قال ابن كثير: (أي: مَنْ لقي الله مُسيئًا لا حَسَنَةَ له، أو: قد رَجَحت سيئاتُه على حسناته، كُلٌّ بِحَسَبِه. ولهذا قال تعالى: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾).
وفي الصحيحين عن عائشة أن النبي ﷺ قال: [ليس أحد يحاسَبُ يومَ القيامة إلا هلك. قلت: أوليس يقول الله: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ فقال: إنما ذلك العرض، ولكن من نوقش في الحساب يهلك] (٢).
٩١ - ٩٣. قوله تعالى ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٩٢) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٣)﴾.
في هذه الآيات: إعلامُ النبي ﷺ قومه أنه أُمِرَ بإفراد الله ربّ هذه البلدة التي حرّمها بالعبادة والتعظيم، وتلاوة القرآن وإقامة الحجة على الناس أجمعين، وحَمْد الله الذي