← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وفي الصحيحين عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [الفطرة خمس: الخِتان، والاستحداد، وقصُّ الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط] (١). القول الثالث: قيل بل الكلمات التي ابتلي بهنّ عشرُ خِلال، بعضهُنّ في تطهير الجسد، وبعضهن في مناسك الحج. قال الربيع: (فالكلمات: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾، وقوله: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾، وقوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، وقوله: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ الآية. قال: فذلك كله من الكلمات التي ابتُلي بهن إبراهيم). قال ابن عباس: (فمنهن: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾، ومنهن: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾، ومنهن الآيات في شأن النسك والمقام الذي جعل لإبراهيم، والرِّزق الذي رُزق ساكنو البيت، ومحمد ﷺ في ذريتهما ﵉. القول الرابع: قيل بل هي مناسك الحج خاصة. قال ابن عباس: (إن الكلمات التي ابتُلي بها إبراهيم، المناسك). قال: (مناسك الحج). وفي رواية: (منهن مناسك الحج). القول الخامس: قيل بل هي أمور، منهن الختان. فعن يونس بن أبي إسحاق، عن الشعبي: (﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ قال: منهن الختان). القول السادس: قيل بل ذلك الخلال الستّ: الكوكب، والقمر، والشمس، والنار، والهجرة، والختان، التي ابتلي بهن فصبر عليهن. قال الحسن: (إي والله، ابتلاه بأمرٍ فصَبَرَ عليه: ابتلاه بالكوكب والشمس والقمر، فأحسنَ في ذلك، وعَرَف أن ربَّه دائم لا يزول، فوجَّه وجهَه للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا وما كان من المشركين، ثمَّ ابتلاه بالهجرة، فخرج من بلاده وقومه حتى لحق بالشام مهاجرًا إلى الله، ثمَّ ابتلاه بالنار قبل الهجرة، فصبر على ذلك، فابتلاه الله بذبح ابنه وبالختان، فصبر على ذلك).

стр. 387

القول السابع: عن السدي: (الكلمات التي ابتلى بهن إبراهيمَ ربُّه: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ. . .﴾). قلت: وكل هذه الأقوال لا مانع من دلالتها على الكلمات التي ابتلى الله بها إبراهيم ﵊ فقام بمقتضاها أحسن القيام حتى استحق ثناء الله عليه وعلو ذكره بين الملائكة والمؤمنين. وقوله: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾. قال ابن عباس: (أي فأدّاهن). وقال قتادة: (أي عمل بهنّ فأتمهن). وقوله: ﴿قَال إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾. قال الربيع: (ليؤتم به ويقتدى به). وقوله: ﴿قَال وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾. قال الربيع: (يقول: فاجعل من ذريتي من يُؤتم به، ويقتدى به). يعني: فاجعل مثل الذي جعلتني به، من الإمامة للناس، يكون كذلك من ذريتي. قال ابن كثير: (سأل الله أن تكون الأئمة من بعده من ذريته، فأجيب إلى ذلك، وأُخبرَ أنَّه سيكون من ذريته ظالمون، وأنه لا ينالهم عهد الله، ولا يكونون أئمة فلا يُقتدى بهم). قال تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ. . .﴾. فاستجاب الله سبحانه له، فكل نبي أرسله أو كتاب أنزله بعد إبراهيم، ففي ذريته عليه وعلى الأنبياء صلوات الله وسلامه. وقوله: ﴿قَال لَا يَنَال عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. يعني أن الظالم لا يكون إمامًا لأهل الخير. قال ابن جرير: (لأن الإمامة إنما هي لأوليائه وأهل طاعته، دون أعدائه والكافرين به). فهو خبر من الله سبحانه عن أن الظالم لا يكون إمامًا يَقتدي به أهل الخير. وأما العهد الذي حرمه الله على الظالمين ففيه أقوال: القول الأوّل: (العهد) النبوة. يعني لا ينال النّبوةَ أهلُ الظلم والشرك.

стр. 388

فعن السدي: (﴿قَال لَا يَنَال عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾، يقول: عهدي، نبوّتي). القول الثاني: ﴿العهد﴾ عهد الإمامة. يعني لا أجعل من كان من ذريتك ظالمًا، إمامًا لعبادي يُقتدى به. فعن مجاهد: (قال الله: ﴿لَا يَنَال عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾، قال: لا يكون إمامٌ ظالمًا). وفي رواية: (قال: لا يكون إمامٌ ظالم يقتدى به) أو قال: (لا أجعل إمامًا ظالمًا يقتدى به). وفي رواية: (قال: لا يكون إمامًا ظالم). وقال عطاء: (فأبى أن يجعل من ذريته ظالمًا إمامًا). وقال ابن جُريج لعطاء: ما عهده؟ قال: (أمره). القول الثالث: قيل بل المعنى: لا عهد عليك لظالم أن تطيعه في ظلمه. فعن ابن عباس فيها قال: (يعني: لا عهدَ لظالم عليك في ظلمه، أن تطيعه فيه). وقال: (ليس للظالمين عهدٌ، وإن عاهدتهُ فانقضه). وقال ابن عباس: (ليس لظالم عهدٌ). القول الرابع: ﴿العهد﴾ في هذه الموضع: الأمان. فتأويل الكلام حينئذ: لا ينال أماني أعدائي، وأهل الظلم لعبادي. أي: لا أؤمنهم من عذابي في الآخرة. فعن قتادة: (﴿قَال لَا يَنَال عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾، ذلكم عند الله يوم القيامة، لا ينال عَهده ظالم"، فأما في الدنيا، فقد نالوا عهد الله، فوارثوا به المسلمين وَغازَوْهم وناكحوهم به. فلما كان يوم القيامة قَصَرَ الله عهده وكرامته على أوليائه). وقال أيضًا: (لا ينال عهد الله في الآخرة الظالمون، فأما في الدنيا فقد ناله الظالم، وأكل به وعاش). وعن إبراهيم نحوه وقال في آخره: (فأما في الدنيا فقد ناله الظالم فأمِن به، وَأكل وأبصر وعاش). ولا شك أن الآية فيها إعلام من الله لإبراهيم: أن من ولده من يشرك به، ويجور عن قصد السبيل، ويظلم نفسه وعباده. كما قال مجاهد فيها: (إنه سيكون في ذريتك ظالمون). القول الخامس: قيل بل ﴿العهد﴾ هنا دين الله. فعن الربيع قال: (قال الله لإبراهيم: ﴿لَا يَنَال عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾، فقال: فعهد الله الذي عهد إلى عباده، دينُه. يقول: لا ينال دينُه الظالمين. ألا ترى أنَّه قال: ﴿وَبَارَكْنَا

стр. 389

عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١١٣]، يقول: ليس كل ذريتك يا إبراهيم على الحق). وقال الضحاك فيها: (لا ينال عهدي عدوٌّ لي يَعْصيني، ولا أَنْحَلُها إلا وليًّا لي يطيعني). وخلاصة القول: إن الآية تحتمل في مفهومها كل ما سبق، فلا ينال النبوة أهل الظلم والشرك، كما لا يكون ظالم إمامًا للمسلمين يقتدى به، فإن ظهر وتغلب فلا طاعة إلا بالمعروف، ولا أمان لظالم في الآخرة، ودين الله لا ينال الظالمين. قلت: وفي الآية نكتة بديعة من نكت علم السياسة الشرعية. فقوله تعالى: ﴿لَا يَنَال عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ دليل على أن العدل والعلم بالكتاب والسنة شرط من شروط اختيار المسلمين للإمام الأعظم، فلا بد للحاكم أو الخليفة من العلم بالعدل الذي دلّ عليه الكتاب والسنة الصحيحة، وأن يكون ممن يمتثلون ذلك في حياتهم وسيرتهم ورعايتهم. فإن حصل وتغلب الظالم وظهر على الأمة فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق . فقد أخرج البخاري في صحيحه من حديث علي ﵁: [أن النبي ﷺ بعثَ جيشًا وأمَّرَ عليه رجلًا، فأوقد نارًا وقال: ادخلوها، فأرادوا أن يدخلوها. وقال آخرون: إنما فررنا منها. فذكروا للنبي ﷺ فقال للذين أرادوا أن يدخلوها: لو دخلوها لم يزالوا فيها إلى يوم القيامة. وقال للآخرين: لا طاعة في المعصية، إنما الطاعة في المعروف] (١). قال ابن خُوَيْزٍ مَنْداد المالكيّ: (الظالم لا يصلح أن يكون خليفة ولا حاكمًا ولا مفتيًا ولا إمام صلاة ولا شاهدًا ولا راويًا). وأصل "الذّرية" من الذَّر. قال القرطبي: (لأن الله تعالى أخرج الخلق من صلب آدم ﵇ كالذَّرِ حين أشهدهم على أنفسهم). وقيل: بل هو مأخوذ من ذرأ الله الخلق يذرؤهم ذرءًا خَلَقهم، ومنه الدرية وهي نسل الثقلين. وقال الخليل: (إنما سُمُّوا ذُرِّية، لأنَّ الله تعالى ذرأها على الأرض كما ذرأ الزارع البذر).

стр. 390

وأما نصب ﴿الظَّالِمِينَ﴾ فلأن العهدَ هو الذي لا ينال الظالمين. وذُكر أنَّه في قراءة ابن مسعود: "لا ينال عهدي الظالمون" يعني: لا ينال الظالمون عهدَ الله. حكاه ابن جرير. ١٢٥. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾. في هذه الآية: إخباره تعالى عن جَعْله البيت للحج، يحج الناس إليه ويتخذون من مقام إبراهيم مصلى، وقد طهره إبراهيم وإسماعيل من ألوان الشرك بأمر الله. فقوله: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً﴾. أي: مرجِعًا للناس ومعاذًا، يأتونه كلّ عام ويرجعون إليه، فلا يقضون منه وطرًا. وحول هذا المعنى مدار أقوال المفسرين. وتفصيل ذلك: ١ - قال مجاهد: (﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾، قال: لا يقضون منه وَطَرًا). وقال: (يثوبون إليه، لا يقضون منه وطرًا). ٢ - قال ابن عباس: (لا يقضُون منه وَطرًا، يأتونه، ثمَّ يرجعون إلى أهليهم، ثمَّ يعودون إليه). ٣ - قال السدي: (أما المثابة، فهو الذي يثوبون إليه كل سنة، لا يدعه الإنسان إذا أتاه مرّةً أن يعود إليه). ٤ - قال أبو عمرو: حدثني عبدة بن أبي لبابة في قوله: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾، قال: (لا ينصرِف عنه منصرف وهو يرى أنَّه قد قضى منه وطرًا). ٥ - وقال سعيد بن جبير: (يَحُجُّون ويثوبون). وقال: (يحجّون ثمَّ يحجّون، ولا يقضون منه وطرًا). ٦ - وقال قتادة: (مجمعًا). وقال ابن زيد: (يثوبون إليه من البلدان كلِّها ويأتونه). وقوله: ﴿وَأَمْنًا﴾. يعني: مَعاذًا لمن استعاذ به. كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ

стр. 391

النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ. . .﴾ [العنكبوت: ٦٧]. وأما أقوال أئمة التفسير فيها: ١ - قال ابن زيد: (من أمّ إليه فهو آمن، كان الرجل يلقى قاتلَ أبيه وأخيه فلا يعرضُ له). ٢ - وقال السدي: (من دخله كان آمنًا). وقال مجاهد: (تَحْريمُه، لا يخافُ فيه من دخله). ٣ - وقال الربيع: (أمنًا من العدو أن يَحمل فيه السلاح، وقد كان في الجاهلية يتخطف الناسُ من حولهم وهم آمنون لا يُسبَوْن). وقوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. القراءة المشهورة الراجحة لقوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا﴾ هي بكسر الخاء، وهي قراءة عامة قراء الكوفة والبصرة ومكة، وبعض قراء المدينة. وأما القراءة بفتح الخاء فبعيدة تخالف الأمر الإلهي للمؤمنين باتخاذ مقام إبراهيم مصلى. فقد أخرج البخاري في صحيحه، عن أنس قال: [قال عُمَرُ ﵁: وافَقْتُ اللهَ في ثلاثٍ - أو وافقني ربي في ثلاث - قلتُ يا رسول الله لو اتَّخَذْتَ من مقام إبراهيم مصلَّى؟ فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. وقلت: يا رسول الله يَدْخُلُ عليك البَرُّ والفاجِر فلو أَمَرْت أمَّهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب. قال: وبلغني مُعَاتَبَةُ النبي ﷺ بعضَ نسائه فدَخَلْتُ عَلَيْهِنَّ قُلْتُ: إن انْتَهَيْتُنَّ أو لَيُبَدِّلَنَّ الله رسولَهُ ﷺ خيرًا منكنَّ، حتى أتيت إحدى نسائه قالت: يا عُمَرُ، أما في رسول الله ﷺ ما يَعِظُ نِساءَهُ حتى تَعِظَهُنَّ أنتَ؟ فأنزل الله: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ﴾] (١). ورواه البخاري أيضًا في كتاب الصلاة من حديث أنس بلفظ: [قال عمر: وافقت ربي في ثلاث، قلت: يا رسول الله! لو اتَّخَذْنا من مقام إبراهيم مصلى؟ فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. وآية الحجاب، قلت: يا رسول الله! لو أمرت نساءك أن يَحْتَجِبْنَ فإنَّه يُكَلِّمُهُنَّ البَرُّ والفاجر، فنزلت آية الحجاب، واجتمع نساءُ النبي ﷺ في

стр. 392

الغَيْرَةِ عليه، فقلت لهن: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ فنزلت هذه الآية] (١). ورواه مسلم عن عمر بلفظ: [وافقت ربي في ثلاث: في الحجاب، وفي أسارى بدر، وفي مقام إبراهيم] (٢). وأما مفهوم: ﴿مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ ففيه أقوال: ١ - قال ابن عباس: (الحج كله مقامُ إبراهيم). وقال مجاهد: (الحج كله). ٢ - قال مجاهد: (مقامه: جمعٌ وعَرفة ومِنىً). ٣ - وقال الشَّعبي: (نزلت عليه وهو واقف بعرفةَ، مقام إبراهيم: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾). وقال عطاء، عن ابن عباس: (مقامه، عرفة). ٤ - وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (في قوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، قال: الحرمُ كله ﴿مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾). ٥ - عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: (جعل إبراهيم يبنيه، وإسماعيل يناوله الحجارة، ويقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. فلما ارتفع البنيان، وضعُف الشيخ عن رفع الحجارة، قام على حجر، فهو ﴿مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾). ٦ - عن السدي: (﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، وهو الصلاة عند مَقامه في الحج). وقال الربيع: (فهم يصلون خلف المقام). والراجح من هذه الأقوال هو أن مقام إبراهيم هو المقام المعروف بهذا الاسم، في المسجد الحرام، والذي أمر الله المؤمنين باتخاذه مصلى، وبذلك ثبت في أسباب نزول هذه الآية كما ورد في الصحيحين. وفي صحيح البخاري عن عمرو بن دينار، قال: سمعت ابن عمر يقول: [قَدِمَ رسول الله ﷺ فطاف بالبيت سبعًا، وصلّى خلف المقام ركعتين] (٣). وفي صحيح مسلم من حديث جابر - في حجة النبي ﷺ قال: [حتى إذا أتينا البَيْتَ

стр. 393

مَعَهُ، استلم الرُّكْنَ فَرَمَلَ ثلاثًا ومشى أربعًا، ثمَّ تَقَدَّمَ إلى مقام إبراهيم ﵇، فقرأ ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، فجعل المَقَامَ بينه وبين البيت. .] (١). قال الحافظ ابن كثير: (المراد بالمقام: إنما هو الحَجَرُ الذي كان إبراهيم ﵇ يقوم عليه لبناء الكعبة، لما ارتفع الجدار أتاه إسماعيل ﵇ به ليقوم فوقه، ويناوله الحجارة، فيضعها بيده لرفع الجدار، وكلّما كمل ناحية انتقل إلى الناحية الأخرى، يطوف حول الكعبة، وهو واقف عليه، كلما فَرَغ من جدار نقله إلى الناحية التي تليها، وهكذا حتى تم جدران الكعبة، كما سيأتي بيانه في قصة إبراهيم وإسماعيل في بناء البيت، من رواية ابن عباس عند البخاري. وكانت آثار قدميه ظاهرة فيه، ولم يزل هذا معروفًا تعرفه العرب في جاهليتها). ثمَّ ساق أثرًا عن أنس بن مالك قال: (رأيت المقام فيه أثر أصابعه ﵇، وأخمص قدميه، غير أنَّه أذهبه مسح الناس بأيديهم). ثمَّ قال: (وقد كان هذا المقام ملصقًا بجدار الكعبة قديمًا، ومكانه معروف اليوم إلى جانب الباب مما يلي الحجر يمنة الداخل من الباب). وإنما أخّره عن جدار الكعبة أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب ﵁، كما قال مجاهد: (أوّل من أخّر المقام إلى موضعه الآن عمر بن الخطّاب ﵁). وروى الحافظ أبو بكر البيهقي عن عائشة ﵂: [إنَّ المقام كان في زمان رسول الله ﷺ ، وزمان أبي بكر ﵁، ملتصقًا بالبيت، ثمَّ أخَّرَه عمر بن الخطاب ﵁] (٢). وقوله: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾. التأويل: أمرنا إبراهيم وإسماعيل بتطهير البيت الحرام للطائفين من الأصنام وعبادة الأوثان وألوان الشرك بالله سبحانه. فعن ابن جريج قال: قلت لعطاء: ما عَهده؟ قال: (أمره). وقال ابن زيد:

стр. 394

(﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾، قال: أمرناه). فإن قال قائل هل كان في زمانهما شرك وعبادة أوثان؟ ! فالجواب من أحد وجهين: الوجه الأوّل: يعني ابنيا بيتي مطهرًا من الشرك والرَّيب. كما في التنزيل: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ. . .﴾ [التوبة: ١٠٩]. وبنحوه جاء عن السدي: (﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾، يقول: ابنيا بيتي للطائفين). الوجه الثاني: قيل بل الأمر بتطهير مكان البيت قبل بنائه مما كان لحق به من أوثان أهل الشرك على عهد نوح ومن قبله. قال ابن زيد: (﴿أَنْ طَهِّرَا﴾، قال: من الأصنام التي يعبدون، التي كان المشركون يعظمونها). وقال مجاهد: (من الشرك). وقال عطاء، عن عبيد بن عمير: (من الأوثان والرَّيب). وعن مجاهد أيضًا: (﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾، قال: من الأوثان). وقال قتادة: (من الشرك وعبادة الأوثان وقول الزور). قلت: ولكن هذا الوجه من التأويل لا دليل عليه من التنزيل أو السنة الصحيحة. فالراجح الوجه الأوّل، وملخصه أن الله تعالى أمر إبراهيم وإسماعيل ﵉ أن يبنيا الكعبة على اسمه وحده لا شريك له، للطائفين به والعاكفين عنده والمصلين إليه من الركع السجود. وقوله: ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ فيه قولان القول الأوّل: هم الغرباء الذين يأتون البيت الحرام من غُرْبَةٍ. فعن سعيد بن جبير في قوله: ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾، قال: (من أتاه من غُرْبة). القول الثاني: قيل بل "الطائفون" هم الذين يطوفون به، غرباء كانوا أو من أهله. واختاره ابن جرير. قال عطاء: (إذا كان طائفًا بالبيت فهو من الطائفين). وقوله: ﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾ يعني المقيمين به. ومنه قيل للمعتكف "معتكف" لأجل مقامه في الموضع الذي حبس فيه نفسه. ثم المعني بالعاكفين عند المفسرين على أقوال:

стр. 395

القول الأوّل: عني به الجالس في البيت الحرام بغير طواف ولا صلاة. قال عطاء: (إذا كان طائفًا بالبيت فهو من الطائفين، وإذا كان جالسًا فهو من العاكفين). القول الثاني: ﴿العاكفون﴾ هم المعتكفون المجاورُون. قال مجاهد: (﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ﴾، قال: المجاورُون). القول الثالث: ﴿العاكفون﴾، هم أهل البلد الحرام. قال سعيد بن جبير: (﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾، قال: أهل البلد). وقال قتادة: (العاكفون، أهلُه). القول الرابع: ﴿العاكفون﴾. هم المصلُّون. قال ابن جريج، قال ابن عباس: (العاكفون، المصلون). واختار ابن جرير القول الأوّل، يعني الجالس المقيم في البيت مجاورًا فيه بغير طواف ولا صلاة. ويؤيد ذلك ما رواه ابن أبي حاتم بسنده عن حمّاد بن سلمة، عن ثابت، قال: قلت لعبد الله بن عُبيد بن عُمير: ما أراني إلا مُكَلِّم الأمير أن أمنع الذين ينامون في المسجد الحرام، فإنهم يُجْنِبُون ويُحْدِثون. قال: (لا تفعل، فإن ابن عمر سئل عنهم فقال: هم العاكفون) (١). وفي صحيح البخاري عن نافع قال: (أخبرني عَبْدُ الله بنُ عُمَرَ أنَّه كان ينام وهو شابٌّ أعزَبُ لا أهل له في مسجد النبي ﷺ ) (٢). وقوله: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾. يعني: الجماعة الراكعين فيه والساجدين فيه لله . وقيل بل المقصود المصلون. قال عطاء: (إذا كان يصلي فهو من "الركع السجود").

стр. 396

وقال قتادة: (﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾، أهل الصلاة). ولا تعارض بين القولين. وفي التنزيل: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦]. وقد استدلّ الشافعي وأبو حنيفة بهذه الآية على جواز الصلاة الفرض والنفل داخل البيت. قال الشافعي ﵀: (إن صلى في جوفها مستقبلًا حائطًا من حيطانها فصلاته جائزة، وإن صلى نحو الباب والباب مفتوح فصلاته باطلة، وكذلك من صلى على ظهرها، لأنه لم يستقبل منها شيئًا). وقال مالك: (لا يصلي فيه الفرض ولا السنن، ويصلي فيه التطوع، غير أنَّه إن صلّى فيه الفرض أعاد في الوقت). قلت: ولا دليل يمنع من الصلاة داخل الكعبة، أو التفريق بين الفرض والنافلة، فقد صلى رسول الله ﷺ داخلها ولم ينقل عنه أنَّه فرّق بين فريضة أو نافلة لمن صلى فيها. ففي صحيح مسلم عن ابن عمر ﵄ قال: [قدم رسول الله ﷺ يوم الفتح فنزل بِفِنَاءِ الكعبة، وأرسل إلى عثمان بن طلحة، فجاء بالمِفْتَحِ، ففتح البابَ، - قال -: ثمَّ دخل النبي ﷺ وبلالٌ وأسامةُ بنُ زَيْدٍ وعُثْمانُ بنُ طلحة، وأمر بالباب فأغلِقَ، فلبثوا فيه مَلِيًّا ثمَّ فَتَح الباب. قال عبد الله: فبادرت الناس، فَتَلَقَّيْتُ رسول الله ﷺ خارِجًا، وبلالٌ على إِثْرِه، فقلت لبلال: هل صلّى فيه رسولُ الله ﷺ ؟ قال: نعم، قلت: أين؟ قال: بين العمودَيْنِ تلِقاء وجهِه، قال: ونسيت أن أَسْأَلَهُ: كم صلّى] (١). وقد اختلف العلماء أيّما أفضل الصلاة عند البيت أو الطواف به؟ فقال مالك: (الطواف لأهل الأمصار أفضل، والصلاة لأهل مكة أفضل). وذُكر عن ابن عباس وعطاء ومجاهد. والجمهور على أن الصلاة أفضل. حكاه القرطبي. ١٢٦. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ

стр. 397

مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَال وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. في هذه الآية: دعا إبراهيم ﵊ لذريته وغيرهم بالأمن ورغد العيش، وفي أن يبقى البلد المبارك - مكة - آمنًا من الجبابرة وأهل الظلم أن يسلّطوا عليه، وآمنًا من عقوبة الله أن تناله كما تنال سائر البلدان، من خسف وائتفاك وغرق، وغير ذلك من سخط الله وَمَثُلاته التي يُنزلها بسائر البلاد غيره. فلم تزل مكة بعد ذلك حرمًا من الجبابرة والمتسلطين، ومن الخسوف والزلازل، وسائر المثلات التي تصيب البلاد. قال القرطبي: (وجعل في النفوس المتمرّدة من تعظيمها والهيبةِ لها ما صار به أهلها متميّزين بالأمن من غيرهم من أهل القرى. ولقد جعل فيها سبحانه من العلامة العظيمة على توحيده ما شوهد من أمر الصيد فيها، فيجتمع فيها الكلب والصيد فلا يهيج الكلب الصيدَ ولا ينفر منه، حتى إذا خرجا من الحرم عدا الكلب عليه وعاد إلى النفور والهرب). ثمَّ إن مكة كانت حلالًا قبل دعوة إبراهيم ﵇ كسائر البلاد، فصارت بدعوته حرامًا كما صارت المدينة بتحريم رسول الله ﷺ أمْنًا بعد أن كانت حلالًا. وفي ذلك أحاديث: الحديث الأوّل: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن زيد بن عاصم، أن رسول الله ﷺ قال: [إن إبراهيم حرَّم مكةَ ودعا لأهلها، وإني حرّمت المدينةَ كما حرَّم إبراهيم مكة، وإني دعوت في صاعها ومُدِّها بمِثْلَي ما دعا به إبراهيم لأهل مكة] (١). الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم عن جابر قال: قال النبي ﷺ : [إن إبراهيم حرَّم مكة، وإني حرَّمت المدينة ما بينَ لابتَيْها، لا يُقْطع عِضَاهُهَا (٢) ولا يُصادُ صيدها] (٣). الحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم من حديث أنس، يقول: [قال رسول الله ﷺ لأبي طلحةَ: التَمِسْ لي غلامًا من غِلمانِكُمْ، يَخْدُمُني، فخرج بي أبو طلحة يُرْدِفُني

стр. 398

وراءه، فكنت أخدُم رسول الله ﷺ كلما نزل، وقال في الحديث: ثمَّ أقبل، حتى إذا بدا له أُحُدٌ قال: هذا جبل يُحِبُّنا ونُحِبُّه. فلما أشرف على المدينة قال: اللهم! إني أُحَرِّمُ ما بين جَبَلَيْها مثلَ ما حرّم به إبراهيم ﵊ مكة، اللهم! بارِك لهم في مُدِّهم وصاعهم] (١). الحديث الرابع: أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: [إن هذا البلد حرَّمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يَحِلَّ القتال فيه لأحد قبلي، ولم يَحِلَّ لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضَدُ شوكه، ولا يُنَفَّرُ صيدُه، ولا تُلتقط لُقَطَتُه إلا من عرّفها، ولا يختلى خلاها. فقال العباس: يا رسول الله إلا الإذْخر فإنَّه لقَينهم ولبيوتهم. فقال: إلا الإذخِرَ] (٢). ولا منافاة بين الحديث الرابع وما قبله، فإنَّه جاء فيه أن الله حرّم مكة يوم خلق السماوات والأرض، في حين جاء في الأحاديث قبله أن إبراهيم حرّمها. ووجه الجمع: إن إبراهيم ﵇ بلَّغ عن الله حُكمه فيها وتحريمه إياها منذ خلق السماوات والأرض. قال ابن كثير: (لم تزل بلدًا حرامًا عند الله قبل بناء إبراهيم ﵇ لها، كما أنَّه قد كان رسول الله ﷺ مكتوبًا عند الله خاتم النبيين، وإن آدمَ لَمُنْجَدِلٌ في طينته، ومع هذا قال إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾، الآية، وقد أجاب الله دعاءه بما سبق في علمه وقدره). وقوله: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾. أي: من الخوف، لا يَرْعَبُ أهله. وقد فعل الله ذلك شرعًا وقدرًا. كما قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾. وفي سورة العنكبوت: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾.

стр. 399

وفي صحيح مسلم عن جابر قال: سمعت النبي ﷺ يقول: [لا يحلُّ لأحَدِكُمْ أن يحمِلَ بمكةَ السلاح] (١). وقوله: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. قال القاسمي في التفسير: (إنما سأل إبراهيم ﵊ ذلك، لأنَّ مكة لم يكن بها زرع ولا ثمر، فاستجاب الله تعالى له، فصارت يُجْبى إليها ثمرات كل شيء ﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ بدل من ﴿أَهلَهُ﴾ وبدل البعض، يعني: ارزق المؤمنين من أهله خاصة. وإنما خصّهم بالدعاء إظهارًا لشرف الإيمان، واهتمامًا بشأن أهله، ومراعاة لحسن الأدب في المسألة. حيث ميّز الله تعالى المؤمنين عن الكافرين، في باب الإمامة، في قوله: ﴿لَا يَنَال عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾). وقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾. اختلف فيه أهل التفسير من قائله: القول الأوّل: هو قول ربنا تعالى ذكره. والتأويل: من كفَرَ فأمتعه قليلًا برزقي من الثمرات في الدنيا، إلى أن يأتيه أجله. وقرأها أصحاب هذا القول: ﴿فَأُمَتِّعُهُ﴾. فعن أبي بن كعب في قوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾، قال: (هو قول الرب تعالى ذكره). وقال ابن إسحاق فيه: (وعَدَلَ الدَّعْوة (٢) عمن أبى الله أن يجعل له الولاية، انقطاعًا إلى الله ومحبة، وفراقًا لمن خالف أمره، وإن كانوا من ذريته، حين عرف أنَّه كائن منهم ظالمٌ لا ينال عهده، بخبره عن ذلك حين أخبره قال الله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ - فإني أرزق البرّ والفاجر - ﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾). القول الثاني: بل هو قول إبراهيم ﵊. قيل هو على وجه المسألة منه ربّه أن يرزق الكافر أيضًا من الثمرات بالبلد الحرام كما يرزق المؤمن ويُمتعه قليلًا. وقرأها هؤلاء ﴿فَأُمَتِّعُهُ﴾ وكذلك ﴿ثُمَّ اضْطَرَّهُ﴾ على وجه الدعاء من إبراهيم لهم والمسألة. حكاه الطبري.

стр. 400

قال أبو العالية: (كان ابن عباس يقول: ذلك قولُ إبراهيم، يسأل ربَّهُ أنَّ من كفر فأمْتِعه قليلًا). واختار ابن جرير قول أبي بن كعب والقراءة الأولى فهي المشهورة التي قامت بها الحجة بالنقل المستفيض. قال: (فتأويل الآية: قال الله: يا إبراهيم، قد أجبتُ دعوتكَ، ورزقت مُؤمني أهل هذا البلد من الثمرات وكفارهم، متاعًا لهم إلى بلوغ آجالهم، ثمَّ أضْطر كفارهم بعد ذلك إلى النار). وقوله: ﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾. أي: أجعل رزقي له من ذلك متاعًا مؤقتًا إلى وقت مماته. وقيل: فأمتعه بالبقاء في الدنيا. وقيل: فأمتعه في كفره قليلًا بمكة حتى أبعث محمدًا ﷺ فيقتله أو يجليه. والتأويل الأوّل أصوب ويدل عليه السباق. قال مجاهد: (﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾، يقول: ومن كفر فأرزقه أيضًا). وفي الصحيحين من حديث أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: [ليس أحدٌ أصبرَ على أذىً سمِعَهُ مِن الله، إنهم ليدعون له ولدًا، وإنه ليعافيهم ويرزقهم] (١). وفي لفظ: [ما أحدٌ أصبرَ على أذى سمعه من الله، يَدَّعون له الولدَ ثمَّ يعافيهم ويرزقهم] (٢). وفي لفظ لمسلم: [لا أحدَ أصبرُ على أذىً يسمعه من الله ، إنه يُشْرَكُ به، ويُجْعَلُ له الولد، ثمَّ هو يعافيهم ويرزقهم]. وفي صحيح البخاري عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الله لَيُمْلي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفْلتْهُ. قال: ثمَّ قرأ ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾] (٣).

стр. 401

وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾. قال ابن جرير: (ثم أدفعه إلى عذاب النار وأسوقه إليها). وهو من الاضطرار: أي الإكراه. وفي التنزيل: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨)﴾ [الحج]. وفيه أيضًا: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣]. ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر: ٤٨]. وقوله: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. قال النسفي: (المرجع الذي يصير إليه النار فالمخصوص بالذم محذوف). ١٢٧ - ١٢٨. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)﴾. في هذه الآيات: ذكر رفع إبراهيم وإسماعيل ﵉ قواعد البيت يرجون القبول بذلك من الله السميع العليم. وهم يدعونه الثبات على الإسلام والذرية الصالحة، وأن يبين لهم أمر مناسك دينهم ويتوب عليهم إنَّه هو التواب الرحيم. والقواعد: جمع قاعدة، وهي السارية والأساس. قال البخاري ﵀ في صَحيحه: باب: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. ﴿الْقَوَاعِدَ﴾: أساسُه، واحدَتها قاعدة. ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ ... ﴾ [النور: ٦٠]. واحِدَتُها قاعِدُ. ثم روى عن عائشة ﵂ زوج النبيِّ ﷺ : [أن النبي ﷺ قال: ألم تَرَيْ أنَّ قومك بَنَوا الكعبةَ واقتصروا عَنْ قواعد إبراهيم؟ فقلت: يا رسول الله، ألا تَرُدّها على قواعد إبراهيم؟ قال: لولا حِدْثانُ قومِك بالكفر. فقال عبد الله بن عُمَرَ: لئن كانت عائشة

стр. 402

سمعت هذا من رسول الله ﷺ ، ما أرى رسولَ الله ﷺ تَرَك استِلامَ الرّكْنين اللّذين يليان الحِجْرَ إلا أن البيت لم يتمَّم على قواعد إبراهيم] (١). وفي صحيح البخاري عن عائشة -أيضًا- ﵂ قالت: [قال لي رسول الله ﷺ : [لولا حداثَةُ قومِكِ بالكفر لنقضتُ البيتَ ثمَّ لبَنَيْتُهُ على أساس إبراهيم ﵊، فإن قُرَيشًا استَقْصَرَتْ بناءَه وجعلت له خَلْفًا. قال أبو معاوية: حَدَّثنا هشام: خلْفًا يعني بابًا] (٢). وفي الصحيحين واللفظ للبخاري عن عُروة، عن عائشة ﵂: [أن النبي ﷺ قال لها: "يا عائشةُ، لولا أن قومَك حديثُ عهدٍ بجاهلية لأمَرتُ بالبيت فَهُدِمَ فأدخلت فيه ما أُخرِج منه، وألزقته بالأرض، وجعلتُ له بابين، بابًا شرقيًا وبابًا غربيًا، فبلغت به أساس إبراهيم". فذلك الذي حمل ابنَ الزبير على هدْمه. قال يزيد: وشهدت ابنَ الزبير حين هدمه وبناه، وأدْخَلَ فيه من الحِجْرِ، وقد رأيت أساسَ إبراهيمَ حجارة كأسنمة الإبل، قال جرير: فقلت له: أين مَوضِعُهُ؟ قال: أُريكَهُ الآن، فَدَخَلْتُ معه الحِجْرَ فأشار إلى مكانٍ فقال: ها هُنا. قال جرير: فَحَزَرْتُ من الحِجر ستَّةَ أذرُع أو نحْوها] (٣). وقوله: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾. فهما في عمل صالح، ومع ذلك فهما يخافان الله ألا يتقبل، فيلجآن إليه بالدعاء أن يمتن سبحانه بالقبول. يروي ابن أبي حاتم عن وُهَيْب بن الورد: (أنه قرأ: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ ثم يبكي ويقول: يا خليل الرحمن، ترفع قوائم بيت الرحمن وأنت مشفق أن لا يتقَبَّلَ منك). وهذه الآية كقوله تعالى في سورة "المؤمنون": ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾. أي: يعطون ما أعطوا من الصدقات والنفقات والقربات وقلوبهم خائفة أن لا يتقبل منهم.

стр. 403

أخرج الإمام أحمد فيِ المسند عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: [سألت رسول الله ﷺ عن هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ قالت عائشة: هم الذين يشربون الخمر ويسرفون؟ قال: لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون وهم يخافون أن لا يقبل منهم أولئك الذين يسارعون في الخيرات] (١). فهذه صفات المؤمنين كما وصفهم بذلك ربهم ، وإمامهم بذلك الأنبياء والرسل من قبل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فهذا إبراهيم وإسماعيل يرفعان أعمدة البيت ويؤسسان قواعده ويسألان الله سبحانه الرضى والقبول. أخرج البخاري في صحيحه عن سعيد بن جبير: قال ابن عباس: [أوَّلَ ما اتَّخَذَ النساءُ المِنْطَقَ من قِبَلِ أُمِّ إسماعيل، اتخَذَتْ مِنْطقًا لِتُعَفِّيَ أثَرَها على سارَة، ثم جاء بها إبراهيمُ وبابنِها إسماعيلَ وهيَ تُرضِعُهُ حتى وضعَهُما عند البيت عِندَ دَوحَةٍ فوق الزمزَمِ في أعلى المسجد وليس بمكةَ يومئذ أحَدٌ، وليس بها ماءٌ فَوَضَعَهُما هُنالك، ووضَعَ عنْدَهُما جِرابًا فيه تَمْرٌ وسِقاءً فيه ماءٌ ثمَّ قَفَّى إبراهيم مُنطَلِقًا، فتَبِعَتْهُ أمُّ إسماعيلَ فقالت: يا إبراهيمُ، أين تذهَبُ وتترُكُنا في هذا الوادي الذي ليسَ فيه أنيسٌ ولا شيءٌ؟ فقالت له ذلك مِرارًا، وجعل لا يَلْتَفِتُ إليها فقالت له: آللهُ أمركَ بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا يُضَيّعُنا، ثم رَجَعَتْ، فانطلق إبراهيمُ حتى إذا كان عند الثَّنِيةِ حيثُ لا يرَوْنَهُ استقبل بوجهِه البيتَ ثم دعا بهؤلاء الدعوات ورفع يديه فقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ] حتى بلغ: ﴿يَشْكُرُونَ﴾. وجعلت أمُّ إسماعيلَ تُرْضِعُ إسماعيلَ وتَشرَبُ من ذلك الماء حتى إذا نفِدَ ما في السِّقَاء عطِشَتْ وِعَطِشَ ابنُها فجعلت تنظر إليه يتلوى -أو قال: يتلَبط- فانطلقت كراهية أن تَنْظُرَ إليه، فوَجدَتِ الصفا أقربَ جبلٍ في الأرض يليها، فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تَنْظُرُ هل ترى أحدًا فلم ترَ أحدًا، فهَبَطَتْ من الصَّفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طَرَفَ دِرْعِها ثم سَعَتْ سَعْيَ الإنسانِ المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها فنظرت هل ترى أحدًا فلم تَرَ أحدًا، ففعلت ذلك سَبْعَ مرّات. قال ابن عباس: قال النبي ﷺ : "فذلك سَعْيُ الناس بينهما"، فلما أشرفت على المَرْوَةِ سَمِعَتْ صوتًا فقال: صَهٍ، تريدُ نَفْسَها، ثم تَسَمعَتْ فَسَمِعَتْ أيضًا، فقالت: قد أسمعت إنْ كان عِندكَ غُواثٌ، فإذا هِيَ بالمَلَكِ عندَ مَوْضِعِ زَمْزَمَ فَبَحَثَ بِعَقبهِ -أو قال: بجناحِه-

стр. 404

حتى ظهر الماء فجعلت تُحَوِّضُهُ وتقول بيدها هكذا، وجَعَلتْ تَغْرِفُ من الماء في سِقائِها وهوَ يفورُ بَعْدَما تَغْرِفُ. قال ابن عباس: قال النبي ﷺ : "يَرْحَمُ اللهُ أمَّ إسماعيلَ لو تركتْ زمزم -أوْ قال: لوْ لمْ تَغْرِف من زَمْزَمَ- لكانت زمزمُ عَينًا مَعِينًا"، قال: فشربَتْ وأرضَعَتْ ولدَها، فقال لها المَلَكُ: لا تخافوا الضيْعَةَ، فإن هذا بيتُ الله يبني هذا الغلامُ وأبُوه، وإن الله لا يُضِيعُ أهْلَه. وكان البيت مُرْتَفِعًا من الأرض كالرابية تأتيه السيولُ فتأخُذُ عن يمينهِ وشمالهِ، فكانت كذلك حتى مَرتْ بهم رُفْقَة من جُرْهُمَ -أوْ أهل بَيْتٍ من جُرْهم- مقبلين من طريق كَدَاءً فنزلوا في أسفل مكَّةَ فَرَأوْا طائرًا عائِفًا فقالوا: إنّ هذا الطائرَ ليدورُ على ماءً، لَعَهْدُنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جَرِيًّا أو جَرِيَّيْن فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء فأقبلوا -قال: وأم إسماعيل عِنْدَ الماء- فقالوا: أتَأذَنِينَ لنا أن نَنْزِلَ عِنْدَكِ؟ قالت: نَعَمْ، ولكِنْ لا حَقَّ لكم في الماء، قالوا: نَعَمْ. قال ابن عباس: قال النبي ﷺ : "فألْفى ذلك أمَّ إسماعيل وهي تُحِبُّ الأنْسَ" فنزلوا وأرسلوا إلى أهْلِيهم فنزلوا معهم حتى إذا كان بها أهلُ أبياتٍ مِنْهُم، وشبَّ الغلام وتَعَلَّمَ العَرَبِيَّةَ منهم، وأنْفسَهُمْ وأعْجَبَهُمُ حين شَبَّ، فلما أدْركَ زَوَّجوه امرأةً منهم، وماتت أمُّ إسماعيلَ فجاء إبراهيمُ بعدما تَزَوَّجَ إسماعيل يُطالِعُ تَرِكَتَهُ فَلَمْ يَجِدْ إسماعيلَ، فسألَ امرأتَهُ عنه فقالت: خرج يبتغي لنا، ثم سألها عن عَيْشِهِمْ وهيئتهِمْ، فقالت: نحن بِشَرٍّ، نحنُ في ضيقٍ وشِدَّة، فشكت إليه، قال: فإذا جاء زوجُكِ اقرَئي ﵇ وقولي له يُغيِّرُ عَتبَةَ بابه، فلما جاء إسماعيل كأنه آنَسَ شيئًا فقال: هل جاءكم مِنْ أحد؟ قالت: نَعم، جاءنا شيخٌ كذا وكذا فَسَألنا عنكَ فأخْبَرْتُهُ، وسألني كيف عَيْشُنا، فأخْبَرْتُه أنّا في جَهْدٍ وشِدَّة، قال: فهَلْ أوصاكِ بشيءٍ؟ قالت: نعم، أمرني أن أقرأَ عليكَ السَّلامَ ويقول: غَيِّرْ عَتبَةَ بابِك. قال: ذاك أبي، وقد أمرني أن أفارقك، الحَقِي بأهلك فطلَّقها. وتزوج منهم امرأة أخرى، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله ثم أَتاهُم بَعْدُ فلم يَجِدْهُ، فدخل على امرأته فسألها عنه فقالت: خرج يبتغي لنا، قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عَيْشِهم وهيئتِهم، فقالت: نحن بِخيْرٍ وسَعَة، وأثْنَتْ على الله ، فقال: ما طَعامُكم؟ قالت: اللحْمُ، قال: فما شرابكم؟ قالت: الماءُ، قال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء. قال النبي ﷺ : "ولم يكُنْ لهم يومئذ حَبٌّ، ولو كان لهم دعا لهم فيه". قال: فهُما لا يخْلو عليهما أحَدٌ بغير مكّةَ إلا لمْ يوافِقاه، قال: فإذا جاء زوجُك

стр. 405

فاقْرئي ﵇ ومُريه يُثْبِتُ عَتبَةَ بابه، فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم، أتانا شيخٌ حَسَنُ الهيئة -وأثْنَتْ عليه- فسألني عَنكَ فَأخْبَرْتُهُ، فسألني كيف عَيْشُنا؟ فأخبرته أنا بخير، قال: فأوصاك بشيء؟ قالت: نعم، هو يقرأ عليكَ السَّلامَ ويأمرك أن تُثْبِتَ عَتبةَ بابك، قال: ذاك أبي وأنت العَتبَةُ، أَمَرَني أن أمْسِكَكِ، ثم لبثَ عَنْهُم ما شاءَ اللهُ ثم جاءَ بعد ذلك وإسماعيلُ يَبْرِي نَبْلًا له تحت دَوْحةِ قريبًا من زَمْزَمَ، فلمَّا رآه قام إليه فصَنَعَا كما يصنعُ الوالِدُ بالوَلَدِ والولَدُ بالوالدِ، ثم قال: يا إسماعيلُ، إن الله أمرني بأمْرٍ، قال: فاصْنَعْ ما أمَرَكَ ربُّكَ، قال: وتُعِينُنِي؟ قال: وأعِينُكَ، قال: فإن الله أمرني أن أبْنِيَ هاهُنا بَيْتًا -وأشارَ إلى أكمَةٍ مُرْتَفِعَةِ على ما حَوْلها- قال: فَعِنْدَ ذلك رَفَعا القواعِدَ من البيتِ، فجعل إسماعيلُ يأتي بالحجارة وإبراهيمُ يبنِي حتى إذا ارتفع البناءُ جاء بهذا الحَجَر فَوَضَعَهُ له فقام عليه وهو يبني وإسماعيل يناوِلُهُ الحجارة وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. قال: فجعلا يبنِيَان حتى يَدُورَا حول البيت وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾] (١). وفي رواية: [فقال: يا إسماعيل: إن ربَّك أمَرَني أن أَبْنِيَ له بيتًا، قال: أطِعْ ربَّكَ، قال: إنَّه قد أمرني أن تُعينَني عليه، قال: إذَنْ أفعلَ، أو كما قال: قال: فقاما فجعل إبراهيمُ يبني، وإسماعيل يناوِلهُ الحجارةَ ويقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ قال: حتى ارتفعَ البناءُ وضَعُفَ الشَّيخُ عن نَقْلِ الحِجارة فقام على حَجَر المَقام فجعل يناولُهُ الحِجارة ويقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾] (٢). وفي صحيح البخاري عن أبي ذر ﵁ قال: [قلت: يا رسول الله، أيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ في الأرض أوّلُ؟ قال: المسجدُ الحرامِ، قال: قلت: ثمَّ أيُّ؟ قال: المسجدُ الأقصى، قلت: كم كانَ بينَهما؟ قال: أربعون سنة، ثم أينما أدْرَكَتْكَ الصَّلاةُ بَعْدُ فَصَلهْ فإن الفَصلَ فيه] (٣). وبقيت الكعبة كذلك من أيام إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام، إلى قُبيل مبعث النبي ﷺ . فيوم كان ﵊ في الخامسة والثلاثين من عمره، قامت

стр. 406

قريش بتجديد بناء الكعبة حيث لم يكن لها سقف يغطيها، فاعتدى عليها نفر من اللصوص فسرقوا كنزها الذي كان في جوفها، كما كان قد جرف مكة سيل عرم قبل البعثة بخمس سنين، انحدر إلى البيت الحرام، أوشكت معه الكعبة على الانهيار، فرأت قريش تجديد بنائها، وتحديث إنشائها، واتفقوا ألا يُدخلوا في بنائها إلا طيبًا، فلا يدخلوا فيها مهرَ بغي، ولا بيعَ ربا، ولا مظلمة أحد من الناس، وكانوا يهابون هدمها. قال ابن إسحاق: (فلما بلغ رسول الله ﷺ خمسًا وثلاثين سنة، اجتمعت قريش لبنيان الكعبة، وكانوا يَهُمُّون بذلك ليَسْقُفوها، ويهابون هَدمَها، وإنما كانت رَضْمًا (١) فوق القامة، فأرادوا رَفْعها وتسقيفها، وذلك أن نفرًا سَرَقوا كنز الكعبة، وإنما كان يكون في بئر في جَوْف الكعبة، وكان الذي وُجِدَ عنده الكنز دُوَيكَ -مولى بني مُليح بن عمرو من خزاعة- فقطعت قريش يده. ويزعم الناس أن الذين سرقوه وضعوه عند دُوَيك). أخرج الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح، من حديث أبي الطفيل ﵁ قال: [كانت الكعبة في الجاهلية مبنية بالرضم، وكانت قدر ما يفتحها العناقة، وكانت غير مسقوفة، إنما توضع ثيابها عليها ثم تسدل سدلًا عليها، وكان الركن الأسود موضوعًا على سورها تأدبًا، وكانت ذات ركنين كهيأة الحلقة. فأقبلت سفينة من أرض الروم، حتى إذا كانوا قريبًا من جُدَّة، تكسرت السفينة، فخرجت قريش ليأخذوا خشبها، فوجدوا روميًا عندها، فأخذوا الخشب أعطاهم إياه. وكانت السفينة تريد الحبشة، وكان الرومي الذي في السفينة نجارًا، فقدموا، وقدموا بالرومي، فقالت قريش: نبني بهذا الخشب الذي في السفينة بيت ربنا. فلما أرادوا هدمه، إذا هم بحية على سور البيت مثل قطعة الحائر، سوداء الظهر، بيضاء البطن، فجعلت كلما دنا أحد إلى البيت ليهدمه أو يأخذ من حجارته، سعت إليه فاتحة فاها. فاجتمعت قريش عند المقام، فَعَجُّوا إلى الله فقالوا: رَبَّنا لم ترع، أردنا تشريف بيتك، فإن كنت ترضى بذلك، وإلا فافعل ما بدا لك. فسمعوا خوارًا في

стр. 407

السماء، فإذا بطائر أسود الظهر، أبيض البطن والرجلين، أعظم من البشر، فغرز مخاليبه في رأس الحية، حتى انطلق بها يجر ذنبها، أعظم من كذا وكذا ساقطًا، فانطلق نحو أجياد، فهدمتها قريش، وجعلوا يبنونها بحجارة الوادي تحملها قريش على رقابها، فرفعوها في السماء عشرين ذراعًا. فبينما النبي ﷺ يحمل حجارة من أجياد، وعليه نمرة، فضاقت عليه النمرة، فذهب يضع النمرة على عاتقه، فتُرى عورتُه من صغر النمرة، فنودي يا محمد، خمِّر عورتك، فلم ير عريانًا بعد ذلك، وكان يرى بين بناء الكعبة وبين ما أنزل عليه خمس سنين، وبين مخرجه وبنيانها خمس عشرة سنة] (١). وكان الوليد بن المغيرة المخزومي هو الذي ابتدأ في هدمها ثم تبعه الناس لما رأوا أنه لم يصبه شيء، ولم يزالوا في الهدم حتى نقضوها واستأنفوا بناءها من جديد، فجزؤوا البناء وخصصوا لكل قبيلة جزءًا منها، فجمعت كل قبيلة حجارة على حدة وأخذوا يبنونها وقد تولّى البناء بَنَّاءٌ روميّ اسمه باقوم. أخرج البخاري من حديث جابر قال: [إن رسول الله ﷺ كان ينقل معهم الحجارة للكعبة وعليه إزاره، فقال له العباس عمه: يا ابن أخي، لو حللت إزارك، فجعلته على منكبك، دون الحجارة، قال: فحلَّهُ، فجعله على منكبه، قال: فسقط مغشيًا عليه، فما رُئيَ بعد ذلك اليوم عريانًا] (٢). ولما بلغوا موضع الحجر الأسود اختلفوا فيمن يمتاز بشرف وضعه في مكانه، واستمر النزاع أربع ليال أو خمسًا حتى كاد أن يتحول إلى قتال: إلا أن أبا أميَّة بن المغيرة المخزومي اقترح تحكيم أول داخل من باب الصفا، وشاء الله أن يكون محمدًا، فلما رأوه هتفوا هذا الأمين، ارتضيناه حكمًا. أخرج الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح، من حديث عليّ قال: [لما أرادوا أن يرفعوا الحجر "يعني قريشًا" اختصموا فيه، فقالوا: يحكم بيننا أول رجل

стр. 408

يخرج من هذه السكة، قال: وكان رسول الله ﷺ أول من خرج عليهم، فجعلوه في مرط، ثم رفعه جميع القبائل كلها، ورسول الله يومئذ رجل شاب يعني قبل البعثة. وفي رواية قال: لما رأوا النبي ﷺ قد دخل قالوا: قد جاء الأمين] (١). وفي صحيح مسلم عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : [إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم عليَّ قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن] (٢). قال ابن إسحاق: (وكانت الكعبة على عهد النبي ﷺ ثمانية عشر ذراعًا، وكانت تُكسى القباطيّ، ثم كسيت بعدُ البرودَ، وأوّلُ من كساها الديباج الحجاج بن يوسف). ولم تنزل الكعبة كذلك على بناء قريش حتى احترقت في أول إمارة عبد الله بن الزبير بعد سنة ستين، في آخر ولاية يزيد بن معاوية، لما حاصروا ابن الزبير، فحينئذ نقضها ابن الزبير إلى الأرض وبناها على قواعد إبراهيم ﵇، وأدخل فيها الحجر، وجعل لها بابًا شرقيًا وبابًا غربيًا ملصقين بالأرض، كما سمع ذلك من خالته عائشة أم المؤمنين ﵂ عن رسول الله ﷺ ، ولم تزل كذلك مُدّة إمارته حتى قتله الحجاج، فردّها إلى ما كانت عليه بأمر عبد الملك بن مروان له بذلك. ففي صحيح مسلم عن عطاء قال: [لما احترقَ البيت زمن يزيد بن معاوية حين غزاها أهل الشَّام، فكان من أمره ما كان، تركه ابن الزبير حتى قدِمَ النَّاسُ الموسم يريد أن يُجَرِّئهم -أو يُحَرِّبهم- على أهل الشَّام، فلما صدر الناس قال: يا أيها الناس، أشيروا عليّ في الكعبة أنقضها ثم أبني بناءها، أو أُصلح ما وهي منها؟ قال ابن عباس: إنَّه قد فُرِقَ لي رأي فيها، أرى أن تُصلِحَ ما وَهى منها، وتدع بيتًا أسلم الناس عليه، وأحجارًا أسلم الناس عليها، وبُعِثَ عليها النبي ﷺ . فقال ابن الزبير: لو كان أحدهم احترق بيته ما رَضِيَ حتى يُجَدّده، فكيف بيت ربكم ؟ إني مستخير ربي ثلاثًا، ثم عازم على أمري. فلما مضت ثلاث، أجمع رأيه على أن ينقُضَها. فتحاماها الناس أن ينزل بأول الناس يصعد فيه أمْر من السماء، حتى صَعِدَه رجل، فألقى منه حجارة، فلما لم يره الناس أصابه شيء تتابعوا، فنقضوه حتى بلغوا به الأرض، فجعل ابن الزبير أعمدةً يُسَتَّر عليها الستور، حتى ارتفع بناؤه. وقال ابن الزبير: إني سمعت عائشة رضي

стр. 409

الله عنها تقول: إن النبي ﷺ قال: "لولا أن الناس حديثٌ عهدهم بكفر، وليس عندي من النفقة ما يُقَوِّي على بنائه، لكنت أدخلت فيه من الحِجْر خمسة أذرع، ولجعلت له بابًا يدخل الناس منه، وبابًا يخرجون منه". قال: فأنا أجد ما أنفق، ولست أخاف الناس. قال: فزاد فيه خمسة أذرع من الحجر، حتى أبدى له أُسًّا نظر الناس إليه، فبنى عليه البناء. وكان طول الكعبة ثماني عشرة ذراعًا، فلما زاد فيه استقصره، فزاد في طوله عَشْرة أذرع، وجعل له بابين، أحدهما يدخل منه، والآخر يخرج منه. فلما قتل ابن الزبير، كتب الحجّاج إلى عبد الملك يُخْبره بذلك، ويخبره أن ابن الزبير قد وضع البناء على أس نظر إليه العُدول من أهل مكة، فكتب إليه عبد الملك: إنا لسنا من تلطيخ ابن الزبير في شيء، أما ما زاده في طوله فَأقِرَّه. وأما ما زاد فيه من الحِجر فَرُدَّهُ إلى بنائه، وسُدَّ الباب الذي فتحه. فنقضه وأعاده إلى بنائه] (١). وأما قريش فقد كانت رفعت بابها كبرًا وبغيًا وتحكمًا بالبيت ألا يدخلها إلا من أرادوا. ففي رواية للحديث السابق: [قال النبي ﷺ : وهل تدرينَ لم كان قومُكِ رفعوا بابها؟ قالت: قلت: لا، قال: تَعَزُّزًا أن لا يدخلَها إلا من أرادوا، فكان الرجل إذا هو أرادَ أن يدخُلَها يدعُونَه يرتقي، حتى إذا كادَ أن يدخُلَ دفعوه فسقط]. ثم إن عبد الملك ندم على ما فعل، لما جاءه من يؤكد له حديث عائشة، وكان عبد الملك يزعم أن ابن الزبير لم يسمع ذلك من عائشة. ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن عُبيد قال: [وَفَدَ الحارثُ بن عبد الله على عبد الملك بن مروان في خِلافته، فقال عبد الملك: ما أظنُّ أبا خُبَيْبٍ يعني ابن الزبير سمعَ من عائشة ما كان يزعم أنه سمعه منها، قال الحارث: بلى! أنا سَمِعْتُهُ منها، قال: سمعتها تقول ماذا؟ قال: قالت: قال رسول الله ﷺ : "إن قومك استقصروا من بُنْيان البيت، ولولا حداثَةُ عَهْدِهم بالشِّرك أعدْتُ ما تركوا منه، فإن بدا لِقومك، مِن بعدي، أن يبنُوه فَهَلُمِّي لأُرِيك ما تركوا منه". فأراها قريبًا من سبعة أذرع. قال عبد الملك للحارث: أنت سَمِعْتَها تقولُ هذا؟ قال: نَعَم، قال: فنكت ساعةً بعصاه ثم قال: وَدِدْتُ أني تَرَكْتُهُ وما تَحمَّل] (٢). وفي رواية: (قال: لو كنتُ سَمِعْتُهُ قبل أن أهْدِمَهُ، لتركتُهُ على ما بنى ابن الزبير).

стр. 410

وقد كره بعض العلماء تغيير الحال مرة أخرى في شأن الكعبة، كما ذُكر عن أمير المؤمنين هارون الرشيد أو أبيه المهدي -أنه سأل الإمام مالكًا عن هدم الكعبة وردها إلى ما فعله ابن الزبير. فقال له مالك: يا أمير المؤمنين، لا تجعل كعبة الله مَلْعَبَةً للملوك، لا يشاء أحد أن يهدمها إلا هدمها. فترك ذلك الرشيد. نقله عياض والنَّووي- كما ذكر ذلك الحافظ ابن كثير، ثم قال: (ولا تزال -والله أعلم- هكذا إلى آخر الزمان، إلى أن يخرِّبَها ذو السُّوَيقتين من الحبشة. كما ثبث ذلك في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [يُخرِّب الكعبة ذو السُّوَيقتين من الحبشة] (١). أخرجاه. وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ : [كأنى به أسودَ أفحَجَ، يقلعها حجرًا حجرًا] (٢). رواه البخاري). والحديث السابق له شاهد في مسند أحمد ومعجم الطبراني من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [يُخَرِّبُ الكعبة ذو السُّوَيقتين من الحبشة، ويسلبها حِلْيَتَها، ويُجَرِّدُها من كسوتها، ولكأني أنظر إليه أصيلع أُفَيْدَع يضرب عليها بمسحاته ومعْوَلِه] (٣). والفَدَعُ: زيغٌ بين القدم وعظم الساق. والمسحاة: المجرفة من الحديد. والمعول: الفأس العظيمة التي ينقر بها الصخر. ورجّح ابن كثير أن هذا الخراب للكعبة إنما يكون بعد خروج يأجوج ومأجوج، محتجًا بما روى البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [لَيُحَجَّنَ البيت وَلَيُعْتَمرَنّ بعد خروج يأجوجَ ومأجوج] (٤). وقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. قال ابن عباس: (يقول: تقبل منا إنك سميع الدعاء). وقوله: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾. قال ابن جرير: (يعنيان بذلك: واجعلنا مستسلمين لأمرك، خاضعين لطاعتك،

стр. 411

لا نُشْرك معك في الطاعة أحدًا سواك، ولا في العبادة غيرك). وقيل: ﴿مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ يعني: مخلصين لك. ذكره ابن أبي حاتم عن معقل بن عبيد الله، عن عبد الكريم. وذكر عن سلام بن أبي مطيع قوله فيها: (كانا مسلمين، ولكنهما سألاه الثبات). وقال السدي: (﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ يعنيان: العرب) واستبعده شيخ المفسرين الإمام ابن جرير وقال: (والصَّواب أن يعمَّ العرب وغيرهم، لأن من ذرية إبراهيم بني إسرائيل). واختار الحافظ ابن كثير أن تخصيص العرب كما ذكر السدي لا ينفي من عداهم، والسياق إنما هو في العرب. ولهذا قال بعده: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ والمراد بذلك محمد ﷺ وقد بعث فيهم كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾. ومع هذا لا ينفي رسالته إلى الأحمر والأسود، لقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾. قال القرطبي ﵀: (﴿وَمِنْ﴾ في قوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا﴾ للتبعيض، لأن الله تعالى قد كان أعلمه أن منهم ظالمين). والأمة هنا الجماعة من الناس. قال القاسمي: (وإنما خصّا الذرية بالدعاء، لأنهم أحق بالشفقة، ولأنهم إذا صلحوا صلح بهم الأتباع). وقوله: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾. أي: أظهرها لأعيننا حتى نراها. وفيه أكثر من تأويل. التأويل الأول: هي مناسك الحج ومعالمه. فعن قتادة: (﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ قال: فأراهما الله مناسكهما: الطَّوافَ بالبيت، والسعيَ بين الصفا والمروة، والإفاضة من عرفات، والإفاضة من جَمعٍ، ورَميَ الجمار، حتى أكمل الله الدين- أو: دينه). وقال: (أرنا نُسكنا وحجنا). وروى أبو داود الطيالسي عن ابن عباس قال: (إن إبراهيم لما أريَ أوامر المناسك، عرضَ له الشيطان عند المسعى، فسابقه فسبقه إبراهيم، ثم انطلق به جبريل حتى أتى به مِنى، فقال: هذا مُنَاخ الناس. فلما انتهى إلى جمرة العقبة تعرّض له الشيطان، فرماه بسبع حَصَيات حتى ذهب، ثم أتى به الجمرة الوسطى، فعرض له الشيطان، فرماه بسبع حَصَيات حتى ذهب، ثم أتى به إلى الجمرة القصوى، فعَرَض له الشيطان، فرماه

стр. 412

بسبع حَصَيات حتى ذهب، فأتى به جمعًا، فقال: هذا المشعر. ثم أتى به عرفة، فقال: هذه عرفة، فقال له جبريل: أعرفت؟ ). التأويل الثاني: أرنا كيف نُنْسِكُ لك يا ربنا نَسائكنا، فنذبحها لك. فعن عطاء: (﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ قال: ذبحنا). أو قال: (مذابحنا). وقال عبيد بن عمير: (أرنا مذابحنا). التأويل الثالث: علمنا مناسكنا. قال ابن جريج: (أخرجها لنا، علمناها). وروى ابن جرير من طريق ابن المسيب قال: قال علي بن أبي طالب: (لما فرغ إبراهيم من بناء البيت قال: "فعلتُ أي رب، فأرنا مناسِكنا" -أبرزها لنا، علّمناها- فبعث الله جبريل، فحجّ به). قال مجاهد: فأتاه جبريل فأتى به إلى البيت، فقال: ارفع القواعد، فرفع القواعد، وأتَمَّ البنيان، ثم أخذ بيده فأخرجه، فانطلق به إلى الصفا، قال: هذا من شعائر الله. ثم انطلق به إلى المروة، فقال: وهذا من شعائر الله. ثم انطلق به نحو منى، فلما كان من العقبة إذا إبليس قائم عند الشجرة، فقال: كبِّر وارْمِه. فكبَّر ورماه، ثم انطلق إبليس فقام عند الجمرة الوسطى، فلما حاذى به جبريل وإبراهيم، قال له: كبِّرْ وارْمِه. فكبَّر ورماه، فذهب الخبيث إبليس. وكان الخبيث أراد أن يُدْخِلَ في الحج شيئًا فلم يستطع، فأخذ بيد إبراهيم حتى أتى به المشعر الحرام، فقال: هذا المشعر الحرام. وأخذ بيد إبراهيم حتى أتى به عرفات، قال: قد عرفت ما أريتك؟ قالها ثلاث مرات، قال: نعم). وأصل ﴿المنسِك﴾ في لغة العرب الموضع المعتاد الذي يعتاده الرجل. قال ابن جرير: (ولذلك سميت "المناسكُ" "مناسكَ"، لأنها تُعتاد، ويتردد إليها بالحج والعمرة، وبالأعمال التي يتقرب بها إلى الله). وقال القرطبي: (يقال: إن أصل النُّسك في اللغة الغسل، يقال منه: نسك ثوبه إذا غسله. وهو في الشرع اسم للعبادة، يقال: رجل ناسك إذا كان عابدًا). وقوله: ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. أصل التوبة الأوبة من مكروه إلى محبوب. وتوبة العبد إلى ربه تعني أوبته مما

стр. 413

يسخط الله بالإقلاع عن الذنب، والندم على ما حصل منه من التقصير والزلل، والعزم على ألا يعود. وتوبة الرب سبحانه صفحه من عبده وعفوه عن جرمه. وقد قيل في دعاء إبراهيم وإسماعيل وسؤالهما التوبة هنا في مقام رفع قواعد البيت، أنه ليتخذ سنة من بعدهما، في تلك البقعة الطاهرة، أو عنيا بقولهما ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا﴾ أي: على الظلمة من أولادنا وذريتنا. ذكره ابن جرير. وقال القاسمي: (هذا الدعاء استتابة لما فرط من التقصير. فإن العبد، وإن اجتهد في طاعة ربه، فإنّه لا ينفك عن التقصير من بعض الوجوه، إما على سبيل السَّهو والنسيان، أو على سبيل ترك الأَوْلى. فالدعاء منهما، ﵉، لأجل ذلك). قلت: وهذا معنى بديع، وهو أقرب للسياق، وخاصة أنَّهما قدَّما القول أثناء رفع قواعد البيت: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ فهما في عمل صالح ومع ذلك يخافان أن لا يتقبل منهما، فالعبد الصالح ينظر في أعماله بمنظار دقيق هو منظار الصديقين والأولياء، أهل الخشية والرقة والرجاء. وقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. أي: العائد على عبادك بالفضل والمغفرة والعفو رحمة منك وكرمًا. أخرج الترمذي بسند صحيح عن ابن عمر ﵁ قال: [إنا كنا لنعدُّ لرسول الله ﷺ في المجلس الواحد مئة مرة "رب اغفر لي، وتب عليَّ، إنك أنت التواب الرحيم"] (١). ١٢٩. قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)﴾. في هذه الآية: إخبارٌ من الله سبحانه عن تمام دعوة إبراهيم لهذه الأمة، في أن يبعث فيهم رسولًا من ذريته ﵊، يقيم فيهم الحق ويدعوهم إلى دين التوحيد الذي كان عليه الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، فوافقت هذه الدعوة المستجابة قدَر الله في إرسال محمد ﷺ إلى الناس كافّة وإلى سائر الإنس والجن.

стр. 414

وقد جاء ذلك في السنة الصحيحة في أحاديث، منها: ١ - أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن أبي أمامة قال: [قلت: يا نبي الله! ما كان أول بدء أمرك قال: دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي أنه يخرج منها نور أضاءت منها قصور الشَّام] (١). ٢ - أخرج ابن عساكر في "التاريخ" عن عبادة بن الصامت: [قيل: يا رسول الله أخبرنا عن نفسك. قال: نعم. أنا دعوة أبي إبراهيم، وكان آخر من بشَّرَ بي عيسى بن مريم ﵊] (٢). ٣ - أخرج الإمام أحمد وابن حبان عن العرباض بن سارية، قال: قال رسول الله ﷺ : [إني عند الله لخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، وسَأُنبِّئُكُم بأول ذلك، دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى بي، ورؤيا أمي التي رأت، وكذلك أمهات النبيين يرَين] (٣). قال الحافظ ابن كثير في التفسير: (قيل كان منامًا رأته حين حملت به، وقصَّته على قومها، فشاع فيهم واشتهر بينهم، وكان ذلك توطئةً. وتخصيص الشَّام بظهور نوره إشارة إلى استقرار دينه وثبوته ببلاد الشَّام، ولهذا تكون الشَّام في آخر الزمان معقلًا للإسلام وأهله، وبها ينزل عيسى بن مريم إذا نزل بدمشق بالمنارة الشرقية البيضاء منها. ولهذا جاء في الصحيحين: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك". وفي صحيح البخاري: "وهم بالشام") (٤). وعن قتادة: (﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾، قال: ففعل الله ذلك، فبعث فيهم رسولًا عن أنفسهم يَعرفون وجهه ونَسبه، يخرجهم من الظلمات إلى النور، ويهديهم إلى صراط العزيز الحميد). وقال الربيع: (هو محمد ﷺ ، فقيل له: قد استجيب ذلك، وهو في آخر الزمان).

стр. 415

وقوله: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾. يعني: يقرأ عليهم كتابك الذي توحيه إليه. وقوله: ﴿يُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾. يعني: القرآن والسنة. قال ابن زيد: (﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾، القرآن). وقال قتادة: (﴿وَالْحِكْمَةَ﴾: أي السُّنة). وذكر ابن جرير عن ابن وهب قال: قلت لمالك: ما الحكمة؟ قال: (المعرفة بالدين، والفقه في الدين، والاتباع له). ثم ذكر قول ابن زيد: (﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ الدين الذي لا يعرفونه إلا به ﷺ ، يعلمهم إياها. قال: و (﴿وَالْحِكْمَةَ﴾، العقلُ في الدّين وقرأ: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾. وقال عيسى: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾، قال: وقرأ ابن زيد: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾، قال: لم ينتفع بالآيات، حيث لم تكن معها حكمة. قال: ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ شيء يجعله الله في القلب، ينوِّر له به). قلت: ولا منافاة بين القولين، فالفقه في الدين لا يكون إلا عن طريق السنة، ففيها بسط الأحكام والقواعد الشرعية وفهم مجمل القرآن. أخرج الإمام أحمد في المسند، وأبو داود في السنن، من حديث المقدام بن معديكرب، عن النبي ﷺ أنه قال: [ألا إني أوتيتُ الكتاب ومثله معهُ، ألا يوشكُ رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلالِ فأحلُّوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرِّموه، ألا لا يحلُّ لكم لحمُ الحمار الأهلي، ولا كل ذي نابٍ من السَّبُعِ، ولا لُقطةُ معاهَدٍ، إلا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يُقروه، فإن لم يُقروه فله أن يغصبهم بمثل قراه] (١). فاشتمل هذا الحديث العظيم على بيان بعض الأحكام الشرعية التي لا تعرف إلا من الحكمة، وهي سنة النبي ﷺ ، وهي الوحي الثاني من الله رب العالمين.

стр. 416

وقوله: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾. قال ابن عباس: (يعني بالزكاة، طاعةَ الله والإخلاص). وقال ابن جريج: (يطهّرهم من الشرك، ويخلِّصهم منه). وهي من التزكية: أي التطهير. وقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي: القوي لا يعجزه شيء، والغالب على أمره، والحكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره. ١٣٠ - ١٣٢. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قَال لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَال أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾. في هذه الآيات: تعظيم الله تعالى ملة إبراهيم، ملة التوحيد وإفراد الله بالتعظيم، وتسفيه من رغب عنها وتوعده بالهلاك المبين. وإخبار الله تعالى عن وصية إبراهيم لبنيه بإقامة الدين والموت على الإسلام واليقين. فقوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾. يعني: يزهد بها وهي الدين الحق. قال قتادة: (قوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾، رغب عن ملته اليهود والنصارى، واتخذوا اليهودية والنصرانية، بدعةً ليست من الله، وتركوا ملة إبراهيم -يعني الإسلام- حنيفًا، كذلك بعث الله نبيه محمدًا ﷺ بملة إبراهيم). وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾. يعني: إلا من أخطأ حظ نفسه. قال ابن زيد: (إلا من أخطأ حظّه). قال أبو العالية: (نزلت هذه الآية في اليهود، أحدثوا طريقًا ليست من عند الله، وخالفوا ملة إبراهيم فيما أحدثوه). وبه قال قتادة.

стр. 417

وفي التنزيل: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧ - ٦٨]. وقوله: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾. يعني: اخترناه واجتبيناه للخُلّة، وجعلناه إمامًا لمن بعده إلى يوم القيامة. وقوله: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾. يعني: أهل الدرجات العلا. فالصالح المؤدي حقوق الله تعالى. قال القاسمي: (وفي هذا أكبر تفخيم لرتبة الصلاح، حيث جعله من المتصفين بها، فهو حقيق بالإمامة، لعلو رتبته عند الله في الدارين، ففي ذلك أعظم ترغيب في أتباع دينه والاهتداء بهديه، وأشدّ ذمّ لمن خالفه). وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَال لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَال أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالمِينَ (١٣١)﴾. قال النسفي: (﴿إِذْ قَال لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾: أذعن أو أطع أو أخلص دينك لله. ﴿قَال أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالمِينَ﴾ أي: أخلصت أو انقدت). وقوله: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾. فيه تأويلان: التأويل الأول: وصى بهذه الكلمة: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالمِينَ﴾ أي: عهد إليهم بذلك وأمرهم به. قال ابن عباس: (وصّاهم بالإسلام، ووصّى يعقوبُ بمثل ذلك). وقال قتادة: (يقول: ووصى بها يعقوبُ بنيه بعد إبراهيم). واختاره ابن جرير. التأويل الثاني: قيل المراد أنه وصى بهذه الملة، وهي الإسلام لله. قال القرطبي: (﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ﴾، أي: بالملّة). وبنو إبراهيم: إسماعيل، وأمه هاجر القبطية، وهو أكبر ولده، نقله إبراهيم إلى مكة وهو رضيع. قيل: كان له سنتان. ووُلد قبل أخيه إسحاق بأربع عشرة سنة، وقيل: مات وله مئة وسبع وثلاثون سنة. وقيل: مئة وثلاثون، وكان سنّه لما مات أبوه إبراهيم ﵉ تسعًا وثمانين سنة. وإسحاق أمه سارة، قيل: عاش إسحاق مئة وثمانين

стр. 418

سنة، ومات بالأرض المقدسة ودُفن عند أبيه إبراهيم الخليل ﵉. وأما يعقوب: فقيل وُلد بعد موت جدّه إبراهيم. والراجح أنه ولد في حياته لتتم البشرى التي بشره الله فيها بقوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾. وقيل: عاش يعقوب ﵇ مئة وسبعًا وأربعين سنة ومات بمصر. وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [العنكبوت: ٢٧]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً ... ﴾ [الأنبياء: ٧٢]. قال ابن كثير: (وهذا يقتضي أنه وجد في حياته). وقوله: ﴿يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾. يعني: اختار واجتبى لكم هذا الدين. وقوله: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. يعني: الزموا الإسلام ولا تفارقوه فإنكم لا تدرون متى تكون مناياكم. قال ابن جرير: (فلا تفارقوا الإسلام، فتأتيكم مناياكم وأنتم على غير الدين الذي اصطفاه لكم ربكم، فتموتوا وربكم ساخط عليكم، فتهلكوا). وقال ابن كثير: (أي: أحسنوا في حال الحياة، والزموا هذا ليرزقكم الله الوفاة عليه، فإن المرء يموت غالبًا على ما كان عليه، ويُبعث على ما مات عليه. وقد أجرى الله الكريم عادته بأن من قَصَد الخير وُفِّقَ له ويُسِّر عليه. ومن نوى صالحًا ثُبِّتَ عليه). قلت: ويستثنى من ذلك النفاق والرياء، فإنه قد يكشف الله حال صاحبه آخر أيام حياته أو عند الغرغرة والاحتضار. ففي الصحيحين واللفظ للبخاري من حديث عبد الله، قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق قال: [إنّ أحدكم يُجْمَعُ في بطنِ أمه أربعين يومًا، ثم علقةً مثلَ ذلكَ، ثم يكون مضغةً مثلَ ذلك، ثم يَبْعَثُ الله ملكًا فيُؤْمر بأربعة: برزقِهِ، وأجَلِهِ، وشقِيٌّ أو سعيدٌ، ثم يُنْفَخُ فيه الروح. فوالله إِن أحدَكم أو الرجلَ ليعملُ بعمل أهل النار حتى ما يكونُ بينه وبينها غيرُ ذِراع أو باع، فيَسْبقُ عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخُلُها، وإن الرَّجُلَ ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكونُ بينه وبينها غيرُ ذراع أو

стр. 419

ذِراعين، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها] (١). وقد جاءت رواية مفسرة لمجمل هذا الحديث موضحة مُبَيِّنة ذكرها البخاري من حديث سهل بن سعد وفيها: [إن الرجل ليعمل عملَ أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عملَ أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة] (٢). ولا شك أن المقصود هو النفاق والرياء، فلا يطلع على ذلك ولا يعلمه إلا الله. فهي أمراض أصابت القلب وتركها صاحبها وأهملها، حتى إذا ترعرعت وغطت على القلب صارت عقبة أمام صاحبها عند الاحتضار، فعجز عن المنطق أثناء النزع بلا إله إلا الله. وفي التنزيلِ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠]. ١٣٣ - ١٣٤. قوله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَال لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤)﴾. في هذه الآيات: توبيخ لأهل الكتاب في تكذيبهم، فقد مات يعقوب على الدين الحق، دين إبراهيم وإسماعيل وإسحاق عليهم الصلاة والسلام، ومضى أبناؤه على وصيته لهم بذلك، ثم لكل أمة ما كسبت ولا تسألون عما كانوا يعملون. فعن الربيع: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ﴾، يعني: أهل الكتاب). والمراد: أكنتم معشر اليهود والنصارى حاضرين احتضار يعقوب وما أوصى به! ؟ وهو على جهة التوبيخ لهم في افتراءاتهم وتكذيبهم. قال القاسمي: (أي ما كنتم حاضرين حينئذ، فـ "أم" منقطعة مقدّرة بـ "بل" والهمزة، وفي الهمزة الإنكار المفيد للتقريع والتوبيخ).

стр. 420

وقال النسفي: (أم منقطعة ومعنى الهمزة فيها الإنكار .... أو متصلة ويقدر قبلها محذوف، والخطاب لليهود لأنهم كانوا يقولون ما مات نبي إلا على اليهودية، كأنه قيل أتدّعون على الأنبياء اليهودية أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت). وشهداء: جمع شاهد، أي حاضر. وقوله: ﴿إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾. يعني: مقدماته وأسبابه، وإلا فلو حضر الموت لما أمكن أن يقول شيئًا. وقوله: ﴿إِذْ قَال لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾. أي: من بعد وفاتي. ﴿قَالوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾. قال ابن كثير: (وهذا من باب التغليب، لأن إسماعيل عمه). قال النحاس: (والعرب تسمي العَمَّ أبًا) نقله القرطبي. فكان أبناء يعقوب ﵇ حالة احتضار والدهم عند أحسن الظن، قالوا: ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ﴾ فأروه ثبوتهم على الدين الحق دين إبراهيم وإسماعيل وإسحاق عليهم الصلاة والسلام، وأقروا عينه بمعرفتهم بالله تعالى. وذكر الحافظ ابن كثير ﵀ أنه استدل بهذه الآية الكريمة من جعل الجَدَّ أبا وحجب به الإخوة، وهو قول الصديق ﵁ حكاه البخاري عنه من طريق ابن عباس وابن الزبير. ثم قال البخاري: ولم يختلف عليه، وإليه ذهبت عائشة أم المؤمنين، وبه يقول الحسن البصري، وطاووس، وعطاء، وهو مذهب أبي حنيفة وغير واحد من علماء السلف والخلف. وقال مالك والشافعي وأحمد - في المشهور عنه -: أنه يقاسم الإخوة، وحكي ذلك عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود يزيد بن ثابت، وجماعة من السلف والخلف، واختاره صاحبا أبي حنيفة القاضي أبو يوسف ومحمد بن الحسن. وقوله: ﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾. يعني: نفرده بالعبادة والتعظيم. قيل ﴿إِلَهًا﴾ بدل من ﴿إِلَهَكَ﴾. وقيل: حال. وقوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾. أي: مطيعون خاضعون. الجملة مبتدأ وخبر، وهي على الحال من فاعل نعبد.

стр. 421

والإسلام هو دين الأنبياء جميعًا. وفي التنزيل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]. وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الدنيا والآخوة، والأنبياء إخوة لِعَلاّت، أمهاتهم شتى ودينهم واحد] (١). وبنو العلاّت: هم أبناء الرجل الواحد من أمهات شتى. وقوله: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾. يعني: مضت. ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ فلا يفيدكم الانتساب إلى الأنبياء والصالحين ما لم تكونوا على منهاجهم. ﴿وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. أخرج الإمام أحمد والنسائي والبيهقي بسند صحيح عن أُبَيّ، عن النبي ﷺ قال: [انتسب رجلان على عهد موسى، فقال أحدهما: أنا فلان بنُ فلانٍ، حتى عَدَّ تسعةً فمن أنتَ لا أمَّ لك؟ قال: أنا فلانُ بنُ فلانٍ ابنِ الإسلام. فأوحى الله إلى موسى أن قل لهذين المنتسبين: أما أنت أيها المنتسب إلى تسعةٍ في النار فأنت عاشرهم في النار، وأما أنت أيها المنتسب إلى اثنين في الجنة فأنت ثالثهما في الجنة] (٢). وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: [ومن بطّأ به عمله لم يسرع به نسبه] (٣). ١٣٥. قوله تعالى: ﴿وَقَالوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥)﴾. في هذه الآية: إثبات الله تعالى الهداية في ملة إبراهيم ﵇، ملة التوحيد ونبذ الشرك والآثام. قال ابن عباس: (قال عبدُ الله بن صُوريا الأعور لرسول الله ﷺ : ما الهُدى إلا ما نحن عليه! فاتّبِعنا يا محمد تهتد! وقالت النصارى مثل ذلك. فأنزل الله

стр. 422

فيهم: ﴿وَقَالوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾). وقوله: ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾. أي: مستقيمًا. قال مجاهد: (مخلصًا). وقال ابن عباس: (حاجًّا). وقال أبو العالية: (الحنيف الذي يستقبل البيت بصلاته. ويرى أن حجّه عليه إن استطاع إليه سبيلًا). وقال الربيع: (حنيفًا: أي متبعًا). وقال أبو قلابة: (الحنيف الذي يؤمن بالرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم). وقال قتادة: (الحنيفية شهادة أن لا إله إلا الله، يدخل فيها تحريم الأمهات والبنات، والخالات والعمات، وما حرّم الله ، والختان). قلت: والذي ذكره قتادة شامل واسع، يدلس على ملة إبراهيم ملة التوحيد وإفراد الله سبحانه بالتعظيم والتوحيد والعبادة والطاعة. ١٣٦. قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾. في هذه الآية: دعوة الله تعالى عباده المؤمنين إلى الإيمان به وبجميع أنبيائه ورسله، وعدم التفريق في ذلك بين أحد منهم. قال قتادة: (أمر الله المؤمنين أن يؤمنوا ويصدقوا بأنبيائه ورسله كلهم، ولا يفرقوا بين أحد منهم). وفي التنزيل: (﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥١]. أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: [كان أهل الكتاب يقرؤون التوراةَ بالعبرانية ويفسِّرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ :

стр. 423

لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم و ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية] (١). وفي صحيح مسلم عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ : [كان يقْرأ في ركعتي الفجر: في الأولى منهما: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية التي في البقرة. وفي الآخرة منهما: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران: ٥٢]﴾] (٢). وأما الأسباط فهم اثنا عشر رجلًا من ولد يعقوب ﵇. وَلَدَ كُلُّ رجل منهم أمّة من الناس، فسموا "أسباطًا". وفي التنزيل: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا ... ﴾ [الأعراف: ١٦٠]. قال قتادة: (الأسباط: يوسف وإخوته، بنو يعقوب. ولد اثني عشر رجلًا، فولد كل رجل منهم أمة من الناس، فسموا "أسباطًا"). وقال الخليل بن أحمد: (الأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في بني إسماعيل). وقال القرطبي: (وسمّوا الأسباط من السَّبط وهو التتابع، فهم جماعة متتابعون). قال: (والسِّبْطُ الجماعة والقبيلة الراجعون إلى أصل واحد). وقيل: أصله من السَّبَط: الشجر، فهم في الكثرة بمنزلة الشجر، الواحدةُ سَبطة. وفي الأثر عن ابن عباس: (كل الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة: نوح، وهود، وصالح، وشعيب، ولوط، وإبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، وإسماعيل، ومحمد عليهم الصلاة والسلام). وقوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾. أي: منقادون. قال النسفي: (لله مخلصون). ١٣٧ - ١٣٨. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧) صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾. في هذه الآيات: إثبات منهاج الرسل في الإيمان، وأن المعرضين عنه قد شقوا

стр. 424

طريقًا من طرق الشيطان، فإن الدين الحق هو دين الفطرة الذي فطر الله الناس عليه وهو دين الإسلام. قال ابن عباس: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾: أخبر الله سبحانه أن الإيمان هو العروة الوثقى، وأنَّه لا يقبل عملًا إلا به، ولا تحرُم الجنة إلا على من تَركه). والمعنى: إن صدّق الكفار من أهل الكتاب وغيرهم بجميع كتب الله ورسله دونما تفريق بين أحد منهم فقد أصابوا الحق ورشدوا. وإن تولوا وأعرضوا ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾. قال قتادة: (أي: في فراق). يعني في مخالفة ومنازعة. قال زيد بن أسلم: (الشقاق المنازعة). وقيل: الشقاق المجادلة والمخالفة والتعادي. قال القرطبي: (وأصله من الشِّق وهو الجانب، فكأن كل واحد من الفريقين في شق غير شِقّ صاحبه). وقيل: بل الشقاق مأخوذ من فِعل ما يشق ويصعب، فكأن كل واحد من الفريقين يحرص على ما يشقّ على صاحبه. قلت: وبالجمع بين هذه الأقوال يكون المعنى: إن من أعرض عن منهاج الرسل في الإيمان فقد شق طريقًا غير طريقهم وفارقهم إلى طرق وسبل الشياطين. وقوله: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾. يعني: سيكفي الله رسولَه عدوَّه، وسيخذل من عانده وخالفه. قال ابن جرير: (ففعل الله بهم ذلك عاجلًا، وأنْجز وعده، فكفى نبيّه ﷺ بتسليطه إياه عليهم، حتى قتل بعضهم، وأجاز بعضًا، وأذلّ بعضًا وأخزاه بالجزية والصَّغار). وقال القرطبي: (وكان ذلك في قتل بني قَيْنُقَاع وبني قُريظة وإجلاء بني النضير). وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. أي: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ سبحانه لما يقولون لك بألسنتهم وما يخرج من أفواههم من الجهل والكفر والدعوة إلى الضلال، ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما انطوت عليه قلوبهم من الغسل والمكر والحسد. وقوله: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾. قيل دين الله، وقيل فطرة الله. وتفصيل ذلك:

стр. 425

١ - فعن قتادة: (﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ قال: دين الله). وقال أبو العالية: (﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾: دين الله. ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾، قال: ومن أحسن من الله دينًا). ٢ - وعن مجاهد: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾، قال: فطرة الله التي فطر الناسَ عليها). وقال: (الصبغة: الفطرة). وقال: (الإسلام، فطرة الله التي فطر الناس عليها). وقال ابن جريج: (دين الله، ومن أحسن من الله دينًا. قال: هي فطرة الله). وبالجمع بين القولين يكون المعنى: بل نتبع فطرة الله وملته التي خلق عليها خلقه، وذلك الدين القيم. قال بعض أهل اللغة: "صبغة" بدلٌ من"ملّة". وقال الكسائي: (وهي منصوبة على تقدير اتبعوا. أو على الإغراء أي الزموا. ولو قرئت بالرَّفع لجاز، أي هي صبغة الله). قال ابن جرير: (الصبغة: صبغة الإسلام. وذلك أن النصارى إذا أرادت أن تُنَصِّرَ أطفالهم، جعلتهم في ماء لهم تزعم أن ذلك لها تقديس، بمنزلة غسل الجنابة لأهل الإسلام، وأنه صبغة لهم في النصرانية). وقد جاءت بذلك الآثار: ١ - روى شيبان عن قتادة قال: (إن اليهود تصبغ أبناءهم يهودًا، وإن النصارى تصبغ أبناءهم نصارى، وإن صبغة الله الإسلام). ٢ - قال ابن عباس: (هو أن النصارى كانوا إذا وُلد لهم ولد فأتى عليه سبعة أيام غمسوه في ماء لهم يقال له ماء المعمودِيّة، فصبغوه بذلك ليطهّروه به مكان الخِتان، لأن الختان تطهر، فإذا فعلوا ذلك قالوا: الآن صار نصرانيًّا حقًّا). فرد الله عليهم بأن صبغةَ الله أحسن صبغة، وهي الإسلام. قال القرطبي: (فَسمِّيَ الدين صبغة استعارة ومجازًا من حيث تظهر أعماله وسِمته على المتديِّن، كما يظهر أثر الصبغ في الثوب). وقوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾. أمرٌ من الله لنبيّه أن يقول للذين قالوا: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾. والتقدير: قل لهم: بل نتبع ملة إبراهيم حنيفًا، صبغَةَ الله، لا نستكبر عن أمره أو الإقرار برسالته رسله، كما استكبرت اليهود والنصارى فكفروا بمحمد ﷺ استكبارًا وبغيًا وحسدًا، وضيّعوا أعمالهم باستكبارهم. أخرج البخاري عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: [مثل المسلمين واليهود والنصارى
следующие страницы →