← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.

стр. 3781

قال له ادخل الجنة، فدخلها وأفضى إلى رحمة ربه وجنته وكرامته، وهو يقول: ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾. ولا والله ما عاتب الله قومه بعد أن قتلوه، وما بعث لهم جنودًا يقاتلونهم، بل غضب غضبة لم تبق من القوم أحدًا، فأهلكهم بصيحة فبادوا عن وجه الأرض فلم تبق منهم باقية. فيا حسرة العباد على مصائرها حيث ضيعت أوامر الله وفرطت بالحق واستهزأت بالرسل وتحاكمت للهوى والشهوات، وما اعتبرت بمصائر الأمم الهالكة قبلها التي دمرها الله بكفرها وبغيها، ثم الجميع قادمون يوم القيامة للوقوف في أرض المحشر ومعاينة أهوالها. فإلى تفصيل ذلك من أقوال المفسرين. قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾. قال قتادة: (ذُكِرَ لنا أن عيسى بن مريم بعث رجلين من الحواريين إلى أنطاكية مدينة بالروم، فكذبوهما، فأعزهما بثالث، فقالوا: ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾). وعن وهب بن منبه قال: (كان بمدينة انطاكية فرعون من الفراعنة يقال له: أبطيحس بن أبطيحس، يعبد الأصنام صاحب شرك، فبعث الله المرسلين وهم ثلاثة: صادق ومصدوق وسلوم، فقدم إليه وإلى أهل مدينته منهم اثنان فكذبوهما، ثم عزز الله بثالث، فلما دعته الرسل ونادته بأمر الله وصدعت بالذي أُمرت به وعابت دينه وما هم عليه قال لهم: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. قلت: ولا دلالة على كون الرسل الثلاثة رسلًا للمسيح ﵇ ولا دلالة على كون القرية أنطاكية (١). والتعزز: القوة. كما قال مجاهد: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾: قال شدّدنا). وفي رواية قال: (زدنا). وقرأها القراء بالتشديد ﴿فَعَزَّزْنَا﴾، سوى عاصم قرأها بالتخفيف ﴿فَعَزَّزْنَا﴾ أي غلبنا، والأول أظهر وعليه إجماع القراء. وقوله: ﴿فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤) قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾. أي: تأكلون الطعام وتمشون في الأسواق. ﴿وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ﴾: يأمر به أو ينهى عنه ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾ بدعواكم الرسالة. فأجاب الرسل: ﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَمَا عَلَيْنَا

стр. 3782

إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ الذي تقوم به الحجة عليكم، بأن الله واحد لا شريك له، فله أسلموا وإليه توجهوا ولا تشركوا، وإليه فتحاكموا وللقائه فاستعدوا، فإنا لله وإنا إليه راجعون. فهذه عادة الأمم المكذبة يستعجبون إذا أوحى الله إلى بشر فينصرفون عن الحقيقة إلى الخرافة والأوهام، بأنه لو كنتم رسلًا لكنتم ملائكة، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾. فأكّد لهم الرسل بأنهم مرسلون من عند الله، ولو كنا كذبة لانتقم الله منا. قال ابن كثير: (ولكن سينصرنا عليكم فما علينا إلا إبلاغكم ما أرسلنا به إليكم، فإن أطعتم فلكم سعادة الدارين وإن عصيتم فعليكم مغبة ذلك). وقوله: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾. قال ابن جرير: (يعنون إنا تشاءمنا بكم فإن أصابنا بلاء فمن أجلكم). وقوله: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾. قال قتادة: (بالحجارة). وقيل: لنشتمنكم. وقيل: هو التعذيب المؤلم. وقيل: هو التعذيب المؤلم قبل القتل كالسلخ والقطع والصلب. قال القرطبي: (وعامة ما في القرآن من الرجم معناه القتل). وقوله: ﴿وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. قال قتادة: (ولينالنكم منا عذاب موجع). فأجابهم الرسل: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾. قال وهب بن منبه: (قالت الرسل: ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ أي أعمالكم معكم). وقال ابن عباس: (معناه الأرزاق والأقدار تتبعكم). فالمعنى: أجاب الرسل القوم المتشائمين ببلاغهم: بأن أعمالكم وأرزاقكم وحظكم من الخير والشر معكم ولازم في أعناقكم، وما هو من شؤمنا، فإن أصابكم سوء فبما اجترحت جوارحكم، وبما استذلكم الشيطان باتباع أهوائكم وشهواتكم وتحكيم نفوسكم، وكل ما أصابكم فهو أمر قد كتب عليكم وسبق لكم من الله. وقوله: ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾. قال قتادة: (أي إن ذكرناكم بالله تطيرتم بنا). وقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾. قال يحيى بن سلاّم: (مسرفون في كفركم). وقال قتادة: (مسرفون في تطيركم). وقال ابن بحر: (السرف هاهنا الفساد، ومعناه بل أنتم قوم مفسدون). وقيل: (مسرفون: مشركون، والإسراف مجاوزة الحد، والمشرك يجاوز الحدّ) ذكره القرطبي.

стр. 3783

وقال ابن كثير: (أمن أجل أن ذكّرناكم بالحق قابلتمونا بالتهديد والوعيد؟ بل أنتم قوم مسرفون). وقال ابن جرير: (قالوا لهم: ما بكم التطير بنا ولكنكم قوم أهل معاص لله وآثام قد غلبت عليكم الذنوب والآثام). وخلاصة المعنى: أن الرسل بلغوهم الحق الذي ثقل على نفوسهم، وخافوا منه على مصالحهم ورياساتهم وأهوائهم وشهواتهم، فقابلوهم بالاشمئزاز والتشاؤم والتكذيب والتهديد والوعيد، فكشف لهم الرسل حقيقة الأمر بأنهم لجؤوا إلى التشاؤم بهم ليغطوا حبهم للمعاصي والآثام، وتعلق قلوبهم بالكبر وحب الرياسة والطغيان. ثم قال جل ثناؤه: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. قال قتادة: (ذكر لنا أن اسمه حبيب، وكان في غار يعبد ربه، فلما سمع بهم أقبل إليهم، قال: لما انتهى إليهم يعني إلى الرسل قال: هل تسألون على هذا من أجر؟ قالوا: لا، فقال عند ذلك: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾). وعن أبي مُجَلِّز قال: (كان صاحب يس حبيب بن مري). وقيل: كان نجارًا. وقيل: قصّارًا. وقال ابن إسحاق فيما بلغه عن ابن عباس ﵄: (أن أهل القرية همّوا بقتل رسلهم فجاءهم رجل من أقصى المدينة ساعيًا لينصرهم من قومه: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾). ثم قال: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا﴾ أي على إبلاغكم رسالة الله. ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ فيما يدعونكم إليه من عبادة الله وحده لا شريك له. ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾: أي ما يمنعني من إخلاص العبادة للذي خلقني وحده لا شريك له. ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي يوم المعاد ليجزي كلًا بعمله. ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ﴾: استفهام إنكار وتوبيخ وتقريع. ﴿إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ﴾. أي هذه الآلهة التي تعبدونها لا يملكون من الأمر شيئًا، فلو أرادني الله تعالى بسوء لا تستطيع هذه الآلهة إنقاذي ﴿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي إن اتخذتها آلهة من دون الله تعالى. ثم خاطب الرسل بقوله: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ الذي أرسلكم ﴿فَاسْمَعُونِ﴾ أي اسمعوا ما أقول لتشهدوا لي بذلك. قال ابن إسحاق: قال ابن مسعود: (خاطب الرسل بأنه مؤمن بالله ربهم. قال: وطِئوه بأرجلهم حتى خرج قُصْبَه من دبره وألقي في بئر وهي

стр. 3784

الرسّ وهم أصحاب الرسّ) (١). والقصب: المعي. وذكر ابن جرير عن قتادة: (هذا رجل دعا قومه إلى الله وأبدى لهم النصيحة فقتلوه على ذلك، وذُكِرَ لنا أنهم كانوا يرجمونه بالحجارة وهو يقول: اللهم اهد قومي، اللهم اهد قومي، اللهم اهد قومي، حتى أقْعصوه وهو كذلك. قال: أدخله الله الجنة وهو فيها حيّ يرزق). وقيل: معنى قيله: ﴿ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ وجبت لك الجنة، فهو خبر بأنه قد استحق دخول الجنة، لأن دخولها يستحق بعد البعث. قال مجاهد: (قيل: قد وجبت له الجنة، قال ذلك حين رأى الثواب). وعن ابن إسحاق عن بعض أصحابه أنَّ عبد الله بن مسعود كان يقول: (قال الله له: ادخل الجنة، فدخلها حيًّا يُرزق فيها قد أذهب الله عنه سقم الدنيا وحزنها ونصبها، فلما أفضى إلى رحمة الله وجنته وكرامته: ﴿قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾). قال ابن عباس: (نصح قومه في حياته بقوله: ﴿يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ وبعد مماته في قوله: ﴿قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾). قال: (نصح قومه حيًا وميتًا). وقال أبو مجلز: (﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾: إيماني بربي وتصديقي رسله والله أعلم). وخلاصة المعنى: أنه كان مخلصًا لله في دعوته، دافع عن الحق وعن رسل الحق، وضحّى بنفسه من أجل الحق الذي هدّد رؤوس الكبر والكفر في قومه، فوثبوا عليه فقتلوه ليخلدوا إلى دنياهم دون منافس لهم، وليستعبدوا الناس دون صارف لهم عنهم، فأثابه الله حسن أثر في الدنيا ونعيم في الآخرة، ووصف الله حاله في نعيمه على لسانه بنفسه، فقال: ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾. قال ابن كثير: (أي: أنهم لو اطلعوا على ما حصل لي من النعيم المقيم والثواب العظيم، لقادهم ذلك إلى اتباع الرسل، فرحمه الله ورضي عنه كم كان حريصًا على هداية قومه). وقال القرطبي: (وفي معنى تمنيه قولان: أحدهما أنه تمنى أن يعلموا بحاله ليعلموا حسن مآله وحميد عاقبته. الثاني: تمنى ذلك ليؤمنوا مثل إيمانه فيصيروا إلى مثل

стр. 3785

حاله). فرحمه الله تعالى فقد تمنى الخير لقتلته والباغين له الغوائل، ولكن الله سبحانه انتقم ممن قتله فجعل النقمة عليهم، فأمر جبريل فصاح بهم صيحة فماتوا عن آخرهم، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾. أي ما أنزل الله عليهم رسالة ولابعث لهم نبيًا، كما قال مجاهد في قوله: ﴿جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ قال: (رسالة). وقال قتادة: (فلا والله ما عاتب الله قومه بعد قتله. ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾). وقال الحسن: (أي ما أنزلنا عليهم من رسالة ولا نبي بعد قتله. قال: الجند: الملائكة النازلون بالوحي على الأنبياء). واختار ابن جرير أن الجند الملائكة. وقيل: الجند العساكر، كما ذكر ابن إسحاق عن ابن مسعود قال: (غضب الله له، يعني لهذا المؤمن، لاستضعافهم إياه غضبة لم تبق من القوم شيئًا فعخل لهم النقمة بما استحلوا منه وقال: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾. يقول: ما كاثرناهم بالجموع، أي الأمر أيسر علينا من ذلك: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾). وقال قتادة: (خامدون: هلكى). أي فإذا هم خامدون عن آخرهم لم تبق بهم روح تتردد في جسد، فبادوا عن وجه الأرض ولم تبق منهم باقية. فالله ما أهلكهم بجنده بل بصيحة واحدة فكانوا بها هالكين. وقراءة الجمهور بالفتح ﴿صَيْحَةً﴾، وقرأها أبو جعفر المدني ﴿صَيْحَةً﴾ بالرفع -فتكون كان بمعنى وقع- والقراءة الأولى أصح وعليها الإجماع. (فائدة): قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾ فيه تصغير لأمرهم وشأنهم، فقد أهلكناهم بصيحة فهلكوا، وأما ما حصل لنبيّنا محمد ﷺ من التأييد بإنزال الملائكة يوم بدر والخندق -وكان يكفيهم مَلَكٌ واحد أو صيحة كما أُهلكت مدائن قوم لوط وبلاد ثمود وقوم صالح- فهو من أسباب الكرامة والإعزاز وعظائم الأمور التي اختص الله بها هذا النبي الكريم وأمته ﵊. وقوله تعالى: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. قال قتادة: (يا حسرة العباد على أنفسها على ما ضَيَّعت من أمر الله وفرّطت في جنب الله. قال: وفي بعض القراءات: يا حسرة العباد على أنفسها﴾).

стр. 3786

وفسّرها مجاهد بقوله: (كان حسرة عليهم استهزاؤهم بالرسل). قال ابن عباس: (حلّ هؤلاء محلّ من يتحسر عليهم). والحسرة في لغة العرب: أن يلحق الإنسان من الندم ما يصير به حسيرًا. كما ذكر ابن عباس: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾: يا ويلًا على العباد). وقيل: الحسرة أشد من التلهف على الشيء الفائت. ورجل مُحَسَّرٌ أي مؤذى. ومنه قول ابن كثير في هذه الآية: (يا حسرتهم على أنفسهم وندامتهم يوم القيامة إذا عاينوا العذاب كيف ضيّعوا أمر الله تعالى وفرطوا في جنبه، ولكن لا تنفعهم إذ ذاك الحسرات فسوف يلقون العذاب الأليم لأنهم: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي يكذبونه ويسخرون منه ويجحدون ما أرسل به من الحق). وذُكر عن أبي العالية أن العباد هاهنا الرسل، وذلك أن الكفار لما عاينوا العذاب قالوا: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ فتحسروا على قتلهم وترك الإيمان بهم. وروي عن الضحاك بأنها حسرة الملائكة على الكفار حين كذبوا الرسل. وقيل: هو من قول الرجل المؤمن الذي قتلوه. وقيل: من قول الرسل الثلاثة للقوم حين قتلوا الرجل، وقيل: هو من قول القوم لما قتلوا الرجل وفارقتهم الرسل. ذكرها القرطبي. قلت: وخلاصة المعنى: (الحسرة والويل والندم حاصل لا محالة لكل من استهزأ بالحق وآثر عليه الحياة الدنيا وزينتها، وكذب الرسل وعظّم الشهوات، وضيَّع أوامر الله والحكم بمنهجه، فسوف يلقون غيًا). وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾. قال قتادة: (عاد وثمود وقرون بين ذلك كثير). أي: ألم يتعظ هؤلاء المشركون بمن أهلك الله قبلهم من المكذبين للرسل هل كان لهم رجعة إلى الدنيا أو كرّة. و﴿كَمْ﴾ في موضع نصب بـ ﴿يَرَوْا﴾ كما ذهب الفراء، محتجًا بقراءة لابن مسعود: ﴿ألم يروا من أهلكنا﴾. وذكر وجهًا آخر للنصب -بوقوع ﴿أَهْلَكْنَا﴾ عليها- وكأن المعنى: ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون بالعذاب والاستئصال. وفتحت ﴿أَنَّهُمْ﴾ بوقوع ﴿يَرَوْا﴾ عليها. وروي عن الحسن قراءة أخرى بالكسر ﴿إِنهم إلينا لا يرجعون﴾ بكسر الهمزة على الاستئناف. قلت: والآية ردٌّ على من زعم أن من الخلق من يرجع بعد موته قبل يوم القيامة. قال

стр. 3787

النسفي في التفسير: (﴿أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ بدل من ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ على المعنى لا على اللفظ، تقديره ألم يروا كثرة إهلاكنا القرون من قبلهم كونهم غير راجعين إليهم). وقوله: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٣)﴾. قال قتادة: (أي هم يوم القيامة). فالمقصود: حضورهم يوم القيامة للجزاء والحساب. والقراءة بالتشديد: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا﴾ من قراءة عاصم وحمزة وعامة قراء الكوفة. ووجهه: ﴿ن كل لمما﴾ ثم حذفت إحدى الميمات لما كثرت. وقيل: ﴿لَّمَّا﴾ بمعنى: إلا. وقرأها الباقون من قراء المدينة والبصرة بالتخفيف ﴿لمَا﴾ أي (ما) أدخلت عليها اللام التي تدخل جوابًا لإن. والتقدير: وإن كل لجميع لدينا محضرون. وهما قراءتان مشهورتان. والخلاصة في المعنى: أنّ جميع الأمم والخلق قادمون يوم القيامة، قائمون في صفوف بين يدي خالقهم ، ثم هم نائلون جزاءهم، صائرون إلى مصائرهم وما كسبت أيديهم، فنسأل الله السلامة في الدنيا والآخرة. ٣٣ - ٤٧. قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٣٥) سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (٣٦) وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠) وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٤٤) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥) وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤٦) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ

стр. 3788

آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٤٧)﴾. في هذه الآيات: يقول الله جل ثناؤه لنبيّه ﷺ : إنه من عظيم الدلالة لهؤلاء المشركين من قومك على قدرة الله سبحانه على إعادة الموتى بعد فنائهم وبعثهم من مرقدهم لمحشرهم هو إحياؤه الأرض الميتة التي خوت من العطاء، بالغيث والقطر فيجعل منها جنات وبساتين وثمارًا من نخيل وأعناب، ويفجر فيها الينابيع والعيون، ليأكلوا من تلك الثمار التي غرسوها أو لم يغرسوها وإنما أنبتها الله ولا جهد بذلك بذلوه لعلهم يشكرون، فتعالى الله الذي خلق من كل شيء زوجين من البشر والنبات والحيوان ومما لا يعلمون. ثم دليل آخر على قدرته على البعث والنشور سبحانه، هو ما يعاقبه من النهار والظلمة، فينسلخُ الليل من النهار والنهار من الليل، وتجري الشمس إلى مقادير مواضعها، وتسجد كل يوم بين يدي ربها الذي قدّر حركتها وحركة القمر الذي يسير في نظام، ويتقلب في منازل، فلا الشمس تصطدم بالقمر، ولا ضوء الشمس يشبه ضوء القمر، ولا الأوقات كلها ليل أو كلها نهار، بل كل يجري في مجرى ومدار، يسبحون الواحد القهار. ثم دلالة ثالثة على قدرته سبحانه أنّه نجّى -من الغرق- مع نوح من اختار تفضلًا، وجعل لهؤلاء المشركين من المراكب مثل تلك السفن يركبونها، ويجحدون تلك النعم تجاهلًا، ولو شئنا لقابلناهم ذلك الجحد بالغرق فهلكوا تقتلًا، ولكن أمهلناهم وأجلناهم علهم يعودون إلى الله تبتلًا، ولكن هيهات فقد قست قلوبهم، فإذا ذُكِّروا بمن هلك قبلهم من الأمم بالمعاصي تكبرًا وسئلوا التوبة مما مضى من الذنوب أو مما هو قادم لاستمرارهم على طريق الفتنة تجبّرًا، أعرضوا، ولو سئلوا الإنفاق استهزؤوا واحتجوا بقدرة الله على الإطعام وبمشيئته تسترًا. وتفصيل ذلك: قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾. تنبيه من الله تعالى للمشركين على كمال قدرته وعظيم آياته. فهو الذي يحيي الأرض الميتة بالنبات والحب. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ودلالة لهؤلاء المشركين على قدرة الله على ما يشاء وعلى إحيائه من مات من خلقه وإعادته بعد فنائه كهيئته قبل مماته إحياؤه الأرض الميتة التي لا نبت فيها ولا زرع بالغيث الذي ينزله من السماء حتى يخرج زرعها، ثم إخراجه منها الحب الذي هو قوت لهم وغذاء فمنه يأكلون). أي به يتغذون.

стр. 3789

وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ﴾. أي جعلنا من الأرض الميتة بعد بث الحَياة فيها بساتين من نخيل وأعناب، وخصصهما بالذكر لأنهما أعلى الثمار، ولمملك فيها من الينابيع وعيون الماء وما تفجر فيها من مياه الأمطار. ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾: الهاء تعود على ماء العيون، فقد اندرج الثمر منه. وقيل: بل التقدير: ليأكلوا من ثمر ما ذكرنا، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾. قال النسفي: (والضمير لله تعالى، أي لتأكلوا مما خلقه الله من الثمر). وقوله: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾. قال ابن كثير: (أي غرسوه ونصبوه، وإلا ففي الحقيقة ما كان إلا رحمة الله بهم لا بسعيهم وكدّهم ولا بحولهم وقوتهم). - وقيل "ما" في محل جر عطفًا على الثمر. والتقدير: ومِنَ الذي عملت أيديهم مما غرسوا وزرعوا. أو التقدير: (ومما عملته أيديهم) وقد روي ذلك بقراءة عبد الله. - وقيل "ما" بمعنى المصدر. والتقدير: (ومِنْ عمل أيديهم). - وقيل "ما" نافية لا محل لها. والتقدير: (ولم تعمله أيديهم). أي من الزرع الذي أنبته الله لهم أو غرسوه بتوفيق الله لهم، لكن هو الذي أنبته لهم وجعل منه ثمرًا ورزقًا، فلا مقارنة بين العملين، والكل من عون الله وتوفيقه. وذكر القرطبي ﵀ معنى جميلًا آخر قال: (وقال غيرهم: المعنى: وَمِنَ الذي عملته أيديهم أي من الثمار، ومن أصناف الحلاوات والأطعمة ومما اتخذوا من الحبوب بعلاج كالخبز والدهن المستخرج من السمسم والزيتون). وقال النسفي: (أي مما عملته أيديهم من الغرس والسقي والتلقيح وغير ذلك من الأعمال إلى أن يبلغ الثمر منتهاه، يعني أن الثمر في نفسه فعل الله وخلقه وفيه آثار من كدّ بني آدم). قلت: وكل ما ذُكِرَ من المعاني داخل في هذا الكلام الإلهي المعجز، وهذا البيان الرائع، وفي الآية إشارة إلى العمل وفضل تكسب الإنسان بيده. كما روى الإمام أحمد والطبراني عن رافع بن خديج، قال: سئل رسول الله ﷺ : أي الكسب أطيب؟ قال:

стр. 3790

[أطيب الكسب عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور] (١). ثم قال سبحانه: ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾. أي: أفلا يشكرون نعمه سبحانه وهلّا يحمدونه، فكل ما سبق ذكره من الآلاء والنعم تحمل المؤمن على شكر الله، فما من نعمة إلا من الله العلي العظيم، والفضل منه فهو المنعم الكريم. ثم قال سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: وخلق من أولادهم ذكورًا وإناثًا، ومما لايعلمون أيضًا من الأشياء التي لم يطلعهم عليها خَلَقَ كذلك أزواجًا، مما يضيف إليه هؤلاء المشركون ويصفونه به من الشركاء وغير ذلك). فنزّه نفسه سبحانه عما يقوله الكفار الذين جحدوا أمره وعبدوا غيره بعدما عاينوا آثار قدرته وعاشوا نعمه، فيا عجبًا إذ لم ينزهوه سبحانه عما لا يليق به وهو الذي جعل من كل الأصناف أزواجًا. كما قال قتادة: (يعني الذكر والأنثى). وقال القرطبي: (والأزواج الأنواع والأصناف، فكل زوج صنف، لأنه مختلف في الألوان والطعوم والأشكال والصغر والكبر فاختلافها هو ازدواجها). وقوله: ﴿مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾. أي: من النبات فهو أصناف. ﴿وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾: فقد خلق منهم ذكورًا وإناثًا. قال تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٤٩ - ٥٠]. وقال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ [الليل: ٣]. وقال تعالى: ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [النبأ: ٨]. وقوله: ﴿وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾. قال النسفي: (ومن أزواج لم يطلعهم الله عليها، ولا توصلوا إلى معرفتها، ففي الأودية والبحار أشياء لا يعلمها الناس). وفي التنزيل: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]. فهناك أصناف من الخلق في البر والبحر والسماء والأرض ما زالت مجهولة للبشر، رغم وصولهم إلى القمر، وغرورهم بركوب الفضاء ورؤية الآفاق والعبر، لكن دون

стр. 3791

أن تغير من مناهج حياتهم نحو تعظيم خالق الكون والبشر، فهل علموا أين يأجوج ومأجوج الذي أثبته الله في كتابه وكذلك نبيّه في السنن والسير، وهل عثروا في البحر على مُقام المسيح الدجال ذاك الأعور شيخ اليهود المُنْتَظر، فوجه الاستدلال بالآية أنه إذا انفرد بالخلق سبحانه فلا ينبغي أن يشرك به البشر. وقوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾. السلخ في لغة العرب: القطع والنزع والكشط. يقال: سلخ جلد الشاة، ويقال: سلخت الشهر إذا أمْضَيْتَه وصرتَ في آخره. ويقال أيضا: انسلخ الشهر من سَنَتِه والرجل من ثيابه والحية من قِشْرها والنهار من الليل، فهي استعارة بمعنى الإخراج، فعبّر عن ذهاب الضوء وإقبال الظلمة بالسلخ من الشيء وظهور المسلوخ. فمن الدلالة على آياته العظيمة وقدرته سبحانه تعاقب الليل والنهار، والظلام والنور. كما قال تعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾. فقوله: ﴿نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ يعني نقتطعه منه فيذهب ويقبل الليل، فإذا هم مظلمون داخلون في الظلام. والعرب تقول: أصبحنا إذا دخلنا في الصباح، وأظهرنا إذا دخلنا في الظهر، وأظلمنا إذا دخلنا في الظلام، وبنحوه أضحينا وأمسينا. فالسلخ يشبه قوله في الآية الأخرى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ أي خرج منها وتركها، وكذلك هنا انسلاخ الليل من النهار، فإذا هم في ظلمة بعد دخول الليل. فعن قتادة: (قوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧)﴾ قال: يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل). والإيلاج هو زيادة ما نقص من ساعات هذا في ساعات الآخر، وليس ذلك السلخ، فالنهار يسلخ من الليل كله، وكذا الليل من النهار كله، فيقتطع منه فيذهب، كما في الصحيحين عن عمر ﵁، عن النبي ﷺ قال: [إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم] (١). وقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾. قال القرطبي: (أي في ظلمة، لأن ضوء النهار يتداخل في الهواء فيضيء فإذا خرج منه أظلم). ثم قال جل ثناؤه: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾. ومستقرها تحت العرش حيث تسجد كل يوم، وتستأذن الله ربها بالخروج مرة أخرى.

стр. 3792

ففي الصحيحين من حديث أبي ذر ﵁، قال: [قال رسول الله ﷺ حين غربت الشمس: أين تذهب؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد ولا يقبل منها وتستأذن فلا يؤذن لها ويقال لها: ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها، فذلك قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ قال: مستقرها تحت العرش] (١). وفي لفظ للبخاري عنه قال: [كنت مع النبي ﷺ في المسجد عند غروب الشمس فقال رسول الله ﷺ : يا أبا ذر! أتدري أين تغرب الشمس؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فذلك قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾. وفي رواية أخرى عن أبي ذر قال: [كنت جالسًا عند النبي ﷺ في المسجد، فلما غربت الشمس قال: يا أبا ذر! هل تدري أين تذهب الشمس؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنها تذهب فتسجد بين يدي ربها ثم تستأذن بالرجوع فيؤذن لها وكأنها قد قيل لها ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مكانها وذلك مستقرها]. - وقيل مستقرها هو انتهاء سيرها وهو غاية ارتفاعها في السماء في الصيف وهو أوجها، ثم غاية انخفاضها في الشتاء وهو الحضيض. - وقيل: تجري لمجرى لها إلى مقادير مواضعها، فتجري لأبعد منازلها في الغروب ثم ترجع ولا تجاوزه. قيل: فلا تزال تتقدم كل ليلة حتى تنتهي إلى أبعد مغاربها ثم ترجع. فإذا بلغت أقصى منازلها فطلعت الهنعة كان ذلك اليوم أطول أيام السنة وتلك الليلة أقصر لياليها، فالنهار خمس عشرة ساعة والليل تسع ساعات، ثم يأخذ في النقصان، فإذا طلعت الثريا استوى الليل والنهار، وكل واحد ثنتا عشرة ساعة، ثم تبلغ أدنى منازلها وتطلع النعائم وذلك اليوم أقصر الأيام والليل خمس عشرة ساعة كما قال الحسن: (إن للشمس في السنة ثلاث مئة وستين مطلعًا، تنزل في كل يوم مطلعًا، ثم لا تنزله إلى الحول، فهي تجري في تلك المنازل وهي مستقرها). وقال قتادة: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ قال: وقت واحد لا تعدوه).

стр. 3793

قلت: وكل هذه المعاني داخلة في بيان رسول الله ﷺ السابق، كما قال ابن عباس: (إنها إذا غربت وانتهت إلى الموضع الذي لا تتجاوزه استقرت تحت العرش إلى أن تطلع). وكل ما سبق بيانه لا يعارض طلوعها من المغرب قُريب الساعة علامةً من علامات القيامة. ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال، سمعت رسول الله ﷺ يقول: [إن أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغريها، وخرُوج الدابة على الناس ضحًا، وأيهما ما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على إثرها قريبًا] (١). وفي صحيح مسلم أيضًا عن أبي ذر: [أن النبي ﷺ قال يومًا: أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخر ساجدة فلا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي ارجعي من حيث جئتِ، فترجع فتصبح طالعة من مطلعها ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخرّ ساجدة ولا تزال كذلك حتى يقال لها ارتفعي ارجعي من حيث جئت، فترجع فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئًا حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش فيقال لها: ارتفعي أصبحي طالعة من مغربك، فتصبح طالعة من مغربها. فقال رسول الله ﷺ : أتدرون متى ذلكم؟ ذاك حين ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾] (٢). فهذا معنى قوله: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾. والتقدير: وآية لهم الشمس، أو تكون الشمس مرفوعة بفعل محذوف يفسره الثاني. كان يقال: وتطلع الشمس فتجري لمستقر لها، وقد تكون الشمس في محل رفع على الابتداء، وجملة ﴿تَجْرِي﴾ هي الخبر، والله تعالى أعلم. وقوله: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾. قال ابن جرير: (يقول: هذا الذي وصفناه من جري الشمس لمستقر لها تقدير العزيز في انتقامه من أعدائه، العليم بمصالح خلقه، وغير ذلك من الأشياء كلها لا يخفى عليه خافية).

стр. 3794

وقوله: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾. التقدير: وقدرنا القمر منازل كما فعلنا بالشمس، وهي قراءة بعض قراء المدينة ومكة والبصرة وعامة قراء الكوفة. وقرأ بعض المكيين والمدنيين والبصريين بالضم ﴿والقمرُ قدرناه منازل﴾ عطفًا على الشمس، والتقدير ثانية: وآية لهم القمرُ قدرناه منازل، فالشمس والقمر آيتان عظيمتان. والمعنى: وجعلنا القمر يسير في منازل يستدل بها على مُضِيّ الشهور والزمان، كما يعرف بالشمس تعاقب الليل من النهار، كما قال جل ذكره: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾. وكقوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾. قال الحافظ ابن كثير: (فجعل الشمس لها ضوء يخصها، والقمر له نور يخصه، وفاوت بين سير هذه وهذا، فالشمس تطلع كل يوم وتغرب في آخره على ضوء واحد، ولكن تنتقل في مطالعها ومغاربها صيفًا وشتاءً يطول بسبب ذلك النهار ويقصر الليل، ثم يطول الليل ويقصر النهار، وجعل سلطانَها بالنهار، فهي كوكب نهاري، وأما القمر فقدره منازل يطلع في أول ليلة من الشهر ضئيلًا قليل النور، ثم يزداد نورًا في الليلة الثانية، ويرتفع منزله، ثم كلما ارتفع ازداد ضياءً، وإن كان مقتبسًا من الشمس حتى يتكامل نوره في الليلة الرابعة عشرة، ثم يشرع في النقص إلى آخر الشهر حتى يصير كالعرجون القديم، أي كعنق التمر اليابس المنحني). وذكر الإمام القرطبي في التفسير أسماء هذه المنازل التي تعرفها العرب، قال: (والمنازل ثمانية وعشرون منزلًا، ينزل القمر كل ليلة منها بمنزل، وهي: الشَّرَطان. البطَيْن. الثريّا. الدَّبَران. الهَقْعَة. الهنعة. الذِّراع. النَّثرة. الطرْف. الجَبْهَة. الخراتان. إلصَّرْفة. العَوَّاء. السِّمَاك. الغَفْر. الزُّبَانيَان. الإكلِيل. القَلْب. الشَّوْلة. النَّعائِم. البَلدَّة. سَعْد الذّابح. سَعْد بُلع. سَعْد السَّعود. سَعْد الأخْبِية. الفَرْغ المُقَدَّم. الفَرْغ المؤخَّر. بطن الحوت. فإذا صار القمر في آخرها عاد إلى أولها فيقطع الفلك في ثمان وعشرين ليلة. ثم يستسر ثم يطلع هِلالًا، فيعود في قطع الفلك على المنازل، وهي منقسمة على البروج لكل برج منزلان وثلث فللحَمل الشَّرطَان والبُطين وثلث الثريا، وللثور ثلثا الثريا والدَّبران وثلثا الهَقْعة، ثم كذلك إلى سائرها). وقد سمي القمر بالقمر لأنه يُقمر أي يبيَضُّ الجو ببياضه حين يسطع إلى أن يَسْتسِرّ.

стр. 3795

فالقمر بحركته آية من آيات الرحمان قدّر له منازل للنقصان بعد تناهيه وتمامه واستوائه ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾. قال أبو جعفر: (والعرجون من العذق من الموضع النابت في النخلة إلى موضع الشماريخ). والقديم هو اليابس. قال قتادة: (هو العِذْق اليابس المنحني من النخلة). فالقمر في سيره في منازله إذا كان في آخرها دقّ وتقوس وضاق حتى يصير في آخر الشهر كعنق التمر اليابس المنحني. قال الحسن: (كعذق النخلة إذا قدم فانحنى). ثم إن هذه الآيات يعيشها كثير من الناس ولا يتدبرونها ولا يستفيدون منها في اقترابهم من الله سبحانه وعلمهم بصفاته وأسمائه جل ثناؤه، فهي آيات عظيمة يزداد المؤمن المتؤمل بها إيمانًا وتعظيمًا لخالق السماوات والأرض، فيزداد له طاعة وخوفًا وحبًا. فالسنة أربعة فصول، لكل فصل سبعة منازل: فأولها الربيع وأوله خمسة عشر يومًا من آذار، وعدد أيامه اثنان وتسعون يومًا، تقطع فيه الشمس ثلاثة بروج: الحَمَل والثور والجوزاء، وسبعة منازل: الشَّرطان والبُطين والثريا والدَّبران والهقعة والهنعة والذِّراع. ثم يدخل فصل الصيف في خمسة عشر يومًا من حزيران، وعدد أيامه اثنان وتسعون يومًا، تقطع الشمس فيه ثلاثة بروج: الشَّرطان والأسد والسُّنْبلة، وسبعة منازل: وهي النثرة والطَّرْف والجبهة والخَراتان والصّرفة والعوّاء والسِّماك. ثم يدخل فصل الخريف في خمسة عشر يومًا من أيلول، وعدد أيامه واحد وتسعون يومًا، تقطع فيه الشمس ثلاثة بروج، وهي الميزان والعقرب والقوس، وسبعة منازل الغُفر والزُّبانان والإكليل والقلب والشولة والنعائم والبلدة. ثم يدخل فصل الشتاء في خمسة عشر يومًا من كانون الأول، وعدد أيامه تسعون يومًا، وربما كان واحدًا وتسعين يومًا، تقطع فيه الشمس ثلاثة بروج: وهي الجدي والدّلو والحوت، وسبعة منازل: سعد الذابح وسعد بُلَع وسعد السّعود وسعد الأخبية، والفَرْغ المقدَّم، والفَرْغُ المؤخَّر، وبطن الحوت. كما ذكر المفسرون. قال القرطبي ﵀: (وهذه قسمة السريانيين لشهورها: تشرين الأول، تشرين الثاني، كانون الأول، كانون الثاني، أشباط، آذار، نيسان، أيار، حزيران، تموز، آب، أيلول. وكلها أحد وثلاثون إلا تشرين الثاني ونيسان وحزيران وأيلول فهي ثلاثون، وأشباط ثمانية وعشرون يومًا وربع يوم. قال: فإذا كانت الشمس في منزل أهلّ الهلالُ بالمنزل الذي بعده، وكان الفجر بمنزلتين من قبله، فإذا كانت الشمس بالثريا في خمسة وعشرين يومًا من نيسان، كان الفجر بالشرطين، وأهلّ

стр. 3796

الهلال بالدبران، ثم يكون له في كل ليلة منزلة حتى يقطع في ثمان وعشرين ليلة ثمانيًا وعشرين منزلة. وقد قطعت الشمس منزليتن فيقطعهما، ثم يطلع في المنزلة التي بعد منزلة الشمس فـ ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. قال ابن عباس: (يقول: إذا اجتمعا في السماء كان أحدهما بين يدي الآخر، فإذا غابا غاب أحدهما بين يدي الآخر). وقال مجاهد: (﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾. قال: لا يشبه ضوء أحدهما ضوء الآخر، ولا ينبغي ذلك لهما. ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾، قال: يتطالبان حثيثين ينسلخ أحدهما من الآخر). ولخّص ابن جرير المعنى بقوله: (لا الشمس يصلح لها إدراك القمر فيذهب ضوؤها بضوئه فتكون الأوقات كلها نهارًا لا ليل فيها، ولا الليل بفائت النهار حتى تذهب ظلمته بضيائه فتكون الأوقات كلها ليلًا). والشمس مرفوعة على الابتداء، فإن (لا) لا تعمل في معرفة. وهناك تفاسير أخرى لهذه الآية تزيد المعنى جلاء ووضوحًا: ١ - قيل: الشمس لا تدرك القمر فتبطل معناه، فلكل سلطان لا يدخل الآخر عليه فيذهب سلطانه، حتى يبطل الله ذلك فتطلع الشمس من مغربها. ٢ - وقيل: بل المعنى: إذا طلعت الشمس لم يكن للقمر ضوء، وإذا طلع القمر لم يكن للشمس ضوء. ذكر معناه ابن عباس والضحاك. ٣ - وقيل: أي لا يشبه ضوء أحدهما ضوء الآخر، ذكره مجاهد. ٤ - وقيل: لكل حدّ وعَلَم لا يعدوه ولا يقصر دونه، إذا جاء سلطان هذا ذهب سلطان هذا. قاله قتادة. ٥ - وقيل: إنهما لا يجتمعان في السماء ليلة الهلال خاصة. ذكره الحسن. أي: لا تبقى الشمس حتى يطلع القمر، ولكن إذا غربت طلع القمر. ٦ - وقيل: سير القمر سريع، والشمس لا تدركه في السير، وأما قوله: ﴿وَجُمِعَ

стр. 3797

الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ فهو من علامات القيامة، وذلك حين حَبْس الشمس عن الطلوع، كما تقدم. والخلاصة من أقوال المفسرين: أن للشمس ضوءًا وسلطانًا وحركة، وللقمر ضوءًا وسلطانًا وحركة، فكل منهما يمضي في ما قدّر له في نظام عجيب، ودوران رهيب، صُنْعَ الله الذي أحسن كل شيء خلقه، فإليه توجهوا واحفِدوا إنه هو السميع القريب المجيب. وقوله: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. قال ابن عباس: (في فلك كفلك المِغْزَل). وقال مجاهد: (مجرى كل واحد منهما يعني الليل والنهار في فلك يسبحون: يَجْرون). وقيل: يدورون. وقال الحسن: (الشمس والقمر والنجوم في فلك بين السماء والأرض غير ملصقة ولو كانت ملصقة ما جرت). قال الحافظ ابن كثير: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾: يعني الليل والنهار والشمس والقمر، كلهم يسبحون أي يدورون في فلك السماء. كفلكة المغزل لا يدور المغزل إلاّ بها ولا تدور إلا به). وقوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾. المعنى: فدليل لهم آخر على قدرته سبحانه، وعلامة أخرى لهم على هيمنته تعالى على الخلق جميعهم أحياءً كانوا أو أمواتًا، هو حمله سبحانه ذريتهم من نجا منهم برحمته في سفينة نوح. والفلك: السفينة، والمشحون: الموقر المملوء. قال ابن عباس: (المشحون: الممتلئ). أو قال: (المثقل). وقال سعيد: (الموقَر). وقال قتادة: (الموقر، يعني سفينة نوح). قال شيخ المفسرين -الإمام ابن جرير-: (يعني من نجا من ولد آدم في سفينة نوح، وإياها عنى جل ثناؤه بالفلك المشحون. ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾. قال: وخلقنا لهؤلاء المشركين المكذبيك يا محمد تفضلًا منا عليهم من مثل ذلك الفلك الذي كنا حملنا من ذرية آدم مَنْ حملنا في الذي يركبونه من المراكب). وقال القرطبي: (وآية لهم: يحتمل ثلاثة معان: أحدها عبرة لهم لأن في الآيات اعتبارًا. الثاني: نعمة عليهم لأن في الآيات إنعامًا. الثالث: إنذار لهم، لأن في الآيات إنذارًا. قال: فقيل المعنى: وآية لأهل مكة أنا حملنا ذرية القرون الماضية في الفلك

стр. 3798

المشحون، فالضميران مختلفان. قال: وقيل الضميران جميعًا لأهل مكة على أن يكون ذرياتهم أولادهم وضعفاءهم. فالفلك على القول الأول سفينة نوح، وعلى الثاني يكون اسمًا للجنس، خبّر جل وعز بلطفه وامتنانه أنه خلق السفن يحمل فيها من يصعب عليه المشي والركوب من الذرية والضعفاء. قال: وقيل الذرية الآباء والأجداد حملهم الله تعالى في سفينة نوح ﵇، فالآباء ذرية والأبناء ذرية. قال: وسمي الآباء ذرية لأن منهم ذرأ الأبناء. قال: وقول رابع أن الذرية النطف حملها الله تعالى في بطون النساء تشبيهًا بالفلك المشحون). وقوله تعالى: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾. قال سعيد بن جبير: (هي السفن جُعلت من بعد سفينة نوح ﵇ على مثلها). وقال الحسن: (السفن الصغار). وعن ابن عباس: (يعني الإبل خلقها الله كما رأيت فهي سفن البر يُحملون عليها ويركبونها). وقالي مجاهد: (من الأنعام). واختار ابن جرير أنها السفن لقوله تعالى بعدها: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ﴾. قال: والغرق في الماء ولا غرق في البر. وذكر قول السدي عن أبي مالك: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾، قال السفن الصغار. ألا ترى أنه قال: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ﴾. واختار ابن كثير أنها الإبل، قال: (فإنا سفن البر يحملون عليها ويركبونها والأنعام جميعًا). قلت: وخلاصة التفسير أن الله سبحانه دلّهم على قدرته بدلالة أخرى، حيث سخّر لهم البحر تجري فيه السفن بإذنه، وأولها سفينة نوح ﵊، أنجاه الله فيها والمؤمنين الذين ما بقي غيرهم في الأرض من ذرية آدم، فلتعلم قريش بأنا قد حملنا آباءهم المؤمنين مع نوح في سفينة النجاة والإيمان والمملوءة بالأمتعة وأصناف الحيوان من كل زوج اثنين، فسارت إلى شاطئ الأمان، وها نحن خلقنا لهم سفنًا مثلها يركبون فيها البحر، تمضي بهم في تجاراتهم ورحلاتهم بأمن العزيز المنان، فليعتبروا وليؤمنوا بمحمد ﵊، وليعظموا ما جاءهم من الوحي قبل فوات الأوان، فقول: ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾ كما أفاد الضحاك: هي السفن المتخذة بعد سفينة نوح ﵊. ويمكن أن يدخل تحت ذلك أصنافًا أخرى شاهدها الناس اليوم للركوب هي مما فتح الله به على الإنسان وعفمه: من صناعة السيارات والطائرات والمراكب الآلية البرية والبحرية، وكثيرًا ما يُسمع اليوم عن سقوط الطائرات في البحر وغرق بعض المراكب والعبّارات بمن فيها، ليعلم الناس أن كل حركة لدابة في الأرض هي بحفظ الله ورعايته ولو شاء كان الغرق أو الهلاك، وهذا يدعوهم ليفردوا الله

стр. 3799

بالِتعظيم والعبادة في كل وقت وحين، وأن يكونوا من أهل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ﴾. أي: لا مغيث لهم إذا نحن غزقناهم، ولا منعة لهم من بأسنا. فعن قتادة فيها قال: (أي لا مغيث). و ﴿صَرِيخَ﴾ على وزن فعيل بمعنى فاعل. أي: فلا مُصْرِخ ولا مغيث، ولا هم ينقذون من الغرق. وقوله: ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا﴾. قيل: رحمةً منصوبة على الاستثناء. وقيل: بل هي مفعول لأجله، والتقدير: للرحمة. وقوله: ﴿وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾. قال قتادة: (أي إلى الموت). أي لنمتعهم إلى أجل هم بالغوه. قال ابن جرير: (فكأنه قال: ولا هم ينقذون إلا أن نرحمهم فنمتعهم إلى أجل). وعن يحيى بن سلاّم قال: (إلى القيامة. أي إلا أن نرحمهم ونمتعهم إلى آجالهم، وأن الله عجل عذاب الأمم السالفة، وأخّر عذاب أمة محمد ﷺ وإن كذبوه إلى الموت والقيامة). ونصب قوله: ﴿وَمَتَاعًا﴾ لأنه معطوف على قوله: ﴿رَحْمَةً﴾ منصوب مثله. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ - فيه أكثر من تأويل: ١ - قال قتادة: (وقائع الله فيمن خلا قبلهم من الأمم وما خلفهم من أمر الساعة). ٢ - قال مجاهد: (﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ قال: ما مضى من ذنوبهم. ﴿وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ قال: ما يأتي من الذنوب). ٣ - قال الحسن: (﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾: ما مضى من أجلكم. ﴿وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ ما بقي منه). ٤ - قال سفيان: (﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ من الدنيا. ﴿وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ من عذاب الآخرة). ٥ - قال ابن عباس: (﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ من أمر الآخرة وما عملوا لها. ﴿وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ من أمر الدنيا فاحذروها ولا تغتروا بها). وقيل: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾: ما ظهر لكم، ﴿وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ ما خفي محنكم). وكلها أقوال متقاربة متكاملة، والجواب محذوف، والتقدير: إذا قيل لهم ذلك

стр. 3800

أعرضوا. ويدل على ذلك قوله تعالى بعده: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾. وجملة القول: أن الله سبحانه يعرفهم نِعَمَهُ عليهم ويذكرهم قوته وغضبه إذا حلّ بهم، فلو شاء أغرقهم كما فعل بمن كفر من أسلافهم، ولو شاء متّعهم إلى آجال عسى أن يتداركوا أمرهم، أو يوم القيامة يفضحهم ويعذبهم. ثم هو سبحانه يذكرهم مصائر الأمم والوقائع والآجال، وما مضى من الدنيا وما يستقبلهم من الآخرة، وحقائق القدر كالموت والقبر، ومحاولات الشيطان إفساد آخرتهم عليهم، ومغبّة اتباع الشهوات، ولكن هيهات فقد صُرِفت القلوب عن أمر بارئها، وأعرضت النفوس عن تعظيم ربها، فهي تدفع ثمن إهمال الرياء يعمر القلوب والكبر والغرور، والأمراض التي ترتع في حياتها. وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾. قال ابن جرير: (معنى الكلام: وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم أعرضوا وإذا أتتهم آية أعرضوا). فيكون قوله: ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ جوابًا لقوله: ﴿اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ ولقوله: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ﴾، فكان الإعراض جوابهم عن الأمرين. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. يصف فيه سبحانه صورة قسوة قلوب هؤلاء المشركين، وما وصلت إليه من آثار الكبر واتباع الشهوات، فهي لم تعد تصغي لرحمة المحتاجين والمساكين، فقد غلّفها العناد والكبر وحب الرياسة واستعباد الضعفاء وظلم الأبرياء، فحين ذكرهم المؤمنون بإطعام المحاويج والفقراء من المسلمين احتجوا بمشيئة الله استهزاء فقالوا: إنما نحن نوافق مشيئة الله فيهم، إن أنتم إلا في ضلال مبين في أمركم لنا بالإنفاق، فحرموهم وقالوا: لو شاء الله أطعمكم فلا نطعمكم حتى ترجعوا إلى ديننا. وقد كان بلغهم من قول المسلمين أن الله هو الرازق، فقالوا هزوًا: أنرزق من لو يشاء الله أغناه. وكانوا يسمعون المؤمنين يُعَلِّقُونَ الأفعال بمشيئة الله، فيقولون لو شاء الله لأغنى فلانًا ولأعز فلانًا، فأخرج الكفار هذا الجواب مخرج الاستهزاء بالمؤمنين، أي إذا كان الله رزقنا فهو قادر على أن يرزقكم فلم تلتمسون الرزق منا؟ .

стр. 3801

قال ابن عباس: (كان بمكة زنادقة، فإذا أُمِروا بالصدقة على المساكين قالوا: لا والله أيفقره الله ونطعمه نحن). وقال الحسن: (يعني اليهود أُمِروا بإطعام الفقراء). وقيل: هم المشركون، قال لهم أصحاب النبي ﷺ : أعطونا مما زعمتم من أموالكم أنها لله حيث قال الله فيهم: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾. وخلاصة القول: أنهم احتجوا بالقدر احتجاجًا باطلًا، شأن أهل الدنيا في كل زمان ومكان، يفرون من الله إلى معاصيهم وشهواتهم معلقين ذلك بقدر الله الذي كفروا به من قبل، فبئس ما كانوا يصنعون. وفي قوله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ وجهان من التأويل: ١ - إما هو من قيل الكفار للمؤمنين. ٢ - أو هو من قيل الله للمشركين. والوجه الأول أولى بالسياق، واختاره ابن جرير وغيره، والله تعالى أعلم. ٤٨ - ٧٠. قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨) مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣) فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤) إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (٥٧) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨) وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩) أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣)

стр. 3802

اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤) الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥) وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (٦٦) وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ (٦٧) وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ (٦٨) وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧٠)﴾. في هذه الآيات: يخبر الله سبحانه عن استهزاء المشركين بأمر البعث والقيامة، واستبعادهم بعقولهم القاصرة تخيل حصول ذلك. فكيف بهم يا محمد إذا سمعوا نفخة الفزع في الصور والناس في أسواقهم وطرقهم ومجالسهم وهم يتشاجرون ويتخاصمون في معايشهم وعلاقاتهم، فينفخ إسرافيل بأمر الله تلك النفخة في الصور نفخة يمدها ويطولها فلا يبقى أحد على وجه الأرض إلا أصغى ليساق بعدها الناس إلى محشر القيامة، فلا يستطيعون أن يتركوا وصية على أموالهم وذراريهم، فالأمر أدهى من ذلك وأشد، ولا هم يرجعون إلى معايشهم ودنياهم وأعمالهم وأسواقهم، فهذه هي نفخة الفزع كما قال جل ثناؤه: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾. ثم تكون بعدها نفخة الصعق حيث تموت فيها الخلائق، ثم بعدها نفخة البعث كما قال جل ذكره: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾. فالنفخة الثانية هي نفخة الصعق والموت، والنفخة الثالثة هي نفخة البعث إلى الحشر والنشور والقيام من الأجداث والقبور سراعًا ينسلون أي يمشون مسرعين، فإذا عاينوا ذلك قالوا متحسرين: يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا ومن قبورنا؟ فقد أَشْقَوا أنفسهم وعقولهم بالظن أنهم لا يبعثون، فلما عاينوا البعث فزعوا وعلموا أن القبر وعذابه بالنسبة لما بعده مما يبصرون من الأهوال كالرقاد، فيجيبهم المؤمنون أو الملائكة: هذا ما وعد الرحمان وصدق المرسلون، فإذا هم بصيحة واحدة محضرون في عرصات المحشر لم يجازوا إلا بما عملوا ولا يظلمون. فأما المؤمنون فيرحلون من العرصات إلى الروضات في الجنات، فينشغلون بنعيمها، وحلائلهم معهم في الظلال وعلى السرر متكئون، يطعمون الفاكهة وأنواع الملاذ ويحييهم الله بالسلام. في حين تميز حال الكفار والمشركين وقد ذَكَّرَهُم

стр. 3803

الله بعهده وميثاقه عليهم ألا يعبدوا الشيطان فهو العدو لهم، وأن يفردوه سبحانه بالعبادة والتوجه فهو الرحيم بهم. وكم أهلك الله أممًا مشت وراء شيطانها وشهواتها وضيعت أوامر ربها واستهزأت بدينها، فهذه جهنم يعاني فيها اليوم المتكبرون والمجرمون، فاليوم تنطق الأيدي وتشهد الأرجل ويختم على الأفواه، فتحدّث الجوارح عن صاحبها ما اجترح من آثام وموبقات، وما استخدمها في الكيد والمكر من المؤمنين بالله ومنهاجه. فقل يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك: لو شاء الله ما عاقبكم فأضلكم على علم وأعماكم عن الهدى فلا تؤمنون حتى تروا العذاب الأليم، ولو شاء لأقعدكم وشلّ حركتكم أو أهلككم في مساكنكم فلا تتقدمون. فمن مدّ الله له في العمر أعاده ضعيفًا بعد قوة ليتواضع إلى الله أحوج ما يحتاج إلى ذلك مع اقتراب الأجل أفلا تعقلون. وهذا النبي الكريم -عليه أفضل الصلاة والتسليم- ما جاءكم بالشعر وصناعة الكلام بل بالقرآن والحق المبين نذارة لكم ولكل حي القلب سليم العقل، وليقيم الله الحجة به على الكافرين، فيحاكمهم له في أعمالهم وما اجترحت جوارحهم فيذوقوا العذاب الأليم. وتفصيل ذلك: قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. هو كقوله جل ثناؤه: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ [الشورى: ١٨]. وكقوله جل ذكره: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]. وكقوله سبحانه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠) أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [يونس: ٥٠ - ٥١]. فلما قيل لهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ﴾. أجابوا مستهزئين: مَتَى هَذَا أتوَعْدُ ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. فقال الله تعالى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ﴾ أي ما ينتظرون ﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ وهي نفخة الفزع. فالنفخ في الصور ثلاث: ١ - النفخة الأولى: وهي نفخة الفزع. كما قال جل ثناؤه في سورة النمل: ﴿وَيَوْمَ

стр. 3804

يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾. ٢ - النفخة الثانية: وهي نفخة الصعق. كما قال سبحانه في سورة الزمر: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾. قال السدي: (أي مات. ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ قال جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت). ٣ - النفخة الثالثة: وهي نفخة القيام لرب العالمين. كما قال سبحانه في آية الزمر: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾. قال ابن كثير: (أي أحياء بعدما كانوا عظامًا ورفاتًا صاروا أحياء ينظرون إلى أهوال يوم القيامة). فما ينتظر هؤلاء المكذبون إلا نفخة الفزع والناس يومئذ في أسواقهم ومعايشهم يختصمون ويتشاجرون في مثل عادتهم إذ أمر الله إسرافيل فنفخ في الصور نفخة يمدها ويطولها، فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتًا ورفع ليتًا -أي أمال صفحة عنقه ينصت إلى الصوت من قبل السماء- ثم يساق الموجودون من الناس إلى أرض المحشر، فلا وقت لديهم للوصية ولا رجعة إلى الأسواق والمشاغل. ثم تُتْبع هذه النفخة بنفخة الصعق التي يموت بها المخاليق ثم يقوم الناس لرب العالمين بعد سماع نفخة البعث والقيام. أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : [يخرج الدجال في أمتي فيمكث فيهم أربعين لا أدري أربعين يومًا أو أربعين شهرًا أو أربعين عامًا أو أربعين ليلة، فيبعث الله تعالى عيسى بن مريم عليهما الصلاة والسلام كأنه عروة بن مسعود الثقفي، فيظهر فيهلكه الله تعالى. وفي رواية: (فيطلبُه فيهلكه). ثم يلبث الناس بعده سنين سبعًا ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله تعالى ريحًا باردة من قبل الشام، فلا يبقى أحد في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته، حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلت عليه. ويبقى شرار الناس في خفة الطير (١) وأحلام السباع (٢) لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا. قال: فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون! فيأمرهم بعبادة الأوثان، فيعبدونها، وهم في ذلك دارّة أرزاقهم حسن عيشهم، ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتًا ورفع ليتًا، وأول من يسمعه رجل يلوط حوضه -أي يطينه ويصلحه- فيصعق، ثم لا يبقى أحد إلا صعق، ثم يرسل الله تعالى مطرًا كأنه الطل فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ

стр. 3805

فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون. ثم يقال: أيها الناس هلموا إلى ربكم ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ ثم يقال: أخرجوا بعث النار، فيقال: كم؟ فيقال. من كل ألف تسع مئة وتسعة وتسعين، فيومئذ تبعث الولدان شيبًا، ويومئذ يكشف عن ساق. (وفي رواية: فذلك يوم يجعل الولدان شيبًا)، وذلك يوم يكشف عن ساق] (١). وفي جامع الترمذي بسند حسن عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [كيف أنعم وصاحب الصور قد التقمه وأصغى سمعه وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر بالنفخ؟ فقالوا: يا رسول الله! وما تأمرنا؟ قال: قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل] (٢). وذكر ابن جرير بإسناده عن أبي المغيرة القوّاس عن عبد الله بن عمرو قال: (لَيُنْفَخَنَّ في الصور والناس في طرقهم وأسواقهم ومجالسهم، حتى إن الثوب ليكون بين الرجلين يتساومان فما يُرسله أحدهما من يده حتى ينفخ في الصور، وحتى إن الرجل ليغدو من بيته فلا يرجع حتى ينفخ في الصور، وهي التي قال الله: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ الآية). وكذلك قال قتادة: (ذُكر لنا أن النبي ﷺ كان يقول: تهيج الساعة بالناس والرَّجل يَسْقي ماشيته، والرجلُ يُصلح حَوْضه، والرجل يقيم سلعته في سوقه، والرجل يخفض ميزانه ويَرْفَعه، وتهيج بهم وهمْ كذلك فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون). قلت: وكلاهما يصلح شاهدًا لما في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: [لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان تكون بينهما مقتلة عظيمة، دعواهما واحدة، وحتى يُبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله، وحتى يقبض العلم وتكثر الزلازل ويتقارب الزمان وتظهر الفتن ويكثر الهرج وهو القتل، وحتى يكثر فيكم المال فيفيض، حتى يهمّ رب المال من يقبلُ صدقته، وحتى يعرضه فيقول الذي يعرضه عليه: لا أرب لي به، وحتى يتطاول الناس في البنيان، وحتى يمرّ الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني مكانه، وحتى تطلع الشمس

стр. 3806

من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا، ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وهو يُلِيطُ حوضه فلا يسقي فيه، ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها] (١). وقوله: ﴿تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾. أي يختصمون في أحوال دنياهم فتأخذهم الصيحة فيموتون وهم على ذلك. وقد قرأها قراء المدينة ﴿وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ بتسكين الخاء وتشديد الصاد، فجمعوا بين الساكنين، ومعناها يختصمون، فكأن التاء أدغمت في الصاد. في حين قرأها بعض قراء مكة والبصرة: ﴿وَهُمْ يُخَصِّمُونَ﴾ بمعنى يختصمون. وقرأها بعض قراء الكوفة: ﴿يَخِصِّمُونَ﴾ أي يخصِمُ بعضهم بعضًا. وقرأها بعضهم الآخر: ﴿يَخْصِمون﴾ على وزن يفعلون، أي من الخصومة، فهم يخصمون من وعدهم مجيء الساعة ويغلبون بالجدل. وكلها قراءات مشهورة. وخلاصة المعنى: أَنَّ الساعة تفجؤهم وهم غارقون في أمور دنياهم يختصمون عليها، فلا يستطيع هؤلاء المشركون عند ذلك أن يوصوا في أموالهم، ولا أن يرجع أحدهم إلى أهله فإنهم لا يُمْهَلُون بذلك بل يُعَجَّلون إلى الهلاك. كما قال قتادة: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ أي فيما في أيديهم ﴿وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ قال: أُعْجِلوا عن ذلك). وقال ابن زيد: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ الآية قال: هذا مبتدأ يوم القيامة، وقرأ ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ حتى بلغ ﴿إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾). وقيل: لا يستطيع أحدهم أن يوصي غيره بالتوبة والإقلاع، بل يعاجلون بالموت والهلاك في مواضعهم وأسواقهم. ثم قال سبحانه: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾. وهذه هي نفخة البعث والقيام لرب العالمين. كما قال سبحانه: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾. والأجداث هي القبور، واحدها جَدَث. وقوله: ﴿يَنْسِلُونَ﴾ من النَّسَلان، وهو الإسراع في المشي. كما قال ابن عباس: ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾. يقول: من القبور يخرجون). والصور هو القَرْن. والآية كقوله تعالى:

стр. 3807

﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾، وكقوله: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾. فلما رُدّت أرواح المشركين إلى أجسامهم بعد نفخة البعث لموقف الحشر قاموا فقالوا: ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾. والبعث الإثارة، أي من أيقظنا. والوقف الحسن بعد قوله: ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا﴾ ثم يستأنف الكلام: ﴿مَنْ بَعَثَنَا﴾. ثم قال سبحانه: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾. وفي اسم الإشارة ﴿هَذَا﴾ وجهان. أولًا: مبتدأ و ﴿مَا﴾ مرفوعة على أنها خبر، والمعنى إشارة إلى ﴿مَا﴾. أي: هذا وعد الرحمان وصَدَقَ المرسلون. ثانيًا: أن تكون ﴿هَذَا﴾ بدلًا من المرقد، أي من صفته، أي: من بعثنا من مرقدنا هذا، فيستأنف الكلام بعدها: ﴿مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ أي: حالعثكم وعد الرحمان. أو حقّ ما وعد الرحمان بعثكم. فالوقف يكون هنا على ﴿مَرْقَدِنَا هَذَا﴾. أما الوقف الأول على ﴿مِنْ مَرْقَدِنَا﴾. ثم يبتدئ الكلام: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾. وأما تأويل من قاله عند المفسرين: ١ - قد يكون قوله: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾) من قول المؤمنين. قال مجاهد: (فقال لهم المؤمنون: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾). وفي رواية عنه: (قال: مما سرّ المؤمنون، يقولون هذا حين البعث). وقال قتادة: (قال أهل الهدى: هذا ما وعد الرحمان وصدق المرسلون). ٢ - وقد يكون من قول الملائكة. كما قال الفراء: (فقال لهم الملائكة: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾). ٣ - وقد يكون من قول الكفار لما عاينوا ما أخبرهم به الرسل صدقوهم حيث لا ينفعهم التصديق. قال ابن زيد: (قوله: ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾. ثم قال بعضهم لبعض: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ كانوا أخبرونا أنا نبعث بعد الموت ونحاسب ونجازى). واختار ابن جرير أن يكون من قول المؤمنين، قال: (لأن الكفار في قيلهم من بعثنا من مرقدنا دليل أنهم كانوا بمن بعثهم من مرقدهم جهالًا فاستثبتوا من غيرهم). قلت: ولا مانع أن يكون من قول الكفار، ذهبت عنهم دهشة الفزع وتذكروا كلام الرسل.

стр. 3808

ثم قال سبحانه: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾. وهو كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾. قال قتادة: (ملك قائم على صخرة بيت المقدس ينادي: أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة: إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء). وكقوله جلّ ذكره: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾. وكقوله جل ثناؤه: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾. فيكون معنى الآية كما قال أبو جعفر: (إن كانت إعادتهم أحياء بعد مماتهم إلا صيحة واحدة وهي النفخة الثالثة في الصور. ﴿فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾. يقول: فإذا هم مجتمعون قد أُحضروا فأشهدوا موقف العرض والحساب لم يتخلف عنه منهم أحد). وقوله: ﴿جَمِيعٌ﴾ خبر للمبتدأ ﴿إِذَا هُمْ﴾، وقوله: ﴿مُحْضَرُونَ﴾ صفة. أي جميعهم قد أحضروا موقف الحساب في المحشر. وقوله: ﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾. أي: مما عملت. ﴿وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، أي توافون أعمالكم وما اجترحتم أو اكتسبتم من خير أو شر. و ﴿مَا﴾ في محل نصب. ثم قال سبحانه: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ وفيه تفاسير متكاملة: ١ - قيل هو افتضاض العذارى. فعن ابن مسعود في قوله: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾. قال: (شغلهم افتضاض العذارى). وقال ابن عباس: (افتضاض الأبكار). وقال أبو قلابة: (بينما الرجل من أهل الجنة مع أهله إذ قيل له تحول إلى أهلك، فيقول: أنا مع أهلي مشغول، فيقال: تحول أيضًا إلى أهلك). ٢ - قيل: مشغولون في السماع. ذكره وَكيع. وقيل: في زيارة بعضهم بعضًا. ذكره ابن كيسان. وقيل: في ضيافة الله تعالى- حكاه القرطبي. ٣ - وقيل: ذلك هو الانشغال بالنعيم. أي هم في نعمة. فعن مجاهد: (﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ﴾ قال: في نعمة). ٤ - وقيل: هو انشغالهم بالملذات عن الاهتمام بما يلقى أهل النار. قال الحسن: (شغلهم النعيم عما فيه أهل النار من العذاب). وبنحوه روي عن إسماعيل بن أبي خالد قال: (في شغل عما يلقى أهل النار).

стр. 3809

وخلاصة المعنى: أن أهل الجنة مشغولون بألوان الملذات من طعام وشراب، وزيارة وضيافة، ونكاح وأفراح، فهم بذلك وغيره من أحوال النعيم والترف وهناءة ورغد العيش الذي شغلهم عن الاهتمام بأهل النار ومصائرهم. والقراءتان المشهورتان هما: ﴿شُغْل﴾ بتسكين الغين، وهي قراءة قراء المدينة وبعض البصريين. والثانية بضم الغين ﴿فِي شُغُلٍ﴾ وهي قراءة الكوفيين وبعض قراء المدينة والبصرة. وقوله: ﴿فَاكِهُونَ﴾ -أي فرحون- كما قال ابن عباس. وقيل: عجبون، كما روي عن مجا هد. وقال الحسن: (مسرورون). وقال السدي: (ناعمون). وقيل: معجبون. وكلها متقاربة. والقراءة المشهورة ﴿فَاكِهُونَ﴾، وروي عن أبي جعفر القارئ أنه قرأها: ﴿فَاكِهُونَ﴾، والأولى عليها إجماع القراء. وفي لغة العرب: فَكِهَ الرجل فهو فَكِهٌ إذا كان طيبَ النفس مَزَّاحًا. والمفاكهة الممازحة، وتفكّه بالشيء: تَمتَّع به. والفكِه هنا بمعنى المتنغم، وفاكهون أي كثيرو الفاكهة. فهم في مزاح ونعيم وفاكهة وخير كبير. وقوله: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ﴾. قال مجاهد: (حلائلهم في ظُلَل). وقرأها بعضهم ﴿ظَلَل﴾ جمع ظُلَّة. أما الظلال جمع ظِلّ، وهي القراءة المشهورة. فهم وأزواجهم في كنّ لا يَضْحون لشمس كما يَضْحى لها أهل الدنيا، فإن الجنة لا شمس فيها. وقوله: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ أي على السُّرر. والأرائك هي الحجال فيها الفرش والسرر، واحدتها: أريكة. كما قال مجاهد عن ابن عباس: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ قال: هي السُّرُرُ في الحجال (١)). وقوله: ﴿مُتَّكِئُونَ﴾ صفة لقوله ﴿فَاكِهُونَ﴾. وقوله: ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ قال يحيى بن سلام: (يدعون: يشتهون). وقال ابن عباس: (يسألون). وهي من دعا، فهم يتمنون من الدعاء، والعرب تقول: دع عليَّ ما شئت، فهم متلذذون بأنواع الفاكهة وبما يخطر ببالهم. وقيل: المعنى أن من ادعى منهم شيئًا فهو له، لأن الله تعالى قد طبعهم على ألا يدعي منهم أحد إلا ما يجمل ويحسن أن يدّعيه، ذكره القرطبي.

стр. 3810

أخرج الإمام أحمد والترمذي بسند صحيح عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: [المؤمن إذا اشتهى الولد في الجنة، كان حمله ووضعه وسِنّهُ في ساعة واحدة، كما يشتهي] (١). وقوله: ﴿سَلَامٌ﴾. قيل: هو خبر للمبتدأ ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾. أي لهم فيها ما يدعون مسلّم خالص لهم حقًّا. وقيل: هو خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو، أي هو سلام بمعنى المدح. وقيل: هو مرفوع على البدل ﴿مَا﴾. أي ولهم أن يسلم الله عليهم. وفي قراءة ابن مسعود ﴿سلامًا﴾ في محل نصب حال، أو نصب على التوكيد. وقوله: ﴿قَوْلًا﴾. أي أقول ذلك قولًا، فهي مصدر. وفي مستدرك الحاكم بإسناد صحيح عن جابر، عن النبي ﷺ قال: [إذا دخل أهل الجنة الجنة، يقول الله : هل تشتهون شيئًا فأزيدكم؟ فيقولون: ربنا وما فوق ما أعطيتنا؟ فيقول: رضواني أكبر] (٢). فالله هو السلام، ورضوانه سبحانه يكون سلامًا على أهل الجنة. وقد ذكر ابن جرير بإسناده عن القرظي يحدث عن عمر بن عبد العزيز قال: (إذا فرغ الله من أهل الجنة والنار، أقبل في ظلل من الغمام والملائكة فيسلم على أهل الجنة فيردّون ﵇. قال القرظي: وهذا في كتاب الله: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾). وقوله: ﴿مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ أي رحيم بهم، إذ تجاوز عما سلف من سيئات أعمالهم، وتداركهم برحمته. وقوله تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ - فيه أقوال متقاربة: ١ - قال قتادة: (عُزلوا عن كل خير). ٢ - قال الضحاك: (يمتاز المجرمون بعضهم من بعض، فيمتاز اليهود فرقة، والنصارى فرقة، والمجوس فرقة، والصابئون فرقة، وعبدة الأوثان فرقة).

стр. 3811

٣ - قال داود بن الجراح: (فيمتاز المسلمون من المجرمين إلا أصحاب الأهواء فيكونون مع المجرمين). وفي لغة العرب: مازَ الشيءَ إذا عزله وفرزه. وميّزه تمييزًا فانماز وامتاز وتميز واستماز كله بمعنى واحد. يقال: امتاز القوم إذا تميّز بعضهم من بعض. فقد كان المجرمون متميزين في الدنيا في حياة اختاروها متكبرين، ومساكن اصطفوها متعجرفين، جمعوها وحصّلوها بالبغي والظلم والمال الحرام، وملؤوها بالمكر بدين الله وبالفساد والزنا والفواحش وموائد الخمور مستهزئين غارقين، فاليوم يجنون ما اجترحوا ويتميزون -أيضًا- كما فعلوا في دنياهم فَيُفْصَلون عن المؤمنين، فإنهم واردون غير موردهم وسالكون غير سبيلهم. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾. العهد: الوصية، أي ألم أوصكم بعبادتي وبَلَّغَكُم ذلك الرسل، ألا تشركوا بي ولا تَدَعُوا للشيطان نصيبًا في أعمالكم، وقد علمتم حسده لأبيكم وعداوته لذريته، فاتخذوه عدوًا وبادلوه العداوة وإخلاص الإيمان بالله، فهو طريق النجاة في الدنيا والآخرة، فقد أبان عداوته وغروره وحسده. وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ﴾ أي أغوى منكم. ﴿جِبِلًّا كَثِيرًا﴾. قال مجاهد: (أي خلقًا كثيرًا). وقال قتادة: (جموعًا كثيرة)، وقال غيره: (أمما كثيرة). والمعنى واحد. وقد قرأها قراء المدينة وعاصم وبعض الكوفيين: ﴿جِبِلًّا﴾ بكسر الجيم والباء. في حين قرأها بعض قراء مكة والكوفة: ﴿جُبُلًا﴾. وقرأها أبو عمرو وبعض قراء البصرة: ﴿جُبْلًا﴾ والقراءتان الأولى والثانية أشهر. والمعنى يدور حول الخلق في كل هذه القراءات، وأميل إلى القراءة الأولى ﴿جِبِلًّا﴾ لأنها توافق القراءة المشهورة في مثيلتها في قوله تعالى: ﴿وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾ فهو من الجِبْل: أي الخلق. وقوله: ﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾. أي: عداوةَ هذا الشيطان اللعين وحزبه لكم. ثم قال جل ذكره: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾. أي تقول خزنة جهنم للكافرين توبيخًا لهم: هذه جهنم التي كذبتم بها الرسل، وعشتم في الحياة الدنيا طغاة ظالمين، عاندتم الحق وكفرتم بالله واستكبرتم، فذوقوا

стр. 3812

اليوم عذابها وحريقها، فهي ما كنتم توعدون وكما وصفت لكم يوم كنتم تكفرون. يروي الإمام الترمذي في جامعه، والإمام أحمد في مسنده، بإسناد صحيح، على شرط الشيخين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [يخرج عنق من النار يوم القيامة لها عينان تبصران، وأذنان تسمعان، ولسان ينطق، يقول: إني وُكِّلْتُ بثلاثة: بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلهًا آخر، وبالمصورين] (١). وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. يروي ابن جرير بإسناده عن الشَّعْبي قال: (يقال للرجل يوم القيامة: عملت كذا وكذا، فيقول: ما عملت، فيختم على فيه، وتنطق جوارحه، فيقول لجوارحه: أبعدكن الله مما خاصمت إلا فيكن). قلت: وهذا الأثر يصلح شاهدًا للحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن أنس بن مالك قال: [كنا عند رسول الله ﷺ فضحك، فقال: هل تدرون مِمَّ أضحك؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: من مخاطبة العبد ربه، يقول: يا رب ألم تجرني من الظلم؟ قال. يقول: بلى، فيقول: إني لا أجيز على نفسي إلا شاهدًا مني، فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدًا، وبالكرام الكاتبين شهودًا. فيختم على فيه، ويقال لأركانه: انطقي، قال: فتنطق بأعماله، ثم يُخَلّى بينه وبين الكلام فيقول: بعدًا لكن وسحقًا، فعنكن كنت أناضل] (٢). وفي رواية من طريق أبي هريرة: [ثم يقال له: الآن نبعث شاهدنا عليك، ويتفكر في نفسه! من ذا الذي يشهد عليّ؟ ! فيختم على فيه، ويقال لفخذه ولحمه وعظامه انطقي، فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله، وذلك لِيُعذِرَ من نفسه، وذلك المنافق، وذلك الذي يسخط الله عليه]. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾. الطمس على العين هو ألا يكون بين الجفنين شق. فيقال: طمس يطمِسُ ويطمُس والمطموس هو الأعمى، وكذا الطميس. فهناك تفسيران للآية:

стр. 3813

١ - أضللناهم عن الهدى. قال ابن عباس: (يقول: أضللتهم وأعميتهم عن الهدى). ٢ - تركناهم عميًا. قال قتادة: (يقول: لو شئنا لتركناهم عميًا يترددون). واختاره ابن جرير. وقال القرطبي: (فالمعنى لأعميناهم فلا يبصرون طريقًا إلى تصرفهم في منازلهم ولا غيرها) - إذ لا معنى للضلالة وهم كفار. وقوله: ﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ﴾. قال مجاهد: (الطريق، ﴿فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾ وقد طمسنا على أعينهم). وأما من ذهب للمعنى الأول: (الضلالة والعمى عن الهدى) فيكون المعنى كما ذى ابن عباس: ﴿فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾: فكيف يهتدون). وفي رواية: (يقول: لا يبصرون الحق). وقال قتادة: (ولو نشاء لفقأنا أعين ضلالتهم وأعميناهم من غيّهم وحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى، فاهتدوا وأبصروا رشدهم وتبادروا إلى طريق الآخرة. ثم قال: ﴿فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾ ولم نفعل ذلك بهم، أي فكيف يهتدون وعين الهدى مطموسة، على الضلال باقية). ثم قال جل ثناؤه: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ﴾. قال قتادة: (أي لأقعدناهم على أرجلهم فلم يستطيعوا أن يتقدموا ولا يتأخروا). وعن ابن عباس: (ولو نشاء أهلكناهم في مساكنهم). والمكانة والمكان بمعنى واحد. والمضي: مصدر مضى أي ذهب. قال الحسن: (أي لأقعدناهم فلا يستطيعون أن يمضوا أمامهم ولا يرجعوا وراءهم). وقيل: لو نشاء لمسخناهم في المكان الذي اجترؤوا فيه على المعصية. وقال ابن سلام: (هذا كله يوم القيامة يطمس الله تعالى أعينهم على الصراط). وقيل: قد يكون المسخ تبديل صورة الإنسان بهيمة ثم هي لا تعقل موضعًا تقصده فتتحيّر فلا تقبل ولا تدبر. وخلاصة المعنى: أن الله سبحانه يهددهم بالعطب ونزول العذاب في ديارهم إذا تابعوا بالاجتراء على الشرك بالله واجتراح المعاصي والآثام، إلى أن يعجزوا عن اجتياز الصراط يوم القيامة والجسر على جهنم، فيقذفون فيها خاسئين. ثم قال سبحانه: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾. قال قتادة: (من نَمُدّ له في العمر ننكسه في الخلق لكيلا يعلم بعد علم شيئًا، يعني

стр. 3814

الهَرَم). وقال سفيان: (إذا بلغ ثمانين سنة تغير جسمه وضعفت قوته). وقرأها عامة قراء المدينة والبصرة: ﴿نُنَكِّسّهُ﴾ بالتشديد. وأما القراءة بالتخفيف ﴿نَنكسْهُ﴾ فهي قراءة بعض الكوفيين، وبعضهم قرأها ﴿نَنْكُسْه﴾ من نكس الشيء فانتكس إذا قلبه على رأسه، والنُّكْسُ: عود المرض بعد النَّقَه. والقراءة بالتشديد أشهر، فهي من التنكيس وهو تغير الحال، واختار ذلك ابن جرير وقال: (لأن التنكيس من الله في الخلق إنما هو حال بعد حال، وشيء بعد شيء، فذلك تأييد للتشديد). وقال النسفي في تفسيره: (والتنكيس جعل الشيء أعلاه أسفله). وخلاصة المعنى: أنَّ الله سبحانه قد قضى أن يمرّ الإنسان في الحياة بمراحل: خلقه من ضعف ثم أمدّه بالقوة والشباب، ثم قضى أن يعود إلى الضعف والهرم في الشيخوخة والعجز بعد النشاط. كما قال جل ذكره في سورة الروم: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾. وكما قال في سورة النحل: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾. وكقولِه تعالى في سورة الحجِ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾. وكقوله في سورة التين ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾. قال القرطبي ﵀: (فطول العمر يصيّر الشاب هرمًا، والقوة ضعفًا، والزيادة نقصًا، وهذا هو الغالب). ومن آفاق معاني هذه الآية الكريمة ما قال الحافظ ابن كثير ﵀ -في تفسيرها-: (والمراد من هذه الآية -والله أعلم- الإخبار عن هذه الدار بأنها دار زوال وانتقال لا دار دوام واستقرار. قال: ولهذا قال: أفلا يعقلون، أي يتفكرون بعقولهم في ابتداء خلقهم ثم صيرورتهم إلى سنّ الشيبة ثم إلى الشيخوخة، ليعلموا أنهم خلقوا لدار أخرى لا زوال لها ولا انتقال منها ولا محيد عنها وهي دار الآخرة). وقد كان النبي ﷺ يتعوذ بالله من الهرم أو أن يُرد إلى أرذل العمر. ففي الصحيحين والمسند عن أنس ﵁، عن النبي ﷺ أنه كان يقول: [اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والجُبْن والبُخْل والهَرَم، وأعوذ بك من عذاب

стр. 3815

القبر، وأعوذ بك من عذاب النار، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات] (١). وفي مستدرك الحاكم بسند صحيح عن أنس، عن النبي ﷺ أنه كان يقول: [اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والجُبن والبُخل والهرم والقسوة والغفلة، والعَيلة والذِّلة والمسكنة، وأعوذ بك من الفقر والكفر، والفسوق والشقاق والنفاق، والسُّمْعة والرِّياء، وأعوذ بك من الصَّمَمِ والبَكَم والجنون والجذام والبرص وسَيِّئ الأسقام] (٢). وكان ﵊ يسأل الله في دعائه سعةَ الرزق عند كبر السِّنِ واقتراب الأجل. فقد أخرج الحاكم بإسناد حسن عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ أنه كان يقول: [اللهم اجعل أوسع رزقك عليَّ عند كِبَرِ سني وانقطاع عُمُري] (٣). فاللهم إنا نسالك بركة في الشباب، وقوة في الذهاب والإياب، إلى المساجد وفي طلب العلم والجهاد والحرص على المعالي والأخذ بالأسباب، لكل ما يرضيك ومتعنا بالعمر مع القوة والعزم على السير في طريق الأنبياء والصالحين وأولي النهى والألباب، إنك ربي سميع مجيب ودود رحيم. ثم قال سبحانه: ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾. وهي بالياء قراءة قراء الكوفة. وبالتاء ﴿أفلا تعقلون﴾ قراءة قراء المدينة. والأولى أشهر وأنسب للمعنى، فالخطاب للمشركين الذين هدّدهم الله بقوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾. وبقوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾. أي: أفلا يعقلون قدرة الله على ما يشاء، فهاهم قد عاينوا تصريفه للخلق من صغر إلى كبر، ومن ضعف إلى قوة، ثم من قوة إلى ضعف وتنكيس بعد كبر في هرم، فهلا نظروا وآمنوا بالبعث بعد الموت، واستعدوا للقاء الله مؤمنين معظمين له وحده لا شريك له. وأما قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾. يدافع الله سبحانه فيه عن نبيّه ﷺ ويبرئه من أن يكون عالمًا بنظم الشعر وصناعة فصحاء العرب، حتى يغلق الباب على من أراد أن يدّعي أن القرآن من كلام محمد ﷺ .

стр. 3816

فالشعر لم يكن من طبعه ﵊، ولا يحسنه ولا تقتضيه جبلته. قال الحافظ ابن كثير: (ولهذا ورد أنه ﷺ كان لا يحفظ بيتًا على وزن منتظم بل إن أنشده زحفه أو لم يتمه). وذكر قول الشعبي: (ما ولد عبد المطلب ذكرًا ولا أنثى إلا يقول الشعر إلا رسول الله ﷺ ). ومع أنه كان يحب الاستماع إليه أحيانًا، ويمدح بلاغته وبيانه ثانية، ويحض بعض شعراء المسلمين كحسّان وغيره على مهاجاة الكفار، إلا أنه لمِ ينظمه وما حبّبه الله إليه، والله أعلم بحكمته حيث قال: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ فكان مدحًا لنبيّه ﵊ وليس ذمًّا. ففي صحيح مسلم عن عمرو بن الشَّريد عن أبيه قال: رَدِفْتُ (١) رسول الله ﷺ يومًا فقال: هل معك من شعر أمية بن أبي الصّلت شيء؟ قلت: نعم. قال: هيه (٢). فأنشدته بيتًا. فقال: هيه. ثم أنشدته بيتًا. فقال: هيه. حتى أنشدته مئة بيت] (٣). وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [أصدق كلمة قالها الشاعر (٤) كلمة لبيد (٥): ألا كل شيء ما خلا الله باطل] (٦). وفي الصحيحين أيضًا عن البراء قال: قال النبي ﷺ يومَ قريظة لحسان بن ثابت: [اهْجُ المشركين، فإن جبريل معك. وكان رسول الله ﷺ يقول لحسان: أجب عني، اللهم أيده بروح القدس] (٧). وكذلك حثّ شعراء المسلمين على ذلك- كما روى مسلم عن عائشة رضي الله

стр. 3817

عنها- أن رسول الله ﷺ قال: [اهجوا قريشًا، فإنه أشد عليهم من رشْق النَّبْل] (١). ثم روى عنها أيضًا قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول لحسان: [إن روحَ القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله. وقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: هجاهم حسَّانُ فشفى واشتفى]. وروى البخاري في الأدب المفرد -بإسناد صحيح- عن ابن عباس: [أن رجلًا -أو أعرابيًا- أتى النبي ﷺ فتكلم بكلام بيّن، فقال النبي ﷺ : إن من البيان سحرًا، وإن من الشعر حكمة- وفي لفظ: حِكمًا] (٢). وفي رواية: (إن من البيان لسحرًا). وكذلك روى عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : [الشعر بمنزلة الكلام، حسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام] (٣). ثم ذكر عن عائشة ﵂ أنها كانت تقول: [الشعر منه حسن ومنه قبيح، خُذ بالحسن ودع القبيح، ولقد رويت من شعر كعب بن مالك أشعارًا، منها القصيدة فيها أربعون بيتًا، ودون ذلك] (٤). لكن ثبت أنه كان ﷺ يتمثل بعض الأبيات من الشعر في مناسبات مع أصحابه، يتغنى بها يشاركهم بهجة الموقف، ولا يعارض هذا وصف الله له بقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾. فالمقصود: أنه لم ينظم الشعر ولم يهتم به، فقد امتلأ قلبه وعقله بالوحي فلا مكان لغيره. فقد أخرج الإمام البخاري في الأدب المفرد، والترمذي في الجامع، بإسناد صحيح عن شُريح قال: [قلت لعائشة ﵂: أكان رسول الله ﷺ يتمثل بشيء من الشعر؟ فقالت: كان يتمثل بشيء من شعر عبد الله بن رواحة، ويتمثل ويقول: ويأتيك بالأخبار من لم تزود] (٥).

стр. 3818

فَنَظْمُ الشعر شيء وارتجازه شيءآخر، فإنك تقرأ في الصحيحين عن البراء، قال: [كان رسول الله ﷺ ينقل التراب يوم الخندق حتى اغبَرَّ بطنُه يقول: والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدّقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا إن الأُلى قد بَغَوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا يرفع بها صوته] (١). وفيهما عن أنس قال: [جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق وينقلون التراب وهم يقولون: نحن الذين بايعوا محمدًا ... على الجهاد ما بقينا أبدًا يقول النبي ﷺ وهو يجيبهم: اللهم لا عيشَ إلا عيش الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة] (٢) وخلاصة القول: إن ما وقع من النبي ﷺ اتفاقًا من غير قصد لوزن الشعر لا ينافي كونه ﵊ ما علم شعرًا وما ينبغي له، بل علّمه الله الذكر والقرآن فرفعه به وملأ قلبه وحياته بروعته، فلم يبق في قلبه مكانًا لغيره. وبنحو هذا يروي ابن القاسم عن مالك أنه سئلِ عن إنشاد الشعر فقال: (لا تكثرن منه فمن عيبه أن الله يقول: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾. قال: ولقد بلغني أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى أبي موسى الأشعري: أن اجمع الشعراء قبلك، وسلهم عن الشعر، وهل بقي معهم معرفة، وأحضر لبيدًا ذلك، قال: فجمعهم فسألهم فقالوا: إنا لنعرفه ونقوله. وسأل لبيدًا فقال: ما قلت بيت شعر منذ سمعت الله يقول: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾) ذكره القرطبي. وقوله: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾. أي ذلك من أعلام نبوته ﵊، لئلا يظن أنه قوي على القرآن بما في طبعه من القوة على الشعر. وقيل: ما ينبغي له أي ما يتسهل له قول الشعر لا الإنشاد.

стр. 3819

وقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾. هناك تفسيران لقوله: ﴿إِنْ هُوَ﴾. ١ - ﴿إِنْ هُوَ﴾ أي محمد، إلا ذكر لكم أيها الناس ذكركم الله بإرساله إياه إليكم، ونبّهكم به على حظكم. ذكره ابن جرير. ٢ - ﴿إِنْ هُوَ﴾ أي هذا الذي يتلوه عليكم، فما علمناه هو ذكر وقرآن. حكاه القرطبي وابن كثير. وقوله: ﴿وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾. قال قتادة: (هذا القرآن). أي يبين لمن تدبره أنه تنزيل رب العالمين، أنزله على محمد الأمين، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وأنه ليس بشعر ولا من كاهن أو ساحر أو مُدَّع أثيم. وقوله: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾. قال قتادة: (حيّ القلب حيّ البصر). وفي التنزيل: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾، فهذا القرآن لينذر به كل حي على وجه المعمورة. وقوله: ﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. قال قتادة: (بأعمالهم). أي: فينتفع بنذارته من كان حيّ القلب مستنير العقل والبصيرة، وليحق القول على الكافرين، ويكون عليهم الحجة وعلى كل ميت الفؤاد بليد. ٧١ - ٨٣. قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥) فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٦) أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١)

стр. 3820

إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾. في هذه الآيات: يقول الله سبحانه مخاطبًا نبيّه صلوات الله وسلامه عليه: أو لم ير المشركون ما خلقنا لهم من الأنعام المختلفة من الإبل والبقر والغنم يتصرفون بها كما شاؤوا، وهم لها ضابطون، فهي ذليلة مسخرة لهم لا تمتنع منهم، وتُقاد الجماعة منها بأضعفهم وأصغرهم، فمنها ما يركبون في الأسفار كالإبل، ويحملون عليها أثقالهم ويقضون عليها حاجات ما كانوا ليبلغوها إلا بشق الأنفس، ومنها ما يأكلون إذا احتاجوا فينحرون ويَطْعمون، ولهم فيها منافع: يلبسون أصوافها، ويتخذون من أوبارها وأشعارها أثاثًا ومتاعًا إلى حين، ويشربون من ألبانها وأبوالها يتداوون بها، فهلا أفردوا الله سبحانه بالتوجه والشكر ووحّدوه ولم يشركوا بعبادته أحدًا! ؟ أيشركون من لا يملك لهم رزقًا ولا نصرًا! ؟ بل آلهة لا تملك الانتقام ممن أرادها بسوء، ويوم القيامة تحشر هذه الأوثان والأصنام معهم لتشترك في إقامة الحجة عليهم، فلا تحزن عليهم يا محمد، فإنا قد أحصينا عليهم سرائرهم وعلانياتهم. أو لم ير المعاند المنكر للحشر والبعث أن الله خلقه ابتداء من ماء مهين، ونطفة ضعيفة هزيلة، ثم إذا رأى من نفسه قوة وشبابًا استكبر وخاصم ربه وتحدّى، وأنكر إمكانية إعادته بعد فنائه وجمع عظامه بعد زواله. قل له يا محمد: بل يحييها الله الذي أنشأها في المرة الأولى، فهو أعلم كيف بعثرها وكيف فرّقها في ذرات الأرض، فهو الذي خلق من الماء شجرًا، فسوّاه أخضر ذا ثمر، ثم صيّره يابسًا، تحتطبون من فروعه وتوقدون به النار. فإذا علمتم هذا أجيبوا: أو ليس الذي فطر السماوات والأرضين وما فيهما بقادر على إعادة البشر كما بدأهم أول مرة، وهو إذا أراد أمرًا قال له كن فيكون، فسبحانه تنزهت صفاته، فهي صفات كمال وجمال، له الملك وإليه ترجعون. وتفصيل ذلك: قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ المراد رؤية القلب، فهم يبصرونها في حياتهم، لكنهم لا يعتبرون ولا يتفكرون. وقوله: ﴿أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾. أي: مما أبدعناه من غير تجربة أفدنا منها، ومن غير وساطة ولا شركة.
следующие страницы →