فالشعر لم يكن من طبعه ﵊، ولا يحسنه ولا تقتضيه جبلته. قال الحافظ ابن كثير: (ولهذا ورد أنه ﷺ كان لا يحفظ بيتًا على وزن منتظم بل إن أنشده زحفه أو لم يتمه). وذكر قول الشعبي: (ما ولد عبد المطلب ذكرًا ولا أنثى إلا يقول الشعر إلا رسول الله ﷺ ).
ومع أنه كان يحب الاستماع إليه أحيانًا، ويمدح بلاغته وبيانه ثانية، ويحض بعض شعراء المسلمين كحسّان وغيره على مهاجاة الكفار، إلا أنه لمِ ينظمه وما حبّبه الله إليه، والله أعلم بحكمته حيث قال: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ فكان مدحًا لنبيّه ﵊ وليس ذمًّا.
ففي صحيح مسلم عن عمرو بن الشَّريد عن أبيه قال: رَدِفْتُ (١) رسول الله ﷺ يومًا فقال: هل معك من شعر أمية بن أبي الصّلت شيء؟ قلت: نعم. قال: هيه (٢). فأنشدته بيتًا. فقال: هيه. ثم أنشدته بيتًا. فقال: هيه. حتى أنشدته مئة بيت] (٣).
وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [أصدق كلمة قالها الشاعر (٤) كلمة لبيد (٥): ألا كل شيء ما خلا الله باطل] (٦).
وفي الصحيحين أيضًا عن البراء قال: قال النبي ﷺ يومَ قريظة لحسان بن ثابت: [اهْجُ المشركين، فإن جبريل معك. وكان رسول الله ﷺ يقول لحسان: أجب عني، اللهم أيده بروح القدس] (٧).
وكذلك حثّ شعراء المسلمين على ذلك- كما روى مسلم عن عائشة رضي الله
стр. 3817
عنها- أن رسول الله ﷺ قال: [اهجوا قريشًا، فإنه أشد عليهم من رشْق النَّبْل] (١).
ثم روى عنها أيضًا قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول لحسان: [إن روحَ القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله. وقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: هجاهم حسَّانُ فشفى واشتفى].
وروى البخاري في الأدب المفرد -بإسناد صحيح- عن ابن عباس: [أن رجلًا -أو أعرابيًا- أتى النبي ﷺ فتكلم بكلام بيّن، فقال النبي ﷺ : إن من البيان سحرًا، وإن من الشعر حكمة- وفي لفظ: حِكمًا] (٢). وفي رواية: (إن من البيان لسحرًا).
وكذلك روى عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : [الشعر بمنزلة الكلام، حسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام] (٣).
ثم ذكر عن عائشة ﵂ أنها كانت تقول: [الشعر منه حسن ومنه قبيح، خُذ بالحسن ودع القبيح، ولقد رويت من شعر كعب بن مالك أشعارًا، منها القصيدة فيها أربعون بيتًا، ودون ذلك] (٤).
لكن ثبت أنه كان ﷺ يتمثل بعض الأبيات من الشعر في مناسبات مع أصحابه، يتغنى بها يشاركهم بهجة الموقف، ولا يعارض هذا وصف الله له بقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾. فالمقصود: أنه لم ينظم الشعر ولم يهتم به، فقد امتلأ قلبه وعقله بالوحي فلا مكان لغيره.
فقد أخرج الإمام البخاري في الأدب المفرد، والترمذي في الجامع، بإسناد صحيح عن شُريح قال: [قلت لعائشة ﵂: أكان رسول الله ﷺ يتمثل بشيء من الشعر؟ فقالت: كان يتمثل بشيء من شعر عبد الله بن رواحة، ويتمثل ويقول: ويأتيك بالأخبار من لم تزود] (٥).
стр. 3818
فَنَظْمُ الشعر شيء وارتجازه شيءآخر، فإنك تقرأ في الصحيحين عن البراء، قال: [كان رسول الله ﷺ ينقل التراب يوم الخندق حتى اغبَرَّ بطنُه يقول:
والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدّقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا
إن الأُلى قد بَغَوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا
يرفع بها صوته] (١).
وفيهما عن أنس قال: [جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق وينقلون التراب وهم يقولون:
نحن الذين بايعوا محمدًا ... على الجهاد ما بقينا أبدًا
يقول النبي ﷺ وهو يجيبهم:
اللهم لا عيشَ إلا عيش الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة] (٢)
وخلاصة القول: إن ما وقع من النبي ﷺ اتفاقًا من غير قصد لوزن الشعر لا ينافي كونه ﵊ ما علم شعرًا وما ينبغي له، بل علّمه الله الذكر والقرآن فرفعه به وملأ قلبه وحياته بروعته، فلم يبق في قلبه مكانًا لغيره. وبنحو هذا يروي ابن القاسم عن مالك أنه سئلِ عن إنشاد الشعر فقال: (لا تكثرن منه فمن عيبه أن الله يقول: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾. قال: ولقد بلغني أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى أبي موسى الأشعري: أن اجمع الشعراء قبلك، وسلهم عن الشعر، وهل بقي معهم معرفة، وأحضر لبيدًا ذلك، قال: فجمعهم فسألهم فقالوا: إنا لنعرفه ونقوله. وسأل لبيدًا فقال: ما قلت بيت شعر منذ سمعت الله يقول: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾) ذكره القرطبي.
وقوله: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾. أي ذلك من أعلام نبوته ﵊، لئلا يظن أنه قوي على القرآن بما في طبعه من القوة على الشعر. وقيل: ما ينبغي له أي ما يتسهل له قول الشعر لا الإنشاد.
стр. 3819
وقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾.
هناك تفسيران لقوله: ﴿إِنْ هُوَ﴾.
١ - ﴿إِنْ هُوَ﴾ أي محمد، إلا ذكر لكم أيها الناس ذكركم الله بإرساله إياه إليكم، ونبّهكم به على حظكم. ذكره ابن جرير.
٢ - ﴿إِنْ هُوَ﴾ أي هذا الذي يتلوه عليكم، فما علمناه هو ذكر وقرآن. حكاه القرطبي وابن كثير.
وقوله: ﴿وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾. قال قتادة: (هذا القرآن). أي يبين لمن تدبره أنه تنزيل رب العالمين، أنزله على محمد الأمين، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وأنه ليس بشعر ولا من كاهن أو ساحر أو مُدَّع أثيم.
وقوله: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾. قال قتادة: (حيّ القلب حيّ البصر).
وفي التنزيل: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾، فهذا القرآن لينذر به كل حي على وجه المعمورة.
وقوله: ﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. قال قتادة: (بأعمالهم).
أي: فينتفع بنذارته من كان حيّ القلب مستنير العقل والبصيرة، وليحق القول على الكافرين، ويكون عليهم الحجة وعلى كل ميت الفؤاد بليد.
٧١ - ٨٣. قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥) فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٦) أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١)
стр. 3820
إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾.
في هذه الآيات: يقول الله سبحانه مخاطبًا نبيّه صلوات الله وسلامه عليه: أو لم ير المشركون ما خلقنا لهم من الأنعام المختلفة من الإبل والبقر والغنم يتصرفون بها كما شاؤوا، وهم لها ضابطون، فهي ذليلة مسخرة لهم لا تمتنع منهم، وتُقاد الجماعة منها بأضعفهم وأصغرهم، فمنها ما يركبون في الأسفار كالإبل، ويحملون عليها أثقالهم ويقضون عليها حاجات ما كانوا ليبلغوها إلا بشق الأنفس، ومنها ما يأكلون إذا احتاجوا فينحرون ويَطْعمون، ولهم فيها منافع: يلبسون أصوافها، ويتخذون من أوبارها وأشعارها أثاثًا ومتاعًا إلى حين، ويشربون من ألبانها وأبوالها يتداوون بها، فهلا أفردوا الله سبحانه بالتوجه والشكر ووحّدوه ولم يشركوا بعبادته أحدًا! ؟ أيشركون من لا يملك لهم رزقًا ولا نصرًا! ؟ بل آلهة لا تملك الانتقام ممن أرادها بسوء، ويوم القيامة تحشر هذه الأوثان والأصنام معهم لتشترك في إقامة الحجة عليهم، فلا تحزن عليهم يا محمد، فإنا قد أحصينا عليهم سرائرهم وعلانياتهم.
أو لم ير المعاند المنكر للحشر والبعث أن الله خلقه ابتداء من ماء مهين، ونطفة ضعيفة هزيلة، ثم إذا رأى من نفسه قوة وشبابًا استكبر وخاصم ربه وتحدّى، وأنكر إمكانية إعادته بعد فنائه وجمع عظامه بعد زواله. قل له يا محمد: بل يحييها الله الذي أنشأها في المرة الأولى، فهو أعلم كيف بعثرها وكيف فرّقها في ذرات الأرض، فهو الذي خلق من الماء شجرًا، فسوّاه أخضر ذا ثمر، ثم صيّره يابسًا، تحتطبون من فروعه وتوقدون به النار. فإذا علمتم هذا أجيبوا: أو ليس الذي فطر السماوات والأرضين وما فيهما بقادر على إعادة البشر كما بدأهم أول مرة، وهو إذا أراد أمرًا قال له كن فيكون، فسبحانه تنزهت صفاته، فهي صفات كمال وجمال، له الملك وإليه ترجعون.
وتفصيل ذلك:
قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ المراد رؤية القلب، فهم يبصرونها في حياتهم، لكنهم لا يعتبرون ولا يتفكرون.
وقوله: ﴿أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾. أي: مما أبدعناه من غير تجربة أفدنا منها، ومن غير وساطة ولا شركة.
стр. 3821
وقوله: ﴿أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾. قال قتادة: (أي ضابطون). والأنعام تشمل الإبل والبقر والغنم. كل يستفاد منه حسب اختصاصه.
وقوله: ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ﴾. قال قتادة: (يركبونها يسافرون عليها. ﴿وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ لحومها. ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ قال: يلبَسون أصوافها ﴿وَمَشَارِبُ﴾ قال: يشربون ألبانها). وقراءة الجمهور بفتح الراء: ﴿رَكُوبُهُمْ﴾ والمعنى مركوبهم.
وقوله: ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾، أي: لقد ذلل الله سبحانه الأنعام لكم أيها المنكرون للمعاد المعاندون للحق والقرآن، فتركبون عليها، وتأكلون من لحمها، وتشربون من ألبانها، ولكم في أصوافها وأوبارها وأشعارها وشحومها متاع وفوائد، أفلا يدعوكم هذا إلى شكر الله سبحانه على نعمه التي تغمركم وتحيط بكم، فتفردوه بالألوهية وتنبذون الأصنام وعبادة الشيطان.
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾.
أي رغم كل ما عاينوا من آيات قدرتنا فقد اتخذوا أوثانًا وآلهة لا قدرة لها طمعًا أن ترفع عنهم عذابًا إن حلّ بهم في دنياهم أو أخراهم. كلا: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾ من الله إن أراد بهم سوءًا ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾. أي رغم عجز هذه الآلهة عن الدفاع أو جلب النصر لهم، فهؤلاء المشركون جند لها في الدنيا يدافعون ويذودون عنها.
وهذه الآية لها تفاسير متكاملة:
التفسير الأول: المشركون في الدنيا جند لأوثانهم يحضرون ويدافعون عنها. قال الحسن: (يمنعون منهم ويدفعون عنهم). فقوله: ﴿وَهُمْ﴾ أي الكفار. ﴿لَهُمْ﴾ أي لآلهتهم جند محضرون. قال قتادة: (أي يغضبون لهم في الدنيا، وهي لا تسوق إليهم خيرًا ولا تدفع عنهم سوءًا، إنما هي أصنام). فهم يعبدون الآلهة ويقومون بها، فهم لها كالجند وهي عاجزة أصلًا عن نصرهم. وهذا التفسير اختاره ابن جرير ﵀.
التفسير الثاني: إن هذه الآلهة هي جند لعابديها تحضر معهم لتشهد عليهم عند الحساب. قال مجاهد: ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾. قال: عند الحساب). ويؤيد هذا ما جاء في الصحيح والسنن من أن الله يأمر في أرض المحشر يوم القيامة أن يتبع كل قوم ما كانوا يعبدون.
فقد أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة -وبنحوه الترمذي وبقية أهل السنن- أن النبي ﷺ قال: [يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد، ثم يَطَّلِعُ عليهم ربُّ العالمين
стр. 3822
فيقول: ألا لِيَتَّبعْ كلُ إنسان ما كان يعبد، فَيُمَثَّلُ لصاحب الصليب صليبُه، ولصاحب التصاوير تصاويره، ولصاحب النار نارُه، فيتبعون ما كانوا يعبدون، ويبقى المسلمون. . .] الحديث (١).
وروى الدارمي نحوه عنه بلفظ: [إذا جمع الله العباد بصعيد واحد نادى مناد: يلحق كل قوم بما كانوا يعبدون، ويبقى الناس على حالهم، فيأتيهم فيقول: ما بال الناس ذهبوا وأنتم هاهنا؟ فيقولون: ننتظر إلهنا، فيقول: هل تعرفونه؟ فيقولون: إذا تعرف إلينا عرفناه. فيكشف لهم عن ساقه فيقعون سجدًا، وذلك قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ ويبقى كل منافق فلا يستطيع أن يسجد، ثم يقودهم إلى الجنة] (٢).
وإلى هذا المعنى ذهب الحافظ ابن كثير- في تفسير قوله: ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ - قال: (يعني عند الحساب، يريد أن هذه الأصنام محشورة معهم يوم القيامة عند حساب عابديها ليكون أبلغ في إقامة الحجة).
التفسير الثالث: وهو أن هذه الآلهة والأوثان ستكون جندًا للعابدين لها يحضرون معهم في النار، فلا يدفع بعضهم عن بعض. وقيل: بل الآلهة والأوثان جند الله عليهم في جهنم، لأنهم يلعنونهم ويتبرؤون من عبادتهم. حكاه القرطبي.
التفسير الرابع: وهو أن المشركين جند للأصنام في جهنم على سبيل التهكم والاستهزاء بهم.
قال القاسمي ﵀: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ﴾ أي لآلهتهم ﴿جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ أي معدون لخدمتهم، والذب عنهم، فمن أين لهم أن ينصروهم وهم على تلك الحال من العجز والضعف؟ أي بل الأمر بالعكس. وقيل: المعنى محضرون على أثرهم في النار. وجَعْلُهُم -على هذا- جندًا، تهكم واستهزاء).
قلت: والإعجاز القرآني يشمل كل هذه المعاني والآفاق.
وقوله: ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾. أي: -يا محمد- لما قالوا لك اتهامًا: شاعرًا أو كاهنًا أو ساحرًا أو كذبوا بنبوتك وبالقرآن ووعده ووعيده.
стр. 3823
وقوله: ﴿إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾.
قال ابن جرير: (إنا نعلم أن الذي يدعوهم إلى قيل ذلك الحسد، وهم يعلمون أن الذي جئتهم به ليس بشعر ولا يشبه الشعر، وأنك لست بكذاب، فنعلم ما يسرون من معرفتهم بحقيقة ما تدعوهم إليه، وما يعلنون من جحودهم ذلك بألسنتهم علانية).
فسلّى بذلك سبحانه نبيّه عما يلقاه من المشركين واستهزائهم.
ثم قال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾.
وقد ذكر في مناسبتها تفاسير:
التفسير الأول: قيل عني به أبي بن خلف. فعن الحسن قال: (هو أبي بن خلف الجمحيّ). وقال قتادة؛ (ذكر لنا أن أبيّ بن خلف أتى رسول الله ﷺ بعظْم حائل ففتّه ثم ذرّاه في الريح ثم قال: يا محمد من يحيي هذا وهو رميم؟ قال: الله يحييه ثم يميته ثم يُدخلك النار. قال: فقتلهُ رسول الله ﷺ يوم أحد).
التفسير الثاني: قيل بل عني العاص بن وائل السهمي. رُوي ذلك عن سعيد بن جبير قال: (جاء العاص بن وائل السهمي إلى رسول الله ﷺ بعظم حائل ففتّه بين يديه فقال: يا محمد! أيبعث الله هذا حيًا بعدما أرمّ؟ قال: نعم، يَبْعَث الله هذا، ثم يُميتك ثم يحييكَ ثم يدخلك نار جهنم. قال: ونزلت الآيات: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ إلى آخر الآية).
التفسير الثالث: قيل بل عني عبد الله بن أبي. قال ابن عباس: (الإنسان هو عبد الله بن أُبَي. قال: جاء عبد الله بن أبي إلى النبي ﷺ بعظم حائل فكسره بيده ثم قال: يا محمد! كيف يبعث الله هذا وهو رميم؟ فقال رسول الله ﷺ : يَبْعَثُ الله هذا، ويميتك ثم يدخلك جهنم، فقال الله: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾).
قلت: والذي أميل إليه في أسباب نزول هذه الآيات هو التفسير الثاني، وذلك لأنه قد صح إسناد ما رواه الحاكم في المستدرك عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: [إن العاصي بن وائل أخذ عظمًا من البطحاء ففتّه بيده، ثم قال لرسول الله ﷺ : أيحيي الله هذا بعد ما أرم. فقال رسول الله ﷺ : نعم. يميتك الله ثم يحييك ثم
стр. 3824
يدخلك جهنم. قال: ونزلت الآيات من آخر يس] (١).
وخلاصة المعنى: أولم ير هذا الذي يقول متعجبًا من يحيي العظام وهي رميم -أي بالية- أنا خلقناه من نطفة، وهو اليسير من الماء -قال النسفي: (مذرة خارجة من الإحليل الذي هو قناة النجاسة) - فسويناه وعدلناه خلقًا سويًا متكاملًا، حتى إذا رأى من نفسه وعقله وجسده قوة صار خصمًا لربه معاندًا متحديًا يجادل في قدرة الله، ويخاصم بشكل يبين لمن سمع خصومته أنه مخاصم ربّه الذي خلقه وسوّاه وعدله. أوَلَيْسَ من خلقه من هذه النطفة الضعيفة بقادر على إعادته بعد موته. قال النسفي: (﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ بيّن الخصومة، أي فهو على مهانة أصله ودناءة أوله يتصدى لمخاصمة ربه وينكر قدرته على إحياء الميت بعد ما رمت عظامه، ثم يكون خصامه في ألزم وصف له وألصقه به وهو كونه منشأً من موات، وهو ينكر إنشاءه من موات وهو غاية المكابرة).
وفي التنزيل: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (٢٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وأصل النُّطفة في كلام العرب الماء الصافي، والجمع نِطاف، ونَطفان الماء سيلانه، ونطِف ينطِفُ إذا قطر.
ثم قال سبحانه: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾.
قال ابن كثير: (أي استبعد إعادة الله تعالى ذي القدرة العظيمة التي خلقت السماوات والأرض للأجساد والعظام الرميمة، ونسي نفسه وأن الله تعالى خلقه من العدم إلى الوجود، فعلم من نفسه ما هو أعظم مما استبعده وأنكره وجحده، ولهذا قال الله : ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾. أي يعلم العظام في سائر أقطار الأرض وأرجائها أين ذهبت وأين تفرقت وتمزقت). وقال النسفي: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا﴾ بفتّه العظم ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ من المني فهو أغرب من إحياء العظم). وفي لغة العرب: رمّ العظم يَرِمّ رِمّة أي بلي فهو رميم ورِمَام.
وقال القرطبي: (﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي من غير شيء، فهو قادر على
стр. 3825
إعادتها في النشأة الثانية من شيء وهو عَجْمُ الذَّنب. ويقال عَجْبُ الذَّنب بالباء. ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ أي كيف يبدئ ويعيد).
قلت: وفي السنة الصحيحة ما يشير إلى هذا المعنى العظيم عن قدرة الله وعلمه بتوضع ذرات العظام بعد فنائها ثم جمعها وتركيبها.
ففي الصحيحين والمسند عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: [إن رجلًا كان قبلكم رغَسَهُ (١) الله مالًا، فقال لبنيه لما حُضِرَ: أي أب كنت لكم؟ قالوا: خيرَ أب، قال: إني لم أعمل خيرًا قط، فإذا مُتُّ فاحرِقوني، ثم اسحقوني، ثم ذرّوني في يوم عاصف، ففعلوا، فجمعه الله، فقال: ما حملك؟ قال: مخافتك، فتلقاه برحمته] (٢).
وكذلك في الصحيحين عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [ليس شيءٌ من الإنسان إلا يبلى، إلا عظم واحد، وهو عَجْبُ الذَّنب، ومنه يُركَّبُ الخلق يوم القيامة] (٣).
وقوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا﴾.
قال قتادة: (يقول: الذي أخرج هذه النار من هذا الشجر قادر أن يبعثه). فدلّ سبحانه على كمال قدرته في إحياء الموتى بما يعاينه الناس في حياتهم من إخراج العود اليابس القابل للاحتراق من العود النديّ الرطب. قال القرطبي: (وذلك أن الكافر قال: النطفة حارة رطبة بطبع الحياة فخرج منها الحياة، والعظم بارد يابس بطبع الموت فكيف تخرج منه الحياة. فأنزل الله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا﴾. أي إن الشجر الأخضر من الماء، والماء بارد رطب ضد النار، وهما لا يجتمعان، فأخرج الله منه النار، فهو قادر على إخراج الضد من الضد وهو على كل شيء قدير).
وقوله: ﴿فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾.
قال النسفي: (تقدحون. ثم ذكر من بدائع خلقه انقداح النار من الشجر الأخضر مع مضادة النار الماء وانطفائها به وهي الزناد التي توري بها الأعراب، وأكثرها من المرخ والعفار، وفي أمثالهم في كل شجر نار. قال: لأن المرخ شجر سريع الوري والعفار شجر تقدح منه النار، يقطع الرجل منهما غصنين مثل السواكين وهما خضراوان يقطر
стр. 3826
منهما الماء، فيسحق المرخ وهو ذكر على العفار وهي أنثى فتنقدح النار بإذن الله).
والهاء في قوله: ﴿مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ تعود على الشجر، مع أنها جمع شجرة، إلا أنه خرج مخرج الثمر.
ثم قال سبحانه: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾.
قال ابن جرير: (فمن لم يتعذر عليه خلق ما هو أعظم من خلقكم فكيف يتعذّر عليه إحياء العظام بعدما قد رمّت وبليت؟ ).
بلى هو قادر على خلق ما يشاء، فهو الفعّال لما يريد، الخلّاق: الكثير المخلوقات، العليم: الكثير المعلومات. والآية كقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
قال قتادة: (هذا مَثَلٌ: إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون. قال: ليس مِن كلام العرب شيء هو أخف من ذلك ولا أهون، فأمر الله كذلك).
ثم ختم السورة سبحانه بمدح نفسه، فله كمال الحمد وكمال الثناء وأحسن الأوصاف، قال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
فكل التنزيه لله ملك كل شيء وعنده خزائنه، وكل التقديس لله الذي بيده مقادير الخلق، وكل التبرئة لله من السوء فهو الحى القيوم الذي خضع له ما في السماوات وما في الأرض، وكل الأمر لله البارئ فإليه ترجع العباد يوم المعاد، ثم هو يتفضل فيعفو عمن يشاء ويتجاوز عمن يشاء فضلًا، أو يعذب من يشاء ويغضب على من يشاء عدلًا، فله الكبرياء كله وهو العادل الكريم المنعم المتفضل.
والملكوت في كلام العرب بمعنى الملك، كما قال جل ثناؤه: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. وكقوله سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. قال قتادة: (ملكوت كل شيء: مفاتح كل شيء).
وقراءة الجمهور بالتاء على الخطاب في قوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. وهناك من قرأها بالياء ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. والأولى أشهر بين القراء، والله تعالى أعلم.
تم تفسير سورة يس بعون الله وتوفيقه، وواسع مَنِّه وكرمه
стр. 3827
دروس ونتائج وأحكام
١ - يس، ليس من أسماء النبي ﷺ ، وإنما هما حرفان الياء والسين. وطه -كذلك- ليس من أسمائه ﷺ ، وإنما هما حرفان الطاء والهاء.
٢ - إن بكل خطوة في طلب العلم أو الجهاد في سبيل الله أجرًا، لقوله تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾.
٣ - الأبعدُ فالأبعدُ من المسجد أعظم أجرًا، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميطُ الأذى عن الطريق صدقة.
٤ - أطيب الكسب عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور.
٥ - السلخ في لغة العرب: القطع والنزع والكشط. وسلخ النهار من الليل استعارة بمعنى الإخراج.
٦ - إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم.
٧ - تذهب الشمس كل غروب فتسجد بين يدي ربها ثم تستأذن بالرجوع.
٨ - إن أول الآيات خروجًا للدلالة على قيام الساعة طلوع الشمس من مغربها، وخروجُ الدابة على الناس ضحًا، وأيهما ما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها قريبًا.
٩ - الاحتجاج على المعاصي بالقدر احتجاج باطل، وهو سلوك أهل الدنيا لتسويغ ذنوبهم، وهم يناقضون أنفسهم في تكالبهم على حطامها.
١٠ - يمتاز المسلمون يوم الحشر من المجرمين، إلا أصحاب الأهواء فيكونون يومئذ مع المجرمين.
١١ - يخرج عنق من النار يوم القيامة لها عينان تبصران، وأذنان تسمعان، ولسان ينطق، يقول: إني وكلت بثلاثة: بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلهًا آخر، وبالمصورين.
стр. 3828
١٢ - كان ﷺ يستعيذ بالله من العجز والكسل والجُبْن والبُخْل والهرم، ومن عذاب القبر، ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات.
١٣ - الشعر بمنزلة الكلام، حسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام.
١٤ - إن من الشعر لحكمة، وإن من البيان لسحرًا.
١٥ - يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد، ثم يَطَّلِعُ عليهم رب العالمين فيَقُول: ألا ليتَّبع كل إنسان ما كان يعبد، فَيُمَثَّلُ لصاحب الصليب صليبُه، ولصاحب التصاوير تصاويره، ولصاحب النار نارُه، فيتبعون ما كانوا يعبدون، ويبقى المسلمون ينتظرون ربهم ليضحك إليهم ويكشف عن ساق فيخروا له سجدًا.
١٦ - ليس شيء من الإنسان إلا يبلى، إلا عَظْمٌ واحد، وهو عَجْبُ الذَّنب، ومنه يُرَكَّبُ الخلق يوم القيامة.
стр. 3829
٣٧ - سُوْرَةُ الصَّافَّاتِ
وهي سورة مكية، وعدد آياتها (١٨٢)
وسميت كذلك لاشتمالها على آيات في صفات الملائكة.
قال المهايميّ: (سميت بها لاشتمال الآية التي هي فيها على صفات للملائكة تنفي إلهية الملائكة من الجهات الموهمة لها فيهم. فينتفي بذلك إلهية ما دونهم، فيدل على توحيد الله، وهو من أعظم مقاصد القرآن) - ذكره القاسمي ﵀.
موضوع السورة
ثناء الله على الملائكة الصافات
وتقريعٌ وتوبيخ للمشركين في ادعائهم لله البنات
ونَعْتُ حالهم وأتباعهم يوم الخزي في مشهد الذل والحسرات
- منهاج السورة -
١ - إقسام الله تعالى بالملائكة الصافات لربها في السماء، الزاجرات للسحاب تسوقه حيث شاء، التاليات للذكر وأخبار الأمم ما مضى منها وما جاء.
٢ - الله تعالى هو الخالق المدبر المزين السماء بزينة الكواكب، وحفظًا من كل شيطان مارد، وإليه المعاد ولا يعجزه شيء.
стр. 3830
٣ - حشر المجرمين يوم القيامة وأشباههم ونظائرهم من الفجرة إلى نار جهنم.
٤ - تقريع وتوبيخ للمشركين، ووصف الحوار بينهم وبين أتباعهم المستضعفين.
٥ - نَعْتُ الله حال المؤمنين المتقين، وما أعدّ لهم سبحانه في جنات النعيم.
٦ - حوار بين المؤمن المصدق بالبعث وصاحب له مكذب، هذا في النعيم وذاك في الجحيم.
٧ - نَعْت طعام المجرمين من شجرة الزقوم، وشرابهم عليها من ماء الحميم.
٨ - وحدة منهاج الأنبياء: الدعوة والصبر والدعاء، يعقبه النصر والفرج وإهلاك أهل الكفر والكبرياء.
٩ - تقريع وتوبيخ لمشركي قريش، في ادعائهم لله البنات ولهم البنون، وجعلهم بينه -تعالى- وبين الجِنَّة نسبًا ولقد علمت الجِنَّة إنهم لمحضرون.
١٠ - تنزيه الملائكة ربهم ﵎ عما يقول الظالمون، وسنة الله سبحانه في نصر المؤمنين وأن جنده هم الغالبون، وتنزيه الله تعالى نفسه عما يصفون، والسلام منه على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 3831
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ٢٤. قوله تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣) إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (٥) إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠) فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ (١١) بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢) وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (١٣) وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤) وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ (١٨) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩) وَقَالُوا يَاوَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١) احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)﴾.
في هذه الآيات: يقسم الله جل ثناؤه بالملائكة وهي الصافات لربها في السماء، والزاجرات للسحاب تسوقه حيث شاء، والتاليات لما يُتلى على الناس من القرآن وأخبار الأمم ما مضى منها وما ذهب وما جاء، فيقسم بها سبحانه وهو العظيم يقسم بما شاء، بأن معبودكم أيها الناس هو الله وحده فلا يستحق غيره العبادة والإخلاص والدعاء، فهو خالق السماوات والأرض وما بينهما وَمُدَبِّرُ مشارق الشمس ومغاربها في الصيف وفي الشتاء، وهو الذي زيّن السماء الدنيا بالكواكب ذات الضياء، وحفظًا للأخبار من مسترق السمع الذي يلقيها على من هو بالسحر والكهانة والكذب مشّاء، فيطردون عن ذلك وينتظرهم عذاب أليم يوم القيامة إذا جاء، لكن من استرق السمع
стр. 3832
أتبعه شهاب حارق وضّاء، فاستفت واستخبر يا محمد مشركي مكة أهم أمتن وأقوى أم السماوات والأرض والجبال، فإذا وجدوا أنفسهم مضطرين إلى الجواب بصغر خلقهم وتضاؤله -وهي حقيقة الأمر- فليعترفوا بأن الله لا يعجز عن أمر ولا يتعالى عليه أمر بعد هذا كالبعث وغيره، ولكن عجب إنكارهم واستهزاؤهم وقسوة قلوبهم فلا يخافون ولا يتعظون، وإذا عاينوا برهانًا من آيات الكائنات أو في الآفاق قابلوه بالسخرية بدل التدبر والاعتبار، واتهموه بالسحر والكذب، ثم عاودوا التكذيب بإمكان بعثهم بعد موتهم هم وآبائهم، واستبعدته عقولهم المتحجرة، فقل لهم: بلى ستبعثون وأنتم أذلاء صاغرون، وإنما هي صيحة واحدة فإذا أنتم قيام تنظرون، فتقولون يا ويلنا هذا يوم الجزاء، هذا الذي كنتم به تكذبون، فاليوم يأمر الرحمان ليُحْشَر الذين ظلموا أنفسهم بالمعاصي والكفر والموبقات هم وأشباههم ونظائرهم من الفجرة أو نساؤهم الكافرات، وكذلك الأصنام التي كانوا يعبدونها من دون الله زيادة في التخذيل والحسرات، ثم يقال تهكمًا بهم: فاهدوهم إلى صراط النيران الملهبات، واحبسوهم في الموقف في عرصات القيامة والساحات، ليسألهم الله لماذا طغوا وكيف آثروا الحياة الدنيا على دار الباقيات الصالحات.
وتفصيل ذلك.
يروي ابن جرير عن ابن مسعود أنه قال: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾: هي الملائكة. ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا﴾: هي الملائكة. ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾: هي الملائكة).
وعن قتادة: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾، قال: قسم أقسم الله بخلق ثم خلق ثم خلق. والصافات: الملائكة- صفوفًا في السماء).
فهي تصف في السماء كصفوف الخلق في الدنيا للصلاة، وقيل: تصف أجنحتها في الهواء واقفة فيه حتى يأمرها الله بما يريد، كالعبيد بين أيدي ملوكهم صفوفًا.
قال شيخ المفسرين: (أقسم الله تعالى ذكره بالصافات، والزاجرات، والتاليات ذكرًا، فأما الصافات: فإنها الملائكة الصافات لربها في السماء، وهي جمع صافة، فالصافات جَمْعُ جَمْعٍ).
وقيل: المراد بالصافات جماعة المؤمنين إذا قاموا صفًا في الصلاة أو الجهاد، والأول أرجح.
أخرج الإمام أحمد في المسند، وأبو داود في السنن، والطبراني بسند صحيح عن
стр. 3833
ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : [أقيموا الصُّفوف فإنما تصفون بصفوف الملائكة، وحاذوا بين المناكب، وسُدُّوا الخَلَل، ولينوا بأيدي إخوانكم، ولا تذروا فُرجات للشيطان، ومن وصل صفًا وصله الله، ومن قطع صفًا قطعه الله ] (١).
وأصله في صحيح الإمام مسلم من حديث حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [فُضِّلْنَا على الناس بثلاث: جُعِلَت صفوفنا كصفوف الملائكة، وَجُعِلَت لنا الأرض كلها مسجدًا، وَجُعِلَ لنا ترابها طهورًا إذا لم نجد الماء] (٢).
وكذلك في صحيح مسلم عن جابر بن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [ألا تصفّون كما تصف الملائكة عند ربهم؟ قلنا وكيف تصف الملائكة عند ربهم؟ قال: يتمون الصفوف المتقدمة ويتراصّون في الصف] (٣).
فقوله: ﴿وَالصَّافَّاتِ﴾ قسم، والواو بدل من الباء. قيل المراد: برب الصافات- حكاه القرطبي. قلت: لكن الله سبحانه يقسم بما شاء، فيقسم بالتين وبالزيتون ويقسم بالقمر وبالنجم، وبالشمس وبالليل وبالنهار، وبكل ما يحب فله الكبرياء وحده، وهنا يقسم بالملائكة، وهو قوله: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾.
قال الحسن: (صفًّا لصفوفهم عند ربهم في صلاتهم).
وقوله: ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا﴾ عطف عليه. قيل الملائكة تزجر السحاب تسوقه حيث أمر الله، وقيل: بل هي آيات القرآن يزجر الله بها ما زجر عنه وحكاه في القرآن.
قال مجاهد: (﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا﴾: الملائكة). وقال قتادة فيها: (ما زجَرَ الله عنه في القرآن).
قلت: والراجح قول مجاهد أنها الملائكة، وإليه ذهب السدي بقوله: (إنها تزجر السحاب).
واختاره الحافظ ابن كثير، وشيخ المفسرين -ابن جرير- حيث قال: (لأن الله
стр. 3834
تعالى ذكره ابتدأ القسم بنوع من الملائكة وهم الصافون بإجماع من أهل التأويل، فلأن يكون الذي بعده قسمًا بسائر أصنافهم أشبه). فالفاء عاطفة في الصفات.
وقوله: ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ - فيه تفاسير:
التفسير الأول: هم الملائكة. قال مجاهد: (﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾: الملائكة). وهو قول ابن عباس وابن مسعود.
التفسير الثاني: أي هو ما يُتلى في القرآن من أخبار الأمم قبلنا. قال قتادة: (ما يُتلى عليكم في القرآن من أخبار الناس والأمم قبلكم).
التفسير الثالث: قيل الأنبياء يتلون الذكر على أممهم فهم التاليات. ذكره الماوردي. والراجح التفسير الأول وهم الملائكة، واختاره ابن كثير وقال: (أي الملائكة يجيئون بالقرآن من عند الله تعالى إلى الناس، كقوله تعالى: ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ [المرسلات: ٥ - ٦].
ثم جاء جواب القسم: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾.
فأقسم سبحانه بالصافات صفًا، بأن معبودكم المستحق عليكم كمال الإخلاص والعبادة واحد لا شريك له، فأفردوه بالطاعة ولا تجعلوا في عبادتكم نصيبًا لغيره.
قال مقاتل: (وذلك أن الكفار بمكة قالوا: أجعل الآلهة إلهًا واحدًا، وكيف يسع هذا الخلق فرد إله! فأقسم الله بهؤلاء تشريفًا).
ثم قال سبحانه يعرفهم بنفسه: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾.
فهو الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما ولم يشاركه أحد في الخلق، وهو القيّم على جميع ما خلق فلا تصلح العبادة إلا له، فلا تشركوا معه من لا يملك نفعًا ولا ضرًّا، فالكل فقير إليه مفتقر إلى رحمته.
وقوله: ﴿وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾. قال ابن جرير: (يقول: ومُدَبِّر مشارق الشمس في الشتاء والصيف ومغاربها، والقيّم على ذلك ومصلحه، وترك ذكر المغارب لدلالة الكلام عليه). وقال ابن كثير: (أي هو المالك المتصرف في الخلق بتسخيره بما فيه من أجرام السماء التي تظهر من المشرق وتغرب من المغرب).
وعن قتادة: (﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾ قال: وقع القسم على هذا إن إلهكم لواحد، ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ قال: مشارق الشمس في الشتاء والصيف).
стр. 3835
وقال السدي: (المشارق ستون وثلاث مئة مَشْرِق، والمغارب مثلها عدد أيام السنة).
والآية كقوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾. يعني شروق الشمس والقمر في الصيف والشتاء واختلاف مطالعهما. وكقوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ﴾ [المعارج: ٤٠]. فالله سبحانه خلق الأرض كروية فنصف الكرة المواجه للشمس يكون فيه اليوم نهارًا، والنصف الخلفي ليلًا، ولما كانت الأرض أو الشمس تدور بقدرته سبحانه من الشرق إلى الغرب، ففي كل لحظة يتكون شروق وغروب لا يفتران أبدًا. ثم إن شروق الشمس في الصيف من المشرق مع ميل إلى الشمال، وغروبها من الغرب مع ميل نحو الشمال، والقمر في الصيف يشرق من الشرق مع ميل نحو الجنوب، ويغرب من الغرب مع ميل نحو الجنوب.
وأما في الشتاء فتشرق الشمس من المشرق مع ميل نحو الجنوب، وتغرب من الغرب مع ميل نحو الجنوب، وكذا القمر يشرق شتاء من المشرق مع ميل نحو الشمال ويغرب في الغرب مع ميل نحو الشمال، فتبارك رب المشرقين ورب المغربين، فكما أن للشمس مشرقين فكذلك فإن للقمر مشرقين، تبارك الله أحسن الخالقين.
وفي رفع قوله: ﴿رَبُّ﴾ وجهان عند أهل العربية:
الوجه الأول: خبر ثان لإنّ في قوله: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾. ثم قال: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
والوجه الثاني: بدل من قوله ﴿لَوَاحِدٌ﴾، وهو أرجح لأن الخبر هو قوله: ﴿لَوَاحِدٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾.
قال قتادة: (خلقت النجوم ثلاثًا، رجومًا للشياطين، ونورًا يهتدى بها، وزينة لسماء الدنيا).
وفي قوله: ﴿وَحِفْظًا﴾ قال: (يقول: جعلتها حفظًا من كل شيطان مارد).
فالله سبحانه قد امتنّ على عباده بأن زيّن لهم السماء الدنيا، فيأنسون إذا نظروا إليها ولو شاء لجعلها مظلمة سوداء تورث الضيق في صدورهم وفي نفوسهم كلما أبصروها، ثم سخّر الكواكب لتنبعث منها الشهب فتحرق الشياطين الذين يحاولون استراق السمع والخبر والغيب من السماء في الأمر قضاه الله وتَحَدَّثَ به الملائكة، فيحاولون استراقه
стр. 3836
ليلقوه على ألسنة الكهان والسحرة والكذبة لِيُعْبَدوا إياهم من دون الله، وليفسدوا على بني آدم دينهم وليشتركوا معهم في عذاب جهنم يوم القيامة، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (٥) وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الملك: ٥ - ٦]. فعطف سبحانه على الشياطين من اشترك معهم في السحر والكفر، فأشركهم جميعًا في عذاب السعير وبئس المصير.
ولقد قرأ جماعة من قراء الكوفة: ﴿بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ أي بزينة هي الكواكب. في حين قرأها قراء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين: "بزينةِ الكواكب" أي زينا السماء التي تليكم بتزيينها بالكواكب، فكانت زينتها الكواكب.
وقد رُوي عن بعض قراء الكوفة نصب لفظ "الكواكبَ"، أي بتزييننا الكواكبَ، كما يجوز فيها الرفع لغة بأن زينتها الكواكب، ولكن الأشهر في القراءة هو الكسر.
وأما قوله: ﴿وَحِفْظًا﴾ فهو بدل من اللفظ، أي وحفظناها حفظًا، والواو أدخلت للتكرير، أي وزيناها حفظًا لها والله أعلم.
وخلاصة المعنى: أن الله سبحانه قد حفظ أمره من كل شيطان متمرد عات إذا حاول استراق السمع أتاه شهاب فأحرقه، فالمارد هو العاتي من الجن والإنس، والعرب تسميه شيطانًا.
وقوله تعالى: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾.
الملأ الأعلى هم أهل السماء الدنيا فما فوقها كلهم أعلى بالنسبة لأهل الأرض.
وعن قتادة: (﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ قال: مُنِعوها). وقال ابن جرير: (ويعني بقوله ﴿إِلَى الْمَلَإِ﴾ إلى جماعة الملائكة التي هم أعلى مَنْ هم دونهم).
وعن مجاهد: (﴿يُقْذَفُونَ﴾: يرمون. ﴿مِنْ كُلِّ جَانِبٍ﴾ قال: من كل مكان. وقوله: ﴿دُحُورًا﴾ قال: مطرودين).
وعن السدي: (في قوله: ﴿عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ قال: الموجع). وقال ابن عباس: (يقول: لهم عذاب دائم). وفي رواية: (شديد).
وفي لغة العرب: وَصَبَ الشيء يَصِبُ بالكسر وُصوبًا إذا دام، والوصَب: المرض. فيمكن الجمع بين التفسيرين بمعنى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ أي دائم متواصل فيزداد
стр. 3837
لاستمراره وجعًا وألمًا. وفي التنزيل: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾.
وأما (دَحَر) في لغة العرب فهو بمعنى طرد وأبعد، ويبدو أن الشياطين قبل نزول آيات الدحر والشهب الحارقة وقبل بعثة النبي ﷺ كانوا يسترقون السمع ويجيئون بالأخبار، وربما كانوا لا يقذفون إلا من بعض الجوانب فصاروا يرمون واصِبًا. قال القرطبي: (وإنما كانوا من قبل كالمتجسِّسَةِ من الإنس، يبلغ الواحد منهم حاجته ولا يبلغها غيره، ويسلم واحد ولا يسلم غيره، بل يقبض عليه ويعاقب وينكل. فلما بعث النبي ﷺ زيدَ في حفظ السماء، وأعدت لهم شهب لم تكن من قبل، ليدحروا عن جميع جوانب السماء، ولا يقروا في مقعد من المقاعد التي كانت لهم منها، فصاروا لا يقدرون على سماع شيء مما يجري فيها، إلا أن يختطف أحد منهم بخفة حركته خطفة، فيتبعه شهاب ثاقب قبل أن ينزل إلى الأرض فيلقيها إلى إخوانه فيحرقه، فبطلت من ذلك الكهانة وحصلت الرسالة والنبوة).
قال ابن عباس: (كان للشياطين مقاعد في السماء يستمعون الوحي فينزلون إلى الأرض فزادوا في الكلمة تسعًا. . . فلما كانت بعثته ﵊ فمنعَ الشياطين مقاعدهم وأتبعهم شهاب لا يخطئهم فيحرقهم، فشكوا ذلك إلى إبليس، فأرسل جنوده فرأوا رسول الله ﷺ يصلي بين جَبَليْ نخلة، فرجعوا وأخبروا إبليس بما رأوا. . . وقال: هذا الذي حدث).
وتفصيل ذلك:
المرحلة الأولى: مرحلة سهولة السمع للشياطين يسترقون خبر السماء.
المرحلة الثانية: مرحلة إرسال الشهب المتواصلة الحارقة، حتى عَزَّ استراق السمع إلا على من خطف الخطفة.
وأصل ذلك ما روى البخاري في صحيحه، والترمذي في جامعه، وابن ماجة في سننه، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: [إذا قضى الله تعالى الأمر في السماء، ضربت الملائكة باجنحتها خُضعانًا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فُزِّعَ عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال الحقَّ وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترقو السمع، ومسترقو السمع هكذا واحد فوق الآخر، فربما أدرك الشهابُ المستمع قبل أن يرمي بها إلى صاحبه، فَيُحْرِقَهُ، وربما لم يدركْه، حتى يرميَ بها إلى الذي يليه، إلى الذي هو أسفلُ منه حتى يُلقوها إلى الأرض، فتلقى على فم الساحر،
стр. 3838
فيكذب معها مئة كَذْبَةٍ، فَيُصَدَّقُ، فيقولون: ألم يُخْبِرْنا يومَ كذا وكذا، يكون كذا وكذا، فوجدناه حقًّا للكلمة التي سمعت من السماء] (١).
وفي الصحيحين عن ابن عباس قال: [انطلق رسول الله ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب فرجعت الشياطين. فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب. قال: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا ما حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الأمر الذي حدث، فانطلقوا فضربوا مشارق الأرض ومغاربها ينظرون ما هذا الأمر الذي حال بينهم وبين خبر السماء. قال: فانطلق الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول الله ﷺ بنخلة وهو عامد إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر. فلما سمعوا القرآن تسمعوا له فقالوا: هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهناك رجعوا إلى قومهم فقالوا يا قومنا إنا سمعنا قرآنًا عجبًا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدًا، وأنزل الله على نبيّه ﷺ : ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: ١] (٢).
ولقد قرأ عامة قراء المدينة والبصرة: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ﴾. في حين قرأها بعض الكوفيين: "لا يَسْمعون". بمعنى يتسمعون لكن لا يسمعون. قال مجاهد: (كانوا يتسمعون ولكن لا يسمعون). وأصل ﴿يَسَّمَّعُونَ﴾ يَتَسَمَّعون، فأدغمت التاء في السين لقربها منها، واختار الجمهور القراءة بالتسكين: "يَسْمَعون"، ومنهم ابن جرير، وأما بالتشديد فهي قراءة حمزة وعاصم في رواية حفص، ويبدو أنهما قراءتان مشهورتان.
وأما قوله: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ فهو استثناء من قوله: ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ﴾.
وقيل: بل الاستثناء يرجع إلى غير الوحي لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢]. فيسترق الواحد منهم شيئًا مما يتفاوض فيه الملائكة مما سيكون في العالم قبل أن يعلمه أهل الأرض، وهذا لخفة أجسام الشياطين، فيرجمون عندها بالشهب فيتقدمهم الأجسر ليلقي الكلام إلى من يليه، ثم يلقيه الآخر إلى من تحته، حتى تنزل تلك الكلمة إلى الكهان، فيكذبون معها مئة كذبة لأنها لا تكفي أن يصاغ منها
стр. 3839
قصة أو حدث، فيزيدون ويكذبون، عليهم لعائن الله، ليفتنوا الناس عن دينهم الحق. كما قال ابن عباس: (ويختطف الشياطين السمع فيُرمون فيقذفونه إلى أوليائهم فما جاؤوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يحرّفونه ويزيدون).
وفي لغة العرب: خطَفَ وخَطِفَ وخَطَّفَ وخِطَّفَ من الخَطْفِ وهو الاستلاب، والخطّاف هو الشيطان يَخْطَفُ السمع يسترقه، والخطْف أَخذ الشيء بسرعة.
وأصل (خطّف) اختطف، أدغمت التاء في الطاء، ومن كسر الخاء في (خِطَّفَ) فلالتقاء الساكنين، وهناك من كسر الطاء مع التشديد (خِطِّفَ) فاتبع الكسر الكسر.
وقوله: ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾. أي: مضيء. قال ابن عباس: (تحرقهم من غير موت).
وقيل في الثاقب: (إنه المستوقد) قاله زيد بن أسلم. وعن قتادة: (قوله: ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ قال: من نار، وثقوبه: ضوءه). وقال السدي: (شهاب مضيء يحرقه حين يرمى به). وفي رواية أخرى عن ابن عباس: (لا يُقتلون بالشهاب ولا يموتون ولكنها تحرقهم من غير قتل، وتُخَبِّلُ وتُخَدّج من غير قتل).
وسئل الضحاك: هل للشياطين أجنحة؟ فقال: (كيف يطيرون إلى السماء إلا ولهم أجنحة).
قلت: وهذا ثابت في السنة الصحيحة. فقد أخرج الطبراني والحاكم والبيهقي بسند صحيح عن أبي ثعلبة الخشني ﵁، عن النبي ﷺ قال: [الجن ثلاثة أصناف، فَصِنْفٌ لهم أجنحة يطيرون بها في الهواء، وصِنْفٌ حياتٌ وكِلاب، وصِنْفٌ يحِلّون ويظعَنون] (١).
ثم قال جل ثناؤه: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾.
قال مجاهد: (أي من خلقنا من السماوات والأرض والجبال والبحار).
أي استفت يا محمد مشركي قومك منكري البعث، هل هم أشد خلقًا من الآيات الكونية الكبرى التي هي أعظم مما أنكروا حتى يظنوا أنهم لا يبعثون، وقد قال الله: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧]. وقال أيضًا: ﴿أَأَنْتُمْ
стр. 3840
أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ [النازعات: ٢٧ - ٢٨].
فقوله: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ أي فاسألهم. يعني: اسأل أهل مكة. وقيل يدخل في قوله: ﴿مَنْ خَلَقْنَا﴾ الملائكة ومن سلف من الأمم الماضية.
ثم قال سبحانه: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾. قال ابن عباس: (أي لا صق).
وفي رواية: (يقول: ملتصق). وفي رواية: (من التراب والماء فيصير طينًا يَلْزَق).
وقال السدي: (إنه الخالص). وقال مجاهد: (هو الطين الحرّ الجيد اللزج).
قال ابن جرير: (وصف باللزوب لأنه تراب مخلوط بماء، وكذلك خلق ابن آدم من تراب وماء ونار وهواء).
وفي لغة العرب: طين لازب أي لازق، واللازب أيضًا الثابت. تقول: صار الشيء ضَرْبةَ لازب أو ضربة لازم بقلب الباء ميمًا، ولكنه بالباء أفصح، لزَبَ يلْزَبُ لزْبًا ولُزوبًا فهو لازب. كما قال النابغة:
ولا تحسبن الخير لا شَرَّ بعده ... ولا تحسبن الشَّرَ ضربةَ لازب
ثم قال سبحانه: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾. قال قتادة: (عجبَ محمد ﵊ من هذا القرآن حين أُعْطِيَه، وسخر منه أهل الضلالة).
وقال الفرّاء: (العجب إن أسند إلى الله فليس معناه من الله كمعناه من العباد، وكذلك قوله: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] ليس ذلك من الله كمعناه من العباد).
وهذا فيمن قرأها بضم التاء "بل عَجْبتُ" أي بل عظم عندي وكبر اتخاذهم لي شريكًا، وتكذيبهم تنزيلي وهم يسخرون، قرأها بذلك قرّاء الكوفة.
وأما قراء البصرة والمدينة فقرؤوها بالفتح: "بل عَجِبْتَ" أي عجبت يا محمد أنت من تكذيب هؤلاء المنكرين للبعث وأنت موقن مصدقٌ بما أخبر الله من الأمر العجيب وهو إعادة الأجسام بعد فنائها، وهم بخلاف حالك يسخرون ويستهزئون، وإذا عاينوا آية واضحة يكذبون ويترددون.
قال ابن جرير: (فإن قيل: أكان التنزيل بإحداهما أو بكلتيهما؟ قيل التنزيل بكلتيهما. فهل نزل مرتين؟ لا، إنما مرة، ولكنه أُمِرَ ﷺ أن يقرأ بالقراءتين).
ثم قال سبحانه: ﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ﴾. قال قتادة: (أي لا ينتفعون ولا يبصرون).
стр. 3841
وقال سعيد بن جبير: (أي إذا ذكر لهم ما حلّ بالمكذبين من قبلهم أعرضوا عنه ولم يتدبروا).
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾. قال قتادة: (يسخرون منها ويستهزئون).
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. قال القرطبي: (أي إذا عجزوا عن مقابلة المعجزات بشيء قالوا هذا سحر وتخييل وخِداع).
وقوله تعالى: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾.
قال قتادة: (تكذيبًا بالبعث. ﴿قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ﴾ قال: أي صاغرون).
فنَعَتَ المشركون من قريش للنبي ﷺ أن ما جاء به سحر يبين لمن تأمله ورآه أنه سحر وهم يستسخرون -أي يستدعون السخر من غيرهم ليشاركوهم الهزل- وهم يستغربون أن يبعثوا، فكيف ببعث آبائهم؟ ! فأجابهم الله سبحانه بأن القيامة ستقوم وإن كرهتم، وستحضرون أذلاء على رغمكم وإن أنكرتموه اليوم بزعمكم.
وقوله: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾. قال السدي: (هي النفخة). وقال الحسن: (أي صيحة واحدة). فالزجرة -تعني النفخ في الصور- النفخة الثانية.
وقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ﴾. أي يعاينون ما وعدهم الله من أمر الساعة وكذبوه، فاليوم يأتون ينظر بعضهم إلى بعض وقد حق ما أنكروه. قال القرطبي: (وسميت الصيحة زجرة لأن مقصودها الزجر، أي يزجر بها، كزجر الإبل والخيل عند السَّوق).
وفي قوله: ﴿يَنْظُرُونَ﴾ ثلاثة تفاسير يحتملها البيان الإلهي:
التفسير الأول: ينظرون إلى بعضهم. قال القرطبي: (﴿يَنْظُرُونَ﴾ أي: ينظر بعضهم إلى بعض).
التفسير الثاني: قيل: ينتظرون ما يفعل بهم. ذكره بعض المفسرين.
التفسير الثالث: يعاينون ما وعدهم الله من أهوال البعث والقيامة أمامهم. ذكره ابن جرير.
فلما أبصروا ذلك على الحقيقة قالوا: ﴿يَاوَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾.
قال قتادة: (يدين الله فيه العباد بأعمالهم).
فدعوا على أنفسهم ونادوها بالويل حين علموا ما سيحل بهم وهم واقفون في يوم
стр. 3842
الدين -أي يوم الحساب- وقيل يوم الجزاء.
فأجابهم المؤمنون والملائكة: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.
قال السدي: (يوم يُقضى بين أهل الجنة وأهل النار).
وقيل: بل هو من قول بعضهم لبعض- أي هذا هو اليوم الذي كذبنا به.
وقيل: بل هو من قول الله تعالى لهم.
قلت: ولا شك أن البيان الإلهي يحتمل جميع ما سبق، فهو من قول المؤمنين أو الملائكة أو من قول بعضهم لبعض على وجه الندم، أو من قول الله تعالى لهم: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ حيث يفصل الله بعدله وبقضائه بين خلقه، ويأمر ملائكته الكرام أن يفصلوهم في أرض المحشر، فيفصلوا الكفار عن المؤمنين، فيقول جل ثناؤه لملائكته: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾.
أي: اجمعوا الذين كفروا بالله في الدنيا وعصوه وأسعروا الحياة بالظلم والطغيان وتحكيم الهوى وإبعاد منهج الله عن القضاء والحكم، هم وأشباههم ممن شاركوهم المكر والكبر في الأرض، وما عبدوا في الدنيا من دون الله، فوجهوهم إلى الباب الذي سيدخلون منه إلى جهنم، وكان في الكلام محذوفًا تقديره: فيقال: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾. وفيه أكثر من تأويل:
التأويل الأول: هو ما روي عن النعمان بن بشير ﵁ قال: (يعني بأزواجهم: أشباههم وأمثالهم). وفي رواية: (ضُرباءهم). وعن ابن عباس: (نظراءهم. وفي رواية: يعني أتباعهم ومن أشبههم من الظلمة).
التأويل الثاني: هو ما روي عن ابن زيد: (أزواجهم في الأعمال، وقرأ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ٧ - ١٠]. قال: فالسابقون زوج، وأصحاب الميمنة زوج، وأصحاب الشمال زوج. قال: كلّ من كان من هذا حشره الله معه، وقرأ: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧]. قال: زُوِّجَت على الأعمال، لكل واحد من هؤلاء زوج، زوّج الله بعض هؤلاء بعضًا، زوج أصحاب اليمين أصحاب اليمين، وأصحاب المشْأمة أصحابَ المشأمة، والسابقين السابقين. قال: فهذا قوله: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾. قال: أزواج الأعمال التي زَوّجهنّ الله) ذكره ابن جرير.
стр. 3843
ورُوي عن عمر بن الخطاب ﵁ في قول الله : ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾. قال: (الزاني مع الزاني، وشارب الخمر مع شارب الخمر، وصاحب السرقة مع صاحب السرقة) ذكره القرطبي. وبنحوه عن قتادة: (فيحشر الكافر مع الكافر). حيث حملوا الظلم على الشرك- كما قال جل ثناؤه: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. فاحشروا الذين ظلموا- أي احشروا المشركين وأشياعهم في الشرك.
التأويل الثالث: ﴿وَأَزْوَاجَهُمْ﴾: نساؤهم المرافقات لهم على الكفر. فقد روي عن مجاهد والحسن: (﴿وَأَزْوَاجَهُمْ﴾: نساؤهم المرافقات على الكفر).
التأويل الرابع: قرناؤهم من الشياطين. قال الضحاك: ﴿وَأَزْوَاجَهُمْ﴾: قرناءهم من الشياطين). وقال مقاتل: (يحشر كل كافر مع شيطانه في سلسلة).
وقوله: ﴿وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.
أي من الأوثان والشياطين وإبليس وكل ما عُبِدَ من دون الله سبحانه.
وخلاصة القول: أن الله سبحانه يأمر ملائكته أن يحشروا المشركين به الظالمين بتنحية منهاجه ووحيه عن الحكم، ومن شابههم ووافقهم في القول والعمل من نسائهم وذرياتهم وأشياعهم ومن صرفوا لهم الطاعة من قرنائهم من الشياطين والأوثان والأصنام ومن رضي أن يصرف الناس إليه العبادة من دون الله سبحانه، فيأمر الله بجمعهم ثم توجيههم إلى صراط النار وأبوابها وبئسَ المصير الذي ينتظرهم بما أخلفوا الله عبادته وأشركوا بألوهيته. لذلك قال: ﴿وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾. قال ابن عباس: (يقول: وجهوهم. وقيل: إن الجحيم الباب الرابع من أبواب النار! . وقيل: ﴿فَاهْدُوهُمْ﴾ أي سوقوهم إلى النار. وقيل: أي دلّوهم. يقال: هديته الطريق أو هديته إلى الطريق إذا دللته عليه.
ثم قال سبحانه: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾. أي: احبسوهم للحساب ثم سوقوهم إلى النار.
وفيه تفاسير:
١ - قيل: يسألهم هل يعجبهم ورود النار. ذكره بعض المفسرين كابن جرير والقرطبي.
стр. 3844
٢ - قيل: بل ذلك للسؤال عن أعمالهم. فعن القرظي: ﴿إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ قال: عن أعمالهم وأقوالهم وأفعالهم). وعن ابن عباس: (عن ظلم الخلق). وعن الضحاك: (﴿إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ عن خطاياهم).
٣ - وقيل: بل لسؤالهم عما كانوا يعبدون من دون الله. قال ابن عباس: (عن لا إله إلا الله).
٤ - وقيل: سؤالهم ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] إقامة للحجة.
٥ - وقيل: يساقون إلى النار أولًا ثم يحشرون للسؤال إذا قربوا من النار.
قلت: والبيان الإلهي يحتمل كل هذه الآفاق من التأويل.
٢٥ - ٤٩. قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧) قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨) قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩) وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ (٣٠) فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (٣١) فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (٣٢) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤) إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧) إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (٣٨) وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١) فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٤٣) عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٤) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩)﴾.
في هذه الآيات: تقريعٌ وتوبيخٌ للمشركين، ووصف الحوار بين الرؤساء وأتباعهم المجرمين، الذين اشتركوا بالمكر والتكذيب وإيذاء المرسلين، ليشتركوا اليوم في العذاب الأليم. ونَعْتٌ للصورة المقابلة صورة المؤمنين المتقين، وما أعدّ الله لهم في جنات النعيم.
стр. 3845
فقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾. تقريع وتوبيخ للمشركين.
قال قتادة: (لا والله لا يتناصرون ولا يدفع بعضهم عن بعض).
وأصل ﴿تَنَاصَرُونَ﴾ -تتناصرون-. فطرحت إحدى التاءين للتخفيف.
وقوله تعالى: ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾. أي: أذلاء خاضعون لمصيرهم الشقي.
قال ابن عباس: (﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ قال: خاضعون ذليلون). وقال قتادة: (﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ في عذاب الله). وقال الحسن: (منقادون). وقال الأخفش: (ملقون بأيديهم). والمعنى واحد مفاده أنهم يعانون الذل اليوم أمام الخلق بعدما عاشوا الكبر في الدنيا وظلم الناس.
ثم قال سبحانه: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾. وفيه تأويلان:
١ - قيل: يعني الرؤساء والأتباع يتخاصمون يسأل بعضهم بعضًا ويوبخه في أنه أضله أو فتح له بابًا من المعصية.
٢ - وقيل: بل هو التخاصم بين الإنس والجن. قال قتادة: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾، قال: الإنس على الجن). أي: أقبل الإنس على الجن يتساءلون.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾. قال السدي: (تأتوننا من قِبل الحق تزينون لنا الباطل وتصدونا عن الحق). وعن مجاهد: ﴿تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ قال: عن الحق، الكفار تقوله للشياطين). وقال قتادة: (قالت الإنس للجن إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين. قال: من قبل الخير فتنهوننا عنه وتبطئوننا عنه).
فأخزى الله الكافرين الذين صدوا عن سببل الله في الدنيا، واستهزؤوا بالقرآن الذي كشف الله به لهم سبل الشياطين ليجتنبوها، ولكنهم شاركوهم في اتباع الشهوات والكبر والعلو في الأرض، فألزمهم الله موقف الذل في عرصات القيامة، يقولون للجن: لقد كنتم تأتوننا من قِبل الدين والحق وما ظاهره التقوى فتخدعوننا بأقوى الوجوه والسبل. واليمين في كلام العرب: القوة والقدرة على الكلام وإقامة الحجج، فأخزى الله الفريقين وتوعدهم بالعذاب. وهذه الآيات تشبه حوار المستكبرين والمستضعفين وهم يتخاصمون في دركات النار في سورة سبأ:
﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ
стр. 3846
اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سبأ: ٣١ - ٣٣].
وكذلك تشبه قوله تعالى في سورة إبراهيم: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم: ٢١].
وكذلك الآيات من سورة غافر: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (٤٧) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ [غافر: ٤٧ - ٤٨].
وهنا قال في سورة الصافات يصف تخاصمهم: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧) قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾.
قال ابن عباس: (يقولون كنتم تقهروننا بالقدرة منكم علينا لأنا كنا أذلاء وكنتم أعزاء فأقنعتمونا بالكفر).
فكنّى عن القوة والقدرة باليمين، لأن اليد اليمنى تستعمل عادة أكثر، فهي أقوى غالبًا، فكنى بها سبحانه عن الهيمنة للسادة على العامة، فجاؤهم بالقوة والإجبار لتحبيذ الكفر لديهم على الإيمان، فاستخفوهم فأطاعوهم، فاليوم يندمون حيث لا فائدة من الندم.
وفي قائل ذلك ثلاثة تفاسير:
التفسير الأول: هو قول الكفار للشياطين- كما قال مجاهد.
التفسير الثاني: هو قول الإنس للجن- كما قال قتادة.
التفسير الثالث: هو من قول الأتباع للمتبوعين- كما روي عن ابن عباس.
وفي كلمة اليمين تفاسير أيضًا:
التفسير الأول: أي تأتوننا عن طريق الخير وتصدوننا عنها- قاله قتادة.
التفسير الثاني: أي تأتونا عن اليمين التي نحبها ونتفاءل بها لتغرونا بذلك من جهة النصح. فالعرب تتفاءل بما جاء عن اليمين وتسميه السانح.
стр. 3847
التفسير الثالث: أي تأتوننا مجيء من إذا حلف لنا صدقناه. فاليمين عندئذ بمعنى الحلف.
التفسير الرابع: أي تأتوننا من قبل الدِّين فتهونون علينا أمر الشريعة وتنفروننا عنها.
قال القرطبي: (وهذا القول حسن جدًّا، لأن من جهة الدين يكون الخير والشر، واليمين بمعنى الدين، أي كنتم تزينون لنا الضلالة).
التفسير الخامس: اليمين بمعنى القوة. أي تمنعوننا بقوة وغلبة وقهر. كما قال جل ثناؤه: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ أي بالقوة، وقوة الرجل عادة في يمينه.
وكقول الشاعر:
إذا ما راية رُفِعَت لمجد ... تلقاها عَرابَةُ باليمين
أي بالقدرة والقوة. وقد روي هذا المعنى عن ابن عباس.
التفسير السادس: أي تأتوننا من قبل الحق أنه معكم- قاله مجاهد.
وكلها معان متقاربة مفادها أن الله سبحانه سيخزي أهل الباطل جنّهم وإنسيّهم على اختلاف مللهم ونحلهم، ويذيقهم الندامة وهم يختصمون في دركات النار، كل يلقي اللوم على الآخر في المصير الذي آل إليه.
ثم قال جل ثناؤه يصف جواب المتبوعين المتكبرين: ﴿قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩) وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ (٣٠) فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (٣١) فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ﴾.
وفيه تفسيران:
١ - هو من قول الجن لمن تبعهم من الإنس.
قال قتادة: (قالت لهم الجن ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ حتى بلغ ﴿قَوْمًا طَاغِينَ (٣٠) فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا﴾ الآية. قال هذا قول الجن).
وقال ابن جرير: (قالت الجن للإنس مجيبة لهم: بل لم تكونوا بتوحيد الله مقرين وكنتم للأصنام عابدين، وما كان لنا عليكم من حجة فنصدكم بها عن الإيمان ونحول بينكم من أجلها وبين اتباع الحق، بل كنتم أيها المشركون قومًا طاغين على الله متعدين إلى ما ليس لكم التعدّي إليه من معصية الله وخلاف أمره).
وقوله: ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ﴾. قال السدي: (كفار ضلال).
стр. 3848
٢ - قيل هو من قول الرؤساء لأتباعهم يتبرؤون منهم ومن أعمالهم لما عاينوا الأهوال يوم القيامة.
قال ابن كثير: (قالوا -أي المستكبرون- ليس الأمر كذلك بل كانت قلوبكم منكرة للإيمان قابلة للكفر، وما كان لنا سلطان وحجة فيما دعوناكم إليه بل كنتم متجاوزين عن الحق طاغين، ولهذا استجبتم لنا فتركتم الحق وخالفتم الرسل).
وأما قوله: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ﴾.
فهو من قول الرؤساء والمتبوعين أيضًا. أي وجب علينا وعليكم قول ربنا وما كتب علينا من العذاب وأخبر عنه الرسل: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]. أي استسلموا للقدر الكوني بعدما فاتهم مدافعة القدر بالقدر، وبعدما أفسدوا على أنفسهم مصيرها، واستهزؤوا بالقدر الشرعي وإمكانية اختيار الحياة الأفضل لهم في الدنيا والآخرة، فإذا بالحياة الدنيا قد انقضت، وإذا بهم أمام القدر الكوني الذي ينتظرهم، فقد ولّى زمن الاختيار، وحقّ اليوم ما كتب الله عليهم كتابة علم وحكمة وعدل، فهو الذي خلقهم ويعلم ما توسوس به نفوسهم.
أخرج الإمام أحمد والحاكم بسند صحيح عن عبد الرحمن بن قتادة السلمي، عن النبي ﷺ قال: [إن الله خلق آدم، ثم أخذ الخلق من ظهره فقال: هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي] (١).
وأصله في صحيح الإمام مسلم من حديث عائشة ﵂، عن النبي ﷺ قال: [إن الله تعالى خلق الجنة، وخلق النار، فخلق لهذه أهلًا، ولهذه أهلًا] (٢).
وقوله: ﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ﴾.
قال القرطبي: (أي زينا لكم ما كنتم عليه من الكفر بالوسوسة والاستدعاء).
ثم قال سبحانه خبرًا عنهم: ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤) إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾.
стр. 3849
فأخبر سبحانه عن اشتراكهم معًا في لهب وعذاب جهنم، الضال والمضل منهم، فهذا جزاء المشركين المجرمين، فقد كبر جُرمًا أن يستكبروا على "لا إله إلا الله" ويعبدوا من دونه سبحانه تافهًا لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا. وفي الكلام محذوف تقديره إذا قيل لهم (قولوا) لا إله إلا الله يستكبرون. وينسبون الشعر والجنون إلى النبي ﷺ . فعن السدي في قوله: ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ قال: (يعني المشركين خاصة). وعن قتادة: (﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ يعنون محمدًا ﷺ ).
يروي ابن سعد في الطبقات: (أن وفدًا من زعماء قريش قدموا إلى أبي طالب ليلتمسوا إليه أن يكف ابن أخيه، فاستدعاه وقال له: يا ابن أخي، هؤلاء عمومتك وأشراف قومك وقد أرادوا أن ينصفوك. فقال رسول الله ﷺ : قولوا أسمع. قالوا: تدعنا وآلهتنا وندعك وآلهتك. قال أبو طالب: قد أنصفك القوم فاقبل منهم. فقال رسول الله ﷺ : أرأيتم إن أعطيتكم هذه هل أنتم معطيَّ كلمة إن تكلمتم بها ملكتم العرب ودانت لكم المعجم. فقال أبو جهل: إن هذه كلمة مربحة. أَنْعِمْ وأبيك لنقولنها وعشر أمثالها. فقال الرسول ﷺ : قولوا لا إله إلا الله. فاشمأزوا ونفروا منها وغضبوا وقاموا وهم يقولون: اصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد).
لقد علم القوم أن لا إله إلا الله تُعَرِّيهم وتكشف في حياتهم الظلم والبغي والاستكبار.
لقد أدرك القوم أن لا إله إلا الله تحول بينهم وبين استعباد الناس بالقهر والإجبار.
لقد أيقن القوم أن لا إله إلا الله تمنعهم من إطلاق شهواتهم وتهددها بالدمار.
لقد فطن القوم أن لا إله إلا الله تكشف المال الحرام الذي عمروا به قصورهم بالكذب والاستهتار.
فتواصوا فيما بينهم بالصبر على الآلهة المزيفة، ظنًا منهم أنها تمنعهم وتحمي الأموال الحرام التي أكلوها، أو تغطي على الدماء الحرام التي سفكوها.
ففضحهم الله وأخزاهم وانتصر لنبيّه من بينهم، فقال سبحانه:
﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧) إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (٣٨) وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
стр. 3850
وعن قتادة: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ﴾ بالقرآن ﴿وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي صدّق من كان قبله من المرسلين).
قال الحافظ ابن كثير: (يعني ليس شاعرًا ولا مجنونًا، بل جاء بالحق الذي أرسلته به وصدق المرسلين الذين أخبروا بصفاته الحميدة ودينه القويم في كتبهم، فكانت حاله كما أخبروا عنه من الصدق والأمانة والصراط المستقيم في المنهج والدعوة إلى الله).
وخلاصة القول: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ﴾ يعني القرآن والتوحيد. ﴿وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ في منهاجهم. ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ﴾ والأصل: لذائقون حذفت النون للإضافة-. ﴿وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. أي: بما كسبتم واجترحتم من الشرك وعبادة غير الله الأحد.
ثم قال سبحانه استثناء ممن يذوق العذاب: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾.
قال قتادة: (هذه ثنية الله). وقال ابن جرير: (إلا عباد الله الذين أخلصهم يوم خلقهم لرحمته وكتب لهم السعادة في أم الكتاب، فإنهم لا يذوقون العذاب لأنهم أهل طاعة الله وأهل الإيمان به).
فهؤلاء لا يناقشون الحساب، ويجزون الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة.
وقد قرأها قراء المدينة والكوفة بفتح اللام: ﴿المُخلَصِينَ﴾ يعني: من أخلصهم لطاعته سبحانه ولحراسة دينه والقيام بأمره، في حين قرأها الباقون بكسر اللام أي المخلِصين لله في العبادة. وقيل هو استثناء منقطع، أي يذوق المجرمون العذاب لكن المخلصين لا يذوقون. بل لهم نعيم ورزق وصفه الله بقوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾. قال قتادة: (في الجنة). وقال مقاتل: (حين يشتهونه). وقيل: يعني رزق الجنة. وقيل: هي الفواكه التي جاء ذكرها تفسيرًا للرزق بقوله: ﴿فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ﴾.
و﴿فَوَاكِهُ﴾: جمع فاكهة، كما قال جل ذكره: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الطور: ٢٢].
والفاكهة: هي الثمار رطبها ويابسها، ﴿وَهُمْ مُكْرَمُونَ﴾ بذلك متنعمون بالمراتب العالية التي نالوها، وبالدرجات الرفيعة التي بلغوها، وبسماع كلام الله ولقائه والنظر إلى وجهه جل ثناؤه- كما قال سبحانه: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢].
стр. 3851
وقوله: ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾. أي يخدمون ويرفهون وينعمون، وهم على سرر متقابلين مقابلة. قال مجاهد: (لا ينظر بعضهم في قفا بعض تواصلًا وتحاببًا). وقال ابن عباس: (على سرر مكللة بالدّر والياقوت والزبرجد، السرير ما بين صَنعاء إلى الجابية، وما بين عدن إلى أيلة). وقيل: (الأسرّة تدور كيف شاؤوا فلا يرى أحد قفا أحد).
ثم قال سبحانه: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾.
قال قتادة: (كأس من خمر جارية، والمعين: هي الجارية).
وقال الضحاك: (كلّ كأس في القرآن فهو خمر).
والكأس في لغة العرب: هو كل إناء فيه شراب فإن كان فارغًا سمي إناءً وليس بكأس. قال السدي: (كل كأس في القرآن فهي الخمر، والعرب تقول للإناء إذا كان فيه خمر كأس، فإذا لم يكن فيه خمر قالوا إناء وقدح).
والمعين في لغة العرب: الماء الجاري الظاهر. ومنه قال الزجاج: (﴿بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ أي من خمر تجري كما تجري العيون على وجه الأرض).
وقوله: ﴿بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾. فلتأنيث الكأس أنثت البيضاء.
قال الحسن: (خمر الجنة أشد بياضًا من اللبن). فبيضاء صفة للكأس، ولذة: قيل هو مصدر جعل اسمًا -أي بيضاء لذيدة-. كما يقال شراب لدٌّ ولذيذ. وقيل: أي ذات لذة فحذف المضاف. قال ابن جرير: (يقول: هذه الخمر لذة يلتذها شاربوها).
ثم وصفها بتميزها من خمر الدنيا الذي يؤذي العقل ويسخط الرب سبحانه.
فقال: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾. أي: لا تغتال عقولهم. وفيه تفاسير:
التفسير الأول: (الغول: هو الصداع). قال ابن عباس: (يقول: ليس فيها صداع).
وكذلك قال الحسن: (صداع).
التفسير الثاني: (الغول: وجع البطن). قال قتادة: (الغول وجع البطن).
وقال مجاهد: (لا فيها وجع بطن). وهو رواية عن ابن عباس أيضًا: (هي الخمر ليس فيها وجع بطن). وفي رواية أخرى عنه قال: (في الخمر أربعُ خصال: السكر والصداع والقيء والبول، فلما ذكر خمر الجنة نزهها عن هذه الخصال).
فليس في خمر أهل الجنة أذى تتشكّى منه بطونهم.
стр. 3852
التفسير الثالث: أي لا تغول عقولهم، أي لا تذهب بها كخمور الدنيا. كما قال القائل:
وما زالت الكأس تغتالنا ... وتذهب بالأولِ الأول
أي تصرع واحدًا واحدًا. فالعرب تقول غاله الشيء واغتاله إذا أخذه من حيث لم يَدْر. قال بعض أهل اللغة: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ أي ليس فيها (غائلةُ) الصداع. لأنه قال في موضع آخر: (﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾. وقال أبو عبيدة: (الغَوْل أن تغتال عقولهم). وقال آخر: الغضب غُولُ الحلم لأنه يغتالُه ويذهب به. واغتاله: قتلهُ غيلة. ومنه قول السدي: (﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾: لا تغتال عقولهم). وقال الشعبي: (لا تغتال عقولهم فتذهب بها).
التفسير الرابع: أنَّها داء. فعن مجاهد: (﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ قال: داء). أي: لا يمرضون.
التفسير الخامس: أنَّها مغص. قاله ابن كيسان.
التفسير السادس: أنَّها إثم. قال الكلبي: (﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ أي إثم، نظيره ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣].
التفسير السابع: الغول هو المكروه والأذى. أي ما فيها ما يؤذيهم من مكروه، فإن العرب تقول لمن أصابه مكروه أو داهية عظيمة غالَ فلانًا غولٌ.
وعن سعيد بن جبير: (في قوله: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ قال: أذى ولا مكروه).
التفسير الثامن: الغول فساد يلحق في خفاء. قال بعض أهل المعاني: (يقال: اغتاله اغتيالًا إذا أفسد عليه أمره في خفية. ومنه الغول والغيلة وهو القتل خفية).
وخلاصة المعنى عندي: بأن الخمر التي اختص الله بها أهل الجَنَّة تكريمًا لهم لَمَّا اجتنبوا خمر الدنيا الذي حرّمه عليهم وما فيه من فساد لأجسامهم وعقولهم وأموالهم ودينهم هو خمر خفصه الله من أن يكون فيه أي نوع من أنواع الإفساد: من صداع ووجع بطن ومغص وداء أو مرض أو مكروه أو ذهاب بالعقل أو فساد خفي أو إثم وغير ذلك.
وإليه ذهب ابن جرير ﵀ حيث قال: (وكلها متضمنة بالمعنى أي لا أذى فيها ولا مكروه على شاربيها في جسم ولا عقل ولا غير ذلك). وبنحوه قال ابن كثير رحمه
стр. 3853
الله: (ليس فيها سكر ولا صداع ولا قيء ولا بول، وهذه الخصال المجموعة هي الغول).
ثم وصفها سبحانه بقوله: ﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾. وفيها قراءتان وتأويلان:
القراءة الأولى: هي قراءة قراء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين بفتح الزاي: ﴿يُنْزَفُونَ﴾.
ومنه فالتأويل الأول: أي ولا هم عن شربها تُنْزَفُ عقولهم. فعن ابن عباس: (﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ قال: لا تُنْزَف فتذهب عقولهم). وقال ابن زيد: (لا تُنْزِفُ العقول).
وقال قتادة: (لا تغلبهم على عقولهم). وقال مجاهد: (لا تذهب عقولهم) أي لا يسكرون.
القراءة الثانية: وهي قراءة عامة قراء الكوفة: "يُنْزِفون" بكسر الزاي. أي فيكون: التأويل الثاني: ولا هم عن شربها يَنْفَدُ شرابهم. وفي لغة العرب يقال: أنَّزف الرجل فهو منزوف إذا فنيت خمره. فالمعنى: أنَّهم من الشراب لا ينفدون.
قال القرطبي ﵀: (ومعنى "ينزِفون" الصحيح فيه أن يمال: أنَّزف الرجل إذا نفد شرابه، وهو يبعد أن يوصف به شراب الجَنَّة، ولكن مجازه أن يكون بمعنى لا ينفد أبدًا).
وكلا القراءتين مشهورة، ومن ثمّ فكلا التأويلين سالك قائم.
فقد وصف الله شراب أهل الجَنَّة في سورة محمد بقوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (١٥)﴾ [محمد: ١٥].
أخرج الإمام أحمد في المسند، والترمذي في الجامع، بسند صحيح عن معاوية بن حيدة، عن النبي ﷺ قال: [إن في الجَنَّة بحرَ الماء، وبحرَ العسل، وبحرَ اللبن، وبحرَ الخمر، ثم تشقّق الأنهار بعد] (١).
فهو خمر لذة للشاربين، يتدفق من بحر الخمر الذي لا ينفد، وطعمه منزه أن
стр. 3854
يلحق به أذى في أجسام وعقول المؤمنين تكرمة الله لهم.
قال ابن القيم: (نفى الله عن خمر الجَنَّة جميع آفات خمر الدنيا من الصداع والغول واللغو والإنزاف وعدم اللذة).
ثم تابع سبحانه وصف نعيم أهل الجَنَّة فقال: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾.
وفي قوله: ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ تفاسير:
التفسير الأول: أي نساء قد قصرن النظر إلى أزواجهن لا ينظرن لغيرهم. قال ابن عباس: (أي نساء قد قصرن طرفهن على أزواجهن فلا ينظرن إلى غيرهم). وقال السدي: (قصرن أبصارهن وقلوبهن على أزواجهن فلا يُردن غيرهم). وقال ابن زيد: (لا ينظرن إلا إلى أزواجهن قد قَصَرْنَ أطرافهن على أزواجهن ليس كما يكون نساء أهل الدنيا).
واختاره ابن جرير وقال: (وعند هؤلاء المخلَصين من عباد الله في الجَنَّة قاصرات الطرف، وهُن النساء اللواتي قَصَرْن أطرافهن على بعولتهن ولا يُردن غيرهم ولا يمدُدن أبصارهن إلى غيرهن). وقال ابن كثير: (أي عفيفات لا ينظرن إلى غير أزواجهن).
التفسير الثاني: قاصرات الطرف أي محبوسات على أزواجهن. وهو تفسير يناسب قوله: "مقصورات" أكثر. وقد روي هذا المعنى عن عكرمة قال: ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ أي محبوسات على أزواجهن). فإن قاصرات مأخوذ من قولهم قد اقتصر فلان على كذا إذا اقتنع به وعدل عن غيره.
التفسير الثالث: قاصرات الطرف أي لا يَغَرْن - قاله مجاهد.
وخلاصة القول: أنَّهم نساء اصطفاهن الله زوجات كريمات للمؤمنين، اختص بكل مؤمن مجموعة منهن لا يغادرنه إلى غيره، ولا ينظرن إلى سواه، ولا يعشقن ويتودّدن إلا إليه، ولا يغرن بين بعضهن، فهن مصروفات إليه وحده تكرمة الله لأهل الإيمان والجهاد والإحسان.
وأما قوله: ﴿عِينٌ﴾ أي عظام العيون، واحدتها عيناء. وفيه أكثر من تأويل:
التأويل الأول: (العين: جمع عيناء). والعيناء المرأة الواسعة العين عظيمتها، وهي أحسن ما تكون من العيون.
стр. 3855
قال ابن زيد: (العيناء: العظيمة العين). وقال السدي: (عين: عظام العيون، الواحدة عيناء).
وقال ابن جرير: (يعني بالعين النُّجْلَ العيون عظامها). وقال النسفي: (﴿عِينٌ﴾ جمع عيناء أي نجلاء واسعة العين).
التأويل الثاني: (العين: الحسان العيون). فعن مجاهد: (﴿عِينٌ﴾: حسان العيون).
التأويل الثالث: (العين: شديدات بياض العين شديدات سوادها). قال الحسن: (الشديدات بياض العين الشديدات سوادها).
والتأويل الأول والثاني أقرب لمعنى اللغة. يقال: رجل أعين إذا كان واسع العين بين العين، والجمع عِين. واختاره القرطبي وقال: (وأصله فعْلٌ بالضم فكسرت العين، لئلا تنقلب الياء واوًا. ومنه قيل لبقر الوحش عين والثور أعيق والبقرة عيناء). وقال الحافظ ابن كثير: (﴿عِينٌ﴾: أي حسان الأعين جميلات المظهر عفيفات تقيات نقيات).
ثم قال سبحانه: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾. أي مصون. وفيه تفاسير:
التفسير الأول: قيل شبههن ببطن البيض تحت القشر لشدة بياضه، وذلك أنه لم يمسّه شيء.
فعن السدي: (﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ قال: البيض حين يُقْشَر قبل أن تمسَّه الأيدي).
وعن ابن عباس: (شبهن ببطن البيض قبل أن يقشر وتمسّه الأيدي).
وقال عطاء: (شبهن بالسِّحاء الذي يكون بين القشرة العليا ولباب البيض).
قال الجوهوي: (وسَحَاة كل شيء قشرة والجمع سَخام. وقال ابن جرير: (هو القشر الرقيق الذي على البيضة بين ذلك). وقال ابن كثير: (وصفهن بترافة الأبدان بأحسن الألوان، وقد شبههن بالبيض المكنون كيف أن البيضة المكنونة بالقشرة الخارجية لم تمسَّها يد، فهن كذلك من حيث أنهن لم يمسهن أحد، وبياضهن دقيق كرقة البيضة من الداخل بيضاء شفافة). قال القرطبي: (والعرب تشبه المرأة بالبيضة لصفائها وبياضها).
التفسير الثاني: قيل بل شبهن بالبيض الذي يحضنه الطائر وهو إلى الصفرة أميل، فشبه بياضهن في الصفرة بذلك.