← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.

стр. 3921

أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٨]. وكقوله جل ذكره في سورة الحجر: ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥]. وكقوله جل ثناؤه في سورة المزمل: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: ١٠]. وقوله تعالى: ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾. قال القاسمي ﵀: (أي بَصِّرهُمْ وعَرِّفْهُمْ عاقبة البغي والكفر، وما نزل بمن أُنْذِرَ قبلهم، أوضح لهم الدلائل والحجج في مجاهدتكَ إياهم بالوحي والقرآن. فإن لم يبصروا الآن: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أي ما قضينا لك من التأييد والنصرة). قلت: وهو تفسير لطيف جميل جامع. وإبصارهم ذلكَ سيكون في الدنيا والآخرة. قال قتادة: (سوف يبصرون حين لا ينفعهم الإبصار). وقال ابن زيد: (أنظرهم فسوف يبصرون ما لهم بعد اليوم. قال: يقول: يبصرون يوم القيامة ما ضيّعوا من أمر الله، وكفرهم بالله ورسوله وكتابه، قال: فأبصرهم وأبصر واحد). ذكره ابن جرير. وقوله تعالى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾. هو كقوله في سورة يونس: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨) قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠) أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [يونس: ٤٨ - ٥١]. فقد كانوا يقولون من فرط تكذيبهم واستهزائهم متى هذا العذاب، يطلبون تعجيله من شدة تكذيبهم وعنادهم، فإذا نزل بدارهم وساحتهم فبئس الصباح صباحهم، وبئس اليوم يومهم. والعرب تقول: نزل بساحة فلان العذاب إذا أصابهُ ونزل به. والساحة هي فناء الدار. قال السدي: (﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ﴾، قال: بدارهم. ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾، قال: فبئس ما يصبحون). وقال الزجاج: (وكان عذاب هؤلاء بالقتل). قال القرطبي:

стр. 3922

(﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾: أي بئس صباح الذين أنذروا بالعذاب، وفيه إضمار: أي فساء الصباح صباحهم. قال: وخصّ الصباح بالذكر لأن العذاب كان يأتيهم فيه). أخرج البخاري في صحيحه عن أنس ﵁: [أنَّ رسول الله ﷺ أتى خَيْبَرَ ليلًا. وكان إذا أتى قومًا بليلٍ لَمْ يُغِرْ بهم حتى يُصبحَ، فلما أَصْبَحَ خَرَجَت اليهودُ بمساحيهم ومكاتلهم، فلما رَأَوْهُ قالوا: مُحمدٌ والله، محمد والخميس. فقال النبي ﷺ : خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين] (١). وفي رواية: [فقتل النبي ﷺ المقاتِلة وسبى الذُّرية]. ورواه مسلم. والمساحي: جمع مسحاة، وهي المجرفة، والمكاتل: جمع مكتل، وهو القفة. والخميس: الجيش. وقوله: "خربت" - أي فتحت. وفي رواية مسلم: [فقالوا: محمد والخميس، ورجعوا إلى حصنهم. فقال النبي ﷺ : اللهُ أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قومٍ فساء صباحُ المنذرين]. فكأن قوله تعالى هنا: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ﴾ يريد به يوم مكّن النبي ﷺ من أعدائه المشركين. وقوله تعالى: ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾. أعادها سبحانه تكرارًا وتأكيدًا بأن الأمر قادم لا محالة، وأن غدًا لناظره قريب. فهو تأكيد لما مضي من التهديد والوعيد. قال ابن جرير: (وأعرض يا محمد عن هؤلاء المشركين وخلِّهم وفريتهم على ربهم ﴿حَتَّى حِينٍ﴾. قال: يقول إلى حين يأذن الله بهلاكهم. ﴿وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ يقول: وأنظرهم فسوف يرون ما يحل بهم من عقابنا حين لا تنفعهم التوبة). ثم ختم السورة سبحانه بتنزيه نفسه، وبالمدح والثناء لجبروته ولعزتهِ وكبريائه، فهو العزيز الجبار المتكبر رب كل شيءٍ ومليكه، فتنزيهًا للهِ رب القوة والبطش عما يصفه هؤلاء المشركون من قريش، وتسبيحًا لله سبحانه عما ينسبه أولئك المشركون له من البنات والولد، وكل السلام على المرسلين لسلامة ما وصفوه به من النقائص والعيوب، وكل الأمن على أتباع الرسل الذين مضوا على منهاجهم في وصف الله بما

стр. 3923

يليق بجلاله وكماله، وكل السلام والأمن على المؤمنين الذين يقومون بمقتضى هذه الصفات ولوازمها، والحمدُ أولًا وآخرًا لله العظيم رب العالمين. فقال جل ثناؤه: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. فعن قتادة: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾: أي عما يكذبون، يسبح نفسه إذا قيل عليه البُهتان). وقوله: ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ مجرور على البدل. وقوله: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ فيه هدي للمؤمنين أن يسلموا على المرسلين إذا ذكروهم. أخرج البيهقي بسند حسن من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [صَلّوا على أنبياء الله ورسله، فإن الله بعثهم كما بعثني] (١). وله شاهد رواه ابن عساكر بإسناد حسن عن وائل بن حجر، أن النبي ﷺ قال: [صلّوا على النبيين إذا ذكرْتُموني، فإنهم قد بُعثوا كما بُعثت] (٢). فكان يربط صلوات الله وسلامه عليه النسب بعضه ببعض، نسب النبوة، نسب الوحي، نسب الإيمان، فإن الأنبياء ملة واحدة وجماعة واحدة ودينهم واحد. ففي الصحيحين عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الدنيا والآخرة، ليس بيني وبينهُ نبي، والأنبياء أولاد علات - وفي رواية: إخوة من علات - أمهاتهم شتى ودينهم واحد] (٣). وبنو العلات هم أولاد الرجل الواحد من نساء شتى. لذا كان من هديه صلوات الله وسلامه عليه أن يحث الأمة على الصلاة عليه، ويجمع إبراهيم ﷺ وآل إبراهيم في ذلك. أخرج الإمام أحمد في المسند، والنسائي في السنن، بسند صحيح عن زيد بن خارجة، عن رسول الله ﷺ أنه كان يقول: [صلّوا عليّ، واجتهدوا في الدعاء وقولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، وبارك على محمد وآل محمد، كما

стр. 3924

باركت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد] (١). فوصل ﵊ نسب التوحيد بعضه ببعض، وأكد الصلة مع إمام المنهج إبراهيم، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم. وفي قوله تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ أكثر من تأويل عند المفسرين: التأويل الأول: أي سلام على الذين بلغوا عن الله تعالى التوحيد والرسالة. فهو سلام حفظه الله للأنبياء والرسل على ألسنة المؤمنين إلى يوم القيامة. كما سبق بحديث الإمام البيهقي عن أبي هريرةَ، قَوْلُه ﵊: [صلوا على أنبياء الله ورسله، فإن الله بعثهم كما بعثني]. التأويل الثاني: أي مَدْحٌ لهم من الله جل وعز، وثناء على رفعة الوصف الذي وصفوه به سبحانهُ متحدين به الكافرين والمستهزئين الذين ينسبون إلى الله البنات والولد والنقائص والعيوب. قال ابن كثير: (فسبحان ذي العزة التي لا ترام عن قولِ هؤلاء المعتدين المفترين، وسلام الله على المرسلين في الدنيا والآخرة لسلامة ما قالوه في ربهم وصحته وحقّيته). وقال القاسمي: (أي سلام وأمان وتحية على المرسلين المبلغين رسالات ربهم). وقال النسفي: (اشتملت السورة على ذكر ما قاله المشركون في الله ونسبوه إليه مما هو منزه عنه، وما عاناهُ المرسلون من جهتهم وما خولوه في العاقبة من النصرة عليهم، فختمها بجوامع ذلكَ من تنزيِه ذاته عما وصفه به المشركون، والتسليم على المرسلين، والحمدُ لله رب العالمين على ما قيض لهم من حسن العواقب، والمراد تعليم المؤمنين أن يقولوا ذلكَ ولا يَخُلّوا به ولا يغفلوا عن مضمنات كتابه الكريم ومودعات قرآنه المجيد). التأويل الثالث: أي أمن لهم من الله جل وعز يوم الفزع الأكبر. قال ابن جرير: (وأمنة من الله للمرسلين الذين أرسلهم إلى أممهم الذين ذكرهم في هذه السورة وغيرهم من فزع يوم العذاب الأكبر وغير ذلك من مكروه أن ينالهم من قِبل الله ﵎.

стр. 3925

قلت: والآية تشمل جميع ما ذكر من بث السلام في الأرض وتحرك الألسنة إلى يوم القيامة بالسلام على المرسلين، وتقرب المؤمنين إلى ربهم بالصلاة على النبيين، وربط قلوبهم وحياتهم ومنهجهم بمنهاج المرسلين، ثم هو مدح الله لهذه القدوة من البشر ليؤصل الاقتداء والتأسي بهم في حياة أتباع الرسل أن صدقوا الله ما وصفوه، فصدقهم النصر في الدنيا وسيصدقهم الأمن من الفزع الأكبر في الآخرة، ودخول الجنةِ والخلود بنعيمها، واللهَ نسألُ أن ينعم علينا بالتزام منهاجهم في الدنيا وبالحياةِ بقربهم في جنةِ الفردوس في الآخرة. وقوله هنا: ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. فيه أكثر من فهم عند المفسرين: الفهم الأول: أي الحمدُ لله على إرسال المرسلين مبشرين ومنذرين. ذكره القاسمي حيث قال: (﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي على نعمهِ، التي أجَلّها إرسال الرسل لإظهار أسمائه الحسنى وشرائعه العليا، وإصلاح الأولى والأخرى). الفهم الثاني: أي الحمدُ لله على ما صدق الرسل النصر والتأييد. ذكره النسفي وقال: (والحمدُ لله رب العالمين على ما قيض لهم من حسن العواقب). الفهم الثالث: أي الحمدُ لله على هلاك المشركين. ودليله: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ذكره القرطبي. الفهم الرابع: أي الحمدُ لله على جميع ما أنعم به على الخلق أجمعين. ذكره ابن جرير ﵀ حيث قال: (والحمدُ لله رب الثقلين الجن والإنس خالصًا دون ما سواهُ لأن كل نعمة لعباده فمنه، فالحمدُ لهُ خالص لا شريكَ لهُ كما لا شريكَ له في نعمة عندهم بل كلها من قِبله ومن عنده). الفهم الخامس: الحمدُ لله يدل على إثبات صفة الكمال لهُ وتنزيهه عما يقولون. ذكره الحافظ ابن كثير حيث قال: (ولما كان التسبيح يتضمن التنزيه والتبرئة من النقص ويستلزم إثبات الكمال، كما أن الحمدَ يدلُ على إثبات صفات الكمال ويستلزم التنزيه من النقص، قرن بينهما في هذا الموضع وفي مواضع كثيرة من القرآن، ولهذا قال ﵎: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾). الفهم السادس: -وهو فَهْمٌ أضيفه ولم أجده عند المفسرين-: وهو الحمدُ لله الذي علّمنا صفاته العظمى وأسماءهُ الحسنى لندعوهُ بها، ويلهج القلبُ بالأنس والطمأنينة

стр. 3926

لذكرها، لئلا نزيغ في معرفته ونخوض في أوحال الفلسفة ومتاهات الرأي والقول على الله بغير علم، فسبحانَ من نزه نفسهُ ووصفها بما يحب، وكل الحمد له جل ثناؤه أن علّمنا ما يُحِبُّ، ودلّنا على ما لا يُحِبّ، حُبًّا منه لنا لنصل إلى ما نحبّ. كما قال جل ثناؤه في سورة النساء، يصف مصير ومستقبل المؤمنين به كما وصف نفسه والمنزهين له عن النقائص والفحشاء: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾. أخرج الطبراني في "الكبير"، وابن حبان في صحيحه، بسند صحيح عن أبي شريح الخزاعي قال: [خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: أبشروا أبشروا، أليسَ تشهدون أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟ قالوا: نعم. قال: فإن هذا القرآن سببٌ طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به، فإنكم لن تضلوا ولن تهلكوا بعده أبدًا] (١). وروى البزار بسند صحيح - موقوفًا - عن عبد الله بن مسعود قال: [إن هذا القرآن شافعٌ مشَفَّعٌ، من اتبعه قاده إلى الجنة، ومن تركه أو أعرض عنه زُخَّ (٢) في قفاه إلى النار] (٣). وكل ما سبق في معنى المد مراد، فهم يعمّ إرساله تعالى الرسل ونصرهم وإهلاك عدوهم، كما يعمّ تبرئة وتنزيه نفسه سبحانه، وما هدانا له من العلم عنه وعن أسمائه وصفاته، فالحمدُ لله أولًا وآخرًا، والصلاة على أنبيائه ورسله، والسلام على أتباعهم والقائمين على منهاجهم إلى يوم القيامة. تم تفسير سورة الصافات بعون الله وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه * * *

стр. 3927

دروس ونتائج وأحكام ١ - الصافات هم الملائكة. وفي الحديث: [أقيموا صفوفكم فإنما تصفون بصفوف الملائكة]. ٢ - الساحر يكذب مع ما أصاب من مسترق السمع مئة كذبة ليصنع رواية. ٣ - الجنّ ثلاثة أصناف: فَصِنْفٌ لهم أجنحة يطيرون بها في الهواء، وصِنْفٌ حياتٌ وكِلاب، وصِنْفٌ يَحِلّون ويظعنون. ٤ - يحشر الكفار يوم القيامة مع أشباههم ونظائرهم في الكفر ونسائهم المرافقات لهم على الكفر والمكر. ٥ - إن الله تعالى خلق الجنة، وخلق النار، فخلق لهذه أهلًا، ولهذه أهلًا. ٦ - إن في الجنةِ بحرَ الماء، وبحر العسل، وبحر اللبن، وبحر الخمر، ثم تَشَقَّق الأنهار بعد. ٧ - خَبَّأ الله للمؤمنين في الجنةِ زوجات هنّ خلاصة في البياض الفاتن الجَذَّاب، وغاية في الرقة والحسن، عذارى لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان. ٨ - لو أنَّ قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم، فكيف بمن تكون طعامه؟ ! ٩ - قال الله تعالى: الكبرياء ردائي، والعظمةُ إزاري، فمن نازعنى واحدًا منهما قذفتهُ في النار. ١٠ - إن الله تعالى يصنع كل صانع وصنعته. ١١ - أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة. اكتب القدر وما هو كائن إلى الأبد.

стр. 3928

١٢ - من الفقه التباعد من أهل الظلم والتحذير من مجالستهم ومجالسة البغاة ونحوهم من المبطلين. ومن كثَّرَ سواد قوم جرى عليهم حكمهم في ظاهر عقوبات الدنيا. ١٣ - من كان لهُ سعة ولم يُضَحِّ فلا يقربن مصلانا. وصلاة العيد واجبة في المصلى. وأيام النحر: يوم الأضحى وثلاثة أيامٍ بعده. ١٤ - لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى. ودعوة ذي النون: لا إله إلا أنتَ سبحانكَ إني كنتُ من الظالمين، لم يدع بها رجل في كرب أو بلاء إلا فُرج عَنْهُ بإذن الله. ١٥ - تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفكَ في الشدة. وصنائع المعروف تقي مصارع السوء والآفات والهلكات، وأهل المعروف في الدنيا هم أهلُ المعروف في الآخرة. ١٦ - أطّت السماء وحق لها أن تَئِطّ: ما فيها موضع شبر إلا وفيهِ جبهة ملك ساجد يسبِّح الله بحمده. ١٧ - [صلوا على النبيين إذا ذكرتموني، فإنهم قد بُعثوا كما بُعثت]. ١٨ - إن هذا القرآن طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به، فإنكم لن تضلوا ولن تهلكوا بعده أبدًا. * * *

стр. 3929

٣٨ - سورة ص وهي سورة مكية، وعدد آياتها (٨٨) موضوع السورة تعظيم الوحي الكريم منهاج الحكم والقوة في حياة المرسلين - منهاج السورة - ١ - إقسامُ الله تعالى بكتابه الكريم، وثناؤه عليه فهو القرآن ذو الذكر الحكيم. ٢ - إخبار الله تعالى عن استكبار الكافرين، واعتزازهم بالباطل وعدم اعتبارهم بمصير المجرمين. ٣ - خوف المشركين من "لا إله إلا الله" التي تكشف كذبهم وظلمهم وجرائمهم، وتفضح عجز آلهتهم وأوثانهم. ٤ - استكبارُ المشركين عن اتباع رسول الله ﷺ ، وبثّهم الشكوك في أمر النبوة. ٥ - تأخيرُ الله عذابه عن الكافرين، وتذكيرهم بنفسه تعالى وجبروته وملكوته خزائن السماوات والأرضين، وتحدّيهم أن يصعدوا ويتفقدوا ملكهم إن كانوا شركاء له تعالى بل كانوا كاذبين.

стр. 3930

٦ - تكذيب الأمم السابقة ونزول العذاب بهم، وتقريع مشركي قريش في تقليدهم من قبلهم. ٧ - تسليةُ النبي ﷺ وتذكيره تعالى له بنعمته على عبده داود ﵇، وتسخيره له الجبال والطير وأسباب القوة وفصل الخطاب بين الأنام، وقصة الخصمين والدرس الناتج عنها بوجوب سماع طرفي الخصام، والحكم بالعدل دون شطط وإلا فالقصاص يوم الزحام. ٨ - الغايةُ من خلق السماوات والأرض وما بينهما، والويل كل الويل على الكفار، واختلاف الطريقين والمصيرين بين المتقين والفجار. ٩ - قصةُ سليمان ﵇، وطموح كالجبال لإقامة الحق والحكم بين الأنام، وتسخيره تعالى له الريح والجن والجند عطاء من الله للشاكرين الكرام. ١٠ - ذِكْرُ الله تعالى أيوب ﵇ والنداء الصادق وإجابة الله الدعاء، وذِكْرُ إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار، الذين اختصهم الله بمنقبة عظيمة وهي ذكر الآخرة والاستعداد للرحيل لتلك الدار. ١١ - ثناء الله تعالى على إسماعيل واليسع وذي الكفل ﵈. ١٢ - ثناءُ الله تعالى على المتقين المتبعين هذا الذكر العظيم، ونَعْتُهُ تعالى ما أعدَّ لهم في جنات النعيم. ١٣ - تقريعُ الله المشركين ووصفه عذابهم في الجحيم، ودخولهم إليها أمة بعد أمة في الأذلين، وتخاصم الأتباع المستضعفين مع المتبوعين المجرمين. ١٤ - إثباتُ الرسالة من الله تعالى لنبيه ﵊، وقصة خلق الإنسان واستكبار إبليس وتوعده غواية الذرية إلى يوم الوقت المعلوم. ١٥ - تبرؤ الرسول ﷺ من طلب الأجر على دعوته إلا من الله العظيم، وإثباته لقومه أنه إنما هو نذير مبين، وأنهم سيعلمون نبأ هذا الأمر ولو بعد حين. * * *

стр. 3931

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ١٦. قوله تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢) كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣) وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (٦) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (٨) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ (١٠) جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ (١١) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (١٢) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ (١٣) إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (١٤) وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (١٥) وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦)﴾. في هذه الآيات: يقسم سبحانه بالقرآن المشتمل على أنواع كثيرة من الذكر، كذكر العباد ومنافعهم ومعايشهم ومعادهم، وذكر أحوال الأمم الماضية وكبرهم ثم هلاكهم، وكونه ذكرًا يذكره المؤمنون بألسنتهم ويتلونه ويتذكرون به فيعتبرون بعبره وقصصه وأمثاله ويأتمرون بأمر ربهم ويلتزمون بِحَثِّهِ على طاعة نبيّهم، وإنما لم ينتفع الكافرون به لأنهم مضوا في استكبارهم عنه وفي غيّهم، وفي الشقاق والمعاندة والمفارقة والعجب بعقولهم وخدمة أهوائهم، لكن الله يخوفهم أن يحيق بهم ما حاق بالأمم من قبلهم، جأروا إلى الله واستغاثوا به حين أنزل العذاب بساحتهم، فنادوا بالتوحيد حين غرغرت أرواحهم، فما نفعتهم بذلك ذكراهم، وقد عجبوا من قبل أن يرسل الله فيهم بشرًا مثلهم، فاتهموه بالسحر والكذب وكيف جعل المعبود واحدًا

стр. 3932

وعاب عليهم شركهم، فانطلق رؤساؤهم وكبراؤهم يأمرونهم أن يصبروا على ما عهدوه من عبادة أوثانهم وعادة آبائهم، مستبعدين أن يكون محمد ﷺ قد خُصِّصَ بإنزال القرآن عليه من بينهم، ولكنهم تطاولوا وكذبوا لأن الله قد أخّر عذابه عنهم وما عاجلهم، فذكرهم بنفسه وجبروته وقوته وملكوته لخزائن السماوات والأرض قبل أن ينزل نقمته بهم، فهل شاركوه في خزائنها أم شاركوه في خلقها فهي تمضي بأمرهم، فإن كانوا يملكون ذلك فليصعدوا في طرق السماء وأبوابها فيتفقدوا بذلك ملكهم، ويشرفوا بذلك ويتعهدوا سلطانهم، ولكن هؤلاء من أحزاب إبليس وأتباعه الذين مضوا قبلهم فأهلكهم الله بذنوبهم، فقد مضى قوم نوح وقوم فرعون وعاد وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة لما كذبوا الرسل أخزاهم الله وأرداهم، وما قريش بتكذيبها لك يا محمد إلا سينالها ما نال أولئك الأحزاب جميعهم، وقد حقَّ وَعْدُ الله فدكهم المؤمنون يوم بدر بقيادة نبيّهم، ثم نفخة الفزع في الصيحة يؤخذون بها فلا إفاقة بعدها ولا رجوع إلى دنياهم، وقد كانوا قبل ذلك يستعجلون العذاب مستهزئين فأذاقهم الله عذابًا في دنياهم وفي قبورهم ثم في أخراهم. وتفصيل ذلك: قوله: ﴿ص﴾. قيل: من المصاداة، أي صادِ بعملك القرآن: أي عارضه به، كما قال الحسن: (عارض القرآن بعملك). وقيل: المعنى: (اعرضه على عملك فانظر أين عملك من القرآن). وقيل: بل هو قسم أقسمه الله، وقيل: بل هو اسم للقرآن. وقيل: بل المعنى صدق الله، إلى غير ذلك مما لا دليل عليه تقوم به الحجة. وإنما أميل إلى تفسير هذه الحروف المقطعة بأنها لبيان الإعجاز، إذ القرآن الكريم مركب من مثل هذه الأحرف، فليعارضوه بمثله إن استطاعوا، وقد أنزل عليهم وهم أهل الفصاحة والبيان. قال شيخ الإسلام ﵀: (إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانًا لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، هذا مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها). وعامة القراء قرؤوها بسكون الدال. وقوله: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾. الواو واو القسم، والقرآن مجرور بها إذ الواو بدل الباء. فأقسم به سبحانه بيانًا لشرفه وتنبيهًا على جلالة قدره وعظمته وبيانه، وإشارة إلى إعجازه وسموّ معانيه، فهو كلام الله فيه شفاء لما في الصدور. وقوله: ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾. ذي: في محل جر صفة، وعلامة جره الياء، وفي مفهوم ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ معان جميلة وفيرة:

стр. 3933

المعنى الأول: (ذي الشرف). فعن أبي حصين: (﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ قال: ذي الشرف) ذكره ابن جرير. المعنى الثاني: (ذي البيان). فعن ابن عباس ومقاتل: (﴿ذِي الذِّكْرِ﴾: ذي البيان). المعنى الثالث: ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ أي يُرفع ذكر صاحبه المؤمن به العامل بمنهاجه. فعن الضحاك قال: (ذي الشرف، أي من آمن به كان شرفًا له في الدارين، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾: أي شرفكم). المعنى الرابع: ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ أي: فيه ذكركم وذكر أخباركم. ففي رواية عن الضحاك: (﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ قال: فيه ذكركم. قال: ونظيرتها ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾). المعنى الخامس: ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ أي: ذي التذكير يذكركم الله به بمنهج النجاة في الدنيا والآخرة. قال ابن جرير: (فكان معلومًا بذلك أنه إنما أخبر عن القرآن أنه أنزله ذكرًا لعباده ذكرهم به وأن الكفار من الإيمان به في عزة وشقاق). فرجح هذا المعنى وقال: (أي ذي التذكير ذكَّركم الله به أولى لأنه أتبع بقوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ فأنزله ذكرًا لعباده ذكَّرهم به). المعنى السادس: أي فيه ذكر ما يحتاج إليه من أمر الدين. المعنى السابع: أي فيه ذكر أسماء الله وتمجيده. ذكره والذي قبله القرطبي. المعنى الثامن: أي ذي الموعظة والذكر. أشار إليه الحافظ ابن كثير. قلت: وكلها معان متقاربة واختلافات تنوع لا تضاد، وغاية المعنى أن يقال: إن الله جل ثناؤه أقسم بعزيز وهو أعز ما يصل العباد به، وهو القرآن ذو الشرف والبيان، ذو التذكير والترغيب والترهيب، وذو الوعد والوعيد، وذو الخبر عن الأمم التي مضت وذكر أخبار الطغاة وما حاق بهم لما كذبوا القرآن وما عظموه ولم يتحاكموا إليه، وذكر مصير المؤمنين ومصير المجرمين يوم القيامة. قال الله جل ثناؤه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾. فالقرآن - كما جاء نَعْته في الأثر-: (كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحُكمُ ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزْلِ، مَنْ تركه من جبّار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو

стр. 3934

الصراطُ المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلُقُ عن كثرة الرَّد، ولا تنقضي عجائبُه، هو الذي لم تنتهِ الجنُّ إذ سمعته حتى قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ من قال به صدق، ومن عمل به أُجِرَ، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليهِ هُدِيَ إلى صراطٍ مستقيم). وأما جواب القسم ففيه أقوال: القول الأول: قيل جوابه: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾، ذكره الحافظ ابن كثير، وذكره القرطبي عن الأخفش قال: (جواب اقسم ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾، ونحو منه قوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ وقوله: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ ... إِنْ كُلُّ نَفْسٍ﴾). قال ابن الأنباري: (وهذا قبيح لأن الكلام قد طال فيما بينهما وكثرت الآيات والقصص). القول الثاني: قيل جوابه: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾. فعن قتادة: (﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ﴾ قال: ها هنا وقع القسم). واختاره ابن جرير وقال: (﴿بَلِ﴾، دلت على التكذيب، وحلت محلّ الجواب، استغني عن الجواب). القول الثالث: قيل جوابه: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾. قاله بعض النحويين في الكوفة. قال الكسائي: (جواب القسم قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾). وعارضه ابن الأنباري أيضًا كما عارض القول الأول. قال: (وهذا أقبح من الأول، لأن الكلام أشدُّ طولًا فيما بين القسم وجوابه). القول الرابع: قيل جوابه: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾. ذكره القرطبي. القول الخامس: قيل جوابه ما تضمنته السورة بكمالها. ذكره ابن كثير. القول السادس: قيل جوابه ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ كأنه قال: والقرآن لَكَمْ أهلكنا، فلما تأخرت (كم) حذفت اللام منها. كقوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ ثم قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ أي لقد أفلح. قال المهدوي: وهذا مذهب الفراء. القول السابع: قيل الجواب محذوف. قال قتادة: (الجواب محذوف تقديره ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ لتبعثن). وقال القاسمي: (والجواب محذوف لدلالة السياق عليه أي إنه لحق). القول الثامن: قيل جواب القسم ﴿ص﴾، لأن معناه حق، فهي جواب لقوله: ﴿وَالْقُرْآنِ﴾ كما تقول: حقًّا والله، نزل واللهِ، وجب والله، فيكون الوقف من هذا

стр. 3935

الوجه على قوله: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ حسنًا وعلى ﴿فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ تمامًا. قاله ابن الأنباري وحكى معناه الثعلبي عن الفراء كما ذكر القرطبي. قلت: وغاية القول، إنها أجوبة للقسم كلها محتملة، ولكن خبأها الله ليكون ذلك أبلغ في الخوف منه من هذا القسم العظيم الذي أقسم به، والله تعالى أعلم. وقوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ فيه أوجه من التفسير: الوجه الأول: أي لم ينتفع به الكفار لأنهم في كبر وعناد. قال الحافظ ابن كثير: (إن هذا القرآن لذكرى لمن يتذكر وعبرة لمن يعتبر، وإنما لم ينتفع به الكافرون لأنهم ﴿فِي عِزَّةٍ﴾: في استكبار عنه وحمية ﴿وَشِقَاقٍ﴾: مخالفة له ومعاندة ومفارقة). وهو تفسير جميل مناسب. قال النسفي: (﴿وَشِقَاقٍ﴾ خلاف لله ولرسوله، والتنكير في عزة وشقاق للدلالة على شدتهما وتفاقمهما). الوجه الثاني: أي الذين كفروا في عداوة ومشاقة لمحمد. واختاره ابن جرير وقال: (بل الذين كفروا بالله من مشركي قريش في حمية ومشاقة وفراق لمحمد وعداوة، وما بهم أن لا يكونوا أهل علم بأنه ليس بساحر ولا كذّاب. قال: ما الأمر كما يقول هؤلاء الكافرون بل هم في عزة وشقاق). وهو تفسير آخر لطيف مناسب. الوجه الثالث: أي الذين كفروا في استعلاء عن قبول الحق. ذكره القرطبي حيث قال: (أي في تكبر وامتناع من قبول الحق، كما قال جل وعز: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ والعزة عند العرب الغلبة والقَهْر). وقال القاسمي: (﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ﴾ أي كبر ﴿وَشِقَاقٍ﴾ أي عداوة للحق والإذعان له. إضراب عمّا قبله. كأنه قيل: لا ريب فيه قطعًا. وليس عدم إيمان الكفرة به لشائبة ريبٍ ممّا فيه. بل هم في حمية جاهلية وشقاق بعيد لله ولرسوله. ولذلك لا يذعنون له). قلت: ومنه يفهم قول مجاهد: (﴿فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ قال: معازِّين)، وقول قتادة: (﴿فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ قال: أي في حمية وفراق). فقد اعترى قلوبهم من الأمراض الفتاكة والأوبال الضارة والعيوب المدمرة: كحب الرياسة والعلو والكلمة النافذة والكبر وظلم الناس ما سيطر على قلوبهم وعمّ في حركة فكرهم وأفئدتهم وعشعش في نفوسهم، فلمّا لم يدافعوها ولم ينتفعوا بحقائق الحياة والموت والكون لمعاكستها وعلاجها، بقيت أمامهم فرصة ثمينة للاستفادة منها وهي نزول الوحي أمام أعينهم وسماع القرآن وهو يخاطب قلوبهم، ولكنهم أمام هذا النداء العظيم الذي أقرّوا به من داخلهم،

стр. 3936

انهزموا أمام شهواتهم فسقطوا صرعى كبرهم وعنادهم، وما سهر الشيطان على رعايته في قلوبهم، فعادوا وظهروا في عزة وشقاق أي في مظهر الكبر وعداوة محمد والحق وفي استعلاء واستهزاء، إذ أراهم الشيطان خَطر محمد والحق على زعاماتهم وعروشهم وما جمعوا في دنياهم. والشقاق في لغة العرب من الشقّ: وهو نِصف الشيء، والمشاقَّةُ والشِّقاق: الخلاف والعداوة. فالمشركون في عزة وشقاق: أي في إظهار خلاف وعداوة ومباينة فكأن هذا في شق وذاك في شق. وقوله تعالى: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾. أي: كم دَمَّرنا أقوامًا أشد منهم منعة وقوة فجأروا مستغيثين وبالتوبة منادين لكنهم فعلوا ذلك متأخرين حين فات الأوان. وفيه تفاسير: التفسير الأول: نادوا بالتوبة حين لا تنفعهم. فعن الحسن: (﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ قال: نادوا بالتوبة وليس حين التوبة ولا حين ينفع العمل). وقال قتادة: (نادى القوم على غير حين نداء، وأرادوا التوبة حين عاينوا عذاب الله فلم يقبل منهم ذلك). قال ابن جرير: (فعجّوا إلى ربهم وضجوا واستغاثوا بالتوبة إليه حين نزل بهم بأس الله وعاينوا به عذابه فرارًا من عقابه وهربًا من أليم عذابه). التفسير الثاني: نادوا مستنجدين في وقت ليس بحين نزو ولا فرار ولا مغاث. فعن ابن عباس: (في قوله ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ قال: ليس بحين نزو ولا حين فرار). وفي رواية: (ليس حين مغاث). والنزو: هو ضَرْبٌ من العَدْوِ والهرولة. التفسير الثالث: قيل من عادة الأقوام إذا قاتلوا فاضطروا للفرار قال بعضهم لبعض (مناص). قال الكلبي: (كانوا إذا قاتلوا فاضطروا قال بعضهم لبعض مناص، أي عليكم بالفرار والهزيمة، فلما أتاهم العذاب قالوا مناص، فقال الله : ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾). قال القشيري: (وعلى هذا فالتقدير: فنادوا مناص فحذف لدلالة بقية الكلام عليه، أي ليس الوقت وقت ما تنادون به). واختار الأخفش أنها (لا) النافية للجنس زيدت عليها تاء. التفسير الرابع: قيل المعنى لا خلاص: قال الجرجاني: (أي فنادوا حين لا مناص، أي ساعة لا منجىً ولا فوت). وقيل لا خلاص منصوب بوقوع لا عليه.

стр. 3937

وقيل فلما قدم (لا) وأخر (حين) اقتضى ذلك الواو. قال القرطبي ﵀: (فحين ظرف لقوله ﴿فَنَادَوْا﴾ والمناص بمعنى التأخر والفرار والخلاص، أي نادوا لطلب الخلاص في وقت لا يكون لهم فيه خلاص). وقال القاسمي: (أي وليس الحين حين فِرار ومهرب ونجاة). قال النسفي: (﴿فَنَادَوْا﴾ فدعوا واستغاثوا حين رأوا العذاب ﴿وَلَاتَ﴾ هي لا المشبهة بليس زيدت عليها تاء التأنيث كما زيدت على ربّ وثم للتوكيد. قال: وقوله: ﴿حِينَ مَنَاصٍ﴾ منجى منصوب بها كأنك قلت ولا حين مناص لهم). أي التقدير: وليس الحين حين مناص. قال ابن جرير: (وقد حقت كلمة العذاب عليهم وتابوا حين لا تنفعهم التوبة واستقالوا في غير وقت الإقالة). قلت: وخلاصة المعنى أن القوم استرسلوا في غيِّهم ومضوا في عنادهم وتكذيبهم، كل أمة منهم تكذب رسولها، فلما عاينوا العذاب والدمار الذي حُذّروا من وقوعه بهم، هُرعوا مسرعين إلى التوبة والاستغفار والتصديق فنادوا مستنجدين في ساعة متأخرة ليس فيها خلاص وفي وقت لا نزو فيه ولا فرار ولا مغاث. و(النَّوْصُ) في لغة العرب التأخر، و (المناص) الملجأ والمفَرُّ، وهو مفعل من النَّوْص. وقوله تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾. أي: فعجبوا أن لم ياتهم ملك ينذرهم بل بشر منهم. فَعن قتادة: (﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾، يعني محمدًا ﷺ ، فقال الكافرون هذا ساحر كذّاب). وفي صلة الآيات بما قبلها وما بعدها وجوه من البلاغة: الوجه الأول: أن يكون قوله: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ اعتراضيًا ويكون الكلام بما قبله متصلًا، أي التقدير: بل الذين كفروا في عزة وشقاق وعجبوا. الوجه الثاني: أن يكون معنى ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ﴾ هو (وعجبوا من أن جاءهم) و (أنْ) في محل نصب. الوجه الثالث: أن يكون الكلام مستأنفًا بهذه الآية، أي: ومن جهلهم أظهروا التعجب واستبعدوا أن يكون النبي من البشر منذرًا لهم منهم. وكلها وجوه متقاربة مفادها أن الكفار استبعدوا بخفة عقولهم وقلوبهم أن يرسل الله فيهم رسولًا منهم يعرفون نسبه وصدقه، فقد تعلقت قلوبهم لخفتها بالخوارق والخيالات، لذلك اتهموه بالسحر وبأنه يجيء بالكلام المموّه الذي يخدع به الناس

стр. 3938

وما هو بصادق في دعوى النبوة، ونسبوا إليه التفريق بسحره بين الوالد وولده والرجل وزوجتهِ. وقوله: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾. أي: صيّر الآلهة إلهًا واحدًا، فإن جعل تعدت لمفعولين. وعن قتادة: (﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ قال: عجب المشركون أنْ دُعوا إلى الله وحده وقالوا: يسمع لحاجاتنا جميعًا إله واحد، ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة). ومنهم من فرّق بين العجيب والعجاب. ففي لغة العرب: العَجبُ والعجَابُ الأمر الذي يُتَعجَّب منه. وكذا (العُجَّاب) بتشديد الجيم وهو أكثر. قال الخليل: (العجيب العَجَب، والعُجَاب الذي قد تجاوز حدّ العَجَب). ونحوه طويل وطُوال فالطويل الذي به طول، والطُوال هو الموصوف بشدة الطول. قال القاسمي ﵀: (﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ أي بليغ في العجب. وذلك لتمكن تقليد آبائهم في نفوسهم، ورسوخه في أعماق قلوبهم. ومضيّ قرون عديدة عليه، وإلفهم به وأنسهم له، حتى ران على قلوبهم، وغشي على أبصارهم، ونسي باب النظر والاستدلال. بل محي بالكلية من بينهم، وصار عندهم من أبطل الباطل وأمحل المحال). وقوله تعالى: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾. يروي ابن سعد في الطبقات: (أن وفدًا من زعماء قريش قدموا إلى أبي طالب ليلتمسوا إليه أن يكف ابن أخيه، فاستدعاه وقال له: يا ابن أخي، هؤلاء عمومتك وأشراف قومك وقد أرادوا أن ينصفوك. فقال رسول الله ﷺ : قولوا: أسمع. قالوا: تدعنا وآلهتنا وندعك وآلهتك. قال أبو طالب: قد أنصفك القوم فاقبل منهم. فقال رسول الله ﷺ : أرأيتم إن أعطيتكم هذه هل أنتم معطيّ كلمة إن تكلمتم بها ملكتم العرب ودانت لكم العجم. فقال أبو جهل: إن هذه كلمة مربحة، أَنْعِم وأبيك لنقولنها وعشر أمثالها. فقال الرسول الله ﷺ : قولوا لا إله إلا الله، فاشمأزوا ونفروا منها وغضبوا وقاموا وهم يقولون: ﴿وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾). فاستنكر المشركون ما يدعُوهم إليه محمد صلوات الله وسلامه عليه، وعلموا أن لا إله إلا الله تفضح الظلم والبغي وتهدد القصور والعروش الآثمة وتدعوهم أن يتركوها، لقد علموا أن لا إله إلا الله تكشف الأموال الحرام التي يأكلونها، ولا تغطي

стр. 3939

على الدماء الحرام التي يسفكونها، حبًّا منهم بالفاحشة والكبر في الأرض وتقليد الشياطين في ما يفسدونها ولا يعمرونها. فقالوا: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾. قال الحافظ ابن كثير: (أي يريد محمد بدعوته الشرف والاستعلاء عليكم). ثم ذكر رواية ابن أبي حاتم والسدي للحديث السابق قال: [استأذن نفر من مشيخة قريش فيهم أبو جهل والعاص بن وائل والأسود بن المطلب وغيرهم على أبي طالب فلما دخلوا عليه قالوا: يا أبا طالب أنت كبيرنا، وسيدنا فأنصفنا من ابن أخيك، فمره فليكف عن شتم آلهتنا. فبعث إليه أبو طالب فلما دخل عليه رسول الله ﷺ قال: يا ابن أخي هؤلاء مشيخة قومك وقد سألوك أن تكف عن شتم آلهتهم ويدعوك وإلهك. قال رسول الله ﷺ : يا عم! أفلا أدعوهم إلى ما هو خير لهم؟ قال: وإلامَ تدعوهم؟ قال: أدعوهم أن يتكلموا بكلمة تدين لهم بها العرب ويملكون العجم، فقال أبو جهل لعنه الله من بين القوم: ما هي؟ وأبيك لنعطينّكها وعشرَ أمثالها. قال رسول الله ﷺ : تقولون: لا إله إلا الله. فنفروا وقالوا: سلنا غيرها. قال: لو جئتموني بالشمس حتى تضعوها في يدي ما سألتكم غيرها فقاموا من عنده غضابًا وقالوا: والله لنشتمنك وإلهك الذي أمرك بهذا ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾]. وأن: في محل نصب، والمعنى بأن امشوا. وقيل بل بمعنى أي امشوا. وأما لفظ ابن جرير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: [لما مرض أبو طالب دخل عليه رهط من قريش فيهم أبو جهل بن هشام فقالوا: إن ابن أخيك يشتم آلهتنا، ويفعل ويفعل، ويقول ويقول، فلو بعثت إليه فنهيته، فبعث إليه، فجاء النبي ﷺ فدخل البيت وبينهم وبين أبي طالب قدر مجلس رجل، قال: فخشي أبو جهل إن جلس إلى جنب أبي طالب أن يكون أرق له عليه، فوثب فجلس في ذلك المجلس ولم يجد رسول الله ﷺ مجلسًا قرب عمه، فجلس عند الباب، فقال له أبو طالب: أي ابن أخي! ما بال قومك يشكونك؟ يزعمون أنك تشتم آلهتهم وتقول وتقول. قال: فأكثروا عليه القول، وتكلم رسول الله ﷺ فقال: يا عم إني أريدُهم على كلمة واحدة يقولونها تدين لهم بها العربُ، وتؤدي إليهم بها العجم الجزية، ففزعوا لكلمته ولقوله. فقال القوم كلمة واحدة؟ نعم وأبيك عشرًا. فقالوا وما هي؟ فقال أبو طالب: وأي كلمة هي يا ابن أخي؟ قال: لا إله إلا الله. قال: فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم وهم يقولون: ﴿أَجَعَلَ لْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ قال: ونزلت من هذا الموضع إلى قوله: ﴿لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾]. وفي رواية: (فقاموا وهم يقولون: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا

стр. 3940

اخْتِلَاقٌ﴾ ونزل القرآن ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ ذي الشرف ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ حتى قوله ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾). وفي رواية محمد بن إسحاق أنهم أبو جهل بن هشام، وشيبة وعتبة ابنا ربيعة، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل وأبو معيط. وعن مجاهد: (﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾ قال: عقبة بن أبي معيط). ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ قال ابن جرير: (أي إن هذا القول الذي يقول محمد ويدعونا إليه من قول لا إله إلا الله شيء يريده منا محمد يطلب به الاستعلاء علينا وأن نكون له فيه أتباعًا ولسنا مجيبيه إلى ذلك). ثم قال سبحانه يصف قولهم ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾. وفيه تفاسير: التفسير الأول: أي النصرانية. فعن ابن عباس: (قوله: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ يعني النصرانية. فقالوا: لو كان هذا القرآن حقًّا أخبرتنا به النصارى). وقال قتادة: (يعنون ملة عيسى النصرانية وهي آخر الملل). قال الحافظ ابن كثير: (قالوا لو كان هذا القرآن حقًّا لأخبرتنا به النصارى). التفسير الثاني: ملة قريش. فعن مجاهد: (﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ قال: ملة قريش). التفسير الثالث: قيل يعني في آخر الزمان. فعن الحسن قال: (ما سمعنا أن هذا يكون في آخر الزمان). التفسير الرابع: قيل بل عنى بذلك دين قريش وزمانهم. فعن قتادة: (﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ أي في ديننا هذا ولا في زماننا قطّ). التفسير الخامس: قيل الملة الدين. قال ابن زيد: (الملة الآخرة: الدين الآخر، قال: والملة الدين). التفسير السادس: قيل المراد أهل الكتاب. أي: (ما سمعنا من أهل الكتاب أن محمدًا رسول حق) ذكره القرطبي. قلت: وغاية المعنى أن قريشًا قد استنكروا الدعوة إلى التوحيد في عالم يعيشونه مليء بالوثنيات والشرك ونسبة الولد إلى الله والاعتقاد بالوسطاء والشفعاء ونسبة البنات إلى الله بأنهم الملائكة وغير ذلك مما كان يسود الأرض أيام بعثة النبي ﷺ من خرص اليهود وضلال النصارى وضياع الأمم، والله تعالى أعلم. وقوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾. هو من الخلق والابتداع. ففي لغة العرب خَلَقَ الإفكَ واخْتَلَقَهُ وتَخَلّقهُ إذا افتراه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾. وخلق واختلق إذا

стр. 3941

ابتدعَ، ومنه خَلْقُ الله الخلقَ ابتداعهم على غير مثال. فأراد المشركون أن يقولوا إن هذا إلا كذب وتخرص. فعن ابن زيد: (في قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ قالوا: إن هذا إلا كذب). وعن السُّدي: (﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ اختلقه محمد ﷺ ). وعن قتادة: (﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ إلا شيء تَخْلُقُه). وقوله: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾. فاستبعدوا تخصيص محمد ﷺ بالنبوة والقرآن والوحي أن ينزل عليه من بينهم كلهم وقد كانوا يقولون كما حكى الله عنهم في سورة الزخرف: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾. فهم يريدون الحق أن يمضي في أعرافهم وتقاليدهم فيقع وينزل إلى رؤسائهم وزعمائهم. فعن ابن عباس قال: (يعني بالعظيم: الوليدَ بنَ المغيرة القرشي أو حبيب بن عمرو بن عمير الثقفي. وبالقريتين: مكة والطائف). فأجابهم الله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾. فقوله: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ استفهام إنكار وعنى بالذكر القرآن، فقد كانت قلوبهم تغلي بالحسد على ما أوتي محمد من شرف النبوة. قال ابن جرير: (أأنزل على محمد الذكر من بيننا فخصّ به وليس بأشرف منا حسبًا). وقال القاسمي: (أي مع أن فينا مَنْ هو أثرى وأعلى رياسة). ثم قال جل ثناؤه: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾. قال القرطبي: (أي من وحيي وهو القرآن. أي قد علموا أنك لمِ تزل صدوقًا فيما بينهم، وإنما شكوا فيما أنزلته عليك هل هو من عندي أم لا ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ أي إنما اغتروا بطول الإمهال ولو ذاقوا عذابي على الشرك لزال عنهم الشك ولما قالوا ذلك، ولكن لا ينفع الإيمان حينئذ). فهؤلاء المشركون ما زالوا على يقين بأن محمدًا صادق ولكنهم ما استطاعوا أن يُصَدِّقوا بأن الله يوحي إليه وبأنه يتلقى القرآن من لدن حكيم خبير، فإن الكبر أعماهم عن قبول ذلك، وبأنه لو كان حقًّا لكانوا هم أولى به، ولكنهم لم يذوقوا عقابَ الكبر بعد من الله، والكبر من أكبر الشرك، وإنما أمهلهم الله ولو عاجلهم بالعذاب لما نطقوا بهذا الهزل، ولكنهم إذا نزل بهم العذاب فلا ينفعهم حينئذ إيمان ولا إحسان ولا إسلام. ولمّا بمعنى لم وما زائدة. قال الحافظ ابن كثير: (إنما يقولون هذا لأنهم ما ذاقوا عذاب الله ونقمته). قلت:

стр. 3942

ولمّا نفي لفعل يتوقع وجوده وهي لائقة هنا فإنك لا تقول (الحجر لما يتكلم) وإنما تقول (الحجر لا يتكلم)، ففيه إشارة إلى أن العذاب قادم لا يستحيل بحقهم بل هو واقع بهم. وقوله تعالى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾. أم هنا للتقريع لاتصال الكلام بما قبله كقوله: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾. فاستنكروا ذلك لأن ملك خزائن السماوات والأرض لهم فكان الأولى أن يختاروا هم للرسالة من شاؤوا. كلا، الأمر ليس لهم بل لله ولو تركه لهم لاختاروا ما يضرهم وما لا ينفعهم، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾. قال ابن جرير: (﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ يعني مفاتيح رحمة ربك يا محمد العزيز في سلطانه الوهاب لمن يشاء من خلقه ما يشاء من مُلك وسلطان ونبوة، فيمنعوك يا محمد ما من الله به عليك من الكرامة وفضّلك به من الرسالة). فالله سبحإنه له الأمر من قبل ومن بعد. قال في سورة الأنعام: ﴿للَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾. وقال في سورة القصص: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. فهو العزيز الذي لا يرام جنابه، الوهاب الذي يعطي ما يريد لمن يريد فتبارك الله العزيز الحكيم. لقد أخرج ابن ماجة والطبراني بسند حسن عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : [عندَ اللهِ خزائن الخير والشر، مفاتيحها الرجال، فطوبى لمن جعلهُ الله مفتاحًا للخير، مغلاقًا للشر، وويل لمن جعله الله مفتاحًا للشر مغلاقًا للخير] (١). وقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾. هو تقريع آخر وتوبيخ للمشركين ومنطقهم وتفكيرهم، فإن كانوا يظنون أن لهم ملكًا في السماوات فليصعدوا وليمضوا في معارج الوصول علّهم يصلون إلى العرش فيجلسوا عليه فيتحكموا بملكهم ويشرفوا على خزائنهم وينزلوا الوحي بما شاؤوا على من أرادوا وأحبوا. وفي لغة العرب رقيَ يرقى وارتقى إذا صَعِدَ، والسبب: الحبلُ وكلُ شيء يُتَوصَّل به إلى غيره، وأسباب السماء نواحيها، وقيل الأسباب الحبال. قال أبو جعفر: (وأصل

стр. 3943

السبب عند العرب كل ما تسبب به إلى الوصول للمطلوب من حبل أو وسيلة أو رحم أو قرابة). فعن الربيع بن أنس قال: (الأسباب أرق من الشعر وأشد من الحديد ولكن لا ترى). وفي معنى الأسباب وَرَدَ أقوال: القول الأول: عن مجاهد قوله: (﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾ قال: طرق السماء وأبوابها). وعن قتادة قال: (الأسباب أبواب السماوات التي تنزل الملائكة منها). وقال السدي: (أسباب السماوات). القول الثاني: عن السدي: (﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾ قال: في الفضل والدين). القول الثالث: الأسباب: الحبال. قال القرطبي: (يعني إن وجدوا حبلًا أو سببًا يصعدون فيه إلى السماء فليرتقوا وهذا أمر توبيخ وتعجيز. قال: فليصعدوا إلى السماوات، وليمنعوا الملائكة من إنزال الوحي على محمد). القول الرابع: الأسباب: القوة. فقد روي عن أبي عبيدة من أهل اللغة: (أي فليعلوا في أسباب القوة إن ظنوا أنها مانعة). القول الخامس: الأسباب: السماوات نفسها، أي فليصعدوا سماء سماء. وخلاصة القول: فإذا كان لهؤلاء المشركين الذين هم في عزة وشقاق وكبر ومعاندة، ملك في السماوات والأرض وما بينهما، فليصعدوا في أبواب وطرق السماء ليؤكدوا ملكهم وقوتهم فيدبروا الأمر ويتفقدوا الكون ويتعهدوا ويشرفوا وينزلوا الوحي بما شاؤوا على من يختاروا، وإلا فإن الله لا يعازّه ولا يشاقّه من كان في ملكه وسلطانه. وقوله تعالى: ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾. هو وعد بالنصر من الله لنبيّه على هؤلاء المكذبين، والتقدير هم جند، فجند خبر لمبتدأ محذوف، و (ما) زائدة أو صفة للجند، و (هنالك) إشارة لمعركة بدر وهو الموضع الذي تَحَزَّبوا فيه لقتال المؤمنين. وقيل بل هو إشارة إلى حيث وضعوا فيه أنفسهم من الانتداب لمثل هذا القول. قال القاسمي: (فهو مجاز). وقد رود في الآية معان متقاربة: المعنى الأول: المراد يوم بدر. فعن قتادة قال: (وعده الله وهو بمكة يومئذ أنه سيهزم جندًا من المشركين فجاء تأويلها يوم بدر). وقال الحافظ ابن كثير: (هذه الآية كقوله جلت عظمته ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ وكان ذلك يوم بدر).

стр. 3944

المعنى الثاني: المراد الأحزاب يوم الخندق يوم أتوا المدينة وتَحَزَّبوا على النبي ﷺ وخان اليهود ومكروا. المعنى الثالث: المراد بالأحزاب القرون الماضية من الكفار التي دمّرها الله بكفرها. فعن مجاهد: (﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ قال: قريش من الأحزاب. قال: القرون الماضية). وقال ابن جرير ﵀: (يعني من أحزاب إبليس وأتباعه الذين مضوا قبلهم فأهلكهم الله بذنوبهم). قال القرطبي: (أي هؤلاء جند على طريقة أولئك، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ أي على ديني ومذهبي). المعنى الرابع: أي جند هذه الآلهة المزيفة مهزوم لا محالة. قال الفراء: (المعنى هم جندٌ مغلوب، أي ممنوع عن أن يصعد إلى السماء). وقال القتبي: (يعني أنهم جند لهذه الآلهة مهزوم، فهم لا يقدرون على أن يدّعوا الشيء من آلهتهم، ولا لأنفسهم شيئًا من خزائن الله، ولا من ملك السماوات والأرض). وقال النسفي: (﴿مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ متعلق بجند أو بمهزوم، يريد ما هم إلا جند من الكفار المتحزبين على رسول الله ﷺ مهزوم عما قريب فلا تبال بما يقولون ولا تكترث لما به يهذون). وجملة القول أنها أقوال متقاربة مفادها أن هؤلاء المعاندين للوحي المفضلين الاحتكام لأهوائهم سينالون مصير الباطل الذي سنّه الله له يوم يقوى أهل الحق ويرضى عن حالهم فيقذفهم على الباطل وجنده، ويذيقهم يومًا من أيام الله التي تعود بين الفينة والأخرى لتخرس الباطل في الأرض كلما ضجّ وجال وفتن النّاس. وقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (١٢) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ (١٣) إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾. يخاطب الله نبيّه محمد صلوات الله وسلامه عليه معزّيًا له مما يلقى من المشركين ومُسَلّيًا له ليصبر على محن الطريق بأن ملل الكفر مصيرها واحد، فها هم أحزاب البغي والكبر في عصر الرسل ﵈ قد دمّرهم الله بذنوبهم لما أسرفوا وآثروا أهواءهم وشهواتهم على تعظيم الحق والقيام بأمر الوحي. وفي تأنيث ذكر الله للقوم وجهان عند أهل العربية: الوجه الأول: أنه يجوز فيه التذكير والتأنيث.

стр. 3945

الوجه الثاني: أنه مذكرٌ وإنما المعنى وقع على القبيلة والعشيرة فقال: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾. وأما وصف فِرعون بذي الأوتاد فقد ورد في تفسير ذلك معان متقاربة: المعنى الأول: ذو البناء القوي. فعن ابن عباس قال: (المعنى ذو البناء المحكم). المعنى الثاني: ذو الأوتاد إشارة لكثرة البنيان. فعن الضحاك قال: (كان كثير البنيان، والبنيان يسمى أوتادًا). المعنى الثالث: قيل لفرعون ذي الأوتاد لأنه كانت له ملاعب من أوتاد يلعب له عليها. فعن ابن عباس: (﴿وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ﴾ قال: كانت ملاعب يلعب له تحتها). وعن قتادة قال: (كان له أوتاد وأرسان وملاعب يلعب له عليها). قال النسفي: (قيل كانت له أوتاد وحبال يلعب بها بين يديه). المعنى الرابع: أي ذو القوة والبطش والتنكيل. فعن الضحاك قال: (ذو القوة والبطش). وعن السُدّي: (في قوله: ﴿ذُو الْأَوْتَادِ﴾ قال: كان يُعَذّب الناس بالأوتاد، يعذبهم بأربعة أوتاد، ثم يرفع صخرة تُمَدُّ بالحبال ثم تُلقى عليه فتشدخه). وقال مقاتل: (كان يعذب الناس بالأوتاد، وكان إذا غضب على أحد مدّه مستلقيًا بين أربعة أوتاد في الأرض، ويرسل عليه العقارب والحيات حتى يموت). قال القرطبي: (وقيل: كان يشبح المعذب بين أربع سوارٍ، كل طرف من أطرافه إلى سارية مضروب فيه وَتِد من حديد ويتركه حتى يموت). المعنى الخامس: قيل ذو الأوتاد: إشارة إلى كثرة الجنود، فكنى بالأوتاد يصف بها الجنود لأنهم يقوّون أمره ويثبتون حكمه، كما يقوي الوتد البيت وكما يثبت الوتد الخيمة. قال ابن قتيبة: (العرب تقول هم في عزّ ثابت الأوتاد، يريدون دائمًا شديدًا). ذكره القرطبي وقال: (وأصل هذا أن البيت من بيوت الشَّعر إنما يثبت ويقوم بالأوتاد. قال الأسود بن يَعْفُر: ولقد غَنَوْا فيها بأنعم عيشة ... في ظل مُلْكٍ ثابتِ الأوتاد قال: وواحد الأوتاد وتِد بالكسر، وبالفتح لغة). قال القاسمي: (﴿وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ﴾: أي الملك الثابت. وأصله البيت المطنّب، أي المربوطة أطنابه - أي حباله - بأوتاده. استعير للملك استعارة تصريحية. ثم قال: أو المعنى: ذو الجموع الكثيرة.

стр. 3946

سمّوا بذلك لأن بعضهم يشد بعضًا، كالوتد يشد البناء). قلت: وكل ما سبق من التفاسير صادق في وصف ملك فرعون وطبيعة نفسه من الطغيان والكبر الذي يحتاج للمباني العظيمة، والهياكل الثابتة الفخيمة، وأسباب الترف واللعب وألوان القسوة في تعذيب مخالفيه، وكثرة الشرط والعملاء والجند، شأن الطغاة في كل زمان ومكان، والله تعالى أعلم. وأما أصحاب الأيكة: فهم قوم شعيب صلوات الله وسلامه عليه، والأيكة: الغيْضَة، فهم سكان الغيضة الكثيفة الملتفة الشجر. فعن قتادة: (﴿وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ قال: كانوا أصحاب شجر. وكان عامة شجرهم الدوم). وعن السُّدي: (قوله: ﴿وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ قال: أصحاب الغَيْضَة). وخلاصة القول: فلقد كذب نوحًا قومُه كما كذب هودًا قومه عاد، كما استكبر فرعون وجنده وطغوا في الأرض، كما كذب صالحًا قومه ثمود وكذلك كذب لوطًا قومُه أصحاب الأخلاق الدنيئة وأهل الفاحشة والرذيلة، كما كذب شعيبًا قومُهُ أصحابُ الشجر الملتف الكثيف، فهؤلاء جميعهم أحزاب مضت قبل قريش تحزبوا على أنبيائهم وتطاولوا على الحق والوحي فأنذرهم الله فتمادوا فدكهم ودمرهم وجعلهم للناس أحاديث فإن الله لا يحابي أحدًا، وهؤلاء قومك يا محمد إن تمادوا فهم مسلوك بهم سبيل من قبلهم ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾. وكقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾. قال قتادة: (هؤلاء كلهم قد كذبوا الرسل فحق عليهم العذاب). فمن كذب رسوله فقد كذب الرسل فإن (إن) نافية وجملة (كَذَّبَ) هي الخبر، فتكذيب واحد من الرسل تكذيب للكل. وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾. أي: ما ينتظر هؤلاء المشركون من قريش إلا صيحة الفزع يوم القيامة بعد أن عاينوا صيحة بدر وذل الهزيمة والقتل فيها، وتلك الصيحة يوم البعث لا رجعة فيها. و ﴿يَنْظُرُ﴾ بمعنى ينتظر، كقوله سبحانه: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا﴾، وقوله: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾. و ﴿هَؤُلَاءِ﴾ هم كفار مكة. وقد جاء في هذه الآية تفاسير متقاربة من حيث الخطاب: التفسير الأول: الصيحة هي النفخة الأولى والخطاب لكفار مكة. قال ابن جرير: (وما ينظر هؤلاء المشركون من قريش إلا النفخة الأولى في الصور، وهي صيحة واحدة

стр. 3947

مالها من فواق، قال: يقول ما لتلك الصيحة من فيقة يعني من فتور ولا انقطاع). وبنحوه قال الحافظ ابن كثير: (أي مالها من رجعة تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها، أي اقتربت ودنت، وهذه الصيحة هي نفخة الفزع التي يأمر الله تعالى إسرافيل يُطَوِّلها فلا يبقى أحد في السماوات والأرض إلا فزع إلا من استثنى الله). وقال القرطبي: (أي ما ينتظرون بعد ما أصيبوا ببدر إلا صيحة القيامة. قال: وقيل ما ينتظر أحياؤهم الآن إلا الصيحة التي هي النفخة في الصور، كما قال تعالى ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ وهذا إخبارٌ عن قرب القيامة والموت). التفسير الثاني: الخطاب لجميع الأحزاب. قال النسفي: (﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ﴾ وما ينتظر أهل مكة، ويجوز أن يكون إشارة إلى جميع الأحزاب). التفسير الثالث: الخطاب لكفار هذه الأمة إلى آخرها. أي ما ينتظر كفار آخر هذه الأمة المتدينين بدين أولئك إلا صيحة واحدة وهي النفخة. ذكره القرطبي. وأما قوله: ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾. فإن العرب يلفظونها بالفتح والضم (فَواق) و (فُواق). قال الرازي في مختار الصحاح: (والفُوَاق بضم الفاء وفتحها ما بين الحلبتين من الوَقتِ لأنها تُحْلَبُ ثم تُتْرَك سُوَيعةً يَرْضَعُها الفصيل لِتَدُرَّ ثم تُحْلَب. يقال: ما أقام عنده إلا فُواقًا. قال: وقوله تعالى: ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ يُقرأ بالفتح والضم أي ما لَها من نَظرةٍ وراحة وإفَاقَةٍ). والفيقة بالكسر اسم اللبن الذي يجتمع بين الحَلْبتين كما قال الأعشى: حتى إذا فيقةٌ في ضَرعِها اجتمعت ... جاءتْ لتُرضِعَ شِق النَّفْسِ لوْ رضعا والمراد بشق النفس ولدها لأنه قطعة منها. وقد قرأها قراء المدينة والبصرة بالفتح (فَواق)، وقرأها قراء الكوفة بالضم (فُواق). فقوله: ﴿صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ فيه أوجه من التأويل متقاربة: الوجه الأول: الصيحة نفخة الفزع مالها من ارتداد ولا رجوع. فعن ابن عباس: (﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ يقول: من ترداد). وفي رواية عنه قال: (يقول ما لها من رجعة). وقال قتادة: (يعني الساعة ما لها من رجوع ولا ارتداد). قال النسفي: (من أفاق المريض إذا رجع إلى الصحة وفواق الناقة ساعة يرجع الدّر إلى ضرعها، يريد أنها نفخة واحدة فحسب لا تثنى ولا تردد). قال القرطبي: (والمعنى المراد أنها ممتدة لا تقطيع فيها).

стр. 3948

الوجه الثاني: المراد ما لهؤلاء المشركين إذا سمعوا النفخة رجوع إلى الدنيا. فعن السُدّي: (﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ يقول: ليس لهم بعدها إفاقة ولا رجوع إلى الدنيا). الوجه الثالث: قيل المراد بالصيحة العذاب. أي: إن ما ينتظرون عذابٌ لا إفاقة منه. فقد روي عن عبد الله بن عمرو أنه قال: (لم تكن صيحة في السماء إلا بغضب من الله على أهل الأرض). وعن ابن زيد في قوله ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ قال: (ما ينتظرون إلا صيحة واحدة ما لها من فواق، يا لها من صيحة لا يفيقون فيها كما يفيق الذي يغشى عليه، وكما يفيق المريض تهلكهم ليس لهم فيها إفاقة). قلت: وجملة القول أنَّ هؤلاء المشركين الذين يسلكون منهاج الأحزاب الماضية الذين تَحَزَّبوا على أنبيائهم ورسلهم بالعناد والتكذيب والاستهزاء بالوحي مدعوّون اليوم لأن ينالوا ما حاق بأولئك من قبلهم وكذلك من سيأتي بعدهم ويمضي على طريقتهم في الاستهزاء والكبر، فالكل ينتظرون صيحة العذاب في الدنيا والفزع يوم القيامة فتأتيهم بغتة بنفخة واحدة لا تقطيع فيها فلا يستطيعون رجوعًا إلى الدنيا، ولا إفاقة لهم من تبعاتها، ولا وقت ولا فرصة تُعطى لهم بعدها. لقد أخرج الترمذي بإسناد صحيح عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [كيف أنعم وصاحبُ الصور قد التقمه وأصغى سمعه وحنى جبهته ينتظِرُ متى يؤمر بالنفخ؟ فقالوا: يا رسول الله! وما تأمرنا؟ قال: قولوا: حسبنا الله ونعمَ الوكيل] (١). وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾. قال الفراء: (القطّ في كلام العرب الحظّ والنصيب). وقال أبو عبيدة: (القِطّ الكتاب بالجوائز والجمع القطوط). وقال الرازي: (القِط الكتاب والصَّك بالجائزة ومنه قوله تعالى: ﴿عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾). ففي لغة العرب يقال للنصيب قِطٌّ وللكتاب المكتوب بالجائزة قطّ. وفي الآية وجوه من التأويل: التأويل الأول: المراد تعجيل العذاب في الدنيا. قال ابن عباس: (سألوا الله أن يعجل لهم العذاب قبل يوم القيامة). وقال مجاهد: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾ قال:

стр. 3949

عذابنا). وقال قتادة: (﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ أي نصيبنا: حظنا من العذاب قبل يوم القيامة. قال: قد قال ذلك أبو جهل: اللهم إن كان ما يقول محمد حقًّا ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ .. الآية). التأويل الثاني: قيل المراد تعجيل منازلهم مِن الجنة ليصدقوا محمدًا. قال الحسن: (نصيبنا من الجنة لنتنعم به في الدنيا). وعن السُدّي: (قوله: ﴿عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ﴾ قالوا: أرنا منازلنا في الجنة حتى نتابعك. قال: سألوا أن يمثل لهم منازلهم من الجنة ليعلموا حقيقة ما يوعدون به). التأويل الثالث: قيل سألوا نصيبهم من الجنة أن يُعجَّل لهم في الدنيا. فعن سعيد بن جبير في قوله: ﴿عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ قال: (نصيبنا من الجنة). التأويل الرابع: قيل المراد بسؤالهم عجل لنا أرزاقنا. فعن إسماعيل بن أبي خالد قال: (المعنى عجل لنا أرزاقنا). التأويل الخامس: قيل المراد عجل لنا ما يكفينا. ذكره القرطبي وقال: من قولهم: قَطْنِي، أي يكفيني. التأويل السادس: قيل المراد بسؤالهم أن يُعَجّل لهم بكتبهم التي أخبرهم أنهم آخذوها بأيمانهم أو بشمائلهم. ذكره ابن جرير حيث قال: (قيل سألوه أن يعجل لهم كتبهم التي قال الله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ في الدنيا لينظروا بأيمانهم يُعطونَها أم بشمائلهم ولينظروا من أهل الجنة هم أم النار استهزاء بالقرآن ووعد الله). وجملة القول أَنَّ كفار مكة وصل بهم الاستهزاء ما وصل بقوم نوح من قبل وبقوم عاد وثمود وقوم لوط، فقد سألوا النبي ﵇ سخرية تعجيل ما ينذرهم به إن تمادوا في الغي وتكذيب الوحي، بأن يعجل لهم عذاب الدنيا أو رؤية آيات الدمار والهلاك أو يريهم الجنة وأرزاقها وما يوعدون به لو آمنوا، ليكون ذلك مما يحملهم على التصديق، أو يريهم كتبهم التي سيعطونها يوم القيامة، إلى غير ذلك مما يخطر ببال المتكبر المعاند، فإن أصل القِطّ القَطّ وهو القطع، فالقِط اسم للقطعة من الشيء فأطلق على النصيب والرزق والكتاب وهو في الكتاب أكثر شهرة ولكن أطلق على الرزق لقطعه عن غيره والله تعالى أعلم.

стр. 3950

قال النسفي: (ويقال لصحيفة الجائزة قط لأنها قطعة من القرطاس). وقوله: ﴿قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾. أي: قبل حلول يوم القيامة فهم يريدون ذلك في الدنيا، إذْ أمر الآخرة عندهم في شك. قال ابن جرير: (إن القوم سألوا ربهم تعجيل صِكاكهم بحظوظهم من الخير أو الشر الذي وعده الله عباده أن يؤتيهموها في الآخرة قبل يوم القيامة في الدنيا استهزاء بوعيد الله). ١٧ - ٢٦. قوله تعالى: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (٢٠) وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (٢٢) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥) يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾. في هذه الآيات: يخاطب الجبار سبحانه نبيّه محمدًا ﵊ مخففًا عليه مما يلقاه من المشركين واستهزائهم، مسليًا له في صبره على أذاهم، أن اصبر على هذه المكاره فإنا ممتحنوك امتحاننا سائر إخوتك الرسل من قبلك، ثم جاعلو العلو والنصر والظفر لك على من كذبك، سنتنا في الرسل وظفرهم على مكذبيهم من الأمم قبلك، ومن هؤلاء الإخوة داود ﵊، فقد كان قويًا في العبادة والعلم، رجاعًا لما يكرهه الله إلى ما يرضيه أوابًا مطيعًا، وآتيناه من القوة وأسبابها كرامة له ورفعة وتأييدًا، فتلك الجبال سخرناها له إذا سبّح ستحت معه وجاوبته بالحق

стр. 3951

غدوًا وعشيًا، وشاركته بذلك الطير فسبحت واجتمعت في الهواء تعظم الجبّار المتكبر سبحانه، وزودناه فوق ذلك بأسباب الملك والقوة وكل ما يحتاج إليه الملوك من الجند والحديد لينصر الحق ويحكم به، وأعطيناه من الحكمة والفهم والنبوغ في الحكم والقضاء ما يستعين به مع الحديد والقوة لإقامة العدل في الأرض والحكم بمنهج الوحي، ثم قصّ سبحانه امتحانه لداود ﵇ ليثبت لديه إقامة منهج العدل في الحكم والقضاء، وذلك حين كان في محرابه وهو أشرف مكان في داره، فتسوّر رجلان عليه المحراب ففزع إذ دخلوا عليه فجأة من غير بابه، يختصمان إليه ويسألانه أن يحكم بالعدل والحق بينهما ولا يُسرف بالميل إلى أحدهما، فذكر أحدهما أن لصاحبه تسعة وتسعين نعجة وهي أنثى الضأن وأن له نعجة واحدة فسأله أن يكفلها له فيصبح له مئة، فلم يسمع داود ﵇ من الآخر وإنما قضى بما سمع من طرف واحد بأن صاحب ذلك السائل قد ظلمه بهذا العمل والسؤال والإحراج، وبأن أصحابَ السوء كثير، والصالحين منهم قليل، ثم تبين لداود بأنه قد فتنه الله بهذه المسألة وبأنه قد تسرع في الحكم دون أن ينصت ويصغي لسماع الطرف الآخر فاستغفر ربه سبحانه فتاب الله عليه ووعده بحسن المنزلة يوم القيامة فإنه من عباد الله الصالحين. ثم أعاد له سبحانه صياغة نتيجة ذلك الامتحان والاختبار، بأن الله جل ثناؤه قد اختاره حكمًا في الأرض بمنهج الوحي والحق والعدل، فليحذر مسالك الشيطان ووساوسه واتباع الرأي والهوى دون حجة أو علم أو تثبت، فإن الذين يضلون عن اتباع منهج الوحي والحق والعدل في حكمهم ويؤثرون عليه أهواءهم وحظوظهم، سينالهم عذاب شديد من الله العظيم، أنْ تحاكموا إلى غير شرعه وأهملوا يوم القيام بين يديه والاستعداد للقائه. وتفصيل ذلك: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ يا محمد فإن الله قد وعدك بالنصر والظفر فلا يحزنك استهزاؤهم فهم ماضون إلى ذلهم وهوانهم. قال ابن جرير: (فإنا ممتحنوك بالمكاره امتحاننا سائر رسلنا قبلك ثم جاعلو العلو والرفعة والظفر لك على من كذبك وشاقّك، سنتنا في الرسل الذين أرسلناهم إلى عبادنا قبلك، فمنهم عبدنا أيوب وداود بن إيشا). وقيل: المعنى اصبر على قولهم، واذكر لهم أقاصيصَ الأنبياء لتكون برهانًا على صحة نبوتك، والأول أظهر. وقوله: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ﴾. أي صاحب القوة في العلم والعمل. قال ابن عباس: (ذا الأيد: ذا القوة).

стр. 3952

فعن قتادة: (﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ﴾ قال: أُعطي قوة في العبادة وفقهًا في الإسلام). وقال ابن زيد: (في قوله: ﴿دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ﴾ قال: ذا القوة في عبادة الله. الأيد: القوة، وقرأ ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ قال: بقوة). وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال له: [أحب الصلاة إلى الله صلاة داود ﵇، وأحبُّ الصيام إلى الله صيام داود، وكان ينام نِصفَ الليل ويقوم ثلثَهُ وينام سُدُسَهُ ويصوم يومًا ويفطر يومًا]. واللفظ للبخاري (١). فقد كان داود ﵊ مثلًا أعلى في القوة في العبادة، وكان متميزًا في أشد أنواعها وهي الصلاة في الليل والدعاء، والصيام في النهار، فأورثه الله بها قوة في الجهاد وصبرًا عند الشدائد واللقاء، وجمع له معها قوةً في العلم والفهم والحكم وفصل القضاء، فكان له بذلك شرف عند الله ومكانة عالية أظهرها سبحانه بقوله ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا﴾ إبرازًا لشرفه بهذه الإضافة. وقوله: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾. قال مجاهد: (رجاع عن الذنوب). وقال قتادة: (أي كان مطيعًا لله كثير الصلاة). وقال الضحاك: (أي تواب). وقيل: أنه كلما ذكر ذنبه أو خطر على باله استغفر منه فكان رجّاعًا إلى الله في جميع شؤونه وأحواله، حرفي أن يقتدى به. وآب في لغة العرب: رجع. قال ابن جرير: (إن داود رجّاع لما يكرهه الله إلى ما يرضيه أواب). قلت: وهذه الصفة من صفات أعلام النبوة. فقد امتدح الله بها إبراهيم ﵊ بقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾. وامتدح بها سليمان ﵊ بقوله: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾. ووعد المؤمنين الموصوفين بهذه الصفة مغفرة وخيرًا فقال جل ثناؤه: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾. وامْتُدِحَ إمام الأوابين بها، محمد صلوات الله وسلامه عليه، كما روى النسائي وابن حبان بسند صحيح عن أنس عن النبي ﷺ قال: [إني لأتوبُ إلى الله تعالى في اليوم سبعين مرة] (٢). وكما روى الترمذي عن أبي هريرة عنه صلوات الله

стр. 3953

وسلامه عليه قال: [إني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة] (١). ورواه ابن حبان ولفظه: [إني لأستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة]- وأصله في صحيح الإمام البخاري. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾. فسخر له سبحانه الجبال الشامخات تجيبه وترجّع معه التسبيح والتهليل والتعظيي فرحًا منها بذكر الله سبحانه، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾. وكقوله جل وعز: ﴿قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾. وكقوله: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾. وعن قتادة: (﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ قال: يسبحن مع داود إذا سبَّحَ بالعشي والإشراق). وقال ابن زيد: (حين تُشرق الشمس وتضحي). وقال ابن عباس: (يسبّحن: يصلين). وقال ابن جرير ﵀: (يقول تعالى ذكره: إنا سخرنا الجبال يسبّحن مع داود ﴿بِالْعَشِيِّ﴾ وذلك من وقت العصر إلى الليل، ﴿وَالْإِشْرَاقِ﴾ وذلك بالغداة وقت الضُّحا. ذكر أن داود كان إذا سبح سبحت معه الجبال). قلت: فقوله: ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ في محل نصب حال، وكان هذا معجزة من الله سبحانه وبرهانًا أيَّد به نبيّه داود ﵇، وكان يفقه ما يقولون كما قال مقاتل: (كان داود إذا ذكر الله جل وعز ذكرت الجبال معه، وكان يفقه تسبيح الجبال). وقد آتاه الله من حسن الصوت ما يكون له في الجبال دوي حسن، وما تصغي لحسنه وجماله الطير فتصوّت معه وتشاركه بذلك الطبيعة إيمانه وتوحيده وذكره وتعظيمه فتعالى الله أحسن الخالقين. وأما الإشراق في لغة العرب فهو يطلق على ابيضاض الشمس بعد طلوعها فيقال: شرقت الشمس أي طلعت وأشرقت إذا أضاءت، وأشرق وجه الرجل أي أضاء وتلألأ حُسْنًا. فكان داود ﵊ يسبح إثر صلاته عند طلوع الشمس وعند غروبها. قلت: وهذا هو وقت الضُّحا وصلاته سمّاها رسول الله ﷺ - ﷺ صلاة الأوابين. قال ابن عباس: (ما عرفت صلاة الضُّحا إلا بهذه الآية ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾).

стр. 3954

فقد أخرج الإمام أحمد في المسند عن أبي هريرة عن النبي ﷺ - ﷺ قال: [صلاةُ الضُّحا صلاةُ الأوابين] (١). وقد خرّج الإمام مسلم في صحيحه أن زيدَ بن أرْقَم رأى قومًا يصلون من الضُّحا فقال: أمَا لقد عَلِمُوا أن الصلاة في غيرِ هذه الساعةِ أفضل، إن رسول الله ﷺ قال: [صلاة الأوابين حين تَرْمَضُ الفِصَال] (٢). وفي رواية قال: خرج رسول الله ﷺ على أهل قُبَاء وهم يُصلون فقال: [صلاة الأوابين إذا رمِضَتِ الفِصَالُ]. والفصال جمع فَصيل وهو الذي يفطم من الرضاعة من الإبل، والرمضاء شدة الحر في الأرض. قال القرطبي: (وخصّ الفصال هنا بالذكر، لأنها هي التي تَرْمَض قبل انتهاء شدة الحر التي تَرْمَضُ بها أمهاتها لقلة جَلَدها وذلك يكون في الضُّحا أو بعده بقليل، وهو الوقت المتوسط بين طلوع الشمس وزوالها). وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: [أوصاني خليلي ﷺ بصيام ثلاثةِ أيام من كل شهر، وركعتي الضُّحا، وأن أوتِرَ قبل أن أرقُدَ] (٣). وفي صحيح الإمام مسلم عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ قال: [يُصبح على كل سُلامَى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمرٌ بالمعروف صدقة، ونهيٌ عن المنكر صدقة، ويُجْزئ من ذلك ركعتان يَركعهما من الضُّحا] (٤). وفي المسند عن بُريدة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ - ﷺ يقول: [في الإنسان ستون وثلاثُ مئة مَفْصِلٍ، فعليه أن يتصدق عن كل مفصل صدقة. قالوا: فمن يطيق ذلك يا رسول الله ﷺ ؟ قال: النخاعةُ في المسجد تدفِنُها، والشئ تُنَحِّيه عن الطريق، فإن لم تقدِر، فركعتا الضُّحا تُجزئ عنك] (٥).

стр. 3955

وفيه أيضًا عن عبد الله بن عمرو، وعند أبي يعلى من طريق أبي هريرة بإسناد رجاله رجال الصحيح واللفظ له قال: [بعثَ رسول الله ﷺ - ﷺ بعثًا فأعظموا الغنيمة وأسرعوا الكرّة، فقال رجل: يا رسول الله ﷺ ما رأينا بعثًا قط أسرعَ كَرَّةً ولا أعظمَ غنيمة من هذا البعث. فقال: ألا أخبركم بأسرعَ كرةً منهم، وأعظم غنيمة؟ رجلٌ توضأ فأحسن الوضوء، ثم عمدَ إلى المسجد، فصلى فيه الغداةَ، ثم عقَّب بصلاة الضّحوة، فقد أسرع الكرة وأعظم الغنيمة] (١). وأقل الضُّحا ركعتان وأكثره ثمان ركعات: ففي الصحيحين عن أم هانئ: [أن النبي ﷺ يوم فتح مكة اغتسل في بيتها فصلى ثمان ركعات] (٢). فمن صلاها أربعًا كفاه الله ذلك اليوم وكان في ذمته وحمايته. فقد أخرج الإمام أحمد وأبو يعلى عن عقبة بن عامِر الجهني ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: [إن الله يقول: يا ابنَ آدم! اكفني أوَّلَ النهار بأربع ركعات، أكْفِكَ بهن آخرَ يومِك] (٣). وقوله تعالى: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾. أي: مجموعة له، مجتمعة تجيبه وتردد معه التسبيح والتهليل والتعظيم. فعن ابن عباس قال: (كان داود ﵇ إذا سبح جاوبته الجبال واجتمعت إليه الطير فسبحت معه). وعن قتادة: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ قال: مسخرة). قال القرطبي: (فالمعنى وسخرنا الطير مجموعة إليه لتسبح الله معه. وقيل: أي وسخرنا الريح لتحشر الطيور إليه لتسبح معه، أو أمرنا الملائكة تحشر الطيور). وجملة القول: أنّ قوله: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ معطوف على قوله: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ﴾. فإذا سبح أجابته الجبال واجتمعت إليه الطير، فسبحت معه وجاوبته بالتعظيم والتقديس لله الواحد الأحد، فاجتماعها إليه كان حشرها.

стр. 3956

وعن قتادة: ﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾: (أي مطيع). والهاء في قوله (له) عائدة على داود ﵇، أي تأتيه وتشاركه تسبيحه. وقيل: بل الهاء لله . فعن السدي: (قوله: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ يقول: مسبح لله). وقوله: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾. فيه تفاسير: التفسير الأول: أي قويناه بأسباب القوة والثبات. قال القرطبي: (أي قويناه حتى ثبت). التفسير الثاني: أي قويناه بوفرة الجنود وكثرة الحرس. فعن السّدي: (قوله: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ قال: كان يحرسه كلّ يوم وليلة أربعة آلاف، أربعة آلاف). وعن ابن عباس قال: (كان داود أشد ملوك الأرض سلطانًا. كان يحرس محرابه كل ليلة نيف وثلاثون ألف رجل، فإذا أصبح قيل: ارجعوا فقد رضي عنكم نبيّ الله). التفسير الثالث: قيل بل بالهيبة وإلقاء الرعب منه في القلوب. قال القاسمي ﵀: (أي قويناه بوفرة العَدَدِ والعُدَدِ ونفوذِ السلطة وإمداده بالتأييد والنصر). وقال ابن العربي: (بالتأييد والنصر). وجملة القول أن الله سبحانه قد أعطى نبيّه داود ﵇ من أسباب القوة والملك ما يُذِلُّ به أعداءَه وينصر به الحق ويحميه. قال الحافظ ابن كثير: (أي جعلنا له ملكًا كاملًا من جميع ما يحتاج إليه الملوك). وقوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾ - فيه معان متقاربة: المعنى الأول: الحكمة: أي النبوة. فعن السّدي: (﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾ قال: النبوة). المعنى الثاني: العدل. فعن مجاهد: (﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾ قال: العدل). المعنى الثالث: السنة. فعن قتادة: (قال: السنة). المعنى الرابع: العلم بكتاب الله تعالى. ذكره أبو العالية. المعنى الخامس: العلم والفقه. قاله شريح. وجملة القول أنّه سبحانه أضاف له في قوة السلطان والحديد قوة في العلم والفهم والعقل والذكاء والمعرفة بالعدل الذي دلّ عليه الوحي ليحكم بمنهج النبوة والحق.

стр. 3957

وقوله: ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ فيه أكثر من تأويل: التأويل الأول: الفصل في القضاء والإصابة فيه. قال مجاهد: ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ قال: إصابة القضاء وفهمه). وقال قتادة: (يعني الفصل في القضاء). وقال ابن عباس: (أعطي الفهم). التأويل الثاني: بيان الكلام. قاله ابن عباس. التأويل الثالث: ما روي عن علي ﵁ حيث قال: (هو البينة على المدعي واليمين على من أنكر). وذكره الشَّعبي أيضًا. التأويل الرابع: علم القضاء. ذكره السدي. التأويل الخامس: قيل: البيان الفاصل بين الحق والباطل. وقيل: هو الإيجاز بجعل المعنى الكثير في اللفظ القليل. التأويل السادس: هو قوله أما بعد. قال الشعبي: (هو قوله أما بعد، وهو أول من قال أما بعد، فإن من تكلم في الأمر الذي له شأن يفتتح بذكر الله وتحميده، فإذا أراد أن يخرج إلى الغرض المسوق له فصل بينه وبين ذكر الله بقوله أما بعد) - ذكره النسفي. وخلاصة المعنى أنّ الله سبحانه علّم نبيّه داود علم القضاء ووهبه قوة الفهم والفصل بين المتخاصمين ليقيم العدل والحق في الأرض كما يحب الله ويرضى. وقوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾. فخرج الخصم في لفظ الواحد لأنه مصدر مثل الزور والسفر لا يثنى ولا يجمع، مع أن المراد ملكان والله تعالى أعلم. وقوله: ﴿تَسَوَّرُوا﴾ أي أتوه من أعلى سوره. قال القرطبي: (يقال: تسور الحائط تسلقه، والسور حائط المدينة وهو بغير همز، وكذلك السُّور جمع سورةِ مثل بُسْرَةٍ وبُسَرٍ وهي كل منزلة من البناء. ومنه سورة القرآن، لأنها منزلة بعد منزلة مقطوعة عن الأخرى). والمحراب هو مقدم كل مجلس وصدره وأشرفه. قال أبو عبيدة: (إنه صدر المجلس، ومنه محراب المسجد). وقوله تعالى: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾. قال الحافظ ابن كثير: (كان داود ﷺ في محرابه وهو أشرف مكان في داره، وكان قد أمر أن لا يدخل عليه أحد ذلك اليوم، فلم يشعر إلا بشخصين قد تسوّرا عليه المحراب أي احتاطا به يسألانه عن شأنهما).

стр. 3958

فقوله: ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾ أي: لدخولهما عليه من غير الباب وقيل لدخولهما ليلًا في غير وقت نظره بين الناس. وقيل: ملكان في صورة إنسيين بعثهما الله إليه امتحانًا واختبارًا، فما شعر وهو في الصلاة إلا وهما بين يديه جالسين، فاختصما إليه طالبين منه الفصل بينهما في خلاف وقع بينهما. وقوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ﴾ أي بالعدل والقسط ﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾. قال قتادة: (أي لا تَمِل). وقال السدي: (يقول لا تحُف). أي اقض بيننا بالعدل ولا تجرُ أو تُسْرِف في حكمك فتميل مع أحدنا على صاحبه. وفي لغة العرب: أشطَّ في القضية أي جارَ، واشتطَّ أي أبْعَدَ، والشَطَط مجاوزة القدر في كل شيء، والشطُ: جانب النهر، فأشطَّ وشطَّ لغتان. وقيل لا تُسْرِف، وقيل لا تفرط، وكلها معان متقاربة كما قال جل ثناؤه في سورة الكهف: ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ أي جَورًا وبُعدًا عن الحق. ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ قال قتادة: (أي إلى عدله وخيره). وعن وهب بن منبه قال: (أي احملنا على الحق ولا تخالف بنا إلى غيره). فالمقصود أرشدنا إلى طريق الرشد والفصل وقصد السبيل. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾. قال وهب بن منبه: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي﴾ أي على ديني). ﴿لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ وهي أنثى الضأن ﴿وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ من تلك النعاج ومثيلاتها. ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾، قال ابن زيد: (أعطنيها). ليصبح لي منها مئة كاملة ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾. قال وهب: (أي قهرني في الخطاب وكان أقوى مني فحاز نعجتي إلى نعاجه وتركني لا شيء لي). أي أراد تملكها كما قال ابن عباس: (اجعلها كفلي أي نصيبي) وغلبني في الحجة والخصومة والإحراج. وقوله: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾. أي: ما أنصفك بهذا الطلب. قال القاسمي: (أي طلب نعجتك التي أنت أحوج إليها ليضمها إلى نعاجه). وقوله: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾. قال ابن جرير: (وإن كثيرًا من الشركاء ليتعدى بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا بالله وعملوا بطاعة الله وانتهوا إلى أمره ونهيه ولم يتجاوزوه). فالأخلاء الصالحون قليل ما هم كما قال جل ثناؤه: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾. فإن أغلب علاقات الناس في الدنيا تقوم على المصالح الأرضية

стр. 3959

والصلات المادية ومتابعة الشهوات، وأما أخوة الإيمان التي يميزها الصدق والحب والوفاء الخالص في وجه الله فهي قليلة في كل زمان والله المستعان، ولذلك خصّ الله سبحانه هذه الصلة بشرف عظيم في الدار الآخرة وهو شرف الاستظلال تحت عرشه في زحمة الحشر في عرصات القيامة. ففي الصحيحين والمسند عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ - ﷺ قال: [سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابّا في الله فاجتمعا على ذلك وافترقا عليه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه، ورجل دعتْه امرأةٌ ذاتُ منصب وجمال فقال: إني أخاف الله ربَّ العالمين، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلمَ شماله ما تنفق يمينُه] (١). وفي المسند ومعجم الطبراني بإسناد صحيح عن عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي ﷺ - ﷺ قال: [قال الله تعالى: حُقَّتْ محبتي للمتحابين فيَّ، وحُقَّتْ محبتي للمتواصلين فيَّ، وحُقَّتْ محبتي للمتناصحين فيَّ، وحقت محبتي للمتزاورين فيّ، وحقت محبتي للمتباذلين فيّ. المتحابون فيَّ على منابر من نور، يغبطِهم بمكانهم النبيون والصديقون والشهداء] (٢). وله شاهد عند ابن أبي الدنيا عن عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ - ﷺ قال: [قال الله تعالى: حُقت محبتي على المتحابين، أظلهم في ظل العرش يومَ القيامة يوم لا ظِلَّ إلا ظِلِّي] وسنده صحيح. وقوله: ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ فيهم فيه وجهان في التقدير: الأول: وقليل هم. والثاني: وقليل ما تجدهم. قال ابن عباس: (وقليل الذين هم). وقال ابن زيد: (قليل من لا يبغي). وقوله: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾. قال النحاس: (فيقالُ إنَّ هذه كانت خطيئة داود ﵇، لأنه قال: لقد ظلمك من غير تثبت ببيّنة، ولا إقرار من الخصم، هل كان هذا كذا أو لم يكن). وقد قيل في أنَّ: قوله تعالى:

стр. 3960

﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ فيه الفتوى في النازلة بعد السماع من أحد الخصمين، وقبل أن يسمع من الآخر بظاهر هذا القول. قال ابن العربي: (وهذا مما لا يجوز عند أحد، ولا في ملة من الملل، ولا يمكن ذلك للبشر). أي فلا بد أن يسمع من الخصم والطرف الآخر. وقد ذكر القرطبي قول الحليمي أبي عبد الله في كتاب منهاج الدين له: (أخبر الله عن داود ﵇، أنه سمع قول المتظلم من الخصمين، ولم يخبر عنه أنه سأل الآخر، إنما حكى أنه ظلمه، فكان ظاهر ذلك أنه رأى في المتكلم مخائل الضعف والهضيمة، فحمل أمره على أنه مظلوم كما يقول، ودعاه ذلك إلى ألّا يسأل الخصم، فقال له مستعجلًا: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ﴾ إلى أن قال: ولما تكلم داود بما حملته العجلة عليه، علم أن الله خلاه ونفسه في ذلك الوقت، وهو الفتنة التي ذكرناها، وأن ذلك لم يكن إلا عن تقصير منه، فاستغفر ربه وخرّ راكعًا لله تعالى شكرًا على أن عصمه بأن اقتصر على تظليم المشكو، ولم يزده على ذلك شيئًا من انتهار أو ضرب أو غيرهما، مما يليق بمن تصور في القلب أنه ظالم، فغفر الله له ثم أقبل عليه يعاتبه فقال: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فبان بما قصه الله تعالى من هذه الموعظة، التي توخاه بها بعد المغفرة، أن خطيئته إنما كانت التقصيرَ في الحكم، والمبادرةَ إلى تظليم من لم يثبت عنده ظلمه. ثم جاء عن ابن عباس أنه قال سجدها داود شكرًا، وسجدها النبي ﷺ - ﷺ اتباعًا، فثبت أن السجود للشكر سنة متواترة عن الأنبياء صلوات الله عليهم). قلت: وهذا الفهم أليق عندي بمقام النبوة وشرف من اصطفاهم الله بالرسالة وبتبليغ الأمانة وامتثال منهج الوحي والحكم به، ولعمر الله كمن سُوِّدَتْ صفحات في كتب التفسير وأوراق المفسرين حتى الأعلام منهم، من قصص لا تليق بمقام وشرف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، دسَّها المبطلون والكذبة من بني إسرائيل وأمثالهم، كما أخبر النبي ﷺ - ﷺ بقوله: [إن بني إسرائيل لما هلكوا قصّوا]، أي اشتغلوا بالحكايات والخرافات لما تركوا العلم وأعرضوا عنه واستصعبوا منهج العمل، فنسبوا هنا لداود ﵇ أن طلب من الله أن يتركه وَيَكَلِهُ لنفسه ساعة ظنًا أنه لا يفتن من كثرة وشدة عبادته، وركبّوا قصة تافهة في ذلك من أنه لبس الصوف ودخل المحراب ووضع الزبور بين يديه فوقع طائر بين يديه فأتبعه بصره فإذا به قد أتى على سطح تغتسل عليه امرأة عريانة فرأى أجمل النساء خَلْقًا فأرسل إلى عامله أن يبعث زوجها إلى ساحات القتال فقُتِلَ فنكح
следующие страницы →