٢ - وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧].
فتبليغُ آيات الله وهديه وهدي رسوله ﷺ فيه عناية الله ورعايته وتوفيقه.
أخرج الترمذي بإسناد حسن عن عائشة قالت: [كان النبي ﷺ يُحرَسُ حتى نزلت هذه الآية: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾. فأخرج رسول الله ﷺ رأسه من القبةِ، فقال لهم: يا أيها الناس انصرفوا، فقد عصمني الله] (١).
وقوله: ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾.
قال الأخفش: (بآياتنا). واختاره ابن جرير، والتقدير: أنتما ومن اتبعكما الغالبون بآياتنا. فالباء في قوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ من صلة غالبون. قال المهدوي: (وفي هذا تقديم الصلة على الموصول).
والمقصود الأعم: أنتما -يا موسى وهارون- ومن تابعكما على الحق ومنهج النبوة ستحفلون بالنصر والتأييد والغلبة على عدوكم.
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١].
٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١].
قلت: وهذه البشارة بالنصر والتمكين لفئة الحق على منهاج النبوة قد بُثَّت إلى أمة نبينا المصطفى ﷺ في أحاديث:
الحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن جابر بن سمرة مرفوعًا: [لا يزالُ هذا الدين عزيزًا منيعًا إلى اثني عَشَرَ خَليفة. كلهم من قريش] (٢).
الحديث الثاني: روى مسلم عن جابر بن عبد الله يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: [لا تزال طائفةٌ من أمتي يُقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة. قال: فينزل عيسى
стр. 3362
ابن مريم ﷺ فيقول أميرهم: تعالَ صَلِّ لنا، فيقول: لا، إنَّ بعضكم على بعضٍ أُمراءُ، تكرمة اللهِ هذه الأمة] (١).
الحديث الثالث: أخرج أبو يعلى والبزار في مسنديهما، وابن المبارك في "الزهد" عن العباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله ﷺ : [يظْهَرُ هذا الدين حتى يجاوزَ البحار، وحتى تُخاضَ بالخيلِ في سبيل الله] الحديث (٢).
٣٦ - ٤٢. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٣٦) وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٣٧) وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٣٨) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (٣٩) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢)﴾.
في هذه الآيات: جحودُ فرعون وقومهِ الآيات التي جاء به موسى ﵊، واستكبار فرعون ومطالبتهُ الناس بصرف الطاعةِ والألوهيةِ له، وإهلاك الله له ولجندهِ وتسليطه عذاب القبر عليهم إلى يوم الدين، ولعنهم على ألسنةِ الخلق في الدنيا ثم هم يوم القيامةِ من المقبوحين.
стр. 3363
فقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾.
قال القرطبي: (﴿بَيِّنَاتٍ﴾ أي ظاهرات واضحات. ﴿قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾ مكذوب مختلق). والمقصود: لما عرض موسى حجج الله تعالى البالغات، والمعجزات الباهرات بين يدي فرعون وملئه وحوصروا بدلالة الحق، لجؤوا إلى الاتهام بالسحر واستخدام المكر والحيلة.
وقوله: ﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾. قال الشهاب: (وهذا إما تعمد للكذب وعناد بإنكار النبوات، وإن كان عهدُ يوسف قريبًا منهم. أو لأنهم لم يؤمنوا به أيضًا).
والمقصود: محاولة من فرعون وملئه إنكار دعوة موسى إليهم إلى عبادة الله وحده، ونبذ الشرك والكفر الذي هم عليه، وذلك بادعاء غرابة ما يدعوهم إليه وأنه لم يكن في أسلافهم وآبائهم الذين مضوا قبلهم.
وقوله: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾.
أي: قال موسى لفرعون: إن ربي -يا فرعون أمحلم مَنِ المحِقُّ مِنَا مِنَ المُبْطل، الذي غَرَّ قومهُ وأضل أتباعهُ وأهلكَ جنوده أم الذي قرّب إليهم طريق الهداية والنجاة، وجاءهم بالآيات البينات؟ ! قال المهايمي: (معناه: كفى دليلًا على كونها آيات، أنها خوارق لم يسبق لها نظير. مع أن ما جئت به هدى. والساحر لا يدعو في العموم إلى هدى. فإن لم تعترفوا بكونهِ هُدى، فربي أمحلم بمن جاء بالهدى من عندهِ، ويعلم ذلكَ بالعاقبة، فإن الله يحسن عاقبة أهل الهدى لا محالة).
قال النسفي: (والمراد بالدار الدنيا، وعاقبتها أن يختم للعبد بالرحمة والرضوان وتلقي الملائكة بالبشرى والغفران).
وقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾. أي: إن الله عزيز حكيم، لا يرسل الكاذبين، ولا ينبئ السحرة المشعوذين، وقد كتب الخسارة على الظالمين.
وقوله: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾.
هو انهزام قبيح من فرعون أمام حجة الحق البالغة، ولجوء إلى بسط التسلط والجبروت، والاستفادة من تخويف الناس بالبطش والرعب لاستعادة الأبهة الكاذبة. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وقال فرعون لأشراف قومه وسادتهم ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ
стр. 3364
مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ فتعبدوه، وتصدقوا قول موسى فيما جاءكم به من أن لكم وله ربًا غيري ومعبودًا سواي).
وقوله: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾.
أي: أَمَرَ فرعونُ وزيرَهُ هامان أن يعملِ له صرحًا من الآجر ليرتفع عليه فينظر إلى إله موسى في الأعلى. قال القاسمي: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾ أي نارًا، فأتخذ منه آجرًّا). قال الزمخشري: (﴿صَرْحًا﴾ أي قصرًا رفيعًا إلى السماء).
وقوله: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾. أي في قوله إن ثمَّ ربًّا غيري.
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧].
قال الإمام الجويني أبو محمد والد إمام الحرمين: (وهذا يدل على أن موسى أخبره بأن ربه تعالى فوق السماء، ولهذا قال: وإني لأظنهُ كاذبًا) (١).
قلت: ومن ثمَّ فمن شكّ أن الله في السماء اليوم، فقد تشبهَ بطريقة فرعون.
وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (٣٩) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾.
أي: أصَرَّ فرعون وجنوده الذين معه على الطغيان والكفر بآياتِ الله وحجج الحق تعديًا وعتوًا على ربهم وحسبوا أنهم بعد مماتهم لا يبعثون ولا يحاسبون. فركبوا أهواءهم وتمردوا على بارئهم وضيّعوا فرصة عمرهم في الإخبات لله العظيم، والإنابة إليه ليصفح عن جرائمهم وهو التواب الرحيم، فأخذهم الله جميعًا فأهلكهم غرقى في البحر في صورة من الخزي والذل، فانظر -يا محمد- كيف كان مآل القوم الظالمين، وقُصّ خبرهم على قومكَ لعلهم يختاروا غير هذه النهاية القبيحة.
أخرج الترمذي بسند صحيح عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: [أنّه ذكر أنّ جبريلَ
стр. 3365
جَعَلَ يَدُسُّ في فِي فِرعونَ الطِّين، خشية أن يقول: لا إله إلا الله فيرحمه الله، أو خشية أَنْ يَرْحَمَهُ] (١).
وله شاهد عنده عنه أن النبي ﷺ قال: [لما أغرق اللهُ فرعونَ قال: آمنْتُ أنه لا إله إلا الذي آمنت بهِ بنو إسرائيل. فقال جبرئيل: يا محمدُ لو رأيتني وأنا آخذُ مِنْ حالِ البَحْرِ وَأَدُسُّهُ في فِيهِ مخافةَ أَنْ تُدْرِكَهُ الرحمة].
وقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾. قال ابن كثير: (أي: لمن سَلَكَ وراءَهم وأخذ بطريقتهم، في تكذيب الرسُل وتعطيل الصانع).
والمقصود: تركهم الله تعالى في الأرض مثلًا لأهل العتو والبغي والكفر ليصيروا إلى ما صاروا إليه.
وقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾.
أي ولَّى زمن الاستعلاء بالنصرة في الدنيا من الجنود والقادة والوزراء والأتباع، ولم يبق إلا الخزي في الدار الآخرة. ليجتمع عليهم سوء النهاية في الدنيا موصولًا بسوء المصير يوم القيامة.
وقوله: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾.
أي: جعل الله لعنتهم ولعنة ملكهم الطاغية فرعون تمضي على ألسنةِ المؤمنين في هذه الحياة الدنيا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾. قال أبو عبيدة وابن كيسان: (أي: من المهلكين الممقوتين). قال قتادة: العنوا في الدنيا والآخرة. هو كقوله: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ [هود: ٩٩]).
والمقصود: أنهم يكونون يوم الحساب في أسوأ حال، وأشقى مآل، والعياذ باللهِ الكبير المتعال.
٤٣ - ٤٧. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣) وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ
стр. 3366
الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤) وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٤٥) وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦) وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾.
في هذه الآيات: إخبارُ الله تعالى عن إنعامه على موسى ﷺ بإنزال التوراة بعد إهلاكه فرعون لتكون هدى ورحمة لقوم يتذكرون. وإثبات نبوة محمد ﷺ لمنكريها أمام هذا الإخبار بالغيوب الماضية التي لا تكون إلا بالوحي الكريم.
فقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾.
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره، ولقد آتينا موسى التوراة من بعد ما أهلكنا الأمم التي كانت قبله، كقومِ نوحٍ وعادٍ وثمود وقوم لوط وأصحاب مدين).
وقال ابن كثير: (يخبر تعالى عما أنعم به على عبده ورسوله موسى الكليم -عليه من ربه الصلاة والتسليم- من إنزال التوراة عليه بعد ما أهلكَ فِرعونَ ومَلَأهُ.
وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ يعني أنه بعد إنزال التوراة لم يُعَذِّب أُمَّةً بعامةٍ، بل أمر المؤمنين أن يقاتلوا أعداءَ الله من المشركين، كما قال: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (٩) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾ [الحاقة: ٩ - ١٠]).
قلت: والذي ذهب إليه ابن كثير متوافق مع الحديث الصحيح الوارد في هذه الآية.
فقد أخرج الحاكم والبزار بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا: أما أهلك اللهُ قومًا، ولا قَرْنًا، ولا أمّةً، ولا أهل قريةٍ منذُ أَنْزَلَ التوراةَ على وجه الأرض بعذاب من السماء، غيرَ أهل القريةِ التي مُسِخَتْ قِرَدَةً، ألمْ تَرَ إلى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا
стр. 3367
مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾] (١).
وقوله: ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.
قال النسفي: (﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾ حال من الكتاب، والبصيرة نور القلب الذي يبصر به الرشد والسعادة، كما أن البصر نور العين الذي يبصر به الأجساد. يريد آتيناه التوراة أنوارًا للقلوب لأنها كانت عميًا لا تستبصر ولا تعرف حقًّا من باطل ﴿وَهُدًى﴾ وإرشادًا لأنهم كانوا يخبطون في ضلال، ﴿وَرَحْمَةً﴾ لمن اتبعها لأنهم إذا عملوا بها وصلوا إلى نيل الرحمة ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ يتعظون).
وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾.
قال قتادة: (﴿وَمَا كُنْتَ﴾ يا محمد ﴿بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ يقول: بجانب غربي الجبل ﴿إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾).
قال القرطبي: (إذ كلفناه أمرنا ونهينا، وألزمناهُ عهدنا).
والمقصود: إثبات نبوة محمد ﷺ لمنكريها من قومه أمام هذا الإخبار بالغيوب الماضية التي لا يمكن برهانها إلا بالوحي من الله .
وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾. أي: وما كنت لذلكَ من الشاهدين.
وقوله: ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا﴾. قال القاسمي: (أي بين زمانك وزمان موسى).
وقوله: ﴿فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾. أي طالت فترةُ انقطاع الوحي، وعمّ الظلم والجهل والبغي، فاقتضت حكمتهُ سبحانه استئنافَ النبوةِ فبعثكَ يا محمد بهذا الوحي.
قال النسفي: ﴿فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ أي طالت أعمارهم وفترت النبوة، وكادت الأخبار تخفى، واندرست العلوم، ووقع التحريف في كثير منها، فأرسلناكَ مجددًا لتلكَ الأخبار، مبينًا ما وقع فيه التحريف، وأعطيناكَ العلم بقصص الأنبياء وقصة موسى).
стр. 3368
وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾.
قال ابن زيد: (الثاوي: المقيم. ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾. يقول: تقرأ عليهم كتابنا ﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾. يقول: لم تشهد شيئًا من ذلكَ يا محمد، ولكنا كنا نحنُ نفعك ذلكَ ونرسل الرسل).
والمقصود: نحن -يا محمد- أوحينا إليكَ خبر أهل مدين مع نبيّهم شعيب ﵊، ولم تكن أنتَ مقيمًا بينهم حين أَخْبَرْتَ قومكَ عنهم، بل قَصَصْتَهُ عليهم مِنْ خَبَرِ هذا الوحي العظيم، فليعتبر قومكَ بهذا على برهان نبوتك.
وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾. أي: إذ نادينا موسى لحمل الأمانةِ وأخذ الكتاب بقوة.
قال القرطبي: (أي كما لم تحضر جانب المكان الغربي إذ أرسل اللهُ موسى إلى فرعون، فكذلكَ لي تحضر جانب الطور إذ نادينا موسى لما أتى الميقات مع السبعين).
ويبدو أن هذه الآية تخصيص لعموم الآية التي قبلها: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء: ١٠].
٢ - وقال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [النازعات: ١٥ - ١٦].
٣ - وقال تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢].
وقوله: ﴿وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.
قال مجاهد: (كان رحمة من ربك النبوة). وقال ابن زيد: (﴿وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ قال: الذي أنزلنا عليك من القرآن ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾) قال النسفي: (في زمان الفترة بينك وبين عيسى وهو خمس مئة وخمسون سنة).
والمقصود: إنما بعثناكَ -يا محمد- بهذا القرآن رحمة لقومكَ بعد فتور النبوات،
стр. 3369
لتنقذ أمتكَ بهذا الوحي المُثْبِتِ لصدقكَ بما فيه من صحيح الأخبار عن الأمم قبلك، لعلهم ينتفعون بالذكرَى وينجون في الآخرة.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
أي: إنما بعثناكَ -يا محمد- بالرسالة إلى قومكَ لإقامة الحجةِ عليهم إعذارًا وإنذارًا، فإذا نزل بهم أمر الله بعقاب أو مصيبة كان ذلكَ بما قدمت أيديهم، سنةُ الله تعالى في جميعِ الأمم.
وفي التنزيل نحو ذلكَ:
١ - قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥].
٢ - وقال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩].
٣ - وقال تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ [الأنعام: ١٥٦ - ١٥٧].
وفي صحيح البخاري عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : [مَثَلي وَمَثَلُ ما بعثني الله كمثل رَجُلٍ أتى قومًا فقال: رأيتُ الجيش بِعَيْنَيَّ، وإني أنا النذير العُريانُ، فالنَّجاءَ النَّجاءَ. فاطاعهُ طائفةٌ فأَدْلجوا على مَهْلِهِمْ فَنَجَوْا، وكَذَّبَتْهُ طائفةٌ فَصَبَّحهُم الجيشُ فاجْتَاحهم] (١). وفي رواية: [فذلكَ مثلُ من أطاعني فاتبعَ ما جئت بهِ، ومثلُ من عصاني وكذّب بما جئتُ به من الحق] (٢).
٤٨ - ٥١. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِىَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ
стр. 3370
كَافِرُونَ (٤٨) قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٩) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠) وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١)﴾.
في هذه الآيات: مطالبةُ المشركين بالآيات والمعجزات وقد كفروا بما أوتي موسى من قبل وكانوا ظالمين. فقل لهم -يا محمد-: فهلّا أتيتم بكتاب من عند الله بعد كفركم بهذين الكتابين. فإن لم يفعلوا فاعلم -يا محمد- أن القوم إنما يتبعون أهواءهم فهم في غيِّهم يعمهون.
فقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾.
قال مجاهد: (يهود تأمر قريشًا أن تسأل محمدًا مثل ما أوتي موسى، يقول الله لمحمد ﷺ : قل لقريش يقولوا لهم: أولم بكفروا بما أوتي موسى من قبل).
قلت: وقد يكونُ ذلكَ التعنت من قريش على سبيل العناد، يريدون تقليد الأمم السالفة قبلهم في طلب الآيات، مع أن الإيمان باللهِ وصدق وَحْيهِ لا يحتاج إلى الخوارق لإثباته، فهو حجة بنفسه، فهم يطلبون مثل ما أوتي موسى من الآيات الكثيرة: كالعصا واليد، والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، وفلق البحر وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى، فأجابهم الله تعالى بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾. قال ابن كثير: (أي: أولم يكفر البشر بما أوتي موسى من تلك الآيات العظيمة).
وقوله: ﴿قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾. قال مجاهد: (يعني موسى وهارون ﵉. و ﴿تَظَاهَرَا﴾ أي تعاونا وتناصرا وصدّق كل منهما الآخر.
وعن ابن عباس: (﴿قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ يعني موسى ومحمد ﷺ ). وفي رواية عنه: (يعنون التوراة والقرآن). قال السدي: (يعني صدّق كل واحد منهما الآخر).
قلت: والبيانُ الإلهي يحتمل ما سبق من التأويل، وأما من أدخل في التأويل: عيسى ﵇ والإنجيل فقد أبعد لعدم ورود ذلكَ في السياق.
وقوله: ﴿وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾. أي: إنا بكل واحد منهما كافرون.
стр. 3371
قال مجاهد: (قال يهود أيضًا: نكفر بما أوتي محمد أيضًا).
قال النسفي: (وقيل: إن أهل مكة كما كفروا بمحمد ﵇ وبالقرآن فقد كفروا بموسى والتوراة، وقالوا في موسى ومحمد: ساحران تظاهرا، أو في التوراة والقرآن: سحران تظاهرا).
وقوله تعالى. ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
قال ابن زيد: (فقال الله: ائتوني ﴿بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا﴾ من هذين الكتابين، الذي بعث به موسى، والذي بعث به محمد ﷺ ).
والمقصود: قل -يا محمد- لكفار قومك، أما وقد كفرتم بهذين الكتابين فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه ليكون ذلكَ عذرًا لكم في الكفر عند ربكم إن كنتم صادقين في أنهما سحران.
وقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾.
قال القرطبي: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ يا محمد أن ياتوا بكتاب من عند الله ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ أي آراء قلوبهم وما يستحسنونه ويحببه لهم الشيطان، وأنه لا حجة لهم).
وقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾.
أي: لا أحد أضل وأبعد سبيلًا ممن مضى خلف هواه بغير حجة من كتاب الله وهديه.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: إن الله لا يوفق لإصابة الحق وسبيل الرشد القوم الذين خالفوا أمر الله وتركوا طاعته، وكذبوا رسوله، وبدّلوا عهده، واتبعوا أهواء أنفسهم إيثارًا منهم لطاعة الشيطان على طاعة ربهم).
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾. قال سفيان بن عيينة: (وصلنا: بَيَّنا). وقال مجاهد: (فصلنا لهم القول). وقال قتادة: (وصل الله لهم القول في هذا القرآن، يخبرهم كيف صنع بمن مضى، وكيف هو صانعُ، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾).
стр. 3372
والمقصود: ولقد وصلنا -يا محمد- هذا الحق إلى قريش ليكون عليهم حجة وبيانًا مبينًا.
أخرج الطبراني في "الكبير"، وابن جرير في التفسير، بسند صحيح عن يحيى بن جعدة، عن رِفاعَةَ القَرَظِيّ، قال: [نزلت هذه الآية في عشرةٍ أنا أحدهم: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾] (١).
ورواه ابن جرير من طريق آخر -بعد روايته عن ابن عباس: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ قال يعني محمدًا ﷺ ثم قال ابن جرير: (فكأن ابن عباس أراد بقوله يعني محمدًا، لعلهم يتذكرون عهد الله في محمد إليهم، فيقرّون بنبوته ويصدقونه).
٥٢ - ٥٥. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤) وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (٥٥)﴾.
في هذه الآيات: ثناءُ الله تعالى على المؤمنين من أهل الكتاب آمنوا بنبيّهم وآمنوا بمحمد صلوات الله وسلامهُ عليهما وعلى المرسلين أجمعين، فأولئك يؤتون أجرهم مرتين، ثم هم يدفعون بحسنات أفعالهم سيئاتهم ومما رزقهم ربهم ينفقون، ويعرضون عن اللغو وأماكنه وعن مصاحبة الجاهلين.
فقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾.
قال ابن عباس: (يعني من آمن بمحمد ﷺ من أهل الكتاب). وقال مجاهد: (هم مُسْلِمةُ أهل الكتاب).
والمقصود: إخبار عن العُلماء الأولياء من أهل الكتاب أنهم يؤمنون بالقرآن كما آمنوا بكتابهم.
стр. 3373
وقوله: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾.
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وإذا يُتلى هذا القرآن على الذين آتيناهم الكتاب من قبل نزول هذا القرآن ﴿قَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾ يقول: يقولون: صدّقنا به ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾ يعني من عند ربنا نزل).
وقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾. قال ابن زيد: (على دين عيسى). والمقصود قولهم: إنه من قبل هذا القرآن كنّا مسلمين. أي: مُوَحِّدين مخلصين لله مستجيبين له.
وقوله: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾.
قال ابن زيد: (فلما جاء النبي ﷺ أسلموا، فكان لهم أجرهم مرتين: بما صبروا أول مرّة، ودخلوا مع النبي ﷺ في الإسلام). قال ابن كثير: (أي: هؤلاء المتصفون بهذه الصفة الذين آمنوا بالكتاب الأول ثم بالثاني ﴿يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ بإيمانهم بالرسول الأول ثم الثاني. ولهذا قال: ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾، أي: على اتباع الحقّ، فإنَّ تَجَشُّمَ مثل هذا شديد على النفوس). وقال القرطبي: ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ عام في صبرهم على ملتهم، ثم على هذه وعلى الأذى الذي يلقونه من الكفار وغير ذلك).
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٩].
٢ - وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة: ١٢١].
٣ - وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٨].
٤ - وقال تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٢ - ٨٣].
٥ - وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤].
стр. 3374
وفي الصحيحين والمسند والسنن عن أبي موسى الأشعري ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ قال: [ثلاثةٌ يوتونَ أجرهم مَرَّتَيْن: رجل مِنْ أهل الكتابِ آمَنَ بِنَبِّيهِ وأدْركَ النبي ﷺ فآمنَ بهِ واتَّبعَهُ وصدَّقَهُ فله أجران، وعَبْدٌ مَمْلوك أَدّى حقَّ الله تعالى عليه وحق سَيّده فله أجران، ورجل كانت له أمةٌ فغذاها فأحسن غِذاءها، ثم أَدَّبَها فأحْسَنَ أَدبَها، ثم أعتقها وتزوَّجَها، فله أجران] (١).
وقوله: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾. قال مجاهد: (يقول: ويدفعون بحسنات أفعالهم التي يفعلونها سيئاتهم). وقال النسفي: (يدفعون بالطاعة المعصية أو بالحلم الأذى).
وقوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. قال مجاهد: (في طاعة الله، إما في جهاد في سبيل الله، وإما في صدقة على محتاج، أو في صلة رحم).
وقوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾. قال القاسمي: (﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ﴾ أي من الجهال. وهو كل ما حقه أن يلغى ويترك، من العبث وغيره ﴿أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ أي تكريمًا للنفس عن ملابسة الأدنياء، وتشريفًا للسمع عن سقط باطلهم).
وقوله: ﴿وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾. أي بطريق التوديع والمتاركة والترفع عن النزول إلى سوية الجاهلين. قال النسفي: (﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أمان منا لكم بأن نقابل لغوكم بمثله).
وقوله: ﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾.
قال الحسن: (كلمة حلم من المؤمنين ﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ أي لا نريد مخالطتهم وصحبتهم، ولا نريد مجازاتهم بالباطل على باطلهم).
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣].
стр. 3375
٢ - وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢].
وفي جامع الترمذي بإسناد حسن عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: أليس المؤمن بالطّعان، ولا اللَّعان ولا الفاحش، ولا البذِيّ] (١).
٥٦ - ٥٩. قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦) وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (٥٨) وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (٥٩)﴾.
في هذه الآيات: إعلامُ الله تعالى نبيَّه ﷺ أن أمر الهداية بيده سبحانه فهو أعلم بالمستحقين. وامتنانٌ منه -جلّ ذكره- على قريش نعمة الحرم الآمن يجبى إليهِ الرزقُ من جميع الأمصار بإذن الله رب العالمين. وإخبار منهُ -تعالى- عن سنته في إهلاك القرى إذا فسد أهلها وكانوا ظالمين.
فقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : ﴿إِنَّكَ﴾ يا محمد ﴿لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ هدايته، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ أن يهديه من خلقه، بتوفيقه للإيمان به وبرسوله).
وقوله: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾. قال مجاهد: (لمن قدر له أن يهتدي). أو قال: (بمن قدر له الهدى والضلالة).
قلت: والآية في مفهومها عامة بحق جميع الخلق، فإن التوفيق للهداية بيد الله سبحانه الذي اطلع على قلوب عبادهِ، وهو أعلم بالشاكرين.
стр. 3376
وأما سبب نزولها فقد صحّ الخبر عن رسول الله ﷺ أنها نزلت في عمه أبي طالب، واسمه عبد مناف، الذي كان يحوطه وينصره، ويغضب له ويقوم في صفِّه، ويحبه حبًا شديدًا طبعيًا لا شرعيًا.
ففي الصحيحين عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: [لما حَضرتْ أبا طالب الوفاة، جاءه رسول الله ﷺ فوجد عنده أبا جهل، وعبدَ الله بن أبي أمية بن المغيرة.
فقال رسول الله ﷺ : يا عم قل لا إله إلا الله، كلمةً أشهد لكَ بها عند الله.
فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملةِ عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليهِ ويعيد له تلك المقالة حتى قال أبو طالب آخِرَ ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا الله. فقال رسول الله ﷺ : أما واللهِ لأستغفرن لك ما لم أُنْهَ عَنك. فانزل اللهُ : ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣]، وأنزل الله تعالى في أبي طالب فقال لرسول الله ﷺ : ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾] (١).
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: [قال رسول الله ﷺ لِعَمِّهِ، عند الموت "قل: لا إله إلا الله، أشهدُ لكَ بها يوم القيامة". فأبى. قال: فأنزل اللهُ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ الآية] (٢).
وفي رواية: [قال: لولا أن يُعَيِّرَني قريش -يقوِلون: إنما حَمَلَهُ على ذلكَ الجَزَعُ- لأقْرَرْتُ بها عَيْنكَ، فأنزل الله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾].
والخلاصة: لما احتضر أبو طالب دعاه النبي ﷺ إلى الإيمان، فسبق القدر فيهِ، واختطف من يده، ومات على الكفر وللهِ الحكمةُ التامة.
لقد شبَّ أبو طالب على أفكار الجاهليةِ التي رسخت في قلبهِ وعقله، وعلى التعلق بالعصبية وتقليد الآباء الذي شغل على أمثاله حياتهم، فما تمكن من تغييرها وهو شيخٌ كبير، وقد حضره أقرانه عند احتضاره، فقضى وأبى أن يقول لا إله إلا الله.
стр. 3377
أخرج الإمامُ أحمد في المسند، بإسناد صحيح عن علي ﵁ قال: [لما توفي أبو طالب، أتيتُ النبي ﷺ فقلتُ: إنَّ عمَّكَ الشيخ الضالَ قد مات، فمن يواريه؟ قال: اذهب فوارِه، ثم لا تحدث شيئًا حتى تأتيني. فقال: إنه مات مشركًا، فقال: اذهب فواره. قال: فواريتهُ ثم أتيتهُ، قال: اذهب فاغتسل ثم لا تحدث شيئًا حتى تأتيني، قال: فاغتسلت، ثم أتيته، قال: فدعا لي بدعوات ما يسرني أن لي بها حُمُر النّعَم وسودها، قال: وكان علي إذا غسل الميت اغتسل] (١).
لقد أفقد موت أبي طالب رسول الله ﷺ سندًا كبيرًا، فلم يعد بنو هاشم مستعدين لتقديم الحماية نفسها، وتطاولت قريش، وقد خفف الله عن أبي طالب قسطًا كبيرًا من العذاب يوم القيامةِ بسبب مساندته لرسول الله ﷺ .
يروي البخاري في صحيحه عن العباس بن عبد المطلب: [أنه قال للنبي ﷺ : ما أغنيت عن عمك؟ فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار] (٢).
وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري أنه سمع النبي ﷺ وذكر عنده عمه- فقال: [لعلهُ تنفعه شفاعتي يوم القيامة. فيجعل في ضحضاح من النار تبلغ كعبيه] (٣).
وفي صحيح الإمام مسلم عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: [أهون أهل النار عذابًا أبو طالب، وهو منتعل بنعلين من نار، يغلي منهما دماغه] (٤).
وفي لفظ: [أهونُ أهل النار عذابًا يوم القيامة رجل، يوضع في أخمص قدميهِ جمرتان يغلي منهما دماغُه].
وقوله: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾.
قال ابن عباس: (هم أناس من قريش قالوا لمحمد: إن نتبعك يتخطفنا الناس، فقال الله: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾.
стр. 3378
والمقصود: محاولة بعض كفار قريش اعتذارهم للنبي ﷺ عن اتباع هذا الوحي الذي هو الدين الحق بتَخَوُّفِهم من تألُّبِ قبائل العرب عليهم، واستهدافهم بالمحاربةِ والأذى فأثبت اللهُ تعالى كذبهم في ما اعتذروا به، وبطلان استدلالهم.
فقال: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾. قال ابن عباس: (ثمرات الأرض).
قال قتادة: (أولم يكونوا آمنين في حرمهم لا يغزون فيه ولا يخافون، يُجبى إليهِ ثمراتُ كل شيء).
قال ابن زيد: (آمناكم به. قال: هي مكة، وهم قريش).
قال ابن كثير: (يعني هذا الذي اعتذروا به كَذِبٌ وباطل، لأن الله تعالى جعلهم في بلد أمين، وحَرَمٍ مُعَظَّمٍ آمِنٍ منذُ وُضعَ، فكيف يكونُ هذا الحرم آمنًا لهم في حال كفرهم وشركهم، ولا يكون آمنًا لهم وقد أسلموا وتابعوا الحق؟ ! وقوله تعالى: ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، أي: من سائر الثمار مما حوله من الطائف وغيره، وكذلكَ المتاجر والأمتعة).
وقوله: ﴿رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. أي: هذه النعم العظيمة من الأمن والرزق إنما كانت رزقًا من عندنا، ولكن أكثر هؤلاء المشركين يجهلون نعمة الله عليهم ولا يقومون بما يجب عليهم من شكرها.
وقوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾.
قال ابن زيد: (البطر: أَشَرُ أهل الغفلهَ وأهل الباطل والركوب لمعاصي الله).
وقال الزجاج: (البطر الطغيان بالنعمة).
وفي التنزيل نحو ذلك:
قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [النحل: ١١٢ - ١١٣].
أخرج البيهقي في "شعب الإيمان" بسند صحيح لغيره عن عائشة مرفوعًا: [إذا ظهرَ
стр. 3379
السوء في الأرض أنزل الله بأسه بأهل الأرض، وإن كان فيهم صالحون، يصيبهم ما أصاب الناس، ثم يرجعون إلى رحمة الله] (١).
وأخرج الطبراني بسند صحيح عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: [إذا ظهر الزِّنا والرِّبا في قريةٍ، فقد أحلُّوا بأنفسهم عذاب الله] (٢).
وقوله: ﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
قال ابن عباس: (لم يسكنها إلا المسافر أو مارّ الطريق يومًا أو ساعة).
قال القرطبي: (أي لم تسكن بعد إهلاكِ أهلها إلا قليلًا من المساكن وأكثرها خراب).
وقوله: ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾.
أي: دثرت ديارهم وعادت كما كانت قبل سُكْناهم فيها، لا مالك لها إلا الله، الذي له ميراث السماوات والأرض.
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾.
قال النسفي: (﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى﴾ في كل وقت ﴿حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا﴾ أي في القرية التي هي أمها أي أصلها ومعظمها ﴿رَسُولًا﴾ لإلزام الحجة وقطع المعذرة. أو وما كان في حكم الله وسابق قضائه أن يهلكَ القرى في الأرض حتى يبعثَ في أم القرى -يعني مكة لأن الأرض دحيت من تحتها- رسولًا، يعني محمدًا ﵇ ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ أى القرآن).
وقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾.
قال ابن عباس: (قال الله: لم يهلك قرية بإيمان، ولكنه يهلكُ القرى بظلمِ إذا ظلم أهلها، ولو كانت قرية آمنت لم يهلكوا مع من هلك، ولكنهم كذّبوا وظلموا، فبذلكَ أُهلكوا).
٦٠ - ٦١. قوله تعالن: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا
стр. 3380
عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٠) أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٦١)﴾.
في هذه الآيات: إعلامُ الله تعالى عن فناءِ بهجة الحياة الدنيا وزينتها وأنّ ما عنده خير وأبقى للذاكرين. وتأكيدٌ أنّ وعدهُ المؤمنين في الدار الآخرة ليس كهذه الزينة الزائلة من يد المسرفين، ثم يكون صاحبها بأيدي الملائكةِ يُساقُ إلى الحساب في الأذلين.
فقوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. أي: إن كل ما في هذه الدنيا من زينةٍ وبهجةٍ ومتاع إنما هو مما يتمتع ويتزين بهِ أيامًا قلائل، ثم تنقضي بالموتِ أو الزوال، وأما ما عند اللهِ مما أعدَّهُ لعبادهِ الصالحين في جنات الخلود فهو دائم لا محيدَ عنهُ ولا انقطاعَ، ولا يشوبهُ مُنَغِّصٌ أو خوف أو قلق.
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾ [الرعد: ٢٦].
٣ - وقال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٦ - ١٧].
٤ - وقال تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨].
ومن صحيح السنة المطهرة في آفاق هذه الآية أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الترمذي والحاكم بسند صحيح عن عبد الله بن مسعود قال: [اضطجع رسول الله ﷺ على حصير فأثر في جنبه، فلما استيقظ جعلتُ أمسح جنبه، فقلتُ: يا رسول الله ألا آذنتنا حتى نبسط لك على الحصير شيئًا؟ فقال رسول الله ﷺ : ما لي وللدنيا؟ ! ما أنا والدنيا؟ ! إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب ظَلَّ تحت شجرة ثم راحَ وتركَها] (١).
الحديث الثاني: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن قيس بن أبي حازم، قال: سمعتُ
стр. 3381
المُستَورِدَ، أخا بني فِهْرٍ، يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: [ما مثل الدنيا في الآخرةِ، إلا مَثَلُ ما يجعَلُ أحَدُكُمْ إصبَعَه في اليمِّ. فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِع] (١).
الحديث الثالث: أخرج ابن حبان والحاكم وأحمد بسند صحيح لغيره، عن ابن عباس: [أن رسول الله ﷺ دخل عليهِ عمر وهو على حصير قد أثَّرَ في جنبهِ فقال: يا نبي الله لو اتخذت فراشًا أوثر من هذا؟ فقال: ما لي وللدنيا؟ ! ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف، فاستظلَّ تحت شجرةٍ ساعة من نهار، ثم راح وتركها] (٢).
الحديث الرابع: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن سهل بن سعد قال: [كنا معٍ رسول الله ﷺ بذي الحُليفة. فإذا هو بشاة ميتة شائلة برجلها. فقال: [أَتُرَوْنَ هذه هَيِّنَةً على صاحبها؟ فوالذي نفسي بيدهِ! للدنيا أهونُ على اللهِ، مِنْ هذه على صاحبها. ولو كانت الدنيا تَزِنُ عند الله جناحَ بعوضَةٍ، ما سقى كافرًا مِنْها قَطْرَةً أبدًا] (٣).
الحديث الخامس: أخرج الإمامُ مسلم في الصحيح عن أبي هريرةَ عن النبي ﷺ قال: [مَنْ يَدْخُلِ الجنَّةَ يَنْعَمُ لا يَبْأَسُ، لا تَبْلى ثيابُهُ ولا يَفْنَى شَبابُهُ] (٤).
والخلاصة: الآية السابقة تخبر عن حقارة هذه الحياة الدنيا، وما فيها من الزينةِ الدنيئةِ والزهرة الفانية، وعدم الاستقرار بالنسبة لاستقرار نعيم الآخرة ودوام بهجته وزهرته وزينته. وقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. أي: أفلا يعقل من يعطمُ أمر هذه الدنيا ومتاعها فوق أمر الآخرة.
وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾. أي: هل يستوي المؤمن الموعود جزيل الثواب على الإيمان والعمل الصالح بالكافر الممتَّعِ أيامًا قلائل في هذه الحياة الدنيا ثم يحضر يوم القيامةِ إلى العذاب الأليم.
قال قتادة: (المؤمن سمع كتاب الله فصدق به وآمن بما وعد الله فيه ﴿كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ
стр. 3382
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ هو هذا الكافر، ليس واللهِ كالمؤمنِ ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ أي في عذاب الله).
وقال مجاهد: (﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾: من المعذبين).
٦٢ - ٦٧. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢) قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (٦٣) وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ (٦٤) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ (٦٦) فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (٦٧)﴾.
في هذه الآيات: تصويرُ الله تعالى الخزي وذل المشهد يوم القيامة على المشركين، وقد حيل بينهم ويبن ما يشتهون ونودوا ماذا أجبتم المرسلين، فعميت عليهم الأنباء ولم ينج يومئذ إلا من كانَ من المؤمنين التائبين.
فقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾.
تاتريع وتهديد، وتوبيخ وتنديد، بالمشركين الذين عبدوا الأوثان والأنداد والطواغيت في الدنيا من دون الله. قال القرطبي: (أي ينادي الله يوم القيامةِ هؤلاء المشركين ﴿فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾ بزعمكم أنهم ينصرونكم ويشفعون لكم).
وقوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾. يعني الشياطين والطواغيت والرؤساء.
وقوله: ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾. قال قتادة: (هم الشياطين).
قال القاسمي: (﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ أي وجب وثبت مقتضاه. وهو لحوق الوعيد بهم. والمراد بهم، رؤساء الضلال، وقادة الكفر والفساد ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا﴾ أي أضللناهم. ﴿أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾ أي أضللناهم بالوسوسةِ والتسويل، كما ضللنا باختيارنا، وإيثار ما يفنى على ما يبقى).
وقوله: ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ﴾. قال النسفي: (منهم ومما اختاروه من الكفر).
وقوله: ﴿مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾. أي لم يكونوا يعبدوننا. فشهدوا عليهم أنهم
стр. 3383
أغووهم فمضوا خلفهم واتبعوهم وعَظَّموهم، ثم تبرؤوا من عبادتهم وتنصَّلوا من أفعَالهم.
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨١ - ٨٢].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥ - ٦].
٣ - وقال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٦٦ - ١٦٧].
٤ - وقال تعالى: -يحكي كلام الخليل لقومه- ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥].
ومن صحيح السنة المطهرة في آفاق هذه الآية أحاديث، منها:
الحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [قال الله ﵎: أنا أغنى الشركاء عن الشِّرك، مَنْ عَمِلَ عملًا أَشْرَكَ فيهِ معي غيري، تَرَكْتُهُ وشِرْكَهُ] (١).
الحديث الثاني: أخرج الترمذي بسند حسن عن أبي سعيد بن أبي فضالة الأنصاري -وكان من الصحابة- قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: [إذا جمع الله الناسَ ليوم القيامةِ لِيَومٍ لا ريْبَ فيهِ، نادى منادٍ: مَنْ كَانَ أشركَ في عَمَل عَمِلَهُ للهِ أحدًا، فليطلب ثوابَهُ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ الله، فإن اللهَ أغنى الشركاء عن الشِّرك] (٢).
الحديث الثالث: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ
стр. 3384
قال: [قال الله : أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عَمِلَ لِي عملًا أشركَ فيه غيري، فأنا منه بريءٌ. وهو للذي أشرك] (١).
وقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾.
أي: وقيل نادوا شركاءكم اليوم ليخلصوكم من هذا المأزق وينقذوكم مما أنتم قادمون عليه من العذاب، فدعوهم كما كانوا يدعونهم في الدنيا فلم يجيبوهم، ومحاينوا العذاب وودّوا أنهم كانوا في الدنيا مهتدين للحق متبعين سبيل الرسل.
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾.
قال ابن جُريج: (قال: بلا إله إلا الله، التوحيد).
قال ابن كثير: (النداء الأول عن سؤال التوحيد، وهذا فيه إثبات النبوَّات: ماذا كانَ جوابكم للمرسلين إليكم؟ وكيف كان حالُكم معهم؟ ).
قلت: وكُلُّ مَنْ مات بعد خاتم النبيين، محمد عليه وعلى المرسلين أفضل الصلاة والتسليم، فإنه يُسأل عنه صراحة إذا نزل في قبرهِ بعد سؤالهِ عن التوحيد: عن ربه ودينهِ. وفي ذلكَ أحاديث:
الحديث الأول: أخرج أحمد وأبو داود والحاكم بسند صحيح من حديث البراء مرفوعًا قال: أفيأتيهِ ملكان شديدا الانتهار، فينتهرانه ويجلسانهِ فيقولان له: من ربك؟ ميقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينكَ؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله ﷺ ، فيقولان لهُ: وما عملك؟ فيقول: قرأتُ كتاب الله، فآمنتُ بهِ، وصدقت] (٢).
وأما الفاجرُ والكافر: [فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه، هاه -لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه- لا أدري، فيقولان: فما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فلا يهتدي لاسمهِ، فيقال: محمد! فيقول: هاه هاه لا أدري، سمعت الناس يقولون ذاك! فيقال: لا دريت ولا تلوت].
стр. 3385
الحديث الثاني: أخرج الترمذي بسند حسن من حديث أبي هريرةَ مرفوعًا: [إذا قُبِرَ الميتُ أتاهُ ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما المنكر، وللآخر النكير، فيقولان: ما كنت تقولُ في هذا الرجل؟ فيقول: ما كانَ يقول: هو عبد الله ورسوله، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول] (١).
قال: [وإن كان منافقًا قال: سمعتُ الناس يقولون قولًا فقلتُ مثلهُ، لا أدري].
وفي لفظ عند ابن ماجة: [فيقال له: ما هذا الرجل؟ فيقول: سمعت الناس يقولون قولًا فقلته].
الحديث الثالث: أخرج ابن ماجة بسند صحيح من حديث أبي هريرةَ عن النبي ﷺ قال: [فيجلس الرجل الصالح في قبره، غيرَ فزع ولا مَشْعوف -الشعف: شدة الفزع- ثم يقال له: فيمَ كنتَ؟ فيقول: كنتُ في الإسلام، فيقالُ لهُ: ما هذا الرجل؟ فيقول: محمد رسول الله ﷺ جاءنا بالبينات من عند الله فصدقناه، فيقالُ لهُ: هل رأيتَ الله؟ فيقول: ما ينبغي لأحدٍ أن يرى الله] (٢).
والخلاصة: يُسأل الرجل في قبره عن رسول الله ﷺ بعد أن يُسأل عن أصول دينه: معرفة الله ودينه وبعض الصفات الموافقة لمنهج التوحيد.
ورحم اللهُ القائل:
فَواحَرَّ قَلبي من جهول مُسَوَّدٍ ... بهِ يُقتدى في جهله لشقائه
إذا قلت قول المصطفى هو مذهبي ... متى صَحَّ عندي لم أقل بسوائهِ
يرى أنها دعوى اجتهاد صحيحة ... فواعجبًا من جَهْلِهِ وجفائه
فسَلْهُ أَقَوْلُ الله ماذا أجبْتُم ... لمن هو يوم الحشر عند ندائه
أيسألهم ماذا أجبتم مُلوكَكُمْ ... وما عَظَّمَ الإنسانُ من رؤسائه
أم الله يوم الحشر يمتحن الورى ... بماذا أجابوا الرُّسْلَ من أنبيائه
وهل يُسألُ الإنسان عن غير أحمد ... إذا ما ثوى في الرّمْسِ تحتَ ثرائه
وهل قوْلُه يا ربّ قَلَّدْتُ غيره ... لدى الله عُذْرٌ يوم فصل قضائه
стр. 3386
وقوله تعالى: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾.
قال ابن جريج، عن مجاهد: (بالأنساب. وقيل معنى ذلك: فعميت عليهم الحجج يومئذ فسكتوا، فهم لا يتساءلون في حال سكوتهم).
وعن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (﴿فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ قال: لا يتساءلون بالأنساب، ولا يتماتُّونَ بالقرابات، إنهم كانوا في الدنيا إذا التقوا تساءلوا وتَماتُّوا).
قال الشهاب: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ﴾ - فيه استعارة تصريحية تبعية استعير العمى لعدم الاهتداء. فهم لا يهتدون للأنباء. ثم قلب للمبالغة. فجعل الأنباء لا تهتدي إليهم. وضمن معنى الخفاء. فعدّي بـ ﴿عَلَى﴾. ففيه أنواع من البلاغة: الاستعارة والقلب والتضمين).
قال النسفي: (خفيت عليهم الحجج أو الأخبار. وقيل: خفي عليهم الجواب فلم يدروا بماذا يجيبون إذ لم يكن عندهم جواب ﴿فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ لا يسأل بعضهم بعضًا عن العذر والحجة رجاء أن يكون عنده عذر وحجة، لأنهم يتساوون في العجز عن الجواب).
وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾.
أي: فأما من تدارك نفسه في هذه الدنيا من المشركين فأناب إلى الله وأخلص له الألوهية وأفرده بالعبادة والتعظيم، وعَدَّل ما فاته بالعمل الصالح، فهو بإذن الله من الناجين المُنجِحين المدركين رجاءهم السعادة والخلود في جنات النعيم.
٦٨ - ٧٠. قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٦٩) وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠)﴾.
في هذه الآيات: كمال علم الله ونفاد إرادته ومشيئته في خلقه وأكثرهم يشركون. وهو سبحانهُ يعلم ما تخفي صدورهم وما يعلنون، وهو الله الإله الحق الأحد الصمد الحَكَمُ وإليهِ يرجعون.
стр. 3387
فقوله: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾.
قال ابن عباس: (والمعنى: وربك يخلق ما يشاء من خلقه ويختار منهم من يشاء لطاعته).
وقال يحيى بن سلّام: (وربك يخلق ما يشاء من خلقه ويختار من يشاء لنبوته).
والآية بعمومها إخبار من الله تعالى أنه المنفرد بالخلق والاختيار، فلا منازع لأمره ولا معقب لحكمهِ فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
وقوله: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾. قال النسفي: (ما لنفي اختيار الخلق تقريرًا لاختيار الحق). والمقصود: ليس لهم أن يختاروا على الله شيئًا ما، وله الخيرة عليهم.
واختار ابن جرير أنَّ "ما" بمعنى الذي، واستفاد من ذلكَ طائفةٌ من المعتزلة على وجوب مراعاة الأصلح. أي: ويختار الذي لهم فيه خيرة. والراجح أنها نافية. قال ابن كثير: (نفي على أصحِّ القولين. فإن المقام في بيان انفراده تعالى بالخَلقِ والتقدير والاختيار، وأنه لا نظير له في ذلك).
وقوله: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. تنزيه لله وتقديس وتمجيد، فهو المنفرد بالخلق والتدبير، لا ما يشرك به المشركون من الأنداد والأوثان والطواغيت.
وقوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾.
تمدح له سبحانه بأنه عالم الغيب والشهادة لا يخفى عليهِ شيءٌ، وأنه يعلمُ ما تخفيهِ صدور عباده وما يعلنونه بجوارحهم.
كقوله جل ذكره: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد: ١٠].
وكقوله جل ثناؤه: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩].
وقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. تقرير للألوهية بعد إثبات تفرّده بخصائص الربوبية.
أي: فكما أنه وحده يخلق ويختار فهو الربّ العظيم لا ربَّ سواه، فكذلكَ هو الإله الحق المستحق للعبادة لا إله غيره.
والآية تقريع للمشركين الذين هم مقهورون بربوبيته ، والتي كان ينبغي أن تقتضي منهم إفراده تعالى بالعبادةِ والتعظيم.
стр. 3388
وقوله: ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ﴾. قال القرطبي: (جميع المحامد إنما تجبُ له).
أي: فهو المحمود أولًا وآخرًا لكمال عدلهِ وحكمته جل ثناؤه.
وقوله: ﴿وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. أي: لا حكم إلا له، والمرجع للفصل إنما هو بين يديه.
قال ابن جرير: (يقول: وله القضاء بين خلقه ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ يقول: وإليه تردّون من بعدِ مماتكم، فيقضي بينكم بالحق).
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ [الأنعام: ٥٧].
٢ - وقال تعالى: ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦].
وفي صحيح سنن أبي داود والنسائي عن هانئ بن يزيد، عن النبي ﷺ قال: [إنَّ الله هو الحَكَمُ، وإليهِ الحُكْم] (١).
٧١ - ٧٣. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣)﴾.
في هذه الآيات: امتنانُ الله تعالى على عبادهِ نعمة تقليب الليل والنهار وتعاقبهما، فإنه تعالى لو شاء استمرار الليل على عبادهِ دون انقطاع لوقع الضرر بمصالحهم، ولسئمت نفوسهم، ولأظلمت آمالهم. ولو شاء استمرار النهار عليهم دون انقطاع لحصل الضرر بأبدانهم، ولوقع المللُ والضجر من تتابع أشغالهم.
стр. 3389
ولكنه عاقب الليل والنهار عليهم لينتشروا في نهارهم بالأسفار والترحال، والحركات والأشغال، وليسكنوا في ليلهم من تعب الحركة والانتقال، ولعلهم بذلك أن يكونوا من الشاكرين.
فقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. قال ابن عباس: (يقول: دائمًا). وقال مجاهد: (قوله: ﴿سَرْمَدًا﴾ دائمًا لا ينقطع).
وقوله: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ﴾. أي: قل -يا محمد- لهؤلاء المشركين: كيف يكون حالكم لو تابع الله تعالى عليكم الليل دون انقطاع، من معبود يقدر أن يأتيكم بضياء النهار إلا الله المعبود الحق.
وقوله: ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾. قال ابن جرير: (يقول أفلا تُرعون ذلكَ سمعكم، وتفكرون فيه فتتعظون، وتعلمون أن ربكم هو الذي يأتي بالليل ويذهب بالنهار إذا شاء، وإذا شاء أتى بالنهار وذهب بالليل، فينعم باختلافهما كذلك عليكم).
وقال القرطبي: (﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ سماع فهم وقبول).
وقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾. قال ابن جرير: (فتستقرّون وتهدؤون فيه).
وقوله: ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾. قال القرطبي: (ما أنتم فيهِ من الخطأ في عبادةِ غيره، فإذا أقررتم بأنه لا يقدر على إيتاء الليل والنهار غيره فلمَ تشركون به).
قال النسفي: (قرن بالضياء ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ لأن السمع يدرك ما لا يدركه البصر من ذكر منافعه ووصف فوائده، وقرن بالليل ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ لأن غيرك يبصر من منفعة الظلام ما تبصره أنتَ من السكون ونحوه).
وقوله: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾. هو من باب اللفِّ والنَّشر.
أي: ومن رحمته بكم أيها الناس خالف بين الليل والنهار، فجعل الليل ظلامًا تسكنون فيهِ وترتاحونَ من عناء السعي وتعب التصرف، وجعل النهار ضياءً ليناسب انتشاركم في الأسفار والترحال، والحركات والأشغال.
وقوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. قال ابن كثير: (أي: تشكرون الله بأنواع العبادات في الليل والنهار. ومن فاته شيء بالليل استدركهُ بالنهار، أو بالنهار استدركهُ بالليل).
стр. 3390
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦٢].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٣٩ - ٤٠].
٣ - وقال تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه: ١٣٠].
وفي صحيح مسلم عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: [إنَّ الله يَبْسُطُ يَدَهُ بالليل، ليتوبَ مُسيءُ النَّهار، ويَبْسُطُ يَدَهُ بِالنهار، ليتوبَ مُسيءُ الليل، حتى تطلعَ الشمس من مغربها] (١).
٧٤ - ٧٥. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٧٤) وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٧٥)﴾.
في هذه الآيات: إثباتُ خزي المشركين يوم يناديهم ربهم ﵎ لِيُخْرجوا له شركاءَهُ الذين كانوا يزعمون. وخروجُ الرسول من كل أمةٍ ليشهد عليها وضل عن المشركين ما كانوا يفترون.
فقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾.
توبيخ آخر وتقريع وزيادة خزي. يناديهم الرب ﵎ على رؤوس الأشهاد مطالبًا لهم بإخراج شركائه الذين صرفوا لهم العبادة والأموال.
قال النسفي: (كرر التوبيخ لاتخاذ الشركاء ليؤذن أن لا شيء أجلب لغضب الله من الإشراك به، كما لا شيء أدخل في مرضاتهِ من توحيده).
стр. 3391
وقوله: ﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾. قال مجاهد: (رسولًا). وقال قتادة: (وشهيدُها: نبيها، يشهدُ عليها أنه قد بَلَّغَ رسالة ربه). وهذا كقولهِ تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١].
وقوله: ﴿فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾. قال مجاهد: (حجتكم لما كنتم تعبدون وتقولون).
وقوله: ﴿فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ﴾. قال القرطبي: (أي علموا صدق ما جاءت به الأنبياء).
وقال القاسمي: (﴿فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ﴾ أي في الألوهية، لا يشاركه فيها أحد).
وقوله: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.
أي: وغاب عنهم واضمحل ما كانوا يشركون، وما كانوا يتخرصون ويكذبون على ربهم، فلم ينفعوهم ولم يشفعوا لهم كما كانوا يزعمون ويظنون.
٧٦ - ٨٢. قوله تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (٨٠) فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (٨١) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ
стр. 3392
تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (٨٢)﴾.
في هذه الآيات: قصة قارون -صاحب الأموال العظيمة- الذي كان من المفسدين، وكان يتمنى ما عنده كل من حولهُ ولم ينج من فتنة ذلكَ إلا من كانَ من أهل العلم الراسخين. فخرج على قومهِ مستكبرًا متزينًا بالعجب والغرور حتى خسف الله به الأرض ليكون عبرة للمعتبرين.
فقوله: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ - فيه تأويلان:
١ - قال القاسمي: (أي من شاكلتهم في الكفر والطغيان. وقوم موسى، جماعته الذين أرسل إليهم، وهم القبط وطاغيتهم فرعون ﴿فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ أي بالكبر والاستطالة عليهم، لما غلب عليهم الحرص ومحبة الدنيا، لغروره وتعززه برؤية زينة نفسه).
٢ - قال النسفي: (كان إسرائيليًا ابن عم لموسى. قال: وكان يسمىِ المُنَوِّر لِحُسْنِ صوته، وكان أقرأ بني إسرائيل للتوراة ولكنهُ نافق كما نافق السامري ﴿فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ من البغي وهو الظلم، قيل: ملكه فرعون على بني إسرائيل فظلمهم، أو من البغي الكبر، تكبّر عليهم بكثرة ماله وولده، أو زاد عليهم في الثياب شبرًا).
قلت: وقيل غير ذلك، وأهمها ما سبق. والعبرة أنه كان قريبًا من قومِ موسى دون يقين راسخ بالله تعالى وتديبر أمور خلقه وشؤونهم، فأتاه المنصب والمال فكانت فتنته فيهما التي أفسدت عليه مصيره، وجعله الله تعالى عبرة لمن يعتبر.
وقوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾.
أي: وآتاه الله من وفرة الأموال ما تحتاج العصبة لتنهض بمفاتح خزائنه.
قال ابن كثير: (﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ﴾ أي: الأموال. ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾، أي: لَيُثقلُ حملُها الفِئامَ من الناسِ لِكَثْرَتِها).
قلت: وأصل تنوء -في لغة العرب- من نوأ. وناءَ فلانٌ بالحِمْلِ إذا نَهضَ بهِ مُثْقلًا. قال الرازي: (وناءَ به الحِمْلُ أَثْقَلَهُ، ومنه قوله تعالى: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ أي لَتُنِيءُ العُصْبَة بثقلِها).
وقد ورد في التفاسير هنا من المبالغات الكثيرة في وصف تلك المفاتيح دون دليل
стр. 3393
صحيح تقوم به الحجة، فنكتفي بمجمل التنزيل ودلالته البليغة دون خوض فيما لا فائدة منه.
وقوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾.
أي: أرشده صالحو قومه أن لا تَبطر فيما وهبك الله من هذه الأموال الكثيرة، فإن الله تعالى لا يحب أهل البَطَرِ والكبر والغرور.
قال ابن عباس: (﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾: يعني المرحين). وقال مجاهد: (يعني الأشِرين البَطِرين، الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم).
فالفرح هنا بمعنى العجب والغرور، والكبر الذي يدفع إلى الظلم والشرور.
قال مجاهد: (هو فرح البغي).
أخرج ابن عدي والعقيلي بسند حسن لغيره عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : [لو لم تكونوا تذنبون خشيت عليكم أكثر من ذلك: العجب] (١).
ورواه البيهقي بسند حسن عن أنس كذلكَ بلفظ: [لو لم تكونوا تُذنِبُون، لخِفْتُ عليكم ما هو أكبرُ من ذلكَ، العُجْبَ العُجْب].
وقوله: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾.
قال ابن كثير: (أي: استعمِل ما وَهَبكَ الله من هذا المالِ الجزيلِ والنّعمةِ الطائلةِ في طاعةِ رَبِّك والتقرّب إليه بأنواع القُربات التي تُحصِّل لك الثواب في الدار الآخرة. ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾، أي: ما أباح الله فيها من المآكل والمشارب والملابس والمساكِن والمناكِح، فإن لِرَبكَ عليكَ حقًّا، وَلنَفْسِكَ عَليكَ حقًّا، ولأهلِكَ عليكَ حقًّا، ولزَوْرِكَ (٢) عَليكَ حقًّا، فآت كلَّ ذي حقٍّ حقَّه).
وقوله: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾.
قال النسفي: (﴿وَأَحْسِنْ﴾ إلى عباد الله (﴿كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾. أو: أحسِن بشكرك وطاعتك لخالق الأنام كما أحسن إليكَ بالإنعام).
стр. 3394
وقوله: ﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾. قال القرطبي: (أي لا تعمل بالمعاصي).
وقال ابن جرير: (يقول: ولا تلتمس ما حرَّم الله عليكَ من البغي على قومك. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ يقول: إن الله لا يحب بُغاة البغي والمعاصي).
وقوله: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾. قال قتادة: (على خبر عندي).
وقال ابن زيد: (قال: لولا رضا الله عني ومعرفته بفضلي ما أعطاني هذا).
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الزمر: ٤٩] أي: على عِلم من الله بي وباستحقاقي وفضلي.
٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ [فصلت: ٥٠].
وإنما هذه فتنة واستدراج من الله تعالى للمغرورين والمستكبرين يعقبها النقمة وحلول العذاب.
فقد أخرج الإمام أحمد في المسند، وابن جرير في "التفسير" بسند صحيح عن عقبة ابن عامر مرفوعًا: [إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج. ثم تلا: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾] (١).
وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾.
أي: لو كان الله يعطي الأموال والقوة كُلَّ من يحب، لما أهلك أرباب الأموال وأصحاب القوة عبر الزمان. قال ابن كثير: (أي: قد كان من هو أكثرُ منه مالًا وما كانَ ذلكَ عن محبَّةٍ منا له، وقد أهلكهم الله مع ذلكَ بكفرهم وعدم شكرهم، ولهذا قال: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾، أي: لكثرةِ ذنوبهم).
стр. 3395
وقوله: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ - فيه أقوال متقاربة متكاملة:
١ - قال الحسن: (أي لا يسألون سؤال استعتاب كما قال: ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [النحل: ٨٤]. ﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت: ٢٤]. وإنما يسألون سؤال تقريع وتوبيخ لقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢]).
٢ - قال مجاهد: (لا تسأل الملائكةُ غدًا عن المجرمين، فإنهم يعرفون بسيماهم، فإنهم يحشرون سود الوجوه زرق العيون).
٣ - وقال قتادة: (لا يسأل المجرمون عن ذنوبهم لظهورها وكثرتها، بل يدخلون النار بلا حساب).
٤ - وقيل: لا يسأل مجرمو هذه الأمةِ عن ذنوبِ الأمم الخالية الذين عذبوا في الدنيا.
وقيل: أهلك من أهلك من القرون على علم منه بذنوبهم فلم يحتج إلى مسألتهم عن ذنوبهم. ذكره القرطبي.
وقوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾.
قال ابن كثير: (يقول تعالى مخبرًا عن قارون: أنه خرجَ ذاتَ يومٍ على قومِهِ في زينةٍ عظيمةٍ، وتَجَمُّلٍ باهِرٍ، مِنْ مراكبَ وملابسَ عليهِ وعلى خَدَمه وحَشمه، فلما رآهُ مَنْ يريدُ الحياة الدنيا ويميلُ إلى زُخرفها وزينتها تَمنَّوا أن لو كان لهم مثل الذي أعطي، ﴿يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾، أي: ذو حظٍّ وافر من الدنيا. فلما سمعَ مقالتَهم أهل العلم النافع قالوا لهم: ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾، أي: جزاء الله لعبادهِ المؤمنين الصالحين في الدار الآخرة خير مما ترون، كما في الحديث الصحيح: [يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أُذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، واقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]).
قلت: وقد امتلأت كتب التفاسير بروايات لا تقوم بها الحجة في وصف الزينةِ التي خرج بها قارون على قومهِ بأشكالها وألوانها وأعدادها وغير ذلكَ مما لا حاجة إلى معرفتهِ، وإنما يكفينا العبرةُ بإجمال القرآن، وأنها زينة عظيمة بهرت العيون وشغلت
стр. 3396
القلوب، ولكنها كانت في موضع غرور وكبر، فكان مآلها التدمير والهلاك.
وقد أحسن الحافظ ابن كثير ﵀ بتجاوز تلك الروايات والإتيان بكلامِ جامع مفيد كما سبق، في حين أكثر مُعظَمُ المفسرين من تلك الروايات.
وقوله: ﴿وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾. إمّا من تمام كلام أهل العلم، أو هو كلام مستأنف. قال ابن جرير: (يعني بذلك: الذين صبروا عن طلب زينةِ الحياة الدنيا، وآثروا ما عند الله من جزيل ثوابه على صالحات الأعمال على لذّات الدنيا وشهواتها، فجدّوا في طاعةِ الله، ورفضوا الحياة الدنيا).
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].
٢ - وقال تعالى: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣].
وفي جامع الترمذي بسند حسن عن أنس، قال النبي ﷺ : [إنَّ عِظَمَ الجزاء مع عِظَمِ البلاء، وإن الله تعالى إذا أحبَّ قومًا ابتلاهم، فَمَنْ رضي فله الرِّضى، ومن سَخِطَ فَلهُ السُّخطُ] (١).
وفي سنن الترمذي كذلك بإسناد حسن من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [ما يزالُ البلاءُ بالمؤمن والمؤمنةِ في نفسه وولدهِ وماله حتى يلقى الله تعالى وما عليهِ خطيئة] (٢).
وقوله: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾.
هو إخبار عن نهاية الكبر والخيلاء، والبطر والغرور وسبيل الأشقياء. فقد خسف الله بقارون وبداره التي فيها أمواله ومتاعه وزينته الأرض.
أخرج البخاري ومسلم عن الزُّهري، قال: أخبرني سالِمٌ: أنَّ ابن عمر حدَّثَه أن
стр. 3397
النبي ﷺ قال: [بينما رجلٌ يَجُرُّ إزارَهُ من الخُيلاء خُسِفَ بهِ فهو يتجَلْجَلُ في الأرض إلى يومِ القيامة] (١).
وفي صحيح البخارى عن أبي هريرة يقول: قال النبي ﷺ أو قال أبو القاسم ﷺ : [بينما رجلٌ يمشي في حُلّةٍ تُعْجبُهُ نفسُهُ، مُرَجِّلٌ جُمَّتَه، إذ خَسَفَ اللهُ به، فهو يَتجَلْجَلُ إلى يوم القيامة] (٢).
وقوله: ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾.
أي: فلم يكن له جند يستنجد بهم، ولا فئة يرجع إليهم، يلتمس منهم النجدة والنصر، ولا كانَ هو ممن ينتصر من الله إذ أنزل عليهِ سخطه وأحلَّ بهِ نقمته.
قال قتادة: (﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ﴾ أي جند ينصرونه، وما عنده منعة يمتنعُ بها من الله).
وقوله: ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾.
قال قتادة: (﴿وَيْكَأَنَّهُ﴾ ألم تر أنه). وفي رواية: (أولا يعلمُ أنه). وقيل: ﴿وَيْكَأَنَّ﴾: معناها: "ويلك اعلم أنّ". وقيل: "وي" للتعجب أو التنبيه، وكأنَّ: بمعنى أحسب وأظن.
والمقصود: فلما رأى الذين تمنوا زينة قارون بالأمسِ ما حَلَّ به من سخط الله ونِقمتهِ علموا أن المال ليس بدال على رضا الله عن صاحبهِ، فإنه تعالى قد يعطي المال استدراجًا لعصاة عباده، فهو الذي يُضَيِّق ويوسِّع، ويخفض ويرفع، ويعطي ويمنع، وإنما يقسم الأرزاق بين عباده بحكمته جل ثناؤه.
أخرج الإسماعيلي في "المعجمِ" بسند صحيح عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : [إنَّ الله قسَمَ بينكم أخلاقكم كما قسَمَ بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطي الدنيا من يحبُّ ومن لا يحبُّ، ولا يعطي الإيمان إلا من أَحبَّ، فمن ضنَّ بالمال أن ينفقَه، وخافَ
стр. 3398
العدو أن يجاهِدَهُ، وهابَ الليل أن يكابدَهُ، فليكثر من قول: سبحان الله، والحمدُ لله، ولا إله إلا الله، واللهُ أكبر] (١).
وقوله: ﴿لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا﴾.
أي: لولا لطف الله ورحمته بنا لخسف بنا كما خسف بقارون الذي تمنّينا مثل حاله بالأمس.
وقوله: ﴿وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: ألم تعلم أنه لا يفلح الكافرون، فتُنْجِح طلباتهم).
قال ابن كثير: (يعنون أنه كان كافرًا، ولا يفلحُ الكافرون عند الله، لا في الدنيا ولا في الآخرة).
٨٣ - ٨٤. قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٤)﴾.
في هذه الآيات: إعدادُ الله تعالى في الجنةِ منازل لأهل كرامته الذي كانوا على منهاج النبوةِ ولم يكونوا من المسرفين. وتضاعف الحسنات للمؤمنين ولا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون.
فقوله: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾.
قال عكرمة: (العُلُوّ: التجبر). وقال سعيد بن جبير: (العلو: البغي).
وقال سفيان الثوري: (العلو في الأرض: التكبّر بغير حق. والفساد: أخذُ المال بغير حق). وقال ابن جُريج: (﴿لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾، تَعظُّمًا وتجبرًا، ﴿وَلَا فَسَادًا﴾: عملًا بالمعاصي).
والمقصود: إنّ الله تعالى أعدّ النعيم المقيم في دار الخلود لعباده الصالحين،
стр. 3399
المؤمنين المتواضعين، المخبتين المتذللين لأمره وشرعه، الذين يريدون إعلاء كلمته في الأرض والحكم بشريعته، ولا يبغون ظلمًا ولا تكبرًا، ولا تجبرًا ولا نشرًا للمعاصي والآثام.
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٨ - ١٩].
٢ - وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥ - ١٦].
٣ - وقال تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ٦٣].
ومن صحيح السنة العطرة في آفاق هذه الآية أحادبث:
الحديث الأول: أخرج الطبراني في "المعجم الكبير" بسند حسن لغيره عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ قال: [ما من آدمي إلا في رأسهِ حَكَمَة بيد ملك، فإذا تواضعَ قيل للملك: ارفع حكمته، وإذا تكبَّر قيل للملك: ضع حكمته] (١).
قلت: والحَكَمَةُ: موضع أعلى الناصية، كما هو معروف في كلام العرب.
الحديث الثاني: أخرج مسلم وأبو داود وابن ماجة من حديث عياض بن حمار، عن النبي ﷺ أنه قال: [إنَّ الله أوْحَى إليَّ أن تواضَعوا حتى لا يَفْخَرَ أَحَدٌ على أَحَدٍ، ولا يبغي أَحَدٌ على أَحَدٍ] (٢).
الحديث الثالث: خرّج مسلم في الصحيح عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال:
стр. 3400
[لا يدخلُ الجنَّةَ مَنْ كانَ في قلبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ. قال رجل: إنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يكونَ ثوبُهُ حَسَنًا، ونَعْلُهُ حَسَنةً. قال: إن الله جميلٌ يُحِمث الجمال، الكِبْرُ: بَطَرُ الحَق وغَمْطُ الناس] (١).
وقوله: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾. قال قتادة: (أي: الجنة للمتقين).
والمقصود: إن غاية السرور والرضا وحسن الختام وحسن الاستقبال يومَ القيامة إنما هو لأهل التقوى في جنات النعيم المقيم.
وقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
قال قتادة: (﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾. أي: لهُ منها حظّ خير، والحسنة: الإخلاص، والسيئةُ: الشرك).
قال ابن كثير: (﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ أي: يوم القيامة ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾: أي ثوابُ الله خير من حسنة العبدِ، فكيفَ والله يضاعفه أضعافًا كثيرة، وهذا مقامُ الفَضْل. ثم قال: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٠]، وهذا مقامُ الفَصْلِ العَدْل).
وفي التنزيل نحو ذلك:
قال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٦٠].
وفي صحيح مسلم عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه ، قال: [إنَّ الله كتَبَ الحسنات والسيئات، ثم بيَّنَ ذلك، فَمَنْ هَمَّ بِحسَنةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتبَها اللهُ عِندَهُ حَسنةً كامِلةً، فإنْ هَمَّ بها فعَمِلها كَتَبها اللهُ عنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إلى سَبع مئةِ ضعفٍ إلى أضعاف كثيرة، وإنْ هَمَّ بسيئة فَلم يَعْمَلْها كَتبها اللهُ عنده حسنة كاملة، وإن همَّ بها فعَمِلَهَا، كَتبَها اللهُ سيئةً واحدة] (٢).