← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.

стр. 4061

وفي سنن النسائي عن سهل بن حنيف، عن رسول اللَّه ﷺ قال: [بشِّر الناس أنه من قال لا إله إلا اللَّهُ وحده لا شريك له، وجبت له الجنة] وسنده صحيح (١). قلت فإذا نطق بها عند الاحتضار كانت من أكبر البشائر وأتمها. وفي معجم الطبراني عن أبي الدرداء قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [بُشرى الدنيا الرؤيا الصالحة] (٢). فهذه البشائر جميعًا من نبيّ الأمة محمد ﷺ تدخل في تفسير قوله جل ثناؤه: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾، فنسأل اللَّه أن يمتعنا ببشائر الدنيا وبنعيم الآخرة إنه سميع قريب. وقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ -يا محمد- ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. وفي قوله: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ أكثر من تأويل: التأويل الأول: أي يتخيرون الحسن من القبيح. قال ابن عباس: (هو الرجل يسمع الحسن والقبيح فيتحدث بالحسن وينكف عن القبيح فلا يتحدث به). التأويل الثاني: قيل أحسنه طاعة اللَّه. فعن قتادة قال: (﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ وأحسنه طاعة اللَّه). التأويل الثالث: قيل يتبعون المعالي من الأوامر ويتصدرون للأمور العظام. فعن السّدي قال: (أحسن ما يؤمرون به فيعملون به). قال ابن جرير: (الذين يستمعون القول من القائلين فيتبعون أرشده وأهداه وأدله على توحيد اللَّه والعمل بطاعته، ويتركون ما سوى ذلك من القول الذي لا يدل على رشاد ولا يهدي إلى سداد). التأويل الرابع: قيل يستمعون القرآن وغيره فيتبعون القرآن. ذكره القرطبي. التأويل الخامس: قيل: يستمعون القرآن وأقوال الرسول فيتبعون أحسنه أي محكمه فيعملون به. قال الشوكاني في فتح القدير: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ قال: بالثواب الجزيل وهو الجنة، وهذه البشرى إما على ألسنة الرسل، أو عند حضور الموت أو عند البعث

стр. 4062

﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ قال: والمعنى: يستمعون القول الحق من كتاب اللَّه وسنة رسوله فيتبعون أحسنه أي محكمه ويعملون به). التأويل السادس: قيل يستمعون الرخص والعزائم فيتبعون العزائم ويتركون الرخص. قال القرطبي: (وقيل يستمعون عزمًا وترخيصًا فيأخذون بالعزم دون الترخيص). التأويل السابع: قيل يستمعون العقوبة الواجبة لهم والعفو فيأخذون بالعفو. قال القاسمي: (أي إيثارًا للأفضل واهتمامًا بأكمل. قال: ويدخل تحته أيضًا إيثار الأفضل من كل نوعين، اعترضا. كالواجب مع الندب. والعفو مع القصاص. والإخفاء مع الإبداء في الصدقة، وهكذا). التأويل الثامن: قيل المراد النقد في الدين لتختر ما هو أصوب وأصح وأكمل. قال الزمخشري: (أراد أن يكونوا نقادًا في الدين، يميزون بين الحسن والأحسن والفاضل والأفضل. ويدخل تحته المذاهب واختيار أثبتها على السبك وأقواها عند السبر، وأبينها دليلًا وأمارة. وأن لا تكون في مذهبك كما قال القائل: ولا تكن مِثْلَ عَيْرٍ قِيدَ فانقادا يريد المقلد) انتهى. قلت: وإنما البيت بأكمله يدل على المعنى فأصله: شَمِّرْ وكن في أمور الدِّين مجتهدًا ... ولا تكن مِثْلَ عَيْرٍ قيدَ فانْقادا التأويل التاسع: قيل: إن أحسن القول على من جعل الآية فيمن وَحَّدَ اللَّه قبل الإسلام (لا إله إلا اللَّه). قال عبد الرحمن بن زيد: (﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا. . .﴾ الآيتين. حدثني أبي أن هاتين الآيتين نزلتا في ثلاثة نفر كانوا في الجاهلية يقولون: لا إله إلا اللَّه: زيد بن عمر، وأبي ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، نزل فيهم ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ في جاهليتهم ﴿وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ لا إله إلا اللَّه، أولئك الذين هداهم اللَّه بغير كتاب ولا نبي ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾) ذكره ابن جرير في التفسير. أي اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها في جاهليتهم واتبعوا أحسن ما صار من القول إليهم، فآمنوا بمحمد صلوات اللَّه وسلامه عليه يوم بُعثَ فيهم. قلت: وكلها تأويلات يحتملها البيان الإلهي والإعجاز، وفيها الآثار الطيبة العطرة من أهل التفسير والعمل والعلم والاجتهاد والإنجاز، وما هي إلا اختلافات تنوع

стр. 4063

لا تضاد، بل تدور كلها حول قول الفصل والسداد من أن الذين بنوا إيمانهم وصروح يقينهم ودينهم على ركام الباطل والطاغوت، فسمت نفوسهم بكبرياء الإيمان والاعتزاز باللَّه، فندموا على ما فرطوا في جاهليتهم وفي لحظات ضعفهم، فشمخوا بالمعالي وحدثتهم نفوسهم بالجهاد، فإذا جاءهم الأمر من اللَّه سارعوا إلى امتثاله وتسجيل أعلى الأرقام في إتياف وبلوغه، وإذا خُيّروا بين الأمور العظام رأيتهم يتسابقون إلى أشدّها وما فيها إرضاء للَّه أعلى وأكبر، وإغاظة لعدوه وعدوهم أكثر وأوفر، ولو خيّروا بين الرخص والعزائم حدثتهم نفوسهم باختيار العزائم ولكن حبّ اللَّه لرخصه أنزلهم عند ما أحبّه ربهم واختاره، وإذا سمعوا لغوًا أعرضوا عنه، وإذا كان نصيحة سارعوا إليها، وإذا كان أمرًا في الدين تخيروا أثبته وأقواه وأدقهُ صوابًا وصحة وثبوتًا، وإذا خيرّوا بين العفو والقصاص رأيتهم رحماء كرماء يحبون العفو ليعفو اللَّه عنهم كما وصفهم ربهم بقوله في سورة آل عمران: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. وبقوله في سورة الشورى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. وهذه الصفات العالية لأصحاب وأتباع هذا النبي الكريم مبسوطة في القرآن والتوراة والإنجيل: فقد أخرج البخاري عن عطاء بن يسار قال: [لقيت عبد اللَّه بن عمرو بن العاص. قلت: أخبرني عن صفة رسول اللَّه ﷺ في التوراة، قال: أجل، واللَّه إنه لموصوف ببعض صفته في القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾، وحِرْزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سَمَّيْتُكَ المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخّاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولنْ يقْبِضَهُ اللَّه حتى يقيمَ به الملةَ العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا اللَّه، ويفتح بها أعينًا عمْيًا، وآذانًا صمًا، وقلوبًا غُلْفًا] (١). وله شاهد عند الدارمي -وفي المشكاة- وهذا لفظ المصابيح: عن كعب يحكي عن التوراة قال: [نجد مكتوبًا محمدٌ رسول اللَّه عبدي المختار، لا فظّ ولا غليظ، ولا سخّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، مولده بمكة، وهجرته بطيبة، وملكه بالشام، وأمته الحمادون، يحمدون اللَّه في السراء والضراء، يحمدون اللَّه في كل منزلة، ويكَبرونه على كل شرف، رعاةٌ للشمس، يصلون الصلاة إذا جاء وقتها، يتأزّرون على أنصافهم، ويتوضؤون على أطرافهم،

стр. 4064

مناديهم ينادي في جوّ السماء، صفُّهم في القتال وصفّهم في الصلاة سواء، لهم بالليل دويٌّ كدوي النحل]. فلقد سمعوا من نبيّهم صلوات اللَّه وسلامه عليه قوله: [إن اللَّه يحبّ معاليَ الأخلاق ويكره سَفْسَافها] (١). وقوله: [إن اللَّه تعالى يحبّ معاليَ الأمور وأشرافها، ويكره سَفْسَافها]، فتعلقت قلوبهم بالمعالي وأشراف وعظام الأمور. وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. أي: فهم الذين علم اللَّه صدق قلوبهم فهداهم هداية التوفيق والإلهام بعد هداية الدلالة والإرشاد، وهم أصحاب العقول وأولو النهى. وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾. قال قتادة: (﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ بكفره). قلت: وهذه الآية كقوله في سورة البقرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. قال ابن عباس: (كان رسول اللَّه ﷺ يحرص أن يؤمن جميع الناس ويتابعوه على الهدى، فأخبره اللَّه تعالى أنه لا يؤمن إلا من سبق له من اللَّه السعادة في الذكر الأول، ولا يضل إلا من سبق له من اللَّه الشقاوة في الذكر الأول). وهي كقوله أيضًا في سورة يونس: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾. قال ابن جرير: (أفمن وجبت عليه عليه العذاب في سابق علم ربك يا محمد بكفره). والمراد من تخلف عن الإيمان من أقاربه ﵊ كما قال ابن عباس: (يريد أبا لهب وولده ومن تخلف من عشيرة النبي ﷺ عن الإيمان). قلت: وهذه الآية من أصول الإيمان بالقدر، فإن أصوله ثلاثة: أولًا: الإيمان بعلم اللَّه المطلق. ثانيًا: الإيمان بالحكمة البالغة الكاملة للَّه جل ثناؤه. ثالثًا: الإيمان واليقين بصفة العدل للَّه. وعلى هذا يفسر هذا التحدّي من اللَّه لأبي لهب بقوله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢) سَيَصْلَى نَارًا

стр. 4065

ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾. وقد نزلت هذه السورة في حياة أبي لهب يُعْلِمُ اللَّه فيها الأمة جميعًا بأن أبا لهب سيخرج من الدنيا كافرًا ولم يجبره أحد على هذا الاختيار وإنما هو علم اللَّه المطلق وحكمته وعدله. وبناء على هذا يُفَسَّرُ حديث الإمام أحمد والترمذي والنسائي عن عبد اللَّه بن عمرو قال: [خرج علينا رسول اللَّه ﷺ وفي يده كتابان فقال: أتدرون ما هذان الكتابان؟ قال: قلنا لا إلا أن تُخْبرنا يا رسول اللَّه. قال للذي في يده اليمنى هذا كتاب من رِبّ العالمين ﵎ بأسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أُجْمِلَ على آخرهم لا يُزاد فيهم ولا يُنْقصُ منهم أبدًا. ثم قال للذي في يساره هذا كتاب أهل النار بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أُجْمِل على آخرِهم، لا يزادُ فيهم ولا يُنْقَص منهم أبدًا. فقال أصحاب رسول اللَّه ﷺ : فَلأيّ شيءٍ إذنْ نَعْمَلُ إن كان هذا أمرًا قد فُرخ منه؟ قال رسول اللَّه ﷺ : سدِّدوا وقاربوا فإن صاحِبَ الجنة يُخْتَم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أي عمل، وإنّ صاحبَ النار ليُخْتَمُ له بعمل أهل النار وإن عمل أيَّ عمل. ثم قال بيده فقبضها ثم قال: فرغ ربكم من العباد ثم قال باليمنى فنبذ بها فقال: فريق في الجنة، ونبذ باليسرى فقال: فريق في السعير] (١). وأما تكرار الإستفهام في الآية بقوله ﴿أَفَأَنْتَ﴾ فهو يستخدم للتأكيد عند طول الكلام، كما قال جل ثناؤه في سورة المؤمنون: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾، فَردَّدَ أنكم مرتين للتأكيد وهو أسلوب تستعمله العرب عند التطويل كما ذكر سيبويه. ونحوه قوله في سورة آل عمران: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. فالمراد بآية الزمر استفهام واحد فيسبق الاستفهام، ثم يرد الاستفهام إلى موضعه حيث الحاجة إليه كان التقدير: (أفانت تنقذ من حقت عليه كلمة العذاب في النار). ومنهم من جوَّز في الكلام محذوفًا والتقدير: (أفمن حق عليه كلمة العذاب ينجو منه) وما بعده مستأنف، واللَّه تعالى أعلم. وقوله تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾.

стр. 4066

هو خبر من اللَّه سبحانه عن أهل السعادة وما أُعِدَّ لاستقبالهم وما هُيِّئَ لإتحافهم، بعد أن ذكر سبحانه وأخبر عن حال الأشقياء الذين ستسوء منازلهم وسيلقون ما يزعجهم. أما هؤلاء فهم سكان الغرف الخاصة وهي القصور في الجنة التي تتداخل فيها طباق مبنيّات محكمات مزخرفات بعضها فوق بعض تطل على أنهار جميلة تسلك عبر الأشجار والثمار والخضرة والأزهار، وما فيها من ألوان فتانة تُفرح القلوب وتزيد في الحال جمالًا وسحرًا. فعن ابن عباس (قوله ﴿غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ قال: من زبرجد وياقوت). قال الشوكاني ﵀: (وذلك لأن الجنة درجات بعضها فوق بعض، ومعنى ﴿مَبْنِيَّةٌ﴾ أنها مبنية بناء المنازل في إحكام أساسها وقوة بنائها وإن كانت منازل الدنيا ليست بشيء بالنسبة إليها ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي من تحت تلك الغرف، وفي ذلك كمال لبهجتها وزيادة لرونقها). وقال ابن القيم ﵀: (أخبر أنها غرف فوق غرف، وأنها مبنية بناء حقيقة، لئلا تتوهم النفوس أن ذلك تمثيل، وأنه ليس هناك بناء. بل تتصور النفوس غرفًا مبنية كالعلالي، بعضها فوق بعض، حتى كأنه ينظر إليها عيانًا. ومبنية صفة للغرف الأولى والثانية، أي لهم منازل مرتفعة وفوقها منازل أرفع منها). ثم قال في قوله تعالى في سورة الفرقان: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾ قال: (الغرفة جنس كالجنة. وتأمل كيف جعل جزاءهم على هذه الأقوال المتضمنة للخضوع والذل والاستكانة للَّه، الغرفة والتحية والسلام، في مقابلة صبرهم على سوء خطاب الجاهلين لهم، فبدَّلوا بذلك سلام اللَّه وملائكته عليهم). قلت: وبنحو هذه الآية قوله تعالى في سورة سبأ: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾. وفي الصحيحين عن أبي سعيد مرفوعًا: [إن أهلَ الجنة يتراءَون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءَون الكوكب الدُّريَّ الغابِرَ في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم. قالوا: يا رسول اللَّه! تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم. قال: بلى والذي نفسي بيده، رجال آمنوا باللَّه وصدقوا المرسلين] (١). ولفظه من طريق سهل بن سعد: [إن أهل الجنة ليتراءَون أهلَ الغرف في الجنة كما تراءَوْن الكواكب في السماء].

стр. 4067

وفي الصحيحين أيضًا عن أبي موسى قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إن للمؤمن في الجنة لخيمةً من لؤلؤة واحدة مجؤفة عرضها (وفي رواية: طولها) ستون ميلًا، في كل زاوية منها أهل ما يرون الآخرين، يطوف عليهم المؤمن، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتُهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداءُ الكبرياء على وجهه في جنة عدن] (١). وقد أخرج الطبراني من حديث أبي مالك الأشعري أن رسول اللَّه ﷺ قال: [إنّ في الجنة غرفًا يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدها اللَّه لمن أطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام] (٢). وأما تشكيلة البناء وترتيبها فقد جاء ذلك تفصيله في مسند الإمام أحمد عن أبي مجاهد (سَعْدٌ الطائي) قال حدثنا أبو المُدِلَّةِ مَوْلى أم المؤمنين سمع أبا هريرة يقول: قلنا يا رسول اللَّه: إنا إذا رأيناكَ رَقَّتْ قلوُبنا وكنا من أهل الآخرة وإذا فارقناك أعجبتْنا الدنيا وشمَمْنَا النساء والأولاد. قال: [لو تكونون أو قال: لو أنكم تكونون على كل حال على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة بأكُفِّهِمْ ولزارتكم في بيوتكم، ولو لم تُذْنِبُوا لجاء اللَّه بقوم يذنبون كي يغفرَ لهم. قال: قلنا يا رسول اللَّه حدِّثنا عن الجنة ما بناؤها؟ قال: لبِنَةُ ذهب ولبنةُ فضة ومِلاطُها المِسْكُ الأذْفَرُ وحَصْبَاؤها اللؤلؤُ والياقوتُ وتُرابُها الزَّعفرانُ، مَنْ يَدْخُلُها يَنْعم ولا يَبْأسُ ويَخْلُد ولا يموتُ ولا تَبْلى ثيابُهُ ولا يفنى شَبابُهُ، ثلاثةٌ لا تُرَدُّ دعوتهم: الإمام العادل والصائم حتى يفطر ودعوة المظلوم تُحْمَلُ على الغمام وتُفْتَحُ لها أبواب السماء ويقول الرب : وعزتي لأَنْصُرَنَّكَ ولو بعد حين] (٣). فنسأل اللَّه العظيم أن يبلغنا الغرف المبنية، فإن الجنة تشتاق لأهلها ولأعلامها ولأوليائها، كما روى الليث بن سعد عن معاوية بن صالح عن عبد الملك بن بشير ورفع الحديث قال: [ما من يوم إلا والجنة والنار يسألان، تقول الجنة: يا رب قد طاب ثمري واطردت أنهاري واشتقت إلى أوليائي فعجّل إليّ بأهلي. وتقول النار: اشتد

стр. 4068

حرّي وبعد قعري وعظم جمري فعجل عليَّ بأهلي. وقال سبحانه ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾] (١). فال ابن القيم في حادي الأرواح: (ففي هذا الحديث طلب الجنة أهلها وكذلك النار). وقوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. قال ابن جرير: (لكن الذين اتقوا ربهم بأداء فرائضه واجتناب محارمه لهم في الجنة غرف من فوقها غرف مبنية علاليّ بعضها فوق بعض تجري من تحت أشجار جناتها الأنهار). وقال ابن كثير: (تسلك الأنهار بين خلال ذلك كما يشاؤون وأين أرادوا). وقال القرطبي: (﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي هي جامعة لأسباب النزهة). وقوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ في محل نصب، والتقدير: وعدهم اللَّه ذلك وعدًا. قال القرطبي: (ويجوز الرفع بمعنى ذلك وعد اللَّه). أي ما ذكره سبحانه وعد وعده عباده المؤمنين وهو سبحانه لا يخلف وعده، كما قال في سورة النساء ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾، وكما قال ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ فهو وعد للفريقين سيعاينونه. وبنحوه في مسند الإمام أحمد وسنن ابن ماجة وصحيح ابن حبان عن صهيب مرفوعًا [إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، نادى مناد: يا أهل الجنة إنّ لكم عند اللَّه موعدًا يريدُ أن ينجزكمُوهُ، فيقولون: وما هو؟ ألم يثقِّلِ اللَّه موازيننا ويُبَيِّض وجوهنا، ويُدخلنا الجنة، وينجنا من النار؟ فَيُكْشَفُ الحجابُ، فينظرون إليه فواللَّه ما أعطاهم اللَّه شيئًا أحبَّ إليهم من النظر إليه ولا أقرَّ لأعينهم] (٢). فهلمّ إخوة الدين والإيمان إلى جنة عرضها السماوات والأرض، فيها غرف مبنية بعضها فوق بعض، تجري من تحت ظلالها وأشجارها الأنهار، وعدها اللَّه الذين آمنوا وأخلصوا دينهم له، وجاهدوا في سبيله وتحاكموا إلى شرعه ومنهاجه، وأقاموا الدين في حياتهم وعظموا حرمات ربهم، وعد اللَّه لا يخلف اللَّه الميعاد. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾.

стр. 4069

أصل الينابيع في لغة العرب من نَبَعَ، يقال: نَبَعَ الماء إذا خرج، ونَبَعَ يَنْبِعُ نَبَعَانًا، واليَنْبُوع عينُ الماء، ومنه قوله تعالى في سورة الإسراء ﴿حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾. والجمع ينابيعَ، والينبوعُ هو ما جاش من الأرض ويجوز في مضارعه رفع ونصب وكسر الباء أي نبعَ يَنبَعُ وينبُعُ وينبعُ. وعن الشعبي في قوله ﴿فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ قال: (كلّ ندى وماء في الأرض من السماء نزل). فأصل الماء الذي في الأرض من السماء كما قال سبحانه في سورة الفرقان: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾. قال سعيد بن جبير: (أصله من الثلج، يعني أن الثلج يتراكم على الجبال فيسكن في قوارها فتنبع العيون من أسافلها). وعن ابن عباس قال: (ليس في الأرض ماء إلا نزل من السماء ولكن عروق في الأرض تُغيرُهُ). وأما توزيعه فبحكمة اللَّه، فقد أخرج الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس قال: [ما من عام بأكثر مطرًا من عام ولكن اللَّهَ يُصرِّفه بين خلقه حيث يشاء، ثم قرأ ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾] (١). فهو يقسمه سبحانه حسب رضاه عن عباده. وله شاهد عن البغوي عن ابن مسعود يرفعه: [ليس من سنة بأمَرَّ من أخرى ولكن اللَّه قسم هذه الأرزاق، فجعلها في السماء الدنيا في هذا القطر، ينزل منه كل سنة بكيل معلوم ووزن معلوم، وإذا عمل قوم بالمعاصي حول اللَّه ذلك إلى غيرهم، فإذا عصوا جميعًا صرف اللَّه ذلك إلى الفيافي والبحار] (٢). قال الضحاك: (كل ماء في الأرض فمن السماء نزل، إنما ينزل من السماء إلى الصخرة، ثم تقسم منها العيون والركايا). فإن اللَّه يقسم كيف شاء. وأما قوله ﴿فَسَلَكَهُ﴾ أي فأدخله في الأرض وأسكنه فيها. ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾. قال الحسن بن مسلم: (ثم أنبت بذلك الماء الذي أنزله من السماء فجعله في الأرض عيونًا زرعًا ﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ يعني: أنواعًا مختلفة من بين حنطة وشعير وسمسم

стр. 4070

وأرز ونحو ذلك من الأنواع المختلفة ﴿ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾ يقول: ثم ييبسُ ذلك الزرع من بعد خُضرته، يقال للأرض إذا يبس ما فيها من الخضر وذوى: هاجت الأرض وهاج الزرع). وقال الأصمعي: (يقال هاجت الأرض تهيج إذا أدبر نبتها وولى). وأرض هائجة إذا يبِسَ نبتُها أو اصفر. قال الرازي: (هاجَ الشيء ثار) والهيجاء الحرب، وهاج هائجه أي ثار غضبه. ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا﴾. أى: فتاتًا متكسرًا من قولك تحطم العود إذا تفتت وتكسر من اليبس ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. وفي هذا التمثيل ذهب أهل التفسير إلى ثلاثة أقوال: القول الأول: المعنى أن من فعل هذا قدر على الإعادة والبعث يوم القيامة. ذكره القرطبي. القول الثاني: هو مثل ضربه اللَّه للدنيا، فكما يصفر النبت الأخضر وييبس فكذلك الدنيا بعد بهجتها. قال الحافظ ابن كثير: (﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أي الذين يتذكرون فيتعظون بأن الدنيا هكذا، تكون خضراء حسناء، ثم تعود عجوزًا شوهاء، والشاب يعود شيخًا ضعيفًا ثم يموت، فالسعيد من كان حاله بعده إلى خير). القول الثالث: هو مثل ضربه اللَّه للقرآن ينمو ويزهر في صدور المؤمنين. قال الشوكاني في فتح القدير: (والمعنى: أنزل من السماء قرآنًا فسلكه في قلوب المؤمنين، ثم يخرج به دينًا بعضه أفضل من بعض، فأما المؤمن فيزداد إيمانًا ويقينًا، وأما الذي في قلبه مرض فإنه يهيج كما يهيج الزرع). قلت: وكلها أقوال متقاربة يحتملها المجاز والإعجاز، فإن من قدر على إنزال الماء وتحريك البذور به لتخرج ثمارًا وأزهارًا ثم تصفر وتيبس ثم تتفتت، قادر على إحياء العظام وقد صارت رميمًا مبعثرة، فيجمعها وهو خالقها وقد علم كيفية تبعثرها فقال في سورة (ق): ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾، ثم إنه كثيرًا ما يضرب اللَّه مثل الحياة الدنيا بالزرع الذي يكون ناضرًا ثم يتحول حطامًا كما جاء في سورة الكهف: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾. وفي جامع الترمذي بسند صحيح عن سهل بن سعد، عن النبي ﷺ قال: [لو كانت الدنيا تَعْدِل عند اللَّه جناحَ بعوضة،

стр. 4071

ما سقى كافرًا منها شَربة ماء] (١). وخرّج أيضًا عن عبد اللَّه مرفوعًا: [مالي وللدنيا؟ ما أنا والدنيا؟ ! إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب ظلَّ تحت شجرة ثم راح وتركها] (٢). وسببه كما قال ابن مسعود: (اضطجع رسول اللَّه ﷺ على حصير فأثر في جنبه، فلما استيقظ جعلت أمسح جنبه، فقلت: يا رسول اللَّه ألا آذنتنا حتى نبسط لك على الحصير شيئًا؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : (فذكره)). ولفظ ابن حبّان عن ابن عباس: أن رسول اللَّه ﷺ دخل عليه عمر وهو على حصير قد أثر في جنبه فقال: يا نبيَّ اللَّه لو اتخذت فراشًا أوثر من هذا؟ فقال: [مالي وللدنيا؟ ! ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف، فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار، ثم راح وتركها]. ثم إن القرآن في ازدهاره في قلوب المؤمنين وإحياء قلوبهم كمثل الغيث ينزل في الأرض الميتة فيحييها كما قال جل ثناؤه: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢] فإن الوحي حياة ونور. وفي الصحيحين والمسند عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: [مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن، كمثل الأترجَّة، ريحها طيب وطعمها طيب، ومثلُ المؤمن الذي لا يقرأ القرآن، كمثل التمرةِ، لا ريح لها وطعمها حلوٌ، ومثلُ المنافق الذي يقرأ القرآن، كمثل الريحانة، ريحُها طيب وطعمها مرّ، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، ليس لها ريح وطعمها مرّ] (٣). وعند البخاري عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: [مثل ما بعثني اللَّه به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير، أصاب أرضًا فكان منها نقيةٌ قبلتِ الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع اللَّه بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفةً أخرى إنما هي قيعان، لا تمسكُ ماءً ولا تنبت كلأً، فذلك مثلُ مَنْ فَقُهَ في دين اللَّه ونفعه ما بعثني اللَّه به فعلم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى اللَّه الذي أرسلت به] (٤). فسبحان من أحيا القلوب فآمنت به وجاهد أهلها في سبيله، وسبحان من جعل من بعد قوة ضعفًا وشيبة ثم موتًا ثم بعثًا ونشورًا وحسابًا ومعادًا، فريق في الجنة، وفريق في السعير ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾.

стр. 4072

٢٢ - ٤٠. قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢) اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣) أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٢٤) كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٥) فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٢٦) وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٩) إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٣٢) وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥) أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ (٣٧) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨) قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٤٠)﴾. في هذه الآيات: خطاب من اللَّه تعالى لنبيّه ﷺ : أفمن فَسحَ اللَّه قلبه لمعرفته

стр. 4073

يا محمد، والإقرار بألوهيته، وإفراده بالعبادة والتعظيم فهو يمضي على بصيرة من اللَّه في كل شأنه وأحواله كمن هو بعيد عن الحق يعيش قسوة القلب وغشاء السكر على عقله وفؤاده، فهذا القرآن أعظم الحديث والذكر فمن شأنه أن تخبت قلوب المؤمنين عند سماعه وتقشعر جلودهم خوفًا مما فيه من الوعد والوعيد، فهو مثاني تُثَنَّى فيه الأنباء والأخبار والقضاء والأحكام والبراهين والأدلة والحجج لينذر من كان حيًا فتناله منه خشية ورهبة تحمله على العمل ومباشرة الأمر، فيهديهم ربهم بهذا القرآن هداية توفيق وإلهام بعد أن أضاء لهم في قلوبهم طريق الإيمان والإحسان، فإن من يخذله اللَّه عن اتباع هذا القرآن فيضله فلا سبيل إلى توفيقه واهتدائه. أفمن ينجو يوم الحساب من العذاب كمن يُخَرُّ على وجهه في النار ويقال له ذق إنك أنت العزيز الكريم فهذا جزاء ما كنتم تكسبون، فقد مضى على منهاج التكذيب أمم قبلكم ودول دَكَّها اللَّه بغتة من حيث لا يشعرون، وأذاقهم خزي الدنيا ثم إنهم قادمون على فضيحة الآخرة وخزي الندامة لو كانوا يعلمون. لقد ضرب اللَّه في هذا القرآن العربي الفصيح أمثلة في غاية الدقة لمن أراد أن يذكّر أو أراد نجاة وأمانًا، فهل مثل عبد مملوك يشترك في ملكه رجال يتنازعونه بينهم كمن هو خالص لسيده، يبادله خالص الأجر والكرامة والتقدير، فذلك مثل من أشرك باللَّه وقَطَّعَ نَفْسَه ومَزَّق مستقبله ومثل من أخلص العبادة والتعظيم لخالقه جل ثناؤه. قل لقومك يا محمد: إنكم ستنتقلون لا محالة من هذه الدار وستجتمعون عند اللَّه في الدار الآخرة وهناك تختصمون فيفصل بينكم فينجي المؤمنين ويعذب المشركين، فمن أظلم ممن كذب بالوحي والتنزيل ونسب للَّه صفات النقص ظلمًا وزورًا فإن جهنم تنتظره وأشباهه من المستكبرين، وأما من أخلص التقوى للَّه وصدق رسوله فلهم جزاء الضعف في الجنات وهم في الغرفات آمنون. أليس اللَّه يكفي من توكل عليه وأخلص العبادة له فلا تخف يا محمد من أصنامهم التي يخوفونك بها فإنما هي حجارة تبول عليها الطيور فإن اللَّه عزيز ذو انتقام. وليتهم يراجعون عقولهم إذ أقروا بالخلق للَّه ثم هم يدعون مخلوقات من دونه، وليتهم راجعوا أفئدتهم إذا مسّهم الضر فلمن يجأرون، الحجارة لا تسمع ولا تشاركهم نحيبهم ولا تواسيهم مصابهم أم إلى اللَّه الذي امتلأت النفوس من رهبته والتعلق برحمته ورجاء الفرج والمخرج من عنده فهو اللَّه العظيم عليه يتوكل المتوكلون. فاعملوا على طريقتكم فكل يعمل على شاكلته ثم مَرَدُّنا إلى اللَّه فسيرى كُلٌ مصير الآخر وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. فإلى تفصيل ذلك:

стр. 4074

قوله: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾. قال الرازي: الشّرْحُ: الكَشْف تقول (شرح) الغامِضَ أي فسَّره ومنه تشريح اللحم. وشرح اللَّه صدره للإسلام فانشرح أي فتحه ووسعه. قال القاسمي: (أي وسعه لتسليم الوجه إليه وحده، ولقبول دينه وشرعه بلطفه وعنايته وإمداده سبحانه). وقد ذهب بعض المفسرين للتفريق بين مرحلتين: قبل الإسلام وبعد الإسلام. ففي المرحلة الأولى: يكون المعنى يحتمل الشرح قبل الإسلام. قال ابن عباس: (وسع صدره للإسلام حتى ثبت فيه). وقال مجاهد: (ليس المنشرح صدره مثل القاسي قلبه). وفي المرحلة الثانية: أن يصرف الشرح إلى ما بعد الإسلام للثبات عليه. قال السدي: (وسع صدره بالإسلام للفرح به والطمأنينة إليه). قلت: والبيان الإلهي يحتمل الوجهين فإن من رضي بالإسلام فقد شرح اللَّه صدره له، ثم إذا صدق النية والخشية وعاكس الهوى والشهوة وتعلق قلبه بالإيمان والجهاد يشرح اللَّه صدره لهذا الحق والفرح بنصره والطمانينة عند رؤية دولته وشوكته. قال سبحانه في سورة الأنعام: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾. وقد أخرج الإمام أحمد في المسند وأبو داود والنسائي وابن ماجة في السنن بسند صحيح عن بريدة عن النبي ﷺ قال: [من قال حين يصبح أو حين يمسي: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني، وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوءُ لك بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فمات من يومه، أو ليلته دخل الجنة] (١). وعند أبي داود عن أبي سعيد قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [من قال رضيت باللَّه ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا، وجبت له الجنة] (٢). وقوله: ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ هو كقوله جل ثناؤه في سورة الأنعام: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾.

стр. 4075

وعن قتادة: (قوله: ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ قال: يعني كتاب اللَّه هو المؤمن، به يأخذ، وإليه ينتهي). وقال السدي: (النور الهدى). وقيل: علامة انشراح الصدر: الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت، فإذا حصل ذلك للعبد فهو على نور من ربه. وقد أخرج الإمام أحمد في المسند بسند صحيح عن عبد اللَّه بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: [إن اللَّه تعالى خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطاه ضل] (١). ورواه ابن حبان في صحيحه. قلت: والظلمة هي ظلمة الطباع والجهل والأهواء والخضوع للغرائز والشهوات، والنور هو نور الوحي ونور السنة نور النبوة والرسالات، نور الفطرة ونور الميثاق مع اللَّه الذي أخذه بنعمان وهو واد إلى جنب عرفات، كما أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: [أخذ اللَّه ﵎ الميثاق من ظهر آدم بنعمان يعني (يوم) عرفة فأخرج في صُلْبهِ كل ذرية ذرأها فنثرهم بين يديه كالذر ثم كلمهم قُبُلًا قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٢ - ١٧٣]] (٢). وقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. قال المبرد: يقال قسا القلب إذا صَلُبَ. وقلب قاس أي صُلْب لا يرق ولا يلين. وقيل المراد أبو لهب وولده، والراجح أن الآية عامة في كل من جفا قلبه ونأى عن ذكر اللَّه وأعرض عن القرآن. واختار ابن جرير أن (مِنْ) بمعنى (عن) والتقدير: فويل للقاسية قلوبهم عن قبول ذكر اللَّه وقال: (فويل للذين جفت قلوبهم ونأت عن ذكر اللَّه وأعرضت، يعني عن القرآن الذي أنزله تعالى ذكره. قال: هؤلاء القاسية قلوبهم من ذكر اللَّه في ضلال مبين، لمن تأمَّله وتدبّره يفهم أنه في ضلال عن الحق جائر). وقال القاسمي: (﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ

стр. 4076

مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾: أي من قبول ذكره لشدة ميلها إلى اللذات البدنية، وإعراضها عن الكمالات القدسية. قال: فـ "مِنْ" للتعليل والسببية). قال الفراء: (أي عن ذكر اللَّه كما تقول أتخمت عن طعام أكلته ومن طعام أكلته). قلت: وجملة القول أن الويل لمن لا تلين قلوبهم عند ذكر اللَّه ولا تتعلق بالحق ولا تخشع، ولا تعي معنى الأمن في الآخرة ولا تفهم ولا تريد أن تسمع، ومن هنا كان رسول اللَّه ﷺ يستعيذ باللَّه من ثلاث -كما أخرج الإمام أحمد من حديث أنس- عنه ويقول: [اللهم إني أعوذ بك من علمٍ لا ينفع، وعملٍ لا يُرْفَع، ودعاءٍ لا يُسمع] (١). وله شاهد عند الترمذي عن عبد اللَّه بن عمرو ولفظه: [اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن دعاء لا يُسمع، ومن نفس لا تَشْبع، ومن علمِ لا ينفع، أعوذ بك من هؤلاء الأربع] (٢). وأصله في صحيح الإمام مسلم من حديث زيد بن أرقم ولفظه: [اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجُبنِ والبُخل، والهرم وعذاب القبر، وفتنة الدجال، اللهم آت نفسي تقواها، وزكِّها أنت خير من زكاها، أنتَ وليها ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها] (٣). وفي الأثر عن مالك بن دينار قال: (ما ضُرِبَ عبدٌ بعقوبة أعظم من قسوة القلب، وما غضب اللَّه على قوم إلا نزع الرحمة من قلوبهم). وقد أخرج الدارمي بسند حسن عن قتادة قال: [قالت بنو إسرائيل: يا رب أنت في السماء ونحن في الأرض فكيف لنا أن نعرف رضاك من غضبك؟ قال: إذا رضيت عنكم استعملت عليكم خياركم، وإذا غضبت استعملت عليكم شراركم]. فنعوذ باللَّه من قسوة القلب، ومن أن يُسلط سبحانه على الأمة عتاة القلوب وأهل الجفاء والقسوة ومن لا يخاف اللَّه ولا يخشع. وقوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾. المراد القرآن الكريم، يشبه بعضه بعضًا ويصدق بعضه بعضًا فلا اختلاف فيه ولا تضاد، وما اشتبه في موضع رُدّ علمه إلى المحكم في موضع آخر، فهو كله حق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وقد

стр. 4077

علم تفسيره العلماء الراسخون، أتباع منهج الفهم عند الصحابة والأئمة والتابعين. وقد أخرج ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه، بإسناد جيد عن سعد في قول اللَّه ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ الآية. قال: [أنزل اللَّه القرآن على رسول اللَّه ﷺ فتلاه عليهم زمانًا، فقالوا يا رسول اللَّه لو قصصت علينا، فأنزل اللَّه: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [يوسف: ١]-إلى قوله- ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ الآية. فتلاها رسول اللَّه ﷺ زمانًا، فقالوا: يا رسول اللَّه لوحدثتنا، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾] (١). قلت: وفي الحديث إشارة إن أن أصل العلوم والحِكَم والخير هو القرآن، وأنّ كل فكر لا يتأصل من هذا الكتاب العظيم فهو فكر قاصر، وأن أي فلسفة أو قصص أو حكاية تشذ عن قواعد الأصول والعلم مرفوضة، وأنّ أحدًا لا يملك التأثير بأعظم من القرآن، كما لا يستطيع أحد أن يأتي بِحكمة غابت عن كتاب اللَّه أو الوحي الثاني وهو هدي نبيّه صلوات اللَّه وسلامه عليه، فإن القرآن والسنة هما أحسن الحديث. وفي قوله ﴿مُتَشَابِهًا﴾ معان متقاربة ذكرها المفسرون: المعنى الأول: أي يتشابه في الآيات والحروف. فعن قتادة: قال: (يشبه بعضه بعضًا في الآي والحروف). وفي رواية أخرى عنه قال: (الآية تشبه الآية، والحرف يشبه الحرف). وقال القاسمي: (أي يشبه بعضه بعضًا، في الصحة والإحكام والبناء على الحق والصدق ومنفعة الخلق ووجوه الإعجاز). المعنى الثاني: أي يتشابه في البناء والهيئة. قال السدي: (المتشابه: يشبه بعضه بعضًا). وقال ابن جرير: (يشبه بعضه بعضًا، لا اختلاف فيه ولا تضاد). المعنى الثالث: أي يتشابه في الحسن والحكمة ويصدق بعضه بعضًا. قال سعيد بن جبير: (يشبه بعضه بعضًا ويصدق بعضه بعضًا، ويدل بعضه على بعض). وقال القرطبي: (يشبه بعضه بعضًا في الحسن والحكمة ويصدق بعضه بعضًا، ليس فيه تناقض ولا اختلاف).

стр. 4078

المعنى الرابع: قيل يشبه كتب اللَّه المنزلة على أنبيائه، لما يتضمنه من أمر ونهي وترغيب وترهيب وإن كان أعم وأعجز. قلت: وهذ الآية حقًا تدل على إعجاز وسموّ هذا القرآن، فقد نزل على مدة طويلة نحو ربع قرن من الزمن، وجاء أوله يصدق آخره وأوسطه، فلا مفاجآت ولا تناقضات ولا خلل، فلو كان من عند غير اللَّه لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا، ولو كان مؤلفه بشرًا لظهرت فروق في الفهم والوعي والإدراك والمعالجة على طول ربع قرن، ولكنه الوحي كلام اللَّه خالق وبارئ الكون والبشر. وقد جمع كل ما يحتاجه الناس في حياتهم من أمرٍ ونهي وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال وَعِبَر، وما يحتاجونه للتزود من أجل النجاة في معادهم من نار سقر. كما قال جل ثناؤه في سورة القمر: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾. إلى قوله: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾. فهو متشابه في الأصل والحسن والحكمة. لقد أخرج ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه بإسناد حسن عن ابن مسعود عن رسول اللَّه ﷺ قال: [كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد على حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف: زجر وأمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال، فأحلوا حلاله وحرموا حرامه وافعلوا ما أمرتم به وانتهوا عما نهيتم عنه واعتبروا بأمثاله واعملوا بمحكمه وآمنوا بمتشابهه وقولوا آمنا به كل من عند ربنا] (١). وأما تسميته "حديثًا" قال الشوكاني: (لأن النبي ﷺ كان يحدث به قومه ويخبرهم بما ينزل عليه منه). ونُصب قوله ﴿كِتَابًا﴾ على أنه بدل من ﴿أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ يكون قوله ﴿مُتَشَابِهًا﴾ صفة لـ ﴿كِتَابًا﴾. ويجوز نصب ﴿كِتَابًا﴾ على أنه حال. وقد جاء معنى الحديث أنه القرآن في أكثر من موضع في كتاب اللَّه : كقوله في سورة المرسلات: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾. وكقوله في سورة النجم: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾. وكقوله في سورة النساء: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾. وكقوله في سورة القلم: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾. وقوله ﴿مَثَانِيَ﴾. أي: تثنى فيه الأخبار والمواعظ والحكم والأمثال، ومن روعته

стр. 4079

فهو لا يُمَلّ. وإليك تفصيل ما ذكر من أقوال: القول الأول: أي تثنى فيه الفرائض والأحكام. فعن قتادة قال: (ثنى اللَّه فيه الفرائض والقضاء والحدود). القول الثاني: أي تثنى فيه الأنباء والأخبار والقضاء. فعن الحسن قوله: (ثنى اللَّه فيه القضاء، تكون السورة فيها الآية في سورة أخرى آية تشبهها). قال ابن جرير: (تُثْنى فيه الأنباء والأخبار والقضاء والأحكام والحجج). القول الثالث: أي يثنى فيه الأمر فيذكر مرارًا لأهميته. فعن ابن عباس قال: (كتاب اللَّه مثاني، تثنى فيه الأمر مرارًا). وقال ابن زيد: (مردّد، رُدِّد موسى في القرآن، وصالح وهود والأنبياء في أمكنة كثيرة). القول الرابع: يثنى الأمر فيذكَرُ وَضِدُّه. فعن سفيان بن عيينة قال: (إن سياقات القرآن تارة تكون في معنى واحد، فهذان من المتشابه، وتارة تكون بذكر الشيء وضده كذكر المؤمنين ثم الكافرين وكصفة الجنة ثم صفة النار وما أشبه هذا. . . فهذا من المثاني كقوله تعالى ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الإنفطار: ١٣ - ١٤]. وأما إذا كان السياق كلّه في معنى واحد يشبه بعضه بعضًا فهو المتشابه، وليس هذا من المتشابه المذكور في قوله تعالى ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] ذاك معنى آخر). وذكر الشوكاني عن الرازي في تبيين مثاني: (أن أكثر الأشياء المذكورة في القرآن متكررة زوجين زوجين مثل الأمر والنهي والعام والخاص والمجمل والمفضل وأحوال السماوات والأرض والجنة والنار والنور والظلمة. . .). القول الخامس: أي يثنى في التلاوة فلا يُمَلّ. ذكره النسفي وغيره. قال الشوكاني: (وقيل يثنى في التلاوة فلا يمل سامعه ولا يسام قارئه). قلت: والقرآن موصوف بكل هذه الصفات العليا والنعوت الحسنى، فقد تكررت فيه الأنباء والأخبار والمواعظ والحكم والأمثال والمقارنة بين الضّدين والحالين ولكن ذلك كله يمضي في بيان رفيع، فما أجْمِلَ في موضع فُصِّل في موضع آخر، وما نبههَ إلى أهميته في موضع نُبِّهَ إلى جانب آخر في موضع آخر، ومن سموّ إعجازه وروعته أن سامعه لا يملُّه وأنه يثنى في التلاوة ولا تشبع منه القلوب، فهذه فاتحة الكتاب سميت بالسبع المثاني فهي تثنى وتكرر كل يوم في كل صلاة عشرات المرات ولا يملها القلب

стр. 4080

بل هو محتاج إلى معانيها وإلى بركتها في كل وقت وحين، فإياك نعبد يا ربنا وإياك نستعين على غرائزنا وشهواتنا ألا تشغلنا عن ذكرك ومنهجك. وقوله: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾. أصل القشعريرة في كلام العرب من الاضطراب والحركة. يقال: اقشعر جلده: إذا تقبض وتجمع من الخوف. فهي تضطرب وتتحرك خوفًا من الوعيد المذكور في القرآن، ومعايشة لهول الموقف وشدته على أهل الهزل والعصيان، ورجاء باللَّه العظيم أن يمنّ بالمغفرة ونيل الجنان. وأما قوله: ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ففيه أقوال: القول الأول: أي ثم تلين عند سماع آيات الرحمة. قال النسفي: (أي إذا ذكرت آيات الرحمة لانت جلودهم وقلوبهم وزال عنها ما كان بها من الخشية والقشعريرة). القول الثاني: أي ثم تلين إلى العمل والمسارعة بالخيرات. قال القاسمي: (أي بالانقياد والطاعة والسكينة لأمره). وهو اختيار ابن جرير. القول الثالث: أي تقشعر ثم تلين راجية رحمة اللَّه أن تغمرها في الدنيا والآخرة. فعن قتادة قال: (هذا نعت أولياء اللَّه نعتهم بأنها تقشعر جلودهم وتطمئن قلوبهم إلى ذى اللَّه، ولم ينعتهم بذهاب عقولهم والغشيان عليهم إنما ذلك في أهل البدع وهو من الشيطان). ذكره الشوكاني. وأفاد ذلك الحافظ ابن كثير بقوله: (فهم مخالفون لغيرهم من الفجّار من وجوه: أحدها: أنّ سماع هؤلاء هو تلاوة الآيات وسماع أولئك نغمات الأبيات من أصوات القينات. الثاني: أنهم إذا تليت عليهم آيات الرحمن خرّوا سجدًا وبُكيًا بأدب وخشية ورجاء ومحبة وفهم وعلم، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان: ٧٣]. أي إنما يعملون بها ويسجدون عندها عن بصيرة لا عن جهل وتقليد أعمى ومتابعة لغيرهم. الثالث: أنهم يلزمون الأدب عند سماعها كما كان الصحابة ﵃ يسمعونها وتقشعر جلودهم وتلين قلوبهم إلى ذكر اللَّه، ولم يكونوا يتصارخون ولا يتكلفون ما ليس فيهم بل عندهم من الأدب والسكون والخشية ما لا يلحقهم أحد

стр. 4081

في ذلك، ولهذا فازوا بالرضا والمدح من اللَّه في الدارين بخلاف بعض الجماعات! ! الذين تذهب عقولهم ويغشى عليهم، إنما هذا في أهل البدع وهذا من الشيطان). قلت: والبيان الإلهي يتسع لكل هذه الآفاق والمعاني التي يوصف بها المؤمنون المخبتون، الذين إذا سمعوا القرآن خشعت قلوبهم واقشعرت جلودهم واشتد خوفهم، فسارعوا إلى الخيرات وإلى ما ينجيهم من الأعمال الصالحات، فإذا ما مرّوا بآيات الرحمة لانت قلوبهم وفرحوا بما بشّرهم به ربهم، ولازَمَهم مع كل ذلك الورع، ولم يخرجوا من توازنهم واستقرارهم ووقارهم. فقد أخرج النسائي في كتاب العلم عن الأعمش قال: (بلغني عن مطرف بن عبد اللَّه بن الشخير أنه قال: فضل العلم أحب إليّ من فضل العبادة، وخير دينكم الورع). وقد ثبت هذا مرفوعًا من حديث ابن عمر وحذيفة أخرجه الطبراني. وقد ساق القرطبي أثرًا عن سعيد بن عبد الرحمن الجمحي قال: (مرّ ابن عمر برجل من أهل القرآن ساقطًا فقال: ما بال هذا؟ قالوا: إنه إذا قرئ عليه القرآن وسمع ذكر اللَّه سقط. فقال ابن عمر: إنا لنخشى اللَّه وما نسقط). ثم ساق أثرًا آخر عن عمر بن عبد العزيز قال: (ذكر عند ابن سيرين الذين يصرعون إذا قرئ عليهم القرآن، فقال: بيننا وبينهم أن يقعد أحدهم على ظهر بيت باسطًا رجليه، ثم يقرأ عليه القرآن من أوله إلى آخره فإن رمى بنفسه فهو صادق). وقوله: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾. وفي قوله ﴿ذَلِكَ﴾ قولان: القول الأول: ذلك هدى اللَّه أي القرآن. قال النسفي: (﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى الكتاب). القول الثاني: أي ذلك الذي وهبه اللَّه لأوليائه من الخشوع والرقة والقشعريرة ولين القلوب هو هدى اللَّه. قال ابن جرير: (هذا الذي يصيب هؤلاء القوم الذين وصفت صفتهم عند سماعهم القرآن من اقشعرار جلودهم ثم لينها ولين قلوبهم إلى ذكر اللَّه من بعد ذلك ﴿هُدَى اللَّهِ﴾ يعني توفيق اللَّه إياهم وَفَّقَهم له ﴿يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ يقول: يهدي ﵎ بالقرآن من يشاء من عباده ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ قال: ومن يخذله اللَّه عن

стр. 4082

الإيمان بهذا القرآن والتصديق بما فيه فيضله عنه فماله من موفِّق له ومسدد يسدده في اتباعه). وجملة القول: أن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم، وهو كتاب تخشع له جوارح المؤمنين به، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى تعظيمه، وامتثال أمره، وهذا من فضل اللَّه على أوليائه وتوفيقه. وفي معجم الطبراني عن جبير، عن النبي ﷺ قال: [أبشروا، فإن هذا القرآن طرفهُ بيد اللَّه، وطرفهُ بايديكم، فتمسكوا به، فإنكم لن تهلكوا ولن تضِلوا بعده أبدًا] وسنده صحيح (١). وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ فيه أكثر من تأويل: التأويل الأول: هو أن يرمى به في جهنم مكبوبًا على وجهه فذلك اتقاؤه إياه. قال عطاء: (يرُمى به مكتوفًا في النار فأول شيء تمسّ منه النار وجهه). وقال الشوكاني في "فتح القدير": (والمعنى: أفمن يقي نفسه بوجهه الذي هو أشرف أعضائه سوء العذاب يوم القيامة لكون يده قد صارت مغلولة إلى عنقه كمن هو آمن لا يعتريه شيء من ذلك ولا يحتاج إلى الاتقاء). وقال القاسمي: (أي فمن يجعل وجهه وقاية لشدة العذاب ذلك اليوم، أي قائمًا مقامها في أنه أول ما يمسه المؤلم له. لأن ما يتقى به هو اليدان، وهما مغلولتان. ولو لم تغلّا كان يدفع بهما عن الوجه لأنه أعز أعضائه. وقيل الاتقاء بالوجه كناية عن عدم ما يتقى به، لأن الوجه لا يتقى به). التأويل الثاني: هو أن يجرّ على وجهه في النار. فعن مجاهد قال: (يجرّ على وجهه في النار). وفي رواية عنه قال: (يخرُّ على وجهه في النار، يقول: هو مثل ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [فصلت: ٤٠]). التأويل الثالث: هو أن تغل يداه إلى عنقه ويرمى به في النار. قال مقاتل: (هو أن الكافر يرمى به في النار مغلولة يداه إلى عنقه، وفي عنقه صخرة عظيمة كالجبل العظيم من الكبريت، فتشتعل النار في الحجر وهو معلق في عنقه، فحرها ووهجها على وجهه، لا يطيق دفعها عن وجهه من أجل الأغلال) ذكره القرطبي.

стр. 4083

التأويل الرابع: أن يبقى المعنى على العموم: أي أفمن يعاين العذاب كمن هو آمن في الجنة. قال الزجاج: (أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب كمن يدخل الجنة). وقال الأخفش: (أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب أفضل أم من سعد؟ مثل قوله: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾). وقال ابن كثير: أفمن يواجه يوم القيامة أعظم العذاب كمن يكون في ذلك اليوم آمنًا منه؟ . وقال النسفي: (﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ كمن أمن من العذاب فحذف الخبر كما حذف في نظائره. قال: وسوء العذاب شدته، ومعناه أن الإنسان إذا لقي مخوفًا من المخاوف استقبله بيده وطلب أن يقي بها وجهه لأنه أعز أعضائه عليه، والذي يلقى في النار يلقئ مغلولة يداه إلى عنقه فلا يتهيأ له أن يتقي النار إلا بوجهه الذي كان يتقي المخاوف بغيره وقاية له ومحاماة عليه). قلت: وكلها تفاسير تدور حول المعنى الذي مفاده أن من كفر باللَّه ونعمه، واستكبر عن شكره سبحانه وحمده، وعن الخضوع والتذلل بين يديه معترفًا بعظمته، وجبروته وكبريائه الذي لا يليق إلا به، وضئع الوقت والعمر فيما يسخطه، وعاث في الأرض فسادًا يظلم ويسفك الدماء ويحارب اللَّه وأولياءه، فسوف يسحب في النار على وجهه إهانة له، إذ الوجه أكرم ما خلق اللَّه في الإنسان وفيه مركز الأوامر الخيرة والسيئة، ليذله اللَّه ويهينه يوم القيامة إذ آثر سَيِّئ القول والعمل، فهو يسحب في السلاسل يومئذ مكبلًا فيحاول الوجه صدّ العذاب واللهب وردّه دونما جدوى، فإن اليدين مكبلتان بما اجترحت في الدنيا من ظلم وآثام، كما قال جل ثناؤه في سورة الأحزاب: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾. وكقوله في سورة الأنبياء: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾. وكقوله في سورة القمر: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾. وكقوله في سورة الدخان: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾. وفي جامع الترمذي بسند حسن عن عبد اللَّه بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: [يحشر

стр. 4084

المتكبرون يوم القيامة أمثالَ الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يُساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار، يُسْقون من عُصَارة أهل النار طينة الخبال] (١). وقوله: ﴿وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾. أي: ذوقوا وبال ما اجترحتم من المعاصي والآثام ثم خرجتم من الحياة الدنيا دون توبة ولا رجعة، كقوله جل ثناؤه في سورة العنكبوت: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. وكقوله في سورة يونس: ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾. وكقوله في سورة التوبة: ﴿هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾. قال الشوكاني: ﴿وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ وهو معطوف على يتقي: أي ويقال لهم، وجاء بصيغة الماضي للدلالة على التحقيق). وقوله: ﴿مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ قال عطاء: (أي جزاء ما كنتم تعملون). وقوله تعالى: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾. أي فاجأهم اللَّه بالعذاب وقد سكروا في لهوهم وتكذيبهم فباغتهم به وهم لا يشعرون. قال النسفي: (من الجهة التي لايحتسبون ولايخطر ببالهم أن الشر يأتيهم منها بَيْنا هم امنون إذ فوجئوا من مأمنهم). والآية تشبه قوله في سورة الزمر نفسها: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾. أي فيصيبكم ما أصاب الأمم المكذبة من قبلكم. وقوله تعالى: ﴿فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. قال المبرد: (يقال لكل ما نال الجارحة من شيء قد ذاقته، أي وصل إليها كما تصل الحلاوة والمرارة إلى الذائق لهما. قال: والخزي من المكروه والخَزَاية من الاستحياء) ذكره القرطبي. والآية تشبه قوله سبحانه في سورة الرعد: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾. وقوله في سورة فصلت: ﴿لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾. قال الشوكاني: ﴿فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ﴾ أي الذل والهوان ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ بالمسخ والخسف والقتل والأسر وغير ذلك ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ لكونه في غاية الشدة مع دوامه). وقوله ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ قال

стр. 4085

النسفي: (لآمنوا). ولكنهم عموا عن مصائرهم فلم يتفكروا ولم يستعدوا ففاجأتهم مصيبة النار يوم القيامة لا زحزحة عنها. وفي الصحيحين والمسند عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [نارُكم هذه التي توقِدُ بنو آدمَ، جزءٌ من سبعين جزءًا من نار جهنم، قيل: يا رسول اللَّه! إن كانت لكافية؟ قال: فإنها فَضَلَتْ عليها بتسعة وستين جزءًا، كُلّهُنَّ مثلُ حرِّها] (١). ورواه الترمذي من حديث أبى سعيد ولفظه: [ناركم هذه جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم، لكل جزء منها حرّها] (٢). وفي صحيح مسلم عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: [النار عدوٌّ فاحذروها] (٣). وهذا في نار الدنيا فما بال نار الآخرة والعياذ باللَّه. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. أي لقد بسطنا في هذا القرآن كل ما يحتاجه الناس من مثل يُفَهِّمُهُمْ معناه ويقربه إلى أذهانهم، فمثّلنا لهؤلاء المشركين أمثالًا من القرون السالفة التي دَمَّرَ اللَّه فيها على المستكبرين بنيانهم وقلب نهارهم ليلًا، وأحال حاضرَ تلك الأمم الظالمة ماضيًا، وصَيَّرَهُم أحاديث للناس يضرب بهم المثل قاسيًا، لكل من أراد أن يمضي على منهاجهم وسنتهم ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، لعلهم ينزجرون ويتعظون أو يحدث لهم القرآن ذكرًا. فإن اللَّه سبحانه قد أنزله قرآنًا عربيًا فيه كل ما يوصلهم إلى سعادة دنياهم وأخراهم، وقد تفضل عليهم بأن أنزله بلسانهم. ثم وصفه بأنه ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ - وفيه أكثر من تأويل: التأويل الأول: أي غير ذي لَبْس، ويكون قوله ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ منصوب على الحال. قال مجاهد: (قرآنًا عربيًا غيرَ ذي عوج: غير دي لَبْس). وقال ابن جرير: (جعلناه قرآنًا عربيًا إذ كانوا عربًا ليفهموا ما فيه من المواعظ حتى يتقوا ما حذّرهم اللَّه فيه من بأسه وسطوته). ويجوز أن يكون النَصب على التوكيد أو المدح، أو يكون قرآنًا توكيد و ﴿عَرَبِيًّا﴾ حال.

стр. 4086

التأويل الثاني: أي غير مختلف. قال النحاس: (أحسن ما قيل فيه قول الضحاك، قال: غير مختلف) ذكره القرطبي. التأويل الثالث: أي غير مخلوق. ذكره ابن عباس، وَنُقِل عن السُّدي. التأويل الرابع: أي غير متضاد. روي ذلك عن عثمان بن عفان. وقال القاسمي: (أي مستقيمًا بريئًا من التناقض والاختلاف ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي العذاب والخزي يوم الجزاء، بالاتقاء من الأفعال القبيحة والأخلاق الرديئة، والاعتقادات الفاسدة). وقال النسفي: (﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾: مستقيمًا بريئًا من التناقض والاختلاف ولم يقل مستقيمًا للإشعار بأن لا يكون فيه عوج قط). التأويل الخامس: قيل المراد بالعوج الشك، ذكره السُّدي والماوردي. التأويل السادس: قيل المراد غير ذي لحن. ذكره القرطبي عن بكر بن عبد اللَّه المزني. وكل ما سبق من تاويل يحتمله البيان الإلهي ويتسع له الإعجاز القرآني، فإن هذا القرآن عظيم لا لَبْسَ فيه ولا اختلاف ولا تعارض ولا تضاد ولا لحن فيه ولا شك، فهو كلام اللَّه ليس بمخلوق لا يأتيه ألباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. وأما قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ -أي- الوقوع بما وقع به مَنْ قبلهم فيحق عليهم ما حقّ على غيرهم من عذاب الدنيا وخراب الآخرة. قال الشوكاني: (لعلهم يتقون: علة أخرى بعد العلة الأولى. وهي ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ أي لكي يتقوا الكفر والكذب). وقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. فإن ضرب الأمثال تلك ما مُثّلت إلا لِيُتَّقَى أعظم المخوفات وهو الشرك باللَّه، وهذا مثل رائع الدقة ألقاه اللَّه سبحانه ليقرع به عقول المشركين ومحاكماتهم: أفمثل من تنازعه أكثر من رجل فهو عبد مملوك مشترك بينهم، كمثل عبد خالص لرجل لا يملكه غيره؟ لا يستويان. فإن الأول يعاني من تَقَلُّب الأهواء وتحكم الآراء، وتناقض الرغبات. فذلك مثل مَن أشرك باللَّه وصرف العبادة والمحبة لغيره معه. وقد أجادَ العلّامة القاسمي ﵀ عندما عبّر عن هذا المثل فقال: (ضرب اللَّه مثلًا: أي للمشرك والموحد، رجلين مملوكين ﴿رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ أي سيئو

стр. 4087

الأخلاق، يتجاذبونه ويتعاورونه في مهماتهم المختلفة، لا يزال متحيرًا متوزع القلب، لا يدري أيهم يرضى بخدمته، وعلى أيهم يعتمد في حاجته ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ أي: خلص ملكه له، لا يتجه إلا إلى جهته. ولا يسير إلا لخدمته، فَهَمُّهُ واحد، وقلبه مجتمع ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ أي: صفة وحالًا. أي في حسن الحال وراحة البال؟ كلا. وهكذا حال من يثبت آلهة شتى. لا يزال متحيرًا خائفًا لا يدري أيهم يعبد، وعلى ربوبية أيهم يعتمد. وحال من لم يعبد إلا إلهًا واحدًا. فَهمُّهُ واحد. ومقصده واحد. ناعم البال. خافض العيش والحال. والقصد أن توحيد المعبود فيه توحيد الوجهة ودرء الفرقة. كما قال تعالى حكاية عن يوسف ﵇: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: ١٢]) انتهى. وقد قرأ قراء مكة والبصرة: ﴿ورجلًا سالمًا﴾ أي خالصًا لرجل. فعن مجاهد عن ابن عباس: (أنه قرأها سالمًا لرجل، يعني بالألف وقال: ليس فيه لأحد شيء). وهي قراءة مشهورة رويت كما ذكرنا عن ابن عباس وغيره. وأما قراء المدينة والكوفة فقرؤوها (سَلَمًا) أي صلحًا وهي بمعنى خلوصًا. وقرأها سعيد بن جبير وعكرمة (سِلْمًا) أي ذو سِلْم. والقراءة الأولى والثانية أشهر وإن كانت قراءة أهل المدينة أكثر شهرة، واختارها أبو حاتم وقال: (وهذا الذي لا تنازع فيه). وعن مجاهد في قوله: ﴿رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا﴾ قال: (هذا مثل إله الباطل وإله الحق). وعن قتادة قال: (هذا المشرك تتنازعه الشياطين لا يقَرّبه بعضهم لبعض ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ قال: هو المؤمن أخلص الدعوة والعبادة). وعن ابن عباس قال: (الشركاء المتشاكسون: الرجل الذي يعبد آلهة شتى، كلّ قوم يعبدون إلها يرضونه ويكفرون بما سواه من الآلهة، فضرب اللَّه هذا المثل وضرب لنفسه مثلًا يقول: رجل سَلِمَ لرجل. يقول: يعبدون إلهًا واحدًا لا يختلفون فيه). وعن السُّدي قال: (مثل لأوثانهم التي كانوا يعبدون). وقوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾. قال ابن جرير: (هل يستوي مثلُ هذا الذي يخدم جماعة شركاء سيئة أخلاقهم مختلفة فيه لخدمته مع منازعته شركاءه فيه، والذي يخدم واحدًا لا ينازعه فيه منازع إذا أطاعه عرف له موضع طاعته وأكرمه، وإذا أخطأ صفح له عن خطئه. يقول: فأي هذين أحسن حالًا وأروح جسمًا وأقل تعبًا ونصبًا). وبنحوه ذكر القرطبي فقال: (هذا الذي يخدم جماعة شركاء، أخلاقهم مختلفة،

стр. 4088

ونياتهم متباينة، لا يلقاه رجل إلا جزه واستخدمه، فهو يلقى منهم العناء والنصب والتعب العظيم، وهو مع ذلك كله لا يُرضي واحدًا منهم بخدمته، لكثرة الحقوق في رقبته، والذي يخدم واحدًا لا ينازعه فيه أحد. إذا أطاعه وحده عرف ذلك له، وإن أخطأ صفح عن خطئه، فأيهما أقل تعبًا، أو على هدى مستقيم). وقوله ﴿مَثَلًا﴾ صفة على التمييز، والمعنى هل تستوي صفتاهما وحالاهما. واقتصر في التمييز على الواحد لبيان الجنس واللَّه تعالى أعلم. وقد ورد نحو هذا المثل في السنة الصحيحة، فشبه ﵇ من امتثل طاعة اللَّه وحده بالعامل أخذ الأجر كله آخر يومه وبمن تجاذبته الأهواء والوجهات فترك العمل بمنتصف النهار دون أن يكمل ويأخذ أجره. فقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: [مثل المسلمين واليهود والنصارى، كمثل رجلٍ استأجر قومًا يعملون له عملًا إلى الليل، فعملوا إلى نصف النهار، فقالوا: لا حاجة لنا إلى أجرك الذي شرطت لنا وما عمِلنا لك، فقال لهم: لا تفعلوا، أكملوا بقية عملكم، وخذوا أجركم كاملًا، فأبوا وتركوه، فاستأجرَ أجراء بعدّهم، فقال: اعملوا بقية يومكم ولكم الذي شرطتُ لهم من الأجر، فعملوا، حتى إذا كان حين صلاة العصرِ قالوا: لك ما عمِلنا، ولكَ الأجرُ الذي جعلت لنا فيه، فقال: أكملوا بقية عملكم، فإنما بقي من النهار شيءٌ يسيرٌ، فأبوا، فاستأجر قومًا أن يعملوا له بقيةَ يومِهم، فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس واستكملوا أجر الفريقين كليهما، فذلكَ مثلُهم، ومثلُ ما قبلوا من هذا النور] (١). وأما قوله: ﴿رَجُلًا﴾ فهو بدل من ﴿مَثَلًا﴾ منصوب مثله، أو هو منصوب بنزع الخافض والتقدير: ضرب اللَّه مثلًا برجل. وقوله: ﴿مُتَشَاكِسُونَ﴾ قال الفراء: أي مختلفون. وقال الرازي: (شُكْسٌ) بوزن (قُفْل) أي صَعْب الخُلُق، وفي قوله تعالى: ﴿شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ قال: أي مختلفون عَسِرو الأخلاق. وهو من شَكسَ يَشكُسُ شُكسًا فهو شَكِسٌ مثل عَسُرَ يَعْسُرُ عُسْرًا فهو عَسِرْ. قال الزمخشري: (والتشاكس والتشاخس الاختلاف).

стр. 4089

وقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. قال ابن عباس: (يقول: مَنْ اختُلِفَ فيهِ خير أم من لم يُخْتَلَف فيه؟ ). وقال ابن جرير: (بل أكثر هؤلاء المشركين باللَّه لا يعلمون أنهما لا يستويان فهم بجهلهم بذلكَ يعبدون آلهة شتى من دون اللَّه). وقال ابن كثير: (أي فلجهلهم يشركون باللَّه). وغاية القول: أَنَّ هؤلاء بشركهم قد أعماهم اللَّه عن الحق أن يتبعوه، وعن نور الوحي أن يمشوا به، ما دام قد ظهر عليهم حب الكبر والظهور والرياء والعناد، فعاقبهم اللَّه بما انتكسوا وبما خضعوا لشهوات عقولهم ودنياهم، بأن أبقاهم في ورطة الشرك والضلال. وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾. قال الفرّاء: (الميّت بالتشديد من لم يمت وسيموت، والمَيْتُ بالتخفيف من فارقته الروح، فلذلكَ لم تخفف هنا). وأنشد أبو عمرو: وتسألني تفسير ميت وميّت ... فدونكَ قد فسرت إن كنتَ تعقلُ فمن كان ذا روع فذلكَ ميّتٌ ... وما الميتُ إلا من إلى القبرِ يحملُ وعن قتادة قال: (نُعِيَتْ إلى النبي ﷺ نفسُه، ونُعِيت إليكم أنفُسكم). قال القرطبي: (فاحتمل خمسة أوجه: أحدها: أن يكون ذلكَ تحذيرًا من الآخرة. الثاني: أن يذكره حثًا على العمل. الثالث: أن يذكره توطئة للموت. الرابع: لئلا يختلفوا في موتهِ كما اختلفت الأمم في غيره، حتى أن عمر ﵁ لما أنكر موته احتج أبو بكر ﵁ بهذه الآية فأمسك. الخامس: ليعلمه أن اللَّه تعالى قد سوّى فيه بين خلقه مع تفاضلهم في غيره، لتكثر فيه السلوة وتقل فيه الحسرة). وقال الشوكاني: (ووجه هذا الإخبار الإعلام للصحابة بأنه يموت. فقد كانَ بعضهم

стр. 4090

يعتقد أنه لا يموت مع كونه توطئة وتمهيدًا لما بعده حيث قال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾). وهناك من قرأها: "مائت ومائتون"، ولكن قراءة الجمهور أشهر ﴿مَيِّتٌ﴾ و ﴿مَيِّتُونَ﴾. وأما الاختصام ففي معناه أقوال: الأول: قال ابن عباس: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ قال: يقول: يخاصم الصادق الكاذب، والمظلوم الظالم، والمهتدي الضال، والضعيف المستكبر). وقال أبو العالية: (نزلت في أهل القبلة وذلكَ في الدماء والمظالم التي بينهم). الثاني: عن ابن زيد: (أهل الإسلام وأهل الكفر). الثالث: قيل: بل هو اختصام أهل الإسلام. ففي الأثر عن ابن عمر قال: (لقد عشنا برهة من دهرنا ونحن نرى هذه الآية نزلت فينا وفي أهل الكتابين ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ فقلنا: وكيف نختصم ونبينا واحد وديننا واحد، حتى رأيتُ بعضنا يضرب وجوه بعض بالسيف، فعرفت أنها فينا نزلت). وبنحوه أُثِرَ عن أبي سعيد الخدري قوله: (كنا نقول ربنا واحد، وديننا واحد، ونبينا واحد، فمَا هذه الخصومة؟ فلما كان يومُ صِفّين وشدّ بعضنا على بعض بالسيوف قلنا نعم هو هذا). وعن إبراهيم النَّخعي: (لما نزلت هذه الآية جعل أصحاب رسول اللَّه ﷺ يقولون: ما خصومتنا بيننا؟ فلما قتل عثمان ﵁ قالوا: هذه خصومتنا بيننا). الرابع: قيل المعنى تربص الكفار بموت النبي ﷺ . قال النسفي: (كانوا يتربصون برسول اللَّه ﷺ موته فأخبر أن الموت يعمهم فلا معنى للتربص وشماتة الفاني بالفاني، قال: فتَحْتَجّ أنت عليهم بأنك بلغت فكذبوا واجتهدت في الدعوة فلّجوا في العناد). قلت: والراجح عندي أن الآية عامة فلا حاجة لكم أيها المشركون أن تنتظروا موت محمد لتشعروا كما يخيّل إليكم بالأمن فإن الأمن هو الحق ودولته وما سوى ذلكَ فهو الخطر والقلق والخوف، فإنكم ماضون جميعًا عن هذه الحياة خارجون منها وإنما يبقى الحق ويبقى الإسلام، ثم تردون إلى عالم الغيبِ والشهادةِ فَيُبَيِّنُ لكم الفصل في ما كنتم تختلفون، ويكشف أمام خلقه سوء النية والمكر الذي كنتم تُبَيِّتُون، وفي ذلكَ اليوم

стр. 4091

يُقتصّ للمظلوم من ظالمهِ، وللمغدور من غادره، وللصادق من كاذبه، وللعالمِ من خائنه وواضع حقه. كما قال جل ثناؤه: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]. وقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه ﷺ قال: [من كانت عنده مَظْلَمةٌ لأخيه من عرضه (١) أو ماله، فليؤدها إليه، قبل أن يأتي يوم القيامةِ لا يقبل فيهِ دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه وأعطي صاحبهُ، وإن لم يكن له عمل صالح، أخذ من سيئات صاحبه فحملت عليه] (٢). وأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا دراهم له ولا متاع، فقال: إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناتهُ قبل أن يمضى ما عليهِ أُخذ من خطاياهم فطرحت عليهِ، ثم طرح في النار] (٣). وفي صحيح الحاكم والسياق له -وكذا رواه أحمد وابن ماجة- عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: [من مات وعليه دين، فليس ثئم دينار ولا درهم، ولكنها الحسنات والسيئات] (٤). وأخرج الترمذي بسند حسن عن الزبير قال: [لما نزلت: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ قال الزبير: يا رسول اللَّه، أتكرر علينا الخصومة بعد الذي كان بيننا في الدنيا؟ قال: نعم. فقال: إن الأمر إذن لشديد] (٥).

стр. 4092

وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾. أي: فلا أحد أعظم جرمًا ممن كذَبَ على اللَّه وافترى عليهِ الكذب فنسب لهُ الولد ونسب لهُ البنات على أنهم الملائكةُ ونسبوا له شركاء الجن وخلقهم، فاللَّهُ جل ثناؤه تعالى أن يكونَ لهُ ولد أو صاحبة أو شريك فهو الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن لهُ كفوًا أحد. وعن قتادة: (﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾: أي بالقرآن). وقال النسفي: (﴿إِذْ جَاءَهُ﴾: فاجأهُ بالتكذيب لما سمع به من غير وقفة لإعمال روية أو اهتمام بتمييز بين حق وباطل كما يفعل أهل النصفة فيما يسمعون). وقوله: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ﴾ هو استفهام إثبات وتقرير. ﴿مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ أي مقام للجاحدين والمعاندين. وهو مشتق من ثوى يثوي ثواءً وثُوِيًا. يقال: ثوى فلان بالمكان إذا أقام به. فإن جهنم دار إقامة للمكذبين المستكبرين. وقوله: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ فيه أقوال: الأول: عن ابن عباس: (يقول: من جاء بلا إله إلا اللَّه ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ يعني: رسوله). الثاني: قيل المقصود النبيّ وأبو بكر. فعن أسيد بن صفوان عن عليّ ﵁: (في قوله: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ﴾ قال: محمد ﷺ ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ قال: أبو بكر ﵁. الثالث: قيل المقصود النبي وعليّ. قال مجاهد: (النبي ﵇ وعلي ﵁. الرابع: قيل المقصود جبريل ومحمد ﵇. فعن السُّدي قال: (الذي جاء بالصدق جبريل ﵇، والذي صدق به محمد ﷺ ). الخامس: قيل بل المراد النبي ﷺ والمؤمنون. قال قتادة: (هذا رسول اللَّه ﷺ جاء بالقرآن وصدّق به المؤمنون). السادس: المؤمنون يجيئون بالقرآن يوم القيامة. فعن النخعي ومجاهد قال: (المؤمنون الذين يجيئون بالقرآن يوم القيامة فيقولون: هذا الذي أعطيتمونا قد اتبعنا

стр. 4093

ما فيه). وفي رواية عن مجاهد قال: (هم أهل القرآن يجيئون به يوم القيامة يقولون: هذا الذي أعطيتمونا، فاتبعنا ما فيه). قلت: والآيةُ بإعجازها تشمل كل ما ذكر، فمن جاء بالصدق يتضمن جبريل ﵇ وهذا النبي الكريم عليه أتم الصلاة والتسليم، وصحابته المؤمنين. ومن صدق به فهم كل من قام بهذا الأمر من لدن أصحاب النبي ﷺ إلى يوم القيامة، فهو يشمل كل من دعا إلى (لا إله إلا اللَّه) والقيام بلوازمها والحكم بمقتضاها وكل من حمل الأمانة بصدق وقام بالقرآن بأمانة وعلم إلى يوم يرث اللَّه الأرض ومن عليها. وقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾. قال ابن عباس: (يقول: اتقوا الشرك). والتقوى من أجَلِّ الرغائب وهي طريق النجاة يوم القيامة والفوز بالنعيم ورغد العيش كما قال سبحانهُ في الآية التي بعدها: قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾. قيل: الثناء في الدنيا والنعيم في الآخرة. كما قال جل ثناؤه في سورة "ق": ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣١ - ٣٥]. وفي الصحيحين والمسند عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: [قال اللَّهُ تعالى: أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأتْ، ولا أذنٌ سمعت، ولا خَطَرَ على قلب بشر] (١). وقوله تعالى: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. هو كقوله جلّ ثناؤه في سورة الأحقاف: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف: ١٦]. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وجزى هؤلاء المحسنين ربهم بإحسانهم كيْ يكفر عنهم أسوأ الذي عملوا في الدنيا من الأعمال فيما بينهم وبين ربهم بما كان منهم فيها من توبة وإنابة مما اجترحوا من السيئات فيها ﴿وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ ويثيبهم ثوابهم ﴿بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في الدنيا ﴿يَعْمَلُونَ﴾ مما يرضي اللَّه عنهم دون أسوئها).

стр. 4094

وقال القرطبي: (﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾: أي يكرمهم ولا يؤاخذهم بما عملوا قبل الإسلام). وجملة المعنى: أنَّ المؤمن حياته كلها خير، إن كان عنده سيئات فمدّ اللَّهُ له في العمر استغفر واستعتب منها وأكثر من الأعمال الصالحات، فبارك اللَّه له في حياته ورفع له في الجنة درجاته باحسن أعماله في الدنيا، فإن من الأعمال أعمالًا لا يعلم وزنها وقيمتها إلا اللَّه، فليكثر المؤمن من الأعمال العالية التي لا ينالها كثير من الناس عسى اللَّه أن يرفعه بها إلى حيث لا يحتسب ويتجاوز بها عن بعض الزلات والعيوب والسيئات. فقد خرّج الإمام مسلم في صحيحه عن عروة بن الزبير أن حكيم بن حزام أخبره: [أنه قال لرسول اللَّه ﷺ : أرأيتَ أمورًا كنت أتحنَّث (١) بها في الجاهلية من صدقة أو عتاقة أو صلةِ رحم، أفيها أجر؟ فقال له رسول اللَّه ﷺ : أسلمت على ما أَسْلفْتَ من خير] (٢). ولهذا كان من غير الجائز أن يتمنى المسلم الموت لمرض أو حزن أو أصابه فإنه لا يدري في أي حياتهِ وأيامهِ يكون له الخير. فقد روى الحاكم ووافقه الذهبي عن أم الفضل ﵂: [أن رسول اللَّه ﷺ دخل عليهم وعباس عم رسول اللَّه ﷺ يشتكي، فتمنى عباس الموت، فقال له رسول اللَّه ﷺ : يا عم! لا تتمنَّ الموت، فإنكَ إن كنتَ مُحسنًا، فأن تؤخر تزداد إحسانًا إلى إحسانكَ خير لك، وإن كنتَ مسيئًا فأن تؤخر فتستعتب من إساءتك خير لك، فلا تتمن الموت] (٣). وقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾. قال السدي: (﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ يقول: محمد ﷺ ). وقال ابن زيد: (بلى واللَّه ليكفينه اللَّه ويعزه وينصره كما وعده). وقال القاسمي: (أي نبيّه ﷺ أن يعصمه من كل سوء ويدفع عنه كل بلاء في مواطن الخوف). وقال الجرجاني: (إن اللَّه كافٍ عبده المؤمن وعبده الكافر هذا بالثواب وهذا بالعقاب). وفي قراءة قراء بعض أهل المدينة والكوفة: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ أي محمدًا

стр. 4095

وأنبياءه من قبله ما خوفتهم أممهم من أن تنالهم آلهتهم بسوء. في حين قرأها قراء البصرة وعامة قراء المدينة ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ أي محمدًا. وكلاهما مشهور. وعن قتادة: (﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾: قال: الآلهة. قال: بعث رسول اللَّه ﷺ خالد بن الوليد إلى شعب بِسُقام (١) ليكسر العزى فقال سادنها وهو قَيِّمُها: يا خالد أنا أحذّركها، إن لها شدّة لا يقوم إليها شيء. فمَشى إليها خالد بالفأسِ فَهَشَّمَ أنفها). وعن السُّدي: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾: يقول بآلهتهم التي كانوا يعبدون. وهذه الآية تسلية من اللَّه لنبيّه ﵊ مما يلقاه من المكذبين كما لقي الأنبياء قبله من أقوامهم. فهود ﵇ قال له قومه: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤]. فجاءت هذه الآية تثبيتًا من اللَّه وحثًا لنبيهِ علي متابعة الطريق كما قال له في سورة المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٧]. وهي لمن بعدهُ منهج وطريق، فإن من أخبت للَّه وحقّق لهُ كامل العبادةِ فليهنأ بحماية اللَّه وبكفايتهِ له كما قال سبحانه في سورة الحج: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [الحج: ٣٨]. وكما قال فى سورة الطلاق: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]. وفي المسند للإمام أحمد بسند صحيح عن عقبة بن عامر، عن النبي ﷺ قال: [إن اللَّه يقول: يا ابنَ آدم! اكفني أولَّ النهار أربعَ ركعاتِ أكفِكَ بهن آخرَ يومكَ] (٢). وفيه أيضًا عن أبي هريرةَ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إن اللَّه تعالى يقول: يا ابنَ آدم تفرَّغْ لعبادتي أملأ صدركَ غنى وأسُدَّ فقركَ، وإن لا تفعل ملأتُ يديكَ شغلًا ولم أسدَّ فقركَ] (٣). ورواهُ الترمذي وابن ماجة والحاكم. وكذلكَ فقد أخرج الطبراني في "الكبير"، والحاكم بسند صحيح عن فضالة بن عبيد

стр. 4096

الأنصاري، أنه سمعَ رسول اللَّه ﷺ يقول: [أفلح من هُدِيَ إلى الإسلام، وكان عيشهُ كفافًا وقنع به] (١). وبنحوهِ في المسند وجامع الترمذي عن عمر، عن النبي ﷺ قال: [لو أنكم تتوكلون على اللَّه تعالى حقّ توكله لرزقكم كما يرزق الطيرَ، تغدو خِماصًا، وتروحُ بِطانًا] (٢). فإذا كفى اللَّهُ عبده المؤمن فلا طاقة لأحد في إقلاقه، وإذا تولى اللَّهُ عبدًا فلا سبيل لأحدٍ إلى إيذائهِ. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾. أي: من أعمى اللَّه على قلبهِ وبصيرتهِ -عدلًا منه سبحانه نتيجةَ تماديه- فلا سبيل إلى هدايتهِ، وهذا شأن من لم يعرف تولي اللَّه وكفايته لهذا النبي الكريم فيخوفونه بمخلوقات وأحجار لاتضر ولا تنفعُ سائلها، وكذلكَ فإن من كتب اللَّه له الهداية -لعلمه سبحانهُ بحرصه عليها وخوفه من مغبةِ التفريط فيها- فإنه لا سبيل لأحد إلى غوايتهِ ما دام هو في حماية اللَّه جل ثناؤه ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾. قال الحافظ ابن كثير: (أي منيع الجناب لا يضامُ من استند إلى جانبهِ، فإنه العزيز الذي لا أعزَّ منه، والمنتقمُ ولا أشد انتقامًا منه ممن كفر به وأشرك وعاند رسوله ﷺ ). وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾. هذا الاعتراف قد ذكر في أكثر من موضع، فقال جلّ ذكره في سورة العنكبوت: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦١]. وقال في سورة الزخرف: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [الزخرف: ٨٧]، فإذا كنتم تقرون بأنه الخالق فلم تخضعون لغيره، وإذا كنتم تقرون بأنه الرازق فلم تسألون حجرًا أو قبرًا أو صالحًا مضى لا يملكُ لنفسه ضرًّا

стр. 4097

ولا نفعًا ولا حياةً ولا نشورًا. وإذا كنتم تقرون بأنه المحيي والمميت فلم تلتمسون الشفاعة من غيره، أفإن أصابني اللَّه بشدة وضنك في معيشتي هل هن قادرات على كشف الضر عني وتخليصي مما أصابني، ولئن أرادني الرحمان برحمة وسعة في العيش ورغد في العافية وبسط في المال والرزق، ورخاء وغبطة وسرور، هل هن ممسكات عني ما أراد أن يصيبني به من تلك العافية والرحمة وذلكَ الخير. قال مقاتل: (فسألهم النبي ﷺ فسكتوا). قال ابن جرير: (وترك الجواب لاستغناء السامع بمعرفة ذلك، والمعنى فإنهم سيقولون لا). وهي في قراءة أهل البصرة والمدينة: ﴿كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾، ﴿مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾. وأما قراءة نافع وابن كثير وأهل الكوفة فهي ﴿كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾، ﴿مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾. وكلاهما مشهور بين القراء. وقوله: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾. هو كقوله في سورة الطلاق: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ [الطلاق: ٣]. وفي المسند للإمام أحمد وفي جامع الترمذي ومعجم الطبراني عن ابن عباس مرفوعًا: [يا غلام! إني أعلمك كلمات، احفظ اللَّه يحفظك، احفظِ اللَّه تجدهُ تجاهَكَ، إذا سألتَ فاسأل اللَّه، وإذا استعنتَ فاستعن باللَّه، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوكَ بشيء، لم ينفعوكَ إلا بشيء قد كتبه اللَّه لكَ، ولو اجتمعوا على أن يضروكَ بشيءٍ لم يضروكَ إلا بشيءٍ قد كتبهُ اللَّه عليكَ، جفّت الأقلامُ ورفعت الصحف] (١). وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾. قال مجاهد: (قوله: ﴿عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ قال: على ناحيتكم). وقال ابن جرير: (قل يا محمد لمشركي قومك الذين اتخذوا الأوثان والأصنام آلهة يعبدونها من دون اللَّه، اعملوا أيها القومُ على تمكنكم من العمل الذي تعملون ومنازلكم، ﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾ كذلك على تؤدة، على عمل من سلف من أنبياء اللَّه قبلي ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ إذا جاءكم بأس اللَّه مَن المحق منا من المبطل والرشيد من الغويّ). وقال القاسمي:

стр. 4098

(﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾: أي حالتكم التي أنتم عليها، من العداوة ومناصبة الحق). وقال الشوكاني: (أي على حالتكم التي أنتم عليها وتَمَكَّنْتُم منها ﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾ على حالتي التي أنا عليها وتمكنت منها. ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ قال: أي يهينه ويذله في الدنيا، فيظهر عند ذلكَ أنه المبطل وخصمه المحق، والمراد بهذا العذاب عذاب الدنيا وما حلَّ بهم من القتل والأسر والقهر والذلة. ثم ذكر عذاب الآخرة فقال: ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ أي دائم مستمر في الدار الآخرة وهو عذاب النار). قلت: وغاية المعنى أَنَّ ذلكَ تهديدٌ من اللَّه لهم على تماديهم في الكذب والعناد واتباع ملة الآباء، والتعامي عن الوحي ونور القرآن، واتخاذ الأصنام والأوثان بدعوى الشفاعة ولا برهان، فاعملوا على طريقتكم -أيها القوم- التي ارتضيتم، ومنهجيتكم التي إليها تحاكمتم، فإني سامضي على طريقتي ومنهجي، وستعلمون وبال ذلكَ حين تعاينون عذاب الدنيا وجحيم الآخرة، وقد صدق اللَّه العظيم، فأذاقهم الذل يوم بدر ودُقّت أعناقهم ونكست رؤوسهم، وأهانهم بالجوع والسيف ثم هم في الآخرة من المقبوحين. وقد خرّج الإمام البخاري في صحيحه عن عبد اللَّه قال: [بينا رسول اللَّه ﷺ ساجد (وفي رواية: أن النبي ﷺ كان يصلي عند البيت) وأبوِ جهل وأصحابٌ له جلوس إذ قال بعضهم لبعض: أيُّكم يجيءُ بِسَلَى جَزور بني فلان فيَضَعُهُ على ظهر محمد إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم فجاء به فنظر حتى سجد النبي ﷺ وضعه على ظهره بين كتفيه، وأنا أنظر لا أُغني شيئًا لو كان لي مَنَعَةٌ، قال: فجعلوا يضحكون ويُحيلُ بعضُهم على بعض ورسول اللَّه ﷺ ساجد لا يرفع رأسه حتى جاءته فاطمة فطرحت عن ظهره، فرفع رسول اللَّه ﷺ رأسهُ ثم قال: اللهم عليكَ بقريش ثلاث مرات، فشَقَّ عليهم إذ دعا عليهم. قال: وكانوا يَرَوْن أنَّ الدعوة في ذلك البلد مستجابة، ثم سمّى: اللهم عليكَ بأبي جهل وعليك بعُتْبةَ بنِ ربيعةَ وشيبةَ بن ربيعة والوليدِ بن عتبة، وأميةَ بن خلف وعقبة بن أبي مُعَيْط وعدَّ السابع فلم يَحفَظْ قال: فوالذي نفسي بيدهِ لقد رأيتُ الذين عدَّ رسول اللَّه ﷺ صرعى في القليب قليب بدر] (١).

стр. 4099

وقد فُصّل هذا الموقف في مسند الإمامِ أحمد يرويه عن عائشة قالت: [أمَرَ رسول اللَّه ﷺ بالقَتْلى أنْ يُطْرَحوا في القليب فطُرحوا فيه إلا ما كانَ من أميةَ بن خلف فإنه انتفخَ في درْعِه فملأها فذهبوا يُحَرِّكوه فتزايل فأقرّوه وألقوا عليه ما غيَّبَهُ منَ التُّراب والحجارة، فلما ألقاهم في القليب وقف عليهم رسول اللَّه ﷺ فقال يا أهل القليب! هل وجدتم ما وعدَ ربُّكم حقًا فإني قد وَجدْتُ ما وعدني ربي حقًا. فقال له أصحابهُ: يا رسول اللَّه أتكلم قومًا موتى! فقال لهم: لقد عَلِموا أن ما وَعدْتُهُمْ حق] (١). ثم يوم القيامة يخزيهم ويذيقهم أشد العذاب وهم يصطرخون في نار جهنم ربنا أخرجنا نعمل صالحًا غير الذي كنا نعمل، ولكن هيهات فلقد حقت كلمة العذاب على الكافرين. ٤١ - ٥٢. قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٤١) اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤) وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥) قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٤٦) وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٤٨) فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا

стр. 4100

يَعْلَمُونَ (٤٩) قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٥٠) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥١) أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾. في هذه الآيات: يوجه اللَّه سبحانهُ خطابه إلى نبيّه ﵇: هذا القرآن قد أنزلناهُ عليك لتنذر به جميع الخلق إنْسَهم وجنّهم ولتعرفهم سبيل النجاة ومعنى الأمن في الدنيا والآخرة، فمن رضي بطريق الوحي واهتدى لطريقِ السعادة فإنما يعود بالنفع على نفسهِ، ومن أصر على الضلال، وطريقِ الغي والشهوات فإنما عليهِ الوبال، وما أنت يا محمد بموكل عليهم حتى يهتدوا إنما أنتَ نذير، فاللَّه هو سبحانه يملك قلوبهم وأرواحهم، فإن الأنفس التي كتب عليها مُفارقة الحياة فتخرجُ منها أرواحها وتفارق أبدانها وتُبطل تصرفاتها بالكلية، وأما تلك التي لم يحن موتها فتقبض عند النوم ويبطل تصرفها بالحواس الظاهرة، ثم يعيدها إلى أن يأتي أجلها وينقضي عمر صاحبها فإذا خرجت عندئذ فلا تعود، إنَّ في ذلكَ لذكرى واعتبارًا، فكذلك الإيمان والضلال، يثبت الإيمان ويتزحزح أو يتغير أو يموت كلّ ذلكَ بعلم اللَّه كالآجال، ويا ويلهم إذ لم يعتبروا يوم اتخذوا الشفعاء على صورة الأصنام، يظنون الصلة عبر الحجارة إلى خالق الأنام، وهي جمادات ومخلوقات وأوثان، لا تملك كشف الضر عنهم ولا تحويلًا، فاللَّهُ هو المتصرف وحده، وإليهِ يرجعُ الأمر كله، ويا ويلهم تنقبض قلوبهم إذا ذكر اللَّه وحده، وتشمئز نفوسهم إذا أفرد بالتعظيم لا شريك له، وإذا ذكرت آلهتهم تهللت وجوههم، واستبشرت قلوبهم، بل اللَّه فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة سيحكم بينهم، ويوم القيامةِ يتمنى المشركون أن يفتدوا من العذاب بأموال الدنيا وزينتها، وبأضعاف ذلكَ من بهجتها وعرضها، حين يبصرون ما لا يتوقعون من أهوالها، ويعاينون سوء ما اجترحوا من آثامها، فهذا شأن الإنسان يلجأ إلى اللَّه عند المصيبة، ويجأر إليهِ عند الشدةِ، أما في الرخاء فيستسلم لغواية الشيطان فينسب العلم لنفسه من دون الرحمان، وبأنه هو صانعُ القرار والخير ومدبر الأمر بإتقان، فقد ضلت بذلكَ من قبلهم أمم على مر الزمان، ونالوا نكالَ الغرور الذي أصابهم على مر الأيام، وهذا مصير هؤلاء المشركين اليوم الخائضين في متاهات الكبر والعجب وحالك الظلام، فاللَّهُ
следующие страницы →