والإسلام هو دين الأنبياء جميعًا. وفي التنزيل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥].
وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الدنيا والآخوة، والأنبياء إخوة لِعَلاّت، أمهاتهم شتى ودينهم واحد] (١). وبنو العلاّت: هم أبناء الرجل الواحد من أمهات شتى.
وقوله: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾.
يعني: مضت. ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ فلا يفيدكم الانتساب إلى الأنبياء والصالحين ما لم تكونوا على منهاجهم. ﴿وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
أخرج الإمام أحمد والنسائي والبيهقي بسند صحيح عن أُبَيّ، عن النبي ﷺ قال: [انتسب رجلان على عهد موسى، فقال أحدهما: أنا فلان بنُ فلانٍ، حتى عَدَّ تسعةً فمن أنتَ لا أمَّ لك؟ قال: أنا فلانُ بنُ فلانٍ ابنِ الإسلام. فأوحى الله إلى موسى أن قل لهذين المنتسبين: أما أنت أيها المنتسب إلى تسعةٍ في النار فأنت عاشرهم في النار، وأما أنت أيها المنتسب إلى اثنين في الجنة فأنت ثالثهما في الجنة] (٢).
وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: [ومن بطّأ به عمله لم يسرع به نسبه] (٣).
١٣٥. قوله تعالى: ﴿وَقَالوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥)﴾.
في هذه الآية: إثبات الله تعالى الهداية في ملة إبراهيم ﵇، ملة التوحيد ونبذ الشرك والآثام.
قال ابن عباس: (قال عبدُ الله بن صُوريا الأعور لرسول الله ﷺ : ما الهُدى إلا ما نحن عليه! فاتّبِعنا يا محمد تهتد! وقالت النصارى مثل ذلك. فأنزل الله
стр. 422
فيهم: ﴿وَقَالوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾).
وقوله: ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾.
أي: مستقيمًا. قال مجاهد: (مخلصًا). وقال ابن عباس: (حاجًّا). وقال أبو العالية: (الحنيف الذي يستقبل البيت بصلاته. ويرى أن حجّه عليه إن استطاع إليه سبيلًا). وقال الربيع: (حنيفًا: أي متبعًا).
وقال أبو قلابة: (الحنيف الذي يؤمن بالرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم).
وقال قتادة: (الحنيفية شهادة أن لا إله إلا الله، يدخل فيها تحريم الأمهات والبنات، والخالات والعمات، وما حرّم الله ، والختان).
قلت: والذي ذكره قتادة شامل واسع، يدلس على ملة إبراهيم ملة التوحيد وإفراد الله سبحانه بالتعظيم والتوحيد والعبادة والطاعة.
١٣٦. قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾.
في هذه الآية: دعوة الله تعالى عباده المؤمنين إلى الإيمان به وبجميع أنبيائه ورسله، وعدم التفريق في ذلك بين أحد منهم.
قال قتادة: (أمر الله المؤمنين أن يؤمنوا ويصدقوا بأنبيائه ورسله كلهم، ولا يفرقوا بين أحد منهم).
وفي التنزيل: (﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥١].
أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: [كان أهل الكتاب يقرؤون التوراةَ بالعبرانية ويفسِّرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ :
стр. 423
لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم و ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية] (١).
وفي صحيح مسلم عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ : [كان يقْرأ في ركعتي الفجر: في الأولى منهما: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية التي في البقرة. وفي الآخرة منهما: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران: ٥٢]﴾] (٢).
وأما الأسباط فهم اثنا عشر رجلًا من ولد يعقوب ﵇. وَلَدَ كُلُّ رجل منهم أمّة من الناس، فسموا "أسباطًا". وفي التنزيل: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا ... ﴾ [الأعراف: ١٦٠].
قال قتادة: (الأسباط: يوسف وإخوته، بنو يعقوب. ولد اثني عشر رجلًا، فولد كل رجل منهم أمة من الناس، فسموا "أسباطًا").
وقال الخليل بن أحمد: (الأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في بني إسماعيل).
وقال القرطبي: (وسمّوا الأسباط من السَّبط وهو التتابع، فهم جماعة متتابعون).
قال: (والسِّبْطُ الجماعة والقبيلة الراجعون إلى أصل واحد). وقيل: أصله من السَّبَط: الشجر، فهم في الكثرة بمنزلة الشجر، الواحدةُ سَبطة. وفي الأثر عن ابن عباس: (كل الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة: نوح، وهود، وصالح، وشعيب، ولوط، وإبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، وإسماعيل، ومحمد عليهم الصلاة والسلام).
وقوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾.
أي: منقادون. قال النسفي: (لله مخلصون).
١٣٧ - ١٣٨. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧) صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾.
في هذه الآيات: إثبات منهاج الرسل في الإيمان، وأن المعرضين عنه قد شقوا
стр. 424
طريقًا من طرق الشيطان، فإن الدين الحق هو دين الفطرة الذي فطر الله الناس عليه وهو دين الإسلام.
قال ابن عباس: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾: أخبر الله سبحانه أن الإيمان هو العروة الوثقى، وأنَّه لا يقبل عملًا إلا به، ولا تحرُم الجنة إلا على من تَركه).
والمعنى: إن صدّق الكفار من أهل الكتاب وغيرهم بجميع كتب الله ورسله دونما تفريق بين أحد منهم فقد أصابوا الحق ورشدوا. وإن تولوا وأعرضوا ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾. قال قتادة: (أي: في فراق). يعني في مخالفة ومنازعة. قال زيد بن أسلم: (الشقاق المنازعة). وقيل: الشقاق المجادلة والمخالفة والتعادي. قال القرطبي: (وأصله من الشِّق وهو الجانب، فكأن كل واحد من الفريقين في شق غير شِقّ صاحبه).
وقيل: بل الشقاق مأخوذ من فِعل ما يشق ويصعب، فكأن كل واحد من الفريقين يحرص على ما يشقّ على صاحبه.
قلت: وبالجمع بين هذه الأقوال يكون المعنى: إن من أعرض عن منهاج الرسل في الإيمان فقد شق طريقًا غير طريقهم وفارقهم إلى طرق وسبل الشياطين.
وقوله: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾.
يعني: سيكفي الله رسولَه عدوَّه، وسيخذل من عانده وخالفه.
قال ابن جرير: (ففعل الله بهم ذلك عاجلًا، وأنْجز وعده، فكفى نبيّه ﷺ بتسليطه إياه عليهم، حتى قتل بعضهم، وأجاز بعضًا، وأذلّ بعضًا وأخزاه بالجزية والصَّغار).
وقال القرطبي: (وكان ذلك في قتل بني قَيْنُقَاع وبني قُريظة وإجلاء بني النضير).
وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
أي: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ سبحانه لما يقولون لك بألسنتهم وما يخرج من أفواههم من الجهل والكفر والدعوة إلى الضلال، ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما انطوت عليه قلوبهم من الغسل والمكر والحسد.
وقوله: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾.
قيل دين الله، وقيل فطرة الله. وتفصيل ذلك:
стр. 425
١ - فعن قتادة: (﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ قال: دين الله). وقال أبو العالية: (﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾: دين الله. ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾، قال: ومن أحسن من الله دينًا).
٢ - وعن مجاهد: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾، قال: فطرة الله التي فطر الناسَ عليها). وقال: (الصبغة: الفطرة). وقال: (الإسلام، فطرة الله التي فطر الناس عليها). وقال ابن جريج: (دين الله، ومن أحسن من الله دينًا. قال: هي فطرة الله).
وبالجمع بين القولين يكون المعنى: بل نتبع فطرة الله وملته التي خلق عليها خلقه، وذلك الدين القيم. قال بعض أهل اللغة: "صبغة" بدلٌ من"ملّة". وقال الكسائي: (وهي منصوبة على تقدير اتبعوا. أو على الإغراء أي الزموا. ولو قرئت بالرَّفع لجاز، أي هي صبغة الله).
قال ابن جرير: (الصبغة: صبغة الإسلام. وذلك أن النصارى إذا أرادت أن تُنَصِّرَ أطفالهم، جعلتهم في ماء لهم تزعم أن ذلك لها تقديس، بمنزلة غسل الجنابة لأهل الإسلام، وأنه صبغة لهم في النصرانية). وقد جاءت بذلك الآثار:
١ - روى شيبان عن قتادة قال: (إن اليهود تصبغ أبناءهم يهودًا، وإن النصارى تصبغ أبناءهم نصارى، وإن صبغة الله الإسلام).
٢ - قال ابن عباس: (هو أن النصارى كانوا إذا وُلد لهم ولد فأتى عليه سبعة أيام غمسوه في ماء لهم يقال له ماء المعمودِيّة، فصبغوه بذلك ليطهّروه به مكان الخِتان، لأن الختان تطهر، فإذا فعلوا ذلك قالوا: الآن صار نصرانيًّا حقًّا).
فرد الله عليهم بأن صبغةَ الله أحسن صبغة، وهي الإسلام. قال القرطبي: (فَسمِّيَ الدين صبغة استعارة ومجازًا من حيث تظهر أعماله وسِمته على المتديِّن، كما يظهر أثر الصبغ في الثوب).
وقوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾.
أمرٌ من الله لنبيّه أن يقول للذين قالوا: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾. والتقدير: قل لهم: بل نتبع ملة إبراهيم حنيفًا، صبغَةَ الله، لا نستكبر عن أمره أو الإقرار برسالته رسله، كما استكبرت اليهود والنصارى فكفروا بمحمد ﷺ استكبارًا وبغيًا وحسدًا، وضيّعوا أعمالهم باستكبارهم.
أخرج البخاري عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: [مثل المسلمين واليهود والنصارى
стр. 426
كمثل رجل استأجر قومًا يعملون له عملًا إلى الليل فعمِلوا إلى نصف النهار فقالوا: لا حاجة لنا إلى أجرك، فاستأجر آخَرين فقال: أَكْمِلوا بقية يومِكم ولكم الذي شرطت، فَعَمِلوا حتى إذا كان حين صلاة العَصرِ قالوا: لكَ ما عملنا، فاستأجر قومًا فعمِلوا بقيةَ يومهم حتى غابت الشَّمس، واستكملوا أَجْر الفريقين] (١).
وفي رواية: (فذلك مثلهم ومثَلُ ما قبلوا من هذا النور).
١٣٩ - ١٤١. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالنَا وَلَكُمْ أَعْمَالكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩) أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٠) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤١)﴾.
في هذه الآيات: تكذيبُ الله المعاندين المغرورين من أهل الكتاب، الذين ادَّعوا أن الأنبياء كانوا على دينهم وطريقتهم، وتأكيده تعالى أن رسله جميعًا كانوا على ملة التوحيد وإفراد الله بالتعظيم، وأن الانتساب النافع هو أتباع سبيل المرسلين.
فقوله: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ﴾.
قال مجاهد: (قل: أتخاصموننا). وقال ابن عباس: (أتجادلوننا). قال الحسن: (كانت المحاجة أن قالوا: نحن أولى بالله منكم، لأنّا أبناء الله وأحباؤه). وقيل: لتقدّم آبائنا وكتبنا، ولأنا لم نعبد الأوثان. فكان الجواب من الله: قل يا محمد لهؤلاء المغرورين أنه لا تأثير لقدم الدين، بل لا بد من متابعة أوامر الله المتجددة والإيمان بكلِّ رسله وأنبيائه، فهو ربنا وربكم، ولا يستكبر عن عبادته إلا هالك.
وقوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾.
قال ابن جرير: (تزعمون أنكم أولى بالله منا، لقدم دينكم وكتابكم ونبيكم، ونحن
стр. 427
مخلصون له العبادة، لم نشرك به شيئًا، وقد أشركتم في عبادتكم إياه، فعبد بعضكم العجلَ، وبعضكم المسيحَ، فأنّى تكونون خيرًا منا، وأولى بالله منا؟ ).
أخرج الإمام أحمد والترمذي عن أبي سعيد بن أبي فضالة، عن النبي ﷺ قال: [إذا جمع الله الأولين والآخرين، ليوم لا ريب فيه، نادى منادٍ: من كان أشرك في عمل عملهُ لله أحدًا فليطلب ثوابه من عنده، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك] (١).
وقال الجنيد: (الإخلاص سِرٌّ بين العبد وبين الله، لا يعلمه ملك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، ولا هوىً فيميله).
وقوله: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾.
التقدير: أتحاجوننا في الله، أم تقولون في هؤلاء الأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام: إنهم كانوا على دينكم وملتكم وطريقتكم. ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾: تقرير وتوبيخ لهم في زعمهم وادعائهم، فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لم يكونوا هودًا أو نصارى بل على ملة التوحيد وإفراد الله سبحانه بالتعظيم، دون تعصب أو كبر أو جدل.
وقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾.
قال الحسن البصري: (كانوا يقرؤون في كتاب الله الذي أتاهم: إن الدين الإسلام، وإن محمدًا رسول الله، وإن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، كانوا برآء من اليهودية والنصرانية، فشهدوا لله بذلك، وأقروا به على أنفسهم لله، فكتموا شهادة الله عندهم من ذلك).
وقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٠)﴾.
تهديد ووعيد وتحذير شديد، فإن الله سبحانه قد أحاط بكلِّ شيء علمًا، وهو عليم بأعمالكم وما تخفي صدوركم.
وقوله: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾. يعني: مضت.
стр. 428
وقوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
قال ابن كثير: (لهم أعمالهم ولكم أعمالكم. وليس يغني عنكم انتسابكم إليهم، من غير متابعة منكم لهم، ولا تغتروا بمجرد النسبة إليهم حتى تكونوا منقادين مثلهم لأوامر الله واتباع رسله، الذين بعثوا مبشِّرين ومنذرين، فإنّه من كفر بنبيّ واحد فقد كفر بسائر الرسل، ولا سيما بسيد الأنبياء وخاتم المرسلين ورسول رب العالمين إلى جميع الإنس والجن من المكلفين، صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر أنبياء الله أجمعين).
وقال القرطبي في هذه الآية: (كرّرها لأنها تضمنت معنى التهديد والتخويف، أي إذا كان أولئك الأنبياء على إمامتهم وفضلهم يجازون بكسبهم فأنتم أخرى، فوجب التأكيد، فلذلك كرّرها).
١٤٢ - ١٤٣. قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
في هذه الآيات: استنكار اليهود تحول القبلة من بيت المقدس إلى البيت الحرام، وإثبات منهاج الوسطية لأمة محمد ﵊، وأن الله تعالى لا يضيع أجر أهل الإيمان.
والسفهاء: الجهال، سموا كذلك لأنهم سفهوا الحق. وهم المشركون واليهود والمنافقون. وتفصيل ذلك من أقوال المفسرين:
١ - عن مجاهد: (﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾، قال: اليهود تقوله، حين تَرَك بيتَ المقدس). وقال البراء: (أهل الكتاب). وقيل: (أحبار يهود).
стр. 429
٢ - عن السدي قال: (نزلت: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾، في المنافقين).
٣ - قال الزجّاج: (المراد بالسفهاء ها هنا مشركو العرب).
واختار ابن جرير أنها في اليهود وأهل النفاق. قال: (وإنما سمّاهم الله ﴿سُّفَهَاءُ﴾ لأنهم سفِهوا الحق. فتجاهلت أحبارُ اليهود، وتعاظمت جهالهم وأهل الغباء منهم، عن أتباع محمد ﷺ ، إذ كان من العرب ولم يكن من بني إسرائيل، وتحيّر المنافقون فتبلَّدوا). في حين اختار ابن كثير أنها عامة في هؤلاء كلهم، والله أعلم.
قلت: وقد جاء في السنة الصحيحة ما يدل على سبب نزول هذه الآية:
١ - قال ابن إسحاق: حدثني إسماعيل بن أبي خالد عن أبي إسحاق عن البراء قال: [كان رسول الله ﷺ يصلي نحو بيت المقدس ويكثر النظر إلى السماء ينتظر أمر الله، فأنزل الله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. فقال رجال من المسلمين: وَدِدْنا لو علمنا علم من مات قبل أن نصرف إلى القبلة، فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾. وقال السفهاء من الناس: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها. فأنزل الله: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ إلى آخر الآية] (١).
٢ - وفي صحيح البخاري عن البراء ﵁: [أن رسول الله ﷺ صَلّى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا، وكان يُعجبه أن تكون قبلته قِبَلَ البيت، وأنَّه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر، وصلّى معه قوم، فخرج رجل ممن كان صلى معه، فمرّ على أهل المسجد وهم راكعون، فقال: أشهد بالله لقد صليت مع النبي ﷺ قِبَلَ مكة، فداروا كما هم قِبَلَ البيت. وكان الذي مات على القبلة قبل أن تُحَوَّلَ قِبَلَ البيت رجالًا قتلوا لم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾] (٢).
٣ - أخرج ابن أبي حاتم بسند حسن عن أبي إسحاق، عن البراء قال: [كان رسول الله ﷺ قد صلى نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا، وكان يحبّ أن
стр. 430
يُوَجَّهَ نحو الكعبة، فأنزل الله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. قال: فَوُجهَ نحو الكعبة. وقال السفهاء من الناس -وهم اليهود -: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾؟ فأنزل الله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾] (١).
٤ - أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄، أنه قال: [بينما الناس بِقُباء في صلاة الصبح، إذ جاءهم آت فقال: إن رسول الله ﷺ قد أُنزل عليه الليلة قرآن وقد أُمِرَ أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشَّام فاستداروا إلى الكعبة] (٢).
قال الحافظ ابن كثير: (وفي هذا دليل على أن الناسخ لا يلزم حكمه إلا بعد العلم به، وإن تقدَّم نزوله وإبلاغه، لأنهم لم يؤمروا بإعادة العصر والمغرب والعشاء، والله أعلم).
وقوله: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾.
رُوي عن ابن عباس: أن القائلين هم اليهود، وعن الحسن: أنهم مشركو العرب، وعن السدّي: أنهم المنافقون.
قال الراغب: (ولا تنافي بين أقوالهم، فكلٌّ قد عابوا، وكل سفهاء).
وقال القاسمي: (ومدار الإنكار، إن كان القائلون هم اليهود، كراهتهم للتحويل عنها لأنها قبلتهم. وإن كان غيرهم، فمجرد القصد إلى الطعن في الدين والقدح في أحكامه).
وقوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
مفهومه: إنّ الحكم والتصرف والأمر لله، فحيثما وجَّهنا سبحانه توجّهنا، فنحن عبيده وخدّامه وفي تصرفه فله الأمر وعلينا الامتثال.
قال القرطبي: ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. إشارة إلى هداية الله تعالى هذه الأمة إلى قبلة إبراهيم، والله تعالى أعلم. والصراط: الطريق. والمستقيم: الذي لا اعوجاج فيه).
وفي المسند عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : [إنهم لا يحسدوننا على شيء
стр. 431
كما يحسدوننا على يوم الجمعة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى القبلة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام: آمين] (١).
وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾.
الوَسَط: العدْل. فوصفت هذه الأمة به لأنها جانَبَت الغلو والتقصير، فلم تَغْلُ غُلُوَّ النصارى في أنبيائهم، ولم تُقَصِّر تقصير اليهود في أنبيائهم. ومنه الصلاة الوسطى -صلاة العصر- توسطت الصلوات، ومنه الكعبة في وسط الأرض. فكما أن الكعبة التي حُوِّلتم إليها وسط الأرض، فكذلك أنتم وسط الناس، ووسط الأمم، جعلناكم أمة وسطًا، أي دون الأنبياء وفوق الأمم، لتشهدوا للأنبياء يوم القيامة عند تكذيب الأمم لهم.
أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : [يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان، والنبي ومعه الثلاثة، وأكثر من ذلك، فيقال له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم، فيُدعى قومه، فيقال لهم: هل بلَّغكم بهذا؟ فيقولون: لا، فَيُقال له: من يشهدُ لكَ؟ فيقول: محمدٌ وأمته، فيدعى محمدٌ وأمته، فيقال لهم: هل بلغ هذا قومه؟ فيقولون: نعم، فيُقال: وما عِلْمُكُم بذلك؟ فيقولون: جاءنا نبيّنا، فأخبرنا أن الرسل قد بلّغوا فصدّقناه، فذلك قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾] (٢).
وأخرج البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري -أيضًا- قال: قال رسول الله ﷺ : [يُجاء بنوح يوم القيامة فيقال له: هل بلَّغْتَ؟ فيقولُ: نعم يا ربِّ، فتسْألُ أمَّتُهُ: هل بَلغَكُم؟ فيقولون: ما جاءنا من نذير، فيقول: مَنْ شهودُكَ؟ فيقول؟ محمدٌ، وأمَّتُهُ، فَيُجاء بكم فتشهدون، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ قال: عدلًا، ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾] (٣).
وفي رواية أحمد: [يدعى نوح يوم القيامة، فيقال له: هل بلغت؟ فيقول: نعم. فيُدعى قومه فيقال لهم: هل بلّغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير وما أتانا من أحد. فيقال
стр. 432
لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته. قال: فذلك قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾. قال: الوسطُ. العدل، فتدعون فتشهدون له بالبلاغ، قال: ثم أشهد عليكم].
قلت: وهذه الصفة لهذه الأمة بالشهادة على الناس هي في الدنيا كما هي في الآخرة، وفي ذلك أحاديث من السنة الصحيحة:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أنس ﵁ قال: [مر على النبي ﷺ بجنازة، فأثني عليها خيرًا، فقال نبي الله ﷺ : وَجَبَتْ وَجَبَتْ وجبتْ، ومُرَّ بجنازة فأثني عليها شرًا، فقال نبي الله ﷺ : وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ. فقال عمر: فِدىً لك أبي وأمي! مُرَّ بجنازة فأثني عليها خيرًا فقلت: وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ، ومُرَّ بجنازة فأثني عليها شرًا، فقلت: وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ؟ فقال رسول الله ﷺ : من أثنيتم عليه خيرًا وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شرًا وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض] (١).
الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند بسند صحيح عن أبي الأسود أنه قال: [أتيت المدينة فوافقتها، وقد وقع بها مرض، فهم يموتون موتًا ذريعًا، فجلست إلى عمر بن الخطاب، فمرّت به جنازة، فَأُثْنِيَ على صاحبها خيرًا، فقال: وَجَبَتْ وَجَبَتْ. ثم مُرَّ بأخرى فأثني على صاحبها خيرًا، فقال عمر ﵁: وَجَبَت. ثم مُرَّ بالثالثة فأُثْنِيَ عليها شرًا، فقال عمر: وجبتْ. فقال أبو الأسود: ما وجبت يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت كما قال رسول الله ﷺ : أيّما مسلم شَهِدَ له أربعة بخير أدخله الله الجنة. قال فقلنا: وثلاثة؟ قال: فقال: وثلاثة. قال فقلنا: واثنان؟ قال: واثنان. ثم لم نسأله عن الواحد] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد والحاكم من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [ما من مسلم يموت فيشهد له أربعة من أهل أبيات جيرانه الأَدْنَيْنَ أنهم لا يعلمون منه إلا خيرًا، إلا قال الله تعالى وتبارك: قد قبلت قولكم، أو قال: بشهادتكم، وغفرت له ما لا تعلمون] (٣).
стр. 433
الحديث الرابع: أخرج ابن ماجة وأحمد، عن أبي بكر بن أبي زهير الثَّقفيُّ، عن أبيه، قال: [سمعت رسول الله ﷺ بالنباوَة يقول: يوشك أن تعلموا خياركم من شراركم. قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: بالثناء الحسن والثناء السيِّئ، أنتم شهداء الله في الأرض] (١). والنَّباوة من الطائف.
الحديث الخامس: أخرج الحافظ أبو بكر بن مَرْدَويه عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: [أنا وأمتي يوم القيامة على كَوْم مشرفين على الخلائق، ما من الناس أحدٌ إلا وَدَّ أنه مِنّا. وما من نبي كذّبه قومه إلا ونحن نشهد أنه قد بلغ رسالة ربه ] (٢).
وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾.
إن تشريع تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة فيه اختبار الصدق في طاعة الله من النفاق والكذب، ليظهر حال من يمتثل أمر الله ويتابع رسوله، ممن يكبِّر عليه الأمر فيخالف أو يرتد عن دينه. ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ أي: تحويل القبلة. ذكره ابن عباس ومجاهد.
والتقدير في العربيّة: وإن كانت التحويلة. قال الأخفش: (أي وإن كانت القِبْلة أو التحويلة أو التَّوْلية لكبيرة).
وقوله: ﴿إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾.
قال القرطبي: (أي خلق الهدى الذي هو الإيمان في قلوبهم، كما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾). والتقدير: آمنوا وصدقوا الله فهداهم وزادهم إيمانًا. وفي التنزيل: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ... ﴾ [فصلت: ٤٤]. وقال جل ذكره: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢].
стр. 434
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾.
يعني: صلاتكم إلى القبلة السابقة -بيت المقدس-.
قال ابن عباس: (﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾، أي: بالقبلة الأولى، وتصديقكم نبيكم واتباعه إلى القبلة الأخرى). أي ليُعْطِيَنَّكم أجرهما جميعًا.
وقال الحسن: (أي: ما كان الله ليضيع محمدًا ﷺ وانصرافكم معه حيث انصرف).
خرّج الترمذي بسند صحيح عن ابن عباس قال: [لما وُجّه النبي ﷺ إلى الكعبة قالوا: يا رسول الله، كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يُصَلّون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ الآية] (١).
قال القرطبي: (فسمّى الصلاة إيمانًا لاشتمالها على نيّة وقول وعمل. وقال مالك: إني لأذكر بهذه الآية قول المرجئة: إن الصلاة ليست من الإيمان).
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾.
قال أبو عمرو بن العلاء: (الرأفة أكثر من الرحمة). وقال ابن جرير: (﴿الرأفة﴾ أعلى معاني الرحمة، وهي عامة لجميع الخلق في الدنيا، ولبعضهم في الآخرة. وأما ﴿الرحيم﴾: فإنّه ذو الرحمة للمؤمنين في الدنيا والآخرة).
أخرج البخاري عن عمر بن الخطاب ﵁: قدم على النبي ﷺ سَبْي، فإذا امرأة من السَّبيَّ تَحْلُبُ ثَدْيَها تَسْقي، إذا وَجَدَتْ صبيًّا في السبي أخَذَتْهُ، فألصَقَتْهُ ببطنها وأرضَعَتْهُ، فقال لنا النبي ﷺ : أتُرَون هذه طارِحةً ولدَها في النار؟ قلنا: لا، وهي تَقْدِرُ على أن لا تَطْرَحَهُ، فقال: للهُ أَرْحَمُ بعباده من هذه بولدها] (٢).
أخرج الحافظ العراقي في "المجلس من الأمالي" عن أنس بن مالك مرفوعًا: [والذي نفسي بيده، لا يضع الله رحمته إلا على رحيم، قالوا: كلنا يرحم، قال: ليس برحمة أحدكم صاحبه، يرحم الناس كافّة] (٣).
стр. 435
١٤٤. قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤)﴾.
في هذه الآية: إخبارُ الله تعالى عن رغبة النبي ﷺ التوجه إلى الكعبة في الصلاة وموافقة الله رغبته بذلك. وتهديد ووعيدٌ لمن جحد ذلك من أهل الكتاب أو استكبر عنه فأنكره بغيًا وحسدًا.
قال قتادة: (كان ﷺ يقلّب وجهه في السماء، يحب أن يصرفه الله إلى الكعبة، حتى صرفه الله إليها). وفي رواية: (فكان نبي الله ﷺ يُصَلّي نحو بيت المقدس، يَهوَى ويشتهي القبلةَ نحو البيت الحرام، فوجَّهَهُ الله جل ثناؤه لقبلة كان يهواها ويشتهيها).
أخرج الترمذي بسند صحيح عن البراء بن عازب قال: [كان رسول الله ﷺ صلّى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا، وكان رسول الله ﷺ يحب أن يوجّه إلى الكعبة فأنزل الله : ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ فتوجه نحو الكعبة، وقال السفهاء من الناس وهم اليهود: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها! ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. فصلى مع النبي ﷺ رجل ثم خرج بعدما صلى فمر على قوم من الأنصار في صلاة العصر نحو بيت المقدس فقال: هو يشهد أنه صلى مع رسول الله ﷺ وأنَّه توجه نحو الكعبة فتحرف القوم حتى توجهوا نحو الكعبة] (١).
قال ابن عباس: (كان أول ما نُسِخَ من القرآن القبلة، وذلك أن رسول الله ﷺ لما هاجر إلى المدينة، وكان أكثر أهلها اليهود، فأمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله ﷺ بضعة عشر شهرًا، وكان يحب قبلة إبراهيم فكان يدعو الله وينظر إلى السماء، فأنزل الله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ فارتابت من ذلك اليهود وقالوا: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي
стр. 436
كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وقال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾).
أخرج الحافظ أبو بكر بن مَرْدَويه عن نويلة بنت مسلم قالت: [صلينا الظهر -أو العصر- في مسجد بني حارثة، فاستقبلنا مسجد إيلياء (١) فصلينا ركعتين، ثم جاء من يحدثنا أن رسول الله ﷺ قد استقبل البيت الحرام، فتحوّل النساء مكان الرجال والرجال مكان النساء، فصلينا السَّجدتين الباقيتين، ونحن مستقبلون البيت الحرام، فحدثني رجل من بني حارثة أن النبي ﷺ قال: أولئك رجال يؤمنون بالغيب] (٢).
وله شاهد عنده عن عُمارة بن أوس، قال: [بينما نحن في الصلاة نحو بيت المقدس ونحن ركوع، إذ نادى منادٍ بالباب: إن القبلة قد حُوِّلت إلى الكعبة. قال: فأشهد على إمَامنا أنه انحرف فتحوَّل هو والرِّجال والنساء والصبيان -وهم ركوع- نحو الكعبة] (٣).
وقوله: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾.
الشطر: النحو والقصد والتِّلقاء.
قال الحافظ ابن كثير: (أمر تعالى باستقبال الكعبة من جميع جهات الأرض، شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا، ولا يستثنى من هذا شيء، سوى النافلة في حال السفر، فإنّه يصليها حيثما توجه قالبه، وقَلْبُه نحو الكعبة. وكذا في حال المسايفة في القتال يصلي على كل حال. وكذا من جهل جهة القبلة يصلي باجتهاده، وإن كان مخطئًا في نفس الأمر، لأن الله تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها).
وقوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾.
قال السدي: (أنزل ذلك في اليهود). وقال القرطبي: (يريد اليهود والنصارى). ثم ذكر جوابين عن كيفية علمهم بتحويل القبلة.
стр. 437
الأول: أنهم لما علموا من كتابهم أن محمدًا ﷺ نبيّ علموا أنه لا يقول إلا الحق ولا يأمر إلا به.
الثاني: أنهم علموا من دينهم جواز النسخ وإن جحده بعضهم، فصاروا عالمين بجواز القبلة.
قلت: وقد يكون تحويل القبلة مذكورًا في كتبهم أنه سيكون في حياة النبي محمد ﷺ ولكنهم يتكاتمونه بغيًا وحسدًا. فإن الآية تحتمل مثل هذا التأويل.
وقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾.
تهديد ووعيد لمن جحد وأنكر منهم واستكبر. فهو إعلام بأن الله تعالى لا يغفل عن أعمال العباد ولا يُهملها وسيكشفها لهم يوم يلقونه.
١٤٥. قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥)﴾.
في هذه الآية: الكفر والعناد والمكر متأصل في يهود، لأنهم كفروا وقد تبيّن لهم الحق. فلا تنفعهم الآيات والعلامات ولو جئتهم بكلِّ دليل على النبوة والوحي والحقُّ. كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧]. وفي الآية تحذير شديد من أتباع أهواء أهل الكتاب.
وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ].
إخبار عن صدق متابعة الرسول ﷺ لأوامر الله وشدة تمسكه بها. قال ابن كثير: (كما هم مستمسكون بآرائهم وأهوائهم، فهو أيضًا مستمسك بأمر الله وطاعته واتباع مرضاته، وأنَّه لا يتبع أهواءهم في جميع أحواله، وما كان متوجهًا إلى بيت المقدس لكونها قبلة اليهود، وإنما ذلك عن أمر الله تعالى).
стр. 438
وقوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥)﴾.
الخطاب للرسول والمراد به الأمة. فإن زلة العالم ليست كزلة غيره.
قال الراغب: (نبه أن اتباع الهوى بعد التحقق بالعلم يدخل متحريه في جملة الظلمة. قال: فذو المنزلة الرفيعة إلى تحذير الإنذار عليه أحوج، حفظًا لمنزلته وصيانة لمكانته).
وقال القاسمي: (دلت الآية على أن توجه الوعيد على العلماء أشد من توجهه على غيرهم. لأن قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ يدل على ذلك. ذكره الرازي).
أخرج الدارمي في سننه بسند جيد عن زياد بن حُدَيْر قال: قال لي عمر: هل تعرف ما يهدمُ الإسلام؟ قال: قلتُ: لا. قال: (يهدمه زلّةُ العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين).
١٤٦ - ١٤٧. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧)﴾.
في هذه الآيات: المراد علماء اليهود وأحبارهم، وعلماء النصارى، يعرفون صحة ما جاء به محمد ﷺ كما يعرف أحدهم ولده، فالحذر كل الحذر من تقليدهم في اتباعهم الهوى.
قال قتادة: (﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾، يقول: يعرفون أن البيت الحرام هو القبلة). وقال السدي: (يعرفون الكعبة هي قبلة الأنبياء، كما يعرفون أبناءهم).
قال ابن كثير: (والعرب كانت تضرب المثل في صحة الشيء بهذا). يعني هو صحيح كمعرفة الأب بولده. قال القرطبي: (ورُوي أن عمر قال لعبد الله بن سَلام: أتعرفُ محمدًا ﷺ كما تعرف ابنك؟ فقال: نعم وأكثر، بعث الله أمينَه في سمائه إلى
стр. 439
أمينه في أرضه بنعته فعرفتُه، وابني لا أدري ما كان من أمّه).
أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند حسن عن أبي رمثة التَّيميّ قال: [أتيت النبي ﷺ ومعي ابن لي، فقال: ابنك هذا؟ قلت: أشهد به. (وفي رواية: فقال: ابنك هذا؟ قلت: إي ورب الكعبة، قال: ابن نفسك؟ قلت: أشهد به) قال: فإنّه لا يجني عليك ولا تجني عليه] (١).
وقد يكون المعنى: يعرفون خبر رسول الله ﷺ وصفاته وقبلته كما يعرفون أبناءهم من بين جميع الناس، فلا أحد يمتري في معرفة ابنه من بين ألوف الناس، ومع هذا: قال تعالى: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. قال مجاهد: (يكتمون محمدًا ﷺ ، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل). وقال الربيع: (يعني القبلة).
وقوله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾.
قال الربيع: (يقول: لا تكنْ في شك، فإنها قبلتك وقبلةُ الأنبياء من قبلك). أي لا تكونن من الشاكين. والخطاب للنبي ﷺ والمراد أمّته.
وأصل المِرْية في لغة العرب: الشك. يقال: امترى فلان في كذا إذا اعترضه اليقين مرة والشك أخرى، فدافع إحداهما بالأخرى. ومنه المِراء في الشيء، لأن كل واحد منهما يشك في قول صاحبه.
قال الراغب: (ليس هذا بنهي عن الشك لأنه لا يكون بقصد من الشاكّ، بل هو حث على اكتساب المعارف المزيلة للشك واستعمالها. وعلى ذلك قوله: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾).
١٤٨. قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨)﴾.
في هذه الآية: تقديرُ الله تعالى أن لكل ملة قبلة ووجهة، وأن الهداية بيد الله فاستبقوا الخيرات، وإليه سبحانه المرجع والحساب.
فقوله: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ - فيه أقوال متقاربة:
стр. 440
١ - قال ابن عباس: (﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ يعني بذلك أهل الأديان. يقول: لكل قبلة يرضونها، ووجهة الله حيث توجه المؤمنون). وقال أبو العالية: (لليهودي وجهةٌ هو مولِّيها، وللنصراني وجهة هو موليها، وهداكم أنتم أيتها الأمة إلى القبلة التي هي القبلة).
٢ - وقال الحسن: (أمر كل قوم أن يصلوا إلى الكعبة).
قال القرطبي: (والمراد القبلة، أي إنهم لا يتبعون قبلتك وأنت لا تَتَّبعُ قبلتهم، ولكل وجهةٌ إما بحق وإما بِهوىً).
وقوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾.
قال الربيع: (يقول: فسارعوا في الخيرات).
وقال قتادة: (يقول: لا تُغْلَبُنَّ على قبلتكم). وقال ابن زيد: (﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾، قال: الأعمال الصالحة).
والمعنى: سارعوا أيها المؤمنون إلى الامتثال وفعل الصالحات وتزوّدوا لآخرتكم ولا تستهوينكم يهود فتضيعوا كما ضاعوا وكما ضاعت الأمم قبلكم، وحافظوا على قبلتكم التي هداكم الله لها وضل عنها أهل الكتاب.
وفي التنزيل: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا ... ﴾ [المائدة: ٤٨].
وقوله: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨)﴾.
قال السدي والحسن: (يعني يوم القيامة). فهو القدير سبحانه على جمعكم وحشركم وإن تفرقت أجسادكم وأبدانكم.
١٤٩ - ١٥٠. قوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ
стр. 441
حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠)﴾.
في هذه الآيات: تأكيد جديد لأمر تحويل القبلة ليغيظ أكثر من استكبر عن طاعة الله من أهل الكتاب، وليعلن نسخ القبلة إلى يوم القيامة.
قال القرطبي: (قيل: هذا تأكيد للأمر باستقبال الكعبة واهتمام بها، لأن موقع التحويل كان صعبًا في نفوسهم جدًّا، فأكّد الأمر ليرى الناس الاهتمام به فيخف عليهم وتسكن نفوسهم إليه. وقيل أراد بالأول: وَلِّ وجهك شطر الكعبة، أي عاينها إذا صلّيت تلقاءها. ثم قال: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾ معاشر المسلمين في سائر المساجد بالمدينة وغيرها ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾. ثم قال: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ يعني: وجوب الاستقبال في الأسفار، فكان هذا أمرًا بالتوجه إلى الكعبة في جميع المواضع من نواحي الأرض).
فخلاصة ما ذكر القرطبي في الآية: أن الأول لمن هو بمكة، والثَّاني لمن هو في بقية الأمصار، والثالث لمن خرج في الأسفار. ورجحه القرطبي.
في حين وجّه المعنى فخر الدين الرازي إلى أن الأمر الأول لمن هو مشاهد الكعبة، والثَّاني لمن هو في مكة غائب عنها، والثالث لمن هو في بقية البلدان.
قال ابن جرير: (﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾: ومن أي موضع خَرَجْت إلى أي موضع وجَّهت، فولّ يا محمد وجهك -يقول: حوِّل وجهك. قال: ﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾: وإن التوجه شطرَه للحق الذي لا شك فيه من عند ربك، فحافظوا عليه، وأطيعوا الله في توجهكم قِبَله). وأما قوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ فالمعنى: ليس الله بساهٍ عن أعمالكم ولا يغفل عنها، بل هو محصيها لكم، حتى يوافيكم بها يوم القيامة.
وقوله: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
يعني: من أي بقعة شخصت ومن أي مكان خرجت فقبلة صلاتك إلى البيت العتيق.
وكذلك أنتم أيها المؤمنون: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾.
وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾.
التأويل: لئلا يحتج عليكم أحد في التولي إلى غيره. فإن اليهود يقولون: يجحد
стр. 442
ديننا ويتبع قبلتنا. والمشركون يقولون: يدعي ملة إبراهيم ويخالف قبلته.
قال قتادة: (قوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾، يعني بذلك أهل الكتاب. قالوا - حين صُرف نبيُّ الله ﷺ إلى الكعبة البيت الحرام-: اشتاق الرجل إلى بيت أبيه ودين قومه).
وقوله: ﴿لَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾.
قال الربيع: (يعني مشركي قريش). وقال مجاهد: (هم مشركو العرب). قال: (حجتهم قولهم: قد راجعتَ قبلتنا). أو قال: (قد رجَعت إلى قبلتنا). وقال قتادة وابن نجيح، عن مجاهد: (هم مشركو العرب، قالوا حين صرفت القبلة إلى الكعبة: قد رجع إلى قبلتكم، فيوشك أن يرجع إلى دينكم! قال الله : ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾.
وقوله: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ﴾.
يعني: الناس ﴿وَاخْشَوْنِي﴾ أي: أفردوا الله تعالى بالخوف والتعظيم، ولا تخشوا شبه المبطلين والظَلَمَة المتعنتين.
وقوله: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾.
قال الزجاج: (إتمام النعمة الهداية إلى القبلة).
وقال سعيد بن جبير: (ولم تتم نعمة الله على عبد حتى يدخلَه الجنة).
وقال ابن كثير: (أي: ولأتم نعمتي عليكم فيما شرعت لكم من استقبال الكعبة، لتكمل لكم الشريعة من جميع وجوهها).
وقوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠)﴾.
يعني: إلى ما خصصناكم به من بين الأمم وشرفناكم به.
قال النسفي: (ولكي تهتدوا إلى قبلة إبراهيم). وقال ابن جرير: (وكي ترشدوا للصواب من القبلة). وقال القاسمي: (﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ للصراط المستقيم بالتوجه إليها، فتهتدون بهذه القبلة هداية كاملة).
стр. 443
١٥١ - ١٥٢. قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾.
في هذه الآيات: يُذكِّر سبحانه المؤمنين ببعض نعمه الجليلة عليهم، فإن بعثة محمد ﷺ في حياتهم هي من أكبر هذه النعم، وقد عادت عليهم بالرفعة والشرف، كيف لا والمشهور من حال العرب الأنفة الشديدة من الانقياد لغيرهم، فامتن الله تعالى عليهم وبعثه من بينهم ومن واسطتهم ليكونوا إلى القبول أقرب.
وقوله: ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا﴾.
يعني: يقرأ عليكم القرآن العظيم، وهو أكبر معجزة باقية في هذا الوجود.
قال القاسمي: (ولأنَّه يتلى فتتأدى به العبادات ويستفاد منه جميع العلوم، ومجامع الأخلاق الحميدة، فتحصل من تلاوته كل خيرات الدنيا والآخرة).
وقوله: ﴿وَيُزَكِّيكُمْ﴾.
أي: يطهركم من دنس الشرك والجاهلية والأخلاق الذميمة والأفعال المشينة.
وقوله: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ﴾.
يعني: القرآن، ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ يعني السنة (١).
وقوله: ﴿وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١)﴾.
قال ابن كثير: (فكانوا في الجاهلية الجَهْلاء يُسَفَّهون بالقول الفَرِيّ، فانتقلوا ببركة رسالته، ويُمْنِ سفارته إلى حال الأولياء، وسجايا العلماء. فصاروا أعمق الناس علمًا، وأبرهم قلوبًا، وأقلهم تكلفًا، وأصدقم لهجة).
وفي التنزيل: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران].
стр. 444
فائدة: ليس في الآية تكرار، فالتلاوة غير التعليم. ومن ثَمَّ فإن الحكمة تشتمل على العلم بسائر الشريعة التي يشتمل القرآن على تفصيلها.
وقوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾.
يعني: اذكروني بالطاعة أذكركم بالرحمة والمغفرة. وفيه أقوال متقاربة:
١ - قال سعيد بن جبير: (اذكروني بطاعتي، أذكركم بمغفرتي). وفي رواية: (برحمتي).
٢ - قال الحسن البصري: (اذكروني فيما افترضت عليكم، أذكركم فيما أوجبت لكم على نفسي).
٣ - قال ابن عباس: (ذِكْرُ الله إياكم أكبر من ذكركم إياه).
٤ - قال الربيع: (إن الله ذاكرُ من ذكره، وزائدُ من شكره، ومعذِّبُ من كفره).
٥ - قال السدي: (ليس من عبد يذكر الله إلا ذكره الله. لا يذكره مؤمن إلا ذكره برحمة، ولا يذكره كافر إلا ذكره بعذاب).
وقد حفلت السنة الصحيحة بروائع في هذا المعنى، ومن ذلك هذه الأحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم -واللفظ للبخاري- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : [يقول الله تعالى: أنا عِنْدَ ظنِّ عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأٍ ذكرتهُ في ملأٍ خيرٍ منهم، وإن تقرب شِبْرًا إليَّ تَقَربْتُ إليه ذراعًا، وإن تقرَّبَ إلي ذِراعًا تقربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيتُه هَرْولة] (١).
الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند عن أنس ﵁، عن النبي ﷺ قال: [قال الله تعالى: عبدي إذا ذكرتني خاليًا ذكرتُكَ خاليًا، وإذا ذكرتني في ملأٍ ذكرتك في ملأٍ خيرٍ منهم وأكبر] (٢).
стр. 445
الحديث الثالث: أخرج الطبراني بسند حسن عن معاذ بن أنس عن النبي ﷺ قال: [قال الله تعالى: لا يذكرني عبدٌ في نفسه إلا ذكرتهُ في ملأٍ من ملائكتي، ولا يذكرني في ملأٍ، إلا ذكرتُه في الرفيق الأعلى] (١).
وقوله: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾.
الشكر: معرفة الإحسان والتحدث به. وأصله في اللغة الظهور. ومفهومه: نطق العبد باللسان وإقرارٌ بالقلب بإنعام الرب سبحانه مع التقرب إليه بالطاعات.
ولذلك جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ... ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. عن بعض السلف قوله: (هو أن يُطاع فلا يُعْصى، ويذكر فلا ينسى، ويُشْكر فلا يُكْفَر).
وفي التنزيل: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧].
أخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند بسند حسن عن النُّعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : [من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر وتركها كفر، والجماعة رحمة والفرقة عذاب] (٢).
وعند ابن ماجه بسند صحيح عن أنس ﵁، عن النبي ﷺ قال: [ما أنعم الله تعالى على عبدٍ نعمة فقال: الحمد لله، إلا كان الذي أعطى أفضلَ مما أخذ] (٣).
وفي المسند وسنن النسائي عن والد أبي الأحوص، قال رسول الله ﷺ : [إذا آتاك الله مالًا فَلْيُرَ أثَرُ نعمةِ الله عليك وكرامته] (٤).
وله شاهد عند الطبراني من حديث زهير بن أبي علقمة ولفظه: [إذا آتاك الله مالًا فَلْيُرَ
стр. 446
عليك، فإن الله يحب أن يرى أثره على عبده حسنًا، ولا يحب البؤس ولا التباؤس] (١).
وقوله: ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾.
نهيٌ عن ستر النعمة، أي لا تكفروا نعمتي وأياديَّ.
١٥٣ - ١٥٤. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣) وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (١٥٤)﴾.
في هذه الآيات: يحث الله سبحانه عباده المؤمنين على طاعته واحتمال الأذى والمكروه على الأبدان والأموال، فإن القائم على أوامر الله وتعظيمها لا بد أن يُبتلى، ومن ثم فلا بد له من الصبر، وخير الأعمال التي تعين علي الصبر الصلاة والذكر والدعاء. وفي الآيات إثبات لحياة الشهداء عند رب العالمين.
قال الربيع: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ يقول: استعينوا بالصبر والصلاة على مرضاة الله، واعلموا أنها عون على طاعة الله).
أخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث حذيفة: [أن رسول الله ﷺ كان إذا حَزَبَهُ أمر صلى] (٢).
والعبد إما أن يكون في نعمة فيشكرها، أو يكون في نازلة فيصبر عليها.
ففي صحيح مسلم من حديث صُهَيْب، أن رسول الله ﷺ قال: [عجبًا لأمر المؤمن، إن أمْرَه كلَّهُ له خير، وليسَ ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سرّاء شَكَرَ، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضَرّاء صَبَر، فكان خيرًا له] (٣).
والصبر أنواع:
١ - صبر على ترك المحارم والآثام.
٢ - صبر على الطاعات والقربات ولوازم الإيمان.
٣ - صبر على المصائب والآلام والأسقام.
стр. 447
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: (الصبر في بابين: الصبر لله بما أحبَّ وإن ثَقُلَ على الأنفس والأبدان، والصبر لله عما كره وإن نازعت إليه الأهواء).
والصبر على الطاعات له مكانة كبيرة لأنه هو المقصود. قال شيخ الإسلام: (الصبر على أداء الطاعات أكمل من الصبر على اجتناب المحرمات وأفضل، فإن مصلحة فعل الطاعة: أحب إلى الشارع من مصلحة ترك المعصية. ومفسدة عدم الطاعة أبغض إليه وأكره من مفسدة وجود المعصية).
وفي المسند للإمام أحمد، بسند صحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرةُ الخطأ إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط] (١).
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.
يعني: ينصرهم ويعينهم ويثبتهم.
وفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: [ ... وَمَنْ يَستَعْفِفْ يُعِفَّهُ الله، ومن يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ الله، ومن يتصَبَّر يُصَبِّره الله. وما أعطي أحدٌ عطاء خيرًا وأوسعَ من الصبر] (٢).
وقوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ﴾.
خبر من الله سبحانه أن الشهداء في برزخهم أحياء يرزقون وينعمون. و ﴿أَمْوَاتٌ﴾ خبر لمبتدأ محذوف تقديره "هم". وكذلك الأمر في "أحياء".
أخرج الإمام أحمد في المسند، وأبو داود في السنن، بسند صحيح من حديث عبد الله بن عباس عن النبي ﷺ قال: [لما أصيب إخوانكم بأُحد، جعل الله أرواحهم في جوف طير خُضْرٍ ترد أنهار الجنة، تأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب، معلقةٍ في ظل العرش .. ] الحديث (٣).
стр. 448
وفي الموطأ عن كعب بن مالك عن النبي ﷺ قال: [إن نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة، حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه] (١).
ورواه الإمام أحمد، عن الإمام الشافعي عن الإمام مالك، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه أيضًا عن رسول الله ﷺ بلفظ: [نسَمَةُ المؤمن طائر تَعَلَّقَ في شجر الجنة، حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه] (٢).
قال الحافظ ابن كثير: (ففيه دلالة لعموم المؤمنين أيضًا، وإن كان الشهداء قد خُصِّصُوا بالذكر في القرآن، تشريفًا لهم وتكريمًا وتعظيمًا).
وقوله: ﴿وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾.
قال ابن جرير: (ولكنكم لا ترونهم فتعلموا أنهم أحياء، وإنما تعلمون ذلك بخبري إياكم به).
وقال النسفي: (لا تعلمون ذلك لأن حياة الشهيد لا تعلم حسًّا).
وعن الحسن: (أن الشهداء أحياء عند الله تعرض أرزاقهم على أرواحهم فيصل إليهم الروح والفرح كما تعرض النار على أرواح آل فرعون غدوًا وعشيًّا فيصل إليهم الوجع).
وعن مجاهد قال: (يرزقون ثمر الجنة ويجدون ريحها وليسوا فيها).
وقيل: إن هذه الآية نزلت في شهداء بدر وكانوا أربعة عشر رجلًا.
١٥٥ - ١٥٧. قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾.
في هذه الآيات: أراد الله أن تكون الحياة الدنيا اختبارًا لعباده
стр. 449
وامتحانًا وابتلاءً، فهو يُقَلّبهم جل ثناؤه بين ألوان من السراء والضراء، فتارة بالخوف وتارة بالجوع، وتارة بنقص الأموال والأنفس والثمرات، ثم إن العقبى للصابرين المسترجعين.
فقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾.
قال الراغب: (هذه الآية مشتملة على محن الدنيا كلها).
وفي التنزيل: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١].
قال ابن عباس: (أخبر الله المؤمنين أن الدنيا دارُ بلاء، وأنَّه مبتليهم فيها، وأمرَهم بالصبر، وبشّرهم فقال: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾، ثم أخبرهم أنه فعل هكذا بأنبيائه وصفوته، لتطيب أنفسهم، فقال: ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾.
وقوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾.
أي: لنختبرنكم. ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ﴾ قال ابن عباس: (أي خوف العدو والفزع في القتال). ﴿وَالْجُوعِ﴾، قال ابن عباس: (يعني المجاعة بالجدب والقحط). ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ﴾ أي: ذهاب بعضها، إما بسبب الاشتغال بقتال الكفار أو بالجوائح المتلفة أو الخسارة في التجارة.
﴿وَالْأَنْفُسِ﴾ قال ابن عباس: (بالقتل والموت في الجهاد). وقال الشافعي: (يعني بالأمراض). وقال ابن كثير: (كموت الأصحاب والأقارب والأحباب).
﴿وَالثَّمَرَاتِ﴾ قال ابن عباس: (المراد قلة النبات وانقطاع البركات). وقال الشافعي: (المراد موت الأولاد، وولد الرجل ثمرة قلبه). وقال ابن جرير: (جُدوب تحدُث فتنقص لها ثماركم). وقال ابن كثير: (أي: لا تُغِلّ الحدائق والمزارع كعادتها).
وقوله: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾.
أي: بالثواب العظيم والأجر الكريم.
والصبر أصله الحبس. قال القرطبي: (لكن لا يكون ذلك إلا بالصبر عند الصدمة الأولى. كما روى البخاري عن أنس عن النبي ﷺ قال: إنما الصبر عند الصدمة الأولى).
стр. 450
قال: (أي إنما الصبر الشاق على النفس الذي يعظم الثواب عليه إنما هو عند هجوم المصيبة وحرارتها، فإنه يدلس على قوة القلب وتثبته في مقام الصبر، وأما إذا بردت حرارة المصيبة فكل أحد يصبر إذ ذاك، ولذلك قيل: يجب على كل عاقل أن يلتزم عند المصيبة ما لا بدّ للأحمق منه بعد ثلاث).
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.
المصيبة: النكبة ينكبها الإنسان وإن صغرت، وتستعمل في الشر. والخطاب للمؤمنين، فهذه صفتهم إذا نزل بهم مكروه تَسَلّوا بقولهم هذا عمّا أصابهم، وعلموا أنهم ملك لله يتصرف بهم كيف يشاء، ويقلبهم في أحوال شتى من الاختبار كما يريد.
وقد جاءت السنة الصحيحة بجزيل الثواب لمن استرجع عند المصيبة، وفي ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه، وأحمد في مسنده، والبيهقي في سننه، عن أم سلمة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ اللهم اؤْجُرْنِي في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها إلا أخلف الله له خيرًا منها. قالت: فلما مات أبو سلمة قلت: أي المسلمين خير عن أبي سلمة، أول بيت هاجر إلى رسول الله ﷺ ؟ ثم إني قلتها، فأخلف الله لي رسول الله ﷺ . قالت: أرسل إلي رسول الله ﷺ حاطب بن أبي بلتعة يخطبني له، فقلت: إن لي بنتًا وأنا غيور، فقال: أما ابنتها فندعو الله أن يغنيها عنها، وأدعو الله أن يذهب بالغَيْرَةِ] (١).
الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد بسند جيد عن أم سلمة قالت: [أتاني أبو سلمة يومًا من عند رسول الله ﷺ فقال: لقد سمعتُ من رسول الله ﷺ قولًا سُرِرْتُ به. قال: "لا يصيب أحدًا من المسلمين مصيبة فيسترجع عند مصيبته، ثم يقول: اللهم اؤجُرْني في مصيبتي، وأخْلفْ لي خيرًا منها، إلا فُعِلَ ذلك به". قالت أم سلمة: فحفظت ذلك منه، فلما توفي أبو سلمة استرجعت وقلت: اللهم اؤجُرْني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها، ثم رجعت إلى نفسي، فقلت: من أين لي خير من أبي سلمة؟ فلما انقضت عدّتي استأذن عليّ رسول الله ﷺ وأنا أدبغُ إهابًا لي، فغسلت يدي من القرَظ، وأَذِنْتُ له، فوضعت له وسادة أدَم حشْوها ليفٌ، فقعد عليها، فخطبني إلى نفسي، فلما فرغ
стр. 451
من مقالته قلت: يا رسول الله، ما بي أن لا تكون بك الرغبة فيَّ، ولكني امرأة فِيَّ غَيْرة شديدة، فأخاف أن ترى مني شيئًا يعذبني الله به، وأنا امرأة قَدْ دَخَلْتُ في السنّ، وأنا ذات عيال، فقال: أما ما ذكرت من الغيرة فسوف يُذهبها الله عنك. وأما ما ذكرت من السن فقد أصابني مثل الذي أصابك، وأما ما ذكرت من العيال فإنما عيالك عيالي. قالت: فقد سَلَّمْتُ لرسول الله ﷺ ، فتزوجها رسول الله ﷺ . فقالت أم سلمة بعدُ: أبدلني الله بأبي سلمة خيرًا منه: رسول الله ﷺ ] (١).
الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد والترمذي عن أبي سنان قال: [دفنت ابنًا لي، فإنى لفي القبر إذ أخذ بيدي أبو طلحة - يعني الخولاني - فأخرجني، وقال لي: ألا أُبَشِّرُك؟ قلت: بلى. قال: حدثني الضحاك بن عبد الرحمن بن عرْزب، عن أبي موسى، قال: قال رسول الله ﷺ : قال الله: يا ملك الموت، قبضتَ ولد عبدي؟ قبضتَ قُرَّة عينه وثمرة فؤاده؟ قال: نعم. قال: فما قال؟ قال: حَمِدك واسترجع. قال: ابنوا له بيتًا في الجَنَّة، وسمُّوه بيت الحمد] (٢).
وقوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾.
قال القرطبي: (هذه نعم من الله على الصابرين المسترجعين. وصلاة الله على عبده: عفوه ورحمته وبركته وتشريفه إياه في الدنيا والآخرة).
قال سعيدِ بن جبير: (ما أُعطي أحدٌ ما أعطيت هذه الأمة: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾، ولو أعطيها أحد لأعطيها يعقوب ﵇، ألم تسمع إلى قوله: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾).
وقال الزجاج: (الصلاة من الله الغفران والثناء الحسن).
وفي صحيح البخاري: (وقال عمر ﵁ نِعم العِدلان ونِعم العِلاوة: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾).
стр. 452
أراد بالعِدلين الصلاة والرحمة، وبالعِلاوة الاهتداء. قيل: إلى استحقاق الثواب وإجزال الأجر، وقيل: إلى تسهيل المصائب وتخفيف الحزن.
فائدة: المصيبة في الدين هي من أعظم المصائب، وقد جاء في الحديث: [إذا أصاب أحدَكم مصيبةٌ فليذكر مصيبتَهُ بي، فإنها من أعظم المصائب] (١).
قال ابن عبد البر: (وصدق رسول الله ﷺ ، لأن المصيبة به أعظم من كل مصيبة يصاب بها المسلم بعده إلى يوم القيامة، انقطع الوَحْيُ وماتت النبوة).
وقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾.
قال ابن جرير: (المصيبون طريق الحق، والقائلون ما يُرْضي عنهم، والفاعلون ما استوجبوا به من الله الجزيل من الثواب).
قال ابن عباس: (أخبر الله أن المؤمن إذا سَلّم الأمرَ إلى الله، ورجع واسترجع عند المصيبة، كتب له ثلاث خصال من الخير: الصلاةُ من الله، والرحمة، وتحقيق سبيل الهدى).
١٥٨.- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾.
في هذه الآية: تأكيد أمر السعي بين الصفا والمروة في الحج والعمرة، ومن زاد من عمل مما لم يجب عليه من طواف وغيره فإن الله يجزي على العمل القليل بالكثير فضلًا منه وكرمًا.
و﴿الصَّفَا﴾ في كلام العرب جمع "صَفاة": وهي الصخرة الملساء. و ﴿وَالْمَرْوَةَ﴾: الحصاة الصغيرة، يجمع قليلها "مَرَوات"، وكثيرها "المرْو".
والمراد بالصفا والمروة في الآية الجبلان المسمّيان بهذين الاسمين اللذين في الحرم، دون غيرهما من الأصفاء والمرْو.
стр. 453
قال مجاهد: (﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾: من الخبر الذي أخبركم عنه).
والمقصود: إن السعي بين الصفا والمروة من مشاعر الحج التي أمر الله بها عباده المؤمنين. وقد جاء تفصيل ذلك في أحاديث من السنة الصحيحة:
الحديث الأول: يروي البخاري في صحيحه عن عاصم بن سُليمان قال: سألت أَنَسَ بنَ مالكٍ ﵁ عن الصفا والمروة، فقال: [كنا نَرى أنهما من أمر الجاهلية فلما كان الإسلامُ أمْسَكْنا عنهما، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾] (١).
الحديث الثاني: أخرج البخاري عن الزُّهري: قال عُروة: سَألت عائشة ﵂ فقلت لها: أرأيتِ قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ فوالله ما على أحد جُناح أن لا يطوفَ بالصفا والمروة، قالت: بئس ما قلتَ يا ابن أختي، إن هذه لو كانت كما أوَّلْتَها عليه كانت لا جُناحَ عليه أن لا يتطوَّف بهما، ولكنها أُنْزِلتْ في الأنصار، كانوا قبلَ أن يُسلموا يُهِلُّون لمناةَ الطاغيَةِ التي كانوا يعبدونها بالمُشَلَّل، فكان مَنْ أهَلَّ يَتَحَرَّجُ أن يطوف بين الصفا والمروة، فلما أسْلموا سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، قالوا: يا رسول الله، إنا كنّا نتحَرَّجُ أن نطوفَ بينَ الصفا والمروة، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية. قالت عائشة ﵂: وقد سَنَّ رسول الله ﷺ الطواف بينهما فليس لأحدٍ أن يتركَ الطواف بينهما. قال: ثم أخبرت أبا بكر بن عبد الرحمن فقال: إن هذا العِلم ما كنت سَمِعْتُه، ولقد سمعت رجالًا من أهل العلم يذكرون: أنَّ الناس - إلَّا مَنْ ذَكَرَتْ عائشةُ - مِمَّنْ كان يُهِلُّ بمناةَ، كانوا يطوفون كلُّهم بالصفا والمروة، فلما ذكر الله تعالى الطواف بالبيت ولم يَذْكُرِ الصفا والمَرْوة في القرآن، قالوا: يا رسول الله كنا نطوف بالصفا والمروة، وإنّ الله أنزلَ الطواف بالبيت فلما يذكر الصفا فهل علينا من حَرَج أنْ نطوفَ بالصفا والمروة؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية. قال أبو بكر: فأسْمَعُ هذه الآية نزلت في الفريقين كِلَيْهِما، في الذين كانوا يتحرّجون أن يَطَّوَّفُوا بالجاهلية بالصفا والمروة، والذين يطوَّفون، ثم تَحرّجوا أن يطّوفوا بهما في الإسلام من أجل أن الله تعالى أمر بالطواف بالبيت ولم يذكر الصفا،
стр. 454
حتى ذكر ذلك بعدَ ما ذكر الطواف بالبيت] (١).
الحديث الثالث: روى مسلم في صحيحه من حديث جابر - في حجة الوداع - وفيه - أن رسول الله ﷺ لما فرغ من طوافه بالبيت وصلى عند مقام إبراهيم -: [ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾، "أبدأ بما بدأ اللهُ به" فبدأ بالصفا، فرقي عليه ... ] الحديث (٢).
وفي رواية عند النسائي: (ابدؤوا بما بدأ الله به) (٣).
الحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن حبيبة بنت أبي تَجْرَاة، قالت: [رأيت رسول الله ﷺ يطوف بين الصفا والمروة، والناس بين يديه وهو وراءهم، وهو يسعى، حتى أرى ركبتيه من شدة السعى يدورُ به إزارُه، وهو يقول: "اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي"] (٤).
وله شاهد عنده عن صفية بنت شيبة، أن امرأة أخبرتها أنَّها سمعت النبي ﷺ بين الصفا والمروة يقول: [كتِبَ عليكم السعي، فاسعوا] (٥).
فائدة: استدل بهذا الحديث من يرى أن السعى بين الصفا والمروة ركنٌ من أركان الحج. كما هو مذهب الشافعي والمشهور عن مالك ورواية عن أحمد.
الحديث الخامس: روى مسلم في صحيحه عن جابر قال: [رأيت النبي ﷺ يَرْمي على راحلته يوم النَّحر، ويقول: لِتأخذوا مناسِكَكُم، فإني لا أدري لَعَلِّي لا أحُجُّ بعد حَجَّتي هذه] (٦).
فكل ما فعله النبي ﷺ ليأخذه الناس عنه في مناسكهم فهو واجب، وقد سعى ﷺ بين الصفا والمروة. وقد تقدم أن أصل السعي بين الصفا والمروة هو فعل هاجر أم
стр. 455
إسماعيل حين تركها إبراهيم ﵊ امتثالا لأمر ربه - عند البيت، وليس بمكة يومئذ أحد ولا ماء، فقامت تسعى حين نفد ماؤها سعي الإنسان المجهود متذللة خائفة وجِلة مضطرة فقيرة إلى الله سبحانه، حتى فرّج الله كربتها، وآنس وحشتها، وكشف مصابها (١). قال الحافظ ابن كثير: (فالساعي بينهما ينبغي له أن يستحضر فقره وذُلّه وحاجته إلى الله في هداية قلبه وصلاح حاله وغفران ذنبه).
وقوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾.
فيه أقوال:
١ - قيل: زاد في طَوافه بينهما على قدر الواجب، ثامنة وتاسعة. قلت: وهذا قول بعيد.
٢ - قيل: يطوف بينهما في حجَّةِ تطوع أو عُمْرة تطوع.
قال ابن زيد: (من تطوع خيرًا فاعتمر فإن الله شاكر عليم. قال: فالحج فريضة، والعمرة تطوع، ليست العمرة واجبةً على أحد من الناس).
٣ - قيل: السعي بينهما تطوع ومستحب. وإليه ذهب أبو حنيفة والثوري والشعبي وابن سيرين. وَرُوِيَ عن أنس وابن عمر وابن عباس. قال القرطبي: (واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾). قال مجاهد: (من تطوع خيرًا فهو خيرٌ له، تطوّعَ رسول الله ﷺ فكانت من السنن).
٤ - قيل: المراد تطوع خيرًا في سائر العبادات. ذكره الرازي.
قال القاسمي: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ أي: من فعل خيرًا فإن الله يشكره عليه ويثيبه به).
قلت: والراجح من الأحاديث المتقدمة أن السعي بين الصفا والمروة ركن من أركان الحج والعمرة، فيكون قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ محمولًا على زيادة الطاعات والقربات هناك وذلك في سائر العبادات.
стр. 456
وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾.
أي: يثيب ولا يظلم مثقال ذرة، عليم بفعل عباده وما أعدَّ لهم من الثواب على الطاعات والقربات.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَال ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء: ٤٠].
وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الله لا يَظْلِمُ مؤمنًا حسنةً، يُعْطي بها في الدنيا ويَجْزي بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعَمُ بحسنات ما عَمِلَ بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم تكنْ له حسنةٌ يُجزى بها] (١).
وفي لفظ: [إن الكافر إذا عملَ حسنة أُطْعِمَ بها طُعْمَةً من الدنيا، وأما المؤمنُ فإن الله يَدَّخِرُ له حسناته في الآخرة ويُعْقِبُهُ رِزْقًا في الدنيا، على طاعته].
١٥٩ - ١٦٢. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢)﴾.
في هذه الآياتِ: يهدّد الله تعالى ويتوعَّد من كتم ما جاء به الرسل من الحق والهدى من بعد ما بَيَّنَهُ للناس في كتبه، ويخبر أن أولئك تنالهم لعنة الله ولعنة اللاعنين. إلا من تدارك نفسه بإصلاح ما أفسد وعاد فبَيَّنَ الحق المبين. وقد كتب الله الشقوة في النار والخلود على الكافرين.
فقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ﴾.
قال مجاهد: (هم أهل الكتاب). وقال الربيع: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ
стр. 457
وَالْهُدَى﴾. قال: كتموا محمدًا ﷺ ، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم، فكتموه حسدًا وبغيًا). وقال قتادة: (أولئك أهل الكتاب، كتموا الإسلام وهو دين الله، وكتموا محمدًا ﷺ وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل).
وقال أبو العالية: (نزلت في أهل الكتاب، كتموا صفة محمد ﷺ ).
وقوله: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾.
فيه أقوال في تأويل اللاعنين:
١ - القول الأول: الدواب والبهائم.
قال مجاهد: (تلعنهم دوابُّ الأرض، وما شاء الله من الخنافس والعقارب تقول: نُمْنَعُ القطرَ بذنوبهم). وفي رواية: (مُنِعْنا القطرَ بخطايا بني آدم). قال: (اللاعنون: البهائم). وقال: (البهائم: الإبل والبقر والغنم، فتلعن عُصاة بني آدم إذا أجدبت الأرض). وقال عكرمة: (هم الحشرات والبهائم ثم يصيبهم الجدْب بذنوب علماء السوء الكاتمين فيلعثونهم).
٢ - القول الثاني: الملائكة والمؤمنون.
قال قتادة: (يقول: اللاعنون من ملائكة الله ومن المؤمنين).
٣ - القول الثالث: كل ما عدا بني آدم والجن.
قال الضحاك: (الكافر إذا وضع في حفرته، ضُرب ضربة بمطرق، فيصيح صيحة، يسمع صوتَه كل شيء إلا الثقلين الجن والإنس، فلا يسمع صيحته شيء إلا لعنه).
واختار ابن جرير القول الثاني: أنَّ المقصود باللاعنين "الملائكة والمؤمنون" واستدل بالآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. ولكن يبدو أن الآية تشمل أكثر من ذلك كما ذكر ابن كثير فقال: (وهم كل فصيح وأعجمي، إما بلسان المقال أو الحال، أو لو كان له عقل، أو يوم القيامة، والله أعلم). وفي الحديث: [إن العالم يستغفر له كل شيء، حتى الحيتان في البحر] (١).
стр. 458
وقد استفاضت السنة الصحيحة بنحو هذا مما يخص تفسير هذه الآية. وفي ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الشيخان وابن ماجة - واللفظ له - عن أبي هريرة قال: [والله! لولا آيتان في كتاب الله تعالى ما حدّثت عنه (يعني عن النبي ﷺ ) شيئًا أبدًا. لولا قول الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِن الْكِتَابِ﴾. إلى آخر الآيتين] (١).
الحديث الثاني: أخرج ابن ماجة عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [ما مِن رَجُلٍ يحفَظُ عِلمًا فَيَكْتُمُهُ، إلا أُتِيَ به يوم القيامة مُلجَمًا بلجامٍ من النار] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد وأصحاب السنن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [من سُئِل عن علمٍ فكتمه، ألجمَهُ الله يوم القيامة بلجامٍ من نار] (٣).
وفي رواية: [من سُئِلَ عن علم يعْلَمُهُ فكتَمَهُ، أُلجم يوم القيامة بلجام من نار].
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾.
قال قتادة: (يقول: أصلحوا فيما بينهم وبين الله، وبيّنوا الذي جاءهم من الله فلم يكتموه ولم يجحدوا به، أولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم).
فهو استثناء لمن رجع عن ذلك الكتمان، وأصلح حاله وصلته بالله سبحانه، وبيَّن للناس ما علّمه الله من العلم والفهم والبيان، فإن الله تعالى يتلقاه بتوبته وعفوه.
قال الحافظ ابن كثير: (وفي هذا دلالة على أن الداعية إلى كفر أو بدعة، إذا تاب إلى الله تاب الله عليه).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾.
يخبر تعالى عن حال من كَفَرَ ومات على كفره وجحوده الحق أو نبوّة محمد ﷺ ،
стр. 459
بأنه ينال من لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. وفي قوله: ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾: أكثر من تأويل:
التأويل الأول: المراد أهل الإيمان بالله ورسوله دون سائر البشر.
فعن قتادة: (يعني بـ ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾: المؤمنين).
التأويل الثاني: قيل بل ذلك يوم القيامة، يُوَقَّفُ على رؤوس الأشهاد الكافرُ فيلعنه الناس كلهم.
قال أبو العالية: (إن الكافر يُوقَفُ يوم القيامة فيلعنه الله، ثم تلعنه الملائكة، ثم يلعنه الناس أجمعون).
التأويل الثالث: قيل بل هو قول كل قائل: "لعن الله الظالم" فيلحق ذلك كل كافر، لأنه من الظلمة.
قال السدي: (فإنه لا يتلاعن اثنان مؤمنان ولا كافران فيقول أحدهما: "لعن الله الظالم"، إلا وجبت تلك اللعنة على الكافر؛ لأنه ظالم، فكل أحد من الخلق يلعنه).
واختار ابن جرير قول من قال: عنى بذلك جميع الناس، وهو قول قوي يقتضيه السياق. فالناس تلعن الظالم والظالمين. قال القرطبي: (والمراد بالآية على هذا المعنى أن الناس يلعنونه يوم القيامة ليتأثر بذلك ويتضرّر ويتألّم قلبه، فيكون ذلك جزاء على كفره، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥].
قلت: ولا خلاف بين العلماء في لسْ الكفار جملة من غير تعيين. وأما الكافر المعين فاختلفوا فيه. قال ابن العربي: (قال لي كثير من أشياخي إن الكافر المعَيَّن لا يجوز لعنه، لأن حاله عند الموافاة لا تُعلم، وقد شرط الله تعالى في هذه الآية في إطلاق اللعنة: الموافاة على الكفر). وقالت طائفة أخوى: بل يجوز لعن الكافر المعيق. واختاره الفقيه أبو بكر بن العربي المالكي، واحتج بحديث ضعيف: [اللهم إن عمرو بن العاص هجاني وقد علم أني لست بشاعر فالعنه واهجه عدد ما هجاني] (١).
قلت: والراجح أنه يجوز لعن الكافر المعين الذي يجاهر بالكفر والمعصية وإشاعة المنكر أو الباطل في الأرض. ويستدل لهذا بالحديث التالي:
стр. 460
أخرج البخاري في صحيحه عن عمرَ بن الخطاب: [أنَّ رجلًا على عهد النبي ﷺ كان اسمُه عبدَ الله، وكان يُلَقَّبُ حِمارًا، وكان يُضحِكُ رسول الله ﷺ ، وكان النبي ﷺ قد جَلَدَه في الشراب، فَأُتيَ به يومًا فأمَرَ به فَجُلِدَ، قال رجل من القوم: اللهم العَنْهُ، ما أكثرَ ما يُؤْتى به، فقال النبي ﷺ : لا تلعنوه، فوالله ما علِمْتُ، أنه يُحِبُّ الله ورسولَه] (١).
قالوا: فعلّة المنع من لعنه بأنه يحب الله ورسوله. قال ابن كثير: (فدلَّ على أن من لا يحب الله ورسوله يُلْعَنُ، والله أعلم).
وقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾.
قال أبو العالية: (خالدين في جهنم، في اللعنة، لا يُنْظرون فيعتذرون، كقوله: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥، ٣٦]).
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦)﴾ [فاطر: ٣٦].
٢ - وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦].
١٦٣. قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾.
في هذه الآية: يخبر عن نفسه، بأن الإله الحق الواحد الأحد، لا شريك له ولا عديل له، ولا يوصف غيره بهذين الاسمين. الرحمن الرحيم.
وفي صحيح مسلم عن أبي ذر الغفاري عن النبي ﷺ قال: [ما من عبد قال: لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجَنَّة] (٢).