← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.

стр. 3851

وقوله: ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾. أي يخدمون ويرفهون وينعمون، وهم على سرر متقابلين مقابلة. قال مجاهد: (لا ينظر بعضهم في قفا بعض تواصلًا وتحاببًا). وقال ابن عباس: (على سرر مكللة بالدّر والياقوت والزبرجد، السرير ما بين صَنعاء إلى الجابية، وما بين عدن إلى أيلة). وقيل: (الأسرّة تدور كيف شاؤوا فلا يرى أحد قفا أحد). ثم قال سبحانه: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾. قال قتادة: (كأس من خمر جارية، والمعين: هي الجارية). وقال الضحاك: (كلّ كأس في القرآن فهو خمر). والكأس في لغة العرب: هو كل إناء فيه شراب فإن كان فارغًا سمي إناءً وليس بكأس. قال السدي: (كل كأس في القرآن فهي الخمر، والعرب تقول للإناء إذا كان فيه خمر كأس، فإذا لم يكن فيه خمر قالوا إناء وقدح). والمعين في لغة العرب: الماء الجاري الظاهر. ومنه قال الزجاج: (﴿بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ أي من خمر تجري كما تجري العيون على وجه الأرض). وقوله: ﴿بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾. فلتأنيث الكأس أنثت البيضاء. قال الحسن: (خمر الجنة أشد بياضًا من اللبن). فبيضاء صفة للكأس، ولذة: قيل هو مصدر جعل اسمًا -أي بيضاء لذيدة-. كما يقال شراب لدٌّ ولذيذ. وقيل: أي ذات لذة فحذف المضاف. قال ابن جرير: (يقول: هذه الخمر لذة يلتذها شاربوها). ثم وصفها بتميزها من خمر الدنيا الذي يؤذي العقل ويسخط الرب سبحانه. فقال: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾. أي: لا تغتال عقولهم. وفيه تفاسير: التفسير الأول: (الغول: هو الصداع). قال ابن عباس: (يقول: ليس فيها صداع). وكذلك قال الحسن: (صداع). التفسير الثاني: (الغول: وجع البطن). قال قتادة: (الغول وجع البطن). وقال مجاهد: (لا فيها وجع بطن). وهو رواية عن ابن عباس أيضًا: (هي الخمر ليس فيها وجع بطن). وفي رواية أخرى عنه قال: (في الخمر أربعُ خصال: السكر والصداع والقيء والبول، فلما ذكر خمر الجنة نزهها عن هذه الخصال). فليس في خمر أهل الجنة أذى تتشكّى منه بطونهم.

стр. 3852

التفسير الثالث: أي لا تغول عقولهم، أي لا تذهب بها كخمور الدنيا. كما قال القائل: وما زالت الكأس تغتالنا ... وتذهب بالأولِ الأول أي تصرع واحدًا واحدًا. فالعرب تقول غاله الشيء واغتاله إذا أخذه من حيث لم يَدْر. قال بعض أهل اللغة: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ أي ليس فيها (غائلةُ) الصداع. لأنه قال في موضع آخر: (﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾. وقال أبو عبيدة: (الغَوْل أن تغتال عقولهم). وقال آخر: الغضب غُولُ الحلم لأنه يغتالُه ويذهب به. واغتاله: قتلهُ غيلة. ومنه قول السدي: (﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾: لا تغتال عقولهم). وقال الشعبي: (لا تغتال عقولهم فتذهب بها). التفسير الرابع: أنَّها داء. فعن مجاهد: (﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ قال: داء). أي: لا يمرضون. التفسير الخامس: أنَّها مغص. قاله ابن كيسان. التفسير السادس: أنَّها إثم. قال الكلبي: (﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ أي إثم، نظيره ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣]. التفسير السابع: الغول هو المكروه والأذى. أي ما فيها ما يؤذيهم من مكروه، فإن العرب تقول لمن أصابه مكروه أو داهية عظيمة غالَ فلانًا غولٌ. وعن سعيد بن جبير: (في قوله: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ قال: أذى ولا مكروه). التفسير الثامن: الغول فساد يلحق في خفاء. قال بعض أهل المعاني: (يقال: اغتاله اغتيالًا إذا أفسد عليه أمره في خفية. ومنه الغول والغيلة وهو القتل خفية). وخلاصة المعنى عندي: بأن الخمر التي اختص الله بها أهل الجَنَّة تكريمًا لهم لَمَّا اجتنبوا خمر الدنيا الذي حرّمه عليهم وما فيه من فساد لأجسامهم وعقولهم وأموالهم ودينهم هو خمر خفصه الله من أن يكون فيه أي نوع من أنواع الإفساد: من صداع ووجع بطن ومغص وداء أو مرض أو مكروه أو ذهاب بالعقل أو فساد خفي أو إثم وغير ذلك. وإليه ذهب ابن جرير ﵀ حيث قال: (وكلها متضمنة بالمعنى أي لا أذى فيها ولا مكروه على شاربيها في جسم ولا عقل ولا غير ذلك). وبنحوه قال ابن كثير رحمه

стр. 3853

الله: (ليس فيها سكر ولا صداع ولا قيء ولا بول، وهذه الخصال المجموعة هي الغول). ثم وصفها سبحانه بقوله: ﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾. وفيها قراءتان وتأويلان: القراءة الأولى: هي قراءة قراء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين بفتح الزاي: ﴿يُنْزَفُونَ﴾. ومنه فالتأويل الأول: أي ولا هم عن شربها تُنْزَفُ عقولهم. فعن ابن عباس: (﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ قال: لا تُنْزَف فتذهب عقولهم). وقال ابن زيد: (لا تُنْزِفُ العقول). وقال قتادة: (لا تغلبهم على عقولهم). وقال مجاهد: (لا تذهب عقولهم) أي لا يسكرون. القراءة الثانية: وهي قراءة عامة قراء الكوفة: "يُنْزِفون" بكسر الزاي. أي فيكون: التأويل الثاني: ولا هم عن شربها يَنْفَدُ شرابهم. وفي لغة العرب يقال: أنَّزف الرجل فهو منزوف إذا فنيت خمره. فالمعنى: أنَّهم من الشراب لا ينفدون. قال القرطبي ﵀: (ومعنى "ينزِفون" الصحيح فيه أن يمال: أنَّزف الرجل إذا نفد شرابه، وهو يبعد أن يوصف به شراب الجَنَّة، ولكن مجازه أن يكون بمعنى لا ينفد أبدًا). وكلا القراءتين مشهورة، ومن ثمّ فكلا التأويلين سالك قائم. فقد وصف الله شراب أهل الجَنَّة في سورة محمد بقوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (١٥)﴾ [محمد: ١٥]. أخرج الإمام أحمد في المسند، والترمذي في الجامع، بسند صحيح عن معاوية بن حيدة، عن النبي ﷺ قال: [إن في الجَنَّة بحرَ الماء، وبحرَ العسل، وبحرَ اللبن، وبحرَ الخمر، ثم تشقّق الأنهار بعد] (١). فهو خمر لذة للشاربين، يتدفق من بحر الخمر الذي لا ينفد، وطعمه منزه أن

стр. 3854

يلحق به أذى في أجسام وعقول المؤمنين تكرمة الله لهم. قال ابن القيم: (نفى الله عن خمر الجَنَّة جميع آفات خمر الدنيا من الصداع والغول واللغو والإنزاف وعدم اللذة). ثم تابع سبحانه وصف نعيم أهل الجَنَّة فقال: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾. وفي قوله: ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ تفاسير: التفسير الأول: أي نساء قد قصرن النظر إلى أزواجهن لا ينظرن لغيرهم. قال ابن عباس: (أي نساء قد قصرن طرفهن على أزواجهن فلا ينظرن إلى غيرهم). وقال السدي: (قصرن أبصارهن وقلوبهن على أزواجهن فلا يُردن غيرهم). وقال ابن زيد: (لا ينظرن إلا إلى أزواجهن قد قَصَرْنَ أطرافهن على أزواجهن ليس كما يكون نساء أهل الدنيا). واختاره ابن جرير وقال: (وعند هؤلاء المخلَصين من عباد الله في الجَنَّة قاصرات الطرف، وهُن النساء اللواتي قَصَرْن أطرافهن على بعولتهن ولا يُردن غيرهم ولا يمدُدن أبصارهن إلى غيرهن). وقال ابن كثير: (أي عفيفات لا ينظرن إلى غير أزواجهن). التفسير الثاني: قاصرات الطرف أي محبوسات على أزواجهن. وهو تفسير يناسب قوله: "مقصورات" أكثر. وقد روي هذا المعنى عن عكرمة قال: ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ أي محبوسات على أزواجهن). فإن قاصرات مأخوذ من قولهم قد اقتصر فلان على كذا إذا اقتنع به وعدل عن غيره. التفسير الثالث: قاصرات الطرف أي لا يَغَرْن - قاله مجاهد. وخلاصة القول: أنَّهم نساء اصطفاهن الله زوجات كريمات للمؤمنين، اختص بكل مؤمن مجموعة منهن لا يغادرنه إلى غيره، ولا ينظرن إلى سواه، ولا يعشقن ويتودّدن إلا إليه، ولا يغرن بين بعضهن، فهن مصروفات إليه وحده تكرمة الله لأهل الإيمان والجهاد والإحسان. وأما قوله: ﴿عِينٌ﴾ أي عظام العيون، واحدتها عيناء. وفيه أكثر من تأويل: التأويل الأول: (العين: جمع عيناء). والعيناء المرأة الواسعة العين عظيمتها، وهي أحسن ما تكون من العيون.

стр. 3855

قال ابن زيد: (العيناء: العظيمة العين). وقال السدي: (عين: عظام العيون، الواحدة عيناء). وقال ابن جرير: (يعني بالعين النُّجْلَ العيون عظامها). وقال النسفي: (﴿عِينٌ﴾ جمع عيناء أي نجلاء واسعة العين). التأويل الثاني: (العين: الحسان العيون). فعن مجاهد: (﴿عِينٌ﴾: حسان العيون). التأويل الثالث: (العين: شديدات بياض العين شديدات سوادها). قال الحسن: (الشديدات بياض العين الشديدات سوادها). والتأويل الأول والثاني أقرب لمعنى اللغة. يقال: رجل أعين إذا كان واسع العين بين العين، والجمع عِين. واختاره القرطبي وقال: (وأصله فعْلٌ بالضم فكسرت العين، لئلا تنقلب الياء واوًا. ومنه قيل لبقر الوحش عين والثور أعيق والبقرة عيناء). وقال الحافظ ابن كثير: (﴿عِينٌ﴾: أي حسان الأعين جميلات المظهر عفيفات تقيات نقيات). ثم قال سبحانه: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾. أي مصون. وفيه تفاسير: التفسير الأول: قيل شبههن ببطن البيض تحت القشر لشدة بياضه، وذلك أنه لم يمسّه شيء. فعن السدي: (﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ قال: البيض حين يُقْشَر قبل أن تمسَّه الأيدي). وعن ابن عباس: (شبهن ببطن البيض قبل أن يقشر وتمسّه الأيدي). وقال عطاء: (شبهن بالسِّحاء الذي يكون بين القشرة العليا ولباب البيض). قال الجوهوي: (وسَحَاة كل شيء قشرة والجمع سَخام. وقال ابن جرير: (هو القشر الرقيق الذي على البيضة بين ذلك). وقال ابن كثير: (وصفهن بترافة الأبدان بأحسن الألوان، وقد شبههن بالبيض المكنون كيف أن البيضة المكنونة بالقشرة الخارجية لم تمسَّها يد، فهن كذلك من حيث أنهن لم يمسهن أحد، وبياضهن دقيق كرقة البيضة من الداخل بيضاء شفافة). قال القرطبي: (والعرب تشبه المرأة بالبيضة لصفائها وبياضها). التفسير الثاني: قيل بل شبهن بالبيض الذي يحضنه الطائر وهو إلى الصفرة أميل، فشبه بياضهن في الصفرة بذلك.

стр. 3856

قال ابن زيد: (﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ قال: البيض الذي يكنه الريش، مثل بيض النعام الذي قد أكنه الريش من الريح، فهو أبيض إلى الصُّفرة فكأنه يَبْرُقُ فذلك المكنون). وقال الحسن: (شبهن ببيض النعام، تكنها النعامة بالريش من الريح والغبار، فلونها أبيض في صفرة، وهو أحسن ألوان النساء). وتقول العرب إذا وصفت الشيء بالحسن والنظافة: كأنه بيض النعام المغطّى بالريش. قال النسفي: (﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ مصون، شبههن ببيض النعام المكنون في الصفاء، وبها تشبه العرب النساء وتسميهن بيضات الخدور). وقال القاسمي ﵀: (أي بيض نعام في الصفاء، مستور لم يركب عليه غبار. ثم ذكر قول الشهاب حيث قال: وهذا على عادة العرب في تشبيه النساء بها. وخصت ببيض النعام لصفائه وكونه أحسن منظرًا من سائره. ولأنها تَبِيض في الفلاة وَتُبْعِد بيضها عن أن يمس. ولذا قالت العرب للنساء "بيضات الخدور"، ولأن بياضه يشوبه قليل صفرة مع لمعان، كما في الدُّر، وهو لون محمود جدًّا. إذ البياض الصرف غير محمود. وإنما يحمد إذا شابه قليلُ حمرة في الرجال، وصفرة في النساء) انتهى. التفسير الثالث: قيل عني بالبياض هنا: اللؤلؤ، وبه شبههن في بياضه وصفائه. فعن ابن عباس: (قوله: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ يقول: اللؤلؤ المكنون). وهذا كقوله تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾. أي في أصدافه. كقول القائل: وهي بيضاء مِثلُ لؤلؤة الغوَّ ... اص مِيزَتْ من جَوْهر مكنون التفسير الرابع: قيل المكنون المصون عن الكسر، أي إنهن عذارى. التفسير الخامس: قيل أي رقتهن كرقة الجلدة التي رأسها في داخل البيضة التي تلي القشرة. وتسمى في اللغة "الغِرقِئ". واختار ابن جرير التفسير الأول. أي: شبهن بياض البيض داخل القشر (الجلدة المُلبَسَة المُحّ) قبل أن تمسه يد. قال: (وذلك لا شك هو المكنون، فأما القشرة العليا فالطائر يمسها والأيدي تباشرها والعُشّ يلقاها، والعرب تقولى لكل مَصُون مكنون سواء كان لؤلؤًا أم بيضًا أم مَتاعًا. قال: وتقول لكل شيء أضمرته الصدور: أكنّته فهو مُكنٌّ). قلت: وخلاصة المعنى عندي أن الله سبحانه قد خَبَّأ للمؤمنين في الجَنَّة زوجات هن

стр. 3857

خلاصة في البياض الفاتن الجذّاب، وغاية في الرقة والحسن: كرقة جلدة البيض الداخلية، وكحسن وصفاء البيض داخل القشرة، وكبيض النعام المغطّى بالريش وكاللؤلؤ في أصدافه، عذارى لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان، وزوّدهن بأسباب الفتنة والرقة والجمال تكرمة الله لأهل الإيمان. ٥٠ - ٧٤. قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣) قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧) أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠) لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١) أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨) إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠) وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤)﴾. في هذه الآياتِ: يخبر سبحانه عن بعض حديث أهل الجَنَّة وهم يتذكرون حوادث الدنيا التي صمدوا لها وعاكسوا أهواء الشياطين وأهل الهوى فيها، وهو جلوس اليوم على السرر يتنادمون ويتسامرون على شرابهم وطعامهم وفي اجتماعاتهم ولقاءاتهم ومجالسهم، والخدم يحيط بهم من كل جانب يتسابقون لخدمتهم وتوفير أطيب الطعام لهم وألذ الشراب وأجمل اللباس والرفاه والنعيم. فقال قائل منهم: إني كان لي صاحب بقي على الكفر وكان يقول - للمؤمن - مستبعدًا: أأنت تصدق بالبعث بعد الفناء، وبالحساب بعد انعدام البقاء، وقد صارت الأجساد عظامًا ورفاتًا! فاطلع المؤمن من مجلسه في الجَنَّة فاأصره الله مقعد صاحبه في جهنم، فحمد الله قائلًا له: والله إنك

стр. 3858

كدت تهلكني لو أطعتك، ومضيت في سبيلك، ولكن الله مَنَّ علي بصحبة أهل الإيمان، ومخالفتك والتصديق بالحق وتعظيم الله والخوف من لقائه، ولولا ذلك لكنت محضرًا معك، فاليوم لا موت بل خلود في دار الكرامة، ولا عذاب فهو النعيم المقيم، وهو الفوز العظيم. فلمثل هذا الذي أعطى الله المؤمنين - من الكرامة في الآخرة - ليعمل العاملون، ليدركوا هذا بطاعة ربهم. لكن هل يقارن هذا الفضل بشجرة الزقوم طعام أهل النار، أنبتها الله في النار التي تحرق الخشب تحديًا لهم ومخالفة لعقولهم التي لم تدرك عظمة الله الذي يخلق ما يشاء، فكانت بذلك فتنة لهم أن كذبوا الرسل وعاندوا القدر. ثم إنها شجرة قبيحة ثمارها كرؤوس الشياطين في القبح ولا بد لهم من أكلها ليشبعوا منها داء وسمًّا ورجسًا وقيحًا وصديدًا. ثم إنهم لشاربون على هذا الزقوم شرب الحميم ليهضموها، ثم هم باقون في عناء وعذاب في نار جهنم، فمرجعهم دومًا إليها بعد الطعام وقبله، فلقد مضوا في حياتهم معظمين سيرة الآباء وما فيها من كبر وحب للرياسة والظلم، فساروا على منهاجهم وكذبوا بالحق الذي أكرمهم الله به على لسان المرسلين، ولقد كان لهم فيما مضى من الأمم عبرة لمن شاء منهم أن يَذكَرَ أو أراد شكورًا، أن دمرهم الله يوم كذبوا الرسل المنذرين، فهلا نظروا واعتبروا إلامَ صار أمر من قبلهم، وما الذي أعقبهم كفرهم بالله ومنهاج رسله، ولكن الله نجَّى المخلصين الذين اتبعوا المرسلين. فإلى تفصيل ذلك: فعن قتادة: (﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ قال: أهل الجَنَّة). قال القرطبي: (أي يتفاوضون فيما بينهم أحاديثهم في الدنيا. وهو من تمام الأنس في الجَنَّة. وهو معطوف على معنى ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ﴾. المعنى: يشربون فيتحادثون على الشراب كعادة الشراب). وقال ابن كثير: (أقبل بعضهم على بعض يتساءلون عن أحوالهم وكيف كانوا في الدنيا وما إذا كانوا يعانون فيها، وذلك من حديثهم على شوابهم واجتماعهم في تنادمهم ومعاشرتهم في مجالسهم وهو جلوس على السرر، والخدم بين أيديهم يسعون ويجيئون بكل خير عظيم من مآكل ومشارب وملابس وغير ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر). وقد جيء به ماضيًا كما عودنا الله سبحانه في إخباره، فإن ذلك سيكون يومًا ماضيًا قد تحقق.

стр. 3859

وقوله تعالى: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾. في مفهوم القرين أكثر من معنى: ١ - القرين شيطان. قال مجاهد: (﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾، قال: شيطان). أي قرينه من الشيطان كان يوسوس له بإنكار البعث. ٢ - قرين: أي صديق ملازم أو شريك له من بني آدم. فعن ابن عباس: (هو الرجل المشرك يكون له الصاحب في الدنيا من أهل الإيمان، فيقول له المشرك: إنك لتصدِّق بأنك مبعوث من بعد الموت أئذا كنا ترابًا؟ فلما أن صاروا إلى الآخرة وأدخل المؤمن الجَنَّة وأدخل المشرك النار، فاطلع المؤمن فرأى صاحبه في سواء الجحيم: ). ﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ قلت: والمعنى الثاني أرجح، لأن الشيطان يمكن أن يوسوس لكل واحد بإنكار البعث - فلا خصوصية للحدث هنا - والله تعالى أعلم. وقوله: ﴿يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾. من التصديق وليس من التصدّق. قد قرأها عامة القراء بتخفيف الصاد، لكن روي عن حمزة قراءتها بتشديد الصاد "المُصَّدِّقين" أي أئنك لمن المتصدقين بالمال طلبًا لثواب الآخرة. والقراءة الأولى أشهر وأرجح، إذ لا معنى للصدقة هنا، لقوله تعالى بعدها: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾. قال ابن عباس: (يقول: أئنا لمجازون بالعمل كما تدين تُدان). أي هل نحن مجزيون محاسبون بعد الموت؟ أتصدق هذا؟ وقوله تعالى: ﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾. في تحديد قائله تفاسير: التفسير الأول: هو من قول الله تعالى لأهل الجَنَّة. التفسير الثاني: هو من قول المؤمن لإخوانه في الجَنَّة، هل أنتم مطلعون إلى النار لنظر حال ذلك القرين؟ ! التفسير الثالث: هو من قول الملائكة. والراجح التفسير الثاني أنه من قول القائل هل أنتم مطلعون إلى النار من كوى الجَنَّة ومطالّها لأريكم ذاك القرين بين أهل النار. رُوي عن كعب الأحبار: (إن في الجَنَّة كُوى إذا أراد أحد من أهلها أن ينظر إلى عدوه في النار اطلع فيها فازداد شكرًا).

стр. 3860

وفي الكلام محذوف تقديره - قالوا: نعم -. وقوله تعالى: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾. قال ابن عباس: (يعني في وسط الجحيم). وقال مطرف بن عبد الله: (والله لولا أنه عُرِّفَه ما عرفه، لقد غيرت النار حِبْرَه وسِبْرَه) - أي لونه وهيئته. وطَلَع وأطْلَعَ واطّلَع بمعنى واحد. وفي كلام العرب: تعبت حتى انقطع سوائي أي وسطي. وقوله تعالى: ﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾. قال السدي: (لتهلكني). والردى: الهلاك. وقيل: لتوقعني في النار. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾. قال قتادة: (أي في عذاب الله). يَعني: ولولا نعمة الله علي بالهداية والتوفيق والتثبيت على الإيمان لكنت محضرًا معك في العذاب. وقوله تعالى: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ - فيه تفاسير: التفسير الأول: هو من قول المؤمن على جهة الحديث بنعمة الله، بأنهم لا يموتون ولا يعذبون، أي هذه حالنا وصفتنا لا موت بل نعيم دائم مقيم. التفسير الثاني: هو من قيل أهل الجَنَّة للملائكة حين يُذبح الموت. ويقال: يا أهل الجَنَّة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت. فعن قتادة: (قوله: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ إلى قوله: ﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. قال: هذا قول أهل الجَنَّة). التفسير الثالث: هو من قول المؤمن توبيخًا للكافر الذي أنكر البعث وليس عنده إلا الموت في الدنيا. التفسير الرابع: قيل الهمزة في ﴿أَفَمَا﴾ للاستفهام، دخلت على فاء العطف والمعطوف محذوف، فيكون المعنى: أنحن مخلدون منعمون، فما نحن بميتين ولا معذبين. قلت: وكلها تفاسير متقاربة، وإن كان السياق يدل على استمرار حديث المؤمن الذي أشار بعدها إلى غاية فرحه وفوزه إذ نجّاه الله من متابعة قرين السوء وصاحب

стр. 3861

الهوى والدنيا، فآثر الآخرة على الملذات الفانية، فاليوم يقول: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. وقوله تعالى: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾. فيه أكثر من تأويل: التأويل الأول: أنَّه من قول المؤمن، وهو مناسب للسياق، لما رأى ما أعدَّ الله له في الجَنَّة فقال: لمثل هذا النعيم والفوز والفضل والعطاء ليعمل العاملون في الدنيا ليصيروا إليه في الآخرة. التأويل الثاني: قيل هو من قول الملائكة. التأويل الثالث: قيل بل هو من قول الله لأهل الدنيا، أي: قد سمعتم عن كرامة المؤمنين في الجَنَّة وما يلقونه من الحفاوة والتكريم والتلذذ بالخيرات والنساء وألوان الطعام والشراب والثياب، فليعمل عامل أراد وأحب مثل هذا المصير يوم القيامة. قلت: وكلها معان يحتملها البيان الإلهي وهي من جنس اختلاف التنوع لا التضاد، مفادها أن الفوز العظيم في الجَنَّة لمن استقام على الحق ودافع عنه، ومضى على منهاج النبوة معظمًا الوحي والحق وداعيًا إليه. وقوله: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا﴾. قال بعض أهل اللغة: النُّزْل: ما يُهَيَّأُ للنزيل، والجمع أنْزال. والنُّزُلُ والنُّزل لغتان، والمعنى هنا: الفضل والضيافة والعطاء. وفي التنزيل: ﴿جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الكهف: ١٠٧]. قال الأخفش: (هو من نزول الناس بعضهم على بعض. يقال: ما وَجْدَنا عندكم نُزُلا). وقال النحاس: (والنُّزُل في اللغة الرزق الذي له سعة). ويقال: أقيم للقوم نُزُلهم. وأصله الغِذاء الذي يصلح أن ينزلوا معه ويقيموا فيه. وقوله: ﴿شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾. قال القرطبي: (وشجرة الزقوم مشتقة من التزقم وهو البلع على جهد لكراهتها ونَتْنِها). والمعنى: فهل نعيم الجَنَّة وما فيها من ملاذ الطعام والشراب خيرٌ ضيافة ورزقًا واستقبالًا وعطاء أم شجرة الزقوم طعام أهل النار؟ !

стр. 3862

وقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾. قال قتادة: (لما ذكر شجرة الزقوم افتتن الظلمة فقالوا ينبئكم صاحبكم هذا أن في النار شجرة، والنار تأكل الشجر، فأنزل الله ما تسمعون: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ غذيت بالنار ومنها خلقت). قال ابن كثير: (ومعنى الآية: إنما أخبرناك يا محمد بشجرة الزقوم اختبارًا نختبر به الناس مَن يصدق منهم ممن يكذب). وعن السَّدي، قال: (قال أبو جهل لما نزلت: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ﴾ قال: تعرفونها في كلام العرب أنا آتيكم بها، فدعا جارية فقال: ائتيني بتمر وزُبْد، فقال: دونكم تَزَقَّموا، فهذا الزقوم الذي يخوفكم به محمد، فأنزل الله تفسيرها: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾. قال: لأبي جهل وأصحابه). أي: سيتزقم أبو جهل الزقوم مزيجًا بالحميم والصديد كما كان يتزقم التمر بالزبد في الدنيا. وعن مجاهد: (﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾ قال: قول أبي جهل إنما الزقزم التمر والزبد أتزقَّمه). فجعلها سبحانه فتنة للمشركين لما استبعدوا الأمر بعقولهم فقالوا: كيف يكون في النار شجرة، والنار تحرق الشجر، وذلك كما استبعدوا قبل ذلك قبول خلق الأغلال والقيود والحيات والعقارب وخزنة النار في جهنم، فحمل هذا الاستبعاد من جاء بعدهم من أهل الرأي والفلسفة والتحاكم للعقل فوق الوحي أن صرفوا الجَنَّة والنار إلى نعيم أو عقاب تتخلله الأرواح، وَزَوَّرُوا حقائق الغيب لتتلاءم وقصر عقولهم وضيق نفوسهم وآفاقهم، مشككين فيما أجمعت عليه الأمة الذي لا يجوز تأويله بل التسليم للوحي فيه. وقيل بل المعنى بقوله: ﴿فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾ أي عقوبة لهم على ما كذبوا وعاندوا، كقوله: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (١٤)﴾ [الذاريات: ١٤]. فنسأل الله الثبات على الإيمان بالغيب وتعظيم الوحي، وأن ينوِّر عقولنا سبحانه بنور هذا الوحي حتى يصدر عنها الفهم المنير المستقيم الذي لا يختلط بالأقيسة العقلية الفاسدة أو الحيل الشيطانية المختلفة، والله الموفق. والخلاصة: أنَّها - أي شجرة الزقوم - شجرة تخرج في قعر جهنم ثم تتفرع فيها، ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ - أي ثمرها شبه في قبحه برؤوس الشياطين.

стр. 3863

وهو تبشيع لها وتكريه لذكرها وتمثيل لقبحها. وقد سمي الطلع طلعًا لطلوعه، ثم إن نسبها في القبح لأعيان الشياطين وتشبيه طلعها برؤوسهم التي استقر قبحها في النفوس - وإن كان غير مرئي - هو أبلغ في بيان حقيقتها المؤذية. وقد صار مثلًا في حياة الناس قولهم لكل قبيح هو كصورة الشيطان، كما يصفون كل صورة جميلة حسنة بصورة الملك - كقول صواحب يوسف: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١]. قال ابن جرير: (كان طلع هذه الشجرة يعني شجرة الزقوم في قبحه وسماجته رؤوس الشياطين في قبحها). قلت: ولهذا التشبيه التخييلي في نفوس الناس أصل إذا علم أن من الشياطين من هو في صورة الحيات والأفاعي والكلاب، فيستقر بذلك في النفوس القبح والخبث. فقد أخرج الطبراني في معجمه "الكبير"، والحاكم في مستدركه، والبيهقي في "الأسماء" بسند صحيح عن أبي ثعلبة الخشني ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿الجِنُّ ثلاثة أصناف: فصِنف لهم أجنحة يطيرون بها في الهواء، وصِنْفٌ حيات وكِلاب، وصِنْفٌ يحِلُّون ويظعنون] (١). وكذلك أخرج الطبراني في "الكبير"، وابن حبان في صحيحه، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: [الحيَّات مَسْخٌ الجِنِّ صورة، كما مُسِخَت القردةُ والخنازير من بني إسرائيل] (٢). وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾. هو كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية: ٦، ٧]. فلا بد لهم من أكلها إذ لا طعام غيره، وبه ستمتلئ بطون الكفار في النار. أخرج الإمام أحمد في المسند، والترمذي في الجامع، بسند صحيح عن ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: [لو أن قطرةً من الزقوم قطرت في دار الدنيا

стр. 3864

لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم، فكيف بمن تكون طعامه] (١). وفي رواية: [أن رسول الله ﷺ تلا هذه الآية وقال: اتقوا الله حق تقاته، فلو أن قطرة من الزقوم قطرت في بحار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم، فكيف بمن يكون طعامه]. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾. أي: بعد أكلهم من تلك الشجرة، يسقون من ماء حميم يقطع أمعاءهم. والشَّوْب لغة: الخلط والمزج، والعرب تقول: شاب فلان طعامه وشرابه إذا خلطهما بشيء يشوبهما شوبًا وشيابة، وأصل الحميم الماء المحموم الذي أسخن فانتهى حرّه، وأصله على وزن مفعول فصرف إلى فعيل. وفي ذلك تفاسير: التفسير الأول: أنَّه شراب حار يشربونه بعد طعامهم. فعن ابن عباس: (قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾ قال: يقول: لمزجًا، يعني شرب الحميم على الزقوم). التفسير الثاني: هو أنه يمزج لهم الزقوم بالحميم ليُجمع لهم بين مرارة الزقوم وحرارة الحميم، تغليظًا لعذابهم وتجديدًا لبلائهم. فعن السدي قال: (الشوب: الخَلْط وهو المزج). التفسير الثالث: هو أن الحميم يخلط بالصديد الخارج من قيحهم وأجسامهم. فعن ابن زيد: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾ قال: حميم يُشاب لهم بغساق مما تَغْسِقُ أعينهم وصديد من قيحهم ودمائهم مما يخرج من أجسادهم). وخلاصة المعنى: إنهم يُدْعَون إلى شراب حار ممزوج بالقيح والغساق والصديد ليهضموا به طعامهم من شجرة الزقوم المزة المؤذية، كما قال جل ذكره في سورة محمد: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾ فيه أكثر من تأويل: التأويل الأول: أنَّ الحميم خارج الجحيم فيشربون ثم يعودون. قال مقاتل: (الحميم خارج الجحيم فهم يوردون الحميم لشربه ثم يردُّون إلى الجحيم، لقوله

стр. 3865

تعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٣، ٤٤]). وقال القشير: (ولعل الحميم في موضع من جهنم على طرف منها). وقال النسفي: (أي أنه يذهب بهم عن مقارهم ومنازلهم في الجحيم وهي الدركات التي أسكنوها إلى شجرة الزقوم فيأكلون إلى أن يمتلئوا، ويسقون بعد ذلك ثم يرجعون إلى دركاتهم، ومعنى التراخي في ذلك ظاهر). التأويل الثاني: أن تكون ثم بمعنى الواو. أي هم في عناء مستمر قبل الطعام والشراب وبعده. فعن قتادة: (﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ قال: فهم في عناء وعذاب من نار جهنم. وتلا هذه الآية: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾). قال أبو عبيدة: (يجوز أن تكون ﴿ثُمَّ﴾ بمعنى الواو). وقال القاسمي: (أي مصيرهم إلى دركاتها أو إلى نفسها لا مفر لهم منها ولا محيص كيفما تحولوا). التأويل الثالث: قيل: إن هذا يدل على أنهم كانوا حين أكلوا الزقوم في عذاب غير النار ثم يردون إليها. ذكره القرطبي. قلت: وبالجمع بين هذه التفاسير نخلص إلى أن الكافرين لما جاعوا كان الطعام عقوبة لهم، ولما عطشوا بعد الطعام كان الشراب حميمًا يقطع أمعاءهم، ثم عادوا من تلك الوجبة إلى المعاناة في دركات جهنم من لفحها وسمومها، فهم ينتقلون من عناء إلى عناء. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾. الإهراع في لغة العرب: الإسراع. قال الفراء: (الإهراع الإسراع برعدة). وقال أبو عبيدة: ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ﴾ [هود: ٧٨]، قال: يُسْتَحَثُّون إليه كأنهم يَحُثُّ بعضهم بعضًا). وأهرع فلان: إذا سار سيرًا حثيثًا فيه شبه بالرعدة. ويقال: جاء فلان يُهرع إلى النار إذا استحثه البرد إليها. قال ابن جرير: (فهؤلاء وجدوا آباءهم ضلالا عن قصد السبيل غير سالكين محجّة الحق فهؤلاء يُسرع بهم في طريقهم ليقتفوا آثارهم وسنتهم). وقيل: يزعجون من شدة الإسراع، هُرعَ وأهْرعَ إذا أزعِجَ.

стр. 3866

فعن ابن عباس: (قوله: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ﴾ أي وجدوا آبَاءَهُمْ ضالين). وعن مجاهد: ﴿فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ قال: كهيئة الهرولة). وعن السدي: (﴿يُهْرَعُونَ﴾ قال: يسرعون). وقال ابن زيد: (يستعجلون إليه). والخلاصة: أنَّ هؤلاء المشركين المعظمين غير الله المحتكمين لغير شرعه ومنهاجه آثروا تقليد الآباء في طريقتهم ونهجهم رغم عوارها وانحرافها على الاحتكام للحق والقرآن وما فيه من التحذير من سبل الهوى ومواقع الفتن والهلاك، وكيف كان مصير الأمم قبلهم حين تحاكمت للأعراف والتقاليد والآباء دون برهان من الله ونور من الوحي، فقال جل ثناؤه: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾. فانظر يا محمد وتأمّل كيف صيَّرنا أمر من كذبوا رسلنا وأنبياءنا حين أنذروهم بطشتنا إذا استمروا على الكفر وآثروا تعظيم الشهوات على الحق. أفلم نهلكهم فنجعلهم عبرة وعظة لمن جاء بعدهم ليعتبروا ويتعظوا كيف كان غِبُّ أمر من أصروا على البغي وكذبوا الرسل. وقوله: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾. قال السدي: (الذين استخلصهم الله). أي استخلصهم من الكفر، فهو استثناء من ﴿الْمُنْذَرِينَ﴾. وقيل: بل هو استثناء من قوله: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾. وكلا المعنيين سالك قائم، والله تعالى أعلم. ٧٥ - ١١٣. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٨٢) وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠) فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦) قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧)

стр. 3867

فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨) وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣)﴾. في هذه الآياتِ: يخاطب الله تعالى نبيّه محمدًا ﵊ ويخبره بما لقي النبيون قبله من أقوامهم وكم صبروا على دعوتهم، وكم تحملوا من إيذائهم، فهذا نوح صلوات الله وسلامه عليه لما عاندوه وواجهوه بالاستهزاء بعد صبر طويل دعا ربه سبحانه أني مغلوب فانتصر، فاستجاب له تعالى وقال: ﴿فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ كنا له إذ دعانا، فأهلكنا قومه بطوفان عظيم، فهلكوا غرقًا وجعلنا ذرية أتباعه المؤمنين باقية من بعد هلاكهم، إذ الناس اليوم كلهم من ذريته، فالعجم والعرب أولاد سام بن نوح، والترك والصقالبة أولاد يافث، والسودان أولاد حام بن نوح، وتركنا لنوح في الأرض الثناء الحسن بين الناس، فلا يذكر إلا بخير، فسلام وأمان على نوح في العالمين من أن يذكره أحد بسوء، فقد نجاه الله والمؤمنين، وأهلك بقية قومه المكذبين. وإن من أهل دينه ومنهاجه إبراهيم عليه أزكئ الصلاة وأتم التسليم، إذ نبذ الشرك والأوثان وتوجه إلى الله بقلب سليم. وخاطب أباه وقومه أن ينتهوا عن الشرك بالله ويفردوه سبحانه بالتعظيم، قال فما ظنكم يوم تلقونه وقد صرفتم العبادة لغيره وهو الله الواحد الأحد العظيم. فَدَعَوْهُ لعيدهم فنفر منهم بدعوى أنه سقيم، ثم انطلق إلى آلهتهم يستنطقهم ألا تأكلون، فجعل يضربها باليمين حتى أقبلوا إليه يستعجلون، فقال لهم أتعبدون ما تنحتون، والله خلقكم وأعمالكم وما تكسبون، فحاولوا أن يلقوه في الجحيم فردهم الله بكيدهم وما يمكرون، فأعلن براءته منهم ومن شركهم، وأنه ذاهب إلى الله بعمله وقلبه ونيته، ومهاجر وتاركهم مستأنسًا بدعاء الله الكريم، أن يهب له

стр. 3868

ذرية من الصالحين. فلما فاصلهم وعظَّم منهاج رب العالمين، وهبَ له غلامًا آنَسه به ثم ابتلاه بأمره أن يذبحه حتى يفرغ القلب لله العظيم، ففعل وتلّه للجبين، ففداه الله بذبح عظيم، ورضي بذلك عن قلب إبراهيم، واصطفاه من بين العالمين، ثم بشره بإسحاق نبيًا من الصالحين. وبارك عليهما ومن ذريتهما طائع لربه محسن وظالم لنفسه مبين. فإلى تفصيل ذلك: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾. قال قتادة: (أجاب الله). والنداء هو الاستغاثة. قال ابن جرير: (ولقد نادانا نوح بمسألته إيانا هلاك قومه فقال: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾ [نوح: ٥، ٦] إلى قوله: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]. فلنعم المجيبون كنا له إذ دعانا فأجبنا له دعاءه فأهلكنا قومه ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ قال: من الأذى والمكروه الذي كان فيه من الكافرين، ومن كرب الطوفان والغرق الذي هلك به قوم نوح. ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ قال: يقول: وجعلنا ذرية نوح هم الذين بقوا في الأرض بعد مَهْلك قومه، وذلك أن الناس كلهم من بعد مَهْلك نوح إلى اليوم إنما هم ذريّة نوح، فالعجم والعرب أولاد سام بن نوح، والترك والصقالبة والخَزَر أولاد يافث بن نوح، والسودان أولاد حام بن نوح). وعن قتادة قال: (فالناس كلهم من ذرية نوح). ففي الذرية تفسيران: التفسير الأول: أنَّهم من نسل أولاده. فعن السدي: (﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾. قال: من الغرق). قال ابن عباس: (لما خرج نوح من السفينة مات من معه من الرجال والنساء إلا ولده ونساءه، فذلك قوله: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾). وعن سعيد بن المسيب قال: (كان ولد نوح ثلاثة والناس كلهم من ولد نوح، فسام أبو العرب وفارس والروم واليهود والنصارى، وحام أبو السودان من المشرق إلى المغرب: السند والهند والنوب والزنج والحبشة والقبط والبربر وغيرهم، ويافث أبو الصقالبة والترك واللان والخزر ويأجوج وماجوج وما هنالك). التفسير الثاني: أنَّهم أهل الإيمان الذين آمنوا معه. قلت: وهذا هو الراجح عندي، فليست قرابة النسل والدم هي المقصودة - والله تعالى

стр. 3869

أعلم - ودليل ذلك قوله سبحانه في الآية الآخرى: ﴿قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٨)﴾ [هود: ٤٨]. وقوله: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء: ٣]. فكلتا الآيتين تدل أن ثَمَّ ذرية ونسلًا لغير ولد نوح، وإنما نجى الله المؤمنينن وجعل ذريتهم هم الباقين إذ أغرق سبحانه من كفر، والله تعالى أعلم. قال القاسمي: (والمراد بأهله من آمن معه). وقال النسفي: (﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ﴾ قال: ومن آمن به وأولاده). وقوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾. قال ابن عباس: (يقول: يُذكر بخير). وقال قتادة: (أبقى الله عليه الثناء الحسن في الآخرين). وقوله: ﴿فِي الْآخِرِينَ﴾ فيه تفاسير: التفسير الأول: أي تركنا عليه ثناء حسنًا في كل أمة، فإنه محبب إلى الجميع - ذكره مجاهد. التفسير الثاني: أي تركنا عليه هذه الكلمة باقية، يعني يسلمون عليه تسليمًا ويدعون له. التفسير الثالث: أي في أمة محمد ﷺ . التفسير الرابع: قيل في الأنبياء إذ لم يبعث بعده نبيّ إلا أمر بالاقتداء به، كما قال الله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣]. والحق أن ذكر نوح جميل في الأرض، والثناء عليه قائم بين الأنبياء والأمم، حتى أني أذكر أني رأيت في بعض الجامعات التابعة للكنيسة في أمريكا قصة الخلق وهم يعرضونها بطريقة ضوئية صوتية مسرحية، وهم يعبّرون بها عن مجاهدة نوح قومه ودعوته إليهم - وقومه يستهزئون ويضحكون ويسخرون - ويشيرون إلى جهاده بالثناء الحسن. فذكر نوح حسن بين الناس جميعًا صلوات الله وسلامه عليه. وقوله: مبتدأ وخبر. والتقدير ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ﴾: تركنا عليه هذا الكلام الحسن ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ﴾. أو يكون التقدير: فقلنا ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ﴾. قال النسفي: (أي ثبت هذه التحية فيهم جميعًا ولا يخلو أحد منهم منها كأنه قيل ثبت الله التسليم على نوح وأدامه في

стр. 3870

الملائكة والثقلين يسلمون عليه عن آخرهم. ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾. قال: علل مجازاته بتلك التكرمة السنية بأنه كان محسنًا ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: ثم علل كونه محسنًا بأنه كان عبدًا مؤمنًا ليريك جلالة محل الإيمان وأنه القصارى من صفات المدح والتعظيم). فجزاه الله أحسن الجزاء إذ أبقى ذكره عطرًا في الأرض، فهو الكريم سبحانه لا يضيع الإحسان لديه، وهو المؤمن جل ثناؤه لا يضيع الإيمان وأهله بين يديه، بل كما قال جل ثناؤه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٠]. فقمة الإيمان هي مرتبة الإحسان كما وصفها النبي ﷺ لجبريل ﵇ حين قال له: أخبرني عن الإحسان؟ قال: [أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك]. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾. قال قتادة: (أنجاه الله ومن معه في السفينة وأغرق بقية قومه). فلم يبق إلا ذكرهم القبيح في الأرض، وكان سبب إغراقهم أن تأخروا عن الإيمان، وضيَّعوا العمر باللهو والشهوات والإجرام، ومحاولة الاستهزاء بالمؤمنين والنيل من أهل الإحسان. قال القرطبي: (و ﴿ثُمَّ﴾ ليس للتراخي هاهنا، بل هو لتعديد النعم، كقوله: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٦، ١٧]. أي ثم أخبركم أني قد أغرقت الآخرين، وهم الذين تأخروا عن الإيمان). وقوله تعالى: (﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾. قال مجاهد: (على منهاج نوح وسنته). وفي رواية: (على منهاجه وسنته). وقال ابن عباس والسدي: (أي من أهل دينه). وقيل: إن من شيعة محمد لإبراهيم - ذكره بعض أهل العربية -، وإن كان السياق يدل على الأول، فهو المذكور أولًا، إي إن إبراهيم مضى على منهاج نوح عليهما الصلاة والسلام. وقوله تعالى: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. قال السدي: (من الشرك). أي قلب سليم من الشرك. قال مجاهد: (لا شك فيه). وعن هشام بن عروة قال: (كان أبي يقول لنا: يا بني لا تكونوا لعَّانين، الم تروا إلى إبراهيم لم يلعن شيئًا قط، فقال تعالى: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾). وقال القاسمي: (أي أقبل إلى توحيده بقلب خالص من الشوائب،

стр. 3871

باق على الفطرة، سليم عن النقائص والآفات، محافظ على عهد التوحيد الفطري، منكر على من غيّر وبدّل). وقال النسفي: " (﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. قال: أي من شيعة نوح، أي ممن شايعه على أصول الدين أو شايعه على التصلب في دين الله ومصابرة المكذبين. قال: ومعنى المجيء بقلبه ربه أنه أخلص لله قلبه وعلم الله ذلك منه فضرب المجيء مثلًا لذلك). وحكى الزمخشري: أنَّه ما كان بين نوح وإبراهيم إلا نبيان، هود وصالح. وكان بين نوح وإبراهيم ألفان وست مئة وأربعون سنة - ذكره القرطبي. وقال: (ويحتمل مجيئه إلى ربه وجهين: أحدهما عند دعائه إلى توحيده وطاعته، الثاني عند إلقائه في النار). قلت: وسلامة القلب كناية عن السلامة كلها، وعن السلامة والأمن في الدنيا والآخرة. كما في الحديث: [إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب] (١). قال عوف الأعرابي: (سألت محمد بن سيرين ما القلب السليم؟ فقال: الناصح لله في خلقه). وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾. فأنكر على أبيه آزر وعلى قومه عبادة الأوثان والأصنام. وبقوله: ﴿مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾ فإن "ما" و"ذا" في محل نصب، والتقدير: تعبدون ماذا. وقد تكون "ما" مبتدأ وخبره "ذا". والإفك أسوأ الكذب. وقوله: ﴿أَئِفْكًا﴾ حال منصوب - أي: تريدون آلهة آفكين. وقوله: ﴿آلِهَةً﴾ في محل نصب بدل من "إفْكًا". أو في محل نصب مفعول به لتريدون. والمعنى: أتريدون بطريق الإفك والكذب آلهة دون الله ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وفيه تفسيران: الأول: - ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ - أنه فاعل بكم يوم تلقونه وقد عظمتم سواه وخضعتم لغيره وعبدتم من دونه. قال قتادة: (﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يقول: إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره). وهو تحذير، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ

стр. 3872

الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: ٦ - ٨]. أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [قال الله تعالى: الكبرياء ردائي، والعِزُّ إزاري، فمن نازعني في شيء منهما عذبته] (١). ورواه الإمام أحمد عنه بلفظ: [قال الله تعالى: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما قذفته في النار] (٢). ورواه الحاكم بسند صحيح عن أبي هريرة ولفظه: [قال الله تعالى: الكبرياء ردائي، فمن نازعني في ردائي قصمته] (٣). وأخرج البزار عن أبي هريرة، وأبو نعيم في الحلية، عن شداد بن أوس، عن النبي ﷺ قال: [قال الله تعالى: وعزتي وجلالي، لا أجمع لعبدي أمْنَين ولا خوفين، إن هو أمنني في الدنيا أخفته يوم أجمع عبادي، وإن هو خافني في الدنيا أمّنته يوم أجمع عبادي] (٤). فمن لاقى الله متكبرًا على طاعته وعبادته فلا أمن له، بل الفزع والخوف والقلق من المهاول يوم القيامة، إذ الأمن هو الإيمان وفي أهل الإيمان، والخوف في الكفر والكبر وفي أهل الكبر. الثاني: قيل بل المعنى: أي شيء أوهمتموه حتى أشركتم به غيره. قال القاسمي: (والمعنى: لا يقدّر في وهم ولا ظن ما يصد عن عبادته. لأن استحقاقه للعبادة أظهر من أن يختلج عرق شبهة فيه). والاستفهام إنكاري في الحالتين، أي المراد إنكار ما يقتضيه الظن، وكلا المعنيين سالك.

стр. 3873

وقوله تعالى: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾. فيه أكثر من تأويل: التأويل الأول: ذكر أن قومه كانوا أهل تنجيم فرأى نجمًا قد طلع فعصب رأسه وقال إني مطعون ليخرجوا عنه فيخالفهم إليها فيكسرها. فعن ابن عباس: (فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾. قال: قالوا له وهو في بيت آلهتهم اخرج، فقال إني مطعون، فتركوه مخافة الطاعون). قال الضحاك: (أشار لهم إلى مرض وسقم يُعدي كالطاعون، وكانوا يهربون من الطاعون، فلذلك ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ أي فارين منه خوفًا من العدوى). التأويل الثاني: أنَّهم أزف عيد لهم فدعوه للحضور لمشاركتهم فنظر إلى نجم، وأعلمهم بأن ذلك النجم لم يطلع إلا بسقم له وكانوا يعتقدون بعلم التنجيم. قال ابن زيد: (أرسل إليه ملكهم فقال: إن غدًا عيدنا فاحضر معنا. قال: فنظر إلى نجم فقال: إن ذلك النجم لم يطلع قط إلا طلع بسقم لي، فقال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾). وفي رواية: (فنظر إلى نجم طالع فقال: (إن هذا يطلع مع سقمي). قال القرطبي: (وكان علم النجوم مستعملًا عندهم منظور فيه، فأوهمهم هو من تلك الجهة، وأراهم من معتقدهم عذرًا لنفسه، وذلك أنهم كانوا أهل رعاية وفلاحة، وهاتان المعيشتان يحتاج فيهما إلى نظر في النجوم). التأويل الثالث: أي إنهم لما طلبوا منه الخروج معهم نظر إلى السماء متفكرًا ماذا يعمل وقال لهم كلامًا فهموا منه أنه سقيم على مقتضى ما يعتقدونه. قال الحسن: (المعنى أنهم لما كلّفوه الخروج معهم تفكر فيما يعمل). وقال قتادة: (والعرب تقول لمن تفكر: نظر في النجوم). أي نظر فيما نجم له من الرأي أي فيما طلع له منه. وقيل: فعلم أن كل حي يسقم فقال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾. أي: ضعيف. قال الحافظ ابن كثير: (يعني أنه نظر إلى السماء متفكرًا فيما يلهيهم به). التأويل الرابع: أي نظر في الأشياء فعلم أن لها خالِقًا ومدبرًا. فقال إني سقيم إذا ذكر الموت. قال الضحاك: (معنى: ﴿سَقِيمٌ﴾ سأسقم سقم الموت، لأن من كتب عليه الموت

стр. 3874

يسقم في الغالب ثم يموت، وهذا تورية وتعريض، كما قال للملك لما سأله عن سارّة هي أختي، يعني أخوة الدين). وعن قتادة: (﴿فَتَوَلَّوْا﴾: فنكصوا عنه ﴿مُدْبِريِنَ﴾ منطلقين). والراجح عندي أن إبراهيم ﵊ أوهمهم بطريقة التورية والتعريض فقال لهم كلامًا هو حق في نفس الأمر، لكنهم فهموا منه أنه سقيم حسب ما يعتقدون، وليس هذا من باب الكذب الذي يذم فاعله. وإلى هذا المعنى ذهب ابن كثير وقال: (وإنما أطلق الكذب على هذا تجوّزًا، وإنما هو من المعاريض في الكلام لمقصد شرعي ديني، كما جاء في الحديث: إن في المعاريض لمندوحةً عن الكذب). قلت.: وهذا المعنى مخرّج في الصحيحين والمسند من حديث أبي هريرة ﵁ قال: "قال رسول الله ﷺ : [لم يَكْذِبْ إبراهيم إلا ثلاثَ كَذَبات: ثنتين منهن في ذات الله، قولُهُ: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾. وقوله: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]. وبينما هو ذات يوم وسارَة، إذ أتى على جَبَّار من الجبابرة، فقيل له: إن هاهنا رجلًا معه امرأة من أحسن الناس، فأرسل إليه، فسأله عنها، فقال: مَنْ هذه؟ قال: أختي، فأتى سارة، فقال: يا سارة ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك، وإن هذا سألني، فأخبرتُه أنك أختي، فلا تكذبيني، فأرسل إليها، فلما دخلت عليه ذهب يتناولها بيده، فَأخِذَ، فقال: ادعي الله لي، ولا أضرك، فدعت فأطلق، فدعا بعضَ حجبته، فقال: إنك لم تأتني بإنسان! إنما أتيتني بشيطان! فأخْدَمَها هاجر، فأتته وهو قائم يصلي، فأومأ بيده مَهْيا؟ قالت: ردّ الله كَيْدَ الفاجر في نحره، وأخدم هاجر] (١). وقوله تعالى: ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾. أصل الروغان في لغة العرب من راغ رواغًا، يقال: راغ الثعلب روغانًا ورواغًا وأراغ وارتاغ إذا طلب وأراد، وراغَ إلى كذا مال إليه سرًّا وحاد. وفلان يُراوغ في الأمر مراوغة، وراغ فلان عن فلان إذا حاد عنه. فيكون معنى الآية: أي حاد إبراهيم وراغ عن قومه وعن الخروج معهم إلى آلهتهم، فقرب لها طعامًا فما باشرته، فعزم عليها ألا تأكلون، فاستهزأ بها بقوله: ﴿مَا لَكُمْ لَا

стр. 3875

تَنْطِقُونَ﴾ ثم انهال عليها بيمينه ينسفها ويكسرها بقوة. وفي الكلام محذوف تقديره: "فقرب إليها طعامًا، فلم يرها تأكل". وعن السدي: (﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ﴾، قال: ذهب إليهم). وقال قتادة: (مال إليهم). وقال الكلبي: (أقبل إليهم). وقيل: جاء إليهم وعَدَلَ إليهم. وكله بإمعنى واحد بمعنى مال، ومنه قول الشاعر: ويريك من طرف اللسان حلاوة ... ويروغ عنك كما يروغ الثعلب وطريق رائغ: أي مائل. وعن قتادة: (﴿فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ يستنطقهم ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ﴾؟ ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾: فأقبل عليهم يكسرهم). قال ابن عباس: (لما خلا جعل يضرب آلهتهم باليمين). وقال الضحاك: (خصّ الضرب باليمين لأنَّها أقوى والضرب بها أشد). وفي قوله ﴿بِالْيَمِينِ﴾ أكثر من تأويل: التأويل الأول: اليمين بمعنى القوة. فقد ورد ذلك التأويل عن بعض أهل العربية كالفراء قال: (ضربًا بالقوة واليمين القوة). التأويل الثاني: اليمين هو الحلف. قيل المراد بذلك اليمين التي حلفها بقوله: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٧]. التأويل الثالث: اليمين بمعنى العدل. واحتجوا بقوله سبحانه: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٤، ٤٥] أي بالعدل. قال القرطبي: (فالعدل لليمين، والجور للشمال. ألا ترى أن العدو عن الشمال والمعاصي عن الشمال والطاعة عن اليمين، ولذلك قال: ﴿قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ [الصافات: ٢٨] أي من قبل الطاعة. فاليمين هو موضع العدل من المسلم والشمال موضع الجور. ألا ترى أنه بايع الله بيمينه يوم الميثاق، فالبيعة باليمين، فلذلك يُعطى كتابه غدًا بيمينه، لأنه وفى بالبيعة، ويُعْطى الناكث للبيعة الهارب برقبته من الله بشماله، لأن الجور هناك. فقوله: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ أي بذلك العدل الذي كان بايع الله عليه يوم الميثاق ثم وفّى له هاهنا). قلت: وكلها تفاسير متقاربة، إذ المقصود أن إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه أقبل

стр. 3876

على الأصنام والأوثان يكسرها بقوة يمينه، وبصدق عهده مع ربه، حتى لا يُعبد في الأرض إلا الله سبحانه، وهذا هو كمال العدل. وقوله تعالى: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾. زفّ في لغة العرب من (زفف). يقال زت العروس إلى زوجها من باب ردَّ، وأزفّها وازدَفَّها زِفافًا. وزفَّ القوم في مشيهم يزفون زفيفًا إذا أسرعوا. والمِزفّة المِحفّة التي تُزَفّ فيها العروس، وقيل هو مشي الخيلاء، ومنه أُخِذَ زِفاف العروس إلى زوجها. والمراد بالآية هنا أنهم أقبلوا إليه مسرعين لينظروا ما الأمر؟ وقد قرأها قراء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين ﴿يَزِفُونَ﴾ نحو قولهم زفت النعامة إذا كان أول عدوها وآخر مشيها. وهناك جماعة من أهل الكوفة قرؤوها: "يُزِفُّون" من أَزَفَّ فهو يُزِفّ. قال الأصمعي: (أزففت الإبل أي حملتها على أن تَزِفّ). وقال أبو إسحاق: (الزفيف أول عَدْوِ النعام). أي جاؤوا على هذه الحالة بمنزلة المزفوفة على هذه الهيئة. وهناك من قرأها: "يَزِفون" بالتخفيف. قال الفراء: (لا أعرفها). ويبدو أن إجماع القراء والفصحاء على القراءة الأولى: "يَزِفون". وفي الآية أقوال متشابهة: ١ - يسرعون. فعن ابن زيد: (﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ قال: أي يسرعون). ٢ - ينسلون. فعن مجاهد قال: (الوزيف: النَّسَلان). ٣ - يَجْرون. فعن ابن عباس قال: (فأقبلوا إليه يجرون). ٤ - يمشون. فعن السدي قال: (﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾، قال: يمشون). ٥ - يستعجلون. قال ابن زيد عن أبيه: (يستعجلون. قال: يَزِفّ: يستعجل). وكلها متقاربة في المعنى من باب اختلاف التنوع لا التضاد، مفادها أنهم هرعوا إليه حين علموا خبر ما صُنِعَ بآلهتهم فأقبلوا مسرعين يجرون. وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾. في الكلام محذوف تقديره: (قالوا من فعل هذا بآلهتنا)؟ فردّ عليهم: أتعبدون ما تنحتون! قال قتادة: (الأصنام). أي تعبدون أصنامًا أنتم تنحتونها بأيديكم تنجرونها. قال القرطبي: (والنحت النجر والبري، نحته ينحِته بالكسر نحتًا أي براه والنّحاتة البُراية والمِنحت ما ينحت به).

стр. 3877

وأما قوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ففيه تفاسير: التفسير الأول: أنْ تكون "ما" مصدرية، أي تكون مع الفعل مصدرًا أو بمعنى المصدر، والتقدير عندئذ: (والله خلقكم وعملكم). التفسير الثاني: أن تكون "ما" بمعنى الذي، أي في محل نصب. فيكون التقدير حينئذ: (والله خلقكم والذي تعملون منه الأصنام وهو الخشب والحجارة والنحاس وبقية المواد التي كانوا ينحتون منها أصنامهم). وهذا كقوله تعالى: ﴿بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ [الأنبياء: ٥٦]. قال قتادة: (والله خلقكم وما تعملون بأيديكم). التفسير الثالث: أن تكون "ما" استفهامية. بمعنى تصغير شأنهم، وتحقير لعملهم، والتقدير عندئذ: (والله خلقكم فسواكم وأنشأ لكم سمعًا وبصرًا وفؤادًا وما تعرفون عن أنفسكم من دقائق الخلق في أجسامكم وما لا تعرفون، فأي شيء تعملونه أو تخلقونه أنتم؟ وبأي عقل خضعتم لحجارة صنعتها أيديكم). التفسير الرابع: أن تكونا "ما" نافية. والتقدير: (والله خلقكم وما أنتم تعملون ذلك بل الله سبحانه هو خالقه). قلت: وأرجح التفاسير عندي هو التفسير الأول، لأن فيه شمولًا لبقية المعاني، ثم هو مذهب المؤمنين الوسط بين القدرية والجبرية. فأهل السنة يثبتون أن الأفعال خلق لله واكتساب للعباد، ويبطلون الانحراف الذي وقع به غيرهم كالقدرية الذين يقولون لا قدر، بل الإنسان يخلق أفعاله السيئة، أو كالجبرية الذين ينسبون الظلم لله من حيث يدرون أو لا يدرون. فكلاهما وقع في الشرك بالله - إذْ يجعلون خالقًا غير الله، أو يَنْسِبُونَ الظلم لله والشك بحكمته -، تعالى الله عما يصفون. أخرج البخاري في كتاب "أفعال العباد" عن حذيفة ﵁ مرفوعًا: [إن الله تعالى يصنع كل صانع وصنعته] (١).

стр. 3878

فالمعنى الأول يشمل بقية المعاني، فالله تعالى كتب في اللوح المحفوظ أفعال العباد كتابة علم لا جبر فيها، وفرغ من مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض. أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن عبادة بن الوليد بن عبادة قال: حدثني أبي، قال: [دخلت على عبادة وهو مريض أتخايل فيه الموت فقلت: يا أبتاه أوصني واجتهد لي. فقال: أجلسوني، فلما أجلسوه قال: يا بني إنك لم تطعم الإيمان ولم تبلغ حق حقيقة العلم بالله حتى تؤمن بالقدر خيره وشره. قلت: يا أبتاه! وكيف لي أن أعلم ما خير القدر وشره؟ قال: تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، يا بني إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن أول ما خلق الله القلم، ثم قال له: اكتب. فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة. يا بني إن مت ولست على ذلك دخلت النار] (١). وله طريق آخر في المسند عنه بلفظ: [دعاني أبي حين حضره الموت فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب. قال: يا رب وما أكتب؟ قال: اكتب القدر ما هو كائن إلى الأبد] (٢). وفي رواية: [اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة]. وفي لفظ: [اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة]. فقواعد الإيمان بالقدر عند المؤمنين - أهل الحديث - ثلاثة، وهي صفات الله الحسنى: (العلم، والحكمة، والعدل). وقد فصلتها بأدلتها في بحث أركان الإيمان بالقدر في كتابي: أصل الدين والإيمان - عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولله الحمد والمنة. وقوله تعالى: (﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾. قال ابن جرير ﵀: (ذُكر أنهم بنوا له بنيانًا يشبه التنور، ثم نقلوا إليه الحطب وأوقدوا عليه).

стр. 3879

أي إنهم تشاوروا في أمره لما غلبهم بحجته فقالوا: اصنعوا له بنيانًا تملؤونه حطبًا فتضرمونه ثم ألقوه في ذلك الجحيم. والجحيم في لغة العرب: جمر النار بعضه على بعض والنار على النار. قال النسفي: (﴿فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾: في النار الشديدة. وقيل كل نار بعضها فوق بعض فهي جحيم). وقال قتادة: (﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾. قال: فما ناظرهم بعد ذلك حتى أهلكهم. ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾: ذاهب بعمله وقلبه ونيته). وفي هذه الآية الكريمة تفاسير: التفسير الأول: أي مهاجر من بلد قومي ومولدي، ومن حيث يعصى الله ويشرك به إلى حيث يعبد الله وحده لا شريك له، فأتمكن من عبادته لا إله إلا هو. قال ابن جرير: (يقول: إني مهاجر من بلدة قومي إلى الله. أي إلى الأرض المقدسة ومفارقهم فمعتزلهم لعبادة الله). وقال مقاتل: (هو أول من هاجر من الخلق مع لوط وسارّة إلى الأرض المقدسة وهي أرض الشام). قال القرطبي: (هذه الآية أصل في الهجرة والعزلة. وأول من فعل ذلك إبراهيم ﵇، وذلك حين خلصه الله من النار. ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾. أي مهاجر من بلد قومي ومولدي، إلى حيث أتمكن من عبادة ربي فإنه ﴿سَيَهْدِينِ﴾ فيما نويت إلى الصواب). التفسير الثاني: أي ذاهب بعملي وقلبي ونيتي. قال قتادة: (﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، قال: ذاهب بعمله وقلبه ونيته). التفسير الثالث: قيل: قاله لمن هاجر معه من أهله ترغيبًا منه لهم. التفسير الرابع: قيل: قاله لمن فارقه من قومه توبيخًا منه لهم. التفسير الخامس: قيل: قال هذا قبل إلقائه في النار، أي ذاهب إلى ما قضاه على ربي، أو ذاهب إلى ربي، أي ميت لتصوره أنه سيموت بإلقائه في النار على المعهود من أمرها بإتلاف ما يلقى فيها. ويكون عندئذ قوله: ﴿سَيَهْدِينِ﴾ أي إلى الخلاص منها أو إلى الجَنَّة. قلت: والراجح من ذلك أنه اعتزلهم صلوات الله وسلامه عليه، وترك المكان الذي

стр. 3880

يعصون الله فيه، وهاجر منه بجسده وبنيَّته وقلبه - جمعًا بين التفاسير - كما قال تعالى في سورة مريم حين قال إبراهيم لأبيه وقومه: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٤٨، ٤٩]. فكأفاه الله سبحانه حين فاصلهم والتزم منهج الحق ولم يخالطهم في مجالس المعصية والاستهزاء بالله، أن جعل النبوة في ذريته فآنسه بعد وحشته وفي غربته، إذ آثر الغربة والحق على الالتقاء بهم والسكوت على باطلهم. فكان كرم الله عليه عظيمًا إذ أمَدّه بخير الأنس وأفضل الجلساء وهم الأنبياء جعلهم في ذريته وأحيا بهم ذكره ومواقف إيمانه. وجميل ما ذكر القاسمي ﵀ في التفسير حيث قال: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾ أي مهاجر إلى بلد أعبد فيه ربي، وأعصم فيه ديني. قال: قال الرازي: فيه دليل على أن الموضع الذي تكثر فيه الأعداء، تجب مهاجرته. وذلك لأن إبراهيم ﵇، مع ما خصّه تعالى به من أعظم أنواع النصرة، لما أحسن من قومه العداوة الشديدة، هاجر، فلأن يجب على غيره، بالأولى). قلت: وهذا من أروع الكلام والتفسير، وقد حفلت به نصوص القرآن والسنة: ١ - قال تعالى في سورة النساء: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)﴾ [النساء: ١٤٠]. فاعتبر سبحانه استمرار الجلوس ومتابعة القعود مع القوم وهم يستهزئون بالله وآياته ورسله ودينه وشرعه نفاقًا يحشر صاحبه معهم، ويصبح مثلهم. ٢ - قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨)﴾ [الأنعام: ٦٨]. ٣ - أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه - يعني لما وصلوا الحِجْر - ديار ثمود فيما بين المدينة والشام: [لا تدخلوا

стр. 3881

على هؤلاء المُعَذَّبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، لا يصيبكم ما أصابهم] (١). وفي رواية: [لما مرّ رسول الله ﷺ بالحجر قال: لا تدخلوا مساكِنَ الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين، ثم قَنَّعَ رسول الله ﷺ رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي]. ٤ - أخرج ابن حبان في صحيحه عن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : [ليأتين عليكم أمراء يقربون شرار الناس ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها، فمن أدرك ذلك منكم فلا يكونن عريفًا ولا شرطيًا ولا جابيًا ولا خازنًا] (٢). ٥ - وفي صحيح الإمام مسلم بشرح النووي عند حديث غزاة الكعبة الذين يهلكهم الله جميعًا. قال ﷺ : [فيهم المستبصر والمجبور وابن السبيل يهلكون مهلكًا واحدًا، ويصدرون مصادر شتى، يبعثهم الله على نياتهم] (٣). قال النووي: (وفيه من الفقه التباعد من أهل الظلم والتحذير من مجالستهم ومجالسة البغاة ونحوهم من المبطلين لئلا ينالهم ما يعاقبون به. ثم قال: وفيه أن مَنْ كَثرَ سواد قوم جرى عليهم حكمهم في ظاهر عقوبات الدنيا). ٦ - وروى عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب الزهد لأبيه عن مالك بن دينار قال: [أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل، أن قل لقومك: لا تدخلوا مداخل أعدائي، ولا تلبسوا ملابس أعدائي، ولا تركبوا مراكب أعدائي، ولا تطعموا مطاعم أعدائي، فتكونوا أعدائي كما هم أعدائي] (٤). ثم قال جل ثناؤه عن إبراهيم: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. فعن السدّي قال: (ولدًا صالحًا). وفي الكلام محذوف والتقدير: ربّ هب لي ولدًا صالحًا من الصالحين، فترك ذكره اجتزاء. وفي القرآن الكريم من هذا كثير، كقوله

стр. 3882

سبحانه: ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ [يوسف: ٢٠] أي زاهدين من الزاهدين. قال الحافظ ابن كثير: (﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: يعني أولادًا مطيعين يكونون عوضًا عن قومه وعشيرته الذين فارقهم). وقوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾. أي: بغلام يكون حليمًا في كبره يوصف بالحلم إذا هو كَبِر، وأما في الطفولة فلا يوصف عادة بذلك. وعن عكرمة: (﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ قال: هو إسحاق). وعن قتادة: (بُشر بإسحاق. قال: لم يُثْنَ بالحلم على أحد غير إسحاق وإبراهيم). ويبدو أن الراجح هو إسماعيل ﵇ (١) وهو أكبر من إسحاق، وهذا ما رجَّحه ابن كثير في التفسير. قال النسفي: (انطوت البشارة على ثلاث: على أن الولد غلام ذكر، وأنه يبلغ أوان الحلم لأن الصبي لا يوصف بالحلم، وأنه يكون حليمًا - وأي حلم أعظم من حلمه حين عرض عليه أبوه الذبح فقال: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾). وخلاصة القول: أنَّ الله سبحانه قد استجاب دعوة إبراهيم ﵊، فوهبه ولدًا صالحًا متسعَ الصدر حسنَ الصبر والإغضاء في كل أمر، موصوفًا بالحلم وهو رأس الصلاح وأصل الفضائل، والراجح أنه إسماعيل صلوات الله وسلامه عليه، وقد سبق له من الله الثناء العطر في سورة مريم حيث قال جل ثناؤه: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: ٥٤، ٥٥]. وقوله: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ فيه أكثر من تأويل: التأويل الأول: أي شبَّ حتى شابه أباه في السعي. قال مجاهد: (لما شَبَّ حتى أدرك سعيُه سَعْيَ إبراهيم في العمل). التأويل الثاني: (السعي: المشي). قال قتادة: (أي لما مشى مع أبيه). التأويل الثالث: (السعي: الاحتلام). فعن ابن عباس: (﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ قال: هو الاحتلام).

стр. 3883

التأويل الرابع: (السعي: سعي العبادة). فعن ابن زيد قال: (هو السعي في العبادة). وعن ابن عباس قال: (صام وصلى، ألم تسمع الله يقول: ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ [الإسراء: ١٩]). التأويل الخامس: (السعي: سعي العقل). قال الحسن: (هو سعي العقل الذي تقوم به الحجة). قلت: وجمعًا بين التفاسير المتشابهة يكون المعنى: أنَّه لما ترعرع الغلام ووصف بالعقل والحلم وحسن العبادة، وفهم واقع الحياة والعمل، وشابه أباه إبراهيم ﵇ في السعي والحركة رأى إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه في منامه أنه يؤمر بذبحه فاستشاره قائلًا: ﴿قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾. وذلك ليعلم ما عنده من العزم والصدق لا ليخيّره في أمر الله إذ رؤيا الأنبياء حق. قال قتادة: (رؤيا الأنبياء حق إذا رأوا في المنام شيئًا فعلوه). وقال عبيد بن عمير؟ (رؤيا الأنبياء وحي ثم تلا هذه الآية: ﴿أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾). قال ابن كثير: (أعلم ابنه ليكون أهون عليه وليختبر صبره وجلده وعزمه في صغره على طاعة الله وطاعة أبيه. قال: امض يا أبت لما أمرك الله من ذبحي، سأصبر وأحتسب عند الله وصدق فيما وعد). قال مقاتل: (رأى ذلك إبراهيم ﵇ ثلاث ليال متتابعات). قيل: رأى إبراهيم ﵇ في ليلة التروية كأن قائلًا يقول: إن الله يأمرك بذبح ابنك. فلما أصبح روَّى في نفسه أي فَكَّرَ أهذا الحلم من الله أم من الشيطان؟ فسمّي يوم التروية. فلما كانت الليلة الثانية رأى ذلك أيضًا فلما أصبح عرف أن ذلك من الله فسمي يوم عرفة. ثم رأى مثله في الليلة الثالثة فَهَمَّ بنحره فسمي يوم النّحر. والخلاصة: لقد رأى إبراهيم ﵇ في منامه الأمر له بذبح ابنه، وعلم أنه لا بد أن يمتثل الأمر، فإن رؤيا الأنبياء حق. قال محمد بن كعب: (كانت الرسل يأتيهم الوحي من الله تعالى أيقاظًا ورقودًا، فإن الأنبياء لا تنام قلوبهم).

стр. 3884

وفي صحيح البخاري من حديث أنس - في الإسراء -: [والنبي ﷺ نائمة عيناه ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم] (١). وله شاهد عن ابن سعد في الطبقات من حديث عطاء مرسلًا بلفظ: [إنا مَعْشَرَ الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا] (٢). ولقد قرأ عامة قراء المدينة والبصرة: ﴿مَاذَا تَرَى﴾ بفتح التاء: أيْ أيُّ شيء تأمر، أو ماذا ترى من الرأي. في حين قرأ ذلك الكوفيون بالضم: "ماذا تُرى" أي ماذا تشير وماذا تُرى من صبرك أو جزعك من الذبح؟ ولم يقل له ذلك على وجه المؤامرة في أمر الله وإنما شاوره ليعلم صبره لأمر الله أو لتقرّ عينه إذا رأى من ابنه طاعة في أمر الله. وإلا فهو ماض في كل الأحوال لأمر الله، ولكن الغلام تألق في جوابه وإيمانه: ﴿يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾. ولقد كثر التأويل في أمر الذبح، فمنهم من قال: ذبحه وقال الله أكبر، فقال الذبيح: لا إله إلا الله. ومنهم من قال: انقلبت السكين، ومنهم من قال: كلما قطع جزء التأم، أو قال وجد حلقه نحاسًا. وكل ذلك لا دليل عليه. قال القرطبي: (وهذا كله جائز في القدرة الإلهية، لكنه يفتقر إلى نقل صحيح، فإنه أمر لا يدرك بالنظر وإنما طريقه الخبر). ثم قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾. وفيه تفاسير: التفسير الأول: أي أسلما وانقادا لأمر الله. وقرأها ابن مسعود: "فلما سَلَّما" أي فوّضا أمرهما إلى الله. قال ابن عباس: (استسلما). وقال السدي: (أسلما لأمر الله). التفسير الثاني: أي أسلم أحدهما نفسه لله وأسلم الآخر ابنه. قال عكرمة: (أسلما جميعًا لأمر الله ورضي الغلام بالذبح ورضي الأب بأن يذبحه. فقال: يا أبت اقذفني للوجه كيلا تنظر إليّ فترحمني، وأنظر أنا إلى الشفرة فأجزع ولكن أدخل الشفرة من تحتي وامض لأمر الله، فذلك قوله: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾. فلما فعل ذلك: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾). وقال قتادة: (أسلم هذا نفسه لله وأسلم هذا ابنه لله). وقال ابن إسحاق: (أي سلم إبراهيم لذبحه حين أمر به، وسلم ابنه للصبر عليه حين عرف أن الله أمره بذلك فيه). وقال ابن

стр. 3885

كثير: (أي استسلما وانقادا، إبراهيم امتثل أمر الله، وإسماعيل امتثل طاعة الله وأبيه). وكلا المعنيين يحتمله البيَان الإلهي، فالتأويل بأحدهما سالك قائم. وقوله: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ فيه معان متشابهة، منها: المعنى الأول: صرعه على وجهه ليذبحه من قفاه ولا يشاهد وجهه عند ذبحه. قال مجاهد: (وضع وجهه للأرض. قال لا تذبحني وأنت تنظر إلى وجهي عسى أن ترحمني ولا تجهز على، اربط يديّ إلى رقبتي ثم ضع وجهي على الأرض). وقال الجوهري: (أي صرعه كما تقول كبّه لوجهه). وأصل التّل في كلام العرب: الدفع والصرع. قال ابن عباس: (معناه كبَّه على وجهه). قال ابن جرير: (﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾، يقول: وصرعه للجبين، والجبينان ما عن يمين الجبهة وعن شمالها، وللوجه جبينان والجبهة بينهما). المعنى الثاني: أي صرعه وحوّل وجهه إلى القبلة. فعن قتادة: (﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ قال: كبّه وحوّل وجهه إلى القبلة). وخلاصة القول: أنَّ إبراهيم وإسماعيل انقادا لأمر الله، فانقاد إبراهيم ليمتثل الوحي، وانقاد إسماعيل لطاعة الله وطاعة أبيه صابرًا محتسبًا، فكبه إلى الأرض ووجهه إلى القبلة وأراد مباشرة الأمر: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾. رُوي أن الشيطان عرض لإبراهيم عند جمرة العقبة ليفتنه عن الأمر فرماه بسبع حُصيات حتى ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الوسطى فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الأخرى فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم مضى إبراهيم لأمر الله. رُوي ذلك عن ابن عباس. فلما أخذ إبراهيم ﵊ الشفرة ليمتثل أمر الله فداه الله سبحانه. قال ابن عباس: (التفت فإذا كبش فأخذه فذبحه). وقال مجاهد: (ذُبح بِمِنى في المَنْحَر). وقيل: (ذبح بالمقام). فصدق إبراهيم الرؤيا وامتثل أمر الله فجعل له من أمره فرجًا ومخرجًا، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٢، ٣].

стр. 3886

وقوله: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾. أي نجزيهم بالخلاص من الكرب والشدائد والمصائب في الدنيا والآخرة. ثم أصل البلاء: الاختبار. ويكون في الخير والشر. فبقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾. قال ابن زيد: (وهذا من البلاء المكروه). أي الأمر بذبح الولد، فكان بلاء فيه شدة ومحنة عظيمة. وقوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾. أصل الفدية الجزاء، والذبح اسم المذبوح. وذكر ابن جرير عن اليهودي الذي أسلم من علماء يهود فسأله عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد: أيُّ ابْنَيْ إبراهيم أُمِرَ بذبحه؟ فقال: (إسماعيل، والله يا أمير المؤمنين، وإن يهود لتعلم بذلك ولكنهم يحسدونكم معشر العرب على أن يكون أباكم الذي كان من أمر الله فيه والفضل الذي ذكره الله منه لصبره لما أمر به، فهم يجحدون ذلك ويزعمون أنه إسحاق لأن إسحاق أبوهم). قلت: ويؤيد هذا قوله سبحانه في الآية بعدها: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾. أي إن الكلام الأول كان عن إسماعيل ثم جاء ذكر إسحاق. ففداه الله سبحانه بذبح عظيم. قال مجاهد: (الذبح العظيم: شاة، وقال العظيم: المتقبل). وفي قوله ﴿عَظِيمٍ﴾ تفاسير: التفسير الأول: لأنه كان رعى في الجَنَّة. فعن ابن عباس: (رعى في الجَنَّة أربعين خريفًا). وفي رواية قال: (خرج عليه كبش من الجَنَّة، وقد رعى قبل ذلك أربعين خريفًا). التفسير الثاني: عظيم القدر. قال النحاس: (عظيم في اللغة يكون للكبير والشريف). وقال القرطبي: (أي عظيم القدر ولم يرد عظيم الجثة، وإنما عظم قدره لأنه فُدي به الذبيح أو لأنه متقبل، قال: وأهل التفسير على أنه هاهنا للشريف أو المتقبل). التفسير الثالث: عظيم أي عظيم الأجر متقبل عند الله. فعن مجاهد: (العظيم: النفيس). التفسير الرابع: قيل عظيم لأنه ذِبْحٌ ذُبِحَ بالحق وذلك ذبحه بدين إبراهيم.

стр. 3887

قال الحسن: (ما يقول الله ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ لذبيحته التي ذبح فقط، ولكنه الذَّبح على دينه، فتلك السنة إلى يوم القيامة، فاعلموا أن الذبيحة تدفع ميتة السوء فضحّوا عباد الله). وخلاصة القول: أنَّ الله سبحانه قد أدخل السرور على قلب آل إبراهيم لما أخلص الخلة والمحبة لله، وأخلص اله الطاعة لله جل ثناؤه، ففداه بذبح هو كبش عظيم القدر عند الله، عظيم أجر ذبحه والتقرب إلى الله به، سنة الله في أمر أبوها إبراهيم إلى يوم القيامة. أخرج الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه، من طريق عثمان بن طلحة ﵁، أن النبي ﷺ دعاه بعد دخوله الكعبة فقال له: [إني كنت رأيت قرني الكبش حين دخلت البيت، فنسيت أن آمرك أن تُخَمِّرهما فَخَمِّرْهما، فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيءٌ يلهي المصلي. وفي رواية: يُشغل المصلي] (١). قال سفيان: (لم يزل قرنا الكبش معلقين في البيت حتى احترق البيت فاحترقا). فشرع الأضحية إحياء لذكرى هذا الموقف من إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما الصلاة والسلام، ذكرى التوحيد والصدق والأمانة إلى يوم القيامة. والأضحية واجبة على الموسر، ذهب إلى ذلك أبو حنيفة ﵀، وبعض المالكية والليث والأوزاعي وربيعة الرأي. والحجّة عندهم ما رواه الإمام أحمد في المسند بسند حسن عن أبي هريرة مرفوعًا: [من كان له سعة ولم يضحّ فلا يقربن مصلانا] (٢). ووجه الدلالة: أنَّه لما نهى من كان ذا سعة عن قربان المصلى إذا لم يضحّ دلّ هذا على أنه قد ترك واجبًا، فكأنه لا فائدة من التقرب مع ترك هذا الواجب. وفيه إشارة خفية إلى وجوب صلاة العيد في المصلى. كيف لا وإن هذا مؤيد بحديث أم عطية - في الصحيحين عنها - قالت: [أُمرنا أن نخرجَ العواتِقَ والحُيَّضَ في العيدين يشهدن الخير ودعوة المسلمين ويعتزل الحيض المصلى] (٣).

стр. 3888

وفي رواية: [قالت امرأة يا رسول الله إحدانا ليس لها جلباب! قال: لتلبسها صاحبتها من جلبابها]. فلما أمر بالخروج دلّ ذلك على أن الأمر بالصلاة من باب أولى. وأما دليل الوجوب الثاني: فهو أنه إن اجتمعت مع يوم الجمعة في يوم واحد سقطت الجمعة عمن صلى العيد، وصلاة الجمعة فرض باتفاق الفقهاء، ولا يسقط الفرض إلا فرض مثله. فدل ذلك على أن صلاة العيد واجبة. فقد روى أبو داود بسند صحيح عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: [قد اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء أجزأه من الجمعة، وإنا مجمعون] (١). ثم روى أيضًا بإسناد صحيح عن إياس بن أبي رملة الشامي قال: [شهدت معاوية بن أبي سفيان وهو يسأل زيد بن أرقم. قال: أشهدت مع رسول الله ﷺ عيدين اجتمعا في يوم؟ قال: نعم، قال: فكيف صنع؟ قال: صلى العيد ثم رخص في الجمعة، فقال: من شاء أن يصليَ فليصل] (٢). وجملة القول: أن عيد الأضحى سمّي كذلك من الأُضْحِيَّة. ويقال أيضًا في لغة العرب: إِضْحِيّة، والجمع أضاحي. قال الفراء: (الأضحى يذكر ويؤنث، فمن ذكر ذهب إلى اليوم). وسنن الذبح كما وردت عن النبي ﷺ فهي: ١ - الذبح يبدأ بعد صلاة العيد، حتى آخر أيام التشريق. ففي الصحيحين عن جندب بن عبد الله البجلي قال: [شهدت النبي ﷺ يوم النحر قال: من ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى، ومن لم يذبح فليذبح] (٣). وعن علي ﵁ قال: [أيام النحر: يوم الأضحى وثلاثة أيام بعده]. وفي

стр. 3889

الحديث: [كل أيام التشريق ذبح] (١). وهو مذهب الشافعي ﵀، والأوزاعي والحسن البصري ﵏ أجمعين. ٢ - يستحب الجَذَع في الأضحية. فقد أخرج الإمام أحمد في المسند عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [نعمت الأضحية الجَذَعُ من الضأن] (٢). والجذع: عند الحنفية والحنابلة هو ما أتم ستة أشهر. وفي صحيح مسلم عن أنس قال: [ضحى ﷺ النبي بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمّى وكبَّرَ ووضع رجله على صِفاحِهما] (٣). وفي رواية: [قال: ويقول: باسم الله والله أكبر). ٣ - أن يذبح بيده ويكبر. فقد كان ذلك من هديه ﵊. يروي أبو داود بسند جيد عن جابر: [أنه شهد مع النبي ﷺ الأضحى بالمصلى، فلما قضى خُطْبَتَه نزل من منبره وأُتيَ بكبشِ فذبحه بيده وقال: باسم الله والله أكبر، هذا عني وعمن لم يضح من أمتي] (٤). فيذبح المضحي ويقول: باسم الله والله أكبر، اللهم هذا عن فلان، ويسمي اسمه أو اسم من يذبح لأجله. ٤ - من السنة أن تُحَدَّ شفرة الذبح وتخفى عن الشاة، وتبعد الشياه لئلا ترى مصرع بعضها. ففي صحيح مسلم عن شداد بن أوس قال: [ثنتان حفظتهما عن رسول الله ﷺ قال:

стр. 3890

إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحَ، وليُحِدَّ أحدكم شفرته وليرح ذبيحته] (١). ٥ - يجوز أن يشترك في البقرة سبعة وفي البعير عشرة. ففي صحيح مسلم عن جابر، أن النبي ﷺ قال: [البقرة عن سبعة، والجزور عن سبعة]. قال ابن عباس: [كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فحضر الأضحى، فاشتركنا في البقرة سبعة، وفي البعير عشرة] رواه الترمذي وسنده صحيح (٢). ٦ - إباحة التصرف بها، فله توزيعها ثلاثة أثلاث: ثلث لأهله وأصحابه، وثلث يتصدق به، وثلث يدخره ويوفره. وله غير ذلك مما يرى فيه المصلحة. فقد روى مسلم عن نبيشة قال: قال رسول الله ﷺ : [إني كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث كيما تَسَعَكم، فقد جاء الله بالخير، فكلوا وتصدقوا وادخروا، إن هذه الأيام أيام أكل وشرب وذكر الله] (٣). ٧ - يُتَّقى من الضحايا المريضة كالعوراء والعرجاء والعجفاء. فقد روى مالك عن البراء بن عازب، أن رسول الله ﷺ سئل، ماذا يُتَّقى من الضحايا؟ فأشار بيده وقال: أربعًا - وكان البراء يشير بيده ويقول يدي أقصر من يد رسول الله ﷺ [العرجاء البَيِّنُ ظَلَعُها، والعوراء البَيِّن عَوَرُها، والمريضة البَيِّنُ مرضها، والعجفاء التي لا تُنْقى (٤)] (٥). وقوله: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ فيه تفاسير: التفسير الأول: أي تركنا له الثناء الحسن في الأرض. كما قال قتادة: (أبقى الله عليه
следующие страницы →