وقوله: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾. أي نجزيهم بالخلاص من الكرب والشدائد والمصائب في الدنيا والآخرة. ثم أصل البلاء: الاختبار. ويكون في الخير والشر. فبقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾. قال ابن زيد: (وهذا من البلاء المكروه). أي الأمر بذبح الولد، فكان بلاء فيه شدة ومحنة عظيمة.
وقوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾.
أصل الفدية الجزاء، والذبح اسم المذبوح. وذكر ابن جرير عن اليهودي الذي أسلم من علماء يهود فسأله عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد: أيُّ ابْنَيْ إبراهيم أُمِرَ بذبحه؟ فقال: (إسماعيل، والله يا أمير المؤمنين، وإن يهود لتعلم بذلك ولكنهم يحسدونكم معشر العرب على أن يكون أباكم الذي كان من أمر الله فيه والفضل الذي ذكره الله منه لصبره لما أمر به، فهم يجحدون ذلك ويزعمون أنه إسحاق لأن إسحاق أبوهم).
قلت: ويؤيد هذا قوله سبحانه في الآية بعدها: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾.
أي إن الكلام الأول كان عن إسماعيل ثم جاء ذكر إسحاق.
ففداه الله سبحانه بذبح عظيم. قال مجاهد: (الذبح العظيم: شاة، وقال العظيم: المتقبل). وفي قوله ﴿عَظِيمٍ﴾ تفاسير:
التفسير الأول: لأنه كان رعى في الجَنَّة. فعن ابن عباس: (رعى في الجَنَّة أربعين خريفًا).
وفي رواية قال: (خرج عليه كبش من الجَنَّة، وقد رعى قبل ذلك أربعين خريفًا).
التفسير الثاني: عظيم القدر. قال النحاس: (عظيم في اللغة يكون للكبير والشريف).
وقال القرطبي: (أي عظيم القدر ولم يرد عظيم الجثة، وإنما عظم قدره لأنه فُدي به الذبيح أو لأنه متقبل، قال: وأهل التفسير على أنه هاهنا للشريف أو المتقبل).
التفسير الثالث: عظيم أي عظيم الأجر متقبل عند الله. فعن مجاهد: (العظيم: النفيس).
التفسير الرابع: قيل عظيم لأنه ذِبْحٌ ذُبِحَ بالحق وذلك ذبحه بدين إبراهيم.
стр. 3887
قال الحسن: (ما يقول الله ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ لذبيحته التي ذبح فقط، ولكنه الذَّبح على دينه، فتلك السنة إلى يوم القيامة، فاعلموا أن الذبيحة تدفع ميتة السوء فضحّوا عباد الله).
وخلاصة القول: أنَّ الله سبحانه قد أدخل السرور على قلب آل إبراهيم لما أخلص الخلة والمحبة لله، وأخلص اله الطاعة لله جل ثناؤه، ففداه بذبح هو كبش عظيم القدر عند الله، عظيم أجر ذبحه والتقرب إلى الله به، سنة الله في أمر أبوها إبراهيم إلى يوم القيامة.
أخرج الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه، من طريق عثمان بن طلحة ﵁، أن النبي ﷺ دعاه بعد دخوله الكعبة فقال له: [إني كنت رأيت قرني الكبش حين دخلت البيت، فنسيت أن آمرك أن تُخَمِّرهما فَخَمِّرْهما، فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيءٌ يلهي المصلي. وفي رواية: يُشغل المصلي] (١).
قال سفيان: (لم يزل قرنا الكبش معلقين في البيت حتى احترق البيت فاحترقا).
فشرع الأضحية إحياء لذكرى هذا الموقف من إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما الصلاة والسلام، ذكرى التوحيد والصدق والأمانة إلى يوم القيامة.
والأضحية واجبة على الموسر، ذهب إلى ذلك أبو حنيفة ﵀، وبعض المالكية والليث والأوزاعي وربيعة الرأي.
والحجّة عندهم ما رواه الإمام أحمد في المسند بسند حسن عن أبي هريرة مرفوعًا: [من كان له سعة ولم يضحّ فلا يقربن مصلانا] (٢).
ووجه الدلالة: أنَّه لما نهى من كان ذا سعة عن قربان المصلى إذا لم يضحّ دلّ هذا على أنه قد ترك واجبًا، فكأنه لا فائدة من التقرب مع ترك هذا الواجب. وفيه إشارة خفية إلى وجوب صلاة العيد في المصلى. كيف لا وإن هذا مؤيد بحديث أم عطية - في الصحيحين عنها - قالت: [أُمرنا أن نخرجَ العواتِقَ والحُيَّضَ في العيدين يشهدن الخير ودعوة المسلمين ويعتزل الحيض المصلى] (٣).
стр. 3888
وفي رواية: [قالت امرأة يا رسول الله إحدانا ليس لها جلباب! قال: لتلبسها صاحبتها من جلبابها].
فلما أمر بالخروج دلّ ذلك على أن الأمر بالصلاة من باب أولى.
وأما دليل الوجوب الثاني: فهو أنه إن اجتمعت مع يوم الجمعة في يوم واحد سقطت الجمعة عمن صلى العيد، وصلاة الجمعة فرض باتفاق الفقهاء، ولا يسقط الفرض إلا فرض مثله. فدل ذلك على أن صلاة العيد واجبة.
فقد روى أبو داود بسند صحيح عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: [قد اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء أجزأه من الجمعة، وإنا مجمعون] (١).
ثم روى أيضًا بإسناد صحيح عن إياس بن أبي رملة الشامي قال: [شهدت معاوية بن أبي سفيان وهو يسأل زيد بن أرقم. قال: أشهدت مع رسول الله ﷺ عيدين اجتمعا في يوم؟ قال: نعم، قال: فكيف صنع؟ قال: صلى العيد ثم رخص في الجمعة، فقال: من شاء أن يصليَ فليصل] (٢).
وجملة القول: أن عيد الأضحى سمّي كذلك من الأُضْحِيَّة. ويقال أيضًا في لغة العرب: إِضْحِيّة، والجمع أضاحي. قال الفراء: (الأضحى يذكر ويؤنث، فمن ذكر ذهب إلى اليوم).
وسنن الذبح كما وردت عن النبي ﷺ فهي:
١ - الذبح يبدأ بعد صلاة العيد، حتى آخر أيام التشريق.
ففي الصحيحين عن جندب بن عبد الله البجلي قال: [شهدت النبي ﷺ يوم النحر قال: من ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى، ومن لم يذبح فليذبح] (٣).
وعن علي ﵁ قال: [أيام النحر: يوم الأضحى وثلاثة أيام بعده]. وفي
стр. 3889
الحديث: [كل أيام التشريق ذبح] (١). وهو مذهب الشافعي ﵀، والأوزاعي والحسن البصري ﵏ أجمعين.
٢ - يستحب الجَذَع في الأضحية.
فقد أخرج الإمام أحمد في المسند عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [نعمت الأضحية الجَذَعُ من الضأن] (٢).
والجذع: عند الحنفية والحنابلة هو ما أتم ستة أشهر.
وفي صحيح مسلم عن أنس قال: [ضحى ﷺ النبي بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمّى وكبَّرَ ووضع رجله على صِفاحِهما] (٣). وفي رواية: [قال: ويقول: باسم الله والله أكبر).
٣ - أن يذبح بيده ويكبر.
فقد كان ذلك من هديه ﵊.
يروي أبو داود بسند جيد عن جابر: [أنه شهد مع النبي ﷺ الأضحى بالمصلى، فلما قضى خُطْبَتَه نزل من منبره وأُتيَ بكبشِ فذبحه بيده وقال: باسم الله والله أكبر، هذا عني وعمن لم يضح من أمتي] (٤).
فيذبح المضحي ويقول: باسم الله والله أكبر، اللهم هذا عن فلان، ويسمي اسمه أو اسم من يذبح لأجله.
٤ - من السنة أن تُحَدَّ شفرة الذبح وتخفى عن الشاة، وتبعد الشياه لئلا ترى مصرع بعضها.
ففي صحيح مسلم عن شداد بن أوس قال: [ثنتان حفظتهما عن رسول الله ﷺ قال:
стр. 3890
إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحَ، وليُحِدَّ أحدكم شفرته وليرح ذبيحته] (١).
٥ - يجوز أن يشترك في البقرة سبعة وفي البعير عشرة.
ففي صحيح مسلم عن جابر، أن النبي ﷺ قال: [البقرة عن سبعة، والجزور عن سبعة].
قال ابن عباس: [كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فحضر الأضحى، فاشتركنا في البقرة سبعة، وفي البعير عشرة] رواه الترمذي وسنده صحيح (٢).
٦ - إباحة التصرف بها، فله توزيعها ثلاثة أثلاث: ثلث لأهله وأصحابه، وثلث يتصدق به، وثلث يدخره ويوفره. وله غير ذلك مما يرى فيه المصلحة.
فقد روى مسلم عن نبيشة قال: قال رسول الله ﷺ : [إني كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث كيما تَسَعَكم، فقد جاء الله بالخير، فكلوا وتصدقوا وادخروا، إن هذه الأيام أيام أكل وشرب وذكر الله] (٣).
٧ - يُتَّقى من الضحايا المريضة كالعوراء والعرجاء والعجفاء.
فقد روى مالك عن البراء بن عازب، أن رسول الله ﷺ سئل، ماذا يُتَّقى من الضحايا؟ فأشار بيده وقال: أربعًا - وكان البراء يشير بيده ويقول يدي أقصر من يد رسول الله ﷺ [العرجاء البَيِّنُ ظَلَعُها، والعوراء البَيِّن عَوَرُها، والمريضة البَيِّنُ مرضها، والعجفاء التي لا تُنْقى (٤)] (٥).
وقوله: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ فيه تفاسير:
التفسير الأول: أي تركنا له الثناء الحسن في الأرض. كما قال قتادة: (أبقى الله عليه
стр. 3891
الثناء الحسن في الآخرين). قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: أمَنَةٌ من الله في الأرض لإبراهيم أن لا يذكر من بعده إلا بالجميل من الذكر).
وقال القرطبي: (﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ أي على إبراهيم ثناء جميلًا في الأمم بعده، فما من أمة إلا تصلي عليه وتحبه).
التفسير الثاني: أي تركنا عليه أن يقال: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾.
قال عكرمه: (هو السلام على إبراهيم أي سلامًا منا).
التفسير الثالث: قيل هو دعاء إبراهيم ﵇: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾.
التفسير الرابع: قيل بل هو سلامة له من آلافات، مثل: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾.
وجملة القول: أنَّ الله سبحانه قد أحيا في الأرض ذكر إبراهيم في قلوب الأمم عامة، والمؤمنين خاصة، فلا يناله أحد بسوء إحياة من الله لذكرى الصدق في الإيمان والإخلاص في اليقين والدفاع عن الحق وحراسته في الأرض، فصلوات الله وسلامه على إمام التوحيد إبراهيم، وعلى جميع المرسلين، وعلى نبينا محمد خاتم الأنبياء والرسل أجمعين.
وقوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾.
فلقد استحق إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه - بحسن القيام لله وتعظيم أمره ووحيه ونبذ الأوثان وكسر الأصنام واحتقار كل ما يعبد من دون الله - حسن الثناء من الله جزاء إحسانه في مراقبة الله سبحانه وتعظيم شعائره. ثم استحق الإضافة إلى جميع المؤمنين الذين أعطوا العبودية لله حقها فاستحقوا الإضافة إلى الله تعالى.
وقوله تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
قال قتادة: (بشر به بعد ذلك نبيًا، بعدما كان هذا من أمره لما جاد لله بنفسه). وقال ابن عباس: (بشر بنبوّته).
والسياق يدل أن الذبيح إسماعيل، فلما فداه الله وأدخل على إبراهيم وأهله السرور بذلك، زاده الله بشارة وسرورًا، أن بشره بنبوة أخرى في ذريته، وهي نبوة إسحاق وكان من الصالحين. وكان ذلك بعد قصة الذبح حيث عاد إبراهيم إلى بلاد كنعان فأتت البشرى من الملائكة.
стр. 3892
قال ابن جرير: (وبشرنا إبراهيم بإسحاق نبيًا شكرًا له على إحسانه وطاعته).
وكذلك بشروا سارة فضحكت وصكت وجهها، ولم يُعلم أن سارة أتت إلى الحجاز، مما يدل أن البشارة بإسحاق كانت ببلاد كنعان، وأن البشارة بولادته ونبوته بعد قصة الذبح - كما يدل السياق - والله تعالى أعلم.
ثم قال سبحانه: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾ وفيه أكثر من تأويل:
التأويل الأول: أي كثرنا ولدهما فباركنا على إبراهيم وعلى أولاده، وعلى إسحاق إذ أخرج الله كل أنبياء بني إسرائيل من صلبه.
التأويل الثاني: أي ثنينا عليهما النعمة.
التأويل الثالث: جعلنا البركة في الذرية والكثرة.
وكلها تفاسير متقاربة مفادها أن العناية الإلهية أحاطت بذرية إبراهيم، وأن النبوة مضت في أولاده - صلوات الله وسلامه عليهم -.
وقوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾. فالمحسن يزداد شرفًا إلى شرف، ونورًا على نور، والمسيء لا تنفعه بنوة النبوة، قال السدي: (المحسن: المطيع لله، والظالم لنفسه: العاصي لله). قال القرطبي: (فاليهود والنصارى وإِن كانوا من ولد إسحاق، والعرب وإن كانوا من ولد إسماعيل، فلا بد من الفرق بين المحسن والمسيء والمؤمن والكافر. وفي التنزيل: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ الآية، أي أبناء رسل الله فرأوا لأنفسهم فضلًا).
١١٤ - ١٤٨. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١١٤) وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥) وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (١١٦) وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ (١١٩) سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٢٢) وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ
стр. 3893
لَمُحْضَرُونَ (١٢٧) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٢٨) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩) سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٣٢) وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٣٥) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٣٦) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨) وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (١٤٨)﴾.
في هذه الآياتِ: يذكر سبحانه ما منَّ على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إخوة إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، بعد أن ذكر قصة إنجاء إسماعيل من الذبح والفداء، ليصل النسب بعضه ببعض، نسب المنهج ونسب النبوة وصلة الحق. فذكر سبحانه تفضله على موسى وهارون ابني عمران أن جعلهما نبيَّيْن، ونجَّاهما ومن آمن معهما من المصيبة التي لحقت بفرعون وآله، مصيبة الهلاك وغمّ الغرق والدمار، ثم أكرمهما بالتوراة فيه هدى ونور، كلام الله العظيم، يهدي به سبحانه إلى صراطه المستقيم، وقد رضي الله عن إيمان موسى وهارون فأضافهما إلى جماعة عباده المؤمنين. ثم ذكر سبحانه قصة نبيِّه إلياس وكان من المرسلين، إذ أنكر على قومه الشرك في العبادة إذ يدعون صنمًا - يقال له - "بعلًا" من دون الله العظيم. الذي خلقهم وهو ربهم ورب آبائهم الماضين. فاستهزؤوا فهم في جهنم سيحضرون. لقد كان إلياس من عباد الله المؤمنين، كما كان لوط من المرسلين، إذ أنكر الفواحش في قومه المجرمين، فاستهزؤوا فنجاه الله والمؤمنين، ثم دمَّر القوم المسرفين، فجعل القرية عاليها سافلها وأمطرهم حجارة فتأملوا عاقبتهم وما لحق بهم إذا مررتم عليهم مصبحين أو ممسين، في طريق تجارتكم من المدينة إلى الشام أفلا تعقلون.
وأما يونس صلوات الله عليه وعلى من سبقه من المرسلين، فقد سارع إلى الفلك المشحون - أمتعة - هربًا من قومه المستكبرين المماطلين، لكن القرعة قد وقعت عليه حين هاج البحر فأقرعوا من يلقي نفسه ليخف الحمل من الراكبين، فألقى يونس بنفسه
стр. 3894
فالتقمه الحوت في الماء وعلم أنه قد عاجل قومه فسارع إلى استدراك الأمر فلزم الاستغفار والاعتراف لله بالمن والفضل وكان من المسبّحين، فنجاه الله بتسبيحه ورحمته إنه هو الرحمان الرحيم، وأخرجه إلى أرض لا نبت فيها وهو مريض سقيم، فأنبت عليه شجرة من يقطين، أظلته وأكل من ورقها وقد كان إدئه أرسله إلى مئة ألف أو يزيدون، فآمنوا فمتعهم الله إلى وقت آجالهم ومنتهى أعمارهم. فإلى تفصيل ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١١٤) وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾. وفي الكرب العظيم تأويلان:
التأويل الأول: من الكرب العظيم وهو الرق الذي لحق ببني إسرائيل.
قال قتادة: (﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ قال: من آل فرعون).
التأويل الثاني: من الكرب العظيم وهو الغرق الذي أهلك الله به فرعون وقومه.
قال السدي: (﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ من الغرق).
وجمعًا بين القولين: قال ابن جرير ﵀: (ولقد تفضلنا على موسى وهارون ابني عمران فجعلناهما نبيَّين ونجَّيناهما وقومهما من الغمِّ والمكروه العظيم الذي كانوا فيه من عُبودة آل فرعون، ومما أهلكنا به فرعون وقومه من الغرق).
ثم قال سبحانه: ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾. فأخرجه مخرج الجمع مع أن المراد موسى وهارون في قوله: (﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا﴾ أن المقصود بقوله: ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾ أي هم وأتباعهم من المؤمنين. ثم إن العرب تذهب أحيانًا بالأمير والرئيس والنبي إلى الجمع بأتباعه وحاشيته وجنوده إذا كان المقصود ذلك، وبالإفراد إذا كان المقصود نفسه، وفي القرآن ما يشبه هذا كقوله جل ثناؤه: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ [يونس: ٨٣].
فقال: ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ﴾ وقال في موضع آخر: ﴿وَمَلَإئْهِ﴾. فكلا المعنيين قائم والله تعالى أعلم.
وقوله: ﴿وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ﴾. قال قتادة: (التوراة ويعني بالمستبين: المتبين هدى ما فيه وتفصيله وأحكامه). واستبان في لغة العرب بمعنى تبيّن الأمر حتى صار بَيِّنًا مستبينًا.
وقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. أي طريق النجاة في الدنيا والآخرة وهو
стр. 3895
تعظيم أمر الله ومنهاجه ودينه الذي لا اعوجاج فيه وهو الإسلام.
فعن قتادة: ﴿وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ قال: الإسلام).
وقوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ (١١٩) سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾.
أي أبقينا الثناء الجميل والذكر العطر على موسى وهارون بين الأنام إلى يوم القيامة، جزاء الإحسان وتعظيم حرمات الله والتزام مقام الإيمان، فكان لهما شرفًا، عليهما الصلاة والسلام، الإضافةُ لهما من الله إلى من ارتضى من عباده المؤمنين المقربين، جماعة الحق المبين، وليبقى يقال بين الأنام، سلام على موسى وهارون.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ فيه تفاسير:
التفسير الأول: أنَّه إدريس ﵇. فعن قتادة: (كان يقال: إلياس هو إدريس).
وروي عن ابن مسعود قوله: (إسرائيل هو يعقوب، وإلياس هو إدريس).
التفسير الثاني: إلياس نَبيٌّ من بني إسرائيل. قال ابن إسحاق: (وهو إلياس بن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران).
التفسير الثالث: قيل هو عم اليسع وقيل هو ابن عم اليسع. قال ابن عباس: (هو عمّ اليسع).
التفسير الرابع: نبي أرسل لأهل مدينة بعلبك غربي دمشق. اختاره الحافظ ابن كثير.
التفسير الخامس: هو إلياس بن ياسين من ولد هارون أخي موسى. ذكره النسفي في التفسير.
التفسير السادس: هو من أنبياء بني إسرائيل من بعد زمن سليمان. بعثه الله لما انتشرت الوثنية بمساعدة ملوك بني إسرائيل، وبنوا لها المذابح وعبدوها من دون الله، وتركوا التحاكم إلى التوراة. فقام إلياس ﵇ يوبخهم على ضلالهم، ويدعوهم إلى توحيد الله سبحانه ويسمى في التوراة "إيليا" وله نبأ فيها كبير. ذكره القاسمي في التفسير.
قلت: وخلاصة القول - أنه نبي من أنبياء بني إسرائيل بعثه الله ليهدي به من ضل عن الطريق واتبع سبل الشياطين وعبد الأوثان وتحاكم إلى الأهواء وعظَّم الشهوات،
стр. 3896
فصلوات الله وسلامه على إلياس وعلى المرسلين، وعلى إمامهم محمد ﷺ الرسول الأمين.
وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾. وفي قوله: ﴿بَعْلًا﴾ تفاسير:
التفسير الأول: بَعْلٌ: تعني (ربّ). فعن عكرمة: (﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ قال: يقول أتدعون ربًّا، وهي لغة أهل اليمن، تقول: مَنْ بَعْل هذا الثور: أي من ربّه).
وقال قتادة: (هذه لغة باليمانية: أتدعون ربًا دون الله). وروي أيضًا عن عكرمة: (﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ قال إلها). فالعرب تقول لربّ الشيء بعده، وبعل الدار ربَّها، ولزوج المرأة بعلها. ويقولون لما استغنى من الزرع بماء السماء ولم يكن سقيًا (هو بعل).
التفسير الثاني: بَعْلٌ، صنم عبدوه من دون الله. فقد روي عن ابن عباس: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾، قال: صنمًا). وقال الضحاك: (يعني صنمًا كان لهم يسمى بَعْلًا). وقال ابن زيد: (بعل: صنم كانوا يعبدون، كانوا ببعلبك وهم وراء دمشق وكان بها البعل الذي كانوا يعبدون). قال النحاس: (والقولان صحيحان: أي أتدعون صنمًا عملتموه ربًّا). وقال مقاتل: (صنم كسره إلياس وهرب منهم).
قال القرطبي: (فالمعنى: أتدعون ربًّا اختلقتموه، و ﴿أَتَدْعُونَ﴾ بمعنى أتسمّون. حكى ذلك سيبويه. ثم قال: وقيل: كان مِنْ ذَهَب "أي الصنم" وكان طوله عشرين ذراعًا، وله أربعة أوجه، فُتِنوا به وعظَّموه حتى أخدموه أربع مئة سادِن وجعلوهم أنبياءه، فكان الشيطان يدخل في جوف بعل ويتكلم بشريعة الضلالة، والسَّدَنة يحفظونها ويعلمونها الناس، وهم أهل بعلبك من بلاد الشام. وبه سميت مدينتهم بعلبك).
التفسير الثالث: بعل، هي امرأة كانوا يعبدونها. قال ابن إسحاق: (سمعت بعض أهل العلم يقول: ما كان بَعْلٌ إلا امرأة يعبدونها من دون الله).
التفسير الرابع: بعل، ملك. قاله بعض المفسرين.
قلت: وجملة القول أنهم صرفوا العبادة لملك أو صنم أو امرأة أو آلهة دون الله لا تستحق العبادة، إذ لا تملك دفع الضر عنهم ولا تحويلًا، ولا تملك جلب النفع لهم ولا تعجيلًا. فعابهم الله بذلك: أنَّكم تدعون بعلًا وتذرون خالق الكون وبارئه وخالقكم ومصوركم، فتبارك الله أحسن الخالقين.
стр. 3897
وقوله: ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾. أي أحسن الصانعين، أحسن من يقال له خالق. أما الناس فيصنعون ولا يخلقون، فيقال لمبدعهم أمرًا من أمور الصناعة أو التجارة أو بعض الآلات والأدوات صانع، ولا يقال له خالق، وإن كان الناس يتجاوزون، فالخلق وهو الإبداع من عدم لا ينبغي إلا لله .
وقوله تعالى: ﴿اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾.
قرأها بالفتح لاسم الجلالة قراء الكوفة نصبًا على البدلية من قوله: ﴿أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾. في حين قرأها قراء مكة والمدينة والبصرة بالضم "اللهُ ربكم وربُّ آبائكم الأولين" في محل رفع مبتدأ، والجملة استئنافية، فيكون المعنى: هو الله ربكم.
قال ابن جرير: (وتأويل الكلام: ذلك معبودكم أيها الناس الذي يستحق عليكم العبادة، ربكم الذي خلقكم، ورب آبائكم الماضين قبلكم، لا الصنم الذي لا يخلق شيئًا ولا يضر ولا ينفع).
وقوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾. قال قتادة: (في عذاب الله).
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾. أي الذين اتبعوه من قومه وصدقوا منهاجه فأخلصهم الله النجاة. وقُرِئ بالكسر: "المخلِصين" والأول أشهر.
وقوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩) سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾.
قال الحسن: (سلام على الياسين). قرأها بوصل الألف كأنها ياسين، والمراد إلياس ﵇، فعليه وقع التسليم، ولكنه اسم أعجميّ.
قال القرطبي: (والعرب تضطرب في هذه الأسماء الأعجمية ويكثر تغييرهم لها. قال ابن جني: العرب تتلاعب بالأسماء الأعجمية تلاعبًا، فياسين وإلياس والياسين شيء واحد). وفي ذلك قراءات:
القراءة الأولى: قراءة قراء المدينة. ﴿سلام على آل ياسين﴾ - بمعنى سلام على آل محمد.
قال النحاس: (فكأنه والله أعلم جعل اسمه إلياس وياسين ثم سلّم على آله، أي أهل دينه ومن كان على مذهبه، وعُلِم أنه إذا سلَّم على اله من أجله فهو داخل في
стр. 3898
السلام، كما قال النبي ﷺ : "اللهم صل على آل أبي أوفى". وقال الله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾).
وهذه القراءة هي قراءة شيبة ونافع. قلت: (فالمعنى: وتركنا عليه الثناء الحسن: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ أمنة من الله لآل ياسين). وهذا كما قال علي بن سليمان: (فإن العرب تسمي قوم الرجل باسم الرجل الجليل منهم. فعلى هذا: "سلام على إلياسين" سمى كل رجل منهم بإلياس).
القراءة الثانية: وهي قراءة قراء مكة والبصرة والكوفة. "سلام على إلْياسين".
قيل: هو اسم إلياس ﵇، فيقال له: إلياس وإلياسين مثل إبراهيم وإبراهام. فعن السدي: ("سلام على إلياسين"، قال: إلياس). واختاره ابن جرير، وقال: (لأن سياق السورة السلام على النبي وحده، فكذا إلياسين إنما على إلياس دون آله). وقال في موضع آخر: (لأن الله أخبر عن كل نبي وحده بالسلام فكذا إلياس، وهو نفسه إلياسين).
القراءة الثالثة: "سلام على إدْراسين". ورويت عن ابن مسعود، نحو قوله: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾، وفي موضع آخر: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾. وكلاهما موضع واحد، سمي مرّة بهذا ومرة بذاك. وقيل: إلياس اسم من أسماء العبرانية كإسماعيل وإسحاق، فقرئ هنا إلياسين وإدريسين وإدرَسين وإدراسين، على أنَّها لغات في إلياس وإدريس. قال القرطبي: (ولعلَّ لزيادة الياء والنون في السريانية معنى).
قلت: والراجح عندي أن الله سلَّم على إلياس كما سلّم على من قبله من المرسلين دون آلهم مما يتناسب مع السياق، ومع قوله في الآية التي قبلها: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾. فدَل أن المخاطب إلياس ﵇ والذي يسمى إلياسين أيضًا كبقية الأسماء الأعجمية التي تأخد أشكالا متقاربة - والله تعالى أعلم. فبقي لإلياس في الأرض الثناء الحسن كبقية المصطفين الأخيار، أصحاب الحق الأبرار، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، جزاء من الله لحسان، قربهم منه سبحانه ووصلهم بنسب جماعة الإيمان.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. إذ أقام الحجة على قومه ونصح لهم، وبين لهم مغبة الاستمرار في فواحشهم وانحرافهم، بأنهم يستعجلون بذلك عذاب الله أن يقع بهم. فأجابوه مستهزئين: ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾. فنجاه الله
стр. 3899
المؤمنين، فهم أهله أهل الإيمان الصالحين. ولم ينفع زوجته نبوة زوجها لنجاتها وقد كانت راضية بفعل القوم المجرمين، وما كانت من الطائعين لله المخبتين، فنجا لوط ومن آمن معه ﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾. قال الضحاك: (يقول إلا امرأته تخلفت فمسخت حجرًا، وكانت تسمى هيشفع). وعن السدي: ﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾ قال: الهالكين). وغَبَرَ في لغة العرب من الأضداد، يقال: غَبَرَ الشيءُ إذا بقي، ويقال غبر الشيء إذا مضى، والمراد هنا أنَّها غبرت ومضت مع الهالكين.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: ثم قذفناهم بالحجارة من فوقهم فأهلكناهم بذلك).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. قال قتادة: (قالوا: نعم والله صباحًا ومساء يطؤونها وطأ، مَنْ أخذ من المدينة إلى الشام، أخذ على سدوم قرية قوم لوط).
فخاطب سبحانه العرب وهم يمرون في طريق تجارتهم على منازل قوم لوط التي دمرها الله، فيرونها وقت الصباح أو وقت المساء خلال مرورهم. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. قال ابن زيد: (قال: أفلا تتفكرون ما أصابهم في معاصي الله أن يصيبكم ما أصابهم) - فتعتبرون وتتدبرون.
قال ابن كثير: (فأهلكهم الله بأنواع العقوبات وجعل محلتهم من الأرض بحيرة نتنة قبيحة المنظر والطعم والريح، وجعلها بسبيل مقيم يمر بها المسافرون ليلًا ونهارًا. ثم قال: أفلا تعتبرون كيف دمّر الله عليهم وتعلمون أن للكافرين أمثالها).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾.
يونس هو ذو النون ابن متى، كما قال جل ذكره في سورة الأنبياء: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)﴾.
وفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: [لا ينبغي لعبد أن يقول: أنَّا خيرٌ من يونس بن متّى] (١).
стр. 3900
وقصته ﵇ مذكورة في القرآن في ثلاث سور: في الأنبياء والصافات وفي سورة (ن). فقد بعثه الله إلى أهل نينوى بالموصل فدعاهم إلى الله العظيم فتمادوا فخرج مغاضبًا لهم ووعدهم بالعذاب بعد ثلاث، فلما رأوا الأمر كذلك وقد علموا أن الرسل لا تكذب خرجوا إلى الفلاة والصحراء بأطفالهم ونسائهم وأنعامهم ومواشيهم وفرقوا بين الأمهات وأولادها ثم جاروا إلى الله متضرعين متذللين، ورغت الإبل وفصلانها، وخارت البقر وأولادها، وثغت الغنم وسخالهم، فكشف الله عنهم العذاب ورفعه سبحانه كما قال في سورة يونس: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (٩٨)﴾ [يونس: ٩٨].
وأما يونس ﵊ فقد أتى البحر فركب مع قوم في سفينة فهاج البحر بها وأشرفوا على الغرق وظنوا أنهم هالكون إن لم يتخففوا من أحمالهم، فاقترعوا على رجل يلقونه ليخفف الحمل فوقعت القرعة على يونس ﵇ ثلاث مرات.
قال الحافظ ابن كثير: (فقام يونس ﵇ وتجرد من ثيابه، ثم ألقى نفسه في البحر، وقد أرسل الله سبحانه من البحر الأخضر - فيما قاله ابن مسعود - حوتًا يشق البحار حتى جاء فالتقم يونس حين ألقى نفسه من السفينة، فأوحى الله إلى ذلك الحوت أن لا تأكل له لحمًا، ولا تهشم له عظمًا، فإن يونس ليس لك رزقًا، وإنما بطنك تكون له سجنًا) ذكره عند تفسيره سورة الأنبياء. وأما في الصافات فقال: (ولما استقر يونس في بطن الحوت ظنّ أنه قد مات ثم حرك رأسه ومدّ رجليه وأطرافه فإذا هو حي، فقام فصلى في بطن الحوت وكان من جملة دعائه: يا رب اتخذت لك مسجدًا في موضع لم يبلغه أحد من الناس).
قلت: وأَبَقَ في لغة العرب أي هرب، ومنه قولهم أبق العبد يأبِقُ ويأبُقُ فهو آبق إذا هرب وتباعد. وقيل: إنما قيل ذلك ليونس ﵇ لأنه خرج بغير أمر الله مستترًا من الناس. فانضم إلى أهل تلك السفينة المشحونة والمملوءة والموقرة بالأحمال. كما قال جل ثناؤه: ﴿إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾.
قال قتادة: (كنا نحدَّث أنه الموقر من الفُلك). والفلك يذكر ويؤنث ويعني السفينة.
وأصل المساهمة من السهام التي تُجال. والسَّهم واحد السِّهام. والسَّهم أيضًا النصيب والجمع السُّهْمانُ. والمُسَهَّمُ البُرْد المخطَّط. و"ساهمه" أي قارعه و"أسهم" بينهم أي أقرع. و"استهموا" أي اقترعوا، و"تساهموا" أي تقارعوا. ذكره أهل اللغة.
стр. 3901
قال قتادة: (﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾، قال: فاحتبست السفينة، فعلم القوم أنما احتبست من حدث أحدثوه، فتساهموا فَقُرعَ يونس فرمى بنفسه فالتقمه الحوت).
والدَّحْضُ في لغة العرب أصله من الزلق. والإدحاض: الإزلاق. يقال: دَحَضَتْ رجْلُهُ أي زَلقَتْ، ودَحَضْتُ حُجَّتَهُ أي أبطلتها، فقوله: ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ أي: من المسهومين المغلوبين. فعن مجاهد: (قوله: ﴿مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ قال: من المسهومين). وقال السدي: (من المقروعين). وقوله: ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾. أصل الالتقام الابتلاع. يقال: (لَقِمَ اللُّقْمةَ) إذا ابتلعها، و (تلقّمها) ابتلعها في مُهلة، و (لقَّمها) غيره (تلقيمًا). فالمقصود أن الحوت قد ابتلعه من اللَّقم وهو البلع.
وقوله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾. أي: مستحق للوم مكتسب له قد أتى بما يلام عليه.
يقال: (ألام) الرجل إذا أتى بما يلام عليه، والملوم هو الذي يلام استحق ذلك أو لم يستتحق. وقيل: المليم المعيب، لام فلان فلانًا إذا عمل شيئًا معيبًا.
فعن مجاهد: (قوله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ قال: مذنب).
وقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. في مفهوم ﴿الْمُسَبِّحِينَ﴾ تفاسير:
التفسير الأول: لولا أنه كان من الذاكرين الله في الرخاء ما نجّاه في البلاء.
فعن قتادة: (﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾. قال: كان كثير الصلاة في الرخاء فنجّاه الله بذلك. قال: وقد كان يقال في الحكمة: إن العمل الصالح يرفع صاحبه إذا ما عَثَر فإذا صُرعَ وجد متكئًا).
التفسير الثاني: لولا أنه كان من المسبحين أي المصلين، للبث في بطنه إلى يوم يبعثون.
قال القرطبي: (أي عقوبة له، أي يكون بطن الحوت قبرًا له إلى يوم القيامة).
واختلف كم أقام في بطن الحوت. قيل أربعين يومًا، وقيل عشرين، وقيل سبعة أيام، أو ثلاثة أيام، وقيل ساعة واحدة، وليس في ذلك خبر صحيح، والعبرة ليست بذلك، والله تعالى أعلم.
وإنما المهم أنه التجأ إلى الله سبحانه بالصلاة والعبادة ليكشف عنه. قال سعيد بن جبير: (﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾: قال من المصلين).
стр. 3902
التفسير الثالث: لولا أنه من الجائرين إلى الله بالدعاء والتضرع، لاستمر مكوثه في بطن الحوت إلى يوم القيامة.
فعن ميمون بن مهران قال: سمعت الضحاك بن قيس يقول على منبره: (اذكروا الله في الرخاء يذكركم في الشّدة، إن يونُس كان عبدًا لله ذاكرًا، فلما أصابته الشدة دعا الله فقال الله: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. فذكره الله بما كان منه، وكان فرعون طاغيًا باغيًا: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾. قال الضحاك: فاذكروا الله في الرخاء يذكركم في الشدة) ذكره ابن جرير.
وعن سعيد بن جبير: (﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ قال: قال: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. فلما قالها قذفه الحوت وهو مغرب).
وعن قتادة: (قوله: ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ قال: لصار له بطن الحوت قبرًا إلى يوم القيامة). قال مجاهد: (التقمه ضحى ولفظه عشية).
التفسير الرابع: قيل إن ذلك كان تسبيحًا لا صلاة. قال القرطبي: (والأظهر أنه تسبيح اللسان الموافق للجنان). واحتج بحديث رواه الطبري عن أبي هريرة وفيه: "فسبح في بطن الحوت، فسمعت الملائكة تسبيحه، فقالوا: يا ربنا إنا نسمع صوتًا ضعيفًا بأرض غريبة .. ".
قلت: والراجح عندي بمجموع هذه التفاسير أن يونس صلوات الله وسلامه عليه لما نزل به الكرب سارع إلى الله بالتوجه والتسبيح والتضرع والدعاء، فاعترف لله العظيم بذنبه ثم قال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. فكان دعاءً فيه ذكرٌ وتسبيح وتذلل واعتراف بالذنب جمع ألوان الخير كلها.
فقد أخرج الحاكم بسند صحيح لغيره، عن سعد قال: [كنا جلوسًا عند النبي ﷺ فقال: ألا أُخْبِرُكُم بشيءٍ إذا نزل برجل منكم كَرْبٌ أو بلاءٌ من بلايا الدنيا دعا به يُفْرَجِ عنه؟ فقيل له: بلى، فقال: دعاءُ ذي النون: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾] (١).
стр. 3903
وكذلك روى الحاكم عن أنس، عن النبي ﷺ قال: [صنائع المعروف تقي مصارعَ السوء والآفات والهلكات، وأهل المعروف في الدنيا، هم أهل المعروف في الآخرة] (١).
ولذلك كان مثل هذا الحضور بين يدي الله بكامل التذلل والاعتراف بالذنب ورقة القلب والإقرار بالنعم - التي لا يحصيها على العبد إلا الله - هو سيد الاستغفار كما وصفه النبي ﷺ .
فقد أخرج البخاري في صحيحه، والترمذي في جامعه، عن شداد بن أوس ﵁، عن النبي ﷺ قال: [سيّد الاستغفار، أن يقول العبد: اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عَبْدُك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. من قالها من النهار موقِنًا بها، فمات من يومه قبل أن يُمْسي، فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقِنٌ بها فمات قبل أن يُصبحَ، فهو من أهل الجنة] (٢). هذا لفظ البخاري. وقوله أبوءُ: معناه أقِرُّ وأعترف.
وأما لفظ الترمذي نسخة "التحفة": [ألا أدلك على سيد الاستغفار؟ اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وابن عَبْدك، وأنا على عَهْدِكَ ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعتُ، وأبوء لك بنعمتك عليّ، وأعترف بذنوبي، فاغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، لا يقولها أحدٌ حين يُمسي إلا وجبت له الجنة].
وأما في نسخة "بولاق" ونسخة "الدعاس" فبلفظه: [لا يقولها أحد حين يمسي فيأتي عليه قدر قبل أن يصبح إلا وجبت له الجنة، ولا يقولها حين يصبح فيأتي عليه قدر قبل أن يمسي إلا وجبت له الجنة] (٣).
وخلاصة القول: أن الإكثار من العمل الصالح في الرخاء ينجي الله به عبدهُ في الشدةِ، وفي ذلكَ أحاديث عظيمة من كنوز السنة الصحيحة:
стр. 3904
الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد والطبراني بسند صحيح عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: [تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفكَ في الشدة] (١).
الحديث الثاني: أخرج النسائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [تعوذوا بالله من جار السوء في دار المُقام، فإن الجارَ البادي يتحولُ عنك] (٢).
الحديث الثالث: أخرج البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [تعوذوا بالله من جَهْدِ البلاء، ودركِ الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء] (٣).
الحديث الرابع: أخرج الحاكم بسند حسن عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال لعمه العباس: [يا عَمِّ! أكْثِر الدعاءَ بالعافية] (٤).
الحديث الخامس: أخرج أبو يعلى في المسند، بسند حسن عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [أكثروا من شهادة أن لا إلهَ إلا الله، قبل أن يُحال بينكم وبينها، ولقنوها موتاكم] (٥).
الحديث السادس: يروي الضياء بسند صحيح عن الزبير، عن النبي ﷺ قال: [من استطاعَ منكم أن يكونَ له خِبءٌ من عمل صالح فليفعل] (٦).
وقوله تعالى: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينِ﴾.
في قوله ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾ تفاسير:
التفسير الأول: نبذناه بالعراء، أي: ألقيناه بالساحل.
فعن ابن عباس: (قوله: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾ يقول: ألقيناه بالساحل).
стр. 3905
وفي رواية قال: (خرج بهِ، يعني الحوت حتى لفظه في ساحل البحر، فطَرحه مثل الصبي المنفوس، لم ينقص من خلقه شيء).
التفسير الثاني: نبذناه بأرض لا نبات فيها ولا شيء.
فعن قتادة: (قوله: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾، قال: بأرض ليس فيها شيء ولا نبات).
وقال ابن زيد: (ما لفظه الحوت حتى صار مثل الصبي المنفوس، قد نشز اللحم والعظم، فصار مثل الصبي المنفوس، فألقاه في موضع وأنبت الله عليه شجرة من يقطين).
التفسير الثالث: نبذناه بالصحراء. فعن ابن الأعرابي: (قوله: ﴿بِالْعَرَاءِ﴾ - قال: بالصحراء).
التفسير الرابع: نبذناه بالفضاء، فعن الأخفش: (﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾، قال: بالفضاء).
التفسير الخامس: العراء - هو الواسع من الأرض -. فعن أبي عبيدة: (﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾، قال: الواسع من الأرض).
التفسير السادس: العراء - هو المكان الخالي -. قاله الفراء، وذكره القرطبي.
التفسير السابع: العراء - هو وجه الأرض -. قاله أبو عبيدة وأنشد لرجل من خُزاعة:
ورفعتُ رِجلًا لا أخافُ عِثارَها ... ونبذت بالبلدِ العَرَاء ثيابي
قلت: وفي لغة العرب: (نبذه) أي: ألقاه وطرحه، وقيل: تركهُ. والمراد بأن الله سبحانه قد أمر الحوت أن يخرجه من بطنه لما أكثر الدعاء وألَظَّ بالاستغفار والتسبيح والإقرار بالذنب، فطرحه حيث أمره الله على ساحل البحر في أرض لا شيءَ فيها ولا نبات ولا حياة، تشبه الصحراء.
وقوله: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾. فيه تفسيران أو معنيان:
المعنى الأول: سقيم أي ضعيف البدن. قال النسفي في تفسيره: (عليل مما ناله من التقام الحوت). وقال القاسمي: (﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ أي مما نالهُ من هذا المحبس الذي يأخذ بالخناق).
المعنى الثاني: سقيم أي مريض قد عاد بدنهُ كبدنِ الصبي المنفوس حين يولد وصار لحمه نيًا طريًا.
стр. 3906
روي ذلك عن ابن مسعود: (قوله: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ قال: كهيئة الفرخ الممعوط الذي ليس عليهِ ريش) ذكره القرطبي. وقد سبق قول ابن عباس نحوه.
وفي لغة العرب: سقم من السَّقام والسُّقْم وهو المرض، والسَّقَمُ مثله أيضًا.
قلت: وجمعًا بين التفسيرين: فإن الله سبحانه قد أخرج يونس ﵇ من بطن الحوت عليلًا سقيمًا قد تأثر بمكوثه في ذلك المحبس، فعاد بدنه طريًا كما يكون الحال عند الولادة. وأما التوفيق مع قوله: ﴿لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ [القلم: ٤٩]. فالجواب: أنه نبذ بالعراء بنص آية الصافات وهو سقيم ولكنه غير مذموم، رحمة الله به.
وقوله: ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾. أي أنبتنا عنده، فإن ﴿عَلَيْهِ﴾ هنا تعني "عنده". نحو قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ أي عندي. وقيل بمعنى (له).
وأما قوله: ﴿يَقْطِينٍ﴾ ففيه أكثر من تأويل:
التأويل الأول: اليقطين كل شجرة لا تقوم على ساق.
فعن سعيد بن جبير: (﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾. قال: هو كل شيء ينبت على وجه الأرض ليس له ساق).
قال المبرّد: (يقال لكل شجرة ليس لها ساق يفترش ورقها على الأرض يقطينة نحو الدُّبَّاء والبطيخ والحَنْظل، فإن كان لها ساق يُقلّها فهي شجرة فقط، وإن كانت قائمة أي بعروق تفترش فهي نجمةٌ وجمعها نجم).
وبنحوه روي عن ابن عباس والحسن ومقاتل، قالوا: (كل نبت يمتد ويبسط على الأرض ولا يبقى على استواءٍ وليس له ساق نحو القثاء والبطيخ والقرع والحَنْظَل فهو يقطين).
وقال ابن جرير: (وكل شجرة لا تقوم على ساق كالدُّباء والبِطّيخ والحَنْظَل ونحو ذلكَ فهي عند العرب يقطين).
التأويل الثاني: اليقطين هو النبات الذي ينبت ويموت من عامه.
قال سعيد بن جبير: (هو كل شيء ينبت ثم يموت من عامه، فيدخل في هذا الموز).
التأويل الثالث: اليقطين هو القرع وتسميه العرب الدّباء.
فعن ابن عباس: (﴿شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾ فقالوا عنده القرع، قال: وما يجعلهُ أحق من
стр. 3907
البطيخ). وقال السدي: (هو القرع، والعرب تسميه الدّباء).
التأويل الرابع: كل شجر ينبت بمكانه. قال الزجاج: (اشتقاق اليقطين من قَطَنَ بالمكان إذا أقامَ به فهو يفعيل).
التأويل الخامس: قيل هو اسم أعجمي - ذكره القرطبي.
التأويل السادس: قيل ما أنبته الله بالحال. قال بعضهم: (ما كان ثمَّ يقطين فأنبته الله في الحال).
التأويل السابع: قيل: إنما خص اليقطين بالذكر، لأنه لا ينزلُ عليه ذباب.
قال الحافظ ابن كثير: (وذكر بعضهم فوائد في القرع منها: سرعة نباتهِ وتظليل ورقه لكبره ونعومته وأنه لا يقربها الذباب).
التأويل الثامن: شجر له شراب يَرْوِي باللبن.
فعن ابن زيد قال: (أنبت الله عليه شجرة من يقطين، فكان لا يتناولُ منها ورقة فيأخذها إلا أروته لبنًا. قال: شرب منها ما شاء حتى نبت).
قلت: وكلها معان متقاربة تفيد أن الله سبحانهُ قد امتَنّ على يونس ﵇ بعد محنته في بطن الحوت وما أصابهُ من الضعف والتعب أن أخرجه إلى أرضٍ لا نباتَ فيها ولا شيء، فأكرمه بنبات سريع ترعرع فأظله وسدّ به جوعه وظمأه وحاجته.
وقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ فيه تفاسير:
التفسير الأول: أن تكون ﴿أَوْ﴾ بمعنى بل. قال الفراء: (﴿أَوْ﴾ بمعنى بل).
وعن ابن عباس: (قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ قال: بل يزيدون، كانوا مئة ألف وثلاثين ألفًا).
التفسير الثاني: أن تكون ﴿أَوْ﴾ بمعنى الواو. فيكون قوله: "يزيدون" في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف تقديره "هم". أي: "وهم يزيدون".
قال سعيد بن جبير: (يزيدون سبعين ألفًا، وقد كان العذاب أرسل عليهم، فلما فرّقوا بين النساء وأولادها، والبهائم وأولادها، وعجّوا إلى الله كشف عنهم العذاب وأمطرت السماءُ دمًا).
التفسير الثالث: أن تكون ﴿أَوْ﴾ للشك بالنسبة إلى مرأى الناظر.
стр. 3908
قال القاسمي: (أي إذا رآها الرائي قال: هي مئة ألف أو أكثر. والغرض الوصف بالكثرة). وقال المبرد: (المعنى: وأرسلناه إلى جماعةٍ لو رأيتموهم لقلتم هم مئة ألف أو أكثر، وإنما خوطب العباد على ما يعرفون).
وقال الأخفش: (أي: أو يزيدون في تقديركم). قال ابن عباس: (زادوا على مئة ألف عشرين ألفًا). وفي رواية عنه: (ثلاثين ألفًا). وفي رواية عن الحسن: (بضعًا وثلاثين ألفًا). وعن مقاتل: (سبعين ألفًا). قلت: واللهُ أعلم بدقةِ عددهم فليسَ هذا هو المقصود من عرض هذا الخبر.
وخلاصة القول: أن الله سبحانهُ قد بعث يونس ﷺ إلى قوم يزيد عددهم عن مئة ألف، يعملون بالمعاصي والآثام، فدعاهم فاستهزؤوا، فغادرهم مغاضبًا وعاجلهم بالدعاء عليهم، فتنَّبهوا وعادوا واستغفروا، وضجّوا ضجّةَ واحدة إلى الله سبحانهُ فكشف عنهم. قال قتادة: (أرسل إلى أهل نينوى من أرض الموصل. قال: قال الحسن: بعثه الله قبل أن يصيبه ما أصابه ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ قال: الموت).
وقال النسفي: (﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ﴾. قال: المراد به القوم الذين بُعث إليهم قبل الالتقام. (﴿فَآمَنُوا﴾ به وبما أرسل به ﴿فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ إلى منتهى آجالهم).
وقال القاسمي: (﴿فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ أي حين انقضاء آجالهم بالعيش الهني والمقامِ الأمين، ببركة الإيمان والعمل الصالح. ثم قال: وإنما لم يختم قصته وقصة لوط بما ختم به سائر القصص من قوله: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ﴾ إلخ اكتفاء بالتسليم الشامل لكل الرسل المذكورين في آخر السورة).
فهؤلاء القوم لما آمنوا كشف الله عنهم وأنعم عليهم إلى وقت آجالهم، كما قال جل ثناؤه في سورة يونس: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨].
١٤٩ - ١٨٢. قوله تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠) أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (١٥٦) فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٥٧) وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ
стр. 3909
نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠) فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣) وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦) وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠) وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩) سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾.
في هذه الآيات: يحتج سبحانهُ على كفار قريش - بعدما ذكر أخبار الأمم الغابرة تسلية لنبيّه ﷺ وتخفيفًا عليهِ مما يلقى من رؤوس مكة من العناد والكبر والتكذيب - وهم ينسبون لله بنات بأنهم الملائكة، ويختصون أنفسهم بالبنين من دونه سبحانه، فيختارون الأفضل لأنفسهم، وما يُعابُ في عرفهم الفاسد ينسبونه لله، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا. سلهم يا محمد هل شهدتم خلقهم كذلكَ؟ أم تفترون على الله الكذب، وتُعَلِّقون به الولد، وتعبدونه من دونه سبحانه؟ فهل لديكم بذلكَ برهانٌ تقوم به الحجة، أو كتابٌ اختصّ بكم فيه خبر صادق يدفع عنكم الشبهة، ومن ثمَّ تفترون على الله أبشع الكذب بأن له مع الجنّ مصاهرة ونسبة، تعالى سبحانهُ عما ينسبون له من الصفة، ولقد علمت الجنة أن من قالوا إن الملائكة بنات الله لمحضرون في العذاب يوم القيامةِ، إلا من أخلصهم الله من عبادهِ لرحمته وخلقهم لجنته.
قل لهم يا محمد: فإنكم أيها المشركون بالله وما تعبدون من الآلهة والأوثان والشهوات، ما أنتم بمضلين أحدا إلا من سبق في علم الله أنه صالي الجحيم، مبعدٌ من رحمة الله، ذائق الخزي والندامة يوم القيامةِ، وأما من نسبتم لهم كذبًا أنهم بناتُ الله، فهم الملائكةُ الكرام، كلٌّ لهُ مقام معلوم بين أهل السماء، ومنزلة في العبادةِ والطاعة منزهة عن الرياء، فمنهم قوم مسبحون لا يفترون، ومنهم قوم راكعون وساجدون، ومنهم قومٌ صافون قائمون لا يتزايلون، إلى الطاعة هم متلهفون، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. أما مشركو قريش هؤلاء فهم كاذبون منافقون، فقد
стр. 3910
كانوا في الجاهلية قبل البعثة يقولون: لو كان عندنا كتاب من السماء كالتوراةِ والإنجيل أو أتانا نبي مثل ما أتى اليهود والنصارى لَكُنَّا الذين سموا في العبادة والطاعةِ والإخلاص بين العالمين، فها هو النبي قد جاءكم من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم، فكفرتم بهِ وآثرتم سبيل الشياطين، فسوف تعلمون خزيَ هذا التناقض والكذب منكم يوم تُكْسَرون في الدنيا ويوم تبعثون، فلقد مضى منا القول لعبادنا المؤمنين، بأنهم هم المنصورون والغالبون، فلا تحزن يا محمد وطمئن أصحابكَ فإن يومَ بدر قادم قريب وسوف يبصرون، حين لا ينفعهم البصر وقد أسرفوا على أنفسهم وكذبوا المرسلين، وكفروا بخاتم النبيين، وبالقرآن آخر كتاب من الله إلى العالمين، ثم هم يوم القيامةِ يقفون بين يدي الله خزايا نادمين، يبصرون ما ضيّعوا وكانوا يقولون مستهزئين، أين العذاب ائتنا به فقد أخذهم العذاب ونزل بساحتهم فجأة فدَكَّهم الصحابة يوم بدر في التراب خانعين، فاطمئن وأصحابك يا محمد واصبر فسوف تبصر مصرع هؤلاء المجرمين. سبحان ربك يا محمد ذي العزةِ والكبرياء والجبروت والملكوت الجبار العظيم، والسلامُ عليك وعلى إخوانك الذين سبقوك في هذا المنهج الكريم، وقد صبروا على أقوامهم الذين وصفوا الله بالنقائص والعيوب فانْتَصرَ الأنبياءُ والرسل لله العزيز الحكيم، ووصفوا الله بما يليقُ بجلالهِ وكماله وكما وصف نفسه ورضي أن يوصف به سبحانه هو الرحمن الرحيم، فسلام عليكَ يا محمد وعلى الرسل والأنبياء أجمعين، والحمدُ لله رب العالمين.
فإلى تفصيل ذلك:
قوله تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾. هو كقوله سبحانه في آيةِ الإسراء: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ [الإسراء: ٤٠].
فالمراد: سَلْ يا محمد أهل مكة، وذلكَ أن جُهَيْنَةَ وخُزاعة وبني سلمة وبني مُلَيْح وعبد الدار زعموا زورًا وبهتانًا أن الملائكة بنات الله، فوبّخَهم الله بهذا السؤال وعاب عليهم بشاعة تفكيرهم وقباحته إذ ينسبون لأنفسهم ما يشتهون - وهم الذكور - وينسبون ما يعيبهم لله تعالى. كما قال سبحانه يصفهم في سورة النحل: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل: ٥٨]. فسلهم يا محمد: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم: ٢١ - ٢٢] وهو سؤال توبيخ وإنكار.
стр. 3911
قال قتادة: (﴿أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾، لأنهم قالوا: يعني مشركي قريش: لله البنات ولهم البنون). وقال السدي: (كانوا يعبدون الملائكة).
وقوله تعالى: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾. أي: حاضرون مشاهدون لخلقنا إياهم إناثًا، كقوله جل ثناؤه في سورة الزخرف: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾. وكما قال في سورة الزخرف أيضًا: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩) وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾. فكيف حكموا على الملائكة أنهم إناثٌ وما شاهدوا خلقهم.
وقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.
قال الحافظ ابن كثير: (ألا من كذبهم ليقولون: صدر له ولد ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ أي لأنهم افتروا على الله ثلاث كذبات في غاية الكفر:
أولًا: جعلوهم بنات لله فجعلوا لله ولدًا تعالى الله وتقدّس.
ثانيًا: وجعلوا ذلكَ الولدَ أنثى.
ثالثًا: ثم عبدوهم من دون الله تعالى وتقدس. وكل منها كافٍ في التخليد في نار جهنم).
ثم قال سبحانه متابعًا توبيخ المشركين: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (١٥٦) فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
وعن قتادة: (﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾. يقول: كيف يجعل لكم البنين ولنفسه البنات ما لكم كيفَ تحكمون، ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ﴾. قال: أي عذر مبين).
وعن السدي: (﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ﴾ أن هذا كذا بأن له البنات ولكم البنون).
أي: فأتوا بحججكم وإثباتاتكم إن كنتم صادقين حقًّا في قولكم وزعمكم.
وقوله: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ فيه تفاسير:
التفسير الأول: قيل الجِنَّة هي الملائكة، وقد وصفوا الملائكة من قبل أنهم بنات الله تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.
فعن مجاهد: (﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قال: قال كفار قريش: الملائكةُ بنات
стр. 3912
الله، فسأل أبو بكر: مَنْ أمهاتهنّ؟ فقالوا بنات سَرَوات الجن - وفي رواية: مخدّرات الجنّ - يحسبون أنهم خُلقوا مما خُلقَ منه إبليس).
وعن قتادة قال: (قالت اليهود: إن الله ﵎ تزوج إلى الجنّ، فخرج منهما الملائكة، قال: سبحانه سبح نفسه).
وعن السدي، قال: (الجِنّة: الملائكة، قالوا: هنّ بنات الله).
وقال مقاتل: (قالت اليهود لعنهم الله: إن الله صاهرَ الجنّ فكانت الملائكةُ من بينهم، قال: القائلُ ذلكَ كنانة وخزاعة، قالوا: إن الله خطب إلى سادات الجن فزوجوه من سَرَوات بناتهم، فالملائكة بنات الله من سروات بنات الجن).
وعن مجاهد قال: (إنهم بطن من بطون الملائكة يقال لهم الجنة). وقال بعض أهل اللغة: (قيل لهم جِنّة لأنهم لا يُرَون). وعن السدي: (إنما قيل لهم جِنّة لأنهم خُزان على الجنان والملائكةُ كلهم جنة). وقوله: ﴿نَسَبًا﴾، أي: مصاهرة وقربًا.
التفسير الثاني: الجِنّة هي الجن.
فعن قتادة ومقاتل: (﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قالت اليهود لعنهم الله: إن الله صاهر الجنّ فكانت الملائكة من بينهم) ذكره القرطبي.
التفسير الثالث: قيل النسب الذي جعلوهُ بين الله والجنة قولهم إن الله وإبليس أخوان. فعن ابن عباس: (قوله: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قال: زعم أعداء الله أنه ﵎ وإبليس أخوان). ذكره ابن جرير.
التفسير الرابع: قيل النسب هو الشرك.
فعن الحسن قال: (أشركوا الشيطان في عبادة الله فهو النسب الذي جعلوه).
ورجّحهُ القرطبي وقال: (قول الحسن في هذا أحسن، دليله قوله تعالى: ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي في العبادة).
قلت: وكل ما سبق وارد في حق هؤلاء المشركين، فقد نسبوا لله الولد، ونعتوا الملائكة إناثًا ربطوهم نسبًا بالله، واختاروا الذكور لأنفسهم فلهم ما يشتهون ولله ما يعيبون، ثم سبكوا خرافة أفرزتها عقولهم ونتن فكرهم وقبح آفاقهم بأن الله تزوج من الجن فأنت الملائكة، فصرفوا شيئًا من العبادةِ للجن ظنّ التقرب إلى الله الذي لعنهم وأبعدهم وذمهم وأعدّ لهم في جهنم سعيرًا، بما أسرفوا في الوصف الذي لا يليقُ
стр. 3913
بجلال الله فتعالى الله عما وصفوا وعما اكتسبوا علوًا كبيرًا.
وقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾. فيه تأويلان:
التأويل الأول: قائلوا هذا القول يعلمون أنهم لَمُشْهدون الحساب.
فعن مجاهد: (﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾: أنها ستُحْضَر الحساب).
التأويل الثاني: قيل إن قائلي هذا القول سيُحضرون العذاب في النار.
فعن السدي: (﴿إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ قال: إن هؤلاء الذين قالوا هذا لمحضرون معذبون).
وقال قتادة: (لمحضرون في النار). واختاره القرطبي وقال: (لأن الإحضار تكرر في هذه السورة ولم يرد الله به غير العذاب).
قلت: والراجح عندي ما يجمع المعنيين معًا. فإن الجن قد علموا على ألسنة الرسل أنهم مجموعون ليوم لا ريبَ فيهِ، واقفون بين يدي الله سبحانه، هم ومن كان يعبدهم من دون الله بما أشركوا مع بعضهم بالله، كما قال جل ثناؤه في سورة الأنعام: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٢٨].
وكقوله سبحانه في السورة نفسها: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (١٣٠)﴾ [الأنعام: ١٣٠].
ثم إن الملائكة تعلم مصير المشركين بالله المستهزئين بأسمائه وصفاته أنهم قادمون لمعاينة الحساب ونيل نكال العقاب.
وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾.
أي: تعالى الله وتنزه وتقدس عما يصفهُ الظالمون من أن يكون له ولد أو نسب مع الملائكة أو الجن، وتبارك فهو خالقهم جميعًا، وهو العزيز الأحد الصمد لا إله إلا هو، وسيعلم الملحدون بأسمائه وصفاته ما ينالهم يوم يُفْرَزُون في عرصات القيامة، وينجي الله المخلصين أتباع الرسل المتبعين للحق المنزّل، الذي نزل على كل نبي مرسل، والمنصفين في وصفهم لله كما وصف نفسه بوصف مجمل أو مفصّل.
стр. 3914
قال ابن جرير: (ولقد علمت الجنة أن الذين قالوا: إن الملائكة بنات الله لمُحضرون العذاب، إلا عباد الله الذين أخلصهم لرحمته وخلقهم لجنته).
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾.
قال الحسن: (ما أنتم عليه بمضلين إلا من كان في علم الله أنه سيصلى الجحيم).
ذكره ابن جرير.
فإن "ما" بمعنى الذي، وقيل بل هي مصدرية، والتقدير: فإنكم وعبادتكم لهذه الطواغيت. وقيل: فإنكم مع ما تعبدون من دون الله. وقوله: ﴿بِفَاتِنِينَ﴾ أي بمضلين.
قال ابن كثير: (أي إنما ينقاد لمقالتكم وما أنتم عليه من الضلالة والعبادة الباطلة من هو أضل منكم ممن ذُرئ للنار: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾. فهذا الضرب من الناس هو الذي ينقادُ لدين الشرك والكفر والضلالة، كما قال ﵎: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ أي إنما يضل به من هو مأفوك ومبطل).
وفي هذه الآية ردٌّ على القدرية كما أشار القرطبي ﵀، وذكر عن عمرو بن ذر قال: (قدمنا على عمر بن عبد العزيز فَذُكِرَ عنده القدر، فقال عمر: لو أراد الله ألّا يعصى ما خلق إبليس وهو رأس الخطيئة، وإن في ذلكَ لعلمًا في كتاب الله جل وعز، عرفه من عرفه، وجهله من جهله، ثم قرأ: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾ إلا من كتب الله عليه أن يصلى الجحيم. وقال: فَصَلت هذه الآية بين الناس، وفيها من المعاني أن الشياطين لا يصلون إلى إضلال أحد إلا من كتب الله عليهِ أنه لا يهتدي، ولو علم الله جل وعز أنه يهتدي لحال بينه وبينهم).
قلت: والآية تشبه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، وقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾. فاللهُ سبحانهُ علم ما كان وما يكون وما سيكون وما لن يكون لكن إن قُدِّر وكان كيف سوف يكون، وكتب ذلك كله في اللوح المحفوظ، فلا يضل إلا من سبق في علم الله وكتابته أنه ضال مستهزئ بالحق، ولا يهتدي إلا من سبق في علم الله وكتابته أنه يستحق الهداية وهو محب معظم للحق. قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٧ - ١٠]. وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥)
стр. 3915
وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠].
وقد علم الله أسماء هؤلاء أهل الجنة وأسماء قبائلهم ومجموعهم. وأسماء أولئكَ أهل النار وأسماء قبائلهم ومجموعهم.
فقد أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: [خرجَ علينا رسول الله ﷺ وفي يدهِ كتابان، فقال: أتدرون ما هذان الكتابان؟ قال: قلنا لا إلّا أن تُخْبِرَنا يا رسول الله، فقال للذي في يدهِ اليمنى، هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أُجْمِلَ على آخرهم، فلا يُراد فيهم ولا يُنقصُ منهم أبدًا. ثم قال للذي في شماله، هذا كتاب من رب العالمين، فيهِ أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا يُنقصُ منهم أبدًا. فقال أصحاب رسول الله ﷺ : فلأي شيء إذن نَعْمَلُ إن كان هذا أمرًا قد فُرغَ منه؟ قال رسول الله ﷺ : سدِّدُّوا وقاربوا، فإن صاحب الجنةِ يختم له بعمل أهل الجنةِ وإن عمل أي عمل، وإنّ صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل، ثم قال بيده فقبضها، ثم قال: فرغ ربكم من العباد، ثم قال باليمنى فنبذ بها فقال: فريق في الجنةِ، ونبذ باليسرى فقال: فريق في السعير] (١).
وقد استوفيت هذا المفهوم في كتابي: أصل الدين والإيمان، عند الصحابة والتابعين لهم بإحسانٍ - في أبحاث القدر - فلله الحمد والمنة.
وأما أصل الفتنة في اللغة فهو الاختبار والامتحان. تقول (فَتَن) الذهب يفتنه فِتنة إذا أدخله النار لينظر ما جَوْدتُه، ويسمى الصائغ (الفتّان) وكذا الشيطان. وافتُتِنَ الرجل وفُتِنَ فهو مفتون إذا أصابته فتنةٌ فذهب مالهُ أو عقلُهُ. و (فَتَنّهُ تفتينًا) فهو (مُفَتَّن) أي مفتون جدًّا.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾. أي: مقام في العبادةِ وموضع في السجود ومكان مخصوص في السماوات، كل قد علم مقامه في العبادة لا يتجاوزه ولا يتعداه، وكل قد علم تسخيرهُ وواجبه الذي خلقه الله وأراده له.
وعن ابن زيد: (قوله: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾، قال: هؤلاء الملائكة).
стр. 3916
وعن ابن عباس قال: (ما في السماوات موضع شبر إلا وعليهِ ملك يصلي ويسبح).
أخرج ابن نصر في "الصلاة" بسند حسن في الشواهد عن عائشة مرفوعًا: [ما في السماء الدنيا موضع قدم، إلا عليه ملك ساجد، أو قائم، فذلك قول الملائكة: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾، ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾، ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾].
وله شاهد في معجم الطبراني "الكبير" بسند صحيح على شرط مسلم، عن حكيم بن حزام قال: [بينما رسول الله ﷺ في أصحابه إذ قال لهم: أتسمعون ما أسمع؟ قالوا: ما نسمعُ من شيء. قال: إني لأسمع أطيط السماء، وما تلام أن تئط، وما فيها موضع شبر إلا وعليه ملك ساجد أو قائم] (١).
ورواه ابن مردويه عن أنس مرفوعًا بلفظ: [أطت السماء ويحقّ لها أن تَئِطَّ، والذي نفسُ محمدٍ بيده، ما فيها موضِعُ شبر إلا وفيه جبهة ملك ساجدٍ يسبح الله بحمده].
وأصل معناه في مسند أحمد وجامع الترمذي وسنن ابن ماجة - بلفظ أشمل - عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : [إني أرى ما لا ترون، وأسمعُ ما لا تسمعون، أطّت السماء، وحُقَّ لها أن تئِطَّ، ما فيها موضع أربعِ أصابع، إلا وملكٌ واضعٌ جبهتهُ لله تعالى ساجدًا، والله لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا، وما تلذذتم بالنساء على الفُرش، ولخرجتم إلى الصّعدات تجأرون إلى الله] (٢).
وقيل: بل هو من قول المؤمنين للمشركين، أي لكل مقام في الآخرة. وقيل: أي منا من له مقام الخوف، ومنا من له مقام الرجاء، ومقام الإخلاص، وغيرها، والأول أرجح.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾،
أي: فنحنُ الصافون لله لعبادته، والمسبحون المصلون له سبحانه. وفيه أقوال:
القول الأول: أي نحن الصافون أجنحتنا في الهواء ننتظر ما نؤمر.
قال القرطبي: (وقيل: أي لنحن الصافون أجنحتنا في الهواء وقوفًا ننتظر ما نؤمر به).
стр. 3917
القول الثاني: أي نحن الصافون حول العرش.
قال النسفي: (نَصُفّ أقدامنا في الصلاة أو نَصُفّ حول العرش داعين للمؤمنين).
القول الثالث: أي نحن الصافون في الصلاة والعبادة صفوفًا لا مثيل لها ليقتدي بها المؤمنون في الأرض، وليتأسوا بها. فعن ابن عباس ومجاهد: (﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾: الملائكة. ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾: الملائكة. ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾: الملائكة، نسبح لله .
قلت: ويجمع هذه الأقوال والمعاني أن الملائكة صافون في أداء الطاعة وفي منازل الخدمة التي يؤمرون بها.
ففي صحيح مسلم ومسند أحمد وسنن أبي داود والنسائي وابن ماجة عن جابر بن سَمُرة قال: [خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن في المسجد فقال: ألا تَصُفّون كما تَصُفُّ الملائكةُ عند ربها؟ فقلنا يا رسول الله: كيفَ تصفّ الملائكةُ عند ربها؟ قال: يتُمون الصفوف الأُوَل ويتراصون في الصف] (١). وفي رواية: [يتمون الصلاة بالصفوف الأُول، ويتراصون في الصف].
وله شاهد في مسند أحمد وسنن أبي داود ومعجم الطبراني بسند صحيح من حديث ابن عمر ولفظه: [أقيموا الصفوف، فإنما تَصُفّون بصفوف الملائكة، وحاذوا بين المناكب، وسُدّوا الخَلَل، ولينوا بأيدي إخوانكم، ولا تذروا فُرُجات للشيطان، ومَنْ وصل صفًّا وصله الله، ومن قطع صفًّا قطعهُ الله ] (٢).
فالملائكةُ مرابطون يتقنون القيام بما يؤمرون، كما يخلصون في العبادة، صفوفهم منتظمة تدل على علو مقاماتهم. قال القاسمي ﵀: (﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾: أي في أداء الطاعة ومنازل الخدمة التي نؤمر بها).
يروي ابن جرير عن أبي نضرة قال: (كان عمر إذا أقيمت الصلاة أقبل على الناس بوجهه فقال: يا أيها الناس استووا، إن الله إنما يريدُ بكم هديَ الملائكة عند ربها
стр. 3918
ويقرأ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ استووا، تقدم أنتَ يا فلان، تأخر أنتَ أي هذا، فإذا استووا تقدّم فكبر).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾.
فقد كان مشركو مكةَ قبل البعثة يكثرون من القول: لو أن عندنا كتابًا من السماء كالتوراة والإنجيل، أو جاءنا نبي كما أتى اليهود والنصارى لكنا من الذين أخلصهم الله لعبادتهِ وارتضاهم لمنهجه واختارهم لجنته. فكانوا إذا عُيِّروا بالجهل قالوا: ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾.
فعن السُّدّي قال: (هؤلاء ناسٌ من مشركي العرب قالوا: لو أن عندنا كتابًا من كتب الأولين أو جاءنا علمٌ من علم الأولين؟ قال: قد جاءكم محمد بذلك).
وعن ابن عباس: (قوله: ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾. قال: لما جاء المشركين من أهل الكتاب ذكرُ الأولين وعلم الآخرين كفروا بالكتاب ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾. يقول: قد جاءكم محمد بذلك فكفروا بالقرآن وبما جاء به محمد).
وقال الزجاج: (﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾: يعلمون مغبة كفرهم).
قلت: وهذه حال أكثر الأمم التي دمّرها الله في الدنيا، يدّعونَ حب الحق ولكنهم قومٌ خاضعون لأهوائهم لا يستطيعون الخروج من سيطرتها، لأنهم قد واجهت قلوبهم أمراضٌ ما دافعوها منذُ نشأتها، حتى إذا ترعرعت وكبرت وانطبعت حركاتهم وسكناتهم بها، واندمجت بسلوكهم وأفعالهم بحيث لا يستطيعون التخلص منها، فإذا ما أشرق لهم نور من الحق وكادوا ينتصرون له، انتكسوا متقهقرين أمام ضغط الشهوات والكبر والعجب وظهر عُوار ادعائهم وقبح ما وصلوا إليهِ، وفي الآخرة يخزيهم ربهم إذ يحاولون الادعاء من جديد، ويرجون من الله العودة إلى الدنيا والعمل بما يرضيه، فيقول سبحانه يكذبهم في صدق ادعائهم: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨) وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾.
إن قوله هذا سبحانه بشرى للمؤمنين، وأمل يبعثه في قلوب المرسلين، وهو وعيد
стр. 3919
يرسله الله على الكافرين المستكبرين المكذبين. وفيه معان متقاربة:
المعنى الأول: سبقت كلمتنا لهم بالسعادة. قال الفراء: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾. قال: أي: بالسعادة).
المعنى الثاني: أراد بالكلمةِ قوله سبحانه: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ - ذكره القرطبي، وأورد قول الحسن: (لم يُقْتَل من أصحاب الشرائع قط أحد).
المعنى الثالث: لهم الغلبة بالحجج الدامغة. فعن السدي: (﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ قال: يقول: بالحجج).
المعنى الرابع: سبق لهم منا القضاء والحكم بالنصر والغلبة. فعن قتادة: (﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ قال: سبق هذا من الله لهم أن ينصرهم).
قال ابن جرير: (أي مضى بهذا منا القضاء والحكم في أم الكتاب، وهو أنهم لهم النُّصرة والغلبة بالحجج، قال: وإن حزبنا وأهلَ ولايتنا لَهم الغالبون. قال: يقول: لهم الظفر والفلاح على أهل الكفر بنا والخلاف علينا).
وقال ابن كثير: (أي: تقدم في الكتاب الأول أن العاقبة للرسل وأتباعهم في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١]. ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ أي في الدنيا والآخرة).
قلت: هذه الآيات تجمع النصر والفوز بكل أشكاله في الدنيا والآخرة. فإن القيام بمنهج النبوة منهج الحق والدفاع والذود عن حماه يرافقه سعادة في الدنيا وسعادة في الآخرة. كما إن الدفاع عنه يتطلب علمًا بهذا المنهج، وكلما ازداد أهله علمًا به فتح الله عليهم من الحجج الدامغة وأسباب إحباط محاولات الباطل أكثر وأكثر، لتصفى الغلبةَ في النهاية للرسل ولأتباعهم، وليبقى الباطل مذعورًا حتى ينهزم، كما قال جل ثناؤه: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١]. وكما قال جلت عظمته: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف: ١١٠].
أخرج الإمام أحمد في المسند، وأبو نعيم في الحلية، بإسناد صحيح عن أنس،
стр. 3920
عن النبي ﷺ قال: [النصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، وإن مع العسر يسرًا] (١).
وأخرج الإمام النسائي بسند صحيح عن سعد، عن النبي ﷺ قال: [إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها، بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم] (٢).
وقوله: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾ - فيه أقوال:
القول الأول: أي أعرض عنهم حتى يفجؤهم الموت. فعن قتادة: (﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾: أي إلى الموت).
القول الثاني: أي أعرض عنهم إلى الوقت الذي أمهلهم الله إليه وهو يعلمه وحده.
فعن الزجاج: (﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾ قال: إلى الوقت الذي أمهلوا إليه).
وقال القاسمي: (﴿حَتَّى حِينٍ﴾ أي: إلى استقرار النصر لك).
القول الثالث: أي أمهلهم إلى يوم بدر يوم يُكسرون ويخزيهم الله. فعن السُّدي: (في قوله: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾ قال: حتى يوم بدر). وقال ابن عباس: (يعني القتل ببدر).
القول الرابع: أي أمهلهم إلى يوم فتح مكة - ذكره القرطبي.
القول الخامس: أي أعرض عنهم إلى حين يعانون العذاب يوم القيامة.
فعن ابن زيد: (﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾ قال: يوم القيامة).
قلت: يخفف الله في هذه الآية عن نبيّه ويسليه بأن لا يأبَهَ لاستهزاء المشركين، ويعرض عنهم إلى أن يأذن الله في إحقاق أمره ونصر نبيه وصحبه، يوم يسحق المؤمنون رؤوس الكفر بمكة في يوم بدر، ويوم يستقر النصر للمسلمين في فتح مكة، ويحكم المسلمون بمنهج الوحي، ثم ستبصرهم يا محمد أنت وأصحابكَ وقد أخزاهم الله في الدنيا، ويوم القيامة يفضحهم بما بيّتوا من مكر وكبر وظلم، ثم يصليهم جهنم وساءت مصيرًا. فاصبر على أذاهم اليوم يا محمد فإن الغَدَ ليس لصالحهم فسننصرك ونظفرك بهم. وهذه الآية كقوله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ
стр. 3921
أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٨].
وكقوله جل ذكره في سورة الحجر: ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥].
وكقوله جل ثناؤه في سورة المزمل: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: ١٠].
وقوله تعالى: ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾.
قال القاسمي ﵀: (أي بَصِّرهُمْ وعَرِّفْهُمْ عاقبة البغي والكفر، وما نزل بمن أُنْذِرَ قبلهم، أوضح لهم الدلائل والحجج في مجاهدتكَ إياهم بالوحي والقرآن. فإن لم يبصروا الآن: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أي ما قضينا لك من التأييد والنصرة).
قلت: وهو تفسير لطيف جميل جامع. وإبصارهم ذلكَ سيكون في الدنيا والآخرة. قال قتادة: (سوف يبصرون حين لا ينفعهم الإبصار).
وقال ابن زيد: (أنظرهم فسوف يبصرون ما لهم بعد اليوم. قال: يقول: يبصرون يوم القيامة ما ضيّعوا من أمر الله، وكفرهم بالله ورسوله وكتابه، قال: فأبصرهم وأبصر واحد). ذكره ابن جرير.
وقوله تعالى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾.
هو كقوله في سورة يونس: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨) قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠) أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [يونس: ٤٨ - ٥١].
فقد كانوا يقولون من فرط تكذيبهم واستهزائهم متى هذا العذاب، يطلبون تعجيله من شدة تكذيبهم وعنادهم، فإذا نزل بدارهم وساحتهم فبئس الصباح صباحهم، وبئس اليوم يومهم.
والعرب تقول: نزل بساحة فلان العذاب إذا أصابهُ ونزل به. والساحة هي فناء الدار.
قال السدي: (﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ﴾، قال: بدارهم. ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾، قال: فبئس ما يصبحون). وقال الزجاج: (وكان عذاب هؤلاء بالقتل). قال القرطبي:
стр. 3922
(﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾: أي بئس صباح الذين أنذروا بالعذاب، وفيه إضمار: أي فساء الصباح صباحهم. قال: وخصّ الصباح بالذكر لأن العذاب كان يأتيهم فيه).
أخرج البخاري في صحيحه عن أنس ﵁: [أنَّ رسول الله ﷺ أتى خَيْبَرَ ليلًا. وكان إذا أتى قومًا بليلٍ لَمْ يُغِرْ بهم حتى يُصبحَ، فلما أَصْبَحَ خَرَجَت اليهودُ بمساحيهم ومكاتلهم، فلما رَأَوْهُ قالوا: مُحمدٌ والله، محمد والخميس. فقال النبي ﷺ : خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين] (١).
وفي رواية: [فقتل النبي ﷺ المقاتِلة وسبى الذُّرية]. ورواه مسلم.
والمساحي: جمع مسحاة، وهي المجرفة، والمكاتل: جمع مكتل، وهو القفة.
والخميس: الجيش. وقوله: "خربت" - أي فتحت.
وفي رواية مسلم: [فقالوا: محمد والخميس، ورجعوا إلى حصنهم. فقال النبي ﷺ : اللهُ أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قومٍ فساء صباحُ المنذرين].
فكأن قوله تعالى هنا: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ﴾ يريد به يوم مكّن النبي ﷺ من أعدائه المشركين.
وقوله تعالى: ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾.
أعادها سبحانه تكرارًا وتأكيدًا بأن الأمر قادم لا محالة، وأن غدًا لناظره قريب. فهو تأكيد لما مضي من التهديد والوعيد. قال ابن جرير: (وأعرض يا محمد عن هؤلاء المشركين وخلِّهم وفريتهم على ربهم ﴿حَتَّى حِينٍ﴾. قال: يقول إلى حين يأذن الله بهلاكهم. ﴿وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ يقول: وأنظرهم فسوف يرون ما يحل بهم من عقابنا حين لا تنفعهم التوبة).
ثم ختم السورة سبحانه بتنزيه نفسه، وبالمدح والثناء لجبروته ولعزتهِ وكبريائه، فهو العزيز الجبار المتكبر رب كل شيءٍ ومليكه، فتنزيهًا للهِ رب القوة والبطش عما يصفه هؤلاء المشركون من قريش، وتسبيحًا لله سبحانه عما ينسبه أولئك المشركون له من البنات والولد، وكل السلام على المرسلين لسلامة ما وصفوه به من النقائص والعيوب، وكل الأمن على أتباع الرسل الذين مضوا على منهاجهم في وصف الله بما
стр. 3923
يليق بجلاله وكماله، وكل السلام والأمن على المؤمنين الذين يقومون بمقتضى هذه الصفات ولوازمها، والحمدُ أولًا وآخرًا لله العظيم رب العالمين.
فقال جل ثناؤه: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
فعن قتادة: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾: أي عما يكذبون، يسبح نفسه إذا قيل عليه البُهتان).
وقوله: ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ مجرور على البدل. وقوله: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ فيه هدي للمؤمنين أن يسلموا على المرسلين إذا ذكروهم.
أخرج البيهقي بسند حسن من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [صَلّوا على أنبياء الله ورسله، فإن الله بعثهم كما بعثني] (١).
وله شاهد رواه ابن عساكر بإسناد حسن عن وائل بن حجر، أن النبي ﷺ قال: [صلّوا على النبيين إذا ذكرْتُموني، فإنهم قد بُعثوا كما بُعثت] (٢).
فكان يربط صلوات الله وسلامه عليه النسب بعضه ببعض، نسب النبوة، نسب الوحي، نسب الإيمان، فإن الأنبياء ملة واحدة وجماعة واحدة ودينهم واحد.
ففي الصحيحين عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الدنيا والآخرة، ليس بيني وبينهُ نبي، والأنبياء أولاد علات - وفي رواية: إخوة من علات - أمهاتهم شتى ودينهم واحد] (٣).
وبنو العلات هم أولاد الرجل الواحد من نساء شتى. لذا كان من هديه صلوات الله وسلامه عليه أن يحث الأمة على الصلاة عليه، ويجمع إبراهيم ﷺ وآل إبراهيم في ذلك.
أخرج الإمام أحمد في المسند، والنسائي في السنن، بسند صحيح عن زيد بن خارجة، عن رسول الله ﷺ أنه كان يقول: [صلّوا عليّ، واجتهدوا في الدعاء وقولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، وبارك على محمد وآل محمد، كما
стр. 3924
باركت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد] (١).
فوصل ﵊ نسب التوحيد بعضه ببعض، وأكد الصلة مع إمام المنهج إبراهيم، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
وفي قوله تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ أكثر من تأويل عند المفسرين:
التأويل الأول: أي سلام على الذين بلغوا عن الله تعالى التوحيد والرسالة.
فهو سلام حفظه الله للأنبياء والرسل على ألسنة المؤمنين إلى يوم القيامة. كما سبق بحديث الإمام البيهقي عن أبي هريرةَ، قَوْلُه ﵊: [صلوا على أنبياء الله ورسله، فإن الله بعثهم كما بعثني].
التأويل الثاني: أي مَدْحٌ لهم من الله جل وعز، وثناء على رفعة الوصف الذي وصفوه به سبحانهُ متحدين به الكافرين والمستهزئين الذين ينسبون إلى الله البنات والولد والنقائص والعيوب.
قال ابن كثير: (فسبحان ذي العزة التي لا ترام عن قولِ هؤلاء المعتدين المفترين، وسلام الله على المرسلين في الدنيا والآخرة لسلامة ما قالوه في ربهم وصحته وحقّيته). وقال القاسمي: (أي سلام وأمان وتحية على المرسلين المبلغين رسالات ربهم). وقال النسفي: (اشتملت السورة على ذكر ما قاله المشركون في الله ونسبوه إليه مما هو منزه عنه، وما عاناهُ المرسلون من جهتهم وما خولوه في العاقبة من النصرة عليهم، فختمها بجوامع ذلكَ من تنزيِه ذاته عما وصفه به المشركون، والتسليم على المرسلين، والحمدُ لله رب العالمين على ما قيض لهم من حسن العواقب، والمراد تعليم المؤمنين أن يقولوا ذلكَ ولا يَخُلّوا به ولا يغفلوا عن مضمنات كتابه الكريم ومودعات قرآنه المجيد).
التأويل الثالث: أي أمن لهم من الله جل وعز يوم الفزع الأكبر.
قال ابن جرير: (وأمنة من الله للمرسلين الذين أرسلهم إلى أممهم الذين ذكرهم في هذه السورة وغيرهم من فزع يوم العذاب الأكبر وغير ذلك من مكروه أن ينالهم من قِبل الله ﵎.
стр. 3925
قلت: والآية تشمل جميع ما ذكر من بث السلام في الأرض وتحرك الألسنة إلى يوم القيامة بالسلام على المرسلين، وتقرب المؤمنين إلى ربهم بالصلاة على النبيين، وربط قلوبهم وحياتهم ومنهجهم بمنهاج المرسلين، ثم هو مدح الله لهذه القدوة من البشر ليؤصل الاقتداء والتأسي بهم في حياة أتباع الرسل أن صدقوا الله ما وصفوه، فصدقهم النصر في الدنيا وسيصدقهم الأمن من الفزع الأكبر في الآخرة، ودخول الجنةِ والخلود بنعيمها، واللهَ نسألُ أن ينعم علينا بالتزام منهاجهم في الدنيا وبالحياةِ بقربهم في جنةِ الفردوس في الآخرة.
وقوله هنا: ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. فيه أكثر من فهم عند المفسرين:
الفهم الأول: أي الحمدُ لله على إرسال المرسلين مبشرين ومنذرين. ذكره القاسمي حيث قال: (﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي على نعمهِ، التي أجَلّها إرسال الرسل لإظهار أسمائه الحسنى وشرائعه العليا، وإصلاح الأولى والأخرى).
الفهم الثاني: أي الحمدُ لله على ما صدق الرسل النصر والتأييد. ذكره النسفي وقال: (والحمدُ لله رب العالمين على ما قيض لهم من حسن العواقب).
الفهم الثالث: أي الحمدُ لله على هلاك المشركين.
ودليله: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ذكره القرطبي.
الفهم الرابع: أي الحمدُ لله على جميع ما أنعم به على الخلق أجمعين. ذكره ابن جرير ﵀ حيث قال: (والحمدُ لله رب الثقلين الجن والإنس خالصًا دون ما سواهُ لأن كل نعمة لعباده فمنه، فالحمدُ لهُ خالص لا شريكَ لهُ كما لا شريكَ له في نعمة عندهم بل كلها من قِبله ومن عنده).
الفهم الخامس: الحمدُ لله يدل على إثبات صفة الكمال لهُ وتنزيهه عما يقولون. ذكره الحافظ ابن كثير حيث قال: (ولما كان التسبيح يتضمن التنزيه والتبرئة من النقص ويستلزم إثبات الكمال، كما أن الحمدَ يدلُ على إثبات صفات الكمال ويستلزم التنزيه من النقص، قرن بينهما في هذا الموضع وفي مواضع كثيرة من القرآن، ولهذا قال ﵎: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾).
الفهم السادس: -وهو فَهْمٌ أضيفه ولم أجده عند المفسرين-: وهو الحمدُ لله الذي علّمنا صفاته العظمى وأسماءهُ الحسنى لندعوهُ بها، ويلهج القلبُ بالأنس والطمأنينة