← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.

стр. 4026

بعد الموت فقد كانوا منكرين جاحدين له. قال الحافظ ابن كثير: (وما كان الشفعاءُ والوسطاء في نظر المشركين إلا مخلوقين لله تعالى، مربوبين له، ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجّوا في جاهليتهم: لبّيكَ لا شريكَ لك، إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك). قلت: فهذه الشبهة قديمة اعتدّ بها المشركون أمام رسلهم، وهي واهية باطلة لأنهم قاسوا الله سبحانه وملائكته على ملوك الأرض وأمرائهم الذين يتوسطون ويشفعون لهم عند ملوكهم، فتعالى اللهُ عما يقولون علوًا كبيرًا، فقد قال سبحانه في سورة الشورى يصفُ نفسه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. وقال في سورة النحل: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾. وقال فيها أيضًا: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. فأمر سبحانه بإفرادهِ في العبادةِ فهو العظيمُ لا واسطة لديه إلا الإنابة إليهِ والعملُ الصالح، وهو الذي يحبه من ملوك الأرض ومن عباده جميعًا، وبه ينبغي أن يقرّب الحكام والخلفاء الناس أو يبعدوهم، قال جل ثناؤه في سورة النحل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. قال ابن القيم ﵀: (الطاغوت: كل ما تجاوز به العبد حدّه: من معبود أو متبوع أو مطاع، فطاغوت كل قومٍ: من يتحاكمون إليهِ غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله، فهذه طواغيت العالم، إذا تَأَمَّلْتها وتأمّلت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم أعرض عن عبادة الله تعالى إلى عبادة الطاغوت، وعن طاعة رسول الله ﷺ إلى طاعة الطاغوت ومتابعته). وقد أخرج الإمام البخاري في تفسير سورة نوح عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ قال: [هي أسماء رجال صالحين من قوم نوح. فلما هلكوا أوحى الشيطانُ إلى قومهم: أن انْصِبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا، وسمّوها بأسمائهم، ففعلوا، ولم تُعبْدَ. حتى إذا هلكَ أُولئكَ ونُسِيَ العلم عُبِدَتْ] (١). وقال ابن جرير بسنده عن محمد بن قيس: (أن يغوث ويعوق ونسرًا كانوا قومًا صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة، فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دبَّ إليهم

стр. 4027

إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يُسقون المطر، فعبدوهم). قلت: فهذا أصل الشرك بدأ بصور، ثم انتهى بصرف العبادة لغير الله، ثم صار دينًا في قلوب كثير من الناس، احتجوا به على الرسل والأنبياء وعاندوهم، وإنما استزلهم الشيطانُ ببعض ما كسبوا. ولهذا قال سبحانه عنهم ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. قال قتادة: (كانوا إذا قيل لهم من ربكم وخالقكم؟ ومن خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء؟ قالوا الله، فيقال لهم ما معنى عبادتكم الأصنام؟ قالوا: ليقربونا إلى الله زلفى، ويشفعوا لنا عنده). قال الكلبي: (جواب هذا الكلام في الأحقاف: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً﴾ والزلفى القربة) ذكره القرطبي. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾. قال القاسمي: (أي عند حشر معبوداتهم معهم، فيقرن كلًّا منهم مع من يتولاه، من عابد ومعبود. ويدخل المبطل النار مع المبطلين، كما يدخل المحق الجنة مع المحقين، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ لا يوصله إلى النجاة ومقر الأبرار). أي فاللهُ يحكم بين أهل الأديان يوم القيامة فيجازي كلًّا بما يستحقُ، كما قال جل ثناؤه في سورة الأنعام: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾. وكما قال في سورة سبأ: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾. تنزيةٌ لهُ - جلّت عظمته - أن يكون له ولد، فهو الغني لا يحتاجُ إلى أحدٍ من خلقهِ، بل الكل مفتقر إلى هديهِ وتوفيقهِ ورحمته. قال ابن جرير: (لو شاء الله اتخاذ ولدٍ، ولا ينبغي له ذلك، لاصطفى مما يخلق ما يشاء. يقول: لاختار من خلقهِ ما يشاء. ﴿سُبْحَانَهُ﴾ هو الذي يعبدهُ كل شيء ولو كانَ له ولد لم يكن له عبدًا فالأشياء كلها له ملك فَأَنَّى يكون لهُ ولدٌ وهو الواحد الذي لا شريكَ لهُ في ملكه وسلطانهِ والقهار لخلقهِ بقدرتهِ، فكل شيء لهُ متذلِّلٌ ومن سطوته خاشع). قلت: إن الاشتراك بين صانعين في إتقان صنعة، يوزعُ الثناء بينهما، فلو أنجزها أحدهما لأخذ الثناء كله، فكيف بالإنسان يحب ذلكَ لنفسهِ ويرضى شريكًا لخالقهِ، فيقسم الثناء والحمد، فتعالى الله عما تتصور عقول المشركين علوًا كبيرًا،

стр. 4028

فله المدحُ كله، وله الثناءُ كله، وله الحمدُ كله، وله الكمال كله، ولا أحد يشاركهُ سبحانهُ في صفات الكمال والجلال والجمال ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾. وفي الصحيحين والمُسْنَدِ عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [لا أحدَ أغيرُ من الله، ولذلكَ حرّمَ الفواحشَ، ما ظهر منها وما بطن، ولا أحدَ أحبُّ إليهِ المدحُ من الله، ولذلكَ مَدَحَ نفسهُ، ولا أحدَ أحبُّ إليهِ العذرُ من الله، من أجلِ ذلك أنزل الكتاب، وأرسل الرسلَ] (١). وفي صحيح الحاكم عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [قال الله تعالى: الكِبرياءُ رِدائي، فمن نازعني في ردائي قَصَمْته] (٢). وأصله في صحيح الإمام مسلم ولفظهُ: [قال الله تعالى: الكبرياءُ ردائي والعِزُّ إزاري، فمن نازعني في شيء منهُما عَذّبتُهُ] (٣). ولهُ شاهد في مسند الإمام أحمد ولفظه: [قال اللهُ تعالى: الكبرياءُ ردائي، والعظمةُ إزاري، فمن نَازَعني واحدًا منهما قذفتهُ في النار]. وقوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾. أي: فلهُ الخلق والأمرُ والتدبير سبحانهُ وهذا من صفات الربوبيةِ التي تقتضي وتستلزم من العباد إفرادهُ بالألوهيَّةِ كما قال جل ثناؤهُ: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨]. ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١) إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾. وعن ابن عباس قوله: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ قال: (يحمل الليل على النهار). وقال قتادة: (يغشى هذا هذا ويغشى هذا هذا). وقال مجاهد: (يدهوره). وقال السدي: (يجيء بالنهار ويذهب بالليل، ويجيء بالليل ويذهب بالنهار). وقال الضحاك: (أي يلقي هذا على هذا، وهذا على هذا). وبناء على ما سبق ففي الآية أكثر من تأويل:

стр. 4029

التأويل الأول: قيل التكوير الطرح والإلقاء. ففي لغة العرب: التكوير طرح الشيء بعضه على بعض. قال الرازي: (وتكويرُ المتاع جمعهُ وشده. وتكوير العِمَامة كَوْرها). ويقال: كوّر المتاع أي ألقى بعضهُ على بعض، ومنه قول الضحاك في الآية: (يلقي هذا على هذا، وهذا على هذا). التأويل الثاني: التكوير نقصان أحدهما وزيادة الآخر. قال ابن عباس: (ما نقص من الليل دخل في النهار، وما نقص من النهار دخل في الليل). ويشبه ذلكَ قولهُ في سورة آل عمران: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ التأويل الثالث: التكوير: التغشية، أي يذهب أحدهما ضوء الآخر. قال قتادة: (يغشى هذا هذا، ويغشى هذا هذا). فتكوير الليل على النهار تغشيته إياه حتى يذهب ضوءه، ويغشى النهار على الليل فيذهبُ ظلمته. كما قال سبحانه: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾. التأويل الرابع: التكوير مجيء أحدهما وذهاب الآخر. كما قال السدي: (يجيء بالنهار ويذهب بالليل، ويجيء بالليل ويذهب بالنهار). قلت: وكلها تأويلات متقاربة تدل على رحمة الله بعباده إذ يدخل الليل في النهار ثم يدخل النهار في الليل وينقصُ من طول أحدهما ويزيدُ في الآخر على مدار السنة ليختبر عباده في تقربهم ومختلف أحوالهم، وليسكنوا في الليل إذا جاء وقد ذهب النهار وما فيهِ من مشقةٍ وعملٍ، ثم ليمتحنهم مرة أخرى بذهاب الليل ومجيء النهار. وقوله: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. فيه معنيان: المعنى الأول: الأجل المسمى المنازل الخاصة بكل منهما ووقت بلوغها. قال الكلبي: (يسيران إلى أقصى منازلهما، ثم يرجعان إلى أدنى منازلهما لا يجاوزانه). أي لكل واحد منهما منازل، لا تعدوه ولا تقصر عنه، فيكونُ معنى الأجل المسمى: الوقت الذي ينتهي فيه سير الشمس والقمر إلى المنازل المرتبة لغروبها وطلوعها. المعنى الثاني: الأجل المسمى يوم القيامة. قال ابن جرير: (وسخر الشمس والقمر لعباده ليعلموا بذلكَ عدد السنين والحساب ويعرفوا الليل من النهار لمصلحة معاشهم. ﴿كُلٌّ﴾ ذلكَ يعني الشمس والقمر

стр. 4030

﴿يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ يعني إلى قيام الساعة وذلكَ إلى أن تكوّر الشمس وتنكدر النجوم). وقال القرطبي: (﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ أي بالطلوع والغروب لمنافع العباد: ﴿كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي في فلكه إلى أن تنصرم الدنيا وهو يوم القيامة حين تنفطر السماء وتنتثر الكواكب). قلت: وكلا المعنيين تحمله الآية فالشمس والقمر يجريان في منازلهما إلى يوم يحدث الله تغييرًا في حركتهما ويأمرهما بخلافِ ما كان أذن لهما. ففي صحيح الإمام مسلم عن أبي ذر: قال: قال رسول الله ﷺ : [أتدرون أينَ تذهبُ هذه الشمس؟ إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرشِ، فتخرّ ساجدةً، فلا تزالُ كذلكَ حتى يقال لها: ارتفعي، ارجعي من حيث جئتِ، فترجعُ، فتصبحُ طالعةً من مطلعها، ثمَّ تجري، حتى تنتهيَ إلى مستقرِّها تحت العرش، فتخر ساجدة، فلا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي، ارجعي من حيث جئتِ، فترجعُ فتصبحُ، طالعةً من مطلعها، ثم تجري، لا يستنكر الناس منها شيئًا، حتى تنتهى إلى مستقرها ذاك تحتَ العرش، فيقال لها: ارتفعي، أصبحي طالعةً من مَغْربِكِ، فتصبح طالعةً من مغربها، أتدرون متى ذاكم؟ حين ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾] (١). وفي صحيح الإمام البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: [الشمس والقمرُ يكوّرانِ يومَ القيامةِ]. وله شاهد عند البيهقي عنه ولفظه: [الشمس والقمر ثوران مكوَّرانِ في النار يوم القيامةِ. فقال الحسن: وما ذنبهما؟ فقال أحدثك (٢) عن رسول الله ﷺ ! فسكت الحسن] (٣). وقوله: ﴿أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّار﴾. قال ابن جرير: (ألا إن الله الذي فعل هذه الأفعال وأنعم على خلقهِ هذه النعم هو العزيز في انتقامهِ ممن عاداه، الغفار لذنوب عبادهِ التائبين إليهِ منها بعفوهِ لهم عنها). أي فهو مع عزتهِ وكبريائهِ وجبروتهِ وقدرتهِ يتوب على من أنابَ إليهِ، وأقبل راجيًا مستغفرًا ما قدم بين يديه. وقوله: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾. يعني خلقكم من آدم ثم أخرجكم من صلبه، وخلق حواء زوجة أبيكم آدم من ضِلعٍ من أضلاعِهِ ﵇. كما قال جل

стр. 4031

ثناؤه في سورة النساء: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾. وكقوله في سورة الأعراف: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾. وعن قتادة: (قوله: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ قال: يعني آدم، ثم خلق منها زوجها حواء، خلقها من ضِلع من أضلاعه). أي ليسكق إليها وليحصل التناسل فيخلق الله ما شاء من بني آدم. وهنا فائدة لطيفة: فقد يقال كيف خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وإنما خلق ولد آدم من آدم وزوجته، ولا شك أن الوالدين قبل الولد؟ والجواب على ذلكَ من وجوه: الوجه الأول: أن العرب تخبر عن فعلين لرجل وتورد الأول منهما في المعنى بعد "ثُمَّ" في خبر المتكلم بنحو قولك: (بلغني ما كان منكَ اليوم. ثم ما كان منك أمس أعجب). الوجه الثاني: أن يكون المعنى: خلقكم من نفس وحدها ثم جعل منها زوجها. ذكره والذي قبله الإمام الطبري. الوجه الثالث: أي خلقكم من آدم ﵇ فأودعكم في ظهره وصلبه ثم حصل خروجكم بالتناسل بعد أن خلق من ضلع من أبيكم أمّكم حواء. الوجه الرابع: أن يكون المراد بثّ الذرية أمام آدم يوم أخرجها الله أمامهُ من ظهره وكلمهم قبلًا ألمست بربكم وعهد عليهم ألا يشركوا به شيئًا. ثم خلق زوجته حواء. واختاره ابن جرير. قلت: لقد ساق ابن جرير أثرًا عن النبي ﷺ فيه زيادة: (وخلق بعد ذلكَ حواء من ضِلْعِ من أضلاعه) ما رأيتها في صحيح السنة، وأما الشق الأول فيؤيده من السنة الصحيحة أحاديث أخذ الميثاق. وبذلكَ يكون الوجه الثالث أقرب عندي إلى المعنى وهو من إلهامِ الله تعالى وتوفيقه، ويؤيده من الأدلةِ الصحيحة ما يلي: الدليل الأول: يروي ابن أبي عاصم في كتاب السنة بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: [لما نزلت آية الدَّيْن قال رسول الله ﷺ : إن أول من جحد آدم، إن الله تعالى لما

стр. 4032

خلقه مسح ظهره، فأخرجه منه ما هو من ذراريَّ إلى يوم القيامة، فعرضهم عليه] (١). ففيه إشارة لنثر ذريته من ظهره أمامه بعد خلقه قبل خلق حواء. الدليل الثاني: يروي الإمام أحمد في المسند بإسناد حسن عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: [أخذ الله الميثاق من ظهر آدم بنعمان يعني عرفة (وفي رواية: يوم عرفة) فأخرج من صُلْبِهِ كُلَّ ذرية ذرأها فنثرهم بين يديه كالذّرّ ثم كلمهم قِبَلًا قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾] (٢). الدليل الثالث: يروي ابن حبان في صحيحه والحاكم بإسناد حسن عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: [لما خلق الله آدم ونفخ فيه من روحه قال بيدهِ وهما مقبوضتان: خُذ أيهما شئتَ يا آدم. فقال: يمين ربي وكلتا يداهُ يمين مباركة، ثم بسطها، فإذا فيها آدم وذريته، وإذا كل إنسان منهم عنده عمر مكتوب] (٣). وقوله: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾. في قوله ﴿وَأَنْزَلَ﴾ أقوال عند المفسرين: القول الأول: ﴿أَنْزَلَ﴾ بمعنى أنشأ وجعل، فقد روي ذلكَ عن الحسن. القول الثاني: ﴿أَنْزَلَ﴾ بمعنى خلق، قاله سعيد بن جبير. القول الثالث: أن يكون خلقها سبحانه في الجنة مع آدم ﵇ ثم أنزلها معهُ إلى الأرض، كما قيل في قوله جل ثناؤه: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ فإن آدم لما هبط إلى الأرض أنزل معه الحديد. ذكره القرطبي والنسفي. القول الرابع: أن الأنعام لا تعيشُ إلا بالنبات، والنباتُ لا يقوم إلا بِالماء، وقد أنزل الماء فكأنه أنزلها. واختاره القرطبي ﵀ حيث قال: (أخبر عن الأزواج

стр. 4033

بالنزول، لأنها تكونت بالنبات والنبات بالماء المنزل. وهذا يسمى التدريج، ومثله قوله تعالى: ﴿قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا﴾ الآية). القول الخامس: قيل: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ﴾ أي أعطاكم. القول السادس: قيل: جعل الخلق إنزالًا، لأن الخلق إنما يكون بأمر ينزل من السماء. فالمعنى: خلق لكم كذا بأمره النازل. قلت: وكلها لطائف من التفسير يضمها البيان الإلهي الكريم وإعجاز القرآن العظيم فتبارك من تكلمَ به أحسن الخالقين. وأما الأزواج فالمقصودُ بها الأنعام الثمانية: من الإبل زوجين ومن البقر زوجين ومن الضأن زوجين ومن المعز زوجين، كما قال جل ثناؤه في سورة الأنعام: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾. قال مجاهد: (قوله: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ الإبل والبقر والضأن والمعز). وقال الضحاك: (يعني من المعز اثنين ومن الضأنِ اثنين، ومن البقرِ اثنين ومن الإبل اثنين). وقال قتادة: (من الإبل اثنين ومن البقر اثنين ومن الضأن اثنين ومن المعز اثنين كل واحد زوج). وقوله: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾. أي: نطفة فعلقة فمضغة على مراحل ثلاث ثم يكونُ لحمًا وعظمًا وعصبًا وعروقًا، ثم ينفخ فيه الروح فيصير خلقًا متكاملًا بإذن الله أحسن الخالقين. كما قال سبحانهُ في سورة المؤمنون: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾. وكما قال في سورة الحج: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾. فالقول الأول: هو ما سبق وقد روي عن عكرمة ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ قال: (نطفة ثم علقة ثم مضغة). وبنحوه قال قتادة: (نطفة ثم علقة ثم مضغة

стр. 4034

ثم عظامًا ثم لحمًا ثم أنبت الشعر، أطوار الخلق). والقول الثاني: أي هو الخلق في بطون الأمهات بعد أن كان الخلق الأول في ظهر آدم. فعن ابن زيد قال: (خلقًا في البطون من بعد الخلق الأول الذي خلقهم في ظهر آدم). والقول الثالث: قيل في ظهر الأب ثمَّ خلقًا في بطن الأم ثم خلقًا بعد الوضع. أورده القرطبي عن الماوردي. قلت: والراجح عندي القول الأول وهو قول ابن جرير وابن كثير ويدل عليه سياق الآية حيث يقول سبحانه ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ فهو يعني المراحل في الخلق والبناء داخل الأرحام ﴿خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾، ويؤيده من السنة الصحيحة إضافة لما سبق من الآيات الكريمة أحاديث: الحديث الأول: أخرج الشيخان عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: [إن أحدكم يُجْمعُ خلقُهُ في بطن أمهِ أربعينِ يومًا نطفة، ثمَّ يكون علقةً مثل ذلك، ثمَّ يكونُ مُضْغَةً مثلَ ذلك، ثمَّ يبعثُ اللَّهُ إليهِ مَلَكًا، ويؤمرُ بأربع كلماتٍ، ويقال لهُ: اكتب عملهُ، ورزقهُ، وأجلهُ، وشقي أو سعيد، ثم يَنْفُخُ فيه الروح، فإن الرجل منكم ليعملُ بعمل أهل الجنةِ، حتى لا يكونَ بينه وبينَها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلُ النار. وإن الرجل ليعمل بعملِ أهلِ النار، حتى ما يكون بينهُ وبينها إلا ذراع، فيسبق عليهِ الكتابُ، فيعملُ بعملِ أهلِ الجنةِ فيدخلُ الجنة] (١). الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن حذيفة بن أُسَيْد قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إذا مرَّ بالنطفةِ اثنتان وأربعون ليلةً، بعث اللَّه إليها مَلكًا فصوّرها، وخلق سمعها وبصرَها، وجِلدَها ولحمها وعظامَها، ثم قال: يا ربَّ أذكرٌ أَمْ أُنثى؟ فيقضي ربك ما شاءَ، ويكتُبُ الملك، ثم يقول: يا رب أَجلهُ، فيقول ربكَ ما شاءَ، ويكتبُ الملك، ثمَّ يقول: يا رب رزقُهُ، فيقضي ربُّكَ ما شاء، ويكتب الملك، ثم يخرجُ الملكُ بالصحيفةِ في يدهِ، فلا يزيد على أمر ولا ينقصُ] (٢).

стр. 4035

قلت: ولا تعارض بين هذا الحديث والذي قبله، فالذي قبله يفسره بأن اللَّه إنما يبعث الملك فيهيِّئ هذا الخلق إلى حين يأتي الأمر بنفخ الروح وكتابة الرزق والعمل والأجل وهو بعد أن تمر النطفة بالأطوار الثلاثة: أربعين يومًا نطفة، وأربعين يومًا علقة، وأربعين يومًا مضغة، أي بعد أربعة أشهر، واللَّه تعالى أعلم. الحديث الثالث: يروي ابن أبي عاصم في كتاب السنة عن أبي الطفيل قال: كان عبد اللَّه بن مسعود يحدث في المسجد: أن الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من وعظ بغيره. قال: فأتيتُ حذيفة بن أُسَيْدٍ الغفاري فقلت: ألا تعجب من عبد اللَّه بن مسعود يحدث في المسجد: إن الشقي من شقي في بطن أمهِ والسعيد من وعظ بغيره! قال: فما بالُ هذا الطفيل الصغير. قال: لا تعجب. سمعتُ رسول اللَّه ﷺ مرارًا ذات عدد يقول: [إن النطفةَ إذا وقعت في الرحم أربعين ليلةً، وقال أصحابي: خمسة وأربعين ليلة، نفخ فيه الروح، قال: فيجيء ملك الرحم فيدخل فيصور له عظمه ولحمه، ودمه وشعره، وبشره وسمعهُ وبصره ثم يقول: أي رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي اللَّه إليه فيه، ويكتب الملك، فيقول: أي رب أشقي أم سعيد؟ فيقضي اللَّه إليه ما يشاء، ويكتب الملك، ثم يقول أي رب أثره؟ فيقضي اللَّه تعالى، ويكتب الملك، فيقول: أي رب أجله؟ فيقضي اللَّه ما يشاء، ويكتب الملك، ثم تُطوى تلك الصحيفة فلا تُمسُّ إلى يوم القيامةِ]. وإسنادهُ صحيح على شرط الشيخين (١). وقوله: ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ فيه أكثر من تأويل: التأويل الأول: يعني ظلمة الرحم والمشيمة والبطن. فعن عكرمة (﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ قال: البطن والمشيمة والرحم). أي ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة، كما قال السدي: (ظلمة المشيمة وظلمة الرحم وظلمة البطن). وقال الضحاك: (الرحم والمشيمة والبطن، والمشيمة التي تكون على الولد إذا خرج، وهي من الدواب السَّلى). التأويل الثاني: يعني ظلمةُ المشيمة والرحم والليل. فعن سعيد بن جبير قال: (ظلمة المشيمة وظلمة الرحم وظلمة الليل). التأويل الثالث: قيل: ظُلمة صُلبِ الرجل وظلمة بطن المرأة وظلمة الرحم. قال

стр. 4036

القرطبي: (وهذا مذهب أبي عبيدة. أي لا تمنعهُ الظلمةُ كما تمنع المخلوقين). قلت: والتأويل الأول هو الأشهر بين المفسرين واختارهُ ابن جرير وابن كثير رحمهما اللَّه تعالى. وقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾. أي: هذا الذي فعل هذه الأفعال وخلق هذه المراحل من الخلق هو ربكم أيها الناس الذي يملكُ الخير والشر فمالكم تصرفون إلى من لا يجلب لنفسهِ ولا لكم نفعًا ولا يدفعُ عنها ضرًا. قال ابن جرير: (فأما ملوك الدنيا فإنما يملكُ أحدهم شيئًا دونَ شيء، فإنما له خاص من الملك، وأما الملك التام الذي هو الملك بالإطلاق فلله الواحد القهار، فأنى تصرفون أيها الناس فتذهبون عن عبادة ربكم الذي هذه الصفة صفتهُ إلى عبادة من لا ضر عنده ولا نفع). وبهذا المعنى جاءت الآثار عن التابعين، فعَنْ قتادة: (﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ قال: كقوله: ﴿تُؤْفَكُونَ﴾). وعن السدي: (﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ قال للمشركين: أين تصرف عقولكم عن هذا؟ ). وقوله: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾. أي: إن تكفروا باللَّه أيها الكفار به فاعلموا أن اللَّه غني عنكم وعن إيمانكم ولا تزيد عبادتكم في ملكهِ وجبروته، فقد خضعت له السماوات والأرض وما بينهما، وأشفقت من أمره الجبال والبحار والشجر والدواب وكثير من الناس، فمن طغى منهم فسيهينه وماله من مكرم، ولكنه سبحانهُ يحب الإيمان والمؤمنين، ويحب الطاعةَ والإخبات والمخبتين، ويحب الشكر والشاكرين، وهيأ لهم ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر، والكل محتاجٌ إلى رحمته ورضوانهِ وجنتهِ. والآية تشبه قوله تعالى في سورة إبراهيم: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾. فعن السدّي: (﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ قال: إن تطيعوا يرضه لكم). قال القرطبي: (وقيل لا يرضى الكفر وإن أرادهُ، فاللَّه تعالى يريدُ الكفر من الكافر وبإرادته كفر لا يرضاه ولا يحبه فهو يريد كون ما لا يرضاه، وقد أراد اللَّه خلق إبليس وهو لا يرضاه، فالإرادةُ غير الرضا. وهذا مذهب أهل السنة). قلت: وهذا تفسير صائب، فإن اللَّه يريد ويشاء ما لا يحب ويحب ما لا يشاء، فهو خلق إبليس وشاء ذلكَ مع أنه لا يحبهُ، وكذلكَ يحب الإيمان للطغاة والمستكبرين ولكنه

стр. 4037

لم يجبرهم عليه، وهو ردّ على القدرية والجبرية فإن اللَّه علم ذلكَ وكتبه في اللوح المحفوظ كتابة علم لا جبر فيها ولا قهر، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾، وكقوله سبحانه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾. وفي سنن البيهقي بسند حسن عن عبد اللَّه بن عمر عن النبي ﷺ قال: [إن اللَّه لو شاءَ أنْ لا يُعصى ما خلق إبليس] (١). وأصل هذا المعنى في الصحيحين واللفظ للإمام مسلم عن علي ﵁ قال: [خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ في جنازةٍ فلما انتهينا إلى بقيعِ الغَرْقَدِ قعدَ رسول اللَّه ﷺ وقعدنا حوله فأخذ عودًا فنكت به في الأرض ثم رفع رأسهُ فقال: ما منكم من نفسٍ منفوسةٍ إلا قد علم اللَّهُ مكانها من الجنةِ والنار، شقيةً أم سعيدة. فقال رجل من القوم: يا رسول اللَّه أفلا ندع العمل، فنتكل على كتابنا، فمن كان من أهل السعادة صار إلى السعادة، ومن كان من أهل الشقاوةِ -يعني- صار إلى الشقاوة؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : اعملوا فكل ميسر، من كان من أهل السعادة يُسر لعملها، ومن كان من أهل الشقاوةِ يُسر لعملها] (٢). وله شاهد عند ابن أبي عاصم في "كتاب السنة" رجاله ثقات رجال الشيخين عن أبي هريرة: [أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: يا رسول اللَّه: أنعمل في أمر نَأْتَنِفُهُ: أم في أمر قد فرغ منه؟ قال: بل في أمرٍ قد فرغ منه. فقال: ففيم العمل؟ فقال: يا عمر. كلا، لا يدرك إلا بعمل. قال: فالآن نجتهد يا رسول اللَّه] (٣). وفي رواية: عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب أنه قال: [قلت يا رسول اللَّه: أرأيت عملنا هذا على أمر قد فرغ منه أم على أمر نستقبله؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : بل على أمرٍ قد فرغ منه. قال عمر: ففيمَ العمل؟ فقال رسول اللَّه: كلا، لا يُنالُ إلا بعمل. فقال عمر: إذن نجتهد]- ورجاله ثقاتٌ. وكذلكَ أخرجَ ابن أبي عاصم في "السنة"، والآجري، والبيهقي في "الأسماء

стр. 4038

والصفات" عن هشام بن حكيم: [أن رجلًا أتى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه: أنبتدئ الأعمال أم قد قضي القضاء؟ فقال: إن اللَّه تعالى أخذ ذرية آدم من ظهورهم، وأشهدهم على أنفسهم، ثم أفاض بهم في كفيهِ. فقال: هؤلاء في الجنة، وهؤلاء في النار، فأهلُ الجنةِ ميسرون لعملِ أهل الجنة، وأهلُ النار ميسرون لعملِ أهلِ النار] (١). وقوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. قال السّدي: (لا يؤخذ أحد بذنب أحد). وقال القاسمي: (أي لا تحمل حاملة حمل أخرى، أي ما عليها من الذنوب، أو لا تؤخذ نفسٌ بذنبِ أخرى، بل كلٌّ مأخوذ بذنبه). قلت: والآيةُ هذه كقوله سبحانهُ في سورة فاطر: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾. وفي صحيح الإمام مسلم وسنن النسائي عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قام حين أنزل عليهِ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ فقال: [يا بني كعب بن لُؤيّ! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مُرَّةَ بن كعب! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب! أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمةُ! أنقذي نفسكِ من النار، فإني لا أملكُ لكم من اللَّه شيئًا، غير أنَّ لكم رحمًا سأبُلها ببلالها] (٢). وقوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور﴾. قال ابن جرير: (ثم بعد اجتراحكم في الدنيا ما اجترحتم من صالح وسَيِّئٍ وإيمان وكفر أيها الناس، إلى ربكم مصيركم من بعد وفاتكم. . . قال: فاتقوا أن تلقوا ربكم وقد عملتم في الدنيا بما لا يرضاه منكم فتهلكوا، فإنه لا يخفى عليه عمل عامل منكم). قلت وهذه الآية كقوله سبحانه في آخر آية نزلت من القرآن: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. وفي الصحيحين عن ابن عباس أن النبي ﷺ صعد الصفا فقال: [يا بني فِهْر! يا بني عديّ! يا بني عبد مناف! يا بني عبد المطلب! أرأيتكم لو أخبرتُكمْ أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم

стр. 4039

مُصدقِيَّ؟ قالوا: ما جربنا عليكَ إلا صدقًا، قال: فإني نذيرٌ لكم بين يدي عذابٍ شديد] (١). وفي صحيح مسلم عن قبيصة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [يا بني عبد مناف يا بني عبد مناف! إني نذير، إنما مثلي ومَثَلُكُم، كمثل رجل رأى العدوَّ، فانطلق يريد أهله، فخشي أن يسبقوه إلى أهلهِ، فجعل يهتفُ: يا صباحاه، يا صباحاه! أُتيتُمْ أُتيتمْ] (٢). وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾. هذه الآية تشبه الآية التي في سورة الإسراء: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾. والآية التي في سورة الروم: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾. والآية التي بعدها في سورة الروم: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾. وكذلكَ فهي مفسّرة في سورة لقمان بقوله: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾، وبقوله في سورة العلق: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾. ويبدو أن هذه الصفة طبع جاذب في الإنسان ونقطة ضعف في تركيبه يستفيدُ منها الشيطان فيؤزّها وينفخُ فيها لتصير كبرًا وغرورًا حالة الاستغناء أو الشعور بالقوة. وإنما المؤمنون قومٌ مخبتون لا يُفسد المال عليهم قلوبهم ودينهم، كما لا تفسد الصحة والقوة والجمال عليهم صلتهم باللَّه، فهو سبحانهُ يختبرهم بالفقر والغنى، والضعف والقوة، والمرض والعافية، وهم في كل هذه الأحوال حامدون شاكرون، وفي كل هذه المتقلّبات تائبون عابدون. وإليكَ أقوال أهل العلم في تفسير هذه الآية: فعن قتادة: (قوله: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ﴾ قال: الوجع والبلاء والشدة ﴿دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾ قال: مستغيثًا به). وعن السُّدي: (﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ﴾ إذا أصابتهُ عافية أو خير ﴿نَسِيَ﴾ يقول: ترك، هذا في الكافر خاصة، ﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ قال: الأندادُ

стр. 4040

من الرجال: يطيعونهم في معاصي اللَّه). وقيل بل المقصود الأوثان كما قال ابن جرير: (عنى بهِ أنه أطاع الشيطان في عبادة الأوثان فجعل له الأوثان أندادًا، لأن ذلكَ في سياق عتاب اللَّه إياهم له على عبادتها. ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ قال: يقول: ليزيل من أراد أن يوحد اللَّه ويؤمن به عن توحيده، والإقرار بهِ والدخول في الإسلام. قل يا محمد لفاعل ذلكَ: تمتع بكفركَ باللَّهِ قليلًا إلى أن تستوفي أجلك فتأتيك مَنِتَّتك ﴿إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ أي إنك من أهل النار الماكثين فيها). قلت: فالأهواء وتحكيم الشهوات والخضوع لها، أو تقديم الرؤساء وتعظيمهم فوق أوامر اللَّه، أو اتّخاذ الأوثان على صور الملائكة والصالحين، كل ذلكَ أنداد من دون اللَّه تضل عن سبيل اللَّه. وإنما يتذكر المؤمن ربّهُ حالة الرخاء كما يتذكره حالة الشدة ويعظمهُ ويحمده حالة العافية والصحة كما يفعل ذلكَ حالة العجز والمرض، فهو من خير إلى خير إلى أن يفارق الدنيا. ففي المسند في زوائد عبد اللَّه بن الإمام أحمد عن أنس ﵁، عن النبي ﷺ قال: [عَجِبْتُ للمؤمن إنّ اللَّه تعالى لم يقضِ لهُ قضاء إلا كان خيرًا له] (١). وكذلكَ أخرج الطيالسي والبيهقي بسند صحيح عن سعد، عن النبي ﷺ قال: [عجبتُ للمسلم إذا أصابتهُ مصيبةٌ احتسبَ وصبر، وإذا أصابهُ خيرٌ حمد اللَّهَ وشكر، إن المسلم يؤجر في كل شيء حتى في اللقمةِ يرفعها إلى فيهِ] (٢). وأما قوله: ﴿خَوَّلَهُ﴾ أي أعطاه وملكهُ، وقوله: ﴿مَا كَانَ﴾ فإن لـ ﴿مَا﴾ وجهين في اللغة أو ثلاثة: الوجه الأول: أن تكون ﴿مَا﴾ بمعنى الذي، أي ترك الذي كان يدعوهُ في حالة الضرّ والمصيبةِ وهو اللَّه سبحانه. الوجه الثاني: أن تكون ﴿مَا﴾ بمعنى (مَنْ)، نحو قوله سبحانهُ: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣]، والمعنى واحد. وكقوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]. الوجه الثالث: أن تكون ﴿مَا﴾ بمعنى المصدر. والتقدير: أي نسي الدعاء الذي

стр. 4041

كانَ يتضرع به إلى اللَّه وتركَ الدعاء. وعندئذ تكون الهاء في قوله: ﴿إِلَيْهِ﴾ لها وجهان: الأول: أن تكون من ذكر ما. والثاني: أن تكونَ من ذكر الربّ سبحانه. وقوله: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾. أي: ليقتدي به الجهال، وليكون أسوة في الكبر والعجب، فيأخذ بذلك إثم كل من اقتدى به. فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه وأحمد في مسندهِ عن أبي هريرةَ، عن النبي ﷺ قال: [من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من تبعَهُ، لا يَنقصُ ذلكَ من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة، كان عليه من الإثم مثل آثام من تبِعه، لا ينقص ذلكَ من آثامهم شيئًا] (١). وقوله: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾. أي: عش في سكرة العجب ونفخة الكبر من إبليس وأعوانه، فإنما هي أيام تقضيها في هذه الحياة الدنيا ثم تُردُ إلى أشدِّ العذاب ونكال العقاب. وقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. لقد قرأ القراء ﴿أَمَّنْ﴾ على وجهين: الوجه الأول: هو قراءة بعض أهل المدينة والبصرة والكوفة بتشديد الميم ﴿أَمَّنْ﴾ بمعنى أم من هو، وجواب هذا الاستفهام متروك يفسره السياق والبيان، لأنَّ الخبر كان يجري عن فريق الكفر ثم أتبع الخبر عن فريق الإيمان فعُلِم المرادُ والفرق بين حال الفريقين. وهذه القراءة قراءة الحسن وأبي عمرو وعاصم والكسائي. الوجه الثاني: هو قراءة قراء الكوفة، وبعض أهل المدينة ومكة بالتخفيف (أمَنْ) وعندئذ تكون الألف على احتمالين: الاحتمال الأول: أنها ألف استفهام، والتقدير: أهذا كالذي قبله ممن جعل للَّه أندادًا. الاحتمال الثاني: أنها ألف النداء، والتقدير: يا من هو قانت آناء الليل، فإن العرب تنادي بالألف أحيانًا كما تنادي بِيَا فتقول: أزيد أقْبِلْ ويا زيدُ أقبل. وعلى هذا المعنى قرأها نافع وابن كثير والأعمش وحمزة. قلت: وكلاهما قراءتان مشهورتان دار تأويل المعنى عليهما.

стр. 4042

وأما القنوت ففيه معان متقاربة: المعنى الأول: القنوت: الطاعة. فعن ابن مسعود قال: (القانت: المطيع). وعن ابن عباس قال: (﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾ يعني القنوت الطاعة وذلكَ أنه قال: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥) وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [الروم: ٢٥ - ٢٦] قال: مطيعون). المعنى الثاني: القنوت: الخشوع. فعن ابن شهاب قال: (القانتُ: الخاشع في صلاته). المعنى الثالث: القنوت: القيام. قال يحيى بن سلّام: (القانتُ: القائم في صلاته). المعنى الرابع: القنوت: الدعاء. والقانت هو الداعي لربه. المعنى الخامس: القنوت: هو قراءة القرآن مع طول القيام. فعن نافع عن ابن عمر: (أنه كان إذا سئل عن القنوت قال: لا أعلم القنوت إلا قراءة القرآن وطول القيام وقرأ: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾). وعن مجاهد قال: (من القنوتِ طول الركوع وغض البصر). قال القرطبي: (وكان العلماءُ إذا وقفوا في الصلاةِ غضّوا أبصارهم، وخضعوا ولم يلتفتوا في صلاتهم، ولم يعبثوا ولم يذكروا شيئًا من أمر الدنيا إلا ناسين). قلت: وكلها معان متقاربة يتَّسِعُ لها الإعجاز والبيان الإلهي والهدي النبوي، فالقنوتُ يشمل الخشوعَ والدعاء والتلاوةَ في الليلِ وطول القيامِ وكلها داخلة في مفهومِ الإخبات والطاعة. فقد قال سبحانه: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. وفي صحيح مسلم عن عاصم عن أنس قال: (سألتهُ عن القنوتِ قبلَ الركوع أو بعد الركوع فقال: قبل الركوع. قال: قلت: فإن ناسًا يزعمون أن رسول اللَّه ﷺ قنت بعد الركوع! فقال: إنما قنت رسول اللَّه ﷺ شهرًا يدعو على أناس قتلوا أناسًا من أصحابه يُقال لهم القُرّاء). وصنف الإمام مسلم بعد ذلكَ بابًا سمّاهُ: "باب أفضل الصلاة طولُ القنوت" وساق بذلكَ حديث جابر قال: [سئل رسول اللَّه ﷺ : أي الصلاةِ أفضل؟ قال: طول القنوت]. وفي مسند الإمام أحمد بسند جيد عن جابر قال: [أتى النبي ﷺ رجل فقال: يا رسول اللَّه أي الصلاةِ أفضل؟ قال: طول القنوت. قال يا رسول اللَّه! وأي الجهاد

стр. 4043

أفضل؟ قال: من عُقِرَ جوادهُ وأريقَ دمهُ. قال: يا رسول اللَّه! أي الهجرة أفضل؟ قال: من هجر ما كَرِهَ اللَّه . قال: يا رسول اللَّه! فأي المسلمين أفضل؟ قال: مَنْ سلم المسلمون من لسانهِ ويدهِ. قال يا رسول اللَّه! فما الموجبتان؟ قال: من ماتَ لا يشركُ باللَّهِ شيئًا دخل الجنةَ ومن ماتَ يُشرك باللَّهِ شيئًا دخل النار] (١). وفي المسند أيضًا عن عبد اللَّه بن حُبْشِيٍّ الخَثْعَمِيّ: [أن النبي ﷺ سُئل أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمانٌ لا شك فيهِ وجهاد لا غلول فيهِ وحَجَّةٌ مبرورةٌ. قيل فأيُّ الصلاة أفضل؟ قال: طول القنوت. قيل: فأيُّ الصدقة أفضل؟ قال: جَهْدُ المُقِلّ. قيل: فأيُّ الهجرة أفضل؟ قال: مَنْ هجرَ ما حرّم اللَّهُ عليهِ. قيل: فأي الجهاد أفضل؟ قال: من جاهد المشركين بماله ونفسه. قيل: فأي القتل أشرف؟ قال: مَنْ أُهريقَ دَمُهُ وعُقِرَ جوادُهُ] (٢). وقد يراد بالقنوت الدعاء نفسه الذي في المغرب والفجر كما ذكر الإمامُ البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك قال: (كان القنوت في المغرب والفجر). ثم ذكر عن أبي هريرةَ ﵁ قال: (كان النبي ﷺ يدعو في القنوتِ: اللهم أَنْجِ سَلَمَةَ بن هشام، اللهم أَنْجِ الوليدَ بنَ الوليد، اللَّهُمَّ أنْجِ عيّاش بن أبي ربيعة، اللهم أنج المستَضعفين من المؤمنين، اللَّهُمَّ اشدُدْ وطأتَكَ على مُضرَ، اللهم سنين كَسِني يوسُف). ثم ذكر حديثًا عن أنس ﵁ قال: (بعث النبي ﷺ سبعين رجلًا لحاجة يُقالُ لهم القراء، فعرضَ لهم حيَّان من بني سُلَيم رِعْلٌ وذَكْوان عِنْدَ بئرٍ يقالُ لها بئرُ معونة. فقال القومُ: واللَّهِ ما إياكم أردنا إنما نحن مجتازون في حاجة للنبي ﷺ فقتلوهم فدعا النبي ﷺ عليهم شهرًا في صلاة الغداةِ وذلكَ بَدءُ القنوتِ وما كنا نقنت). وقد صنف الإمامُ مسلم بهذا المعنى بابًا سمّاه: "باب استحباب القنوت في جميعِ الصلاةِ إذا نزل بالمسلمينَ نازلة". وذكر الترمذي عن الإمام أحمد قوله: (لا يُقنت في الفجر إلا عند نازِلة تَنزلُ بالمسلمين، فإذا نزلت نازلة فللإمام أن يدعوَ لجيوش المسلمين).

стр. 4044

وقوله: ﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾. قال السدي: (ساعات الليل). وقال قتادة: (﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ قال: أوَّلهُ وأوسطه وآخره). وكذلكَ قال الحسن: (ساعاته، أوله وأوسطه وآخرهُ). وعن ابن عباس قال: (﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ جوف الليل. قال: من أحبّ أن يهون اللَّه عليهِ الوقوف يوم القيامةِ، فليره اللَّه في ظلمة الليل ساجدًا وقائمًا يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه). وقيل: ما بين المغرب والعشاء. ويجمع هذه الأقوال قول قتادة والحسن فهو عام شامل لكل هذه الأوقات التي تندبُ فيها الصلاةُ والقيام. وقوله: ﴿سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾. قال ابن جرير: (يقنتُ ساجدًا أحيانًا، وأحيانًا قائمًا، يعني يطيعُ والقنوت عندنا الطاعة، ولذلكَ نصب قوله ﴿سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ لأن معناه: أمَّن هو يقنت آناء الليل ساجدًا طورًا وقائمًا طورًا، فهما حال من قانت). قلت: والآية تشير إلى قيامِ الليل وما فيهِ من طول السجود والصبر على القيام، وفيها استحبابُ ذلكَ وأنه من صفات المؤمنين، كما قال جل ثناؤه في سورة السجدة: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٦ - ١٧]. قال مجاهد: (﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾ يعني بذلكَ قيام الليل). وقال أنس: (هو انتظار صلاة العتمة). وقال قتادة: (هو الصلاةُ بين العشاءين). وقال عبد اللَّه بن رواحة: وفينا رسول اللَّه يتلو كتابه ... إذا انشقَ معروف من الصبح ساطع أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا ... به موقناتٌ أن ما قال واقع يبيت يجافي جنبهُ عن فراشهِ ... إذا استثقلت بالمشركين المضاجعُ فوصف سبحانهُ المؤمنين أنهم أهل قيامٍ بالليل ودعاء، أهل رقة وحزن ورجاء، يبثون إلى اللَّه العظيم ما أهمّهم وأغمّهم، وقد وعد هو سبحانه أن يرفع بذلكَ مُصابَهم ويكشف ضيقهم. فقال جل ثناؤه في سورة الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان: ٦٤]. وقال في سورة الإسراء: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]. وقال في سورة الذاريات: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٧ - ١٨]. وقال في سورة غافر: ﴿وَقَالَ

стр. 4045

رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]. ولقد كانَ لقيام الليل أثرٌ عظيم في صقل قلوب صحابة النبي ﷺ وتهذيب نفوسهم وتواضعهم بين بعضهم، لذلكَ كان من أولِ وصايا النبي ﷺ لأصحابه في دار الهجرةِ. فقد أخرج الترمذي عن عبد اللَّه بن سلام قال: [أول ما قدم رسول اللَّه ﷺ المدينة انجفل الناس إليهِ فكنت ممن جاءه، فلما تأمَّلتُ وجهه واسْتَبَنْتُه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب. فكان أول ما سمعت من كلامه أن قال: أيها الناس: أفشو السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام] (١). وكذلكَ أخرج الترمذي بإسناد صحيح عن بلال عن النبي ﷺ قال: [عليكم بقيامِ الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى اللَّه تعالى، ومنهاة عن الإثم، وتكفير للسيئات] (٢). وفي صحيح الحاكم عن سهل بن سعد ﵁ قال: [جاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد! عِشْ ما شئتَ فإنك ميتٌ، واعمل ما شئتَ فإنك مجزي به، وأحبب من شئتَ فإنكَ مفارقهُ، واعلم أن شرف المؤمن قيامُ الليل، وعزَّهُ استغناؤهُ عن الناس] (٣). وقوله: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ﴾. قال ابن عباس: (يحذر عقاب الآخرة ﴿وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ يقول: ويرجو أن يرحمه اللَّه فيدخله الجنة). وقال سعيد بن جبير: (﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ﴾: أي عذاب الآخرة). ورُوي عن الحسن: (أنه سئل عن رجل يتمادى في المعاصي ويرجو! فقال: هذا متمنّ). قلت: وذلكَ التمادي هو الغرور المذكور في قوله سبحانه في سورة فاطر: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [فاطر: ٥]. قال سعيد ابن جبير: (غرور الحياة الدنيا أن يشتغل الإنسانُ بنعيمها ولذاتها عن عمل الآخرةِ حتى يقول: يا ليتني قدمتُ لحياتي. قال: ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ الغرور باللَّه أن يكونَ

стр. 4046

الإنسان يعمل بالمعاصي ثم يتمنى على اللَّه المغفرة). وكل ذلكَ من الشيطان فهو في التفسير الآخر عن ابن عباس: (الغرور: الشيطان). لقد أفرز قيام الليل رجالًا حول النبي ﷺ رقت قلوبهم للَّه وأخبتوا له، فأورثهم بذلكَ سبحانهُ قوة أُضيفَتْ إلى قوةِ سلاحهم، فحملوا بها على أكبر معاقل الكفرِ في الأرضِ فدكوها، دكوا معقلي فارس والروم، ثم تراهم بعد ذلك مشفقين متذللين يخافون عذاب الآخرةِ ويأملونَ عند الموت بمغفرة اللَّه وعفوهِ وكرمه. فقد أخرج الترمذي بسند حسن عن أنس: [أن النبي ﷺ دخل على شاب وهو بالموت فقال: كيف تجدكَ؟ قال: واللَّهِ يا رسول اللَّه إني أرجو اللَّه وإني أخاف ذنوبي. فقال رسول اللَّه ﷺ : لا يجتمعانِ في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاهُ اللَّه ما يرجو وأَمَّنَهُ مما يخاف] (١). قال النسفي في تفسيره: (ودلت الآيةُ على أن المؤمن يجب أن يكونَ بين الخوف والرجاء، يرجو رحمته لا عملهُ، ويحذرُ عقابهُ لتقصيرهِ في عمله، ثمَ الرجاء إذا جاوز حدّه يكونُ أمنًا، والخوفُ إذا جاوزَ حدّه يكونُ إياسًا، وقد قال اللَّهُ تعالى: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩]، وقال: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧]، فيجب ألا يجاوز أحدهما حده). وقوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. فصرف العلم الحقيقي إلى العلمِ الذي يؤصل الحذر من الآخرةِ ويرسخ الرجاء لرحمته سبحانهُ، فأولئكَ الذين وصفهم بالعلم كما قال جل ثناؤهُ في سورة فاطر: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]. وعن قتادة: (كان يقال كفى بالرَّهبةِ علمًا). وقال مجاهد: (إن العالم من خشي اللَّه . وقال وهب بن مالك: (إن العلم ليس بكثرة الرواية وإنما العلم نور يجعله اللَّه في القلب). وقد خرّج النسائي في كتاب العلم عن مسروق: (بحسب المرء من العلم أن يخشى اللَّه، وبحسبه جهلًا أن يعجب بعلمه). قلت: وكم فُتِنَ الناس اليوم بكلمة العلم، وكم تخبطوا في إطلاقِ كلمة العالم وعلى من تُطلق، وصارَ عندهم العالم هو كل من حمل الشهادات العالية والتخصصات

стр. 4047

الدقيقةِ سواء في الطب أو الهندسةِ أو الكيماء أو الفيزياء أو الرياضيات أو الجيولوجيا وغير ذلكَ ونسوا أن خشية اللَّه هي شرط لازم لإطلاق هذه الكلمة. فكم من عالمٍ في نظر الناس أسهم في حرق المدن وتدميرها وقتل الناس وتشريدهم، وكم من عالم في نظر كثير من الناس كان سببًا في فِتَنٍ كثيرة وآلام مستطيرةٍ وأمراضٍ انتقلت عبر الأجيال، وكم من طبيب مجرم في حق الناسِ يعيش لرغباتهِ وليرتفع على أكتاف الناسِ ولو بالغش والخداع، وقد رأيت أيام التخصص في أمريكا أساتذة جامعات ضبطُوا -في ولاية آركنساس- وهم يفتعلون الفاحشة فيما بينهم جانب إحدى البحيرات، وشوهد عالم الفيزياء الهندي في مكتبهِ -في جامعة ولاية أوكلاهوما- وقد ضرب رأسه بالرصاص وسقط صريعًا، كما شوهد أحد الدكاترة يُتاجر بالعلم ويخدعُ بعض طالباتهِ بوضع العلامات العالية مقابل أن يزني بهن، إلى غير ما هنالك من الحوادث التي تشير إلى أنّ استخدام كلمة (العالم) اليوم أصبحَ يحتاج إلى تحقيق وتمحيص. وإنما الإسلام وحده الذي عرّف العالم فقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]. وقال هنا في سورة الزمر: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. فكان العالمُ في نظر الإسلام في أي مجال أو مهنة هو ذاكَ الذي ارتبط علمهُ بخشية اللَّه، فبين العلم وبين الخوف من اللَّه صلة من النسب لا تنفك ولا تنفصلُ عنه. ولقد أعجبني ما ذكره القاسمي ﵀ في تفسيره عن القاشانيّ حيث قال: (وإنما كان المطيع هو العالم، لأن العلم هو الذي رسخَ في القلبِ وتأصّل بعروقه في النفس، بحيث لا يمكن صاحبه مخالفته، بل سيط باللحم والدم، فظهر أثره في الأعضاء، لا ينفك شيء منها عن مقتضاهُ، وأما المرتسم في حيز التخيل، بحيث يمكن ذهول النفس عنهُ وعن مقتضاهُ فليس بعلم). وما ذكره النسفي عند هذه الآية نظير ما قبله حيث قال: (﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي يعلمون ويعملون به، كأنه جعل من لا يعمل غير عالم، وفيه ازدراء عظيم بالذين يَقْتَنُون العلوم ثم لا يَقنُتون، وَيَفْتَنّون فيها ثم يفتنون بالدنيا، فهم عند اللَّه جهلة حيث جعل القانتين هم العلماء. أو أريد به التشبيه أي كما لا يستوي العالم والجاهل كذلكَ لا يستوي المطيع والعاصي). وقوله: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. أي: إنما يعتبر ويعي حجج اللَّه وآفاق كلامهِ أهل العقول والحجا فيتعظون ويتدبرون ويعملون لا أهل الجهل والتخبط والعجب بالرأي أو الفلسفة والكلام. فأولو الألباب هم أصحابُ العقول من المؤمنين الذين

стр. 4048

خلصت عقولهم عن قشر التخيل والوهم ورسخت بالعلمِ واليقينِ والخوف من اللَّه. وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. أي: قل يا محمد لمن تبعك من المؤمنين اثبتوا على الحق والتقوى وتعظيم اللَّه وحده، فمن أحسن بالطاعةِ أحسنَ اللَّه إليهِ في الدنيا وبالثواب والنعيم والجنةِ يوم القيامةِ. ثم إنهُ لا عذر لأحدٍ بالنفاق أو الكفر فأرضُ اللَّهِ واسعةٌ فهَاجروا فيها إلى حيثُ تأمنونَ فيه على دينكم وتنعمون فيه بطاعة ربكم، فإنما جزاء هذا الاغتراب في الدنيا من أجل الحق سبحانه وُفُور الأجر في الآخرةِ والنجاة من هول الحساب في عرصات القيامة. فعن السُّدي: (﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ قال: العافية والصحة). وهذا على من حمل الحسنة على الدنيا. قال القرطبي: (يعني بالحسنة الأولى الطاعة وبالثانية الثواب في الجنة). وهذا على من حمل الحسنة الثانية على نعيم الآخرة. قلت: والآية تشمل المعنيين معًا فقد وعد اللَّه المؤمنين حياة طيبة في الدنيا وأطيب منها في الآخرة، فقال جل ثناؤه في سورة النحل: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وقال في سورة الأنفال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾. فتفضل اللَّه سبحانه على المؤمنين بحياة طيبة في الدنيا فيها الصحة والعافية والظفر والغنيمة والثناء الحسن، وبحياة أطيب في الآخرة فيها ما لذّ وطاب من الطعام والشراب والنساء والزينة والسرور وألوان الرضوان والنعيم، لتكون نورًا على نور وزيادة في البهجة والسرور، فإن أعطى اللَّه الكافر بعض الخير في الدنيا فإن المؤمن قد امتاز عليه في الدنيا والآخرة، وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون. خرّج الإمام مسلم في صحيحه عن أنس ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إن اللَّه لا يظلم مؤمنًا حسنته، يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها للَّه في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزى بها] (١). وقوله: ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾ يعني: أنه لا يرضى سبحانه من أحد أن يشرك به أو ينافق

стр. 4049

فيفسد قلبه ودينه، وإنما جعل اللَّه مع الضيق فرجًا، ومع الظلم مخرجًا، ومع الإحاطة والقيد متسعًا، فليهاجر في الأرض المؤمنون إلى حيث تعلو كلمة الحق ويأمنون على دينهم ولا يشركون باللَّه ربهم. كما قال جل ثناؤه في سورة النساء: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩) وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. وكما قال جل ثناؤه في سورة العنكبوت: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾. فاللَّه سبحانه يغار، ولا يحب أن يرى عباده في ذل وهوان، وذبذبة ونفاق للطغيان، بل يحبهم مترفعين بكبرياء الإيمان، ومتعززين بطاعة اللَّه والخشية له والإحسان، فإذا لم يأمنوا على دينهم في مكان فليتحولوا وليهاجروا من مكان إلى مكان. فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [إن اللَّه تعالى يرضى لكم ثلاثًا، ويكرهُ لكم ثلاثًا، فيرضى لكم أنْ تعبدوه ولا تشرِكوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل اللَّه جميعًا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا مَنْ ولاه اللَّه أمركم، ويكره لكم قيل وقال، وكثرةَ السؤال، وإضاعة المال] (١). وفي الصحيحين والمسند عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إن اللَّه تعالى يغارُ، وإنّ المؤمن يغار، وغيرة اللَّه أن يأتيَ المؤمن ما حرّمَ اللَّه عليه] (٢). وفي الصحيحين عن أنس، عن النبي ﷺ قال: [إن اللَّه تعالى يقول لأهون أهلِ النار عذابًا: لو أنّ لك ما في الأرض من شيء كنتَ تفتدي به؟ قال: نعم، قال: فقد سألتك ما هُوَ أهونُ من هذا وأنت في صُلبِ آدم أن لا تشرك بي شيئًا فأبيتَ إلا الشرك] (٣). فالمعنى الأول: المراد بالأرض سعة البلاد والأقطار والأمصار في الدنيا، وهو موافق للسياق، وبه قال ابن جرير وابن كثير والقرطبي وجمهور من المفسرين.

стр. 4050

قال مجاهد: (فهاجروا فيها وجاهدوا واعتزلوا الأوثان والمعاصي واهربوا منها مهاجرين إلى أرض الإسلام والطاعة). وقال ابن جرير: (وأرض اللَّه فسيحة واسعة، فهاجروا من أرض الشرك إلى دار الإسلام). وقال القرطبي: (فهاجروا فيها ولا تقيموا مع من يعمل بالمعاصي). وأفاد القاسمي فقال: (﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾ أي بلاده كثيرة. فمن تعسر عليه التوفر على الإحسان في وطنه، فليهاجر إلى حيث يتمكن منه. ثم نقل عن الشهاب قوله: لأن الدنيا مزرعة الآخرة، فينبغي أن يلقى في حرثها بذر المثوبات. وعقب بهذه الجملة لئلا يعتذر عن التفريط بعدم مساعدة المكان، ويتعلل بعدم مفارقة الأوطان، فكانَ حثًّا على اغتنام فرصة الأعمار وترك ما يعودتى من حبّ الديار، والهجرة فيما اتسع من الأقطار). وذكر النسفي هذا المعنى فقال: (أي لا عذر للمفرطين في الإحسان البتة، وحتى إن اعتلوا بأنهم لا يتمكنون في أوطانهم من التوفر على الإحسان قيل لهم: فإن أرض اللَّه واسعة وبلاده كثيرة، فَتَحَوَّلُوا إلى بلاد أخر. واقتدوا بالأنبياء والصالحين في مهاجرتهم إلى غير بلادهم ليزدادوا إحسانًا إلى إحسانهم وطاعة إلى طاعتهم). والمعنى الثاني: قيل المراد أرض الجنة رغبهم في سعتها وسعة نعيمها، واحتجوا بقوله: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، فإن الجنة قد تسمى أرضًا. وبقوله: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾. والمعنى الثالث: قيل المراد بسعة الأرض سعة الرزق. قال القرطبي: (فتكون الآية دليلًا على الانتقال من الأرض الغالية إلى الأرض الراخية، كما قال سفيان الثوري: كن في موضع تملأ فيه جرابك خبزًا بدرهم). قلت: والمعنى الأول أظهر وأشهر، وهو مناسب لسياق الآية في الحث على الطاعة وعدم الخنوع والمهانة، والاعتزاز بدين اللَّه الحق سبحانه، واللَّه تعالى أعلم. وقوله: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. أي: إنما يستقبل اللَّه المؤمنين الصابرين على إقامة أمره في الأرض، والباذلين للمال والنفس في سبيله، والمجاهدين لأعدائه بالحديد وأسباب القوة من أجل نصرة دينه، والمسترخصين للدماء وإن غلت عليهم من أجل تحكيم منهاجه وشرعه، والمهاجرين المغتربين من أجل توحيده وعدم الشرك به، والمتصبِّرين على مصائب الدنيا وامتحانات اللَّه سبحانه،

стр. 4051

فكل هؤلاء يستقبلهم سبحانه بالرضوان، ويبادلهم الصبر والإحسان بالإحسان، ويورثهم بغير حساب ولا مطالبة ولا معاتبة الجنان. وعن مالك بن أنس: (قوله: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ قال: هو الصبر على فجائع الدنيا وأحزانها). وقال قتادة فيها: (لا واللَّه ما هناكُم مِكيال ولا ميزان). وقال السدي: (﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ قال: في الجنة). أي يُغرف لهم من النعيم وألوان الملذات بلا تقدير ولا مكيال، كما قال ابن كثير: (أي ليس يوزن لهم إنما يغرف لهم غرفًا). وهناك من صرف الصبر والصابرين إلى الصيام والصائمين، ذكره القرطبي واختاره بقوله: (و ﴿الصَّابِرُونَ﴾: هنا الصائمون، دليله قوله ﵊ مخبرًا عن اللَّه : "الصوم لي وأنا أجزي به". قال أهل العلم: كل أجر يكال كيلًا ويوزن وزنًا إلا الصوم فإنه يُحْثَا حَثْوًا ويُغْرفُ غرفًا). قلت: والآية أعمّ من ذلك فتشمل الصبر ابتغاء وجه اللَّه بكل ألوانه: كما جل ثناؤه في سورة هود: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. وكما قال سبحانه في سورة آل عمران: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. . . إلى أن قال: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾. وكما قال جل وعز في سورة فصلت: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾. وكما قال في سورة الشورى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. وكما قال سبحانه في سورة العصر: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. وقد خرّج الإمام البخاري في صحيحه والإمام أحمد في مسنده، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إن في الجنة مئةَ درجة أعدها اللَّه للمجاهدين في سبيل اللَّه، ما بينَ الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم اللَّه فسلوه الفردوسَ، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقهُ عرش الرحمان، ومنه تفجَّرُ أنهارُ الجنة] (١). وكذلك أخرجا في الصحيحين عن سهل بن سعد، عن النبي ﷺ قال: [إن في الجنة

стр. 4052

بابًا يقالُ له الريانُ، يدخُلُ منه الصائمون يومَ القيامة، لا يدخل منه أحدٌ غيرهمْ، يقالُ: أين الصائمون؟ فيقومون، فيدخلون منه، فإذا دخلوا، أُغْلِقَ، فلم يدخلْ منه أحد] (١). وفي صححيح الحاكم -وعند البيهقي في شعب الإيمان- بسند صحيح عن عبد اللَّه بن عمرو- عن النبي ﷺ قال: [أتعلم! أَوَّلَ زمرة تدخل الجنة من أمتي؟ فقراء المهاجرين، يأتون يومَ القيامة إلى بابِ الجنة ويستفتحون فيقول لهم الخزنة: أوقد حوسبتم؟ قالوا بأيّ شيء نحاسبُ، وإنما كانت أسيافنا على عواتقنا في سبيل اللَّه حتى متنا على ذلك؟ فيفتحُ لهم، فيقيلون فيها أربعين عامًا، قبل أن يدخلها الناس] (٢). وفي جامع الترمذي ومعجم الطبراني بسند حسن واللفظ للترمذي عن جابر عن النبي ﷺ قال: [ليودَّنَ أهل العافية يوم القيامة، أنّ جلودهم قرضت بالمقاريض، مما يرون من ثواب أهل البلاء] (٣). وفي مسند الإمام أحمد عن أم سلمة عن أبي سلمة ﵄ عن النبي ﷺ قال: [ما من مسلم تصيبُه مصيبة فيقول ما أمره اللَّهُ: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ اللهم آجرني في مصيبتي، واخلفْ لي خيرًا منها، إلا آجرهُ اللَّه في مصيبتهِ، وأخلف اللَّه له خيرًا منها] (٤). قلت: ونحن اليوم في زمن غربة الحق، غربة المنهج وغربة الإيمان، وقد زحفت الفتن واشتدت على أمة الإسلام، فصار الصبر من أقوى العدة في مواجهة الباطل والطغيان، وكم رأينا في ترك الصبر والانحراف عن المنهج من هرج وسفك للدماء الحرام، وإضاعة للوقت والمال والأنفس وزعزعة للبنيان. ١١ - ٢١. قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا

стр. 4053

ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥) لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ (١٦) وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨) أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ (٢٠) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٢١)﴾ في هذه الآيات: يخاطب اللَّه سبحانه نبيّه ﵊ أن قل لقومك يا محمد! إن اللَّه أمرني أن أفْردَ له العبادة والتعظيم دونَ كل ما تدعون من دونه من الآلهة والأوثان. وأمرني بذلك أن أكون بهذا الامتثال أول من أسلم وأخبت وسارع بالخيرات، وبادر إلى التوحيد والإيمان والطاعات، فإني أخاف إن قصرت أو انسحبت وركنت إلى الدنيا ومعاصيها أهوال يوم القيامة وما فيه من الندامة والحسرات، فهو الرحمان إليه أخلص في الأعمال الصالحات، فاختاروا أنتم لمستقبلكم ما شئتم من دونه تصرفون له القربات، فإن من خَسِرَ نفسه وأهله يوم القيامة فقد ازدحمت عليه الآلام والحسرات، فإن لهيب النار يعلوهم من فوقهم كما يستفزهم من تحتهم فتنبهوا وخافوا اللَّه قبل أن تعاينوا ذلك المصير وتلك المصائب والنازلات، فمن كفر بالطاغوت وآمن باللَّه واليوم الآخر والرسل والكتب والقدر والملائكة وصدّق بمحمد الذي ختم اللَّه به الرسالات، واتبع منهاجه ودعا إلى هديه وسيرته أحسن السير وأصدق الدعوات، فهنيئًا له فقد هداه اللَّه وحماه من سبل الشياطين وطرق الضلالات، لكن من علم اللَّه منه حبّ الكبر والعناد فقد كتب عليه مستقبل أهل الشقاء والغوايات، عدلًا منه سبحانه وحكمة وعلمًا، في حين اختار جل وعزَّ للمؤمنين المتقين أجمل الغرف في الجنات، فقد بناها لهم في أروع صورة تجري من تحتها الأنهار والينابيع والبحيرات، أوليس الذي أنزل من السماء الماء فخزّنه في باطن الأرض فجعله عيونًا وينابيع وأنهارًا، يخرج به زرعًا مختلفًا ألوانه وأُكُله، ثم ييبس من بعد خضرته ثم يتفتت متكسرًا، ثم يعود مرة أخرى في دورة ثانية من تلك الدورات، بقادرٍ على أن يبعث عباده من قبورهم بعدما أماتهم وصاروا في باطن الأرض كالذرات المبعثرات،

стр. 4054

فيحاسبهم على ما اجترحوا من الموبقات والكبائر والمعاصي والسيئات، بلى فإن أهل البصائر والعقول يؤمنون ويوقنون بهذه المغيبات. فإلى تفصيل ذلك. قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾. أي فلا ألتفت إلى غيره، ولا أرجو فرجًا إلا من عنده، ولا أصرف طاعة إلا إليه. كما أخرج النسائي بإسناد جيد عن أبي أمامة قال: [جاء رجل إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: أرأيت رجلًا غزا يلتمسُ الأجرَ والذكر مالَهُ؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : (لا شيء له)، فأعادها ثلاث مِرار، ويقول رسول اللَّه ﷺ : (لا شيء له). ثم قال: إن اللَّه لا يَقبلُ من العمل إلا ما كان له خالصًا وابْتُغِيَ به وجهُه] (١). وفي معجم الطبراني بإسناد صحيح عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: [الدنيا ملعونة، ملعونٌ ما فيها إلا ما ابتغي به وجهُ اللَّه] (٢). والآية أصل فر أن الإخلاص شق العمل الصالح، كما قال جل ثناؤه في سورة البينة: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾، وكما قال في سورة الكهف: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. فإن كون العمل صالحًا موافقًا للوحي هو الشق الثاني لحصول القبول. وقوله: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾. أي من هذه الأمة. قال القرطبي: (وكذلك كان، فإنه أول من خالف دين آبائه وخلع الأصنام وحطمها، وأسلم للَّه وآمن به، ودعا إليه ﷺ ). أي لأكون في مقدمة المخبتين المسلمين في الدنيا والآخرة، وكون قدوة المسارعين إلى الخيرات، وإمام المتقين الراجين للرحمات والمبرّات. قلت: وهو كذلك في الدنيا والآخرة، فقد خرّج الإمام مسلم في صحيحه عن أنس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [أنا أكثر الأنبياء تبعًا يومَ القيامة، وأنا أول من يقرعُ بابَ الجنة] (٣).

стр. 4055

وكذلك خرّج الإمام مسلم عن أنس قوله ﵊: [أنا أول الناس يشفع في الجنة، وأنا أكثر الأنبياء تبعًا] (١). وفي لفظ آخر: [أنا أول شفيع في الجنة، لمْ يصدقْ نبيٌّ من الأنبياء ما صدقتُ، وإنّ منَ الأنبياء نبيًا ما يصدقه من أمته إلا رجل واحد]. وله شاهد فيِ مسند الإمام أحمد وجامع الترمذي بسند صحيح عن أنس ولفظه: [أنا أوَّلُ مَنْ يأخُذُ بِحَلقَةِ باب الجنة أقعقِعُها] (٢). أي أحركها. فقد أمره اللَّه بهذا السبق لتظهر علائم نبوته وملامح قيادته ومعالم صدارته، وليتألق بإخلاصِه الذي لا يشبهه إخلاص في الأمة فهو أتم وأكمل في الشرف والرتبة. ثم إنه كان أول من أسلم للَّه في زمانه. فجمعت الآية معنيين: الأول: وهو السبق الزماني، والثاني: هو السبق النوعي. فصلوات اللَّه وسلامه عليه. وأما اللام في قوله ﴿لِأَنْ﴾ فلها وجهان: الوجه الأول: أنها زائدة كما قال الجرجاني وغيره. كقوله في سورة الأنعام: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. والوجه الثاني: أنها لام أجل والتقدير (لأجل أن أكون أولَ المسلمين). وكأن محذوفًا في الآية تقديره: (قل إني أمرت بالعبادة والطاعة والمسارعة في الخيرات من أجل أن أكون أول المسلمين). واللَّه تعالى أعلم. وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. قيل: قالها لقومه حين دعوه للتمسك بدين الآباء والأجداد. قال النسفي: (وذلك أن كفار قريش قالوا له ﵇: ألا تنظر إلى أبيك وجدك وسادات قومك يعبدون اللات والعزى فنزلت ردًّا عليهم). قلت: والتوجيه في الآية هو للأمة من بعده، فإن النبي ﷺ لن يَعْصِيَ اللَّه ولن يشرك به فقد أعانه اللَّه على الحق وعصمه من الفتن، فيكون الخطاب للأمة من باب أولى كي تخاف عذاب اللَّه يوم القيامة وتجتنب ما يسخطه سبحانه. كما قال جل ثناؤه: ﴿لَيْسَ

стр. 4056

بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. وفي صحيح مسلم عن عقبة بن عامر، عن النبي ﷺ قال: [إني فرطكم على الحوض، وإنّ عرضَهُ كما بين أيلةَ إلى الجُحفة، إني لستُ أخشى عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخشى عليكم الدنيا، أن تنافسوا فيها وتقتتلوا، فتهلكوا كما هلك مَنْ كان قبلكم] (١). قال ابن كثير: ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ﴾ وأنا رسول اللَّه، وهذا شرط ومعناه التعريض بغيره بطريق الأولى والأحرى). وقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾. فلفظ الجلالة في محل نصب والتقدير: (أعبد اللَّه مخلصًا) و ﴿مُخْلِصًا﴾ حال، أي أعبده سبحانه مُفردًا له الإخلاص في الطاعة والعبادة. وفيه ذمُّ الرياء مرة أخرى وتعليم للأمة دقائق التقوى، كما قال جل ثناؤه في سورة الحج: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾. وفي معجم الطبراني بإسناد جيد: [أن عمرَ ﵁ قال لمعاذ بن جبل حين رآه يبكي: ما يبكيك؟ قال: حديث سمعته من صاحب هذا القبر يعني النبي ﷺ : إن أدنى الرياء شرك]. وفي مسند الإمام أحمد وسنن البيهقي عن محمود بن لبيد عن النبي ﷺ قال: [إن أخوفَ ما أخافُ عليكم الشركُ الأصغرُ. قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول اللَّه؟ قال: الرياء، يقول اللَّه يوم القيامة إذا جازى العباد بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، هل تجدون عندهم الجزاء] (٢). وفي رواية: (فانظروا هل تجدون عندهم جزاء). وقوله: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾. أي اختاروا لأنفسكم المستقبل الذي تشاؤون، فإن مستقبل اتباعي والإيمان بهذا القرآن هو سعادة الآخرة وحسن الختام، وإن مستقبل الإعراض والعناد والكبر شقاوة الآخرة، فهو أمر تهديد ووعيد كما قال جل ثناؤه ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾ الإسراء. وكقوله جل وعز في سورة الأنعام: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (٦٦)

стр. 4057

لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾. وكقوله في سورة الزمر: ﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾. وكقوله في سورة فصلت: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾. أخرج ابن جرير في "التفسير" بسند جيد، عن جابر ﵁ قال: خرج علينا رسول اللَّه ﷺ يومًا فقال: [إني رأيت في المنام كان جبريلَ عند رأسي، وميكائيلَ عند رجليَّ، يقول أحدهما لصاحبه: اضرب لهُ مثلًا، فقال: اسمع سمعت أذنُكَ، واعقِل عقلَ قلبُكَ، إنما مثلكَ ومثلُ أمتك كمثل ملك اتخذ دارًا، ثم بنى فيها بيتًا، ثم جعل فيها مائدة، ثم بعث رسولًا يدعو الناس إلى طعامه، فمنهم من أجاب الرسولَ، ومنهم من تركه، فاللَّه هو الملكُ، والدار الإسلام، والبيت الجنة، وأنت يا محمد رسول، من أجابك دخل الإسلام، ومن دخل الإسلام دخل الجنة، ومن دخل الجنة أكل ما فيها] (١). وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. قال ابن عباس: (هم الكفار الذين خلقهم اللَّه للنار وخلق النار لهم، فزالت عنهم الدنيا وحرّمت عليهم الجنة، قال اللَّه: ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾). وكذلك قال ابن زيد: (هؤلاء أهل النار خسروا أنفسهم في الدنيا، وخسروا الأهلين فلم يجدوا في النار أهلًا، وقد كان لهم في الدنيا أهل). وعن مجاهد: (غبنوا أنفسهم وأهليهم قال: يخسرون أهليهم فلا يكون لهم أهل يرجعون إليهم ويخسرون أنفسهم فيهلكون في النار فيموتون وهم أحياء فيخسرونهما). وفي الأثر عن ميمون بن مِهْران فيما يرويه عن ابن عباس قوله: (ليس من أحد إلا وخلق اللَّه له زوجة في الجنة، فإذا دخل النار خسر نفسه وأهله. وفي رواية: فمن عمل بطاعة اللَّه كان له ذلك المنزل والأهل إلا ما كان له قبل ذلك، وهو قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾). قلت: والآية هذه هي مقابل الآية التي في سورة الطور: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾. قال سعيد بن جبير: (إن اللَّه ليرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه في العمل لِتَقَرَّ بهم عينه ثم

стр. 4058

قرأ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾). قال ابن عباس: (هم ذرية المؤمن يموتون على الإيمان، فإن كانت منازل آبائهم أرفع من منازلهم ألحقوا بآبائهم ولم ينقصوا من أعمالهم التي عملوها شيئًا). وفي المسند وسنن البيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إن الرجل لترفع درجته في الجنة، فيقول: أنّى لي هذا؟ فيقال: باستغفار ولدك لك] (١). وهي تشبه الآية الأخرى التي في سورة الشورى: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ﴾. فسواء ذهب أهلوهم إلى الجنة وهم إلى النار، أو اشتركوا في عذاب النار فذهبوا إليها جميعًا فلا لقاء ولا سرور ولا اجتماع، بل هي معاناة وتمزق وشقاء، نعوذ باللَّه من حال أهل الظلم والقسوة والجفاء. وقوله: ﴿أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾. قال ابن جرير: (هو الهلاك الذي يبين لمن عاينه وعلمه أنه الخسران). وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾. فكنى سبحانه عما تحتهم مما يحيط بهم فسماه ظللًا، لأنها كالظل تُظِلُّهم من أسفل منهم من شدة كثافتها ولهيبها، كما تظلهم من فوقهم، ثم إن هذه الظلل كالأطباق من النار. قال النسفي: (﴿وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ قال: أطباق من النار وهي ظلل لآخرين، أي النار محيطة بهم). قلت: والنار دركات ودرجات، كما قال سبحانه في سورة النساء: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾. فمن هو في الدركات السفلى تعلوه النيران كالظلل، فهي لمن فوقه ظلل من تحته، كما قال جل ثناؤه في سورة الأعراف: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾، وكما قال سبحانه في سورة العنكبوت: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٥٤) يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. وأخرج الإمام أحمد في المسند والترمذي في الجامع بسند حسن عن عبد اللَّه بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: [يُحْشَرُ المتكبرون يومَ القيامة أمثالَ الذرِّ في صُوَرِ الرجال،

стр. 4059

يغشاهم الذل من كل مكان، يُساقون إلى سجنٍ في جهنم يسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار، يُسْقون من عُصارة أهل النار طينةِ الخبال] (١). وقوله: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾ فيه ثلاثة أقوال: القول الأول: المراد بالعباد: الأولياء، كما قال ابن عباس: (﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾ قال: أولياءَه). القول الثاني: المراد بالعباد مؤمنهم وكافرهم. وهو الراجح في الآية كما قال الزمخشري: (وهذه عظة من اللَّه تعالى، ونصيحة بالغة). القول الثالث: قيل بل هو خاص بالكفار. ذكره القرطبي. قلت: فالكل محتاج إلى تخويف اللَّه له، والكل مفتقر إلى تقواه وخشيته، لذلك قال: ﴿يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾. أي فاتقون بتعظيمي وإجلالي، واتقون بأداء فرائضي واجتناب معاصيّ، حتى تنجو من عذابي وسخطي، وتسعدوا في دار المأوى والنعيم جنتي. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾. في قوله ﴿الطَّاغُوتَ﴾ معان متقاربة: المعنى الأول: الطاغوت: هو الشيطان. فعن مجاهد (قوله ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ﴾ قال: الشيطان). وقال ابن زيد: (الشيطان هو هاهنا واحد وهي جماعة). فهو على قوله واحد مؤنث لذا قيل أن يعبدوها. قال ابن جرير: وقيل إنما أنثت لأنها في معنى الجماعة. المعنى الثاني: الطاغوت هي الأوثان. قال الضحاك: (الطاغوت: هو الأوثان). المعنى الثالث: الطاغوت هو الكاهن. قيل هو اسم أعجمي مثل طالوت وجالوت وهاروت وماروت ومعناه الكاهن، ذكره القرطبي. المعنى الرابع: الطاغوت اسم عربي مشتق من الطغيان. قال النسفي: (فعلوت من الطغيان كالملكوت والرحموت، إلا أن فيها قلبًا بتقديم اللام على العين). قلت: والراجح لديَّ أن الطاغوت مشتق من الطغيان وهو مجاوزة الحد. وقد أُثِر عن عمر بن الخطاب قوله: (الطاغوت: الشيطان). وعن جابر قوله: (الطواغيت كهان كانت تنزل عليهم الشياطين). والأعمّ من هذا: أن الطاغوت هو كل ما عبد من دون اللَّه أو صرفت له العبادة، وكل من دعا إلى عبادة نفسه وتعظيمها، وكل من حكم بغير شرع

стр. 4060

اللَّه أو بهواه، وكل من ذُبحَ له أو ابتاع دينًا لم يأذن به اللَّه أو زاد أو انتقص من شرع اللَّه. وقد جاء هذا المعنى عن أئمة كرام: قال الإمام مالك: (الطاغوت: كل ما عبد من دون اللَّه). وقال العلامة ابن القيم: (الطاغوت: كل ما تجاوز به العبد حدّه: من معبود أو متبوع، أو مطاع. فَطاغوت كل قوم: من يتحاكمون إليه غير اللَّه ورسوله، أو يعبدونه من دون اللَّه، أو يتبعونه على غير بصيرة من اللَّه، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة للَّه، فهذه طواغيت العالم، إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم أعرض عن عبادة اللَّه تعالى إلى عبادة الطاغوت، وعن طاعة رسول اللَّه ﷺ إلى طاعة الطاغوت ومتابعته). ويؤيد هذا قوله تعالى في سورة النحل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. واختاره ابن جرير بقوله: (أي اجتنبوا عبادة كل ما عُبِد من دون اللَّه من شيء). وقوله: ﴿وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾. قال قتادة: (وأقبلوا إلى اللَّه). وقال السدي: (أجابوا إليه). وقال ابن جرير: (وتابوا إلى اللَّه ورجعوا إلى الإقرار بتوحيده والعمل بطاعته والبراءة مما سواه من الآلهة والأنداد). وقوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾. أي: في الدنيا بالفرج والمخرج والنصر والغنيمة وفي الآخرة بالجنة والرضوان ونعيم الفردوس. كما قال جل ثناؤه في سورة آل عمران: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾. وفي المسند للإمام أحمد عن أبَيّ، عن النبي ﷺ قال: [بَشِّرْ هذه الأمّةَ بالسَّناء، والدين، والرِّفعة، والنصر والتمكين في الأرض، فمن عملَ مِنْهمْ عملَ الآخِرة للدنيا، لم يكن له في الآخرة من نصيب] وسنده صحيح (١). وفي جامع الترمذي وسنن أبي داود بإسناد صحيح عن بريدة، عن النبي ﷺ : [بشِّرِ المشّائين في الظُّلَمِ إلى المساجد بالنور التام يومَ القيامة] (٢).

стр. 4061

وفي سنن النسائي عن سهل بن حنيف، عن رسول اللَّه ﷺ قال: [بشِّر الناس أنه من قال لا إله إلا اللَّهُ وحده لا شريك له، وجبت له الجنة] وسنده صحيح (١). قلت فإذا نطق بها عند الاحتضار كانت من أكبر البشائر وأتمها. وفي معجم الطبراني عن أبي الدرداء قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [بُشرى الدنيا الرؤيا الصالحة] (٢). فهذه البشائر جميعًا من نبيّ الأمة محمد ﷺ تدخل في تفسير قوله جل ثناؤه: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾، فنسأل اللَّه أن يمتعنا ببشائر الدنيا وبنعيم الآخرة إنه سميع قريب. وقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ -يا محمد- ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. وفي قوله: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ أكثر من تأويل: التأويل الأول: أي يتخيرون الحسن من القبيح. قال ابن عباس: (هو الرجل يسمع الحسن والقبيح فيتحدث بالحسن وينكف عن القبيح فلا يتحدث به). التأويل الثاني: قيل أحسنه طاعة اللَّه. فعن قتادة قال: (﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ وأحسنه طاعة اللَّه). التأويل الثالث: قيل يتبعون المعالي من الأوامر ويتصدرون للأمور العظام. فعن السّدي قال: (أحسن ما يؤمرون به فيعملون به). قال ابن جرير: (الذين يستمعون القول من القائلين فيتبعون أرشده وأهداه وأدله على توحيد اللَّه والعمل بطاعته، ويتركون ما سوى ذلك من القول الذي لا يدل على رشاد ولا يهدي إلى سداد). التأويل الرابع: قيل يستمعون القرآن وغيره فيتبعون القرآن. ذكره القرطبي. التأويل الخامس: قيل: يستمعون القرآن وأقوال الرسول فيتبعون أحسنه أي محكمه فيعملون به. قال الشوكاني في فتح القدير: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ قال: بالثواب الجزيل وهو الجنة، وهذه البشرى إما على ألسنة الرسل، أو عند حضور الموت أو عند البعث

стр. 4062

﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ قال: والمعنى: يستمعون القول الحق من كتاب اللَّه وسنة رسوله فيتبعون أحسنه أي محكمه ويعملون به). التأويل السادس: قيل يستمعون الرخص والعزائم فيتبعون العزائم ويتركون الرخص. قال القرطبي: (وقيل يستمعون عزمًا وترخيصًا فيأخذون بالعزم دون الترخيص). التأويل السابع: قيل يستمعون العقوبة الواجبة لهم والعفو فيأخذون بالعفو. قال القاسمي: (أي إيثارًا للأفضل واهتمامًا بأكمل. قال: ويدخل تحته أيضًا إيثار الأفضل من كل نوعين، اعترضا. كالواجب مع الندب. والعفو مع القصاص. والإخفاء مع الإبداء في الصدقة، وهكذا). التأويل الثامن: قيل المراد النقد في الدين لتختر ما هو أصوب وأصح وأكمل. قال الزمخشري: (أراد أن يكونوا نقادًا في الدين، يميزون بين الحسن والأحسن والفاضل والأفضل. ويدخل تحته المذاهب واختيار أثبتها على السبك وأقواها عند السبر، وأبينها دليلًا وأمارة. وأن لا تكون في مذهبك كما قال القائل: ولا تكن مِثْلَ عَيْرٍ قِيدَ فانقادا يريد المقلد) انتهى. قلت: وإنما البيت بأكمله يدل على المعنى فأصله: شَمِّرْ وكن في أمور الدِّين مجتهدًا ... ولا تكن مِثْلَ عَيْرٍ قيدَ فانْقادا التأويل التاسع: قيل: إن أحسن القول على من جعل الآية فيمن وَحَّدَ اللَّه قبل الإسلام (لا إله إلا اللَّه). قال عبد الرحمن بن زيد: (﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا. . .﴾ الآيتين. حدثني أبي أن هاتين الآيتين نزلتا في ثلاثة نفر كانوا في الجاهلية يقولون: لا إله إلا اللَّه: زيد بن عمر، وأبي ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، نزل فيهم ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ في جاهليتهم ﴿وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ لا إله إلا اللَّه، أولئك الذين هداهم اللَّه بغير كتاب ولا نبي ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾) ذكره ابن جرير في التفسير. أي اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها في جاهليتهم واتبعوا أحسن ما صار من القول إليهم، فآمنوا بمحمد صلوات اللَّه وسلامه عليه يوم بُعثَ فيهم. قلت: وكلها تأويلات يحتملها البيان الإلهي والإعجاز، وفيها الآثار الطيبة العطرة من أهل التفسير والعمل والعلم والاجتهاد والإنجاز، وما هي إلا اختلافات تنوع

стр. 4063

لا تضاد، بل تدور كلها حول قول الفصل والسداد من أن الذين بنوا إيمانهم وصروح يقينهم ودينهم على ركام الباطل والطاغوت، فسمت نفوسهم بكبرياء الإيمان والاعتزاز باللَّه، فندموا على ما فرطوا في جاهليتهم وفي لحظات ضعفهم، فشمخوا بالمعالي وحدثتهم نفوسهم بالجهاد، فإذا جاءهم الأمر من اللَّه سارعوا إلى امتثاله وتسجيل أعلى الأرقام في إتياف وبلوغه، وإذا خُيّروا بين الأمور العظام رأيتهم يتسابقون إلى أشدّها وما فيها إرضاء للَّه أعلى وأكبر، وإغاظة لعدوه وعدوهم أكثر وأوفر، ولو خيّروا بين الرخص والعزائم حدثتهم نفوسهم باختيار العزائم ولكن حبّ اللَّه لرخصه أنزلهم عند ما أحبّه ربهم واختاره، وإذا سمعوا لغوًا أعرضوا عنه، وإذا كان نصيحة سارعوا إليها، وإذا كان أمرًا في الدين تخيروا أثبته وأقواه وأدقهُ صوابًا وصحة وثبوتًا، وإذا خيرّوا بين العفو والقصاص رأيتهم رحماء كرماء يحبون العفو ليعفو اللَّه عنهم كما وصفهم ربهم بقوله في سورة آل عمران: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. وبقوله في سورة الشورى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. وهذه الصفات العالية لأصحاب وأتباع هذا النبي الكريم مبسوطة في القرآن والتوراة والإنجيل: فقد أخرج البخاري عن عطاء بن يسار قال: [لقيت عبد اللَّه بن عمرو بن العاص. قلت: أخبرني عن صفة رسول اللَّه ﷺ في التوراة، قال: أجل، واللَّه إنه لموصوف ببعض صفته في القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾، وحِرْزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سَمَّيْتُكَ المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخّاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولنْ يقْبِضَهُ اللَّه حتى يقيمَ به الملةَ العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا اللَّه، ويفتح بها أعينًا عمْيًا، وآذانًا صمًا، وقلوبًا غُلْفًا] (١). وله شاهد عند الدارمي -وفي المشكاة- وهذا لفظ المصابيح: عن كعب يحكي عن التوراة قال: [نجد مكتوبًا محمدٌ رسول اللَّه عبدي المختار، لا فظّ ولا غليظ، ولا سخّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، مولده بمكة، وهجرته بطيبة، وملكه بالشام، وأمته الحمادون، يحمدون اللَّه في السراء والضراء، يحمدون اللَّه في كل منزلة، ويكَبرونه على كل شرف، رعاةٌ للشمس، يصلون الصلاة إذا جاء وقتها، يتأزّرون على أنصافهم، ويتوضؤون على أطرافهم،

стр. 4064

مناديهم ينادي في جوّ السماء، صفُّهم في القتال وصفّهم في الصلاة سواء، لهم بالليل دويٌّ كدوي النحل]. فلقد سمعوا من نبيّهم صلوات اللَّه وسلامه عليه قوله: [إن اللَّه يحبّ معاليَ الأخلاق ويكره سَفْسَافها] (١). وقوله: [إن اللَّه تعالى يحبّ معاليَ الأمور وأشرافها، ويكره سَفْسَافها]، فتعلقت قلوبهم بالمعالي وأشراف وعظام الأمور. وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. أي: فهم الذين علم اللَّه صدق قلوبهم فهداهم هداية التوفيق والإلهام بعد هداية الدلالة والإرشاد، وهم أصحاب العقول وأولو النهى. وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾. قال قتادة: (﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ بكفره). قلت: وهذه الآية كقوله في سورة البقرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. قال ابن عباس: (كان رسول اللَّه ﷺ يحرص أن يؤمن جميع الناس ويتابعوه على الهدى، فأخبره اللَّه تعالى أنه لا يؤمن إلا من سبق له من اللَّه السعادة في الذكر الأول، ولا يضل إلا من سبق له من اللَّه الشقاوة في الذكر الأول). وهي كقوله أيضًا في سورة يونس: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾. قال ابن جرير: (أفمن وجبت عليه عليه العذاب في سابق علم ربك يا محمد بكفره). والمراد من تخلف عن الإيمان من أقاربه ﵊ كما قال ابن عباس: (يريد أبا لهب وولده ومن تخلف من عشيرة النبي ﷺ عن الإيمان). قلت: وهذه الآية من أصول الإيمان بالقدر، فإن أصوله ثلاثة: أولًا: الإيمان بعلم اللَّه المطلق. ثانيًا: الإيمان بالحكمة البالغة الكاملة للَّه جل ثناؤه. ثالثًا: الإيمان واليقين بصفة العدل للَّه. وعلى هذا يفسر هذا التحدّي من اللَّه لأبي لهب بقوله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢) سَيَصْلَى نَارًا

стр. 4065

ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾. وقد نزلت هذه السورة في حياة أبي لهب يُعْلِمُ اللَّه فيها الأمة جميعًا بأن أبا لهب سيخرج من الدنيا كافرًا ولم يجبره أحد على هذا الاختيار وإنما هو علم اللَّه المطلق وحكمته وعدله. وبناء على هذا يُفَسَّرُ حديث الإمام أحمد والترمذي والنسائي عن عبد اللَّه بن عمرو قال: [خرج علينا رسول اللَّه ﷺ وفي يده كتابان فقال: أتدرون ما هذان الكتابان؟ قال: قلنا لا إلا أن تُخْبرنا يا رسول اللَّه. قال للذي في يده اليمنى هذا كتاب من رِبّ العالمين ﵎ بأسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أُجْمِلَ على آخرهم لا يُزاد فيهم ولا يُنْقصُ منهم أبدًا. ثم قال للذي في يساره هذا كتاب أهل النار بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أُجْمِل على آخرِهم، لا يزادُ فيهم ولا يُنْقَص منهم أبدًا. فقال أصحاب رسول اللَّه ﷺ : فَلأيّ شيءٍ إذنْ نَعْمَلُ إن كان هذا أمرًا قد فُرخ منه؟ قال رسول اللَّه ﷺ : سدِّدوا وقاربوا فإن صاحِبَ الجنة يُخْتَم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أي عمل، وإنّ صاحبَ النار ليُخْتَمُ له بعمل أهل النار وإن عمل أيَّ عمل. ثم قال بيده فقبضها ثم قال: فرغ ربكم من العباد ثم قال باليمنى فنبذ بها فقال: فريق في الجنة، ونبذ باليسرى فقال: فريق في السعير] (١). وأما تكرار الإستفهام في الآية بقوله ﴿أَفَأَنْتَ﴾ فهو يستخدم للتأكيد عند طول الكلام، كما قال جل ثناؤه في سورة المؤمنون: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾، فَردَّدَ أنكم مرتين للتأكيد وهو أسلوب تستعمله العرب عند التطويل كما ذكر سيبويه. ونحوه قوله في سورة آل عمران: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. فالمراد بآية الزمر استفهام واحد فيسبق الاستفهام، ثم يرد الاستفهام إلى موضعه حيث الحاجة إليه كان التقدير: (أفانت تنقذ من حقت عليه كلمة العذاب في النار). ومنهم من جوَّز في الكلام محذوفًا والتقدير: (أفمن حق عليه كلمة العذاب ينجو منه) وما بعده مستأنف، واللَّه تعالى أعلم. وقوله تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾.
следующие страницы →