← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

يروي البخاري عن ابن عباس: [قال في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ الصور. و ﴿الرَّاجِفَةُ﴾: النفخة الأولى. و ﴿الرَّادِفَةُ﴾: الثانية] (١). والثالثة: نفخة القيام لرب العالمين. كما قال سبحانه في تتمة آية الزمر: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨]. فبنفخة الصعق يموت الأحياء من أهل السماوات والأرض إلا من استثنى الله، ثم يقبض سبحانه أرواح الباقين حتى يكون آخر من يموت ملك الموت، وينفرد الحي القيوم الذي كان أولًا وهو الباقي آخرًا بالديمومة والبقاء، ويقول: "لمن الملك اليوم، لمن الملك اليوم، لمن الملك اليوم" ثم يجيب نفسه بنفسه سبحانه فيقول: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ أنا الذي كنت وحدي، وقد قهرت كل شيء، وحكصت بالفناء على كل شيء. ثم يحيي أول من يحيى إسرافيل ويأمره أن ينفخ في الصور نفخة أخرى وهي النفخة الثالثة نفخة البعث والقيام لرب العالمين ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾. والصور قرن ينفخ فيه إسرافيل. قال مجاهد: (كهيئة البوق). وقيل هو البوق بلغة أهل اليمن. وقد جاءت السنة الصحيحة بتفصيل تلك الأحداث في أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: [إنِّي مِنْ أَوَّلِ مَنْ يَرْفَعُ رأسَهُ بَعْدَ النفخة الآخِرة، فإذا أنا بموسى مُتَعَلِّقٌ بالعَرْشِ، فلا أدري أكذلك كان، أمْ بعد النفخة] (٢). وفي رواية لمسلم: [فإذا موسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أحوسب بصعقته يوم الطور أو بعث قبلي]. وفي لفظ: [فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة يوم الطور]. قال أهل العلم: (والصعق لتجلي الله لعباده إذا جاء لفصل القضاء، فموسى إن كان لم يصعق معهم يكون قد جوزي بصعقة يوم تجلى ربه للجبل فجعله دكًّا). الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 3327

[ما بين النفختين أربعون. قالوا: يا أبا هريرة أربعون يومًا؟ قال: أبيت (١). قالوا: أربعون شهرًا؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيت. ثم يُنْزِلُ اللهُ من السماء ماء فينبتون كما ينبتُ البقلُ. قال: وليس من الإنسان شيء لا يبلى إلا عَظمًا واحدًا وهو عَجْبُ الذنب (٢) ومنه يركب الخلق يوم القيامة] (٣). الحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم في صحيحه، والإمام أحمد في مسنده، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : [يخرج الدجال في أمتي فيمكث فيهم أربعين لا أدري أربعين يومًا أو أربعين شهرًا أو أربعين عامًا أو أربعين ليلة، فيبعث الله تعالى عيسى بن مريم عليهما الصلاة والسلام كأنه عروة بن مسعود الثقفي فيظهر فيهلكه الله تعالى. (وفي رواية: فيطلبه فيهلكه). ثم يلبث الناس بعده سنين سبعًا ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله تعالى ريحًا باردة من قبل الشام فلا يبقى أحد في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلت عليه. ويبقى شرار الناس في خفة الطير (٤) وأحلام السباع (٥)، لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا. قال: فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان فيعبدونها، وهم في ذلك دارَّة أرزاقهم حسن عيشهم، ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتًا ورفع ليتًا - أي: أمال صفحة عنقه - وأول من يسمعه رجل يلوط حوضه - أي: يصلحه ويطينه - فيصعق، ثم لا يبقى أحد إلا صعق، ثم يرسل الله تعالى مطرًا كأنه الطل فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون. ثم يقال: أيها الناس، هلموا إلى ربكم ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ ثم يقال: أخرجوا بعث النار، فيقال كم؟ فيقال: من كل ألف تسع مئة وتسعة وتسعين، فيومئذ تبعث الولدان شيبًا، ويومئذ يكشف عن ساق] (٦). وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾. قال أبو هريرة: "هم الشهداء" - رواه ابن جرير.

стр. 3328

فإنهم أحياء عند ربهم يرزقون. قال النسفي: (﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾: إلا من ثبت الله قلبه من الملائكة، قالوا: هم جبريل وميكائيل وإسرافيل، وملك الموت ﵈. وقيل: الشهداء. وقيل: الحور، وخزنة النار، وحملة العرش، وعن جابر ﵁: منهم موسى ﵇ لأنه صعق مرة). قلت: وكل ما سبق محتمل في التأويل، والله تعالى أعلم بمن يستثني. وقوله: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾. قال ابن عباس: (يقول: صاغرين). قال ابن زيد: (الداخر: الصاغر الراغم. قال: لأن المرء الذي يفزع إذا فزع إنما همته الهرب من الأمر الذي فزع منه، قال: فلما نُفخ في الصور فزعوا، فلم يكن لهم من الله منجى). وقد قرأته بعض قراء الأمصار بالمدّ ﴿وكل آتوه﴾، وقرئ ﴿أَتَوْهُ﴾ والمعنى واحد، أي جاؤوه طائعين صاغرين لم يتخلف منهم أحد. وقوله: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾. قال ابن عباس: (﴿تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾ يقول: قائمة، وهي تسير سيرًا حثيثًا). وقال القتبي: (وذلك أن الجبال تُجمع وتُسيَّر، فهي في رؤية العين كالقائمة وهي تسير). وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾ [الطور: ٩ - ١٠]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ [طه: ١٠٥ - ١٠٧]. ٣ - وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧]. ٤ - وقال تعالى: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ [النبأ: ٢٠]. وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود قال: [جاء حَبْرٌ من اليهود إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد! إنَّ الله يُمْسِكُ السماوات يوم القيامة على أصبع، والأرضين على أصبع، والجبال والشجر على أصبع، والماء والثرى على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، ثم يهزّهن، فيقول: أنا الملك، أنا الله، فضحك رسول الله ﷺ تعجبًا مما قال الحَبْرُ تصديقًا له، ثم قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ

стр. 3329

الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧]] (١). وقوله: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾. قال ابن عباس: (يقول: أحسن كل شيء خلقه وأوثقه). وقال أيضًا: (أحكم كل شيء). وقوله: ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾. قال قتادة: (إن الله ذو علم وخبرة بما يفعل عباده من خير وشرّ وطاعة له ومعصية، وهو مجازي جميعهم على جميع ذلك على الخير الخيرَ، وعلى الشرِّ الشرّ نظيره). وقوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾. قال ابن عباس: (من جاء بلا إله إلا الله). وقال مجاهد: (كلمة الإخلاص). والخلاصة: من جاء بالعمل الصالح على منهاج التوحيد فله بالحسنة خير منها إلى عشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة. كما قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]. وفي صحيح مسلم عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ فيما يروي عن ربه قال: [إن الله كتبَ الحسنات والسيئات، ثم بَيَّنَ ذلك، فَمَنْ هَمَّ بحسنة فلم يَعْمَلْها كتبَها الله عنده حسنةً كامِلةً، فإنْ هَمَّ بها فَعَمِلها كَتبها الله عنده عَشْرَ حَسَناتٍ إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، الحديث (٢). وقوله: ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾. قال القاسمي: (أي لا يعتريهم ذلك الفزع الهائل. وقرئ ﴿فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ﴾ بالإضافة وكسر الميم وفتحها. وفزع منونًا وفتح الميم، على أنه ظرفَ لـ ﴿آمِنُونَ﴾ أو المحذوف هو صفة للفزع. والتنوين في ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ عوض عن جملة محذوفة، أي يوم إذ جاؤوا بالحسنة). وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٣].

стр. 3330

٢ - وقال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧]. ٣ - وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [فصلت: ٤٠]. أخرج أبو نعيم في "الحلية"، وعبد الله بن المبارك في "الزهد" بسند حسن في الشواهد، عن شداد بن أوس، أن رسول الله ﷺ قال: [قال الله : وعزتي لا أجمع لعبدي أمنين ولا خوفين، إن هو أمنني في الدنيا أخفته يوم أجمع فيه عبادي، وإن هو خافني في الدنيا أمنته يوم أجمع فيه عبادي] (١). وقوله: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾. قال ابن عباس: (الشرك). وعن قتادة: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ قال: الإخلاص، ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ قال: الشرك). قال ابن كثير: (أي: مَنْ لقي الله مُسيئًا لا حَسَنَةَ له، أو: قد رَجَحت سيئاتُه على حسناته، كُلٌّ بِحَسَبِه. ولهذا قال تعالى: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾). وفي الصحيحين عن عائشة أن النبي ﷺ قال: [ليس أحد يحاسَبُ يومَ القيامة إلا هلك. قلت: أوليس يقول الله: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ فقال: إنما ذلك العرض، ولكن من نوقش في الحساب يهلك] (٢). ٩١ - ٩٣. قوله تعالى ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٩٢) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٣)﴾. في هذه الآيات: إعلامُ النبي ﷺ قومه أنه أُمِرَ بإفراد الله ربّ هذه البلدة التي حرّمها بالعبادة والتعظيم، وتلاوة القرآن وإقامة الحجة على الناس أجمعين، وحَمْد الله الذي

стр. 3331

بيده عجائب الآيات يريها خلقه ليؤمنوا به وما هو بغافل عما يعملون. فقوله: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾. قال قتادة: (يعني مكة). وإضافة الربوبية إلى البلدة على سبيل التشريف لها كقوله تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ٣ - ٤]. قال ابن جرير: (﴿الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ على خلقه أن يسفكوا فيها دمًا حرامًا، أو يظلموا فيها أحدًا، أو يصاد صيدها، أو يختلى خلاها دون الأوثان التي تعبدونها أيها المشركون). وفي الصحيحين عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال في خطبته عام الفتح: [لا هجرة، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا، فإن هذا بلا حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، وهو حرام بِحُرْمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يَحِلَّ القتالُ فيه لأحدٍ قبلي، ولا يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يُعْضَدُ شوكُهُ ولا يُنَفَّرُ صَيْدُه، ولا يُلْتَقَطُ لُقَطَتُهُ، إلا من عرَّفها، ولا يُخْتَلى خَلاها، إلا الإذخِرَ] (١). وقوله: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾. قال ابن كثير: (من باب عطف العام على الخاص، أي: هو ربُّ هذه البلدة، وربُّ كلِّ شيء ومليكُهُ لا إله إلا هو). وقوله: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. قال القرطبي: (أي من المنقادين لأمره، الموحِّدين له). وقوله: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾. أي: وأمرت أن أقرأ القرآن وأرتله وأتدبره، وأن أتلوه على الناس لأبلغهم. وقوله: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾. قال النسفي: (﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾ باتباعه إياي فيما أنا بصدده من توحيد الله ونفي الشركاء عنه والدخول في الملة الحنيفية واتباع ما أنزل عليّ من الوحي ﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ فمنفعة اهتدائه راجعة إليه لا إليّ ﴿وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ أي: ومن ضل ولم يتبعني فلا عليّ وما أنا إلا رسول منذر وما على الرسول إلا البلاغ المبين).

стр. 3332

وقوله: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا﴾. قال مجاهد: (في أنفسكم، وفي السماء والأرض والرزق). والمعنى: قل - يا محمد - لمكذبي البعث والمعاد والوحي من قومك: الحمد لله على نعمته الكبرى - نعمة الهداية للحق الذي أنتم عنها عمون -، وسيريكم ربكم آيات انتقامه وسخطه فتعرفونها، كما يريكم آيات وحدانيته ودلائل قدرته فتنكرونها. وقوله: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾. أي: وما ربك - يا محمد - بغافل عن شيء من أعمال عباده، بل هو شهيد على كل ما يصدر منهم، ﷻ ، ولا إله إلا هو. وفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر مرفوعًا إلى النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه : [قال الله تعالى: يا عبادي: إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه] (١). تمّ تفسير سورة النمل بعون الله وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه * * *

стр. 3333

دروس ونتائج وأحكام ١ - إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج. ٢ - إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه. أي: يبسط العطاء أو يُقَتِّره بعدله وحكمته. ٣ - إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها. ٤ - ما أنعم الله على عبد نعمة فقال الحمد لله، إلا كان الذي أعطاه أفضلَ مما أخذ. ٥ - ﴿أَوْزِعْنِي﴾: ألهمني وحرضني. والعرب تقول: أوزعه بالشيء أغراه به. واسْتوزَعْتُ الله شكره فأوزعني أي استلهمته فألهمني. ٦ - القادة في الإسلام يحرصون على إقامة العدل والانضباط، والتأكد من جاهزية الجنود والعمال، وحسن أدائهم لوظائفهم. ٧ - الخبء: كل ما هو مخبوء، من نبات ومعادن وأرزاق ومخلوقات لا يعلم ذلك إلا الله. ٨ - الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر أحد قدره. ٩ - نهى النبي ﷺ عن قتل أربع من الدّواب: النَّمْلةِ والنَّحْلةِ والهُدْهُدِ والصُّرَد. ١٠ - الملوك الفجار إذا دخلوا قرية أفسدوها، وجعلوا أعزة أهلها أذلة. ١١ - فَضْلُ العلم خيرٌ من فضل العبادة، وخير دينكم الورع. ١٢ - الإسرائيليات والأحاديث الموضوعة المكذوبة أساءت لشرف النبوة. ١٣ - الطيرة شرك، وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل.

стр. 3334

١٤ - إذا أراد الله بعبده الخير عجّل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه ذنبه حتى يُوافى به يوم القيامة. ١٥ - أحبُّ الكلام إلى الله تعالى: سبحان الله وبحمده. ١٦ - ليس أَحَدٌ أصبرَ على أذى سمعه من الله، إنهم ليدعون له ولدًا، وإنه ليعافيهم ويرزقهم. ١٧ - إن الله تعالى خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضلّ. ١٨ - إن أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مَغْربها، وخروج الدابة على الناس ضحا. ١٩ - النفخ في الصور على ثلاثة أنواع: أ - نفخة الفزع. ب - نفخة الصعق. ج - نفخة القيام لرب العالمين. ٢٠ - الناقور: الصور. والراجفة: النفخة الأولى. والرادفة: الثانية. ٢١ - الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف أو أكثر، والسيئة بمثلها. ٢٢ - ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك. فمن نوقش في الحساب يهلك. ٢٣ - البلد الحرام لا يعضَدُ شوكه ولا يُنَفَّرُ صيده ولا يلتقَطُ لقطته. ٢٤ - أُمِرَ رسول الله ﷺ بتلاوة القرآن وتدبره وتبليغه، وهو أمر لأمته بعده. ٢٥ - من وجد يوم الحساب خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومَنَّ إلا نفسه. * * *

стр. 3335

٢٨ - سُورَةُ القصَصِ وهي سورة في غالبها مكية، وعدد آياتها (٨٨) روى أحمد في المسند بسند رجاله ثقات عن معد يكرب قال: [أتينا عبد الله فسألناه أن يقرأ علينا ﴿طسم﴾ المئتين، فقال: ما هي معي، ولكن عليكُم مَنْ أخذَها من رسول الله ﷺ : خَبَّابُ بن الأرت. قال: فأتينا خَبَّابَ بن الأرتِّ، فقرأها علينا، ﵁] (١). موضوع السورة تقرير الله تعالى بالقصص الحق سنته في نصر المؤمنين وإهلاك الكافرين - منهاج السورة - ١ - انتصار الله للقرآن، وخبر موسى ﵇، مع الطاغية فرعون أمكر اللئام. ٢ - تقريرُ الله تعالى جعل الغلبة والقوة للمستضعفين المؤمنين، ليكونوا هم الوارثين، وليري الطغاة منهم ما كانوا يحذرون.

стр. 3336

٣ - قصة إرضاع موسى، والتقاط آل فرعون التابوت، ليربى موسى في بيت الطاغية بإذن الله الذي يمكر بالمجرمين من حيث لا يشعرون. ٤ - تثبيت الله تعالى أم موسى، وتحريمه المراضع حتى أرجعهُ سبحانه إلى أمه. ٥ - رعايةُ الله موسى، وإعطاؤه العلم والحكمة، ودخول موسى المدينة ووقوفه جانب الرجل من شيعته، وشعور موسى بالخوف من تبعة قتله القبطي، واستصراخ الرجل به ثانية، والنصيحة لهُ بالخروج وتوجهه إلى مدين. ٦ - قصة موسى والمرأتين وسقايتهُ لهما، ودعوة والد الفتاتين له وتزويجه إحداهما. ٧ - انقضاء المدة في خدمةِ موسى والد زوجته، ومسيره إلى مصر وتكليم الله له، وإظهار الآيات له لتعينه في مهمته إلى فرعون، وشُدَّ عضده بأخيه. ٨ - جحود فرعون وقومه الآيات، وإهلاك الله فرعون والطغاة، ولعنهم في الدنيا والآخرة. ٩ - إنزال التوراة، وإهلاك فرعون، أخبار تصدق نبوة محمد ﷺ . ١٠ - مطالبة المشركين بالآيات والمعجزات، وكفرهم بالوحي واتباعهم الأهواء. ١١ - مضاعفة الأجر لمؤمني أهل الكتاب، آمنوا بنبيهم ثم آمنوا بمحمد، - عليه وعلى الأنبياء والرسل الصلاة والسلام -. ١٢ - أمر الهداية لله، والحرم الآمنُ نعمة الله على قريش، وإهلاك القرى الظالم أهلها سنة الله في العالمين. ١٣ - بهجة الدنيا وزينتها إلى فناء، والدار الآخرة هي الحيوان لو كانوا يعلمون، والمجرمون يساقون يوم القيامةِ ليكونوا من المحضرين، ويقال لهم ماذا أجبتم المرسلين، فعميت عليهم الأنباء ولم ينجُ إلا من كان من المؤمنين التائبين. ١٤ - كمال علم الله تعالى ونفاذ مشيئته، فهو الحَكمُ وله الحُكْمُ وإليهِ ترجعون. ١٥ - امتنان الله تعالى على عباده نعمة تقليب الليل والنهار ولعلهم يشكرون. ١٦ - إثبات خزي المشركين يوم يناديهم ربهم ﵎ ليخرجوا شركاءه الذين كانوا يزعمون. وخروج الرسول من كل أمة ليشهد عليها وضل عن المشركين ما كانوا يفترون.

стр. 3337

١٧ - قصة قارون وغروره، واستخدامه الأموال للفساد، وخسف الله به الأرض، وجعله عبرة لمن يعتبر. ١٨ - تكريمُ الله المؤمنين في الجنة لقيامهم على منهاج النبوة، ومحاربتهم الفساد والطغاة في الأرض، وتضاعف الحسنات لهم. ١٩ - إثبات المعاد إلى الله ليجزي نبيَّهُ ﷺ أجر المجاهدين الصابرين، والله تعالى هو أعلمُ بالمهتدين. ٢٠ - هذا القرآنُ نعمة الله الكبرى على النبي والمؤمنين، وفيه الهدى وبه الثبات على الحق إلى يوم الدين. * * *

стр. 3338

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ٦. قوله تعالى: ﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (٦)﴾. في هذه الآيات: انتصارٌ من الله تعالى لهذا الكتاب المبين، فيه خبر موسى ﵇ مع فرعون الطاغية الذي كان من المفسدين، وفيه تأكيدُ إرادته سبحانه تمكين المستضعفين في الأرض من المؤمنين، لِيُرِيَ الطغاة منهم ما كانوا يحذرون. فقوله تعالى: ﴿طسم﴾. شأن الحروف المقطعة أوائل جميع السور تفيد الإعجاز وتحدي الثقلين أن يأتوا بمثل هذا القرآن أو سورة منه، مع أنه مركب من مثل هذه الأحرف التي يتخاطب العرب بها. وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾. انتصار لهذا القرآن العظيم، الواضح في آياته، الكاشف عن العلوم العالية التي فيها سرّ السعادة في الدنيا والنجاة في الآخرة. قال قتادة: (﴿مبين﴾ يعني مبين والله بركته ورشده وهداه). وقوله تعالى: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. أي: نقرأ عليكَ - يا محمد - ونقص في هذا القرآن من خبر موسى ﵇ مع الطاغية فرعون، ليفيد بذلكَ أهل الإيمان باللهِ وسننه وأيامه. قال قتادة: (يقول: في هذا القرآن نبؤهم).

стр. 3339

وقوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾. قال السدي: (يقول: تجبر في الأرض). وقال قتادة: (بغى في الأرض). وقوله: ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾. قال مجاهد: (فِرقًا). وقال: (فَرَّقَ بينهم). قال ابن زيد: (الشيع: الفِرَق). والمقصود: قَسّمهم طوائف وأصنافًا ليستعملهم في أمور دولته وخدمة مصالحه. وقوله: ﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾. قال قتادة: (يستعبد طائفة منهم، ويذبح طائفة، ويقتل طائفة، ويستحي طائفة). قال ابن كثير: (﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾، يعني بني إسرائيل. وكانوا في ذلكَ الوقت خيارَ أهل زَمانِهم. هذا وقد سُلِّطَ عليهم هذا الملكُ الجبَّار العَنيد يَسْتَعْمِلهم في أخَسِّ الأعمال، ويَكُدُّهم ليلًا ونهارًا في أشغاله وأشغال رَعيَّتِهِ، ويقتلُ مع هذا أبناءهم ويَسْتَحيى نِساءَهم، إهانةً لهم واحتقارًا، وخَوْفًا مِنْ أَنْ يُوجَدَ منهم الغلامُ الذي كان قد تخوَّفَ هو وأهلُ مَمْلَكَتِهِ مِنْ أَنْ يُوجَد منهم غلامٌ يكونُ سَبَبُ هَلاكِهِ وذهابُ دولتِهِ على يديهِ. وكانت القِبطُ قد تَلَقَّوا هذا من بني إسرائيل فيما كانوا يَدْرُسُونه من قولِ إبراهيم الخليل، حينَ ورَدَ الديار المصريَّة، وجَرَى لهُ مَع جَبَّارها ما جَرى، حين أخَذَ سارَة ليَتَّخِذَها جاريةً، فصَانَها الله منه، ومَنَعها منه بقدرته وسُلْطانِهِ. فبشَّر إبراهيم ﵇ ولَده أنه سَيُولَدُ مِنْ صُلْبِهِ وَذُرِّيَتِهِ مَنْ يكون هلاك مَلِكِ مِصرَ على يديهِ، فكانتِ القبطُ تتحدَّثُ بهذا عند فِرْعَونَ، فاحترز فِرعونُ مِنْ ذلكَ، وأَمر بِقَتْل ذُكورِ بني إسرائيل. ولن ينفعَ حَذَرٌ من قَدَر، لأنَّ أجل الله إذا جاء لا يُؤخَّرُ، ولكل أَجَلٍ كتابٌ). وقوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾. أي: ونريد أن نتفضل على المؤمنين الذين استضعفوا من بني إسرائيل ونحدث الشوكة لهم. قال قتادة: (بنو إسرائيل ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾ أي: ولاة الأمر ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾: أي: يرثون الأرض بعد فرعون وقومه). وقوله: ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾. قال ابن جرير: (يقول: ونوطئ لهم في أرض الشام ومصر).

стр. 3340

وقوله: ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾. قال النسفي: (أي يرون منهم ما حذروه من ذهاب ملكهم وهلاكهم على يد مولود منهم). وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧]. ٢ - وقال تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٥ - ٢٨]. ٣ - وقال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٧ - ٥٩]. قلت: وهذه الآيات الكريمة تحمل بشائر النصر والظفر لطائفة الحق والإيمان على مدار الزمان، وتحملُ الويل والدمار وبشائر الهلاك للطغاة والعتاة الذين يستهزئون بالحق ويكيدونَ لدين الله وأوليائه. ٧ - ٩. قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (٨) وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩)﴾. في هذه الآيات: وَحْيُ الله تعالى إلى أم موسى إرضاعهُ ثم إلقاءه في البحر ليرجع إليها بإذن الله وليكون من المرسلين. والتقاط آل فرعون التابوت ليربى موسى في بيت فرعون بإذن الله وهم لا يشعرون. فعن قتادة: (﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ وحيًا جاءها من الله، فقذف في قلبها، وليس

стр. 3341

بوحي نبوة أن أرضعي موسى ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾ الآية). وعن السدي قال: (أمر فرعون أن يذبح مَنْ وُلدَ مِنْ بني إسرائيل سنة، ويتركوا سنة، فلما كان في السنة التي يذبحون فيها حملت بموسى، فلما أرادت وضعه، حزنت من شأنهِ، فأوحى اللهُ إليها، أن أرضعيهِ فإذا خفتِ عليه فألقيهِ في اليم). وفي التفاسير أن فرعون لما أكثر من قتلِ ذكور بني إسرائيل خافت القِبْطُ أن يُفني بني إسرائيل فيتحملون هم الأعمال الشاقة، فألمحوا لفرعون ذلكَ، فأمر بقتل الولدان عامًا وتركهم عامًا، فوُلدَ هارون ﵇ في السنة التي يتركون فيها، ووُلدَ موسى ﵇ في السنة التي يقتلون فيها الولدان. وكانت دار أمه على حافة النيل، فاتخذت تابوتًا ومَهَدَتْ فيهِ مهدًا، وجعلت ترضِعُ ولدها، فإذا دخل عليها من تخافه جعلته في ذلكَ التابوت وسَيَّرته في البحر، وربطته بحبل عندها. فنسيت يومًا ربطهُ فذهب مع الماء حتى مرَّ بدارِ فرعون فاحتملته الجواري إلى امرأةِ فرعون، وألقى اللهُ عليهِ محبةً فأقنعت زوجها أنه قرة عين، وكان لم يولد لها ولدٌ منه. وعن السدي: (﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ قال: هو البحر، وهو النيل). وقوله: ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾. قال ابن زيد: (لا تخافي عليه البحر، ولا تحزني لفراقهِ ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾). قال ابن جرير: (يقول: لا تخافي على ولدك من فرعون وجنده أن يقتلوه، ولا تحزني لفراقه). وقوله: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾. أي: لتكوني أنت ترضعيه. وقوله: ﴿وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. قال ابن إسحاق: (وباعثوه رسولًا إلى هذا الطاغية، وجاعلو هلاكه ونجاة بني إسرائيل مما هم فيه من البلاء على يديه). وقوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾. أي: ليقضي الله بالتقاطهم ما كتب عليهم من الخزي. قال القرطبي: (لما كان التقاطهم إياهُ يؤدي إلى كونه لهم عدوًا وحزنًا، ﴿لِيَكُونَ﴾ لام العاقبة ولام الصيرورة) (١). قال ابن كثير: (ولكن إذا نظر إلى معنى السياق فإنه تبقى اللام للتعليل، لأن معناهُ

стр. 3342

أن الله - تعالى - قيَّضَهم لالتقاطهِ ليجعلهُ لهم عدوًا وحزنًا فيكون أبلغ في إبطال حذرهم منه). وقوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾. أي: كانوا بربهم آثمين. قال النسفي: (أي كانوا مذنبين فعاقبهم الله بأن ربى عدوهم ومن هو سبب هلاكهم على أيديهم). وقوله: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾. قال قتادة: (ألقيتْ عليه رحمتها حين أبصرته). والمقصود: أن آسية بنت مزاحم - امرأة فرعون - شرعت تحبب الطفل إلى زوجها فرعون لئلا يفكر بقتلهِ وذبحه، فقالت له: هو قرةُ عينٍ لي ولك، وربما انتفعنا باتخاذهِ ولدًا حيث ليس لنا ولد. وقوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. قال قتادة ة (وهم لا يشعرون أن هلكتهم على يديهِ، وفي زمانه). وقال ابن إسحاق: (يقول الله: وهم لا يشعرون أي بما هو كائن بما أراد الله به). ١٠ - ١٣. قوله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠) وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١١) وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (١٢) فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣)﴾. في هذه الآيات: تثبيتُ الله تعالى أم موسى وإنزال الصبر والطمأنينة على قلبها لتكون من المؤمنين. وتحريمُ الله المراضع عليهِ حتى عملوا بنصيحةِ أُختهِ برده إلى أمِّه وهم لا يشعرون.

стр. 3343

فقوله: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾. قال ابن عباس: (فارغًا من كل شيءٍ إلا من همّ موسى). قال: (لا تذكرُ إلا موسى). وقال مجاهد: ﴿فَارِغًا﴾ من كل شيءٍ غير ذكر موسى). وقوله: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ قال قتادة: (أي لتبدي به أنه ابنها من شدةِ وجدها). والمقصود: أي: إن كادت من شدة حزنها وأسفها لتظهر أنه ذهبَ لها ولد، وتعلنَ بحالها، لولا تثبيت الله لها وتصبيرها. وهو قوله: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال القاسمي: (أي: لولا أن ألهمناها الصبر. ومعنى ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ من المصدقين بوعد الله). وقوله: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾. قال مجاهد: (اتبعي أثره كيف يصنع به). أي: أمرت أم موسى ابنتها - وكانت كبيرة تعي ما يجري حولها - أن تتبع أثر ابنها في نواحي البلد. وفي لغة العرب: قصصت آثار القوم: إذا اتبعتُ آثارهم. وقوله: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾. قال ابن عباس: (عن جانب). وقال مجاهد: (عن بُعد). وقال قتادة: (يقول: بصرت به وهي محاذيته لم تأته). وقال: (جعلت تنظر إليه وكأنها لا تُريد). قال ابن كثير: (وذلك أنه لما استقرّ موسى ﵇ بدار فِرعون، وأَحَبَّتْهُ امرأةُ الملك، واستطلقته منه، عَرَضوا عليهِ المراضعَ التي في دارهم، فلم يقبل منها ثَدْيًا، وأبى أن يقبلَ شيئًا من ذلكَ. فخرجوا به إلى السوق لَعلَّهم يجدون امرأة تصلح لرضاعته، فلما رأته بأيديهم عرفته. ولم تُظْهِر ذلكَ ولم يشعروا بها). وقوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. قال قتادة: (أنها أخته، قال: جعلت تنظرُ إليهِ كأنها لا تُريده). وقال ابن إسحاق: (أي: لا يعرفون أنها منه بسبيل). وقال مجاهد: (﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ قال: آل فرعون). وقوله: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾. أي: تحرًا قدريًا ليمتن الله على أمه بتسكين نفسها وتطمين قلبها حين لا يقبل إلا ثديها. قال مجاهد: (لا يقبل ثدي امرأةٍ حتى يرجعَ إلى أمه). قال السدي: (أرادوا له المرضعات، فلم يأخذ من أحد من النساء، وجعل النساء

стр. 3344

يطلبن ذلكَ لينزلن عند فرعون في الرضاع، فأبى أن يأخذ). وقوله: ﴿فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾. قال النسفي: (﴿فَقَالَتْ﴾ أخته وقد دخلت يبن المراضع ورأته لا يقبل ثديًا ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ﴾ أرشدكم ﴿عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ﴾ أي موسى ﴿لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾). قال ابن جريج: (﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾: هم للملك ناصحون). وقال ابن إسحاق: (﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ أي لمنزلته عندكم، وحرصكم على مسرّة الملك، قالوا: هاتي). وقوله: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾. قال قتادة: (ووعدها أنه رادّه إليها وجاعله من المرسلين، ففعل الله ذلك بها). وقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. أي: ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن وعد الله حق، ولا يعلمون أن قضاءه في شؤون عباده ليس إلا في خير، وأن أهل الإيمان منهم يرعاهم سبحانه برحمته وعنايته. وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]. ٢ - وقال تعالى: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩]. ٣ - وقال تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٦ - ٧]. ومن صحيح السُّنة العطرة في ذلكَ أحاديث: الحديث الأول: روى أحمد في المسند، ومسلم في الصحيح - نحوه - عن صهيب قال: [بينا رسول الله ﷺ قاعد مع أصحابه إذ ضحك، فقال: ألا تسألوني مم أضحك؟ قالوا: يا رسول الله! ومم تضحك؟ قال: عجبتُ لأمر المؤمن، إنَّ أمره كله خير، إن

стр. 3345

أصابه ما يحب حمد الله وكان له خير، وإن أصابه ما يكره فصبر كان له خير، وليس كل أحد أمره كله خير إلا المؤمن] (١). الحديث الثاني: روى عبد الله بن أحمد في مسند أبيهِ، وكذلكَ أبو يعلى بسند صحيح عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : [عجبًا للمؤمن لا يقضي اللهُ له شيئًا إلا كان خيرًا له] (٢). الحديث الثالث: أخرج البيهقي والطيالسي بسند صحيح من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعًا: [عجبت للمسلم إذا أصابتهُ مصيبةٌ احتسب وصبر، وإذا أصابه خيرٌ حمدَ الله وشكر، إن المسلم يُؤجَرُ في كل شيء حتى في اللّقمةِ يرفعها إلى فيه] (٣). ١٤ - ١٧. قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٤) وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦) قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (١٧)﴾. في هذه الآيات: رعايةُ الله تعالى موسى ﵇، وإعطاؤهُ العلم والحكمة جزاء الإحسان، ودخول موسى المدينةَ ووقوفه بجانب الرجل من شيعتهِ ليَكز خصمهُ فيقتله، ثم يندمُ ويستغفرُ ويعترف بذنبه، ونعمة الله عليهِ، ويعاهد الله تعالى ألا يكون ظهيرًا للمجرمين.

стр. 3346

فقوله: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾. قال ابن جرير: (﴿وَلَمَّا بَلَغَ﴾ موسى. ﴿أَشُدَّهُ﴾، يعني حان شدّة بدنه وقواه، وانتهى ذلكَ منه). قال مجاهد: (﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾: الفقه والعقل والعمل قبل النبوة). وقال ابن إسحاق: (آتاه الله حكمًا وعلمًا: فقهًا في دينهِ ودين آبائه، وعلمًا بما في دينهِ وشرائعهِ وحدوده). وقيل: النبوة. قلت: والراجح أنه أوتي عند استوائه واشتداد قوتهِ ما يمهد لاستقبال النبوة والرسالة. وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾. قال الزجاج: (جعل الله تعالى إيتاء العلم والحكمة مجازاة على الإحسان لأنهما يؤديان إلى الجنة التي هي جزاء المحسنين). وقوله: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾. أي: من غير أن يشعروا بدخوله. قال النسفي: (﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ﴾ أي مصر ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ حال من الفاعل، أي مختفيًا، وهو ما بين العشاءين أو وقت القائلة يعني انتصاف النهار. وقيل: لمّا شبّ وعقل أخذ يتكلم بالحق وينكر عليهم فأخافوه، فلا يدخل المدينة إلا على تغفل). وقوله: ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾. قال قتادة: (أما الذي من شيعتهِ فمن بني إسرائيل، وأما الذي من عدوّه فقبطي من آل فرعون). وقال ابن إسحاق: (﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ﴾ مسلم، وهذا من أهل دين فرعون كافر). وقوله: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾. قال ابن إسحاق: (وكان موسى قد أوتي بسطة في الخلق وشدّة في البطش، فغضب بعدوّهما فنازعه ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى﴾ وكزة قتله منها وهو لا يريد قتله). قال مجاهد: (﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى﴾: بجمعِ كفهِ). قال ابن كثير: (فاستغاث الإسرائيلي بموسى ﵇، ووجد موسى فُرصةً، وَهِيَ غفلة الناس، فَعَمَدَ إلى القبطي ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ قال: أي: كان فيها حتفُه فمات).

стр. 3347

وقوله: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: قال موسى حين قتل القتيل: هذا القتل من تسبب الشيطان لي بأن هَيَّجَ غضبي حتى ضربتُ هذا فهلكَ من ضربتي، ﴿إِنَّهُ عَدُوٌّ﴾ يقول: إن الشيطان عدوّ لابن آدم ﴿مُضِلٌّ﴾ له عن سبيل الرشاد بتزيينه له القبيح من الأعمال، وتحسينهِ ذلكَ له ﴿مُبِينٌ﴾ يعني أنه يبين عداوته لهم قديمًا، وإضلاله إياهم). وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. قال ابن جريج: (قوله ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ قال: بقتلي، من أجل أنه لا ينبغي لنبيّ أن يقتل حتى يؤمر، ولم يؤمر). قال قتادة: (عرف المخرج، فقال: ﴿ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾). قلت: وهذا هو المخرجُ دومًا من ألم اجتراح الذنوب أن يهرع العبد إلى ربهِ تعالى متذللًا له بالتوبة والاستغفار راجيًا رحمتهُ ومغفرته وتجاوز الزلل والصفح والستر، وقد وعد اللهُ تعالى عباده إذا أخبتوا إليهِ بالمغفرة والرحمة. وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧]. ٢ - وقال تعالى - في تفصيل تلك الكلمات -: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]. ٣ - وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١]. ومن صحيح السنة المطهرة في آفاق هذه الآية أحاديث: الحديث الأول: أخرج مسلم في صحيحه عن أبي أيوب مرفوعًا: [لو أنكم لم تكن لكم ذنوب يغفرها الله لكم، لجاء اللهُ بقومٍ لهم ذنوب يغفرها لهم] (١). وله شاهد عند البزار من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا بلفظ: [لو لم تُذنبوا لذهب اللهُ بكم، ولجاء بقومٍ يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم]. الحديث الثاني: أخرج الطبراني بإسنادٍ حسن عن أبي سعيد الأنصاري رضي اللهُ

стр. 3348

عَنْهُ، عن النبي ﷺ قال: [الندم توبة والتائب من الذنب كمن لا ذنب له] (١). الحديث الثالث: أخرج الترمذي بسند صحيح عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [قال الله ﵎: يا ابن آدم إنَّكَ ما دعوتني ورَجَوتني غَفَرْتُ لك، على ما كان فيك ولا أبالي. يا ابنَ آدمَ لو بَلغَتْ ذنوبُكَ عَنَانَ السماءِ ثم استغفرتني غَفَرْتُ لكَ ولا أُبالي. يا ابن آدم إنَّكَ لو أتَيْتَنِي بقُرابِ الأرض خطايا ثمَ لقيتني لا تُشْرِكُ بي شيئًا لأتيتُكَ بقُرابِها مَغْفِرَةً] (٢). وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾. أي: قال موسى مقبلًا على ربه متواضعًا بين يديهِ بعد اجتراحِ الذنب: رب بما آتيتني من العلم والحكمة والجاه والعزة والقوة فلن أكون معينًا لأعدائكَ أو مقويًا لهم، بل وليًا للمؤمنين من غير تفريط ولا ظلم. قال قتادة: (يقول: فلن أعين بعدها ظالمًا على فُجْره). ١٨ - ١٩. قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (١٨) فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (١٩)﴾. في هذه الآيات: شعورُ موسى ﵇ بالخوف من تبعة قتله القبطي، واستصراخ صاحبه مرة أخرى به على قبطي آخر، وظنُّ الإسرائيلي أن موسى يهجم عليهِ ليقتله هو بدل القبطي. فقوله: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾. قال ابن عباس: (خائفًا من قتله النفس، يترقب أن يؤخذ). وقوله: ﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾. قال السدي: (يقول: يستغيثه).

стр. 3349

قال قتادة: (الاستنصار والاستصراخ واحد). وقال عكرمة: (الذي استنصره: هو الذي استصرخه). والمقصود: بينما موسى ﵊ يمشي خائفًا من مغبة قتل القبطي بالأمس، يتلفت ويتوقع ما يمكن أن يكون، إذ مرّ ببعض الطرق بذلكَ الإسرائيلي يقاتل قبطيًا آخر فاستصرخهُ فقال له موسى: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾. أي شديد الغواية، كثير الوقوع في المآزق والشرور. قال ابن إسحاق: (فأصبح موسى غاديًا الغد، وإذا صاحبه بالأمس معانق رجلًا آخر من عدوه، فقال له موسى: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ أمس رجلًا، واليوم آخر؟ ). وقوله: ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾. قال ابن كثير: (ثم عزم على البطش بذلكَ القبطي، فاعتقد الإسرائيلي لِخَوَرِهِ وضَعْفِهِ وذِلَّتِهِ أن موسى إنما يُريدُ قَصْدَهُ لمَّا سَمِعَهُ يقولُ ذلك، فقال يدفع عن نفسه: ﴿يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾. وذلكَ لأنه لم يعلم به إلا هُوَ وموسى ﵇، فلما سَمِعَها ذلكَ القبطي لَقِفَها من فَمِهِ، ثم ذهبَ بها إلى باب فِرعونَ فألقاها عندهم، فعَلِمَ بذلكَ، فاشتدَّ حَنَقُه، وعَزَمَ على قتلِ موسى، فطلبوَه وبَعثُوا وراءَهُ لِيُحْضِروه لذلك). وقوله: ﴿إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ﴾. قال قتادة: (إن الجبابرة هكذا، تقتل النفس بغير النفس). وقال ابن جريج: (تلك سيرةُ الجبابرة أن تقتل النفس بغير النفس). وقوله: ﴿وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾. قال ابن إسحاق: (أي: ما هكذا يكون الإصلاح). وقال ابن جريج: (يقول: ما تريد أن تكون ممن يعملُ في الأرض بما فيهِ صلاحُ أهلها، من طاعة الله). ٢٠ - ٢٢. قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (٢٠) فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ

стр. 3350

رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١) وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (٢٢)﴾. في هذه الآيات: تحذيرُ رجل - من شيعة موسى - موسى ﵇ من مكر القومِ به، ناصحًا له بالخروج من المدينةِ، وخروج موسى على خوفٍ يرجو ربّه النجاة من القومِ الظالمين، وتوجّهُه إلى مدين بإذن الله السميع العليم. فقوله: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾. قال ابن عباس: (فأرسل فرعون الذَّباحين لقتل موسى، فأخذوا الطريق الأعظم، وهم لا يخافون أن يفوتهم، وكان رجل من شيعة موسى في أقصى المدينة، فاختصر طريقًا قريبًا، حتى سبقهم إلى موسى، فأخبره الخبر). قال ابن كثير: (وصفه بالرُّجُوليَّةِ لأنه خالفَ الطريق، فسلك طريقًا أقرب من طريقِ الذين بُعثوا وراءه، فسبق إلى موسى، فقال له: يا موسى، ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾، أي: يتشاورون فيكَ ﴿لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ﴾، أي: من البلد، ﴿إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾). وقوله: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ قال قتادة: (خائفًا من قتله النفس يترقب الطلب). وقال ابن زيد: (يترقب مخافة الطلب). وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. قال ابن إسحاق: (ذُكر لي أنه خرج على وجهه خائفًا يترقب ما يدري أي وجه يسلك، وهو يقول: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾). وقوله: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾. قال ابن عباس: (خرج ولم يكن له علم بالطريق إلا حسن الظن بربه). ومدين: قرية لم تكن في سلطان فرعون، بينها وبين مصر مسيرة ثمانية أيام. وقوله: ﴿قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. قال مجاهد: (الطريق إلى مدين). وقال قتادة: (قصد السبيل). وقال الحسن: (الطريق المستقيم). ٢٣ - ٢٨. قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ

стр. 3351

الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥) قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨)﴾. في هذه الآيات: قصة موسى ﵇ والمرأتين وسقايته لهما، ودعوةُ والد الفتاتين موسى إلى بيتهِ وتزويجه إحداهما. فقوله: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾. قال السدي: (يقول: كثرةُ من الناس يسقون). وقال ابن إسحاق: (وقع إلى أمة من الناس يسقون بمدين أهل نعم وشاء). والمقصود: لما وصل موسى ﵇ إلى مدين وورد بئرًا فيها كانت ترده رعاء الشاء، وجد جماعة من الناس قائمين على ذلكَ الماء يسقون مواشيهم ونعمهم. وقوله: ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾. الذود: الطرد والدفع. قال ابن عباس: (تحبسان). وقال السدي: (تحبسان غنمهما). والمقصود: تحبسان غنمهما لئلا تختلط مع غنم القوم. قال النسفي: (تطردان غنمهما عن الماء، لأن على الماء من هو أقوى منهما فلا تتمكَّنان من السقي، أو لئلا تختلط أغنامهما بأغنامهم). وقوله: ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا﴾. قال ابن عباس: (قال لهما: ﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾ معتزلتين لا تسقيان مع الناس). أي: لما رآهما موسى ﵊ رقَّ لهما وتوجه إليهما مستخبرًا عن شأنهما لماذا لا ترِدان مع هؤلاء؟

стр. 3352

وقوله: ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾. قال ابن إسحاق: (امرأتان لا نستطيع أن نزاحم الرجال). وقال ابن عباس: (أي: لا نستطيعُ أن نسقي حتى يسقي الناس، ثم نتبع فضلاتهم). قال ابن جريج: (تنتظران تسقيان من فضول ما في الحياض حياض الرعاء). وقوله: ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾. قال ابن إسحاق: (لا يقدر أن يمسّ ذلكَ من نفسه، ولا يسقي ماشيته فنحن ننتظر الناس حتى إذا فرغوا أسقينا ثم انصرفنا). وقوله: ﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾. قال مجاهد: (فتح لهما عن بئر حجرًا على فيها، فسقى لهما منها). قال شريح: (انتهى إلى حجر لا يرفعهُ إلا عشرة رجال، فرفعهُ وحده). قال السدي: (رحمهما موسى حين ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ فأتى إلى البئر فاقتلع صخرة على البئر كانَ النفر من أهل مَدْين يجتمعون عليها، حتى يرفعوها، فسقى لهما موسى دلوًا فأروتا غنمهما، فرجعتا سريعًا، وكانتا إنما تسقيان من فُضول الحياض). وعن ابن إسحاق، قال: (أخذ دلوهما موسى، ثم تقدّمَ إلى السقاء بفضل قوته، فزاحم القوم على الماء حتى أخَّرهم عنه، ثم سقى لهما). قال أبو بكر بنُ أبي شَيْبة: حدثنا عُبيد الله، أنبأنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عَمْرو بن مَيمون الأَوْدِيِّ، عن عمر بن الخطاب- ﵁: (أنَّ موسى ﵇ لما وَرَدَ ماءَ مَدْينَ، وجَدَ عليه أمةً من الناسِ يسقون، قال: فلما فرغوا أعادُوا الصخرة على البئر، ولا يُطيقُ رفعَها إلا عَشَرةُ رجالٍ، فإذا هو بامرأتين تذودان، قال: ما خطبُكُما؟ فحَدَّثتاه، فأتى الحجر فرفعه، ثم لم يَسْتَقِ إلا ذنوبًا واحدًا حتى رَوِيت الغنم) (١). وقوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾. قال ابن عباس: (انصرف موسى إلى شجرة، فاستظل بظلها، ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا

стр. 3353

أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِير﴾). قال ابن عطاء: (نظر من العبوديةِ إلى الربوبية وتكلم بلسان الافتقار، لما ورد على سره من الأنوار). قلت: وقد أكثر المفسرون هنا من روايات لا تقوم بها الحجة فصرفوا الآية إلى حاجة موسى إلى الطعام وليسَ له دراهم وقد اشتد عليه الجوع. والأَوْلى أن يكون قال ذلكَ تواضعًا لله وعظمته أن أعطاه ما أعطاه من القوة والعلم، وصرفَ عنه طلب أهل الظلم، ورعاه منذ طفولتهِ إلى أن أوصلهُ إلى مضارب هؤلاء القومِ، وهو الآن يطمعُ في خيرِ ربهِ من أسباب القوةِ والمال والنجاة والعناية بشكلها الأعم. وقوله: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾. في الكلام محذوف، والتقدير: فذهبتا مسرعتين إلى أبيهما على غير عادتهما، فأخبرتاه عن روعة هذا الرجل الذي سقى لهما، فأمر إحداهما أن تذهب وتدعوه له. فجاءته تمشي على استحياء. أي: مَشْي الحرائر. قال النسفي: (أي: مستحية، وهذا دليل كمال إيمانها وشرف عنصرها لأنها كانت تدعوهُ إلى ضيافتها، ولم تعلم أيجيبها أم لا، فأتته مستحية قد استترت بكم درعها). وجملة: ﴿عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ في محل نصب حال. أي جاءته مستحية. وروى ابن جرير بسنده عن ضرار بن عبد الله بن أبي الهُذيل عن عمر ﵁ قال: (مستترة بِكمِّ درعها، أو بكم قميصها). أو قال: (واضعة يدها على وجهها مستترة). ودِرْعُ المرأةِ: قميصها- والمِدْرعة: ثوبٌ لا يكون إلا من صوف. وروى ابن أبي حاتم بإسناد صحيح عن عمرو بن ميمون قال: قال عُمر ﵁: (جاءَتْ تمشي على استحياء، قائِلةً بِثَوبها، على وَجْهِها، ليست بِسَلْفَعٍ من النساء، خرَّاجَةً ولّاجَةً) (١). وقوله: ﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾. قال ابن كثير: (وهذا تأدُّبٌ في العبارة، لم تطلبهُ طلبًا مُطلقًا لئلا يُوهِمَ ريبةً، بل قالت: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾، يعني: لِيُثِيبَكَ ويُكافِئَكَ على سَقْيِكَ لغنمنا).

стр. 3354

وقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. أي: فلما أقبل إليهِ وقابله وأخبره أمره وسبب خروجه من بلده، طمأنهُ الرجل الصالح (١) بأن لا سلطان لفرعون في هذه القرية -مدين- وقد أصبحت بإذن الله ناجيًا من مكر القومِ الظالمين. وقوله تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾. أي: قالت إحداهما -قيل هي التي أرسلها أبوها لتأتي بموسى- يا أبتِ: استعملهُ ليرعى ماشيتكَ وشؤونك، فإنه القوي على ذلكَ الأمينُ فيما ولي واستودع لا تخشى منه خيانة. قال ابن عباس: (فأحفظته الغيرةُ أن قال: وما يدريكِ ما قوّته، وأمانتهُ؟ قالت: أما قوتهُ، فما رأيت منه حين سقى لنا، لم أرَ رجلًا قط أقوى في ذلكَ السقي منه -وفي رواية غيره قالت: إنه رفَعَ الصخرة التي لا يُطيقُ حَملَها إلا عَشَرَةُ رجال- وأما أمانتهُ، فإنه نظر حين أقبلت إليهِ وشخصت له، فلما علمَ أني امرأة صوّب رأسه فلم يرفعه، ولم ينظر إلي حتى بلغته رسالتكَ، ثم قال: امشي خلفي وانعتي لي الطريق، ولم يفعل ذلكَ إلا وهو أمين، فسريَ عن أبيها وصدَّقها وظنَّ به الذي قالت). وفي رواية: قال ابن عباس: (إن موسى لما سقى لهما، ورأت قوّتهُ، وحرّكَ حجرًا على الركِيّةِ، لم يستطعهُ ثلاثون رجلًا، فأزالهُ عن الركية، وانطلقَ مع الجاريةِ حينَ دعته، فقال لها: امشي خلفي وأنا أمامك، كراهية أن يرى شيئًا من خلفها مما حَرَّمَ اللهُ أن ينظر إليه). وفي الأثر عن عبد الله بن مسعود قال: (أفرسُ الناس ثلاثةٌ: أبو بكر حين تفَرَّسَ في عُمَرَ، وصاحب يوسف حين قال: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾، وصاحبة موسى حين قالت: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾). وقوله: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾. أي: قال الشيخ الصالح لموسى ﵇ إني أرغبُ بتزويجكَ إحدى ابنتي

стр. 3355

هاتين مقابل أن ترعى غنمي وتكونَ لي أجيرًا ثماني سنين، فإن رأيتَ زيادة سنتين تطوعًا منك فالأمرُ إليك. وقوله: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾. قال ابن كثير: (أي: لا أشاقك، ولا أؤذيكَ، ولا أُمَاريك). وقال ابن جرير: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ باشتراط الثماني الحجج عشرًا عليك). قلت: والراجح الأول، فهو أعم وأشمل، أي: وما أبتغي في معاملتكَ إيذاء ومشقة وضررًا يلحقُ بك. وقوله: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ قال ابن إسحاق: (أي في حسن الصحبة والوفاء بما قلت). قال النسفي: (ويجوز أن يرادَ الصلاح على العموم ويدخل تحته حسن المعاملة، والمراد باشتراطه مشيئة الله فيما وعد من الصلاح الاتكال على توفيقه فيه ومعونته لأنه إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل ذلك). قلت: وجعل المهر فائدة ترجع على الأب في التزويج خاص بهذه القصة وشرع لمن قبلنا، وإلا فالمهر حق المرأة مقابل استحلال فرجها. قال تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]. وفي الصحيحين عن أنس بن مالك ﵁: [أن عبد الرحمن بن عوف جاء إلى رسول الله ﷺ وبه أثر صفرة، فسالهُ رسول الله ﷺ فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار، قال: كم سقت إليها؟ قال: زِنَةَ نواة من ذهب. قال رسول الله ﷺ : أَوْلمْ ولو بشاة] (١). وفي الصحيحين والسنن الأربعة عن سهل بن سعد قال: [إني لفي القوِم عند رسول الله ﷺ إذ قامت امرأة فقالت: يا رسول الله إنها قد وهبت نفسها لك، فرَ فيها رأيك. فلم يجبها شيئًا. ثم قامت فقالت: يا رسول الله إنها قد وهبت نفسها لكَ، فرَ فيها رأيك. ثم قامت الثالثة فقالت: يا رسول الله إنها قد وهبت نفسها لك، فَرَ فيها رأيكَ. فقام رجل فقال: يا رسول الله، أنكحنيها، قال: هل عندكَ من شيء؟ قال: لا. قال: اذهب فاطلب ولو خاتمًا من حديد، فذهب وطلب، ثم جاء فقال: ما وجدتُ شيئًا ولا خاتمًا من حديد.

стр. 3356

قال: هل معكَ من القرآن شيءٌ؟ قال: معي سورة كذا وسورة كذا. قال: اذهب فقد أنكحتكها بما معكَ من القرآن] (١). فالصداق حق المرأةِ على الرجل، وهو ملك لها، لا يحلُ لأحدٍ أبًا كان أو غيره أن يأخذ منهُ شيئًا إلا إذا طابت المرأة نفسًا بهذا الأخذ. وقوله: ﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾. أي: قال موسى لوالد زوجته: الأمرُ على ما قلت، فقد رضيتُ بالزواج بابنتكَ مقابل أنك استأجرتني على ثمان سنين، فإن تَبَرَّعْتُ بسنتين فأكملتها عشرًا، فذاك إليّ، ولا حرج على في اختيار أقلهما وأكون قد برئت من العهد. وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾. قال مجاهد: (شهيد على قول موسى وختنه). قال ابن جرير: (يقول: واللهُ على ما أوجب كل واحد منا لصاحبه على نفسه بهذا القول، شهيد وحفيظ). أخرج أبو يعلى وابن جرير والحاكم بسند يتقوى بكثرةِ طرقه عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : أسألتُ جبريل: أيَّ الأجلين قضى موسى ﵇؟ قال: أكملَهما وأتمهما] (٢). وله شاهد عند البزار من حديث أبي ذر: [أن النبي ﷺ سُئِلَ: أَيَّ الأجلين قضى موسى؟ قال: أوفاهما وأبرَّهما]. ٢٩ - ٣٢. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ

стр. 3357

الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠) وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٣٢)﴾. في هذه الآيات: انقضاءُ المدةِ في خدمة موسى والد زوجته، ومسيره في طريق العودة إلى مصر، وتكليم الله له عند النار التي استأنس بها في الليل أثناء الطريق، وإظهار الله تعالى له الآيات التي تعينهُ في مهمته إلى فرعون وملئه. فقوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾. قال ابن عباس: (أتمهما وأخيرَهما). وقال: (قضى موسى آخر الأجلين). وقد مضى حديث ابن عباس وأبي ذر في ذلك. وقوله: ﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾. قال ابن جرير: (شاخصًا بهم إلى منزله من مصر). وقوله: ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾. قال قتادة: (أي أحسست نارًا. أي: أبصر موسى في طريقه وأحسّ نارًا فقال لأهله: تمهّلوا وانتظروا، إني أبصرتُ نارًا. قال ابن كثير: (كان موسى قد اشتاق إلى بلاده وأهله، فعزمَ على زيارتهم في خِفْيَةٍ مِنْ فِرعونَ وقَومِه، فتَحمَّلَ بأهله وما كانَ معه من الغنم التي وهبَها له صِهرُه، فسلكَ بهم في ليلةٍ مطيرة مظلمة باردة، فنزل منزلًا، فجعل كلما أورى زَنْدَه لا يُضيء شيئًا، فتعجَّب من ذلكَ، فبينما هو كذلكَ إذ ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾، أي: رأى نارًا تُضيءُ له على بُعْدٍ، ﴿قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾، أي: حتى أذهبَ إليها، ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَر﴾. ودْلك لأنه كان قد أضلَّ الطريق، ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ﴾، أي: قِطعة منها، ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾، أي: تتدفؤون بها من البرد). وعن ابن عباس: ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ﴾ يقول: شهاب). قال قتادة: (والجذوة: أصل شجرة فيها نار). قال: ﴿أَوْ جَذْوَةٍ﴾: أو شُعلة من النار). وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: لعلكم تسخنون بها من البرد، وكان في شتاء).

стр. 3358

وقوله: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾. أي: فلما وصل إليها نودي موسى من جانب الوادي مما يلي الجبل عن يمينهِ من ناحية الغرب، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ [القصص: ٤٤]. قال ابن كثير: (فهذا مما يرشد إلى أن موسى قصد النار إلى جهة القبلة، والجبلُ الغربي عن يمينه، والنار وجدها تضطرمُ في شجرة خضراء في لِحْفِ الجبل مما يلي الوادي، فوقف باهتًا في أمرها، فناداه ربه: ﴿مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾). وقوله: ﴿أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. أي: إنما يتوجه إليكَ الخطاب يا موسى من الله تعالى رب العالمين، رب كل شيء ومليكهُ، لا إله إلا هو، الإله الحق، ليس كمثلهِ شيء وله صفات الكمال والجمال. وقوله: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾. أمرٌ من الله تعالى لموسى ﵇ بإلقاء عصاه التي في يدهِ، ليريه تعالى فيها آية تناسب مقام التكليم، ومفاجأة هذا الأمر العظيم. وقوله: ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾. الجانّ واحد الجِنَّان، وهو نوع عظيم من الحيات. والمقصود: فألقى موسى عصاه فصارت حية تَسعى، فلما رآها تضطرب وتتحرك كالجان من الحيات ولى موسى هاربًا منها ومن هول ما رأى. قال قتادة: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾ فارًا منها، ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ يقول: ولم يرجع على عقبه). أو قال: (لم يلتفت من الفرق). وقال السدي: (لم ينتظر). وقوله: ﴿يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾. أي: ناداه ربه مطمئنًا له ليرجع. قال النسفي: (أي أمنتَ من أن ينالك مكروه من الحية). وقوله: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾. أي: أدخل يدك في جيب قميصكَ تخرج بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس من غير برص ولا أذى. قال الحسن: (فخرجت كأنها المصباح، فأيقن موسى أنه لقي ربه). وقوله: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾. قال ابن عباس: (يدك). وقوله: ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾. قال مجاهد: (الفَرَق). وقال قتادة: (أي من الرعب). قلت: والمقصود: واضمم يدكَ إلى صدركَ -يا موسى- يذهب عنكَ ما وجدته من

стр. 3359

الفزع والخوف من الحية. ثم هي آية لك كلما شعرت بخوف أو فزع أثناء مسيركَ في مواجهة فرعون وطغيانهِ هو وجنودهِ، ولذلك قال جل ذكرهُ بعدها: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾. أي خارجين عن طاعة ربهم. وعن السدي: (﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾: العصا واليد آيتان). وقال مجاهد: (﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾: تبيانان من ربك). ٣٣ - ٣٥. قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤) قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (٣٥)﴾. في هذه الآيات: توجه موسى ﵊ إلى ربه حين أمره بالذهاب إلى فرعون في مصر -وكان قد خرج فرارًا من أذاهُ وبطشه- بما يجد من خوف من ذلكَ على حياته بعد قتله القبطي منهم. فلما علم أمر الله له بذلك وتوليه له سأله الاستعانة بأخيه هارون، حيث هو أفصح في التعبير منه، بسبب عقدة اللسان القديمةِ عند موسى، فآنسه الله تعالى وجعل هارون وزيرًا له ومقويًا لأمره وكتب لهما الحمايةَ من بطش فرعون والغلبة بآياته وإبلاغ رسالته. قال ابن جرير: (﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾: فأخاف إن أتيتهم فلم أبن عن نفسي بحجة أن يقتلوني لأن في لساني عقدة، ولا أبين معها ما أريد من الكلام). قال ابن كثير: (وذلكَ أن موسى ﵇ كان في لسانهِ لُثغَةٌ بسبب ما كان تناول تلك الجَمْرَة، حين خُيِّر بينها وبين التمرة أو الدُّرَّة، فأخذ الجمرة فوضعها على لسانهِ، فحصل فيهِ شدة في التعبير، ولهذا قال: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه: ٢٧ - ٣٢]). وقوله: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾. أي أحسن بيانًا وإعرابًا عما يريدُ بيانهُ وتبليغه. وقوله: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾. أي: عونًا يصدقني ويدعمُ حجتي ويبين لهم

стр. 3360

مفهوم خطابي. قال ابن إسحاق: (أي يبين لهم عني ما أكلمهم بهِ، فإنه يفهم ما لا يفهمون). وقال ابن زيد: (﴿يُصَدِّقُنِي﴾: لأن الاثنين أحرى أن يصدّقا من واحد). وعن قتادة: (﴿رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ أي عونًا). قال ابن عباس: (كي يصدقني). أو قال: (يقول كيما يصدقني). والردء في كلام العرب: هو العون. وقوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾. قال ابن جرير: (يقول: إني أخاف أن لا يصدقوني على قولي لهم إني أرسلتُ إليكم). وقوله: ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾. العضد من الإنسان: الساعد، وهو ما بينَ الكتف والمرفق، وعَضَدَهُ أي أَعانه، فكُني عن الإعانة بقوة الساعد. والمعاضَدَةُ المعاونة. والعضد في كلام العرب فيهِ لغات أربع: العَضُد، والعَضْدُ، والعُضُد، والعُضْد. ذكره الرازي. والمقصود: أجاب الله تعالى سؤال موسى ﵇ بأن سنقوي أمرك، ونُعِزُّ جانبك بأخيك، الذي سألت له أن يكون نبيًّا معك. وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى﴾ [طه: ٣٦]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٣]. وقوله: ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾. قال مجاهد: (حجة). قال النسفي: (غلبة وتسلطًا وهيبة في قلوب الأعداء). وقوله: ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا﴾. أي: فلا يصلون إليكما بالأذى، وإنما تمتنعان منهم بإبلاغكما آيات الله وحجته البالغة. وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: ٣٩].

стр. 3361

٢ - وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]. فتبليغُ آيات الله وهديه وهدي رسوله ﷺ فيه عناية الله ورعايته وتوفيقه. أخرج الترمذي بإسناد حسن عن عائشة قالت: [كان النبي ﷺ يُحرَسُ حتى نزلت هذه الآية: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾. فأخرج رسول الله ﷺ رأسه من القبةِ، فقال لهم: يا أيها الناس انصرفوا، فقد عصمني الله] (١). وقوله: ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾. قال الأخفش: (بآياتنا). واختاره ابن جرير، والتقدير: أنتما ومن اتبعكما الغالبون بآياتنا. فالباء في قوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ من صلة غالبون. قال المهدوي: (وفي هذا تقديم الصلة على الموصول). والمقصود الأعم: أنتما -يا موسى وهارون- ومن تابعكما على الحق ومنهج النبوة ستحفلون بالنصر والتأييد والغلبة على عدوكم. وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١]. ٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١]. قلت: وهذه البشارة بالنصر والتمكين لفئة الحق على منهاج النبوة قد بُثَّت إلى أمة نبينا المصطفى ﷺ في أحاديث: الحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن جابر بن سمرة مرفوعًا: [لا يزالُ هذا الدين عزيزًا منيعًا إلى اثني عَشَرَ خَليفة. كلهم من قريش] (٢). الحديث الثاني: روى مسلم عن جابر بن عبد الله يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: [لا تزال طائفةٌ من أمتي يُقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة. قال: فينزل عيسى

стр. 3362

ابن مريم ﷺ فيقول أميرهم: تعالَ صَلِّ لنا، فيقول: لا، إنَّ بعضكم على بعضٍ أُمراءُ، تكرمة اللهِ هذه الأمة] (١). الحديث الثالث: أخرج أبو يعلى والبزار في مسنديهما، وابن المبارك في "الزهد" عن العباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله ﷺ : [يظْهَرُ هذا الدين حتى يجاوزَ البحار، وحتى تُخاضَ بالخيلِ في سبيل الله] الحديث (٢). ٣٦ - ٤٢. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٣٦) وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٣٧) وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٣٨) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (٣٩) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢)﴾. في هذه الآيات: جحودُ فرعون وقومهِ الآيات التي جاء به موسى ﵊، واستكبار فرعون ومطالبتهُ الناس بصرف الطاعةِ والألوهيةِ له، وإهلاك الله له ولجندهِ وتسليطه عذاب القبر عليهم إلى يوم الدين، ولعنهم على ألسنةِ الخلق في الدنيا ثم هم يوم القيامةِ من المقبوحين.

стр. 3363

فقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾. قال القرطبي: (﴿بَيِّنَاتٍ﴾ أي ظاهرات واضحات. ﴿قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾ مكذوب مختلق). والمقصود: لما عرض موسى حجج الله تعالى البالغات، والمعجزات الباهرات بين يدي فرعون وملئه وحوصروا بدلالة الحق، لجؤوا إلى الاتهام بالسحر واستخدام المكر والحيلة. وقوله: ﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾. قال الشهاب: (وهذا إما تعمد للكذب وعناد بإنكار النبوات، وإن كان عهدُ يوسف قريبًا منهم. أو لأنهم لم يؤمنوا به أيضًا). والمقصود: محاولة من فرعون وملئه إنكار دعوة موسى إليهم إلى عبادة الله وحده، ونبذ الشرك والكفر الذي هم عليه، وذلك بادعاء غرابة ما يدعوهم إليه وأنه لم يكن في أسلافهم وآبائهم الذين مضوا قبلهم. وقوله: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾. أي: قال موسى لفرعون: إن ربي -يا فرعون أمحلم مَنِ المحِقُّ مِنَا مِنَ المُبْطل، الذي غَرَّ قومهُ وأضل أتباعهُ وأهلكَ جنوده أم الذي قرّب إليهم طريق الهداية والنجاة، وجاءهم بالآيات البينات؟ ! قال المهايمي: (معناه: كفى دليلًا على كونها آيات، أنها خوارق لم يسبق لها نظير. مع أن ما جئت به هدى. والساحر لا يدعو في العموم إلى هدى. فإن لم تعترفوا بكونهِ هُدى، فربي أمحلم بمن جاء بالهدى من عندهِ، ويعلم ذلكَ بالعاقبة، فإن الله يحسن عاقبة أهل الهدى لا محالة). قال النسفي: (والمراد بالدار الدنيا، وعاقبتها أن يختم للعبد بالرحمة والرضوان وتلقي الملائكة بالبشرى والغفران). وقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾. أي: إن الله عزيز حكيم، لا يرسل الكاذبين، ولا ينبئ السحرة المشعوذين، وقد كتب الخسارة على الظالمين. وقوله: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾. هو انهزام قبيح من فرعون أمام حجة الحق البالغة، ولجوء إلى بسط التسلط والجبروت، والاستفادة من تخويف الناس بالبطش والرعب لاستعادة الأبهة الكاذبة. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وقال فرعون لأشراف قومه وسادتهم ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ

стр. 3364

مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ فتعبدوه، وتصدقوا قول موسى فيما جاءكم به من أن لكم وله ربًا غيري ومعبودًا سواي). وقوله: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾. أي: أَمَرَ فرعونُ وزيرَهُ هامان أن يعملِ له صرحًا من الآجر ليرتفع عليه فينظر إلى إله موسى في الأعلى. قال القاسمي: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾ أي نارًا، فأتخذ منه آجرًّا). قال الزمخشري: (﴿صَرْحًا﴾ أي قصرًا رفيعًا إلى السماء). وقوله: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾. أي في قوله إن ثمَّ ربًّا غيري. وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧]. قال الإمام الجويني أبو محمد والد إمام الحرمين: (وهذا يدل على أن موسى أخبره بأن ربه تعالى فوق السماء، ولهذا قال: وإني لأظنهُ كاذبًا) (١). قلت: ومن ثمَّ فمن شكّ أن الله في السماء اليوم، فقد تشبهَ بطريقة فرعون. وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (٣٩) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾. أي: أصَرَّ فرعون وجنوده الذين معه على الطغيان والكفر بآياتِ الله وحجج الحق تعديًا وعتوًا على ربهم وحسبوا أنهم بعد مماتهم لا يبعثون ولا يحاسبون. فركبوا أهواءهم وتمردوا على بارئهم وضيّعوا فرصة عمرهم في الإخبات لله العظيم، والإنابة إليه ليصفح عن جرائمهم وهو التواب الرحيم، فأخذهم الله جميعًا فأهلكهم غرقى في البحر في صورة من الخزي والذل، فانظر -يا محمد- كيف كان مآل القوم الظالمين، وقُصّ خبرهم على قومكَ لعلهم يختاروا غير هذه النهاية القبيحة. أخرج الترمذي بسند صحيح عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: [أنّه ذكر أنّ جبريلَ

стр. 3365

جَعَلَ يَدُسُّ في فِي فِرعونَ الطِّين، خشية أن يقول: لا إله إلا الله فيرحمه الله، أو خشية أَنْ يَرْحَمَهُ] (١). وله شاهد عنده عنه أن النبي ﷺ قال: [لما أغرق اللهُ فرعونَ قال: آمنْتُ أنه لا إله إلا الذي آمنت بهِ بنو إسرائيل. فقال جبرئيل: يا محمدُ لو رأيتني وأنا آخذُ مِنْ حالِ البَحْرِ وَأَدُسُّهُ في فِيهِ مخافةَ أَنْ تُدْرِكَهُ الرحمة]. وقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾. قال ابن كثير: (أي: لمن سَلَكَ وراءَهم وأخذ بطريقتهم، في تكذيب الرسُل وتعطيل الصانع). والمقصود: تركهم الله تعالى في الأرض مثلًا لأهل العتو والبغي والكفر ليصيروا إلى ما صاروا إليه. وقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾. أي ولَّى زمن الاستعلاء بالنصرة في الدنيا من الجنود والقادة والوزراء والأتباع، ولم يبق إلا الخزي في الدار الآخرة. ليجتمع عليهم سوء النهاية في الدنيا موصولًا بسوء المصير يوم القيامة. وقوله: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾. أي: جعل الله لعنتهم ولعنة ملكهم الطاغية فرعون تمضي على ألسنةِ المؤمنين في هذه الحياة الدنيا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾. قال أبو عبيدة وابن كيسان: (أي: من المهلكين الممقوتين). قال قتادة: العنوا في الدنيا والآخرة. هو كقوله: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ [هود: ٩٩]). والمقصود: أنهم يكونون يوم الحساب في أسوأ حال، وأشقى مآل، والعياذ باللهِ الكبير المتعال. ٤٣ - ٤٧. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣) وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ
следующие страницы →