لخيمةً من لؤلؤةٍ واحدة مجوّفة، عرضها (وفي رواية: طولها) ستون ميلًا، في كل زاوية منها أهل، ما يرون الآخرين يطوف عليهم المؤمن، وجنتان من فضة آنيتُهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتُهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداءُ الكبرياء على وجهه في جنة عدن] (١). أي جنة إقامة وخلود.
وقوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ﴾. أي متكئين على أرائكها، متربعين على سررها، يأتيهم الخدم فيها بألوان الفاكهة وألذّ الشراب، من أي نوع شاؤوا ومن أي طعم ولون أرادوا.
وقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾. قال قتادة: (قصرن طرفهن على أزواجهن فلا يردن غَيرهم). وقال السُّدي: (قصرن أبصارهن وقلوبهن وأسماعهن على أزواجهن فلا يردن غَيرهم، ﴿أَتْرَابٌ﴾ قال: مستويات، متواخيات لا يتباغضن ولا يتعادين ولا يتغايرن ولا يتحاسدن). وقال مجاهد: ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾: قال: أمثال). أي على سن واحدة وأعمار متماثلة، وعلى ميلاد امرأة واحدة. قال القرطبي: ﴿أَتْرَابٌ﴾: أي على سن واحد، وميلاد امرأة واحدة، وقد تساوين في الحسن والشباب، بنات ثلاث وثلاثين سنة). قال القاسمي ﵀: (أي لا ينظرن إلى غير أزواجهن. أو يمنعن طرف الأزواج أن تنظر للغير لشدة الحسن. وهو أبلغ). قلت: وهذا من أجمل المعاني.
وفي لغة العرب: أتراب جمع تِرْب بمعنى مثل. أي: كأنما وقعا على التراب في زمان واحد، فولدا في وقت واحد.
وقوله تعالى: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾. قال السدي: (هو في الدنيا ليوم القيامة). وقال ابن جرير: (هذا الذي يعدكم الله في الدنيا أيها المؤمنون به من الكرامة لمن أدخله الله الجنة منكم في الآخرة). وقال القاسمي: (أي لوقت جزائه. واللام تعليلية. فإن ما وعدوه لأجل طاعتهم وأعمالهم الصالحة. وهي تظهر بالحساب وتقع بعده).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾. قال السُّدي: (رزق الجنة، كلما أُخِذَ منه شيء عاد مثله مكانه، ورزق الدنيا له نفاد). وعن قتادة قال: (أي: مَا لَه انقطاع). وفي
стр. 3992
سورة هود قوله: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾، وقوله في سورة الرعد: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾ ما يشبه ذلك المعنى.
قلت: فكافأ الله المتقين بألوانٍ مختلفة من الملاذ والنعيم. من الأَسِرَّة المنعّمة بألين الفرش يتكئون عليها، ومن الفاكهة اللذيذة المتنوعة يأكلون منها، ومن المشروبات الملونة المختلفة يلتذون بالشراب منها، ومن الزوجات الحسان -لا ينظرن إلى غير أزواجهن، بل ويمنعن طرف الأزواج أن تنظر لغيرهن من فرط جمالهن وحسنهن- يتلذذن بها، جزاء الغربة لأهل الحق ومكافأة التقوى وحراسة الدين وتعظيم شرع الله والجهاد في سبيله ولزوم التحاكم إلى منهاجه ومنهاج أنبيائه، يرون ذلك رزقًا يوم القيامة لا انقطاع له ولا ملل منه، بل هو نعيم متجدد، في عافية وسرور، وغبطة وسكن في الغرف والقصور، فنسأل الله برحمته أن يبلغنا منازل أنبيائه وأوليائه إنه سميع قريب مجيب.
فقد خرّج الإمام البخاري في صحيحه عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : [غَدْوةٌ في سبيل الله أو رَوْحةٌ خيرٌ من الدنيا وما فيها، ولو أن امرأةً من نساء أهل الجنة اطلعت إلى الأرض لأضاءت ما بينهما ولملأت ما بينهما ريحًا، ولنَصيفُها (١) على رأسها خير من الدنيا وما فيها] (٢).
وفي جامع الترمذي عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: [يُعطى المؤمن في الجنة قوة كذا وكذا من الجماع. قيل يا رسول الله ﷺ أو يطيق ذلك؟ قال: يُعطى قوة مئة] (٣). وفي رواية: [يُعطى المؤمن في الجنة قوة مئة في النساء].
وقوله تعالى: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾.
فبعد أن ذكر سبحانه حال المتقين ومستقبلهم، استأنف بذكر حال الأشقياء وما ينتظرهم، بما استهزؤوا بالله وآياته ورسله وبما استكبروا في الأرض عن تحكيم شرعه ودينه، وبما أخلفوا الله ما وعدوه وعاشوا لخدمة شهواتهم وغرائزهم وأهوائهم وأفسدوا في الأرض وسفكوا الدم الحرام وأكلوا المال الحرام.
стр. 3993
فعن السدي قوله: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ قال: (لشرَّ منقلب). وأما قوله: ﴿هَذَا﴾ فهو خبر لمبتدأ محذوف تقديره (الأمر هذا). والوقف على ﴿هَذَا﴾ حسن ثم تستأنف بقوله ﴿وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ﴾. قال ابن جرير: (وهم الذين تمردوا على ربهم فعصوا أمره مع إحسانه إليهم). وقال القرطبي: (وهم الذين كذبوا الرسل). ﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾ ومنقلب يصيرون إليه، فبئس ما مهدوا لأنفسهم وبئس ما اجترحوا مما هدّد مستقبلهم، فترجم عن المآب أنه جهنم. أي: فبئس الفراش الذي افترشوه لأنفسهم جهنم يصلونها فلا مفرّ لهم منها.
وقوله تعالى: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾.
الحميم هو الذي قد أغلي حتى انتهى حره. قال السّدي: (الحميم الذي قد انتهى حَرُّه). وقال ابن زيد: (الحميم دموع أعينهم، تجمع في حياض النار فيسقونه). وقوله: ﴿هَذَا﴾ في محل رفع مبتدأ وخبره ﴿حَمِيمٌ﴾، فهو على التقديم والتأخير، والتقدير: أي هذا حميم وغساق فليذوقوه. وجوّز بعض أهل العربية أن يكون خبر "هذا" جملة "فليذوقوه"، وعندئذ يكون "حميم" خبر لمبتدأ محذوف تقديره (هذا). كما جوّز بعضهم أن يكون هذا في محل نصب بفعل مضمر يفسره (فليذوقوه).
وأما قوله: ﴿وَغَسَّاقٌ﴾ ففيه قراءتان:
القراءة الأولى: قراءة قراء الكوفة بتشديد السين (وغسَّاق)، فهو اسم فاعل نقل إلى فعّال للمبالغة كضّراب وقتّال.
القراءة الثانية: وهي قراءة قراء الحجاز والبصرة وبعض الشاميين (وغسَاق) بتخفيف السين فهو كعذاب وجواب، وكلاهما مشهور في عالم القراءة والقراء.
وغسّاق من غَسَق يغسِقُ من الغسوق فهو غسّاق وغاسِق. قال الرازي: (والغسّاق البارد المُنْتِن يُخَفّف ويشدد). وجاء في معنى الغسّاق هنا في الآية أكثر من تأويل:
التأويل الأول: الغسّاق الزمهرير. فعن ابن عباس قال: (هو الزمهرير يخوفهم ببرده). قال الحافظ ابن كثير: (أما الحميم فهو الحار الذي بلغ أشد درجات الحرارة، وأما الغساق فهو البارد الذي لا يستطاع من شدة البرد المؤلم).
التأويل الثاني: الغساق الثلج البارد غاية البرد، فلا يستطاع برده. فعن مجاهد قوله: ﴿وَغَسَّاقٌ﴾، قال: (بارد لا يُستطاع). وقال مقاتل: (هو الثلج البارد الذي قد
стр. 3994
انتهى برده). وقيل: إنه يحرف ببرده كما يحرق الحميمُ بِحَرِّه. وفي لغة العرب يقال ليل غاسق لأنه أبرد من النهار.
التأويل الثالث: الغسّاق ما يسيل من جلود أهل النار. فعن قتادة قال: (كنا نحدَّث أن الغسّاق: ما يسيل من بين جلده ولحمه).
التأويل الرابع: الغسّاق ما يسيل من أعينهم وبكائهم. قال السُّدي: (الغسّاق الذي يسيل من أعينهم من دموعهم يُسْقونه مع الحميم). وقال ابن زيد: (الحميم دموع أعينهم، يجمع في حياض النار فيسقونه، والصديد الذي يخرج من جلودهم).
التأويل الخامس: الغسّاق هو الصديد والقيح الغليظ يخرج من جلودهم. فعن ابن زيد قال: (الغسّاق الذي يجمع من جلودهم مما تصهرهم النار في حياض يجتمع فيها فيُسقونه). وعن قتادة قال: (هو ما يسيل من فروج الزناة، ومن نتن لحوم الكفرة وجلودهم من الصديد والقيح والنتَنْ). وقال محمد بن كعب: (هو عصارة أهل النار). قال القرطبي: وهذا القول أشبه باللغة، يقال: غَسَقَ الجرح يغسِق غسقًا إذا خرج منه ماء أصفر. قلت وقد جاء في الأثر عن عبد الله بن عمرو ﵁ ما يناسب هذا التأويل حيث قال: (هو القَيْح الغليظ، لو أن قطرة منه تُهراق في المغرب لأنتنت أهل المشرق، ولو تُهراق في المشرق لأنتنت أهل المغرب).
التأويل السادس: الغسّاق المنتن. فعن عبد الله بن بريدة قال: (الغسّاق المنتن وهو بالطّخارية). أي بلغة طرخستان ببلاد العجم، فهي غير عربية الأصل.
قلت: وغاية التأويل أن يقال: إن الله سبحانه قد أوعد أهل الكبر والطغيان عذابه ونيرانه، يسومهم فيها سوء الحال والضيافة والمقام، من الحميم الحار الذي يُشقي الجلود والأجساد، ومن الزمهرير القارس الذي يشرِّد العقل والبال، ومن الشراب المنتن الذي يسيل من قيح أجسامهم وفروج زناتهم ونتن جروحهم يشربونه فبئس الشراب وبئس المآل، بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما استهزؤوا بالوحي الذي فيه حياتهم في الدنيا وسعادتهم في الآخرة.
وأما قوله: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾، فقد قرأها القراء على لونين:
القراءة الأولى: وهي قراءة قراء المدينة والكوفة (وآخَرُ) على التوحيد: أي وعذاب آخر من نحو الحميم والغساق.
стр. 3995
والقراءة الثانية: هي قراءة بعض البصريين والمكيين (وأخَرُ) على الجمع، والأول أشهر.
وفي معنى الآية أقوال:
القول الأول: المقصود الزمهرير. فعن السُّدي عن مُرَّة عن عبد الله: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ قال: الزمهرير). وكذلك روي عن ابن مسعود قال: (هو الزمهرير).
القول الثاني: المقصود من شكل ومثل ذلك العذاب. فعن ابن عباس قال: (يقول من نحوه). وقال الحسن: (ذكر الله العذاب فذكر السلاسل والأغلال وما يكون في الدنيا ثم قال: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ قال: وآخر لم ير في الدنيا). قال: (ألوان من العذاب). وعن قتادة: ﴿أَزْوَاجٌ﴾، قال: زوج زوج من العذاب). وقال ابن زيد: (من كل شَكْل ذلك العذاب الذي سمى الله أزواج لم يسمها الله. قال: والشكل: الشبيه). وقال ابن كثير: (الشيء وضده يعاقبون بها كالزمهرير والسموم وشرب الحميم وأكل الزقوم والصعود والهَوِي إلى غير ذلك من الأشياء المختلفة المتضادة والجميع مما يعذبون به ويهانون بسببه).
قلت: القراءة الأولى (وآخَرُ) على التوحيد أشهر بين القراء. والذين اختاروا الجمع (وأُخَرُ) كأنه لا يصلح عندهم أن يكون الأزواج -وهي جمع- صفة ونعتًا لواحد. وقد أشار ابن جرير ﵀ ردًا على ذلك فقال: (والعرب لا تمنع أن ينعت الاسم إذا كان فعلًا بالكثير والقليل والاثنتين فتقول: عذاب فلان أنواع ونوعان مختلفان). وغاية المعنى أن الكفار والطغاة سيفجؤهم الله بالوان من العذاب من جنس ما يعلمون ومن جنس ما لا يعلمون، فلا أحد يحكم بِغير منهج الله وهديه وشرعه إلا مُهَدَّدٌ في الآخرة بألوان الخزي والعذاب، وذلك إذا علم الحق فاستكبر عنه وآثر الخلود إلى الأرض والتراب.
وقوله تعالى: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ﴾ - فيه تفاسير:
التفسير الأول: أنه من قيل الرؤساء للأتباع. فعن قتادة قال: (هؤلاء التّباع يقولون للرؤوس). وقال ابن زيد: (الفوج: القوم الذين يدخلون فوجًا بعد فوج، وقرأ ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ التي قبلها). قال ابن كثير: (يعني بدل السلام يتلاعنون ويتكاذبون ويكفر بعضهم ببعض). وقال ابن جرير: (هذا فرقة وجماعة مقتحمة معكم أيها الطاغون النار، وذلك دخول أمة من الأمم الكافرة بعد أمة ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾: قال: وهذا خبر من
стр. 3996
الله عن قيل الطاغين الذين كانوا قد دخلوا النار قبل هذا الفوج المقتحِم للفوج المقتحَم فيها عليهم، لا مرحبا بهم ولكن الكلام اتصل فصار كأنه قول واحد كما قيل: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ فاتصل قول فرعون بقول ملئه). وقال القاسمي: (أي هذا جمع كثيف من أتباعكم وأشباهكم، أهل طبائع السوء والرذائل المختلفة، مقتحم معكم في مضايق المذلة ومداخل الهوان. والاقتحام ركوب الشدة والدخول فيها).
التفسير الثاني: أنه من قول الخزنة للقادة والرؤساء.
فعن ابن عباس قال: (هو أن القادة إذا دخلوا النار ثم دخل بعدهم الأتباع، قالت الخزنة للقادة ﴿هَذَا فَوْجٌ﴾ يعني الأتباج والفوج الجماعة ﴿مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ أي داخل النار معكم، فقالت السادة: ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ أي لا اتسعت منازلهم في النار).
التفسير الثالث: أن قوله: ﴿إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ﴾ من قيل القادة أو من قيل الملائكة. فقد ذكر القرطبي في تفسيره: ﴿إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ﴾ قيل: هو من قول القادة، أي إنهم صالوا النار كما صليناها. وقيل: هو من قول الملائكة متصل بقولهم: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ و ﴿قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ هو من قول الأتباع. وحكى النقاش: إن الفوج الأول قادة المشركين ومطعموهم يوم بدر، والفوج الثاني أتباعهم ببدر. قال القرطبي: والظاهر مِنَ الآية أنها عامة في كل تابع ومتبوع).
قلت: والآية عامة في حق كل الطغاة والمستكبرين في الأرض، وشأنهم مع أتباعهم ومرؤوسيهم، فإذا ما أفضوا إلى الآخرة وعاينوا العذاب والخزي تبرأ كل من متبوعه ومرؤوسه وتقطعت بهم الأسباب، كما قالَ سبحانه في سورة البقرة: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾، وكقوله في سورة فصلت ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾، وكقوله في سورة غافر: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (٤٧) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾، وكقوله في سورة سبأ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
стр. 3997
والتفسير الأول أرجح لقوله تعالى بعد ذلك: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾. فأذاقهم الله الخزي هم وأتباعهم يوم القيامة، وفضح سبحانه مكر رؤسائهم وقادتهم وما بيتوا وما دبروا لإبعاد منهج الله عن الأمر والحكم، وأذلهم بحوار مليء بالهوان والندامة بينهم وبين مرؤوسيهم ومتبوعيهم، وشاركت الملائكة الكرام في تهيئة شقائهم وصغارهم.
فقد أخرج الإمام أحمد في المسند، والترمذي في الجامع، بسند حسن عن عبد الله بن عمرو ﵁، عن النبي ﷺ قال: [يُحْشَرُ المتكبرون يوم القيامة أمثالَ الذرِّ في صُورِ الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يُساقون إلى سجن في جهنم يسمى بُولُسَ، تعلوهم نارُ الأنيار، يُسْقَون من عصَارةِ أهل النارِ، طينةِ الخبالِ] (١).
وأصل الرحب في لغة العرب السعة. قال أبو عبيدة: العرب تقول: لا مرحبًا بك، أي لا رحبت عليك الأرض ولا اتسعت، فخرج كلام الرؤساء مخرج الدعاء، فردّ عليهم المرؤوسون بقولهم: ﴿قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾. أي أنتم دعوتمونا إلى ما أفضى بنا إلى هذا المصير فبئس المنزل وبئس المستقر والمصير، فلا مرحبًا بكم أيها الرؤساء بما قدمتم لنا هذا المستقبل المؤلم بإضلالنا وإغوائنا. قال القاسمي: (أي أنتم أحق بما قلتم، لتضاعف عذابكم بضلالكم وإضلالكم).
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ﴾. هو كقوله في سورة النحل: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. وكقيله في سورة الأعراف: ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. أي لكل منكم ما يستحق من العذاب والنكال.
قال ابن مسعود: (معنى عذابًا ضعفًا في النار الحيات والأفاعي). قال ابن جرير: (يعنون: من قدّم لهم في الدنيا بدعائهم إلى العمل الذي يوجب لهم النار التي وردوها وسكنى المنزل الذي سكنوه منها).
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾. قال مجاهد: (ذاك أبو جهل بن هشام والوليد بن المغيرة، وذكر أناسًا
стр. 3998
صُهيبًا وعمّارًا وخبّابًا، كنا نعدهم من الأشرار في الدنيا). وفي رواية: (قالوا: أين سلمان؟ أين خَبَّاب؟ أين بلال؟ ).
فالمراد أكابر المشركين، خدعهم الشيطان في الدنيا واستذلهم فظنوا الأصحاب الكرام الأخيار أشرارًا، فأخزاهم الله يوم القيامة وأذاقهم الندامة. قال ابن وعباس: (يريدون أصحاب محمد ﷺ ، يقول أبو جهل: أين بلال أين صُهيب أين عمّار؟ أولئك في الفردوس! واعجبًا لأبي جهل! مسكين، أسلم ابنه عكرمة، وابنته جُوَيرية، وأسلمت أمه، وأسلم أخوه، وكفر هو، قال:
ونورًا أضاءَ الأرض شَرْقًا ومَغْرِبًا ... وموضِعُ رجلي مِنْهُ أسْوَدُ مُظْلِمُ)
وفي قوله: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾ أكثر من تأويل يشد بعضه بعضًا:
التأويل الأول: أي أخطأنا في الدنيا لما سخرنا منهم فلم نعلم مكانهم اليوم؟ .
فعن مجاهد قال: (أتخذناهم سخريًا في الدنيا فأخطأنا ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾ فلم نعلم مكانهم). وقال الضحاك: (هم قوم كانوا يسخرون من محمد وأصحابه، فانْطُلِق به وبأصحابه إلى الجنة، وذهب بهم إلى النار فقالوا: ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾ يقولون: أزاغت أبصارنا عنهم فلا ندري أين هم). وقيل (أم) بمعنى (بل) أي بل زاغت عنهم أبصارنا لخفاء مكانهم علينا في النار، أو التقدير بل زاغت عنهم أبصارنا لكونهم في دار أخرى وهي دار النعيم.
التأويل الثاني: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا﴾ في موضع الخبر عن أولئك الرجال الذين ظنهم المشركون أشرارًا وأخبروا أنهم سخروا منهم فأين هم في النار اليوم لا نراهم؟ .
فعن مجاهد، يقول: (أهم في النار لا نعرف مكانهم). قال القاسمي: (قرئ بلفظ الإخبار على أنه صفة لـ ﴿رِجَالًا﴾ وبهمزة الاستفهام على أنه إنكار على أنفسهم وتأنيب لها في الاستسخار منهم ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾ أي مالت عنهم كبرًا وتنحّت عنهم أنفة).
التأويل الثالث: أين أولئك الذين اتخذناهم سخريًا وزاغت أبصار القوم عنهم في الدنيا احتقارًا وازدراءً؟ . فعن الحسن قال: (كل ذلك قد فعلوا، اتخذوهم سخريًا، وزاغت عنهم أبصارهم في الدنيا محقرة لهم).
قلت: وهذه الأوجه من التأويل تعود لاختلافهم في القراءة لقوله: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ﴾. فقد قرأه عامة قراء المدينة والشام ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ﴾ بالاستفهام وفتح الألف. في حين قرأه
стр. 3999
قراء الكوفة والبصرة وبعض أهل مكة بوصل الألف من الأشرار (اتّخذناهم)، فالتقدير: (مِنَ الأشرارِ اتّخذناهم) بحذف الألف في الوصل. قال ابن جرير: (وكل استفهام بمعنى التعجب والتوبيخ فالعرب تستفهم فيه أحيانًا وتُخْرجه على وجه الخبر أحيانًا. قال: والثانية أولى بالوصل على غير الاستفهام لتقدم الاستمْهام بقوله: ﴿مَا لَنَا لَا نَرَى﴾ فيصير (أتخذناهم) بالخبر أولى وإن كان للاستفهام وجه بمعنى التعجب. قال: وكان بعض أهل العلم بالعربية من أهل البصرة يقول: من كسر السين من السُّخريّ فإنه يريد به الهُزء يريد يسخر به، ومن ضمها فإنه يجعله من السُّخْرة يستسخِرونهم: يستذَلونهم).
وهذه الأوجه المختلفة من التأويل محتملة واردة يحتملها المجاز والإعجاز، وهي رائعة في مدلولها وآفاقها مفادها جميعًا بأنَّ الطغاة سيفاجؤون يوم القيامة بِعلوِّ مكانة المؤمنين الذين كانوا مستضعفين في الدنيا يستذلونهم ويستخدمونهم ويسخرون منهم ويتغامزون إذا مروا بهم ازدراءً واحتقارًا لشأنهم، فإذا ما جاؤوا يوم الحشر ذُهلوا حين رأوهم قد تميزوا عنهم، ولم يشركوهم سوء مصيرهم، بل هم في روضات الجنات يحبرون ويتنعمون. كما قال جل ثناؤه في سورة الأعراف: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ﴾ وكما قال سبحانه في سورة "المؤمنون": ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤) أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٠٥) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾. وكما قال جل وعزَّ في سورة المطففين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (٣٢) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (٣٣) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾. نعم قد ثُوِّبوا ما كانوا يفعلون ورأوا العذاب وذاقوا الندامة وتقطعت قلوبهم وسالت الدماء بكاء من عيونهم.
فقد أخرج ابن ماجة بسند حسن عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : [يرسلُ البكاء على أهل النار، فيبكون حتى تنقطع الدموع، ثم يبكون الدم، حتى يصير في وجوههم
стр. 4000
كهيئة الأخدود، لو أُرسلت فيه السفن لجَرَتْ] (١).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾. في إعراب ﴿تَخَاصُمُ﴾ وجهان أو ثلاثة:
الوجه الأول: بدل من حق مرفوع مثله ما دام قوله: ﴿لَحَقٌّ﴾ خبر إن.
الوجه الثاني: خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو. أي: هو تخاصم.
الوجه الثالث: أنه خبر بعد خبر أو بدل من (ذلك). والتقدير: إن تخاصمَ أهل النار فيها لحق. فهو بالنصب على البدل.
وجميعها تفيد العلم أنّ الخزي والندامة ستأكل قلوب المشركين في نار جهنم وبأنها ستنعكس على ألسنتهم كل يحفل مصيبته الآخر فيلقي بها الرؤساء على مرؤوسيهم وأتباعهم فيردها أولئك عليهم، والحسرة تأكل وتحصد نفوسهم والجزع يدمرهم ويهلكهم.
قال القاسمي ﵀: (فكتب (الناصر) عليه: هذا يحقق ما تقدم من أن قوله: ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ﴾ من قول المتكبرين الكفار. وقوله تعالى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ من قول الأتباع. فالخصومة على هذا التأويل حصلت من الجهتين فيتحقق التخاصم. خلافًا لمن قالَ إن الأول من كلام خزنة جهنم والثاني من كلام الأتباع. فإنه على هذا التقدير، إنما تكون الخصومة من أحد الفريقين. فالتفسير الأول أمكن وأثبت).
٦٥ - ٨٨. قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٦٦) قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨) مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠) إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٧٤) قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ
стр. 4001
نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١) قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣) قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٨٧) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)﴾.
في هذه الآيات: يخاطب الجبار نبيَّه محمدًا صلوات الله وسلامه عليه، لينذر الجبابرة المستكبرين المشركين من قومه أنه لا معبود تصلح له العبادة وتنبغي له الربوبية إلا الله الواحد الأحد الصمد، القهار الجبّار لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، دانت السماوات والأرض وما بينهما لعزته وخضعت لكبريائه وملكوته، فهو العزيز في انتقامه ممن كفر، الغفار لذنوب من تاب إليه وجار، فهذا القرآن هو النبأ العظيم، الذي أنتم عنه معرضون ومنصرفون، وهو وحي الله أخبر به عن شأن آدم مع إبليس واستكباره عن السجود له، ما كان لي أن أخبركم بذلك لولا هذا القرآن كلام الله ووحيه، وما كان لي أن أحدثكم بدونه عن الملائكة وهم الملأ الأعلى لمّا قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، فخلق آدم من طين وقال إني أعلم ما لا تعلمون، ثم نفخ فيه من روحه وأمرهم بالسجود فوقعوا جميعًا ساجدين، إلا إبليس علاه الكبر والغرور والعجب فاستكبر وكان من الكافرين. فسأله ربه ما منعك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين، فأخرجه وهو رجيم ملعون إلى يوم الدين، فسأل ربه أن ينظره فأنظره إلى يوم يبعثون، ثم حلفَ بعزته سبحانه ليغويثهم أجمعين، إذ علم أنه لا عزة له ولا سلطان على المخلصين، فقال سبحانه: أنا الحق والحق مني، وأقسم جل ثناؤه بالحق ليخزينهم في جهنم أجمعين، إبليس ومن تبعه من المسرفين، فيا محمد قل لقومك لا أريد على البلاغ مالًا ولا أتكلف القول والأمر بل هو ذكر للعالمين، ولتعلمن صدق ما أقول لكم ولو بعد حين. وتفصيل ذلك:
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ﴾. قال القاسمي: (أي رسول مخوِّف). وقال القرطبي: (أي مخوف عقاب الله لمن عصاه).
وقوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾. قال ابن جرير: (وما من معبود تصلح له
стр. 4002
العبادة وتنبغي له الربوبية إلا الله، إليه يدين كل شيء ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ العزيز في نقمته من أهل الكفر به، المدّعين معه إلهًا غيره، الغفار لذنوب من تاب منهم ومن غيرهم من كفره ومعاصيه، فأناب إلى الإيمان به، والطاعة له بالانتهاء إلى أمره ونهيه). وقال ابن كثير: (﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ الآية: أي قهر كل شيء وحده وغلبه، مالك جميع الكون متصرف فيه، غفار مع عظمته وعزته). والعزيز هو المنيع الذي لا مثل له، والغفار هو الستار لذنوب خلقه وعباده.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾. أي: قل يا محمد لهم إنّ ما أنذركم به أمر عظيم، كما قال جل ثناؤه: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣) كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾. وفيه تفاسير:
التفسير الأول: النبأ العظيم هو إرسال هذا النبي ﵊. قال الحافظ ابن كثير: (قل لهم هو خبر عظيم وهو إرسالي إليكم من قِبَله تعالى بالقرآن أنتم عنه معرضون: غافلون). وقال النسفي: (أي هذا الذي أنبأتكم به من كوني رسولًا منذرًا وأن الله واحد لا شريك له ﴿نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ لا يعرض عن مثله إلا غافل شديد الغفلة).
التفسير الثاني: النبأ العظيم هو القرآن. قال ابن جرير: (قل يا محمد لمكذبي قومك بالقرآن القائلين ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ قل لهم ﴿هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾). وذكر آثارًا بذلك عن التابعين. فعن مجاهد في قوله: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ قال: (القرآن).
وعن ابن سيرين عن شريح أن رجلًا قال له: (أتقضي عليّ بالنبأ)؟ فقال له شريح: (أوليس القرآن نبأ؟ قال: وتلا هذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ قال: وقضى عليه). وعن السدي قال: (القرآن، أنتم عنه منصرفون لا تعملون به، ولا تصدقون بما فيه من حجج الله وآياته). وعن قتادة قال: (يعني القرآن الذي أنبأكم به خبر جليل).
التفسير الثالث: النبأ العظيم هو الإنذار بالحساب والثواب والعقاب. قال القرطبي: (أي ما أنذركم به من الحساب والثواب والعقاب خبر عظيم القدر فلا ينبغي أن يُسْتَخَفَّ به). وقال القاسمي: (أي الذي أنذرتكم به من التوحيد ومن البعثة به ﴿نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾). وقيل عظيم المنفعة.
قلت: وهي اختلافات تنوع لا تضاد، شأن الراسخين في التفسير من علماء الصحابة والتابعين دومًا، فما اختلفوا في حلال وحرام، أو في سنة وبدعة، أو في إيمان وكفر، بل كانوا يُحَلِّقون دومًا حول المعنى، وغاية القول هنا، أنّ الله يأمر نبيّه
стр. 4003
صلوات الله وسلامه عليه لينذرهم شرّ التمادي والكبر والعناد، فما هم بمعجزين شأن أمثالهم ممن أهلكوا ودُمِّروا لما ركنوا إلى شهواتهم وتحاكموا لها، فهذا النبي والقرآن وما فيه من الوعد والوعيد والثواب والنكال والعقاب، حَرِيٌّ بالانتباه له والاستعداد لوعده ووعيده، وخشية الله العظيم من انتقامه وبطشه وغضبه، وترك العجب والكبر ممن يعجب برأيه وعقله ونفسه.
لقد روى الطبراني في الأوسط بسند حسن عن أنس عن النبي ﷺ قال: [ثلاثٌ مُنْجيات: خَشْيةُ الله تعالى في السرِّ والعلانية، والعدلُ في الرِّضا والغضب، والقصد في الفقر والغِنى. وثلاث مُهْلِكات: هوىً متبع، وشحٌّ مُطاع، وإعجاب المرء بنفسه] (١).
وقوله: ﴿أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾. أي غافلون. قال السدي: (أنتم عنه منصرفون لا تعملون به ولا تصدقون بما فيه من حجج الله وآياته). قال القاسمي: (﴿أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ لتمادي غفلتكم. فإن العاقل لا يعرض عن مثله. كيف وقد قامت عليه الحجج الواضحة. أما على التوحيد، فما مرّ من آثار قدرته وصنعه البديع. وأما على بعثته ﷺ به، فقوله: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ أي فإن إخباره عن محاورة الملائكة وما جرى بينهم، على ما ورد في الكتب المتقدمة، من غير سماع ومطالعة كتاب، لا يتصور إلا بالوحي). والملأ الأعلى هم الملائكة المقربون. قال ابن عباس: (هم الملائكة). وفي رواية عنه قال: (الملأ الأعلى: الملائكة حين شووروا في خلق آدم، فاختصموا فيه وقالوا: لا تجعل في الأرض خليفة). فهناك تفسيران:
التفسير الأول: الاختصام في خلق آدم. فعن السُّدي قال: (﴿بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ هو ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾). أي اعْتُبِر الحوار الذي في سورة البقرة بين الملائكة وربهم في شأن خلق آدم هو المقصود بهذا الاختصام وهو بمعنى الاختلاف فيما بين الملائكة أنفسهم في ذلك الشأن. قال ابن كثير: (يعني في شأن آدم ﵊ وامتناع إبليس من السجود له ومحاجته ربه في تفضيله عليه). أي فقل يا محمد لمشركي قومك: إن إخباري لكم عن شأن آدم وما حصل من قول الملائكة وإبليس آنذاك دليل على أن هذا القرآن وحي من الله أنزله عليّ إذ تعلمون
стр. 4004
أنه لا علم لي بذلك قبل نزول هذا القرآن. قال القاسمي: (يختصمون: استعارة تبعية لـ "يتقاولون").
التفسير الثاني: هو حمل الاختصام بين الملأ الأعلى على اختلافهم في الكفارات والدرجات، وهو أمر قد أهمّهم لما علموا مصير العصاة من بني آدم، فخوفًا منهم على مصيرهم أن يكون في النار اختلفوا فيما بينهم! كيف يتخلص المؤمنون مما اكتسبوا من آثام ومما استزلهم الشيطان في لحظات ضعف قلوبهم. وأصل ذلك ما أخرج الإمام أحمد في المسند، والترمذي في الجامع، بسند صحيح عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: [أتاني الليلةَ ربي ﵎ في أحسن صورة، فقال: يا محمدُ هل تدري فيم يختصِمُ الملأ الأعلى؟ قلتُ: لا، فوضع يدَهُ بين كتفيّ، حتى وجدتُ بردها بين ثَدْيَيَّ، فعلمت ما في السماوات وما في الأرض، فقال: يا محمدُ! هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلتُ: نعم، في الكفارات والدّرجات، والكفارات المكثُ في المساجد بعدَ الصلوات، والمشي على الأقدام إلى الجماعات، وإسباغ الوضوء في المكاره. قال: صدقت يا محمد! ومن فعل ذلك عاش بخير، وماتَ بخير، وكان من خطيئته كيوم ولدته أمهُ. وقال: يا محمدُ إذا صليت فقل: اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحبَّ المساكين، وأن تغفر لي وترحَمني، وتتوب عليَّ، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون. والدرجات: إفشاء السلام، وإطعام الطعام، والصلاة بالليل والناس نيام] (١).
وله لفظ آخر عند الإمام أحمد من طريق معاذ ﵁ قال: [احتبس علينا رسول الله ﷺ ذات غداة عن صلاة الصبح. حتى كدنا أن نتراءى قرن الشمس. فخرج ﷺ سريعًا. فثوّب بالصلاة. فصلى وتجوز في صلاته. فلما سلّم قال ﷺ : كما أنتم. ثم أقبل إلينا فقال: إني قمت من الليل فصليت ما قدّر لي. فنعست في صلاتي حتى استيقظت. فإذا أنا بربي في أحسن صورة. فقال: يا محمد! أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري، يا رب! أعادها ثلاثًا. فرأيته وضع كفه بين كتفيّ حتى وجدت برد أنامله بين صدري. فتجلى لي كل شيء وعرفت. فقال: يا محمد! فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: في الكفارات. قال: وما الكفارات؟ قلت: نقل الأقدام إلى الجماعات، والجلوس في المساجد بعد الصلوات، وإسباغ الوضوء
стр. 4005
عند الكريهات. قال: وما الدرجات؟ قلت: إطعام الطعام، ولين الكلام، والصلاة والناس نيام. قال: سل. قلت: اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات، وحب المساكين وأن تغفر لي وترحمني. وإذا أردت فتنة بقوم، فتوفني غير مفتون. وأسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقربني إلى حبك. وقال رسول الله ﷺ : إنها حق فادرسوها وتعلموها] (١).
قال ابن كثير: هذا حديث المنام المشهور. ومن جعله يقظة فقد غلط.
قلت: والسياق يدل على التفسير الأول وكذا الآيات التي بعدها فقد فُسِّر بها هذا الاختصام. وإليه ذهب ابن جرير حيث قال في الآية التي بعد ذلك، وهي قوله: ﴿إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ قال: (قل يا محمد لمشركي قريش: ما يوحي الله إليّ علم ما لا علم لي به، من نحو العلم بالملأ الأعلى واختصامهم في أمر آدم إذ أراد خَلْقَه، إلا لأني أنا نذير مبين).
وقد قرأها أكثر القراء بفتح الهمزة من (أَنّما) أي إن يوحى إليّ إلا الإنذار، فهي بالفتح بموضع رفع لأنها اسم ما لم يسمّ فاعله. قال الفراء: (كأنك قلت ما يوحى إليّ إلا الإنذار). ويجوز أن تكون في موضع نصب بمعنى (إلا لأنما) ذكره القرطبي عن النحاس. وهناك من قرأها بالكسر على الحكاية ﴿إِلَّا أَنَّمَا﴾ كأبي جعفر بن القعقاع، لأن الوحي قول، والتقدير: يقال لي إنما أنت نذير مبين. والقراءة الأولى أشهر والله أعلم.
ثم ذكر سبحانه قصة الاختصام بين الملائكة بقوله: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ﴾. فقوله ﴿إِذْ قَالَ﴾ من صلة قوله: ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ أو بدل منه. والتقدير: ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون حين قال ربك يا محمد للملائكة إني خالق بشرًا من طين، والمراد آدم ﵇. وهذه القصة قد ذكرها الله سبحانه في مواضع كثيرة من القرآن، فهي مبسوطة في سورة البقرة وفي أول الأعراف وفي سورة الحجر والإسراء والكهف وفي سورة (ص) ها هنا.
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾. قال الضحاك: (﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ قال: من قدرتي). وقيل: أي من الروح الذي أملكه ولا يملكه غيري. كما قال جل ثناؤه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا
стр. 4006
قَلِيلًا﴾. وفي سورة النساء: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾. فالمراد إذا عدلته ونفخت فيه الروح فأحييته بها وجعلته حساسًا متنفسًا.
كما في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [احتج آدم وموسى، فقال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك جنته، أخرجت الناس من الجنة بذنبك وأشقيتهم! قال آدم: يا موسى أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، وأنزل عليكَ التوراة، أتلومني على أمر كتبه الله عليّ قبلَ أن يخلقني؟ ! فحج آدم موسى] (١).
وقوله سبحانه: ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ هو من وقع يقع أي اسقطوا إلى الأرض ساجدين متواضعين تعظيمًا وتكريمًا. قال القرطبي: (وهذا سجود تحية لا سجود عبادة. قال: أي امتثلوا الأمر واسجدوا له خضوعًا له وتعظيمًا لله بتعظيمه). فسجد الملائكة كلهم، مَنْ في السماوات ومن في الأرض أجمعون، إلا إبليس ولم يكن منهم جِنْسًا، بل كان من الجن فخانه طبعه وجبلته أحوج ما كان يحتاج إليه، فأبى السجود وخاصم ربّه بدعوى العجب والكبر والغرور أنه خير منه، وأنّ النار تأكل الطين وتحرقه، ولجأ إلى الفلسفة والرأي ناسيًا متجاهلًا الأمر والوحي، فأخزاه الله وأرغم أنفه وطرده عن باب رحمته وحضرة قدسه، وأنزله مذمومًا مدحورًا إلى الأرض، فسأل ربه النظرة إلى يوم المعاد، فأنظره وهو الحليم سبحانه لا يعجل على من عصاه، وأمهله وسماه إبليس خزيًا له وعارًا. قال ابن كثير: (وسماه إبليس لأنه قد أبلس من الرحمة).
فلما اطمأن عدو الله وأمن من الهلاك إلى يوم البعث والحساب، تمرد وطغى وسعى في الأرض بالفساد والوسوسة ليحمل ابن آدم في لحظات ضعف إيمانه على الفاحشة وقول الزور والكذب وسوء الظن بالله وسفك الدم الحرام، وأكل السحت والمال الحرام، وغير ذلك من صغار الذنب وكباره.
ولهذا قال سبحانه: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾. قال ابن جرير: (وكان بتعظمه ذلك وتكبره على ربه، ومعصيته أمره ممن كفر في علم الله السابق، فجحد
стр. 4007
ربوبيته وأنكر ما عليه الإقرار له به من الإذعان له بالطاعة). ثم ذكر قول ابن عباس: (كان في علم الله من الكافرين).
وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾.
في معنى اليد أقوال:
الأول: قول مجاهد: (اليد هاهنا بمعنى التأكيد والصلة، مجازه لما خلقت أنا كقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ أي يبقى ربك).
الثاني: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ لما خلقت بغير واسطة. قال القاسمي: (أي بنفسي من غير توسط كأب وأم).
الثالث: المراد باليد القدرة، يقال مالي بهذا الأمر يد، ومالي بالحمل الثقيل يدان.
الرابع: الإضافة للخلق لنفسه إضافة تكريم. قال القرطبي: (أضاف خلقه إلى نفسه تكريمًا له، وإن كان خالق كل شيء. وهذا كما أضاف إلى نفسه الروح والبيت والناقة والمساجد، فخاطب الناس بما يعرفونه في تعاملهم، فإن الرئيس من المخلوقين لا يباشر شيئًا بيده إلا على سبيل الإعظام والتكرم، فذكر اليد هنا بمعنى هذا).
الخامس: المراد باليدين صفات ذات لله سبحانه كما يليق بجلاله وكماله. قيل في بعض التفاسير: التشبيه في اليد في خلق الله تعالى دليل على أنه ليس بمعنى النعمة والقوة والقدرة، وإنما هما صفتان من صفات ذاته تعالى.
قلت: لقد تكرم الجبار سبحانه أن خلق آدم بنفسه تكرمًا وتفضلًا، ليعلم ابن آدم مكانته عند الله فيعبده لا يشرك به شيئًا، وكان يسعه سبحانه أن يقول له كن فيكون، بل باشر الخلق جل ثناؤه بيديه الكريمتين، وفي الآية دليل عظيم على هاتين الصفتين لله العظيم، من صفات ذاته سبحانه.
وفي الأثر عن مجاهد عن ابن عمر قال: (خلق الله أربعة بيده: العرش، وعَدْن، والقلم، وآدم، ثم قال لكل شيء كن فكان).
وفي صحيح الإمام مسلم ومسند الإمام أحمد وسنن النسائي عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: [إن المُقسطين عندَ الله يومَ القيامة على منابرَ من نور عن يمين الرحمان، وكلتا يديه يمين: الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وَلُوا] (١).
стр. 4008
وفي المسند وسنن أبي داود وجامع الترمذي ومستدرك الحاكم عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: [إن الله تعالى خلق آدم من قبضةٍ قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدْر الأرض، جاء منهم الأحمرُ، والأبيض، والأسود، وبين ذلك، والسَّهْلُ، والحزْنُ، والخبيثُ، والطيب، وبين ذلك] (١).
وقوله: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: لم أفعل ذلك استكبارًا عليك، ولا لأني كنت من العالين، ولكني فعلته من أجل أني أشرف منه. قال: يقول وكنت خيرًا لأنك خلقتني من نار وخلقته من طين والنار تأكل الطين وتحرقه). قال سبحانه يصف كلام إبليس: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾. فامتنع من السجود فأخزاه الله بكبره وكلما سجد مؤمن سجود التلاوة عند سماع آيات ذلك من القرآن.
فقد أخرج الإمام أحمد في المسند والإمام مسلم في الصحيح وابن ماجة في السنن واللفظ لأحمد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجدَ، اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويلهُ أمِرَ ابنُ آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأُمِرْت بالسجود فعصيت فليَ النار] (٢).
وقوله تعالى: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾. رجيم: هو على وزن فعيل بمعنى مفعول. أي مرجوم مطرود عن الخير كله. قال قتادة: (والرجيم اللعين)، فأخرجه من الجنة وجعله مرجومًا وأتباعه بالكواكب والشهب فلا يستطيع معرفة الخبر من السماء بعد ذلك، وأَرْدَاه مُبْعدًا عن الرحمة والرأفة. وفي هذا الخبر هنا تسميع لقريش وكفارها ومشركيها وتقريع من الله لهم بأنهم إن استمروا على العناد وقابلوا الوحي بالرأي والفلسفة كقولهم: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾. وكقولهم: ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ فإن مصيرهم كمصير إبليس المبعد اللعين والمطرود عن الجنة والنعيم، باستكباره وحسده وعجبه وغروره، فليحذر كفار مكة أن يصيبهم ما أصاب شيطانهم فيكونوا من الخاسرين.
стр. 4009
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾. قال القرطبي: (تعريف بإصراره على الكفر، لأن اللعن منقطع حينئذ، ثم بدخوله النار يظهر تحقيق اللعن). قلت: فلقد علم الله وكتب في لوحه المحفوظ كتابة علم أن إبليس سيظل كافرًا كما علم وكتب أن أبا لهب سيخرج من الدنيا كافرًا متجبرًا، وكلاهما موعودون جهنم لهم فيها دار الخزي، فالله لم يجبرهم على الكبر وإنما اختاروه لأنفسهم.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾.
قال ابن جرير: (قال إبليس لربه: رب فإذا لعنتني وأخرجتني من جنتك فأخرني في الأجل ولا تهلكني إلى يوم تبعث خلقك من قبورهم. وبقوله: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ قال: فبعزتك: أي بقدرتك وسلطانك وقهرك ما دونك من خلقك، لأضلن بني آدم أجمعين إلا من أخلصته منهم لعبادتك وَعَصَمْتَهُ من إضلالي، فلم تجعل لي عليه سبيلًا، فإني لا أقدر على إضلاله وإغوائه).
وقال القاسمي: (﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ وهم الذين أخلصهم الله لنفسه من أهل العناية عن ثوب الكدورات النفسية وحجب الأنانية، وصفّى فطرتهم عن خلط ظلمة النشأة البشرية).
قلت: فحلف الخبيث بعزة الله مع أنه قد أرْداه الكبر وكان به من الكافرين، فكيف بكثير من المسلمين اليوم يحلفون بغير الله سبحانه، من ولد وبصر وشارب وحياة وغير ذلك من الفانيات وينسون أن يحلفوا بالله ذي الصفات الباقيات الدائمات.
فعن قتادة: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قال: عَلِمَ عدوّ الله أنه ليست له عزّة). فحلف بعزة الله أن يضل بني آدم بتزيين الشهوات وإدخال الشبه عليهم فقال ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾ أي لأستدعينهم إلى المعاصي وقد علم أخزاه الله أنه لا يصل إلا إلى الوسوسة والتحريش، ولا سلطان له إلا على فاسد الطبع مثله أو مَنْ به ضعف في إيمانه ويقينه.
فقد روى مسلم في صحيحه وأحمد في مسنده عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الشيطان قد أيسَ أن يَعْبُدَهُ المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم] (١). وفي غير مسلم بدون قوله (في جزيرة
стр. 4010
العرب). وله شاهد عند الحاكم بسند حسن عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ خطب الناس في حجة الوداع فقال: [إن الشيطان قد يَئِسَ أن يُعبَد بأرضكم، ولكن رضيَ أن يُطاعَ فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم، فاحذروا، إني قد تركتُ فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدًا، كتابَ الله وسنةَ نبيّه .. ] (١).
وفي المسند للإمام أحمد بسند صحيح عن سبرة بن أبي فاكِهٍ عن النبي ﷺ قال: [إن الشيطان قعدَ لابنِ آدم بأطرقهِ، فقعدَ له بطريق الإسلام فقال: تُسلِم وتذرُ دينَكَ ودينَ آبائك وآباء آبائك؟ ! فعصاه فأسلمَ، ثم قعد له بطريق الهجرة فقال: تهاجرُ وتدعُ أرضك وسماءكَ وإنما مثلُ المهاجر كمثل الفرسِ في الطِّول، فعصاه فهاجرَ، ثم قعد له بطريق الجِهاد فقال: تجاهِدُ فهوِ جهدُ النفس والمال، فتقاتل فتقتلُ فتنكحُ المرأة ويقسمُ المال؟ ! فعصاه فجاهد، فمَنْ فعل ذلك كان حقًّا على الله أن يدخِلَهُ الجنة، ومن قتل كان حقًّا على الله أن يدخله الجنة، وإن غرقَ كان حقًّا على الله أن يدخله الجنة، وإن وقصتهُ دابَّتهُ كان حقًّا على الله أن يدخلهُ الجنة] (٢). وقوله: "كمثل الفرس في الطول" -وهو الحبل الطويل يشد أحد طرفيه في وتد والطرف الآخر بيد الفرس ليدور فيه ويرعى ولا يذهب لوجهه- كناية عن غربة وضيق الهجرة.
فإذا ما استنفر المسلم في كل عمل لمعاكسة الشيطان، فقد حظي بذلك برضا الرحمان، وبعونه ليصل إلى غايته وهي دخول الجنان، ورؤية وجه الله ذي الجلال والإكرام، ومثال هذه المعاكسة، ما روى الإمام مسلم في صحيحه عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الشيطان يحضُرُ أحدَكُم عند كلِّ شيءٍ من شَأْنِهِ حتى يحضرَهُ عند طعامه، فإذا سقطت من أحدِكم اللقمةُ فَليُمِطْ ما كان بها من أذى، ثم ليأكلْها ولا يدعها للشيطان، فإذا فرغ فليلعق أصابعَه، فإنه لا يدري في أي طعامه تكون البركة] (٣).
فإذا ما فعل ذلك في كل شأنه كان من المخلصين، الذين خَلَّصَهم الله من الشيطان وأعانهم على نبذه والترفع عن ساقط حركاته ووسوسته.
стр. 4011
وقوله تعالى: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
قرأ قراء الكوفة بالضم ﴿فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾. كأن التقدير قول الله: (أنا الحق وأقول الحق)، أو بتأويل قوله: لأملأن. أي فالحق أن أملأ جهنم منك.
في حين قرأها قرّاء المدينة والبصرة بالنصب (فالحقَّ والحقَّ أقول) بمعنى (حقًّا لأملأن جهنم والحق أقول) أو بالنصب على الإغراء والتقدير: (الزموا الحق واتبعوا الحق). والثانية لا اختلاف في نصبها بمعنى (أقول الحق). وكلا القراءتين السابقتين مشهورة عند القراء. فعن مجاهد في قوله ﴿فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ قال: (يقول الله: أنا الحقُّ، والحقَّ أقول) وفي رواية (الحق مني، وأقول الحق). وقال السدي: (قسم أقسم الله به). فقوله: (والحق أقول) جملة اعتراضية بين القسم والمقسم عليه، وهو توكيد القسم. ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ أي من نفسك وذريتك وممن تبعك من بني آدم وسار على طريقك، كما قال جل ثناؤه في سورة الحجر: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، وكقوله في سورة الإسراء: ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾. أي قل لقومك يا محمد: لست أبتغي بدعوتي مالًا أو أجرًا أو ثناءً أو دنيا أشارككم بها وأنافسكم عليها، شأن أصحاب الدعوات الأرضية والمتنافسين على الأغراض الدنيوية، وحب الرياسات والقصور والأموال وزينة الحياة الدنيا، بل كل ما أرجو بعملي وجه الله وأن يكلله بالقبول. ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ فقد أديت وبلغت ونصحت لكم دون زيادة أو نقصان، بل نقلت لكم الوحي كما نزل وأنذرتكم به بلا مبالغة أو رجحان.
قال النسفي ﵀: (﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ من الذين يتصنعون ويتحلون بما ليسوا من أهله وما عرفتموني قط متصنعًا ولا مدعيًا بما ليس عندي حتى أنتحل النبوة وأتقوّل القرآن).
قلت: والتكلف مذموم في كل شيء، والله يحب التواضع والصدق، اللهم إلا فيما رخّصَ فيه في الإصلاح وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها. فقد أخرج البيهقي في شعب الإيمان، وكذا الديلمي بسند حسن عن سلمان، عن النبي ﷺ قال:
стр. 4012
[لا يتكلفن أحدُ لضيفه ما لا يقدر عليه] (١). وفي رواية الحاكم عن سلمان ﵁ قال: [نهى عن التكلف للضيف].
وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: [يا أيها الناس! من علم شيئًا فليقل به، ومن لم يعلم فليقل الله أعلم. فإن من العلم أن يقول الرجل لما لا يعلم: الله أعلم. فإن الله قال لنبيكم ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾] (٢). ورواه النسائي في كتاب العلم عن مسروق قال: [كنا عند عبد الله جلوسًا وهو مضطجع بيننا نراه، فأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن إن قاصًّا عند أبواب كندة يزعم أن آية الدخان تجيء فتأخذ بأنفاس الكفار ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزكام. فقال عبد الله وجلس وهو غضبان: يا أيها الناس! اتقوا الله، من علم منكم شيئًا فليقل بما يعلم، ومن لا يعلم فليقل: الله أعلم، فإنه أعلم لأحدكم أن يقول لما لا يعلم الله أعلم، فإن الله تعالى قال لنبيّه ﵇: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾].
وقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾. يعني القرآن، فهو إنذار وذكر للجن والإنس وعنه يسألون في قبورهم وفى محشرهم. كقوله جل ثناؤه في سورة الأنعام: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾، وكقوله في سورة هود: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾. أي: صدقه وحقيقته ونبوة محمد ﷺ وما أخبر به من الوحي وذكر الوعد والوعيد والنشور. فعن ابن زيد ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ﴾ قال: (صدق هذا الحديث نبأ ما كذّبوا به. وقيل: نبأه حقيقة أمر محمد ﷺ أنه نبي). وفي قوله: ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ أكثر من تأويل:
التأويل الأول: أي بعد الموت. فعن قتادة قوله: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾، قال: (أي بعد الموت).
стр. 4013
التأويل الثاني: أي عند الموت. فعن الحسن قال: (يا ابن آدم عند الموت يأتيك الخبر اليقين).
التأويل الثالث: أي بعد الموت وقبله. قال الفراء: (بعد الموت وقبله). وقال القرطبي: (أي لتظهر لكم حقيقة ما أقول ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ أي في المستأنف أي إذا أخذتكم سيوف المسلمين).
التأويل الرابع: أي يوم بدر. فعن السدي في قوله: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ قال: (يوم بدر).
التأويل الخامس: يوم القيامة. فعن ابن زيد قال: (يوم القيامة يعلمون نبأ ما كذّبوا به بعد حين من الدنيا وهو يوم القيامة وقرأ ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ قال: وهذا أيضًا الآخرة يستمرّ فيها الحق ويبطل الباطل). واختار هذا التأويل الحافظ ابن كثير.
قلت: ويبدو أن الآية عامة مطلقة، فلا حدّ للحين عند العرب، فمن المشركين من رأى صدق هذا الوحي وهذا النبي عند الموت، ومنهم من عاينه في الحياة الدنيا، ومنهم من أبصره يوم بدر فعلم ذلك لما لاقى الهلاك وسيوف الأصحاب الكرام، ومنهم من كلمهم رسول الله ﷺ في القليب بعدما جيّفوا فأسمعهم الله كلامِ نبيّه وهو يذكرهم ما كان يحذرهم منه، ومنهم من أبصره يوم فتح مكة، ومنهم من أُخِّر علمه بذلك إلى يوم القيامة يوم لا تنفع الندامة. واختار ابن جرير كون الآية مطلقة وذكر أثرًا عن عكرمة حيث يقول: (سُئلت عن رجل حلف أن لا يصنع كذا وكذا إلى حين. فقلت: إن من الحين حينًا لا يُدرك ومن الحين حينٌ يُدرك، فالحين الذي لا يدرك قوله: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾، والحين الذي يُدرك قوله: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ وذلك من حين تُصرم النخلة إلى حين تُطْلِع وذلك ستة أشهر).
ولا شك أن هذه الآية الكريمة من المعجزات القرآنية، ومن الغيبيات التي لا يملك أحد الاطلاع عليها إلا الله، فإذا كشفها سبحانه لنبيّه لينذر بها قومه، فهذا من أعظم الأدلة على نبوة محمد ﷺ .
قال القاسمي: (﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ أي عند ظهور الإسلام وانتشاره، ودخول الناس فيه أفواجًا أفواجًا، من صحة خبره، وإنه الحق والصدق. وهذا من أجلّ
стр. 4014
معجزات القرآن، لأنه من الغيوب التي ظهر مصداقها، إذ كان زمن الإخبار به زمن قلة من المؤمنين، وخوف من المشركين. فلم يمض ردح من الزمن حتى أبدل الله قلتهم كثرة، وضعفهم قوة، وخوفهم أمنًا، وكمونهم ظهورًا وانتشارًا. فصدق الله العظيم، وصدق نبيّه الكريم، وحقت كلمة الله على الكافرين، والحمد لله رب العالمين).
تم تفسير سورة "ص" بعون الله وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه
* * *
стр. 4015
دروس ونتائج وأحكام
١ - القرآن موصوف في القرآن الكريم، بأوصاف هي في منتهى الفخامة والتعظيم.
٢ - إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر.
٣ - "لا إله إلا الله" كلمة النجاة في الدارين، وفيها سر الشوكة للمسلمين والتمكين.
٤ - أصحاب الأيكة هم قوم شعيب ﷺ ، كانوا أصحاب شجر كثيف ملتف.
٥ - إنّ صاحب الصور قد التقمه وأصغى سمعه وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر بالنفخ.
٦ - أحب الصلاة إلى الله صلاة داود ﵇، وأحبُّ الصيام إلى الله صيام داود، والأواب هو الرجاع عن الذنوب.
٧ - علّمَ الله تعالى نبيّه داود ﵇ علم القضاء، ووهبه قوة الفهم والفصل بين المتخاصمين ليقيم العدل والحق في الأرض.
٨ - إذا تقاضى إليك رجلان فلا تقض للأول حتى تسمع كلامَ الآخر، فسوف تدري كيف تقضي.
٩ - خلق الله آدم، فضرب كتفه اليمنى، فأخرج ذرية بيضاء كأنهم اللَّبن، ثم ضرب كتفه اليسرى، فخرج ذرية سوداء كأنهم الحمم، قال: هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي.
١٠ - لا تزال طائفة من هذه الأمة ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة.
١١ - طموح سليمان ﵇ نموذج رائع لطموح المؤمن لنصر الدين الحق.
١٢ - لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويُعَلِّمها.
١٣ - إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، ومن يرد الله به خيرًا يصب منه.
стр. 4016
١٤ - فضل الله تعالى الأنبياء بالقوة والصبر والفقه في الدين والجلد على العبادة.
١٥ - المؤمنون كرجل واحد، إن اشتكى رأسُهُ، تداعى له سائر الجسد بالحمّى والسهر.
١٦ - من جعل الهموم هَمًّا واحدًا همَّ المعاد، كفاه الله سائرَ همومه. ومن تشعَّبت به الهمومُ من أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديتها هلك.
١٧ - يعطى المؤمن في الجنة قوة مئة في النساء.
١٨ - يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار، يُسقون من عصارة أهل النار، طينة الخبال.
١٩ - الدرجات: إفشاء السلام، وإطعام الطعام، والصلاة بالليل والناس نيام.
٢٠ - نهى عن التكلف للضيف، ونهى عن التكلف في الكلام، ومن فقه الرجل أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم.
* * *
стр. 4017
٣٩ - سورة الزمر
وهي سورة مكية كما قال الحسن وعكرمة وعطاء. وقال ابن عباس: (إلا آيتين نزلتا بالمدينة إحداهما ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ والأخرى ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية). وقيل: إلا سبع آيات، من قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ إلى آخر سبع آيات نزلت في وحشي وأصحابه. ذكره القرطبي وابن كثير رحمهما الله تعالى. واختار ابن كثير أن تلك الآيات نزلت بعد "سبأ" والله تعالى أعلم. وأما عدد آيات سورة الزمر فهو (٧٥).
ولسورة الزمر فضائل كثيرة، وفيها ذكر الخلق وسعة رحمة الله في مغفرة الذنوب، وفيها ذكر المعاد والنفخ في الصور والفزع وبدء الحساب وتقسيم الملائكة الأمم زمرًا، ودخول أهل الجنة الجنة واستقبال الملائكة لهم، ودخول أهل النار النار وتثريب الملائكة عليهم، ولهذا كان النبي ﷺ يقرؤها قبل أن ينام.
فقد أخرج الترمذي وأحمد والحاكم بسند صحيح عن عائشة ﵂ قالت: [كان رسول الله ﷺ لا ينام حتى يقرأ "بني إسرائيل" و"الزمر"] (١).
стр. 4018
موضوع السورة
أصناف وزمر الكافرين في الدارين
ومنازل وزمر المؤمنين في الدارين
- منهاج السورة -
١ - إثبات التنزيل لهذا القرآن من الله العزيز الحكيم، على رسول الهدى ﷺ ليعبد الله مخلصًا له الدين.
٢ - الدين الخالص لله تعالى، وهو إفراد الله تعالى بالعبادةِ والتعظيم، والمشركون في ضلال مبين.
٣ - تنزه الله تعالى عن الصاحبة والولد، وتفرّده سبحانه بالخلق والملك والتدبير والتسخير.
٤ - رجوع ثواب الشكر على الشاكرين، ومغبة الكفر والجحود على الجاحدين.
٥ - تجرّد الإنسان عند الضر وإخلاصه لله الدعاء والرجاء، ثم عودته إلى الكبر والغرور والشرك عند حدوث الرخاء.
٦ - لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، فالمؤمنون في سجود وقيام وهم من الآخرة يحذرون.
٧ - أمرُ الله عباده المؤمنين إخلاص التقوى له في عبادتهم، والهجرة إلى حيث يأمنون على دينهم.
٨ - الخاسرون هم الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، وهم في دركات العذاب خالدون.
٩ - المؤمنون هم الذين اجتنبوا عبادة الطاغوت وأنابوا إلى الله وكانوا على منهاج النبوة، وهم في الآخرةِ في روضات الجنات في الغرف المبنية.
١٠ - إنزالُ الله الماء من السماء، وتخزينهُ في الأرض، وإخراج الزرع به والثمر، ثم يباسه بعد خضرته، آيات تدل على البعث بعد الموت.
стр. 4019
١١ - انشراح صدر المؤمن للإسلام، وضيق صدر الكافر بالظلم والطغيان.
١٢ - القرآن أعظم الحديث والذكر، فمن شأنه أن تخبت له القلوب وتقشعر.
١٣ - الخزي والفضيحة والهوان عاقبة الكفر بالله وتكذيب الرسل.
١٤ - ضَرْبُ الله الأمثال للمشركين، وإثبات الهداية والإضلال بامر الله.
١٥ - اعتراف المشركين لله بالربوبية، وعدم إقرارهم له وحده بالألوهية.
١٦ - إثبات أمر الشفاعة لله وحده، والمشركون محرومون منها، فهم يستبشرون بذكر آلهتهم وينفرون عند ذكر الله وحده، وسيلقون الخزي يوم القيامة.
١٧ - سلوك الإنسان بينَ الشدة والرخاء، والله يبسط الرزق لمن يشاء.
١٨ - تودّد الرحمان إلى عباده ليتوبوا إليه، ويقبلوا عليه، ووعده لهم بالمغفرة والرحمة.
١٩ - تحذير الله تعالى عباده مشهد الخزي والندامة، ومغبة الكذب عليه ومآل المستكبرين يوم القيامة.
٢٠ - النجاة يوم الحشر للمؤمنين، والتحذير من سبيل المشركين، والأرض جميعًا قبضته - تعالى يوم القيامة - والسماوات مطويات بيمينه، فسبحانه وتعالى عما يشركون.
٢١ - النفخ في الصور: نفخة الفزع ونفخة الصعق ونفخة القيام لله رب العالمين.
٢٢ - وَضْعُ الكتاب، ومجيء النبيين والشهداء وبدء الحساب.
٢٣ - سَوْقُ الكافرين إلى جهنم في زمر، وتقريع خزنة النار لهم وهي تلفظ بالشرر.
٢٤ - سَوْقُ المؤمنين إلى الجنةِ في زُمر، وسلام الملائكة عليهم، وبث البشرى لهم بالخلود والأمان.
٢٥ - تسبيح الملائكة حول العرش، وقضي بينهم بالحق، وقيل الحمدُ لله رب العالمين.
* * *
في هذه الآيات:
هو الحق نزل عليكَ يا محمد، كتاب الله العزيز في كبريائه وجبروته وانتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبيره خلقه وشؤون عباده، وفي ما ارتضى لهم من هديه وشرعه وقدره، أنزلهُ إليكَ كتابًا عظيمًا خضعت له السماوات والأرض وأشفقت منه الجبال، يدعو إلى الحق والعدل الذي قام عليه هذا الكون وهو إفراد الله بالتعظيم والكبرياء فلا يستحق ذلكَ أحد سواه، فادع إلى ذلكَ يا محمد، فله سبحانه الدين الخالص وهو معنى الشهادةِ (لا إله إلا الله)، والذين آثروا الأوثان وتحكيم الشهوات والأهواء وتنحية الوحي والاستهزاء به سينالهم ما يعاقبون به، فلا الأوثان تقربهم إلى الله كما يزعمون، ولا الشهوات والشبهات تنجيهم من سوء المستقبل الذي ينتظرون، فإن الله يطبع على قلب كل متكبر جبار. فهو الله الأحد لم يلد ولم يولد، وكل شيء يعبده، لا شريكَ لهُ في ملكهِ وسلطانه، فلو أرادَ أن يتخذ ولدًا لاصطفى ما يشاء، ولكنهُ القَهَّار الواحد الصمد، لا يحتاج إلى غيرهِ وهو الغني وكل خلقه محتاجٌ إلى رحمتهِ، فقد خلق السماوات والأرض وحمل الليل على النهار يغشى هذا هذا ويغشى هذا هذا وسخر الشمس والقمر لعباده ليعلموا عدد السنين والحساب، وهما يجريان إلى يوم القيامة إلى حين تكوّر الشمسِ وتنكدر النجوم، ولكل منهما منازل في حركته ودورانه لا تعدوه ولا تقصر دونه، فمَنْ يفعل هذه الأفعال ويقسم هذه المقادير ويبسط هذه النعم إلا العزيز صاحب الجبروت والغفار الذي يغفر ويجيب الدعوات. الذي خلقكم من أبيكم آدم وخلق حواء من زوجها من ضلع من أضلاعه، وجعل لكم من الأنعامِ ثمانية أزواج من الإبل زوجين ومن البقر زوجين ومن الضأنِ زوجين ومن المعز زوجين، وهو الذي يقدركم في بطون أمهاتكم نطفة فعلقة فمضغة ثم يكون لحمًا وعظمًا وعصبًا وعروقًا ثم ينفخ فيه من روحه فيصير خلقًا آخر باذن الله أحسن الخالقين، وهذا كله يجري في ظلمة الرحم والمشيمة والبطن فهو المتصرف له الملك فأين تنصرف عقولكم عن تعظيمه وحده وكيف تنصرفون عن عبادته ولا مستحق للعبادة غيره. فإن تكفروا فلا تلوموا إلا أنفسكم فإن الإحسان لا يقابل بالإساءة، وإن تشكروا فهو يرضاه لكم كما ترضون أنتم مقابلة الإحسان بمثله، ثم تُرَدُّون إليه فلا ملجأ ولا منجى لكم مِنْه إلا اللجوء إليهِ فهو العليم بذات صدوركم وبما أسررتم وما أخفيتم. أوليس إذا مسّ أحدكم الضر وحاق به الخطر وأحدق به الخطب جأر إليه، فلماذا إذا شعر بالرخاء فكّرَ بالكبر والعجب وَتَرَكَ الشيطان يحرك لسانه بفاسد القول وما فيه شرك بالله وكفر، كلا فليتمتع بكفره أيامًا فإنها
стр. 4022
لا تقاس ولا تقارن بعذاب النار وأحقاب الجحيم. لكن الخاشع في جوف الليل الساجد والقائم الخائف من أهوال يوم القيامةِ ومفاجآتها، الراجي رحمة ربه عند الاحتضار وفي لحظات الخروج من هذه الدنيا ومفاتنها، ليس كمن أشركَ وتكبر وتبختر، ثم خرج ولسانهُ عند الاحتضار يتعثر، فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى، وإلى مفاجآت الموقف ومآسي جهنم سيُولّى، ولا يتذكر هذا إلا أصحاب العلم والعقل لا مَنْ بالشهواتِ وسكرها وانحطاطها يتدلى. فهاجِروا عباد الله إلى أرض الإسلام واتركوا ديار الكفر واصبروا على الجهاد في سبيل الله حتى تظفروا بإحدى الحسنيين النصر والتمكين أو الشهادة والأجر العظيم، فإنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب.
وتفصيل ذلك:
قوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾. هو مرفوع على أنه خبر المبتدأ المؤخر ﴿مِنَ اللَّهِ﴾. أو مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره هذا، (أي: هذا تنزيل). وجوّز الفراء النصب أي ﴿تَنْزِيلُ﴾ على أنه مفعول به أو على أنه منصوب على الإغراء كقوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ﴾، أي الزموا كتاب الله. والرفع أشهر عن القراء. والكتاب هو القرآن. قال القرطبي: (سمي بذلكَ لأنهُ مكتوب).
وقوله: ﴿مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾. قال ابن جرير: (الذي نزلناهُ عليك يا محمد من الله العزيز في انتقامهِ من أعدائه، الحكيم في تدبيره خلقه، لا من غيره، فلا تكونن في شك من ذلك). أي هذا القرآن من الله العزيز المنيع الجناب الحكيم في أقواله وأفعالهِ وشرعه وقدره، كما قال جل ثناؤهُ في سورة الشعراء: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾. أي أنزلناه بالحق وبالحق نزل، وبالصدق والجد فما فيهِ باطل ولا هزل، لتقيمَ به بين الناس العدل، وتحكم بهذا الوحي حياة البشر، فلا حياةَ ولا أمن ولا سعادة في الإعراض عنه، فأفْرِدِ الله بالعبادةِ والتوسل والطاعة، فلا أحد غيره يملك الضرّ والنفع فإليهِ التذلل والضراعة. فَعن قتادة: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ قال: (يعني القرآن). وعن السدي: (قوله: ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ قال: فالتوحيد، والدين منصوب بوقوع مخلصًا عليه). فقوله: ﴿مُخْلِصًا﴾ حال، أي موحدًا لا تشرك بهِ سبحانه. قال القاسمي: (أي عن شوب الشرك والرياء، بإمحاض التوحيد وتصفيةِ السر).
قال ابن العربي ﵀: (هذه الآية دليل على وجوب النية في كل عمل).
стр. 4023
وقوله: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾. قال قتادة: (شهادة أن لا إله إلا الله).
قلت: فالإخلاص شطر العمل الصالح المتقبل، والصواب وموافقته الحق والسنة شطره الثاني، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشِّرك، من عملَ عملًا أشركَ فيهِ معي غيري تركتُه وشِركَهُ] (١).
وعند الترمذي بسند حسن عن أنس عن النبي ﷺ قال: [قال اللهُ تعالى: يا ابنَ آدمَ! إنكَ ما دَعْوتَني ورجوتني غفرتُ لكَ على ما كانَ منكَ ولا أبالي، يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبكَ عَنانَ السماء ثم استغفرتني غفرتُ لكَ ولا أبالي، يا ابنَ آدمَ! لو أنكَ أتَيْتني بقُرابِ الأرضِ خطايا ثم لقيتني لا تُشْرك بي شيئًا لأتيتُكَ بقرابِها مغفرة] (٢).
ورواه الطبراني عن أبي الدرداء وسنده صحيح ولفظه: [قال الله تعالى: يا ابن آدم! مَهْما عَبَدْتَني ورَجَوْتَني ولمْ تُشرك بي شيئًا غفرتُ لكَ على ما كانَ مِنْكَ، وإن استقبلتني بملءِ السماءِ والأرضِ خطايا وذنوبًا استقبلتُكَ بملئهِنَّ منَ المغفرةِ، وأغفرُ لكَ ولا أُبالي] (٣).
وروى مسلم والنسائي عن أبي هريرة قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقِول: [إنَّ أولَ الناس يُقضى يومَ القيامةِ عليهِ رجلُ استُشهد، فأُتِيَ بهِ، فعرَّفه نِعَمَه، فَعَرَفها، قال: فما عمِلْتَ فيها؟ قال: قاتلتُ فيكَ حتى استُشْهِدتُ. قال: كَذَبْتَ، ولكنَّكَ قاتلت لأن يقال: فلانٌ جريءٌ، فقد قيل، ثم أُمِرَ بهِ فَسُحِبَ علىِ وِجهِهِ حتى أُلْقِيَ في النَّار. ورجلٌ تعلَّمَ العلمَ وعَلَّمَهُ، وقرأ القرآنَ، فَأُتِيَ بهِ، فَعَرَّفهُ نِعَمَهُ فعرفَها، قال: فما عَمِلْتَ فيها؟ قال: تعلمتُ العلم وعَلَّمْتُهُ، وقرأتُ فيكَ القرآن، قال: كَذَبْتَ، ولكنَّكَ تعلّمتَ ليقالَ: عالمٌ، وقرأت القرآنَ ليقالَ: هو قارئ، فقد قيل، ثم أُمِرَ بهِ فسُحبَ على وجهِهِ حتى أُلقيَ في النار. ورجلٌ وسّع الله عليه، وأعطاهُ من أصنافِ المال، فاُتِيَ بهِ، فعرّفهُ نِعَمَهُ فَعَرَفها، قال: فما عمِلْتَ فيها؟ قال: ما تركتُ من سبيلٍ تُحِبُّ أن يُنفَقَ فيها إلا أنْفَقْتُ فيها لكَ، قال: كذبتَ، ولكنَّكَ فعلتَ ليقالَ هو جواد، فقد قيلَ، ثم
стр. 4024
أُمِرَ بهِ فسُحب على وجهِهِ حتى أُلقي في النار] (١).
ورواه الترمذي وابن حبان بسند صحيح عن الوليد ابن أبي الوليد أبي عثمان المديني أنّ عُقبةَ بنَ مسلم حدّثهُ، أن شُفَيًّا الأصبَحيَّ حدثه: أنه دخل المدينة فإذا هو برجلٍ قد اجتمعَ عليهِ الناسُ، فقال: من هذا؟ قالوا: أبو هريرة، قال: فَدَنَوْتُ منه، حتى قعدتُ بين يديهِ، وهو يحدث الناس، فلما سكتَ وخلا، قلتُ له: أسألكَ بحقِّ وبحقِّ، لمّا حدثتني حديثًا سمعتهُ من رسول الله ﷺ وعَقِلْتَهُ وعَلِمْتَهُ، فقال: أبو هريرة: أفعلُ، لأحدثنّكَ حديثًا حَدَّثنيه رسول الله ﷺ وعَقِلْتُهُ وعَلِمْتَهُ، ثم نشغَ أبو هريرةَ نشغة (أي شهق حتى كاد يغشى عليهِ خوفًا وأسفًا)، فمكثنا قليلًا ثم أفاق، فقال: لأحدِّثنكَ حديثًا حدثنيهِ رسول الله ﷺ أنا وهو في هذا البيت، ما معنا أحدٌ غيري وغيره، ثم نَشَغَ أبو هريرة نشغةً أخرى، ثم أفاق ومسحَ عن وجههِ، فقال: أفعلُ، لأحدثنكَ حديثًا حدثنيه رسول الله ﷺ أنا وهو في هذا البيت، ما معنا أحدٌ غيري وغيره، ثم نشغ أبو هريرةَ نشغةً شديدة، ثم مالَ خارًّا على وجهِهِ، فأسندتُه طويلًا، ثم أفاق، فقال: حدثني رسول الله ﷺ : [إن الله ﵎ إذا كان يوم القيامةِ، ينزلُ إلى العبادِ ليقضي بينهم، وكلُّ أمة جاثية، فأول من يُدعى به رجل جمع القرآن، ورجلٌ قُتلَ في سبيل الله، ورجل كثير المال، فيقولُ الله للقارئ: ألم أُعَلِّمك ما أنزلتُ على رسولي؟ قال: بلى يا ربِّ، قال: فما عَمِلْتَ فيما عَلِمْتَ؟ قال: كنتُ أقومُ بهِ آناءَ الليل وآناء النهار، فيقول الله له: كذَبْتَ، وتقول له الملائكة: كَذَبْتَ، ويقول الله ﵎: بل أرَدْتَ أن يقال: فلانٌ قارئ، وقد قيل ذلك.
ويؤتى بصاحب المال، فيقول الله : ألم أُوْسِعْ عليكَ حتى لم أَدَعْكَ تحتاج إلى أحدٍ؟ قال: بلى يا ربِّ، قال: فما عملتَ فيما آتيتُكَ؟ قال: كنتُ أصلُ الرَّحِمَ وأتصدقُ. فيقولُ الله له: كَذَبْتَ، وتقول الملائكةُ: كذبْتَ، ويقول الله ﵎: بل أردتَ أن يقالَ: فلانٌ جَوادٌ، وقد قيل ذلك.
ويؤتى بالذي قُتِلَ في سبيل الله فيقول الله له: في ماذا قُتِلْتَ؟ فيقول: أي ربِّ! أمَرْتَ بالجهاد في سبيلك فقاتلتُ حتى قُتِلْتُ، فيقول الله له: كَذَبْتَ، وتقول الملائكةُ كَذَبْتَ، ويقول الله: بل أردتَ أن يقالَ: فلان جريء، فقد قيل ذلك. ثم ضرب
стр. 4025
رسول الله ﷺ على ركبتي فقال: يا أبا هريرة أولئكَ الثلاثةُ أولُ خلقِ الله تُسعر بهم النار يومَ القيامة] (١).
قال الوليدُ أبو عثمان المديني: (وأخبرني عُقبةُ أن شُفَيًّا هو الذي دخل على معاوية فأخبره بهذا، قال أبو عثمان: وحدثني العلاء بن أبي حكيم أنه كان سيّافًا لمعاوية قال: فدخل عليهِ رجل فأخبره بهذا عن أبي هريرة. فقال معاوية: قد فُعِلَ بهؤلاء هذا، فكيفَ بمن بَقِيَ مِن الناس؟ ثم بكى معاوية بكاءً شديدًا، حتى ظننا أنَّهُ هالكٌ، وقلنا: قد جاءنا هذا الرجل بشَرٍّ. ثم أفاق معاوية، ومسح عن وجههِ، وقال: صدق الله ورسوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾).
وبهذا المعنى روى ابن جرير في التفسير عن حفص عن شمر قال: (يؤتى بالرجل يوم القيامةِ للحساب وفي صحيفتهِ أمثال الجبال من الحسنات فيقول ربّ العزةِ جل وعز: صَلّيْتَ يوم كذا وكذا ليقال: صَلَّى فلانٌ، أنا الله لا إله إلا أنا، لي الدين الخالص. صُمْتَ يوم كذا وكذا ليقال صام فلان، أنا الله لا إله إلا أنا لي الدين الخالص. تصدقتَ يومَ كذا وكذا ليقال: تصدّق فلانٌ، أنا الله لا إله إلا أنا لي الدين الخالصُ، فما يزالُ يمحو شيئًا بعد شيء حتى تبقى صحيفتهُ ما فيها شيء فيقول ملكاه: يا فلان، ألغير الله كنتَ تعمل؟ ).
فنسأل الله الإخلاص في القولِ والعمل، ومتابعة الحق في كل أمر بلا ابتداع أو زلل، ونسأله سبحانه دخولَ الفردوس دون حساب ولا انتظار يوم الحشر أو ملل، إنه رحيم قريب بَرٌّ كريم.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾.
قال مجاهد: (قريش تقوله للأوثان، ومن قَبْلهم يقوله للملائكة ولعيسى بن مريم ولعزَير).
وقال قتادة: (قالوا ما نعبدُ هؤلاء إلا ليقربونا، إلا ليشفعوا لنا عند الله). وقال السدي: (هي منزلة). فأخبر سبحانهُ عن عبّاد الأوثان أنهم إنما يحملهم على عبادتهم هو أن هذه الأصنام اتخذوها على صور الملائكة المقربين كما زعموا فهم يرجون بذلكَ شفاعتهم عند الله لنصرهم ورزقهم في الدنيا وحمايتهم مما ينوبها، وأما الآخرة والبعث
стр. 4026
بعد الموت فقد كانوا منكرين جاحدين له. قال الحافظ ابن كثير: (وما كان الشفعاءُ والوسطاء في نظر المشركين إلا مخلوقين لله تعالى، مربوبين له، ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجّوا في جاهليتهم: لبّيكَ لا شريكَ لك، إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك). قلت: فهذه الشبهة قديمة اعتدّ بها المشركون أمام رسلهم، وهي واهية باطلة لأنهم قاسوا الله سبحانه وملائكته على ملوك الأرض وأمرائهم الذين يتوسطون ويشفعون لهم عند ملوكهم، فتعالى اللهُ عما يقولون علوًا كبيرًا، فقد قال سبحانه في سورة الشورى يصفُ نفسه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. وقال في سورة النحل: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾. وقال فيها أيضًا: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. فأمر سبحانه بإفرادهِ في العبادةِ فهو العظيمُ لا واسطة لديه إلا الإنابة إليهِ والعملُ الصالح، وهو الذي يحبه من ملوك الأرض ومن عباده جميعًا، وبه ينبغي أن يقرّب الحكام والخلفاء الناس أو يبعدوهم، قال جل ثناؤه في سورة النحل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. قال ابن القيم ﵀: (الطاغوت: كل ما تجاوز به العبد حدّه: من معبود أو متبوع أو مطاع، فطاغوت كل قومٍ: من يتحاكمون إليهِ غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله، فهذه طواغيت العالم، إذا تَأَمَّلْتها وتأمّلت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم أعرض عن عبادة الله تعالى إلى عبادة الطاغوت، وعن طاعة رسول الله ﷺ إلى طاعة الطاغوت ومتابعته).
وقد أخرج الإمام البخاري في تفسير سورة نوح عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ قال: [هي أسماء رجال صالحين من قوم نوح. فلما هلكوا أوحى الشيطانُ إلى قومهم: أن انْصِبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا، وسمّوها بأسمائهم، ففعلوا، ولم تُعبْدَ. حتى إذا هلكَ أُولئكَ ونُسِيَ العلم عُبِدَتْ] (١).
وقال ابن جرير بسنده عن محمد بن قيس: (أن يغوث ويعوق ونسرًا كانوا قومًا صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة، فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دبَّ إليهم
стр. 4027
إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يُسقون المطر، فعبدوهم).
قلت: فهذا أصل الشرك بدأ بصور، ثم انتهى بصرف العبادة لغير الله، ثم صار دينًا في قلوب كثير من الناس، احتجوا به على الرسل والأنبياء وعاندوهم، وإنما استزلهم الشيطانُ ببعض ما كسبوا. ولهذا قال سبحانه عنهم ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. قال قتادة: (كانوا إذا قيل لهم من ربكم وخالقكم؟ ومن خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء؟ قالوا الله، فيقال لهم ما معنى عبادتكم الأصنام؟ قالوا: ليقربونا إلى الله زلفى، ويشفعوا لنا عنده). قال الكلبي: (جواب هذا الكلام في الأحقاف: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً﴾ والزلفى القربة) ذكره القرطبي.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾. قال القاسمي: (أي عند حشر معبوداتهم معهم، فيقرن كلًّا منهم مع من يتولاه، من عابد ومعبود. ويدخل المبطل النار مع المبطلين، كما يدخل المحق الجنة مع المحقين، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ لا يوصله إلى النجاة ومقر الأبرار). أي فاللهُ يحكم بين أهل الأديان يوم القيامة فيجازي كلًّا بما يستحقُ، كما قال جل ثناؤه في سورة الأنعام: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾. وكما قال في سورة سبأ: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾. تنزيةٌ لهُ - جلّت عظمته - أن يكون له ولد، فهو الغني لا يحتاجُ إلى أحدٍ من خلقهِ، بل الكل مفتقر إلى هديهِ وتوفيقهِ ورحمته.
قال ابن جرير: (لو شاء الله اتخاذ ولدٍ، ولا ينبغي له ذلك، لاصطفى مما يخلق ما يشاء. يقول: لاختار من خلقهِ ما يشاء. ﴿سُبْحَانَهُ﴾ هو الذي يعبدهُ كل شيء ولو كانَ له ولد لم يكن له عبدًا فالأشياء كلها له ملك فَأَنَّى يكون لهُ ولدٌ وهو الواحد الذي لا شريكَ لهُ في ملكه وسلطانهِ والقهار لخلقهِ بقدرتهِ، فكل شيء لهُ متذلِّلٌ ومن سطوته خاشع). قلت: إن الاشتراك بين صانعين في إتقان صنعة، يوزعُ الثناء بينهما، فلو أنجزها أحدهما لأخذ الثناء كله، فكيف بالإنسان يحب ذلكَ لنفسهِ ويرضى شريكًا لخالقهِ، فيقسم الثناء والحمد، فتعالى الله عما تتصور عقول المشركين علوًا كبيرًا،
стр. 4028
فله المدحُ كله، وله الثناءُ كله، وله الحمدُ كله، وله الكمال كله، ولا أحد يشاركهُ سبحانهُ في صفات الكمال والجلال والجمال ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾.
وفي الصحيحين والمُسْنَدِ عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [لا أحدَ أغيرُ من الله، ولذلكَ حرّمَ الفواحشَ، ما ظهر منها وما بطن، ولا أحدَ أحبُّ إليهِ المدحُ من الله، ولذلكَ مَدَحَ نفسهُ، ولا أحدَ أحبُّ إليهِ العذرُ من الله، من أجلِ ذلك أنزل الكتاب، وأرسل الرسلَ] (١).
وفي صحيح الحاكم عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [قال الله تعالى: الكِبرياءُ رِدائي، فمن نازعني في ردائي قَصَمْته] (٢). وأصله في صحيح الإمام مسلم ولفظهُ: [قال الله تعالى: الكبرياءُ ردائي والعِزُّ إزاري، فمن نازعني في شيء منهُما عَذّبتُهُ] (٣). ولهُ شاهد في مسند الإمام أحمد ولفظه: [قال اللهُ تعالى: الكبرياءُ ردائي، والعظمةُ إزاري، فمن نَازَعني واحدًا منهما قذفتهُ في النار].
وقوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾. أي: فلهُ الخلق والأمرُ والتدبير سبحانهُ وهذا من صفات الربوبيةِ التي تقتضي وتستلزم من العباد إفرادهُ بالألوهيَّةِ كما قال جل ثناؤهُ: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨]. ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١) إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾.
وعن ابن عباس قوله: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ قال: (يحمل الليل على النهار). وقال قتادة: (يغشى هذا هذا ويغشى هذا هذا). وقال مجاهد: (يدهوره). وقال السدي: (يجيء بالنهار ويذهب بالليل، ويجيء بالليل ويذهب بالنهار). وقال الضحاك: (أي يلقي هذا على هذا، وهذا على هذا). وبناء على ما سبق ففي الآية أكثر من تأويل:
стр. 4029
التأويل الأول: قيل التكوير الطرح والإلقاء. ففي لغة العرب: التكوير طرح الشيء بعضه على بعض. قال الرازي: (وتكويرُ المتاع جمعهُ وشده. وتكوير العِمَامة كَوْرها). ويقال: كوّر المتاع أي ألقى بعضهُ على بعض، ومنه قول الضحاك في الآية: (يلقي هذا على هذا، وهذا على هذا).
التأويل الثاني: التكوير نقصان أحدهما وزيادة الآخر. قال ابن عباس: (ما نقص من الليل دخل في النهار، وما نقص من النهار دخل في الليل). ويشبه ذلكَ قولهُ في سورة آل عمران: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾
التأويل الثالث: التكوير: التغشية، أي يذهب أحدهما ضوء الآخر. قال قتادة: (يغشى هذا هذا، ويغشى هذا هذا). فتكوير الليل على النهار تغشيته إياه حتى يذهب ضوءه، ويغشى النهار على الليل فيذهبُ ظلمته. كما قال سبحانه: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾.
التأويل الرابع: التكوير مجيء أحدهما وذهاب الآخر. كما قال السدي: (يجيء بالنهار ويذهب بالليل، ويجيء بالليل ويذهب بالنهار).
قلت: وكلها تأويلات متقاربة تدل على رحمة الله بعباده إذ يدخل الليل في النهار ثم يدخل النهار في الليل وينقصُ من طول أحدهما ويزيدُ في الآخر على مدار السنة ليختبر عباده في تقربهم ومختلف أحوالهم، وليسكنوا في الليل إذا جاء وقد ذهب النهار وما فيهِ من مشقةٍ وعملٍ، ثم ليمتحنهم مرة أخرى بذهاب الليل ومجيء النهار.
وقوله: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. فيه معنيان:
المعنى الأول: الأجل المسمى المنازل الخاصة بكل منهما ووقت بلوغها.
قال الكلبي: (يسيران إلى أقصى منازلهما، ثم يرجعان إلى أدنى منازلهما لا يجاوزانه). أي لكل واحد منهما منازل، لا تعدوه ولا تقصر عنه، فيكونُ معنى الأجل المسمى: الوقت الذي ينتهي فيه سير الشمس والقمر إلى المنازل المرتبة لغروبها وطلوعها.
المعنى الثاني: الأجل المسمى يوم القيامة.
قال ابن جرير: (وسخر الشمس والقمر لعباده ليعلموا بذلكَ عدد السنين والحساب ويعرفوا الليل من النهار لمصلحة معاشهم. ﴿كُلٌّ﴾ ذلكَ يعني الشمس والقمر
стр. 4030
﴿يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ يعني إلى قيام الساعة وذلكَ إلى أن تكوّر الشمس وتنكدر النجوم). وقال القرطبي: (﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ أي بالطلوع والغروب لمنافع العباد: ﴿كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي في فلكه إلى أن تنصرم الدنيا وهو يوم القيامة حين تنفطر السماء وتنتثر الكواكب).
قلت: وكلا المعنيين تحمله الآية فالشمس والقمر يجريان في منازلهما إلى يوم يحدث الله تغييرًا في حركتهما ويأمرهما بخلافِ ما كان أذن لهما. ففي صحيح الإمام مسلم عن أبي ذر: قال: قال رسول الله ﷺ : [أتدرون أينَ تذهبُ هذه الشمس؟ إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرشِ، فتخرّ ساجدةً، فلا تزالُ كذلكَ حتى يقال لها: ارتفعي، ارجعي من حيث جئتِ، فترجعُ، فتصبحُ طالعةً من مطلعها، ثمَّ تجري، حتى تنتهيَ إلى مستقرِّها تحت العرش، فتخر ساجدة، فلا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي، ارجعي من حيث جئتِ، فترجعُ فتصبحُ، طالعةً من مطلعها، ثم تجري، لا يستنكر الناس منها شيئًا، حتى تنتهى إلى مستقرها ذاك تحتَ العرش، فيقال لها: ارتفعي، أصبحي طالعةً من مَغْربِكِ، فتصبح طالعةً من مغربها، أتدرون متى ذاكم؟ حين ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾] (١).
وفي صحيح الإمام البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: [الشمس والقمرُ يكوّرانِ يومَ القيامةِ]. وله شاهد عند البيهقي عنه ولفظه: [الشمس والقمر ثوران مكوَّرانِ في النار يوم القيامةِ. فقال الحسن: وما ذنبهما؟ فقال أحدثك (٢) عن رسول الله ﷺ ! فسكت الحسن] (٣).
وقوله: ﴿أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّار﴾. قال ابن جرير: (ألا إن الله الذي فعل هذه الأفعال وأنعم على خلقهِ هذه النعم هو العزيز في انتقامهِ ممن عاداه، الغفار لذنوب عبادهِ التائبين إليهِ منها بعفوهِ لهم عنها). أي فهو مع عزتهِ وكبريائهِ وجبروتهِ وقدرتهِ يتوب على من أنابَ إليهِ، وأقبل راجيًا مستغفرًا ما قدم بين يديه.
وقوله: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾. يعني خلقكم من آدم ثم أخرجكم من صلبه، وخلق حواء زوجة أبيكم آدم من ضِلعٍ من أضلاعِهِ ﵇. كما قال جل