← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.

стр. 3956

وعن قتادة: ﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾: (أي مطيع). والهاء في قوله (له) عائدة على داود ﵇، أي تأتيه وتشاركه تسبيحه. وقيل: بل الهاء لله . فعن السدي: (قوله: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ يقول: مسبح لله). وقوله: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾. فيه تفاسير: التفسير الأول: أي قويناه بأسباب القوة والثبات. قال القرطبي: (أي قويناه حتى ثبت). التفسير الثاني: أي قويناه بوفرة الجنود وكثرة الحرس. فعن السّدي: (قوله: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ قال: كان يحرسه كلّ يوم وليلة أربعة آلاف، أربعة آلاف). وعن ابن عباس قال: (كان داود أشد ملوك الأرض سلطانًا. كان يحرس محرابه كل ليلة نيف وثلاثون ألف رجل، فإذا أصبح قيل: ارجعوا فقد رضي عنكم نبيّ الله). التفسير الثالث: قيل بل بالهيبة وإلقاء الرعب منه في القلوب. قال القاسمي ﵀: (أي قويناه بوفرة العَدَدِ والعُدَدِ ونفوذِ السلطة وإمداده بالتأييد والنصر). وقال ابن العربي: (بالتأييد والنصر). وجملة القول أن الله سبحانه قد أعطى نبيّه داود ﵇ من أسباب القوة والملك ما يُذِلُّ به أعداءَه وينصر به الحق ويحميه. قال الحافظ ابن كثير: (أي جعلنا له ملكًا كاملًا من جميع ما يحتاج إليه الملوك). وقوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾ - فيه معان متقاربة: المعنى الأول: الحكمة: أي النبوة. فعن السّدي: (﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾ قال: النبوة). المعنى الثاني: العدل. فعن مجاهد: (﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾ قال: العدل). المعنى الثالث: السنة. فعن قتادة: (قال: السنة). المعنى الرابع: العلم بكتاب الله تعالى. ذكره أبو العالية. المعنى الخامس: العلم والفقه. قاله شريح. وجملة القول أنّه سبحانه أضاف له في قوة السلطان والحديد قوة في العلم والفهم والعقل والذكاء والمعرفة بالعدل الذي دلّ عليه الوحي ليحكم بمنهج النبوة والحق.

стр. 3957

وقوله: ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ فيه أكثر من تأويل: التأويل الأول: الفصل في القضاء والإصابة فيه. قال مجاهد: ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ قال: إصابة القضاء وفهمه). وقال قتادة: (يعني الفصل في القضاء). وقال ابن عباس: (أعطي الفهم). التأويل الثاني: بيان الكلام. قاله ابن عباس. التأويل الثالث: ما روي عن علي ﵁ حيث قال: (هو البينة على المدعي واليمين على من أنكر). وذكره الشَّعبي أيضًا. التأويل الرابع: علم القضاء. ذكره السدي. التأويل الخامس: قيل: البيان الفاصل بين الحق والباطل. وقيل: هو الإيجاز بجعل المعنى الكثير في اللفظ القليل. التأويل السادس: هو قوله أما بعد. قال الشعبي: (هو قوله أما بعد، وهو أول من قال أما بعد، فإن من تكلم في الأمر الذي له شأن يفتتح بذكر الله وتحميده، فإذا أراد أن يخرج إلى الغرض المسوق له فصل بينه وبين ذكر الله بقوله أما بعد) - ذكره النسفي. وخلاصة المعنى أنّ الله سبحانه علّم نبيّه داود علم القضاء ووهبه قوة الفهم والفصل بين المتخاصمين ليقيم العدل والحق في الأرض كما يحب الله ويرضى. وقوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾. فخرج الخصم في لفظ الواحد لأنه مصدر مثل الزور والسفر لا يثنى ولا يجمع، مع أن المراد ملكان والله تعالى أعلم. وقوله: ﴿تَسَوَّرُوا﴾ أي أتوه من أعلى سوره. قال القرطبي: (يقال: تسور الحائط تسلقه، والسور حائط المدينة وهو بغير همز، وكذلك السُّور جمع سورةِ مثل بُسْرَةٍ وبُسَرٍ وهي كل منزلة من البناء. ومنه سورة القرآن، لأنها منزلة بعد منزلة مقطوعة عن الأخرى). والمحراب هو مقدم كل مجلس وصدره وأشرفه. قال أبو عبيدة: (إنه صدر المجلس، ومنه محراب المسجد). وقوله تعالى: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾. قال الحافظ ابن كثير: (كان داود ﷺ في محرابه وهو أشرف مكان في داره، وكان قد أمر أن لا يدخل عليه أحد ذلك اليوم، فلم يشعر إلا بشخصين قد تسوّرا عليه المحراب أي احتاطا به يسألانه عن شأنهما).

стр. 3958

فقوله: ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾ أي: لدخولهما عليه من غير الباب وقيل لدخولهما ليلًا في غير وقت نظره بين الناس. وقيل: ملكان في صورة إنسيين بعثهما الله إليه امتحانًا واختبارًا، فما شعر وهو في الصلاة إلا وهما بين يديه جالسين، فاختصما إليه طالبين منه الفصل بينهما في خلاف وقع بينهما. وقوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ﴾ أي بالعدل والقسط ﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾. قال قتادة: (أي لا تَمِل). وقال السدي: (يقول لا تحُف). أي اقض بيننا بالعدل ولا تجرُ أو تُسْرِف في حكمك فتميل مع أحدنا على صاحبه. وفي لغة العرب: أشطَّ في القضية أي جارَ، واشتطَّ أي أبْعَدَ، والشَطَط مجاوزة القدر في كل شيء، والشطُ: جانب النهر، فأشطَّ وشطَّ لغتان. وقيل لا تُسْرِف، وقيل لا تفرط، وكلها معان متقاربة كما قال جل ثناؤه في سورة الكهف: ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ أي جَورًا وبُعدًا عن الحق. ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ قال قتادة: (أي إلى عدله وخيره). وعن وهب بن منبه قال: (أي احملنا على الحق ولا تخالف بنا إلى غيره). فالمقصود أرشدنا إلى طريق الرشد والفصل وقصد السبيل. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾. قال وهب بن منبه: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي﴾ أي على ديني). ﴿لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ وهي أنثى الضأن ﴿وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ من تلك النعاج ومثيلاتها. ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾، قال ابن زيد: (أعطنيها). ليصبح لي منها مئة كاملة ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾. قال وهب: (أي قهرني في الخطاب وكان أقوى مني فحاز نعجتي إلى نعاجه وتركني لا شيء لي). أي أراد تملكها كما قال ابن عباس: (اجعلها كفلي أي نصيبي) وغلبني في الحجة والخصومة والإحراج. وقوله: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾. أي: ما أنصفك بهذا الطلب. قال القاسمي: (أي طلب نعجتك التي أنت أحوج إليها ليضمها إلى نعاجه). وقوله: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾. قال ابن جرير: (وإن كثيرًا من الشركاء ليتعدى بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا بالله وعملوا بطاعة الله وانتهوا إلى أمره ونهيه ولم يتجاوزوه). فالأخلاء الصالحون قليل ما هم كما قال جل ثناؤه: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾. فإن أغلب علاقات الناس في الدنيا تقوم على المصالح الأرضية

стр. 3959

والصلات المادية ومتابعة الشهوات، وأما أخوة الإيمان التي يميزها الصدق والحب والوفاء الخالص في وجه الله فهي قليلة في كل زمان والله المستعان، ولذلك خصّ الله سبحانه هذه الصلة بشرف عظيم في الدار الآخرة وهو شرف الاستظلال تحت عرشه في زحمة الحشر في عرصات القيامة. ففي الصحيحين والمسند عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ - ﷺ قال: [سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابّا في الله فاجتمعا على ذلك وافترقا عليه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه، ورجل دعتْه امرأةٌ ذاتُ منصب وجمال فقال: إني أخاف الله ربَّ العالمين، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلمَ شماله ما تنفق يمينُه] (١). وفي المسند ومعجم الطبراني بإسناد صحيح عن عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي ﷺ - ﷺ قال: [قال الله تعالى: حُقَّتْ محبتي للمتحابين فيَّ، وحُقَّتْ محبتي للمتواصلين فيَّ، وحُقَّتْ محبتي للمتناصحين فيَّ، وحقت محبتي للمتزاورين فيّ، وحقت محبتي للمتباذلين فيّ. المتحابون فيَّ على منابر من نور، يغبطِهم بمكانهم النبيون والصديقون والشهداء] (٢). وله شاهد عند ابن أبي الدنيا عن عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ - ﷺ قال: [قال الله تعالى: حُقت محبتي على المتحابين، أظلهم في ظل العرش يومَ القيامة يوم لا ظِلَّ إلا ظِلِّي] وسنده صحيح. وقوله: ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ فيهم فيه وجهان في التقدير: الأول: وقليل هم. والثاني: وقليل ما تجدهم. قال ابن عباس: (وقليل الذين هم). وقال ابن زيد: (قليل من لا يبغي). وقوله: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾. قال النحاس: (فيقالُ إنَّ هذه كانت خطيئة داود ﵇، لأنه قال: لقد ظلمك من غير تثبت ببيّنة، ولا إقرار من الخصم، هل كان هذا كذا أو لم يكن). وقد قيل في أنَّ: قوله تعالى:

стр. 3960

﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ فيه الفتوى في النازلة بعد السماع من أحد الخصمين، وقبل أن يسمع من الآخر بظاهر هذا القول. قال ابن العربي: (وهذا مما لا يجوز عند أحد، ولا في ملة من الملل، ولا يمكن ذلك للبشر). أي فلا بد أن يسمع من الخصم والطرف الآخر. وقد ذكر القرطبي قول الحليمي أبي عبد الله في كتاب منهاج الدين له: (أخبر الله عن داود ﵇، أنه سمع قول المتظلم من الخصمين، ولم يخبر عنه أنه سأل الآخر، إنما حكى أنه ظلمه، فكان ظاهر ذلك أنه رأى في المتكلم مخائل الضعف والهضيمة، فحمل أمره على أنه مظلوم كما يقول، ودعاه ذلك إلى ألّا يسأل الخصم، فقال له مستعجلًا: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ﴾ إلى أن قال: ولما تكلم داود بما حملته العجلة عليه، علم أن الله خلاه ونفسه في ذلك الوقت، وهو الفتنة التي ذكرناها، وأن ذلك لم يكن إلا عن تقصير منه، فاستغفر ربه وخرّ راكعًا لله تعالى شكرًا على أن عصمه بأن اقتصر على تظليم المشكو، ولم يزده على ذلك شيئًا من انتهار أو ضرب أو غيرهما، مما يليق بمن تصور في القلب أنه ظالم، فغفر الله له ثم أقبل عليه يعاتبه فقال: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فبان بما قصه الله تعالى من هذه الموعظة، التي توخاه بها بعد المغفرة، أن خطيئته إنما كانت التقصيرَ في الحكم، والمبادرةَ إلى تظليم من لم يثبت عنده ظلمه. ثم جاء عن ابن عباس أنه قال سجدها داود شكرًا، وسجدها النبي ﷺ - ﷺ اتباعًا، فثبت أن السجود للشكر سنة متواترة عن الأنبياء صلوات الله عليهم). قلت: وهذا الفهم أليق عندي بمقام النبوة وشرف من اصطفاهم الله بالرسالة وبتبليغ الأمانة وامتثال منهج الوحي والحكم به، ولعمر الله كمن سُوِّدَتْ صفحات في كتب التفسير وأوراق المفسرين حتى الأعلام منهم، من قصص لا تليق بمقام وشرف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، دسَّها المبطلون والكذبة من بني إسرائيل وأمثالهم، كما أخبر النبي ﷺ - ﷺ بقوله: [إن بني إسرائيل لما هلكوا قصّوا]، أي اشتغلوا بالحكايات والخرافات لما تركوا العلم وأعرضوا عنه واستصعبوا منهج العمل، فنسبوا هنا لداود ﵇ أن طلب من الله أن يتركه وَيَكَلِهُ لنفسه ساعة ظنًا أنه لا يفتن من كثرة وشدة عبادته، وركبّوا قصة تافهة في ذلك من أنه لبس الصوف ودخل المحراب ووضع الزبور بين يديه فوقع طائر بين يديه فأتبعه بصره فإذا به قد أتى على سطح تغتسل عليه امرأة عريانة فرأى أجمل النساء خَلْقًا فأرسل إلى عامله أن يبعث زوجها إلى ساحات القتال فقُتِلَ فنكح

стр. 3961

امرأته، إلى آخر أمثال هذه التوافِه التي تُشْغِل قلوب قوم غضب الله عليهم وأحلوا ما حرَّم وحرَّموا ما أحل، وإنما الأليق في هذه المناسبة أن تبقى النعاج محمولة على مدلولها كما يفهمه العرب، فالقرآن ليس بكتاب شعر أو نثر تنظمه الكنايات والاستعارات، بل هو صريح في أوامره ونواهيه، وإذا ما شبّه أو استعار دلّ على ذلك بأدوات التشبيه والتمثيل ليعود إلى الأصل بعد ذلك الذي هو إحقاق الحق وإبطال الباطل، ولو فتح الباب هنا لما بقيت آية على مدلولها ولضاع الوحي والأمر والنهي، فمدلول الآية هنا واضح في تثبيت منهج العدل عند داود ﵇ بأن يسمع للطرف الآخر من المتخاصمين ليقيم بذلك أحسن القضاء وأمثله. وفي السنة فيض من ذلك كثير: فقد أخرج الترمذي في جامعه بإسناد حسن عن علي ﵁ عن النبي ﷺ - ﷺ قال: [إذا تقاضى إليكَ رجلانِ فلا تقضِ للأول حتى تسمع كلامَ الآخر، فسوف تدري كيف تقضي] (١). وفي المسند وصحيح الحاكم وسنن البيهقي بإسناد حسن عن علي أيضًا ﵁ عن النبي ﷺ - ﷺ قال: [إذا جلس إليك الخصمان فسمعتَ من أحدهما، فلا تقض لأحدهما حتى تسمعَ من الآخر كما سمعتَ من الأول، فإنك إذا فعلت ذلك تبين لكَ القضاء] (٢). وفي الصحيحين والمسند عن ابن عباس مرفوعًا: [لو يُعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه] (٣). وقد أخرج البيهقي والشافعي عن ابن المسيب: [أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ - ﷺ في أمر فجاء كل واحد منهما بشهود عدول على عدة واحدة فأسهم النبي ﷺ - ﷺ بينهما]. فدلّ النبي ﷺ : أولًا: بهديه في القضاء وبمنهاجه في الحكم بأن العدل أن يسمع من كلا المتخاصمين، وعند الاختلاف والغموض يطلب شهادة الشهود وحلف اليمين ثم يقضي. وأصل ذلك: ما روى الإمام البخاري والإمام مسلم -واللفظ للبخاري- عن الأشعث بن قيس الكندي قال: [كانت بيني وبين رجل خصومة في بئر، فاختصمنا إلى رسول الله ﷺ - ﷺ ،

стр. 3962

فقال رسول الله ﷺ : شاهداك أو يمينه، قلت: إنه إذن يحلف ولا يبالي. فقال رسول الله ﷺ : من حلف على يمين يستحق بها مالًا، وهو فيها فاجر، لقي الله وهو عليه غضبان، فأنزل الله تصديق ذلك، ثم قرأ هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إلى ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾] (١). وكذلك أخرج البيهقي بسند صحيح عن سالم بن عبد الله: [أن عبد الله بن عمر باع غلامًا بثمان مئة درهم، وباعه بالبراءة، فقال الذي ابتاعه لعبد الله بن عمر: بالغلام داء، لم يسمه، فاختصما إلى عثمان بن عفان، فقال الرجل: باعني عبدًا وبه داء، لم يسمه لي، فقال عبد الله بن عمر: بعته بالبراءة، فقضى عثمان بن عفان على عبد الله بن عمر باليمين أن يحلف له: لقد باعه الغلام وما به داء يعلمه، فأبى عبد الله أن يحلف له، وارتجع العبد، فباعه عبد الله بن عمر بعد ذلك بألف وخمس مئة درهم]. ولفظ أحمد: [أنه باع زيد بن ثابت عبدًا فادعى عليه زيد أنه باعه إياه عالمًا بعيبه، فأنكره ابن عمر فتحاكما إلى عثمان فقال عثمان لابن عمر: احلف أنك ما علمت به عيبًا، فأبى ابن عمر أن يحلف فرد عليه العبد]. ثانيًا: لم تكن تقبل شهادة أي أحد، بل من كان عدلًا من الناس ثقة غير متهم. فقد روى الدارقطني والبيهقي والعقيلي عن سليمان بن مسهر عن خرشة بن الحر قال: [شهد رجل عند عمر بن الخطاب ﵁ فقال له عمر: إني لست أعرفك ولا يضرك أني لا أعرفك فائتني بمن يعرفك. فقال رجل: أنا أعرفه يا أمير المؤمنين، قال: بأي شيء تعرفه؟ فقال: بالعدالة. قال: هو جارك الأدنى تعرف ليله ونهاره ومدخله ومخرجه؟ قال: لا. قال: فعاملك بالدرهم والدينار الذي يستدل بهما على الورع؟ قال: لا. قال: فصاحبك في السفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق؟ قال: لا. قال: فلست تعرفه، ثم قال للرجل: ائتني بمن يعرفك]. ثالثًا: أن يتمهل القاضي زمنًا مناسبًا إن احتاج لمعرفة أبعاد القضية، ولا يتعجل. وأصل ذلك: ما روى البيهقي والدارقطني بسند صحيح عن أبي المليح الهذلي قال: [كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري: أما بعد، فإن القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة، فافهم إذا أدي إليك، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاد له، واس

стр. 3963

بين الناس في وجهك ومجلسك وعدلك، ولا يطمع شريف في حيفك. واجعل لمن ادعى حقًّا غائبًا أمدًا ينتهي إليه، فإن أحضر بينة أخذت له حقه، وإلا استحللت القضية عليه، فإنه أنقى للشك وأجلى للغم]. وعن ابن عباس: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ أي: اختبرناه). وقال أبو عمرو والفراء: ظن بمعنى أيقن. وقوله: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ أي خر ساجدًا، فإنه يعبر عن السجود بالركوع أحيانًا. قال ابن العربي: (لا خلاف بين العلماء أن المراد بالركوع هاهنا السجود). وقد ثبت أن النبي ﷺ - ﷺ كان يسجدها. فقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه في (كتاب تفسير القرآن) عن العَوَّام قال: [سألت مجاهدًا عن سَجْدَةٍ في "ص" فقال: سألت ابن عباس من أين سَجَدْتَ؟ فقال: أوَ ما تَقْرأ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾. فكان داود مِمَّنْ أُمِرَ نَبِيُّكُمْ أن يقتديَ به، فسجَدَها داود ﵇ فسجدها رسول الله ﷺ . .] الحديث (١). قال الحافظ ابن كثير: (واختلف الأئمة هل هذه السجدة من عزائم السجود، فمنهم من اعتبرها كذلك ومنهم من عدّها سجدة شكر). قال ابن العربي: (والذي عندي أنها ليست موضع سجود، ولكن النبي ﷺ - ﷺ سجد فسجدنا بالاقتداء به). وأصل ذلك ما روى الإمام البخاري عن ابن عباس أنه قال: ["ص" ليست من عزائم القرآن، وقد رأيت النبي ﷺ - ﷺ يسجد فيها] (٢). ثم روى من طريق عن ابن مسعود أنه قال: [﴿ص﴾ توبة نبيّ ولا يسجد فيها] (٣)، وعن ابن عباس: [أنها

стр. 3964

توبة نبي، ونبيّكم ممن أمر أن يقتدي به] والله تعالى أعلم، فمن سجدها تَأَسِّيًا بالنبي صلوات الله وسلامه عليه فله أجر ذلك إن شاء الله تعالى. وقوله: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾. قال قتادة: (أي: الذنب). ويجوز الوقف على ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ﴾ ثم تستأنف بقوله ﴿ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ﴾ ذكره القرطبي عن القشيري. وقوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى﴾. قال مجاهد: (الزلفى الدنو من الله يوم القيامة). وقال محمد بن كعب: (قربة بعد المغفرة). واختار ابن جرير المعنى الذي أشار له مجاهد حيث قال: (وإن له عندنا لَلقُرْبة منا يوم القيامة). وقوله: ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾. قال السّدي: (حسن المنقلب). وقيل: (أي مرجعًا حسنًا وكرامة في الآخرة) ذكره القاسمي. قال الحافظ ابن كثير: (أي وإن له يوم القيامة لقربة يقرّبه الله وحسن مرجع وهو الدرجات العالية لنبوته وعدله التام في ملكه). وجملة القول أنّ الله سبحانه زاد داود بهذا التنبيه قسطًا وعدلًا ونقاء ودينًا، ووعده في الآخرة جوارًا وجنانًا. وقد خرّج الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ - ﷺ أنه قال: [إن المقسطين عندَ الله يومَ القيامة على منابرَ من نور عن يمين الرحمان، وكلتا يديه يمين: الذين يعدِلون في حكمهم وأهليهم وما وَلُوا] (١). وفي صحيح أبي داود والحاكم عن بريدة عن النبي ﷺ - ﷺ قال: [القضاةُ ثلاثة: اثنان في النار، وواحدٌ في الجنة، رجلٌ عَلِمَ الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار] (٢). وقوله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾. قال السدي: (قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً﴾ ملَّكه في الأرض، ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ يعني بالعدل والإنصاف ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ يقول: ولا تُوثِر هواك في قضائك بينهم على الحق والعدل فيه فتجور عن الحق ﴿فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: فيميل بك اتباعك هواك في

стр. 3965

قضائك على العدل والعمل بالحق عن طريق الله الذي جعله لأهل الإيمان فيه، فتكون من الهالكين بضلالك عن سبيل الله). وأما معنى الخلافة فهو الاستخلاف كما قال ابن جرير: (وقلنا لداود: يا داود إنا استخلفناك في الأرض من بعد من كان قبلك من رسلنا حكمًا بين أهلها). وبه قال القرطبي ﵀: (أي ملكناك لتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فتخلف من كان قبلك من الأنبياء والأئمة الصالحين). وهذه الآية أصل في وجوب التحاكم إلى منهج الله فهو الشرع العظيم، الذي به الأحكام والأقضيات تستقيم، كما قال لنبيّه محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾، وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾. وقال للمؤمنين: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾. فقد رُوي عن الشعبي أنه قال: (كان بين عمر وأُبيّ خصومة، فتقاضيا إلى زيد بن ثابت، فلما دخلا عليه أشار لعمر إلى وسادته، فقال عمر: هذا أول جورك، أجلسني وإياه مجلسًا واحدًا، فجلسا بين يديه). وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾. قال عكرمة: (هذا من التقديم والتأخير يقول: لهم يوم الحساب عذاب شديد بما نسوا). وعن السدي: (أي لهم عذاب شديد بمَا تركوا أن يعملوا ليوم الحساب). وغاية القول: أنّ الله سبحانه قد أرشد الحكام بهذه الآية العظيمة ليقوموا بمنهاج الوحي في الحكم، والعدل في القضاء، فإنهم موقوفون يومًا بين يدي الجبار العظيم جل ثناؤه، فسائلهم عن مواقف حكمهم، وعن حجج قضائهم وفصلهم، في أمور مَنْ وَكّلهم الله برعايتهم وإدارة شؤونهم من عباده وخلقه. كما أخرج الطبراني بسند صحيح عن ابن عمر عن النبي ﷺ - ﷺ قال: [القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنة، قاضٍ قضى بالهوى فهو في النار، وقاض قضى بغير عِلمٍ فهو في النار، وقاض قضى بالحق فهو في الجنة] (١). وفي صحيح ابن حبان ومعجم الطبراني بسند صحيح عن ابن مسعود ﵁

стр. 3966

عن النبي ﷺ - ﷺ قال: [القُرآن شافِعٌ مُشَفَّعٌ، وماحِلٌ مُصَدَّق، مَنْ جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار] (١). وقد روي أن الوليد بنَ عبد الملك قال لأبي زرعة وكان قد قرأ الكتاب: أيحاسب الخليفة فإنك قد قرأت الكتاب الأول وقرأت القرآن وفقهت، فقلت يا أمير المؤمنين: أقول؟ قال: قل في أمان الله، قلت: يا أمير المؤمنين أنت أكرم على الله أو داود ﵊، إن الله تعالى جمع له النبوة والخلافة ثم توعده في كتابه فقال تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. ذكره الحافظ ابن كثير عن ابن أبي حاتم. قال القاسمي ﵀: (وقال الرازي: اعلم أن الإنسان خلق مدنيًّا بالطبع. لأن الإنسان الواحد لا تنتظم مصالحه إلا عند وجود مدنية تامة. حتى هذا يحرث وذاك يطحن وذلك يخبز وذلك ينسج والآخر يخيط. وبالجملة، فيكون كل واحد منهم مشغولًا بمهم. وينتظم من أعمال الجميع مصالح الجميع. فثبت أن الإنسان مدني بالطبع. وعند اجتماعهم في الموضع الواحد يحصل بينهم منازعات ومخاصمات. ولا بد من إنسان قادر قاهر يقطع تلك الخصومات ويفصل تلك الحكومات. وذلك هو السلطان الذي ينفذ حكمه على الكل. فثبت أنه لا تنتظم مصالح الخلق إلا بسلطان قاهر سائس. ثم إن ذلك السلطان القاهر السائس، إن كان حكمه على وفق هواه، ولطلب مصالح دنياه، عظم ضرره على الخلق. فإنه يجعل الرعية فداء لنفسه، ويتوسل بهم إلى تحصيل مقاصد نفسه. وذلك يفضي إلى تخريب العالم ووقوع الهرج والمرج في الخلق. وذلك يفضي بالآخرة إلى هلاك ذلك الملك: أما إذا كانت أحكام ذلك الملك مطابقة للشريعة الحقة الإلهية، انتظمت مصالح العالم واتسعت أبواب الخيرات على أحسن الوجوه: فهذا هو المراد من قوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ يعني لا بد من حاكم بين الناس بالحق فكن أنت ذلك). ٢٧ - ٤٠. قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي

стр. 3967

الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨) كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩) وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (٣٣) وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠)﴾. في هذه الآيات: يخاطب الجبار سبحانه نبيّه ﵊ بأنه ما خلق الخلق إلا لعبادته وتعظيمه، وما خلق السماوات والأرضين عبثًا ولهوًا، بل لخدمة الحق الذي هو غاية الخلق ومعنى الأمن في الدنيا والآخرة، ولكن الذين كفروا يظنون بالأمر لهوًا ولعبًا، ويسخرون ولا يدرون أنهم سيصلون جحيمًا وسعيرًا، فهل الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا بما يحبّ واجتنبوا ما يسخطه سبحانه كالمفسدين في الأرض من المشركين والمستكبرين والطغاة والمجرمين، وهل الذين اتقوا الله وراقبوه وعظموا أمره كالفجار الذين انتهكوا حرماته وتحاكموا لأهوائهم وشهواتهم، وعطّلوا شرعه في الأرض وتركوا منهاجه، فهذا يا محمد كتاب عظيم هو القرآن الكريم، أنزلناه إليك ليتدبروا حججه وبيانه وليستعد أولو النهى والعقل للقاء الله الذي أنزله وتكلم به. فهذا سليمان ﵇ ابن ذلك النبي ﷺ الكريم داود عليه أفضل الصلاة والتسليم مضى على منهاج والده وأكرمه الله بالنبوة كأبيه فكان كثير الطاعة والإنابة والعبادة جمع الله له من أسباب الملك والتمكين ما لم يسبقه له أحد من الملوك وأولي العزم، فقد آتاه الله علمًا وقوة، فاستعرض يومًا في مملكته وسلطانه الخيل الصافنات السراع وهي التي تقف على ثلاث وطرف حافر الرابعة، فشغل بها ففاتته صلاة العصر نسيانًا فهرع إلى ربه وجعل يمسح أعراف الخيل وعراقيبها حبًا لها كيف شغلته عن صلاته وعبادته، ثم فتنه سبحانه فالقى جسد شيطان على كرسيه متمثلًا بإنسان يسلبه ملكه فأناب سليمان إلى الله الملك القدوس فرجع إلى ملكه وأقبل على ربه سبحانه مستغفرًا

стр. 3968

راغبًا راهبًا من جبروته سائلًا إياه ملكًا وقوة وسلطانًا لا يستخفه شيطان ولا يُسْلَبهُ ولا يكون مثله لأحد بعده، طموحًا منه وأملًا باللهِ، فأجابه سبحانه فسخر له الرياح تجري بأمره والشياطين تعمل بإشارته، وأما مردتهم فمقيدون في الأغلال تحت سيطرته، فخذ يا سليمان هذا الملك من ربك فاعط ما شئت وامنع ما شئت واحبس من شئت، واحكم بمنهج الوحي في الأرض تقيم العدل وتعظم الحق وإن لك في الآخرة أعظم مما أعطيناك في الدنيا من الثواب والقرب والنعيم، فضلُ الله وكرمه على من حَكَّم في الأرض شرعه ومنهاجه. وتفصيل ذلك: فقوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ يشبه قوله في سورة الذاريات: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. وهوِ كقِوله في سورة الأنبياء: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (١٦) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾، وكقوله في سورة الدخان: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. فالله سبحانه ما فطر الخلائق هزلًا ولعبًا وما خلق السماوات والأرض لهوًا وعبثًا بل لأمر جلل عظيم يدل على قدرته وجبروته سبحانه فيفرد بالتعظيم إذ لا أحد يستحق كمال التعظيم سواه جل ثناؤه. ونقل القاسمي عن الزمخشري قوله: (ومن جحد الخالق فقد جحد الحكمة من أصلها. ومن جحد الحكمة في خلق العالم فقد سفه الخالق، وظهر بذلك أنه لا يعرفه ولا يقدره حق قدره، فكان إقراره بكونه خالقًا، كَلَا إقرار). فمن أفرده بالتعظيم، فقد فهم غاية الخلق ومعنى الأمن في الدنيا والآخرة، وسيرضيه ربّه بذلك في جنانه يوم القيامة، ومن عظّم شهواته ومضى طائعًا لها فسيتخلى عنه ربّه في الآخرة، أحوج ما يحتاج إلى رحمته والأنس به وبقدرته، وكل ذلك في علم الله سبحانه وتحت حكمته وعدله. أخرج ابن عساكر بسند صحيح عن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ - ﷺ قال: [خلق الله آدمَ، فضربَ بسند كتِفَهُ اليُمنى، فأخرج ذُرِّية بيضاء كأنَّهم اللَّبنُ، ثم ضرب كتفهُ اليُسرى، فخرج ذريَّةٌ سوداءُ كأنهم الحُمَمُ، قال: هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي] (١).

стр. 3969

وقوله: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّار﴾. أي: فظنوا الأمر عبثًا، والخلق لهوًا، والغاية لعبًا، فأضاعوها سكرًا وهزوًا، واستخفوا بأمر الآخرة والبعث بعد الموت وما أيقنوا بها وبما ينتظرهم فويل لهم مما ينتظرهم. وقوله تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾. هو كقوله في سورة السجدة: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠)﴾. وفي الآية ردّ على المرجئة بقولهم: يجوز أن يكون المفسد كالصالح أو أرفع درجة منه، وبأنه لا يضر مع الإيمان ذنب، كلا فإن الإيمان قول وعمل يزيد بالطاعات وينقص بالسيئات والموبقات. قال ابن عباس: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ أي أنجعل أصحاب محمد ﵇ كالكفار). قال القرطبي: (وقيل هو عام في المسلمين المتقين والفجار الكافرين وهو أحسن، وهو ردّ على منكري البعث الذين جعلوا مصير المطيع والعاصي إلى شيء واحد). ونقل القاسمي عن المهايمي قوله: (أي: أنترك البعث بالكلية، أم نبعث ونجعل الذين آمنوا فشكروا نعمة العقل والكتاب. وعملوا الصالحات فشكروا نعمة الأعضاء، كالمفسدين، بصرف العقل والأعضاء إلى غير ما خلقت له؟ ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ﴾ مخالفةَ أمر الله رعاية لمحبته. ﴿كَالْفُجَّارِ﴾ الذين يخالفون أوامر الله ولا يبالون بعداوته. أي لا نفعل ذلك ولا يستوون عند الله). وقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. أي: فهذا القرآن أنزلناه إليك يا محمد ليتدبروا حُجَجَ الله فيه وليفهموا ما أمرهم وما نهاهم وليقوموا بمقتضاه وبشرائعه فيتعظوا ويعملوا لينجوا في الآخرة. وعن السدي: (﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ قال: أولو العقول). وروي عن الحسن البصري قوله: (والله ما تدبُّرُه بحفظ حروفه، وإضاعة حدوده، حتى أن أحدهم ليقول: قرأت القرآن كله ما يرى له القرآن في خلق ولا عمل). والألباب جمع لبٍّ وهو العقل. وفي قوله: ﴿لِيَدَّبَّرُوا﴾ قراءتان مشهورتان: القراءة الأولى: وهي قراءة جمهور القراء ﴿لِيَدَّبَّرُوا﴾ أي ليتدبر هذا القرآن قومُكَ يا محمد. والقراءة الثانية: هي قراءة عاصم وأبي جعفر (لِتَدَّبَّروا) آياته: أي لتتدبره أنت

стр. 3970

وأصحابك يا محمد وأتباعك من بعدك. وروي عن الحسن قوله: (تدبر آيات الله اتباعها). قال القرطبي: (وفي هذا دليل على وجوب معرفة معاني القرآن، ودليل على أن الترتيل أفضل من الهَذّ) -وهو سرعة القراءة-. وقوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾. إِخبارٌ من الله سبحانه أن سليمان كان نبيًا ورث النبوة وشرف القيام بالأمانة من والده داود ﵇، وأنه كان أوابًا كثير الطاعة سريع الإنابة لله فصلوات الله وسلامه عليه إنه كان من خير عباد الله في الأرض ومن خير ملوكه وأعدلهم. قال ابن عباس: (الأواب: المسبح). وقال قتادة: (كان مطيعًا لله كثير الصلاة). وقوله تعالى: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ فيه تفاسير: التفسير الأول: قيل الصافنات هي الخيل التي تقف على ثلاث وطرف الرابعة. فعن مجاهد قال: (وهي التي تقف على ثلاث وطرف حافر الرابعة، والجياد السراع، وكانت عشرين فرسًا ذات أجنحة). وفي رواية عنه قال: (صُفُون الفرس رَفْعُ إحدى يديه حتى يكون على طرف الحافر). التفسير الثاني: قيل صفون الفرس قيامها وبَسْطها لقوائمها. فعن قتادة: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ قال: يعني الخيل، وصُفونها: قيامها وبَسْطها قوائمها). قال الفراء: (الصافن في كلام العرب الواقف من الخيل أو غيرها). التفسير الثالث: الصافنات هي الخيل لها أجنحة. قال ابن زيد: (الصافنات: الخيل وكانت لها أجنحة، وأما الجياد فإنها السِّراع واحدها جواد). وقيل هي الخيل أخرجها الشيطان لسليمان من مَرْج من مروج البحر -ذكره ابن زيد- وقال: الخيل والبغال والحمير تَصْفِن، والصَّفْنُ أن تقوم على ثلاث، وترفع رجلًا واحدة حتى يكون طرف الحافر على الأرض. وأما الجياد: ففي لغة العرب جاد الرجل بماله فهو جواد وذلك إذا كان كثير العطية غزيرها، وامرأة جَوَادٌ ونسوة جود، وجاد الفرس إذا صار رائعًا، وخيل جياد وأجياد وأجاويد. وقيل: إنها الطوال الأعناق مأخوذ من الجيد وهو العنق، لأن طول الأعناق في الخيل من صفات فَرَاهتها. وغاية القول أَنَّ خاصة الخيل وأجودها وأروعها كانت لسليمان ﵊ فَعُرِضَتْ عليه يومًا فلهِيَ عن الصلاة حتى فاتته نسيانًا وانشغالًا بها ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ أي حبًا للخير وهو الخيل والمال، كذلك تسميه العرب فتعاقِب بين الراء

стр. 3971

واللام، فتقول انهملتِ العين وانهمرت. قال الفراء: (الخير في كلام العرب والخيل واحد). فعن قتادة: ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ أي المال والخيل، أو الخير من المال). وقال السدي: (الخيل). وروي عنه أنه المال. فالمعنى: إني آثرت حبّ الخير، أو أحببت الخير حبًا فألهاني عن ذكر ربي. وقوله: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ قال قتادة: (عن صلاة العصر). قال الحافظ ابن كثير: (ذكر غير واحد من السلف والمفسرين أنه اشتغل بعرضها حتى فات وقت الصلاة صلاة العصر، والذي نقطع به أنه لم يتركها عمدًا بل نسيانًا كما شغل النبي ﷺ يوم الخندق عن صلاة العصر حتى صلاها بعد الغروب. ففي الصحيحين عن جابر ﵁ قال: جاء عمر ﵁ يوم الخندق بعدما غربت الشمس فجعل يسب كفار قريش ويقول: يا رسول الله، والله ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب، فقال رسول الله ﷺ : والله ما صليتها، فقمنا إلى بطحان فتوضأ نبي الله ﷺ للصلاة وتوضأنا لها فصلّى العصر بعدما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب). قلت: وله رواية أخرى في الصحيحين والمسند من حديث علي وفي سنن ابن ماجة من حديث عليّ ولفظه: [ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارًا، كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس] (١). وذكر ابن جرير عن أبي الصَّهباء قال: سألت علي بن أبي طالب عن الصلاة الوسطى؟ فقال: هي العصر وهي التي فُتِنَ بها سليمان بن داود. وقوله: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾. يعني حتى غابت الشمس وتوارت في مغيبها. وقيل حتى توارت الخيل في المسابقة. فإن أصل التواري الاستتار عن الأبصار، والحجاب هو الليل سمي حجابًا لأنه يستر ما فيه. وتفصيل ذلك: التأويل الأول: حتى غابت الشمس وتوارت. فقد روي عن ابن مسعود في قوله: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ قال: (توارت الشمس من وراء ياقوتة خضراء، فخضرة السماء منها). التأويل الثاني: أي حتى توارت الخيل في المسابقة. وذلك أن سليمان كان له ميدان مستدير يسابق فيه بين الخيل، حتى توارت عنه وتغيب عن عينه في المسابقة. ذكره القرطبي. والأول أرجح والله أعلم.

стр. 3972

وقوله: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾. قال السّدي: (أي الخيل). وقال ابن جرير: (ردّوا علي الخيل التي عرضت على فشغلتني عن الصلاة فكروها عليّ). وقوله: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾. في معناه قولان: القول الأول: أي فأقبل يمسحها وذلك بضرب أعناقها وعقرها: من قولهم مسح علاوته إذا ضرب عنقه. قال الحسن: (قال لا والله لا تشغليني عن عبادة ربي آخر ما عليك فكسف عراقيبها وضرب أعناقها). وفي رواية قال: (أمر بها فعُقرت). وقال السدي: (ضرب أعناقها وعراقيبها بالسيوف). القول الثاني: قيل بل جعل يمسح أعرافها وعراقيبها بيده حبًا لها. فعن ابن عباس قال: (يقول: جعل يمسح أعراف الخيل وعراقيبها حبًّا لها). واختاره ابن جرير فقال: (يقول: فجعل يمسح منها السوق، وهي جمع الساق والأعناق. لأن نبي الله ﷺ لم يكن إن شاء الله ليعذب حيوانًا بالعرقبة ويهلك مالًا من ماله بغير سبب سوى أنه اشتغل عن صلاته بالنظر إليها ولا ذنب لها باشتغاله بالنظر إليها). وقد ذكر القاسمي ﵀ تأويلًا عن الرازي حيث قال: (إن رباط الخيل كان مندوبًا إليه في دينهم. كما أنه كذلك في دين الإسلام. ثم إن سليمان ﵇ احتاج إلى الغزو. فجلس وأمر بإحضار الخيل وأمر بإجرائها. وذكر أني لا أحبها لأجل الدنيا ونصيب النفس وإنما أحبها لأمر الله وطلب تقوية دينه. وهو المراد من قوله: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ ثم إنه ﵇ أمر بإعدائها وتسييرها حتى توارت بالحجاب أي غابت عن بصره. ثم أمر الرائضين بأن يردوا تلك الخيل إليه. فلما عادت إليه طفق يمسح سوقها وأعناقها، والغرض من ذلك المسح أمور: الأول: تشريفًا لها وإبانة لعزتها، لكونها من أعظم الأعوان في دفع العدوّ. الثاني: أنه أراد أن يظهر أنه في ضبط السياسة والملك يتصنع إلى حيث يباشر أكثر الأمور بنفسه. الثالث: أنه كان أعلم باحوال الخيل وأمراضها وعيوبها. فكان يمتحنها ويمسح سوقها وأعناقها، حتى يعلم هل فيها ما يدل على المرض. وقال: فهذا التفسير الذي ذكرناه ينطبق عليه لفظ القرآن انطباقًا مطابقًا موافقًا. ولا يلزمنا نسبة شيء من تلك المنكرات والمحذورات. قال: وأنا شديد التعجب من

стр. 3973

الناس كيف قبلوا هذه الوجوه السخيفة. مع أن العقل والنقل يردها. وليس لهم في إثباتها شبهة فضلًا عن حجة. قال القاسمي: وسبقه ابن حزم حيث قال: تأويل الآية على أنه قتل الخيل إذا اشتغل بها عن الصلاة، خرافة موضوعة مكذوبة سخيفة باردة. قد جمعت أفانين من القول، لأن فيها معاقبة خيل لا ذنب لها، والتمثيل بها. وإتلاف مال منتفع به بلا معنى. ونسبة تضييع الصلاة إلى نبي مرسل، ثم يعاقب الخيل على ذنبه لا على ذنبها). قلت: والراجح عندي أنه استعرض الخيل لتبقى في حالة أُهبة واستعداد، وهي من أهم العتاد القتالي الذي يحمل عليه سليمان صلوات الله وسلامه عليه فيُغيرُ بها على أعدائه، ويقيم الحق ومنهج الوحي في الأرض، فلما استعرضها واشتدت أمامه في سرعتها ودقة جاهزيتها، حتى غابت في الأفق فلا ترى، قال ردّوها عليّ فأقبل يداعبها في سوقها وأعناقها يمسح بيده عليها إعجابًا بروعتها وشكرًا لله العظيم الذي خلقها وهيأها، وجعلها من أسباب النصر والقوة، وهي باقية على. هذا النعت إلى يوم القيامة، يستجلب عليها النصر بإذن الله سبحانه. فقد أخرج الإمام أحمد في المسند عن جبير بن نفير أن سلمة بن نفيل أخبرهم: [أنه أتى النبي ﷺ ] فقال: إني سئمت الخيل وألقيت السلاح ووضعت الحرب أوزارها، قلت لا قتال، فقال له النبي ﷺ : الآن جاء القتال! لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الناس يزيغ الله قلوب أقوام يقاتلونهم يرزقهم الله منهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، ألا إن عقر دار المؤمنين الشام، والخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة] (١). وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾. إخبارٌ عن ابتلاء الله سليمان فابتلاه الله بجنيّ على شكل إنسان جلس على عرشه برهة فسُلب بذلك الملك، ثم رجع إليه سلطانه وأبّهته وملكه بإذن الله. وعن الحسن ومجاهد: (جسدًا: يعني شيطانًا). وعن ابن عباس: (قوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قال: هو صخر الجنيّ تمثل على كرسيه جسدًا). وقيل اسمه آصف أو حبقيق أو آصر. وعن قتادة: ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ وأقبل، يعني سليمان). وقيل كان ذلك الجني يشبه سليمان. وقيل: ثم أناب أي استغفر ورجع إلى الله منيبًا تائبًا. ويبدو أن أمرَ سحرٍ ابتلاه الله به ثم كشفه والله أعلم

стр. 3974

بسبب ذلك، ولكنه بادر ﵊ إلى الاستغفار ثم سأل الله الملك. قال النسفي: (وأما ما يروى من حديث الخاتم والشيطان وعبادة الوثن في بيت سليمان ﵇ فمن أباطيل اليهود: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا﴾ قال: قدّم الاستغفار على استيهاب الملك جريًا على عادة الأنبياء ﵈ والصالحين في تقديم الاستغفار على السؤال). وقوله: ﴿لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾. فقد كان سليمان ﵊ مثالًا لطموح المؤمن في الدنيا والآخرة، فقد تعلق قلبه بحب أسباب القوة وما يقهر الباطل في الأرض وأهله، ويعز الحق وينصر جنده وأتباعه، ومن أمثلة هذا الطموح الثاقب عند سليمان ﵇ ما أخرج البخاري ومسلم وأحمد والنسائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [قال سليمانُ بن داودَ: لأطوفنَّ الليلة على مئة امرأة، كُلُّهن تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله، فقال له صاحبه: قل: إن شاء الله، فلم يقل: إن شاء الله، فطاف عليهن، فلم تحمل منهن إلا امرأةٌ واحدة، جاءت بشق إنسان، والذي نفسُ محمد بيده لو قال: إن شاء الله لم يَحْنَثْ، وكان دَرَكًا لحاجته] (١). وفي رواية: [وايمُ الذي نفس محمد بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانًا أجمعون]. وعن قتادة: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ يقول: ملكًا لا أسلَبه كما سُلِبتُه). وقال ابن جرير: (قال سليمان راغبًا إلى ربه: ربّ استر عليّ ذنبي الذي أذنبت بيني وبينك فلا تعاقبني به ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ لا يسلبنيه أحد كما سلبنيه قبل هذه الشيطان). وقال النسفي ﵀: (وإنما سأل بهذه الصفة ليكون معجزة له لا حسدًا وكان قبل ذلك لم يسخر له الريح والشياطين، فلما دعا بذلك سخرت له الريح والشياطين، ولن يكون معجزة حتى يخرق العادات). فلذلك فإن ما سأله سليمان محمول على أداء حقوق الله تعالى وسياسة ملكه، وترتيب منازل خلقه، وإقامة حدوده، والمحافظة على رسومه، وتعظيم شعائره، وظهور عبادته، ولزوم طاعته، ونظم قانون الحكم النافذ عليهم منه، وتحقيق الوعود

стр. 3975

في أنه يعلم ما لا يعلم أحد من خلقه حسب ما صرح بذلك لملائكته فقال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ذكره القرطبي ﵀ ثم قال: (وحوشي سليمان ﵇ أن يكون سؤاله طلبًا لنفس الدنيا، لأنه هو والأنبياء أزهد خلق الله فيها، وإنما سأل مملكتها لله، كما سأل نوح دمارها وهلاكها لله، فكانا محمودين مجابين إلى ذلك، فأجيب نوح فأهلك من عليها، وأُعْطِيَ سليمان المملكة). قلت: ولما مر العفريت بين يدي رسول الله ﷺ وأراد أن يقطع عليه صلاته فأمكنه الله منه وأراد ربطه تذكر قول أخيه سليمان فأطلقه وكأنه كره ﵊ أن يزاحمه في تلك الخصوصية، إذْ اختص الله سليمان بسخرة الشياطين. وأصل ذلك: ما أخرج الشيخان والإمام أحمد والنسائي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [إن عفريتًا من الجنِّ تفلَّتَ على البارحةَ ليقطع على الصلاة، فأمكنني الله منه، فذَعَتُّهُ: (١)، وأردت أنْ أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا وتنظروا إليه كُلُكم، فذكرت قولَ أخي سليمانَ ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ فردّهُ الله خاسئًا] (٢). وفي رواية قال رَوْحٌ -أحد الرواة-: فرده خاسئًا. وروى الإمام مسلم في صحيحه والإمام النسائي في سننه عن أبي الدرداء ﵁ قال: [قام رسول الله ﷺ يصلي فسمعناه يقول: أعوذ بالله منك. ثم قال: ألعنك بلعنة الله ثلاثًا وبسط يده كأنه يتناول شيئًا، فلما فرغ من الصلاةِ قلنا يا رسول الله! سمعناك تقول في الصلاة شيئًا لم نسمعك تقوله قبل ذلك، ورأيناك بسطت يدك. فقال رسول الله ﷺ : إن عدوَّ الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي فقلت: أعوذ بالله منك، (ثلاثَ مرات)، ثم قلت: أَلْعَنُكَ بلعنة الله التامة، فلم يستأخر، (ثلاث مرات)، ثم أردت أن آخذه، والله لولا دعوةُ أخينا سليمانَ لأصبحَ مُوثقًا يلعبُ به وِلدان أهل المدينة، . وفي رواية: [صبيان أهل المدينة] (٣). فاستجاب الله دعوة نبيِّه سليمان ﵊ بأن لا يكون لأحد بعده ما سخره له سبحانه.

стр. 3976

وقوله تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾. فيه تفاسير: التفسير الأول: رخاء أي رخوة لينة. قال ابن جرير: (يعني رخوة لينة وهي من الرخاوة). وذكر عن ابن زيد قوله: (الرخاء اللينة). التفسير الثاني: رخاء أي طيبة. فعن مجاهد: (في قوله: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾ قال: طيبة). التفسير الثالث: أي مطيعة. فقد روي عن ابن عباس قوله: (يقول: مطيعة له). التفسير الرابع: أي سريعة. قال قتادة: (سريعة طيبة، ليست بعاصفة ولا بطيئة). قال القاسمي ﵀: (أي فذللناها لطاعته إجابة لدعوته ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾ أي لينة سهلة، مع شدة وقوة، ولذا وصفت في الآية الأخرى بـ (عاصفة) ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾: أي أراد). وقال القرطبي: (أي لينة مع قوتها وشدتها حتى لا تضر بأحد، وتحمله بعسكره وجنوده وموكبه. وكان موكبه فيما روي فرسخًا في فرسخ، مئة درجة بعضها فوق بعض، في كل درجة صنف من الناس، وهو في أعلى درجة مع جواريه وحشمه وخدمه، صلوات الله وسلامه عليه). قلت: وغاية القول أنَّ الله سبحانه قد استجاب دعاء سليمان في التمكين والقوة نصرة لدينه وإعزازًا لأهله، فسخر له الرياح طواعية تجري بأمره وتحمله وجنده يصبِّح ويغير على أعدائه متى شاء وحيث أراد وقصد من البلاد. وقوله: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ أي حيث أراد وقصد وهو مأخوذ من إصابة السهم الغرض المقصود. وعن مجاهد: (قوله: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ قال: حيث شاء). وقال الحسن: (حيث أراد). وقال ابن عباس: (يقول: حيث أراد انتهى عليها). وقوله تعالى: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾. قال قتادة: (يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل، وغواص يستخرجون الحلي من البحر، ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ قال: مردة الشياطين في الأغلال). قال يحيى بن سلام: (ولم يكن يفعل ذلك إلا بكفارهم، فإذا آمنوا أطلقهم ولم يسخرهم). وقال الضحاك: (لم يكن هذا في ملك داود، أعطاه الله ملك داود وزاده الريح). وقوله: ﴿فِي الْأَصْفَادِ﴾. قال السدي: (تجمع اليدين إلى عنقه، والأصفاد: جمع صَفَد وهي الأغلال). قال الحافظ ابن كثير ﵀: (أي منهم ما هو مستعمل في الأبنية الهائلة من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات إلى غير ذلك من

стр. 3977

الأعمال الشاقة التي لا يقدر عليها البشر، وطائفة غواصون في البحار يستخرجون ما فيها من اللآلِئ والجواهر والأشياء النفيسة التي لا توجد إلا فيها، وآخرين مقرنين في الأصفاد: أي موثوقون في الأغلال والأكبال ممن قد تمرّد وعصى وامتنع من العمل وأبى أو قد أساء في صنيعه واعتدى). قلت: فذلل الله له كل الاختصاصات وأصحابها ومهرتها ليبني دولة الحق ويشيدها ليرهب بها عدو الله ويقيم منهج الوحي في الأرض. وقوله تعالى: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. في تأويله معان متقاربة: التأويل الأول: هذا الملك الذي أعطاه الله. فعن قتادة قال: (الملك الذي أعطيناك، فأعط ما شئت وامنع ما شئت). قال الحافظ ابن كثير: (أي هذا الذي أعطيناك من الملك التام والسلطان الكامل كما سألتنا، فأعط من شئت واحرم من شئت، لا حساب عليك. أي مهما فعلت فهو جائز لك احكم بما شئت فهو صواب). قلت: وهذا علم من الله سبحانه بأن سليمان إنما استقام في حكمه على منهج الوحي، وهو قد عصمه ألا يزيغ عنه، فليحكم بما شاء، ما دام هو يتابع في حكمه الحق والعدل. وقد روي عن الحسن قوله: (ما أنعم الله على أحد نعمة إلا عليه فيها تبعة إلا سليمان ﵇، فإن الله تعالى يقول: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾). قال الضحاك: (سأل ملكًا هنيئًا لا يحاسب به يوم القيامة، فقال: ما أعطيت وما أمسكت فلا حرج عليك). التأويل الثاني: قيل بل هو إشارة لما أعطيه سليمان ﵇ من قوة الجماع. فعَن قتادة قال: (الإشارة في قوله تعالى: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا﴾ إلى ما أعطيه من القوة على الجماع). وروى عكرمة عن ابن عباس قال: (كان سليمان في ظهره ماءُ مئة رجل، وكان له ثلاث مئة امرأة وتسع مئة سُرِّية ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. أي جامع من شئت من نسائك واترك جماع من شئت منهن لا حساب عليك). وذهب بعض أهل اللغة هنا إلى أن امْنُن من المنيّ يقال: أَمْنى ومَنَى، يُمني ويَمْني وهما لغتان. التأويل الثالث: قيل بل المراد تسخيره له الشياطين. فقد روي عن قتادة قوله: (هؤلاء الشياطين احبس من شئت منهم في وثاقك وفي عذابك، أو سرّح من شئت منهم تتخذ عنده يدًا، اصنع ما شئت). فسخرهم له وترك له أمر العتق والتخلية أو الإمساك والوثاق. قلت: لقد رضي الله سبحانه عن منهج سليمان في الحكم وإقامة العدل، وحبّه

стр. 3978

وطموحه لرؤية منهج الوحي ودولته تهيمن على حياة الناس، فسخر له أسباب ذلك من الملك والجند وكثرة النساء والولد ليقيم أمر الجهاد في سبيل الله، وترك له حرية التصرف في هذا الملك العظيم، ثم هو يوم القيامة من أصحاب الحظ الجميل والوفير، قال جل وعزّ: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ أي في الآخرة قربة وحسن مرجع ومقام. قال قتادة: (﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ قال: أي مصير). ولقد خُيِّر نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه بين أن يكون نبيًا ملكًا وبين أن يكون عبدًا رسولًا، فعمل بنصيحة جبريل ﵇ واختار الثانية لرفعتها عند الله، وترك مقام الملك وما فيه من بهجة وزينة في الحياة الدنيا، يمنع من يشاء ويعطي من يشاء بلا حساب ولا جناح، ليربِّيَ بذلك الأمة على التواضع والتذلل لله والدعاء، فكم يفتن المال قلوبًا فتترك الإنابة والرجاء، وتنسى الدعاء ومن بيده المال والرزق والعطاء. فقد أخرج ابن حبان في صحيحه والإمام أحمد في مسنده عن أبي زُرعة عن أبي هريرة قال: [جلس جبريل إلى النبي ﷺ فنظر إلى السماء، فإذا ملك ينزل، فقال له جبريل: هذا الملكُ ما نزل منذ خُلِق قبل الساعة، فلما نزل قال: يا محمد أرسلني إليك ربُّك: أمَلِكًا أجعلك أم عبدًا رسولًا؟ قال له جبريل: تواضع لربك يا محمد! فقال رسول الله ﷺ : لا بل عبدًا رسولًا] (١). وأخرج ابن عساكر والطبراني بسند صحيح عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: [إنَّ هذا الدينار والدرهم أهلكا من قَبْلكم وهما مُهْلكاكم] (٢). فإذا اجتمع العلم والتقوى مع المال والسلطان فنعم الخير ذلك، ولنعم القوة تلك. ففي الصحيحين عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: [لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا، فسلطه على هلكته في الحق، ورجلٌ آتاه الله الحكمة، فهو يقضي بها، ويُعَلِّمُها] (٣). وله شاهد في صحيح الإمام البخاري ومسند الإمام أحمد من طريق أبي هريرة

стр. 3979

ولفظه: [لا حسد إلا في اثنتين: رجل علمه الله القرآن، فهو يتلوه آناء الليل وآناء النّهار، فسمعه جارٌ له، فقال: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان، فعملت مثل ما يعمل، ورجل آتاه الله مالًا، فهو يُهلكه في الحق، فقال رجل: ليتني أوتيتُ مثل ما أوتيَ فلان، فعملت مثل ما يعمل] (١). وأما ما يذكر عن الحجاج بن يوسف من أنه قرأ ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ فقال عن سليمان ﵇: إن كان لحسودًا فالجواب من وجوه: أولًا: الحسد ليس من أخلاق الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم. ثانيًا: الأدب واجب على العباد عند ذكر أخبار الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ثالثًا: ربّما يحمل كلام سليمان: هب لي ملكًا لا أُسلبه كما سلبته. رابعًا: أو المقصود هب لي ملكًا لا يكون لأحد مثله في زماني ليكون حجة على نبوتي وعَلَمًا. خامسًا: أو رغبة منه من الله ليعلم منزلته في إجابة دعائه وقبول توبته. سادسًا: أو فيه طموح المؤمن القوي الذي لا يرتاح إلا بالمعالي والقوة ورؤية دولة الحق ودين الله ينتصر. ٤١ - ٦٤. قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٤٣) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤) وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (٤٧) وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (٤٨) هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (٥٠) مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ (٥١) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ

стр. 3980

أَتْرَابٌ (٥٢) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (٥٣) إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤) هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (٥٦) هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨) هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ (٥٩) قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ (٦٠) قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (٦١) وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (٦٣) إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤)﴾. في هذه الآيات: يخاطب الجبار سبحانه نبيّه محمدًا ﵊ مسليًا له ليصبر على ما يلقاه من قومه وعنادهم، فيذكره بإخوته الأنبياء من قبله صلوات الله وسلامه عليهم، فهذا أيوب ﵇ حصل له من الابتلاء ما يرفع الله له به مقامه يوم القيامة فأصابه من الضر في جسده وماله ولم يبق له من يستعين به على مرضه إلا زوجته التي صبرت لصبره وآثرت رضاء الله في خدمته وحفظ ودّه، فكانت تخدم الناس بالأجرة وتطعمه وتخدمه مدة مرضه الذي دام نحوًا من ثماني عشرة سنة وكان قبلها وسيع المال والولد، فلما طال به الألم تضرع إلى الله العظيم وتواضع لربه الكريم ناسبًا الأمر لذنب أصابه من وسواس الشياطين، فقبل الله منه ذلك وكشف ما به من الضر والألم وأمره أن يقوم ويركض الأرضَ برجله فأنبع الله له عينًا من الماء يغتسل منها فأذهب عنه بمائها الأذى حتى تماثل للعافية وتنغم بالشفاء، وكان قد غضب مرة على زوجته وأقسم أن يجلدها مئة فلما شفاه الله وأراد أن يرحم زوجته التي أبرته وخدمته جعل له ولها من ذلك فرجًا ومخرجًا بأن أوحى إليه أن يأخذ الشمراخ فيه مئة قضيب فيضربها به ضربة واحدة فيبز بذلك يمينه إنه كان رجّاعًا أوابًا منيبًا. ثم اذكر يا محمد إخوتك إبراهيم وإسحاق ويعقوب أهل العلم والعمل والقوة في العبادة والبصيرة النافذة، فقد كانوا يعملون للآخرة ويدعون لها فأخلصناهم بذكراها من دون غيرهم، فهم أهل الآخرة في الدنيا وأهل الآخرة في الآخرة، وهم عند ربهم من المصطفين الأخيار أولي العزيمة والثناء والقوة والأبصار. وكذلك اذكر يا محمد من ذريتهم إسماعيل واليسع وذا الكفل فكلهم من الأخيار والأبرار. وجزاء المتقين جنات تجري من تحتها الأنهار، فيها أرائك يتكئون عليها ولهم فيها زوجات طاهرات وفاكهة كثيرة وشراب، رزق الله لهم ما له من نفاد. وأما الأشقياء فسوف يصلون نارًا وسعيرًا،

стр. 3981

يعاقبون فيها بالزمهرير والسموم وشرب الحميم وأكل الزقوم ومتضاد ألوان العذاب يهانون به وما لهم من مكرم، كلما دخلت أمة لعنت أختها، تحيتهم التلاعن والتكذيب والشتائم كل ينسب مصيبته لغيره، من الطغاة والمستكبرين والمستهزئين بشرع الله ووحيه وأمره، فإذا دخل فوج قال لهم من سبقهم لا مرحبًا بكم، فردّ عليهم أولئك بل أنتم لا مرحبًا بكم أنتم دعوتمونا إلى الكبر والعلو في الأرض وتحكيم الشهوات ومكر الليل والنهار وتنحية شرع الله عن الحكم فلا مرحبًا بكم، واللهَ نسأل أن يضاعف عذابكم. ثم أخبر سبحانه عن أكابر المجرمين وقد افتقدوا بعض المؤمنين الذين كانوا يسخرون منهم في الدنيا لضعفهم وقلة حيلتهم، فاين هم اليوم هل زاغ البصر فلم يقع عليهم أمثال صهيب وبلال وسمية وآل ياسر، كلا يا أبا جهل إنهم اليوم في الدرجات العُلا في ظل عرش الرحمان، فتبارك الله ذو الجلال والإكرام. هذا يا محمد خصام حق واقع يوم القيامة من كلام أهل النار. فإلى تفصيل ذلك: قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾. قال قتادة: (ذهاب المال والأهل والضر الذي أصابه في جسده). وقال السدي: (نصب في جسدي وعذاب في مالي). وجمهور القراء قرؤوها (بِنُصْب). وقيل: إن النصب ما أصابه في بدنه، والعذاب ما أصابه في ماله. والنَّصَبُ: الإعياء. والنَّصْب: البلاء والشر. والمراد بالنُّصْبِ في الآية العلة في جسده. قلت: وقد امتلأت كتب المفسرين بقصص واهية كثيرة لا تقوم بها حجة عن أيوب صلوات الله وسلامه عليه وما حصل له من البلاء وسبب ذلك من الذنب وغير ذلك مما يليق ومما لا يليق، كما حُشِيت من قبل بقصص عن داود وسليمان ويوسف عليهم الصلاة والسلام، وكله من طرق واهية وأسانيد ضعيفة، وكثير منه لا تليق معانيه بمقام النبوة، وأغلب الظن أنه من فعل اليهود وحكاياتهم المكذوبة، فمن قتل الأنبياءَ والرسل من قبل هانت عليهم أعراضهم فتكلموا فيها. وأما عن أيوب ﵊، فقد صحّ لدينا خبر في السنة العطرة عنه، يحكي قصته وما أغمّه، حكاها لنا نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه، ورواها ابن حبان في صحيحه من طريق نافع بن يزيد، وأبو نعيم في حليته وأبو يعلى في مسنده وصححه الألباني في سلسلته عن أنس بن مالك مرفوعًا: [إن نبي الله أيوب ﷺ لبث به بلاؤه ثمان عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد، إلا رجلين من إخوانه كانا يغدوان إليه ويروحان، فقال أحدهما لصاحبه ذات يوم: تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنبًا ما أذنبه أحد

стр. 3982

من العالمين، فقال له صاحبه: وما ذاك؟ قال: منذ ثمان عشرة سنة لم يرحمه الله فيكشف ما به، فلما راحا إلى أيوب لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له، فقال أيوب: لا أدري ما تقولان غير أن الله تعالى يعلم أني كنت أمرّ بالرجلين يتنازعان، فيذكران الله فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما كراهية أن يذكر الله إلا في حق، قال: وكان يخرج إلى حاجته فإذا قضى حاجته أمسكته امرأته بيده حتى يبلغ، فلما كان ذات يوم أبطأ عليها وأوحي إلى أيوب أن ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ فاستبطأته، فتلقته تنظر وقد أقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء وهو أحسن ما كان، فلما رأته قالت: أي بارك الله فيك، هل رأيت نبي الله هذا المبتلى، والله على ذلك ما رأيت أشبه منك إذ كان صحيحًا، فقال: فإني أنا هو: وكان له أندران (أي بيدران): أندر للقمح وأندر للشعير، فبعث الله سحابتين، فلما كانت إحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض، وأفرغت الأخرى في أندر الشعير الورق حتى فاض] (١). قال الألباني عقب الحديث: (وهذا يدل على بطلان الحديث الضعيف: أبى الله أن يجعل للبلاء سلطانًا على عبده المؤمن). قلت: فهذه رواية صحيحة في شأن ابتلاء هذا النبي الكريم، أيوب عليه وعلى الأنبياء جميعًا أفضل الصلوات والتسليم، فابتلاه سبحانه في جسده وماله وبقيت له زوجته تقوم بوده وتخدمه ثماني عشرة سنة، فلما طال المطال وتم الأجل تضرع إلى ربه العظيم، فقال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾، ونسب هنا في الآية في هذه السورة المرض الذي انتابه إلى الذنب ووسوسة الشيطان فقال جل ثناؤه: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾. فاستجاب له سبحانه وقال له: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾. قال قتادة: (ضرب برجله الأرض: أرضًا يقال لها الجابية، قال: فإذا عينان تنبعان، فشرب من إحداهما واغتسل من الأخرى). وقال وهب بن منبه: (فركض برجله فانفجرت له عين، فدخل فيها واغتسل، فاذهب الله عنه كل ما كان من البلاء). قال القاسمي ﵀: ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ أي ماء تغتسل به وتشرب منه، والإشارة إلى عين أو نهر أو نحوهما). قلت: والركض في لغة العرب: تحريك الرِّجْل. يقال: رَكَضَ الفرس برجله إذا استحثّه ليَعْدو ثم كَثُرَ حتى قيل ركض الفَرَسُ إذا عدا وليس بالأصل، والصوابُ ركِضَ

стр. 3983

الفرس على ما لم يُسَمَّ فاعله فهو مركوضٌ. قال ابن جرير ﵀: (اركض برجلك الأرض: أي حركها وادفعها برجلكِ، والركض: حركة الرجل). ولخّصَ الحافظ ابن كثير معنى الآية بقوله: (وأمره أن يقوم حالًا وأن يركضَ الأرض برجله ففعل، فأنبع الله تعالى عينًا وأمره أن يغتسل منها فأذهبت ما به من الأذى، ثم أمره فضرب الأرض في مكان آخر فأنبع له عينًا أخرى، وأمره أن يشرب منها فأذهبت جميع ما كان في بطنه من السوء وتكاملت العافية ظاهرًا وباطنًا). والمغتسل: هو الموضع الذي يُغْتَسل فيه، والغسول الماء الذي يُغْتَسل به وكذا المغْتَسل قد يأخذ هذا المعنى. ﴿وَشَرَابٌ﴾: أي يشرب منه. فقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه، والإمام أحمد في مسنده، والإمام النسائي في سننه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [بينما أيوب يَغْتسِلُ عريانًا خرَّ عليه جراد من ذَهَبٍ، فجعل أيوبُ يحثي في ثوبه، فناداه ربه ﵎: يا أيوب ألم أَكُنْ أغنيتُك عمّا ترى؟ قال: بلى وعزتك، ولكن لا غِنى بي عن بَرَكَتِكَ] (١). فامتنّ الله سبحانه بالعافية على أيوب وأذهب عنه ما آلمه وزاده خيرًا إلى خير فقال سبحانه: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. قال الحسن وقتادة: (فأحياهم الله بأعيانهم وزادهم مثلهم). وقال القاسمي ﵀: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ﴾ بأن جمعناهم عليه بعد تفرقهم ﴿وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا﴾ أي ترحمًا منا عليه بهذا الإضعاف والمباركة ﴿وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أي وتذكيرًا لهم لينتظروا الفرج بالصبر والنوال بصدق الاتكال). قلت: ليعلم المؤمنون من بعده بأن مع العسر يسرًا وبأن مع الصبر فرجًا ومخرجًا، كما قال جل ثناؤه ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. وكقوله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾. وفي سنن النسائي عن مُصْعَب بن سعدٍ عن أبيه ﵁ أنه ظن أن له فضلًا على من دونه (أي في المغنم) من أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال النبي ﷺ : [إنما يَنْصُرُ الله هذه الأمةَ بضعيفِها، بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم] (٢). وفي مسند الإمام أحمد عن ابن عباس أنه قال: كنت رديفَ النبي ﷺ فقال: [يا غلام

стр. 3984

أو يا غُلَيِّمُ ألا أَعَلِّمك كلمات ينفعك الله بهن! فقلت: بلى، فقال: احفظ الله يَحْفَظْكَ، احفظ الله تجده أمامك، تَعَرَّفْ إليه في الرَّخاء يَعْرفْكَ في الشدة، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، قد جَفَّ القلم بما هو كائنٌ، فلو أن الخلق كُلَّهُم جميعًا أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يكتُبْهُ الله عليك لم يقدروا عليه، وإن أرادوا أن يضروك بشيء لم يكتُبْه الله عليك لم يقدروا عليه، واعلم أن في الصّبر على ما تكرهُ خيرًا كثيرًا وأن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العُسر يُسْرًا] (١). وقوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ قال ابن عباس قوله: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ يقول: حُزْمة). وفي رواية قال: (الأثل). وقال عطاء: (عيدانًا رطبة). وقال ابن زيد: (ضغثًا واحدًا من الكلأ فيه أكثر من مئة عود فضرب به ضربة واحدة فذلك مئة ضربة). وقيل: قبضة من الشجر. قال ابن كثير: (وذلك أنه كان غضب على زوجته لذنب فعلته وأقسم أن يجلدها مئة، ولما شفاه الله وكانت زوجته كما تقدم مخلصة له في خدمته التامة والرحمة به والشفقة عليه والإحسان إليه، ما رأى أن يكافئها على ذلك بالضرب فأفتاه الله أن يأخذ ضغثًا وهو الشمراخ فيه مئة قضيب فيضربها به ضربة واحدة وقد برّت يمينه وخرج من حنثه ووفى بنذره. وهذا من الفرج والمخرج لمن اتقى الله تعالى وأناب إليه. ولهذا قال جل وعلا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ أي إنه رجّاع منيب). قلت: ولعمر الله كم سُوِّدَتْ صحف في كتب التفاسير بقصص وحكايات عن ذنب زوجة أيوب معه، كان أولى بتلك الصفحات أن تُتْرَك بيضاء، كيف لا وكثير منها لا يليق بمقام النبوة. ويعجبني هنا ما ذكره القاسمي ﵀ حيث قال: (وقد رووا هنا آثارًا في المحلوف عليه، لم يصح منها شيء. فالله أعلم به ولا ضرورة لبيانه. إذ القصد الإعلام برحمة أخرى ونعمة ثانية عليه، صلوات الله عليه. وهي الدلالة إلى المخرج من الحنث، برخصة وطريقة سهلة سمحة ترفع الحرج). قلت: وهذه الطريقة اللطيفة في برّ اليمين عند الحاجة إليها مشروعة في تشريع نبينا محمد ﷺ . ولهذا قال سعيد بن جبير عقب الآية السابقة: (وهي لهذه الأمة لمن حلف على مثل ما حلف عليه أيوب). وقال عطاء: (هي للناس عامة). وإليه ذهب الشافعي وأبو حنيفة، إلى أن من فعل ذلك فقد برّ في يمينه. وأصل ذلك من السنة ما روى

стр. 3985

الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجة بسند جيد عن سعيد بن سَعْد بن عُبَادة قال: [كان بين أبْياتِنا إنسان مُخْدَجٌ ضعيفٌ لم يُرَغ أَهْلُ الدار إلا وهوَ على أمَةٍ من إماء الدار يَخْبُثُ بها وكان مُسْلِمًا فرَفَعَ شأنَهُ سعدٌ إلى رسول الله ﷺ فقال: اضربوه حَدَّه: قالوا: يا رسول الله إنه أضعفُ من ذلك إن ضربناه مئةً قتلناه قال: فخذوا لهُ عِثْكالًا فيه مئةُ شِمْراخٍ فاضرِبوهُ به ضربةً واحدةً وخلّوا سبيله]. هذا لفظ الإمام أحمد من طريق أبي أمامة بن سهل عن سعيد بن سعد. وأما لفظ أبي داود عن أبي أمامة بن سهل بن حُنيفٍ أنه أخبرهُ بعض أصحاب رسول الله ﷺ من الأنصار: [أنه اشتكى رجل منهم حتى أُضْنِيَ فعادَ جِلدَةً على عظم، فدخلت عليه جاريةٌ لبعضهم فهشَّ لها فوقع عليها، فلما دخل عليه رجال قومه يعودونه أخبرهم بذلك وقال استفتوا لي رسول الله ﷺ فإني قد وقَعْتُ على جارية دخلت عليَّ. فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ وقالوا ما رأينا بأحدٍ من الناس من الضُّرِ مثلَ الذي هوَ به لو حَمَلْناه إليك لتفسّخت عظامه ما هو إلا جِلْدٌ على عظم، فأمر رسول الله ﷺ أن يأخذوا له مئةَ شِمْراخ فيضربوه بها ضربة واحدة] (١). وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾. أما قوله: ﴿أُولِي الْأَيْدِي﴾ ففيه تفاسير: الأول: قال ابن عباس: (يقول: أولي القوة والعبادة. ﴿وَالْأَبْصَارِ﴾: يقول: الفقه في الدين. قال: فُضِّلوا بالقوة والعِبادة). الثاني: الأيدي: جمع يد. قالوا: وهي النعمة. أي أصحاب النعم الذين أنعم الله عليهم. الثالث: قيل المراد بالأيدي الأعمال الصالحة. قال ابن كثير: (أي أهل العمل الصالح والعلم النافع والقوة في العبادة والبصيرة النافذة). الرابع: قيل المراد أهل الإحسان لأنهم قد أحسنوا وقدموا خيرًا وأهمتهم الآخرة فتسابقوا للعمل لها. قال النسفي: (أي أولي الأعمال الظاهرة والفكر الباطنة، كأن الذين لا يعملون أعمال الآخرة ولا يجاهدون في الله ولا يتفكرون أفكار ذوي الديانات

стр. 3986

في حكم الزمنى الذين لا يقدرون على إعمالِ جوارحهم والمسلوبي العقول الذين لا استبصار لهم، وفيه تعريض بكل من لم يكن من عمال الله ولا من المستبصرين في دين الله وتوبيخ على تركهم المجاهدة والتامل مع كونهم متمكنين منها). وقال القاسمي: (فيه تعريض بأن من ليس كذلك، كان لا جارحة له ولا بصر). قلت: واتفقوا على تأويل ﴿وَالْأَبْصَارِ﴾ بأنها البصائر في الدين والعلم. قال قتادة: (أعطوا قوة في العبادة وبصرًا في الدين). وفصل ذلك ابن جرير بقوله: (وذلك أن باليد البطش وبالبطش تُعرف قوة القويّ، فلذلك قيل للقوي ذو يدٍ، وأما البصر فإنه عني به بصر القلب وبه تنال معرفة الأشياء، فلذلك قيل للرجل العالم بالشيء بصير به). وجملة القول أن الله سبحانه عطف في معرض تسلية نبيّه محمد ععلى ذكر داود وسليمان وأيوب وصبرهم ومكانتهم -عطف عليهم- ذكر آبائهم من أهل النبوة إبراهيم وإسحاق ويعقوب أهل القوة في العلم والعمل، أهل البصيرة في النظر إلى المستقبل، ليتأسى بهم نبينا محمدٌ صلوات الله وسلامه عليه، فيكون جامعًا لكل ما يحبه الله من أسباب التمكين: القوة والبصيرة، فإن جمال الحق بسلطانه ودولته، وعزّ أهله وأتباعه، وإن ذلّ الباطل وأعوانه حين يعز الله أولياءه وعباده فيحكمون بشرعه. فقد قال جل ثناؤه في سورة الأنبياء: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (١٦) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾. فهذه الآية في سورة الأنبياء، يبين الله فيها المنهج الذي ارتضاه لجميع الأنبياء، إعزاز الحق وقذفه على الباطل ليقهره، فليتنبه المسلمون لذلك في كل زمان ومكان، وليأخذوا بأسباب العلم والبحث العلمي والقوة، فإنه لا حياة للأمة بالجهل والضعف والهوان، بل بالجماعة والقوة ورص الصفوف والبنيان. فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: [المؤمن القوي خيرٌ وأححب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرِص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجِزْ، وإن أصابك شيء، فلا تقُل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكنْ قل: قدَّر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان] (١).

стр. 3987

وروى البخاري في صحيحه قول عمرَ ﵁: [تفقّهوا قبل أن تُسَوَّدوا. وقد تعلم أصحاب النبي ﷺ في كبر سنِّهم] (١). وفي الصحيحين عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: [المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشُدُّ بعضُه بعضًا] (٢). وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [المؤمن مرآةُ المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، يكُفُّ عليه ضَيْعَتَهُ، ويحوطه من ورائه] (٣). وفيه أيضًا عن علي ﵁ عن النبي ﷺ قال: [المؤمنون تكافأُ دماؤهم، وهُمْ يدٌ على من سِواهم، ويسعى بذمّتهم أدناهم، ألا لا يُقْتَل مؤمنٌ بكافر، ولا ذو عهدٍ في عهدِه، من أحدث حدثًا فعلى نفسهِ، ومن أحدث حدثًا، أو آوى مُحْدِثًا، فعليه لعنةُ الله والملائكةِ والناس أجمعين، . ورواه النسائي والحاكم وسنده صحيح (٤). وفي المسند للإمام أحمد عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : [المؤمنون كرجل واحد، إن اشتكى رأسُهُ، تداعى له سائرُ الجسدِ بالحمّى والسهر] (٥). وفي رواية: [المؤمنون كرجل واحد، إن اشتكى رأسُه اشتكى كلُّه، وإن اشتكى عينُهُ اشتكى كلُّه]. وفيه أيضًا عن سهل بن سعد بسند حسن عن النبي ﷺ قال: [المؤمن من أهلِ الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، يألَمُ المؤمن لأهل الإيمان، كما يألم الجسد لما في الرأس]. قلت: ففي هذا الهدي من مشكاة النبوة ما ينبغي على المسلمين أن يعتنوا به فينهضوا لتقويم حياتهم وبناء جماعتهم وتسوية صفوفهم ليرفعوا راية الحق والجهاد فإنه لا حياة للأمة بدون الحق والوحي والجهاد.

стр. 3988

وأما قوله: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ ففيه قراءتان مشهورتان: القراءة الأولى: وهي قراءة قراء المدينة، وبها قرأ نافع وشيبة وهي بإضافة خالصة إلى ذكرى الدار، أي "بخالصةِ ذكرى الدار"، أي أخلصوا بخالصة الذكرى وهي خالصة عقبى الدار وأفضل ما في الآخرة وأجمل الثناء في الدنيا. القراءة الثانية: وهي قراءة قراء العراق، وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم، وهي بالتنوين، أي ﴿بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾. فالتقدير: إنا أخلصناهم بأن يذكروا الدار الآخرة ويتأهبوا لها، فكأن الله قد اختصهم بهذه الذكرى الرفيعة من غيرهم وكانوا أهلًا لها رغبوا فيها، ورغّبوا الناس بها، وأخلصوا في أعمالهم لاستقبالها. وقد جاء في تأويلها بما يتوافق مع إحدى القراءتين السابقتين أكثر من تأويل: التأويل الأول: أي كانوا يؤكرون الناس بالآخرة ويدعونهم لطاعة الله. فعن قتادة: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ قال: بهذه أخلصهم الله، كانوا يدعون إلى الآخرة وإلى الله). وقال ابن زيد: (معنى أخلصناهم أي بذكر الآخرة، أي يذكرون الآخرة ويرغبون فيها ويزهدون في الدنيا). وقال النسفي: (وقيل خالصة بمعنى خلوص فهي مضافة إلى الفاعل، أي بأن خلصت لهم ذكرى الدار على أنهم لا يشوبون ذكرى الدار بهمٍّ آخر، إنما همّهم ذكرى الدار لا غير). التأويل الثاني: قيل أخلصهم بعمل الآخرة وذِكْرِهم لها فقد شغلتهم وأهمتهم دون ما سواها. فعن مجاهد قال: (بذكر الآخرة فليس لَهم همٌّ غيرها). وقال السُّدي: (بذكرهم الدار الآخرة وعملهم للآخرة). التأويل الثالث: أي أخلصناهم بأفضل ما في الآخرة. فعن ابن زيد قال: (بأفضل ما في الآخرة أخلصناهم به وأعطيناهم إياه. قال: والدار الجنة، وقرأ: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾ قال الجنة وقرأ ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ قال: هذا كله الجنة، وقال: أخلصناهم بخير الآخرة). وقال ابن كثير في تفسيره: (أي جعلناهم يعملون للآخرة ليس لهم هَمٌّ غيرها ويذكّرون الناس بالعمل لها فكان جزاؤهم الجنة). التأويل الرابع: قيل بل المراد خالصة عقبى الدار. فعن سعيد بن جبير: (﴿بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ قال عقبى: الدار).

стр. 3989

التأويل الخامس: قيل بل المعنى بخالصة أهل الدار. قال مجاهد: (هم أهل الدار، وذو الدار، كقولك ذو الكلاع وذو يَزَن). وقال القاسمي: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ﴾ أي صفيناهم عن شوب صفات النفوس وكدورة حظوظها وجعلناهم لنا خالصين بالمحبة الحقيقية ﴿بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ أي الباقية والمقر الأصليّ، أي استخلصناهم لوجهنا بسبب تذكرهم لعالم القدس، وإعراضهم عن معدن الرجس، مستشرفين لأنوارنا، لا التفات لهم إلى الدنيا وظلماتها أصلًا). التأويل السادس: قيل ذكرى الدار: الثناء الجميل في الدنيا. قال النسفي: (وهذا شيء قد أخلصهم به فليس يذكر غيرهم في الدنيا بمثل ما يذكرون به، يقويه قوله: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾. قلت: وكلها اختلافات تنوع لا تضاد، فإن الله قد أخبر بذلك عن بعض من اصطفاه، بانهم قد ملأ ذكر الآخرة والخوف منها عليهم قلوبهم وحياتهم وحركاتهم وسكناتهم حتى صاروا يقومون ويقعدون كأنها أمامهم رأي عين، فقد شغلتهم وَأَهَمَّتْهم، وانعَكس ذلك على جوارحهم وقلوبهم وأقوالهم وأعمالهم ودعوتهم، فأفرد الله لهم بذلك ثناء حسنًا في الدنيا ومقامًا عطرًا في الآخرة، كما أفرد لهم بذلك سبحانه مقامًا رفيعًا، واختصاصًا مميزًا، صاروا ينعتون به في السماء والأرض إلى يوم القيامة، بأنهم أهل الآخرة، وأهل ذكر المعاد والحساب، في وقت يشغل الناس فيه بذكر الدنيا والشهوات والدرهم والدينار، وليتأسى الناس بهم من بعدهم، وليعلموا أن تعظيم حرمات الله وأوامره وهديه وشرعه جزاؤه عظيم في الدنيا وفي الآخرة. وفي صحيح السنة ما يفيد العلم بهذه المقامات العالية: فقد أخرج ابن ماجة في سننه بإسناد حسن عن عبد الله بن مسعود ﵁: سمعت نبيكم ﷺ يقول: [من جعلَ الهمومَ همًّا واحدًا، همَّ المعاد، كفاهُ الله سائرَ همومه، ومن تشعبت به الهمومُ من أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديتها هَلك] (١). ورواه الحاكم من طريق ابن عمر. وفي جامعِ الترمذي بإسناد صحيح عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [من كانت الاخرة همَّهُ، جعل الله غناهُ في قلبِه، وجمع له شملَهُ، وأتته الدنيا وهي

стр. 3990

راغمة، ومن كانت الدنيا همَّهُ، جعل الله فقرَه بين عينيه، وفرَّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قُدِّر له] (١). وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ أي: فهم أخيار مختارون من بين أجناسهم اجتباهم الله وَقَرَّبَهم وهيأهم لمهماتٍ من عنده واختصاصات رفيعة من أمره. ومصطفين جمع مصطفى والأخيار جمع خَيِّر. قال القرطبي ﵀: (أي الذين اصطفاهم من الأدناس واختارهم لرسالته). وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (٤٨) هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾. قال ابن جرير: (يقول: واذكر يا محمد إسماعيل واليسع وذا الكفل وما أبلوْا في طاعة الله فتأسَّ بهم، واسلك مناهجهم في الصبر على ما نالك في الله، والنفاذ لبلاغ رسالته. هذا القرآن الذي أنزلناه إليك يا محمد ذكر لك ولقومك ذكرناك وإياهم به). واليسع خليفة (إلياس) ويقال له بالعبرانية (اليشاع) كما يسمون إلياس (إيليا). وعن السدي: (قوله: ﴿هَذَا ذِكْرٌ﴾ قال: القرآن. وقوله: ﴿وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ قال: لحسن منقلب). قال النسفي: (أي هذا شرف وذكر جميل يذكرون به أبدًا وإن لهم مع ذلك لحسن مرجع. يعني يذكرون في الدنيا بالجميل ويرجعون في الآخرة إلى مغفرة رب جليل). ثم وصف هذا النعيم وروعته وظلاله بقوله: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾. أي إذا جاؤوها فتحت أبوابها كما قال جل ثناؤه في سورة الزمر: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾. فقوله: ﴿مُفَتَّحَةً﴾ أي تفتح لهم بالأمر لا بالمس، وقيل تفتَحها الملائكة لهم. قال الحسن: (أبواب تكلم فتكلم: انفتحي، انغلقي). قال القاسمي: (أي متى جاؤوها يرونها في انتظارهم). وروى ابن جرير عن قتادة أثرًا حيث قال: (سأل عمر كعبًا ما عَدن؟ قال: يا أمير المؤمنين قصور في الجنة من ذهب يسكنها النبيون والصديقون والشهداء وأئمة العدل). ثم قال أبو جعفر: (فإن الفائدة في ذلك إخبار الله تعالى عنها أن أبوابها تفتح لهم بغير فتح سكانها إياها بمعاناة بيد ولا جارحة). وفي الصحيحين عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : [إن للمؤمن في الجنة

стр. 3991

لخيمةً من لؤلؤةٍ واحدة مجوّفة، عرضها (وفي رواية: طولها) ستون ميلًا، في كل زاوية منها أهل، ما يرون الآخرين يطوف عليهم المؤمن، وجنتان من فضة آنيتُهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتُهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداءُ الكبرياء على وجهه في جنة عدن] (١). أي جنة إقامة وخلود. وقوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ﴾. أي متكئين على أرائكها، متربعين على سررها، يأتيهم الخدم فيها بألوان الفاكهة وألذّ الشراب، من أي نوع شاؤوا ومن أي طعم ولون أرادوا. وقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾. قال قتادة: (قصرن طرفهن على أزواجهن فلا يردن غَيرهم). وقال السُّدي: (قصرن أبصارهن وقلوبهن وأسماعهن على أزواجهن فلا يردن غَيرهم، ﴿أَتْرَابٌ﴾ قال: مستويات، متواخيات لا يتباغضن ولا يتعادين ولا يتغايرن ولا يتحاسدن). وقال مجاهد: ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾: قال: أمثال). أي على سن واحدة وأعمار متماثلة، وعلى ميلاد امرأة واحدة. قال القرطبي: ﴿أَتْرَابٌ﴾: أي على سن واحد، وميلاد امرأة واحدة، وقد تساوين في الحسن والشباب، بنات ثلاث وثلاثين سنة). قال القاسمي ﵀: (أي لا ينظرن إلى غير أزواجهن. أو يمنعن طرف الأزواج أن تنظر للغير لشدة الحسن. وهو أبلغ). قلت: وهذا من أجمل المعاني. وفي لغة العرب: أتراب جمع تِرْب بمعنى مثل. أي: كأنما وقعا على التراب في زمان واحد، فولدا في وقت واحد. وقوله تعالى: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾. قال السدي: (هو في الدنيا ليوم القيامة). وقال ابن جرير: (هذا الذي يعدكم الله في الدنيا أيها المؤمنون به من الكرامة لمن أدخله الله الجنة منكم في الآخرة). وقال القاسمي: (أي لوقت جزائه. واللام تعليلية. فإن ما وعدوه لأجل طاعتهم وأعمالهم الصالحة. وهي تظهر بالحساب وتقع بعده). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾. قال السُّدي: (رزق الجنة، كلما أُخِذَ منه شيء عاد مثله مكانه، ورزق الدنيا له نفاد). وعن قتادة قال: (أي: مَا لَه انقطاع). وفي

стр. 3992

سورة هود قوله: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾، وقوله في سورة الرعد: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾ ما يشبه ذلك المعنى. قلت: فكافأ الله المتقين بألوانٍ مختلفة من الملاذ والنعيم. من الأَسِرَّة المنعّمة بألين الفرش يتكئون عليها، ومن الفاكهة اللذيذة المتنوعة يأكلون منها، ومن المشروبات الملونة المختلفة يلتذون بالشراب منها، ومن الزوجات الحسان -لا ينظرن إلى غير أزواجهن، بل ويمنعن طرف الأزواج أن تنظر لغيرهن من فرط جمالهن وحسنهن- يتلذذن بها، جزاء الغربة لأهل الحق ومكافأة التقوى وحراسة الدين وتعظيم شرع الله والجهاد في سبيله ولزوم التحاكم إلى منهاجه ومنهاج أنبيائه، يرون ذلك رزقًا يوم القيامة لا انقطاع له ولا ملل منه، بل هو نعيم متجدد، في عافية وسرور، وغبطة وسكن في الغرف والقصور، فنسأل الله برحمته أن يبلغنا منازل أنبيائه وأوليائه إنه سميع قريب مجيب. فقد خرّج الإمام البخاري في صحيحه عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : [غَدْوةٌ في سبيل الله أو رَوْحةٌ خيرٌ من الدنيا وما فيها، ولو أن امرأةً من نساء أهل الجنة اطلعت إلى الأرض لأضاءت ما بينهما ولملأت ما بينهما ريحًا، ولنَصيفُها (١) على رأسها خير من الدنيا وما فيها] (٢). وفي جامع الترمذي عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: [يُعطى المؤمن في الجنة قوة كذا وكذا من الجماع. قيل يا رسول الله ﷺ أو يطيق ذلك؟ قال: يُعطى قوة مئة] (٣). وفي رواية: [يُعطى المؤمن في الجنة قوة مئة في النساء]. وقوله تعالى: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾. فبعد أن ذكر سبحانه حال المتقين ومستقبلهم، استأنف بذكر حال الأشقياء وما ينتظرهم، بما استهزؤوا بالله وآياته ورسله وبما استكبروا في الأرض عن تحكيم شرعه ودينه، وبما أخلفوا الله ما وعدوه وعاشوا لخدمة شهواتهم وغرائزهم وأهوائهم وأفسدوا في الأرض وسفكوا الدم الحرام وأكلوا المال الحرام.

стр. 3993

فعن السدي قوله: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ قال: (لشرَّ منقلب). وأما قوله: ﴿هَذَا﴾ فهو خبر لمبتدأ محذوف تقديره (الأمر هذا). والوقف على ﴿هَذَا﴾ حسن ثم تستأنف بقوله ﴿وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ﴾. قال ابن جرير: (وهم الذين تمردوا على ربهم فعصوا أمره مع إحسانه إليهم). وقال القرطبي: (وهم الذين كذبوا الرسل). ﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾ ومنقلب يصيرون إليه، فبئس ما مهدوا لأنفسهم وبئس ما اجترحوا مما هدّد مستقبلهم، فترجم عن المآب أنه جهنم. أي: فبئس الفراش الذي افترشوه لأنفسهم جهنم يصلونها فلا مفرّ لهم منها. وقوله تعالى: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾. الحميم هو الذي قد أغلي حتى انتهى حره. قال السّدي: (الحميم الذي قد انتهى حَرُّه). وقال ابن زيد: (الحميم دموع أعينهم، تجمع في حياض النار فيسقونه). وقوله: ﴿هَذَا﴾ في محل رفع مبتدأ وخبره ﴿حَمِيمٌ﴾، فهو على التقديم والتأخير، والتقدير: أي هذا حميم وغساق فليذوقوه. وجوّز بعض أهل العربية أن يكون خبر "هذا" جملة "فليذوقوه"، وعندئذ يكون "حميم" خبر لمبتدأ محذوف تقديره (هذا). كما جوّز بعضهم أن يكون هذا في محل نصب بفعل مضمر يفسره (فليذوقوه). وأما قوله: ﴿وَغَسَّاقٌ﴾ ففيه قراءتان: القراءة الأولى: قراءة قراء الكوفة بتشديد السين (وغسَّاق)، فهو اسم فاعل نقل إلى فعّال للمبالغة كضّراب وقتّال. القراءة الثانية: وهي قراءة قراء الحجاز والبصرة وبعض الشاميين (وغسَاق) بتخفيف السين فهو كعذاب وجواب، وكلاهما مشهور في عالم القراءة والقراء. وغسّاق من غَسَق يغسِقُ من الغسوق فهو غسّاق وغاسِق. قال الرازي: (والغسّاق البارد المُنْتِن يُخَفّف ويشدد). وجاء في معنى الغسّاق هنا في الآية أكثر من تأويل: التأويل الأول: الغسّاق الزمهرير. فعن ابن عباس قال: (هو الزمهرير يخوفهم ببرده). قال الحافظ ابن كثير: (أما الحميم فهو الحار الذي بلغ أشد درجات الحرارة، وأما الغساق فهو البارد الذي لا يستطاع من شدة البرد المؤلم). التأويل الثاني: الغساق الثلج البارد غاية البرد، فلا يستطاع برده. فعن مجاهد قوله: ﴿وَغَسَّاقٌ﴾، قال: (بارد لا يُستطاع). وقال مقاتل: (هو الثلج البارد الذي قد

стр. 3994

انتهى برده). وقيل: إنه يحرف ببرده كما يحرق الحميمُ بِحَرِّه. وفي لغة العرب يقال ليل غاسق لأنه أبرد من النهار. التأويل الثالث: الغسّاق ما يسيل من جلود أهل النار. فعن قتادة قال: (كنا نحدَّث أن الغسّاق: ما يسيل من بين جلده ولحمه). التأويل الرابع: الغسّاق ما يسيل من أعينهم وبكائهم. قال السُّدي: (الغسّاق الذي يسيل من أعينهم من دموعهم يُسْقونه مع الحميم). وقال ابن زيد: (الحميم دموع أعينهم، يجمع في حياض النار فيسقونه، والصديد الذي يخرج من جلودهم). التأويل الخامس: الغسّاق هو الصديد والقيح الغليظ يخرج من جلودهم. فعن ابن زيد قال: (الغسّاق الذي يجمع من جلودهم مما تصهرهم النار في حياض يجتمع فيها فيُسقونه). وعن قتادة قال: (هو ما يسيل من فروج الزناة، ومن نتن لحوم الكفرة وجلودهم من الصديد والقيح والنتَنْ). وقال محمد بن كعب: (هو عصارة أهل النار). قال القرطبي: وهذا القول أشبه باللغة، يقال: غَسَقَ الجرح يغسِق غسقًا إذا خرج منه ماء أصفر. قلت وقد جاء في الأثر عن عبد الله بن عمرو ﵁ ما يناسب هذا التأويل حيث قال: (هو القَيْح الغليظ، لو أن قطرة منه تُهراق في المغرب لأنتنت أهل المشرق، ولو تُهراق في المشرق لأنتنت أهل المغرب). التأويل السادس: الغسّاق المنتن. فعن عبد الله بن بريدة قال: (الغسّاق المنتن وهو بالطّخارية). أي بلغة طرخستان ببلاد العجم، فهي غير عربية الأصل. قلت: وغاية التأويل أن يقال: إن الله سبحانه قد أوعد أهل الكبر والطغيان عذابه ونيرانه، يسومهم فيها سوء الحال والضيافة والمقام، من الحميم الحار الذي يُشقي الجلود والأجساد، ومن الزمهرير القارس الذي يشرِّد العقل والبال، ومن الشراب المنتن الذي يسيل من قيح أجسامهم وفروج زناتهم ونتن جروحهم يشربونه فبئس الشراب وبئس المآل، بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما استهزؤوا بالوحي الذي فيه حياتهم في الدنيا وسعادتهم في الآخرة. وأما قوله: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾، فقد قرأها القراء على لونين: القراءة الأولى: وهي قراءة قراء المدينة والكوفة (وآخَرُ) على التوحيد: أي وعذاب آخر من نحو الحميم والغساق.

стр. 3995

والقراءة الثانية: هي قراءة بعض البصريين والمكيين (وأخَرُ) على الجمع، والأول أشهر. وفي معنى الآية أقوال: القول الأول: المقصود الزمهرير. فعن السُّدي عن مُرَّة عن عبد الله: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ قال: الزمهرير). وكذلك روي عن ابن مسعود قال: (هو الزمهرير). القول الثاني: المقصود من شكل ومثل ذلك العذاب. فعن ابن عباس قال: (يقول من نحوه). وقال الحسن: (ذكر الله العذاب فذكر السلاسل والأغلال وما يكون في الدنيا ثم قال: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ قال: وآخر لم ير في الدنيا). قال: (ألوان من العذاب). وعن قتادة: ﴿أَزْوَاجٌ﴾، قال: زوج زوج من العذاب). وقال ابن زيد: (من كل شَكْل ذلك العذاب الذي سمى الله أزواج لم يسمها الله. قال: والشكل: الشبيه). وقال ابن كثير: (الشيء وضده يعاقبون بها كالزمهرير والسموم وشرب الحميم وأكل الزقوم والصعود والهَوِي إلى غير ذلك من الأشياء المختلفة المتضادة والجميع مما يعذبون به ويهانون بسببه). قلت: القراءة الأولى (وآخَرُ) على التوحيد أشهر بين القراء. والذين اختاروا الجمع (وأُخَرُ) كأنه لا يصلح عندهم أن يكون الأزواج -وهي جمع- صفة ونعتًا لواحد. وقد أشار ابن جرير ﵀ ردًا على ذلك فقال: (والعرب لا تمنع أن ينعت الاسم إذا كان فعلًا بالكثير والقليل والاثنتين فتقول: عذاب فلان أنواع ونوعان مختلفان). وغاية المعنى أن الكفار والطغاة سيفجؤهم الله بالوان من العذاب من جنس ما يعلمون ومن جنس ما لا يعلمون، فلا أحد يحكم بِغير منهج الله وهديه وشرعه إلا مُهَدَّدٌ في الآخرة بألوان الخزي والعذاب، وذلك إذا علم الحق فاستكبر عنه وآثر الخلود إلى الأرض والتراب. وقوله تعالى: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ﴾ - فيه تفاسير: التفسير الأول: أنه من قيل الرؤساء للأتباع. فعن قتادة قال: (هؤلاء التّباع يقولون للرؤوس). وقال ابن زيد: (الفوج: القوم الذين يدخلون فوجًا بعد فوج، وقرأ ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ التي قبلها). قال ابن كثير: (يعني بدل السلام يتلاعنون ويتكاذبون ويكفر بعضهم ببعض). وقال ابن جرير: (هذا فرقة وجماعة مقتحمة معكم أيها الطاغون النار، وذلك دخول أمة من الأمم الكافرة بعد أمة ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾: قال: وهذا خبر من
следующие страницы →