← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾. أي: يثيب ولا يظلم مثقال ذرة، عليم بفعل عباده وما أعدَّ لهم من الثواب على الطاعات والقربات. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَال ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء: ٤٠]. وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الله لا يَظْلِمُ مؤمنًا حسنةً، يُعْطي بها في الدنيا ويَجْزي بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعَمُ بحسنات ما عَمِلَ بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم تكنْ له حسنةٌ يُجزى بها] (١). وفي لفظ: [إن الكافر إذا عملَ حسنة أُطْعِمَ بها طُعْمَةً من الدنيا، وأما المؤمنُ فإن الله يَدَّخِرُ له حسناته في الآخرة ويُعْقِبُهُ رِزْقًا في الدنيا، على طاعته]. ١٥٩ - ١٦٢. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢)﴾. في هذه الآياتِ: يهدّد الله تعالى ويتوعَّد من كتم ما جاء به الرسل من الحق والهدى من بعد ما بَيَّنَهُ للناس في كتبه، ويخبر أن أولئك تنالهم لعنة الله ولعنة اللاعنين. إلا من تدارك نفسه بإصلاح ما أفسد وعاد فبَيَّنَ الحق المبين. وقد كتب الله الشقوة في النار والخلود على الكافرين. فقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ﴾. قال مجاهد: (هم أهل الكتاب). وقال الربيع: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ

стр. 457

وَالْهُدَى﴾. قال: كتموا محمدًا ﷺ ، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم، فكتموه حسدًا وبغيًا). وقال قتادة: (أولئك أهل الكتاب، كتموا الإسلام وهو دين الله، وكتموا محمدًا ﷺ وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل). وقال أبو العالية: (نزلت في أهل الكتاب، كتموا صفة محمد ﷺ ). وقوله: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾. فيه أقوال في تأويل اللاعنين: ١ - القول الأول: الدواب والبهائم. قال مجاهد: (تلعنهم دوابُّ الأرض، وما شاء الله من الخنافس والعقارب تقول: نُمْنَعُ القطرَ بذنوبهم). وفي رواية: (مُنِعْنا القطرَ بخطايا بني آدم). قال: (اللاعنون: البهائم). وقال: (البهائم: الإبل والبقر والغنم، فتلعن عُصاة بني آدم إذا أجدبت الأرض). وقال عكرمة: (هم الحشرات والبهائم ثم يصيبهم الجدْب بذنوب علماء السوء الكاتمين فيلعثونهم). ٢ - القول الثاني: الملائكة والمؤمنون. قال قتادة: (يقول: اللاعنون من ملائكة الله ومن المؤمنين). ٣ - القول الثالث: كل ما عدا بني آدم والجن. قال الضحاك: (الكافر إذا وضع في حفرته، ضُرب ضربة بمطرق، فيصيح صيحة، يسمع صوتَه كل شيء إلا الثقلين الجن والإنس، فلا يسمع صيحته شيء إلا لعنه). واختار ابن جرير القول الثاني: أنَّ المقصود باللاعنين "الملائكة والمؤمنون" واستدل بالآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. ولكن يبدو أن الآية تشمل أكثر من ذلك كما ذكر ابن كثير فقال: (وهم كل فصيح وأعجمي، إما بلسان المقال أو الحال، أو لو كان له عقل، أو يوم القيامة، والله أعلم). وفي الحديث: [إن العالم يستغفر له كل شيء، حتى الحيتان في البحر] (١).

стр. 458

وقد استفاضت السنة الصحيحة بنحو هذا مما يخص تفسير هذه الآية. وفي ذلك أحاديث: الحديث الأول: أخرج الشيخان وابن ماجة - واللفظ له - عن أبي هريرة قال: [والله! لولا آيتان في كتاب الله تعالى ما حدّثت عنه (يعني عن النبي ﷺ ) شيئًا أبدًا. لولا قول الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِن الْكِتَابِ﴾. إلى آخر الآيتين] (١). الحديث الثاني: أخرج ابن ماجة عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [ما مِن رَجُلٍ يحفَظُ عِلمًا فَيَكْتُمُهُ، إلا أُتِيَ به يوم القيامة مُلجَمًا بلجامٍ من النار] (٢). الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد وأصحاب السنن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [من سُئِل عن علمٍ فكتمه، ألجمَهُ الله يوم القيامة بلجامٍ من نار] (٣). وفي رواية: [من سُئِلَ عن علم يعْلَمُهُ فكتَمَهُ، أُلجم يوم القيامة بلجام من نار]. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾. قال قتادة: (يقول: أصلحوا فيما بينهم وبين الله، وبيّنوا الذي جاءهم من الله فلم يكتموه ولم يجحدوا به، أولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم). فهو استثناء لمن رجع عن ذلك الكتمان، وأصلح حاله وصلته بالله سبحانه، وبيَّن للناس ما علّمه الله من العلم والفهم والبيان، فإن الله تعالى يتلقاه بتوبته وعفوه. قال الحافظ ابن كثير: (وفي هذا دلالة على أن الداعية إلى كفر أو بدعة، إذا تاب إلى الله تاب الله عليه). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. يخبر تعالى عن حال من كَفَرَ ومات على كفره وجحوده الحق أو نبوّة محمد ﷺ ،

стр. 459

بأنه ينال من لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. وفي قوله: ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾: أكثر من تأويل: التأويل الأول: المراد أهل الإيمان بالله ورسوله دون سائر البشر. فعن قتادة: (يعني بـ ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾: المؤمنين). التأويل الثاني: قيل بل ذلك يوم القيامة، يُوَقَّفُ على رؤوس الأشهاد الكافرُ فيلعنه الناس كلهم. قال أبو العالية: (إن الكافر يُوقَفُ يوم القيامة فيلعنه الله، ثم تلعنه الملائكة، ثم يلعنه الناس أجمعون). التأويل الثالث: قيل بل هو قول كل قائل: "لعن الله الظالم" فيلحق ذلك كل كافر، لأنه من الظلمة. قال السدي: (فإنه لا يتلاعن اثنان مؤمنان ولا كافران فيقول أحدهما: "لعن الله الظالم"، إلا وجبت تلك اللعنة على الكافر؛ لأنه ظالم، فكل أحد من الخلق يلعنه). واختار ابن جرير قول من قال: عنى بذلك جميع الناس، وهو قول قوي يقتضيه السياق. فالناس تلعن الظالم والظالمين. قال القرطبي: (والمراد بالآية على هذا المعنى أن الناس يلعنونه يوم القيامة ليتأثر بذلك ويتضرّر ويتألّم قلبه، فيكون ذلك جزاء على كفره، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥]. قلت: ولا خلاف بين العلماء في لسْ الكفار جملة من غير تعيين. وأما الكافر المعين فاختلفوا فيه. قال ابن العربي: (قال لي كثير من أشياخي إن الكافر المعَيَّن لا يجوز لعنه، لأن حاله عند الموافاة لا تُعلم، وقد شرط الله تعالى في هذه الآية في إطلاق اللعنة: الموافاة على الكفر). وقالت طائفة أخوى: بل يجوز لعن الكافر المعيق. واختاره الفقيه أبو بكر بن العربي المالكي، واحتج بحديث ضعيف: [اللهم إن عمرو بن العاص هجاني وقد علم أني لست بشاعر فالعنه واهجه عدد ما هجاني] (١). قلت: والراجح أنه يجوز لعن الكافر المعين الذي يجاهر بالكفر والمعصية وإشاعة المنكر أو الباطل في الأرض. ويستدل لهذا بالحديث التالي:

стр. 460

أخرج البخاري في صحيحه عن عمرَ بن الخطاب: [أنَّ رجلًا على عهد النبي ﷺ كان اسمُه عبدَ الله، وكان يُلَقَّبُ حِمارًا، وكان يُضحِكُ رسول الله ﷺ ، وكان النبي ﷺ قد جَلَدَه في الشراب، فَأُتيَ به يومًا فأمَرَ به فَجُلِدَ، قال رجل من القوم: اللهم العَنْهُ، ما أكثرَ ما يُؤْتى به، فقال النبي ﷺ : لا تلعنوه، فوالله ما علِمْتُ، أنه يُحِبُّ الله ورسولَه] (١). قالوا: فعلّة المنع من لعنه بأنه يحب الله ورسوله. قال ابن كثير: (فدلَّ على أن من لا يحب الله ورسوله يُلْعَنُ، والله أعلم). وقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾. قال أبو العالية: (خالدين في جهنم، في اللعنة، لا يُنْظرون فيعتذرون، كقوله: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥، ٣٦]). وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦)﴾ [فاطر: ٣٦]. ٢ - وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦]. ١٦٣. قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾. في هذه الآية: يخبر عن نفسه، بأن الإله الحق الواحد الأحد، لا شريك له ولا عديل له، ولا يوصف غيره بهذين الاسمين. الرحمن الرحيم. وفي صحيح مسلم عن أبي ذر الغفاري عن النبي ﷺ قال: [ما من عبد قال: لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجَنَّة] (٢).

стр. 461

وفي مسند أحمد وسنن أبي داود من حديث معاذ مرفوعًا: [من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجَنَّة] (١). ١٦٤. قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾. في هذه الآية: يذكر الله سبحانه بعض الأدلة على تفرده بالإلهية، بعد أن أخبر في الآية السابقة أنه الإله الواحد الأحد الرحمن الرحيم لا شريك له، فبين جل ثناؤه أن خلق السماوات والأرض، وما فيهما، مما ذرأ وبرأ، يدل على وحدانيته جل ذكره. فقوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال ابن كثير: (تلك في ارتفاعها واتساعها وكواكبها السّيارة والثوابت ودوران فلكها، وهذه الأرض في كثافتها وانخفاضها وجبالها وبحارها وقِفارها ووِهادها وعمرانها وما فيها من المنافع). وقال القرطبي: (فآية السماوات: ارتفاعها بغير عمد من تحتها ولا علائق من فوقها، ودلّ ذلك على القدرة وخرق العادة. ولو جاء نبيٌّ فتُحدِّي بوقوف جبل في الهواء دون علاقة كان معجزًا. ثم ما فيها من الشمس والقمر والنجوم السائرة والكواكب الزاهرة شارقة وغاربة نَيِّرة وممحوَّة آية ثانية. وآية الأرض: بحارها وأنهارها ومعادنها وشجرها وسهلها ووعرها). وقوله: ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾. قال ابن جرير: (تعاقب الليل والنهار عليكم أيها الناس). قلت: والمعنى: يجيء هذا ثم يذهب، ويخلفه الآخر ويعقبه. هذا مع اختلافهما في الأوصاف من النور والظلمة والطول والقصر. والليل جمع ليلة، ويجمع أيضًا ليالي وليال.

стр. 462

وفي التنزيل: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ [يس: ٤٠]. وقوله: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾. وآية ذلك: تسخير الله لهذه السفن حتى تجري على وجه الماء وتقف عليه رغم ثقلها وأثقالها، ينفع الله الناس بها في سفرهم وسياحتهم وتجارتهم. والفلك: السفن، وإفراده وجمعه بلفظ واحد، ويُذَكر ويؤنث. وأول من صنعها نوح ﵇ بأمر الله ﵎. وفي الآية دليل على جواز ركوب البحر مطلقًا للتجارة أو العبادة - كالحج والجهاد، وللرجال والنساء، وقد أجاز الله ورسوله التطهر بمائه والأكل من لحمه والانتفاع بزينته. قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٤]. أخرج أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد والشافعي ومالك وغيرهم عن أبي هريرة قال: [جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله ﷺ : هو الطهور ماؤه، الحلُّ ميتَتُه] (١). وفي الصحيحين والمسند، واللفظ للبخاري، عن أم حرام بنت ملحان قالت: [نام النبي ﷺ يومًا قريبًا مني ثم استيقظ يتبسم فقلت: ما أضحكك؟ قال: ناس من أمتي عُرِضوا عليّ يركبون هذا البحر الأخضر كالملوك على الأسرة. قالت: فادع الله أن يجعلني منهم، فدعا لها، ثم نام الثانية، ففعل مثلها، فقالت مثل قولها، فأجابها مثلها، فقالت: ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: أنَّتِ من الأولين. فخرجت مع زوجها عبادة بن الصامت غازيًا أول ما ركب المسلمون البحر مع معاوية فلما انصرفوا من

стр. 463

غزوهم قافلين فنزلوا الشام فقربت إليها دابة لتوكبها فصرعتها فماتت] (١). قلت: أما عند هيجان البحر واشتداد تلاطم أمواجه فإن ركوبه غير جائز. أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن أبي عمران الجوني عن بعض أصحاب محمد مرفوعًا: [من بات فوق بيت ليس له إجّار - أي سور - فوقع فمات فبرئت منه الذمة، ومن ركب البحر عند ارتجاجه فمات فقد برئت منه الذمة] (٢). وقوله: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. إن في المطر النازل من السماء آية عظيمة توجب تعظيم الله وحده المنعم المتفضل. قال ابن جرير: (وإحياؤها عمارتها، وإخراج نباتها). وفي التنزيل: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٣٥) سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٣٣ - ٣٦]. وقوله: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾. قال القاسمي: (من العقلاء وغيرهم). وقال ابن جرير: (والدابة: اسم لكل ذي رُوح كان غير طائر بجناحيه، لدبيبه علي الأرض). وفي التنزيل: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ [هود: ٦]. وقوله: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ يعني: هبوبها باختلاف مهابِّها. قال ابن كثير: (أي: فتارة تأتي بالرحمة، وتارة تأتي بالعذاب، وتارة تأتي مبشِّرة بين يدي السحاب، وتارة تسوقه، وتارة تجمعه، وتارة تُفَرِّقُه، وتارة تُصَرِّفه، ثم تارة تأتي من الجنوب - وهي الشامية - وتارة تأتي من ناحية اليمن، وتارةً صَبَا وهي الشرقية التي تصدم وجه الكعبة، وتارة دَبُورًا، وهي غربية تنفذ من ناحية دُبُر الكعبة، والرياح كلها تسمى بحسب مرورها على الكعبة).

стр. 464

وقوله: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾. يعني: السائر بين السماء والأرض إلى حيث يشاء الله ويأمر من الأراضي والأماكن. وسُمي السحاب سحابًا لانسحابه في الهواء. والسحاب جمع سحابة. وفي التنزيل: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ ... ﴾ [فاطر: ٩]. وقال: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ٥٧]. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: [بَيْنا رجُلٌ بفلاةٍ من الأرض، فسَمع صوتًا في سَحَابة: اسْقِ حديقة فلان. فتنحّى ذلك السَّحَابُ، فأفرَغ ماءَه في حَرّة، فإذا شَرْجَةٌ من تلك الشِّراج قد استوعبتْ ذلك الماءَ كلَّه، فتتبَّعَ الماءَ، فإذا رجل قائم في حديقته يُحَوِّلُ الماء بِمِسْحاتِه، فقال له: يا عبدَ الله! ما اسمُكَ؟ قال: فلانٌ، للاسم الذي سَمعَ في السَّحابة، فقال له: يا عبدَ الله! لم سَأَلْتني عن اسمي؟ قال: إني سمعت صوتًا في السَّحاب الذي هذا ماؤه يقول: اسْقِ حديقة فلان، لاسمك، فما تصنَعُ فيها؟ قال: أمّا إذْ قُلْتَ هذا، فإني أنْظُرُ إلى ما يخرج مِنْها، فأتَصَدَّقُ بِثُلثه، وآكُلُ أنا وعِيالي ثلُثًا، وأَرْدُّ فيها ثُلُثَه] (١). وفي صحيح البخاري عن عائشة ﵂ قالت: [كان رسول الله ﷺ إذا رأى مَخيلَةً في السماء أَقْبل وأدْبر، ودخل وخرج، وتَغَيَّرَ وجهه، فإذا أمطرت السماء سُرِّيَ عَنْه، فَعَرَّفَتْهُ عائشةُ ذلك، فقال النبي ﷺ : ما أدري لعلَّه كما قال قَوْمٌ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ الآية" (٢). قلت: ومن السنة إذا هاجت الريح أن يسأل المسلم الله تعالى من خيرها ويستعيذ من شرها. وفي ذلك أحاديث: الحديث الأول: أخرج أبو داود وابن ماجة بسند صحيح عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [الريحُ من رَوْحِ الله (قال سلمة: فرَوْحُ الله) تأتي بالرحمة، وتأتي

стр. 465

بالعذاب، فإذا رأيتموها فلا تسبوها، وسلوا الله خيرها، واستعيذوا بالله من شرها] (١). الحديث الثاني: أخرج أبو داود بسند صحيح عن عائشة ﵂: [أن النبي ﷺ كان إذا رأى ناشئًا في أفق السماء ترك العمل وإن كان في صلاة، ثم يقول: اللهم إني أعوذ بك من شرِّها. فإن مطر قال: اللهم صَيِّبًا هنيئًا" (٢). الحديث الثالث: أخرج الترمذي بسند صحيح عن أبي، عن النبي ﷺ قال: [لا تسبوا الريح، فإذا رأيتم ما تكرهون فقولوا: اللهم إنا نسالكَ من خير هذا الريح، وخيرِ ما فيها، وخير ما أُمرتْ به، ونعوذ بك من شرِّ هذا الريح، وشرِّ ما فيها، وشرِّ ما أمرت به] (٣). وقوله: ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. قال المهايميّ: (وكيف ينكرون وجود الله، وتوحيده، ورحمانيته، ورحيميته، وقد دَلَّ عليها دلائل العلويات والسفليات وعوارضهما والمتوسطات؟ ثم قال: أما دلالة السماء والأرض على وجود الإله فلأنهما حادثان ... فلا بد لهما من محدِث ... والمحدث لا بد أن يكون قديمًا قطعًا للتسلسل. وعلى التوحيد، فلأن إله السماوات لو كان غير إله الأرض دم يرتبط منافع أحدهما بالآخر. ثم قال: وأما دلالة اختلاف الليل والنهار على وجود الإله فلحدوثهما من حركات السماوات ولا بدَّ لهما من محرك ... وعلى التوحيد، فلأن إله الليل لو كان غير إله النهار لأمكن كل واحد أن يأتي بما هو له في وقت إتيان الآخر بما هو له، فيلزم اجتماعهما وهو محال. ثم قال: وأما دلالة الفلْكِ على وجود الإله، فلأنها أثقل من الماء فحقها الرسوب فيها، فإمساكها فوق الماء من الله. ثم قال: وعلى التوحيد: فلأن إله الفلك لو كان غير إله البحر لربما منع أحدهما الآخر من التصرف في ملكه. وهو يفضي إلى اختلال نظام العالم لاختلاف المنافع المنوطة بالفلك، قال: وعلى الرحمتين: فلأنه رحم المسافرين بالتجارات، والمسافَر إليهم بالأمتعة التي يحتاجون إليها. وأما دلالة إنزال الماء على وجود الإله، فلأنه أثقل من الهواء، فوجوده في مركزه لا يكون إلَّا من الله. وعلى التوحيد: فلأن إله

стр. 466

الماء لو كان غير إله الهواء، لمنع من التصرف في ملكه. وعلى الرحمتين: فلأنه أحيا به الأرض معاشًا للحيوانات، وبثّ به الدواب تكميلًا لمنافع الإنسان. وأما دلالة تصريف الرياح على وجوه الإله، فلأنها حادثة تحدث هذه مرَّة وهذه أخرى، وقد يعدم الكلّ، فلا بد من محدث، فإن كان حادثًا افتقر إلى قديم. وعلى التوحيد: فلأنه لو كان لكل ريح إله لأمكن للكل أن يأتي بما له، فيلزم اجتماع الرياح المختلفة وهو مخلّ بالنظام. وعلى الرحمتين: فلأنها تحرك الفلك والسحب وتنمي الأشجار والثمار. وأما دلالة السحاب على وجود الإله، فلأنه لو كان ثقيلًا لنزل، أو كان خفيفًا لصعد، لكنه يصعد تارة وينزل أخرى فهو من الله تعالى، وأما على التوحيد فلأن إله السحاب لو كان غير إله السحاب الآخر، لأمكن لكل واحدٍ أن يجعل سحابه في مكان سحاب الآخر، فيلزم تداخل الأجسام أو العجز. وعلى الرحمتين فلأنّ منها الأمطار .. ) ذكره القاسمي. قلت: ولا شك أن الآياتِ الدالة على وحدانيته سبحانه والتي تستلزم إفراده بالعبادة والتعظيم لا حصر لها، وإنما خصَّ تعالى هذه الثمانية بالذكر لأنَّها جامعة بين كونها دلائل وبين كونها نعمًا على العباد تلتصق بحياتهم ولا تنفك عنها. ١٦٥ - ١٦٧. قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَال الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾. في هذه الآياتِ: يخبر تعالى عن حال من أشرك به في الدنيا، فجعلوا له أشباهًا وأمثالًا يعبدونهم معه ويحبونهم كحبه. والنِّد: العدل. وفي الأنداد أكثر من تأويل: التأويل الأول: هي آلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله. قال مجاهد: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾: مباهاةً ومضاهاةً للحق بالأنداد، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾، من الكفار لأوثانهم). وقال الربيع: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ

стр. 467

اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾، قال: هي الآلهة التي تُعبد من دون الله، يقول: يحبون أوثانهم كحب الله، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾، أي: من الكفار لأوثانهم). وقال ابن زيد: (هؤلاء المشركون. أندادُهم: آلهتهم التي عبدوا مع الله، يحبونهم كما يحب الذين آمنوا الله، والذين آمنوا أشد حبًا لله من حبهم هم آلهتهم). التأويل الثاني: قيل بل الأنداد سادتهم الذين كانوا يطيعونهم في معصية الله تعالى. قال السدي: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾، قال: الأنداد من الرجال، يطيعونهم كما يطيعون الله، إذا أمروهم أطاعوهم وعَصَوا الله). وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال: [قلت: يا رسول الله، أي الذَّنْبَ أعظم؟ قال: أنْ تجعل لله ندًّا وهو خلقك] (١). وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾. لتمام معرفتهم بالله سبحانه وأسمائه وصفاته. وقوله: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾. التقدير: لو عاينوا العذاب لعلموا أن القوة لله جميعًا، أي الحكم له والأمر تحت سلطانه وقهره لا شريك له. قال الزهري وقتادة: (الإضمار أشد للوعيد). وهي في قراءة أهل المدينة والشام: ﴿ولو ترى﴾. وفي قراءة أهل مكة والكوفة ﴿ولو يرى﴾. وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾. التأويل: أي لو يعلمون ما سيعاينونه وما سيحل بهم من الأهوال والفظائع المؤلمة لانتهوا عن كفرهم وشركهم. وقوله: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾. فيه أقوال: ١ - قال قتادة: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ وهم الجبابرة والقادة والرؤوس في الشرك، ﴿مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾، وهم الأتباع الضعفاء. ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾).

стр. 468

وقال الربيع: (تبرأت القادة من الأتباع يوم القيامة). وقال عطاء: (تبرأ رؤساؤهم وقادتهم وساداتهم من الذين اتبعوهم). ٢ - قال السدي: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾، أما ﴿الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ فهم الشياطين تبرؤوا من الإنس). ٣ - قال الحافظ ابن كثير: (تبرأت منهم الملائكة الذين كانوا يزعمون أنهم يعبدونهم في دار الدنيا، فتقول الملائكة: ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣]، ويقولون: ﴿قَالوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: ٤١]. والجن أيضًا تتبرأ منهم، ويتنصَّلون من عبادتهم لهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥، ٦]. قلت: والراجح أن الآية عامة في كل متبوع يعظم من دون الله، ويُطاع على حساب شريعة الله وأوامره. وفي التنزيل: ١ - ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨١، ٨٢]. ٢ - ﴿وَقَال الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٢)﴾ [إبراهيم: ٢٢]. ٣ - ﴿وَقَال إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٥)﴾ [العنكبوت: ٢٥]. قاله الخليل لقومه. ٤ - ﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١) قَال الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقَال الَّذِينَ

стр. 469

اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَال فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سبأ: ٣١ - ٣٣]. أخرج الإمام أحمد في المسند والترمذي في الجامع بسند حسن عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: [يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذَّرِّ في صُور الرجال، يغشاهم الذُّلُّ من كل مكان، يُساقون إلى سجنٍ في جهنم يُسمى بُولس، تعلوهم نار الأنيار، يُسْقَوْنَ من عُصَارة أهل النار، طينة الخبال] (١). وأخرج الإمام أحمد وابن ماجة والترمذي عن أبي سعيد بن أبي فضالة، عن النبي ﷺ قال: [إذا جمع الله الأولين والآخرين، ليوم لا ريبَ فيه، نادى منادٍ: من كان أشرك في عمل عملهُ لله أحدًا فليطلب ثوابه من عنده، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك] (٢). وقوله: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾. فيه أكثر من تأويل: ١ - قال مجاهد: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ قال: الوصال الذي كان بينهم في الدنيا). قال: (تواصلهم في الدنيا). وقال: (المودّة). وقال أيضًا: (تواصلٌ كان بينهم بالمودة في الدنيا). ٢ - قال قتادة: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾، أسبابُ الندامة يوم القيامة، وأسباب المواصلة التي كانت بينهم في الدنيا يتواصلون بها، ويتحابّون بها، فصارت عليهم عداوةً يوم القيامة، ثم يوم القيامة يكفر بعضُكم ببعض، ويلعن بعضُكم بعضًا، يتبرأ بعضُكم من بعض. وقال الله تعالى ذكره: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]، فصارت كل خُلّة عداوة على أهلها إلا خُلة المتقين). ٣ - قال ابن عباس: (يقول: تقطعت بهم المنازل). وقال الربيع بن أنس: (الأسباب: المنازل)،

стр. 470

٤ - وقال ابن عباس: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ قال: الأرحام). ٥ - قال السدي: (أما ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾، فالأعمال). يعني الأعمال التي كانوا يعملونها في الدنيا. وقال ابن زيد: (أسباب أعمالهم، فأهل التقوى أعطوا أسبابَ أعمالهم وثيقةً، فيأخذون بها فينخون، والآخرون أعطوا أسبابَ أعمالهم الخبيثة، فتقطَّعُ بهم فيذهبون في النار). قلت: وبالجمع بين هذه الأقوال، فإن الكفار حين عاينوا عذاب الله، تقطعت بهم الحيل وأسباب الخلاص كما تقطعت بهم المودة والمنازل والأعمال، فلم يجدوا عن النارَ مَعْدِلًا ولا مفرًا ولا مَصْرِفًا. وقوله: ﴿وَقَال الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾. قال قتادة: (أي: لنا رجعة إلى الدنيا). وقال الربيع: (قالت الأتباع: لو أن لنا كرة إلى الدنيا فنتبرأ منهم كما تبرؤوا منا). والمعنى: تمنى هؤلاء الأتباع عودة إلى الدنيا ليتبرؤوا من ساداتهم ورؤسائهم الذين كانوا يطيعونهم في معصية الله، كما تبرأ منهم رؤساؤهم حين عاينوا عذاب الله، وليفردوا الله بالتوحيد والتعظيم والعبادة، ولكنهم كاذبون في ذلك، فلو ردّوا لعادوا لما نهوا عنه كما أكد الله ذلك في سورة الأنعام. وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾. قال الربيع: (فصارت أعمالهم الخبيثة حسرة عليهم يوم القيامة). وقال السُّدي: (الأعمال الصالحة التي تركوها ففاتتهم الجَنَّة). و﴿حَسَرَاتٍ﴾ في محل نصب حال، والحسْرة أعلى درجات الندامة. والتحسُّر: التلَهُّف. قال القرطبي: (ويحتمل أن يكون من رؤية القلب، فتكون ﴿حَسَرَاتٍ﴾ المفعول الثالث). وهي من حَسِرَ في لغة العرب من الشيء الحسير الذي انقطع وذهبت قوته. أو من حَسَرَ: كشف، والانحسار: الانكشاف.

стр. 471

وقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾. دليل على خلود الكفار فيها، وهو قول أهل السنة والجماعة. وفي التنزيل: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ... ﴾ [الأعراف: ٤٠]. ١٦٨ - ١٦٩. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩)﴾ [البقرة: ١٦٨، ١٦٩]. في هذه الآياتِ: يمتن الله سبحانه على الناس -بعد أن بيّن لهم أنه لا إله إلا هو، وأنه وحده المستحق للتعظيم، وأن من عظّم ما سواه فإن مصيره إلى الحسرة والندامة- بأن أباح لهم أن يتمتعوا بما أخرج لهم من نبات الأرض والرزق الطيب الحلال، وحذّرهم من اتباع مسالك الشيطان وأساليبه، فهو العدو المبين في عداوته الذي يدعو إلى الشرك والفحشاء. وقوله: ﴿حَلَالًا﴾ حال، وقيل مفعول. قال القرطبي: (وسُمِّي الحلال حلالًا لانحلال عقدة الحَظْر عنه). وقال سهل بن عبد الله: (النجاة في ثلاثة: أكل الحلال، وأداء الفرائض، والاقتداء بالنبي ﷺ ). وقال أبو عبد الله الساجي واسمه سعيد بن يزيد: (خمس خصال بها تمام العلم، وهي: معرفة الله ، ومعرفة الحق، وإخلاص العمل لله، والعمل على السُّنة، وأكل الحلال). وقال سهل: (ولا يصح أكل الحلال إلا بالعلم، ولا يكون المال حلالًا حتى يصفُوَ من ستّ خصال: الربا والحرام والسُّحت والغُلول والمكروه والشبهة). أخرج النسائي بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [يأتي على الناس زمانٌ ما يبالي الرجل من أين أصاب المال؟ من حلال أو حرام] (١). ورواه البخاري عنه بلفظ: [ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال أمِنْ حلال أمْ مِنْ حرام] (٢).

стр. 472

وقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ فيه أكثر من تأويل: ١ - خطوات الشيطان: عمله. قال ابن عباس: (قوله: ﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾، يقول: عمله). ٢ - خطوات الشيطان: خطاياه. قال مجاهد: (خطيئته). وقال: (خطاياه). وقال الضحاك: (خطايا الشيطان التي يأمر بها). ٣ - خطوات الشيطان: طاعته. قال السدي: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾، يقول: طاعته). ٤ - خطوات الشيطان: النذورُ في المعاصي. قال أبو مجلز: (هي النذور في المعاصي). قلت: ولا شك أن اللفظ عام في كل مسالك الشيطان وطرائقه وأساليب ضلاله ودعوته إلى كل ما عدا السُّنن والشرائع من البدع والمعاصي. كما قال قتادة: (كل معصية دئه فهي من خطوات الشيطان). وقال عكرمة: (هى نَزَغات الشيطان). وفي صحيح مسلم عن عياض بن حِمَارٍ المُجَاشِعيِّ، أن رسول الله ﷺ قال ذات يوم في خُطَبته: [ألا! إنّ ربي أمَرَني أَنْ أُعَلِّمَكُمْ ما جَهِلْتُم مما عَلَّمَني، يومي هذا، كُلُّ مال نَحلْتُهُ عبدًا، حلالٌ، وإني خلقت عبادي حُنَفاء كُلَّهم، وإنهم أتَتْهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحَرَّمت عليهم ما أَحْلَلْتُ لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أُنزِل به سلطانًا] (١). وقوله: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾. أي: شديد العداوة يريد الفساد لكم. وفي التنزيل: ١ - ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨].

стр. 473

٢ - ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠]. ٣ - ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]. ٤ - ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦]. قلت: والتحصن من هذا العدو الماكر يكون بذكر الله واللهفة إلى طاعته، فإن ذكر الله تعالى حصن المؤمن الحصين، والعمل الصالح سور متين. أخرج الترمذي بسند صحيح من حديث الحارث الأشعري أن النبي ﷺ قال في حديث طويل: [وآمركم أن تذكروا الله، فإن مَثَلَ ذلك كمثل رجل خرج العدوّ في أثره سراعًا حتى إذا أتى على حصن حصين فأحرز نفسه منهم، كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله] الحديث (١). وقوله: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ﴾. قال السدي: (أمّا "السوء"، فالمعصية، وأما "الفحشاء"، فالزنا). وسميّ السوء سوءًا لأنه يسوء صاحبه بسوء عواقبه. وأما لفظ "الفحشاء" فأصله قبح المنظر، ثم استعملت اللفظة فيما يقبح من المعاني. قال القرطبي: (والشرع هو الذي يحسن ويقبح، فكل ما نهت عنه الشريعة فهو من الفحشاء). وقال مقاتل: (إن كل ما في القرآن من ذكر الفحشاء فإنه الزنى، إلا قوله: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ فإنه منع الزكاة). وقيل: السوء ما لا حدّ فيه، والفحشاء ما فيه حد. قلت: ويبدو أن لفظة الفحشاء في الآية في عطفها على السوء يدل على أنَّها تشير إلى ما هو أقبح من السوء وأغلظ، وقد اشتهرت في القرآن بدلالتها على الزنا ونحوه. وقوله: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩)﴾. يدل على ما هو أخطر من السوء والفحشاء. قال ابن كثير: (وأغلظ من ذلك وهو القول على الله بلا علم، فيدخل في هذا كل كافر وكل مبتدع أيضًا).

стр. 474

أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : [من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ] (١). ورواه أبو داود بلفظ: [من صنع أمرًا على غير أمرنا فهو ردٌّ] (٢). وأخرج الإمام أحمد في المسند بسند صحيح عن أبي بَرْزَة ﵁ عن النبي ﷺ قال: [إنما أخشى عليكم شهوات الغَيِّ في بطونكم وفروجكم، ومُضِلات الهوى] (٣). ١٧٠ - ١٧١. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾. في هذه الآياتِ: وإذا قيل لهؤلاء الكفار اتركوا ما أنتم عليه من الضلال وأذعنوا للحق، قالوا بل نأتم بآبائنا فنمضي على ما وجدناهم عليه، مع أن آباءهم كانوا على جاهلية وليس لهم فهم ولا هداية. إن مثل الذين كفروا في جهلهم وضلالهم وغيهم كمثل الدواب السارحة التي لا تفقه ما يقال لها فإذا نعق بها راعيها ودعاها إلى ما يرشدها فإنها تسمع صوتًا ولا تمْقه قولًا ولا معنى. قال ابن عباس: (دعا رسول الله ﷺ "اليهود من أهل الكتاب إلى الإسلام ورغَّبَهُم فيه، وحذرهم عقاب الله ونقمته، فقال له رافع بن خارجة، ومالك بن عوف: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا، فإنهم كانوا أعلم وخيرًا منا! فأنزل الله في ذلك من قولهما: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾.

стр. 475

وقوله: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾. فيه تأويلان: ١ - قال مجاهد: (﴿الَّذِي يَنْعِقُ﴾، الراعي ﴿بِمَا لَا يَسْمَعُ﴾ من البهائم). وعن عكرمة: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾، قال: مَثَلُ البعير أو مثل الحمار، تدعوه فيسمع الصوت ولا يفقه ما تقول). وقال الربيع: (هو مثل الكافر، يسمع الصوت ولا يعقل ما يقال له). وقال قتادة: (مَثل هذا الكافر مثل هذه البهيمة التي تسمع الصوت ولا تدري ما يقال لها. فكذلك الكافر لا ينتفع بما يقال له). ٢ - قال ابن زيد: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾، قال: الرجل الذي يصيح في جوف الجبال فيجيبه فيها صوت يُراجعه يقال له "الصدى". فمثل آلهة هؤلاء لهم، كمثل الذي يُجيبه بهذا الصوت، لا ينفعه، لا يسمع إلا دعاءً ونداءً). قال ابن جرير: (وقد تحتمل الآية على هذا التأويل وجهًا آخر غير ذلك. وهو أن يكون معناها: ومثل الذين كفروا في دعائهم آلهتهم التي لا تفقه دعاءَهم، كمثل الناعق بغنم له من حيث لا تسمعُ صوتَه غنمُه، فلا تنتفع من نَعقِه بشيء، غير أنه في عَناء من دعاء ونداء. فكذلك الكافر في دعائه آلهته، إنما هو في عناء من دعائه إياها وندائه لها، ولا ينفعه شيء). قلت: وكلا التأويلين يحتملهما البيان الإلهي وإن كان ابن جرير وابن كثير قد اختارا التأويل الأول. وقوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾. هو مثل لهؤلاء الكفار. قال قتادة: (يقول: صم عن الحق فلا يسمعونه، ولا ينتفعون به ولا يعقلونه، عُمي عن الحق والهدى فلا يبصرونه، بُكم عن الحق فلا ينطقون به). وقال ابن عباس: (لا يسمعون الهدى ولا يبصرونه ولا يعقلونه). فائدة: في الآية ذم للتقليد، فالتقليد ليس سبيلًا للعلم. قال القرطبي: (التقليد

стр. 476

ليس طريقًا للعلم ولا مُوصّلًا له، لا في الأصول ولا في الفروع، وهو قول جمهور العقلاء والعلماء). قلت: أما العامي فيقصد أعلمَ أهل زمانه في بلده فيسأله عن نازلته، وهذا طرف من الاجتهاد يجب على العامي الذي لا قدرة له على طلب العلم أو الاستنباط. وأما طالب العلم فيجب عليه معرفة أصول دينه وفروعه الضرورية بالدليل، وقد يحتاج العالم أحيانًا إلى تقليد عالم مثله في أمر خفي عليه دليله، وخشي فوات الوقت وضياع الحكم. وقوله: ﴿فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾. أي: لا يعلمون ولا يفهمون، فقد أعماهم الضلال. وفي التنزيل: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩)﴾ [الأنعام: ٣٩]. ١٧٢ - ١٧٣. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾. في هذه الآيات: يأمر الله تعالى عباده بالأكل من الطيبات والامتناع عن المحرمات، وأن يشكروه سبحانه على ما أنعم به عليهم، فإن الحمد والشكر أفضل عنده سبحانه من النعم. وأن يجتنبوا ما حرم عليهم من الميتة والدم ولحم الخنزير وما ذكر اسم غير الله عليه، فمن وقع في الضائقة فلا حرج عليه والله غفور رحيم. أخرج الطبراني بسند حسن عن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ قال: [ما أنعم الله على عبد نعمة فحمدَ الله عليها، إلا كان ذلك الحمد أفضلَ من تلك النعمة] (١). وعند ابن ماجة بسند حسن عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: [ما أنعم الله تعالى

стр. 477

على عبدٍ نعمة فقال: الحمد لله، إلا كان الذي أعطى أفضلَ مما أخذ] (١). وفي الآية مخالفة لما كانوا عليه في الجاهلية من اعتقاد تحريم بعض الطيبات طاعة منهم للشيطان، واتباعًا لمنهج الآباء دون علم. فبيّن لهم سبحانه أنه أطاب لهم الحلال من المطاعم والمشارب وحرّم عليهم الخبيث منها، وربط استجابة الدعاء بامتثال أمره في ذلك. أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١]. وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾. ثم ذكر الرجل لطيل السفر أشعثَ أغبرَ يَمُدُّ يديه إلى السماء: يا ربّ، يا ربّ، ومطعمُهُ حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذّي بالحرام، فأنّى يُستجاب لذلك] (٢). وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: إن كنتم منقادين لأمره سامعين مطيعين، فكلوا مما أباح لكم أكله وحلله وطيَّبَه لكم، ودعوا في تحريمه خطوات الشيطان). ثم فصل سبحانه في بيان أهم المحرمات التي لا بد من العلم بها فقال: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾. والميتة: هي التي تموت حَتْفَ أنفها من غير تَذْكيةٍ، سواء كانت منخنقة أو موقوذة أو متردية أو نطيحة، أو قد عدا عليها السَّبُع. قال القرطبي: (الميتة: ما فارقته الروح من غير ذكاة مما يُذبح، وما ليس بمأكول فذكاته كموته، كالسباع وغيرها). قلت: وقد دخل التخصيص على هذه الآية من السنة المطهرة، فاستثني الحوت والجراد من الميتة، واستثني الكبد والطحال من الدم. ففي سنن ابن ماجة والبيهقي ومسند أحمد من حديث ابن عمر مرفوعًا:

стр. 478

[أُحِلّت لنا مَيْتَتان ودمان: أما الميتتان فالحوت والجراد. وأما الدمان فالكبد والطحال] (١). وأما لحم الخنزير فحرام وشحمه كذلك مثله، سواء ذُكّي الخنزير أو مات حَتْفَ أنفه. وقوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ فيه أقوال متقاربة: ١ - عن ابن عباس، قال: (ما أهل به للطواغيت). وقال: (يعني: ما أهل للطواغيت كلها. يعني: ما ذبح لغير الله من أهل الكفر). ٢ - عن قتادة، قال: (ما ذبح لغير الله). ٣ - عن الربيع، قال: (ما ذكر عليه غير اسم الله). وقال ابن زيد: (ما يذبح لآلهتهم، الأنصابُ التي يعبدونها ويسمون أسماءها عليها. قال: يقولون: "باسم فلان"، كما تقول أنت: "باسم الله"). ويستثنى بذلك أهل الكتاب لمجيء النص بالإذن بالأكل من ذبائحهم. وقد أورد ابن جرير بسنده إلى حيوة، عن عقبة بن مسلم التُّجيبي وقيس بن رافع الأشجعي أنهما قالا: (أحِلّ لنا ما ذُبح لعيد الكنائس، وما أهدي لها من خبز أو لحم، فإنما هو طعام أهل الكتاب). قال حيوة: (قلت: أرأيت قول الله: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾؟ قال: إنما ذلك المجوس وأهلُ الأوثان والمشركون). والإهلال: رفع الصوت والجهر به عند الذبح، ومن ذلك قيل للملبِّي في حجّه أو عمرته "مُهِلّ". وقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. قال ابن جرير: (فمن حلت به ضرورة مجاعة إلى ما حرَّمت عليكم من الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فلا إثم عليه في أكله إن أكله). وفيه أقوال متقاربة عند أئمة التفسير: ١ - قال مجاهد: (قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾، قال: الرجل يأخذه العدو فيدعونه إلى معصية الله).

стр. 479

وقال: (غير قاطع سبيل، ولا مفارق جماعة، ولا خارج في معصية الله، فله الرخصة). ٢ - وعن سعيد: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾، قال: (هو الذي يقطع الطريق، فليس له رخصة إذا جاع أن يأكل الميتة، وإذا عطش أن يشربَ الخمر). ٣ - وقال قتادة: (غير باغ في أكله، ولا عادٍ: أنَّ يتعدى حلالًا إلى حرام، وهو يجد عنه مندوحة). ٤ - وقال السدي: (أما ﴿باغ﴾، فيبغي فيه شهوته. وأما ﴿العادي﴾، فيتعدى في أكله، يأكل حتى يشبع، ولكن يأكل منه قدر ما يمسك به نفسه حتى يبلغ به حاجته). فائدة: لو وجد المضطر ميتة وطعام غيره بحيث لا قطع فيه ولا أذى، فله أن يأكل طعام غيره ويحرم عليه أكل الميتة. ذكره القرطبي، وأما ضمان الطعام ففيه روايتان عن مالك. وفي مسند أحمد وسنن أبي داود وابن ماجة بسند جيد عن عبَّاد بن شُرَحبيل الغُبَريّ قال: [أصابنا عامٌ مخمصة، فأتيت المدينة، فأتيت حائطًا، فأخذت سنبلًا ففركتُه وأكلته، وجعلت منه في كسائي، فجاء صاحب الحائط فضربني وأخذ ثوبي، فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته، فقال للرجل: ما أطعمته إذْ كان جائعًا - أو ساغبًا - ولا عَلَّمته إذ كان جاهلًا. فأمره فردَّ إليه ثوبه، وأمر له بوسْق من طعام أو نصف وَسْق] (١). وفي سنن أبي داود والترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: [سُئل رسول الله ﷺ عن الثمر المعلَّق، فقال: من أصاب منه من ذي حاجة بفيه غير متخذ خُبْنَةً، فلا شيء عليه ... " (٢). وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. يعني: فيما أكل من اضطرار. قال سعيد بن جبير: (غفور: لما أكل من الحرام. رحيم: إذ أحلَّ له الحرام في الاضطرار).

стр. 480

١٧٤ - ١٧٦. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (١٧٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (١٧٦)﴾. في هذه الآياتِ: الخطاب لأحبار اليهود الذين كتموا أمر محمد ﷺ وصفته ونبوته، وهم يجدونها مكتوبة عندهم في التوراة، وقد توعدهم الله سبحانه مقابل تحريفهم لكتبه وأخذهم على ذلك المال والسحت نار جهنم يأكلونها في بطونهم يوم القيامة إضافة إلى سخط الله عليهم. فالله نزل الكتاب بالحق والذين كتموا هذا الوحي وشوهوه هم في عداوة وبغي وظلم. فعن قتادة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ الآية كلها، هم أهل الكتاب، كتموا ما أنزل الله عليهم وبين لهم من الحق والهدى، من بعث محمد ﷺ وأمره). وقال السدي: (فهؤلاء اليهود، كتموا اسم محمد ﷺ ). وقوله: ﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. قال السدي: (وأخذوا عليه طعمًا قليلًا، فهو الثمن القليل). قال الحافظ ابن كثير: (فكتموا ذلك لئلا تذهب رياستهم وما كانوا يأخذونه من العرب من الهدايا والتحف على تعظيمهم إياهم، فخشوا - لعنهم الله - إن أظهروا ذلك أن يتبعه الناس ويتركوهم، فكتموا ذلك إبقاءً على ما كان يحصل لهم من ذلك). وقوله: ﴿أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾. قال الربيع: (ما أخذوا عليه من الأجر). والمعنى: إن هؤلاء اليهود قد رضوا بالخسيس من الرشوة يُعْطَونها مقابل كتمان الحق وأمر النبوة، فهم بذلك يأكلون في بطونهم ما يوردهم نار الجحيم والعذاب الأليم. وفي الصحيحين عن أم سلمة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: [إن الذي يأكل أو

стр. 481

يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يُجَرْجِرُ في بطنه نار جهنم] (١). وقوله: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾. يعني: لا يكلمهم كلام تشريف ومدح وثناء، بل كلام إهانة وتوبيخ وتجريح، هم وأمثالهم. ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: [ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: شيخ زانٍ، ومَلِكٌ كذاب، وعائل مستكبر] (٢). وفي سنن النسائي وصحيح ابن خزيمة عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : [ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، والمرأة المترجلة، والديوث، وثلاثة لا يدخلون الجَنَّة: العاق لوالديه، والمدمن الخمر، والمنان بما أعطى] (٣). وقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يعني: موجع. وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ﴾. يعني: اعتاضوا عن الهدى وبيان الحق والعلم الذي في كتبهم من صفة النبي ﷺ وبيان بعثته ورسالته والأمر باتباعه إلى التكذيب به والكفر بنبوته. فاعتاضوا عن المغفرة بالعذاب. وقوله: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾. فيه أقوال متقاربة: ١ - قال قتادة: (فما أجرأهم على العمل الذي يقربهم إلى النار). وقال: (فما أجرأهم عليها).

стр. 482

٢ - قال مجاهد: (ما أعملهم بالباطل). يعني: ما أعملهم بأعمال أهل النار. ٣ - قال السدي: (هذا على وجه الاستفهام. يقول: ما الذي أصبرهم على النار). ٤ - قال الحسن: (والله ما لهم عليها من صبر، ولكن ما أجرأهم على النار). على وجه التعجب. وقوله تعالى: . ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾. المعنى: إن الله تعالى أنزل الكتب على رسله بالحق، وهؤلاء كتموا العلم الذي فيها بغيًا وظلمًا. قال السدي: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾، يقول: هم اليهود والنصارى. يقول: هم في عَداوة بعيدة). ١٧٧. قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَال عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾. في هذه الآية: لما شقّ على طائفة من أهل الكتاب وبعض المسلمين الأمر بالتحول إلى القبلة الجديدة، أنزل الله بيان المراد بذلك، الا وهو طاعة الله ، فإنها فوق كل شيء، فامثتال أوامره سبحانه أعز لديه من التوجه إلى المشرق أو المغرب. قال ابن عباس: (ليس البر أن تصلوا ولا تَعملوا، فهذا منذ تحوّل من مكة إلى المدينة، ونزلت الفرائض، وحدَّ الحدود. فأمر الله بالفرائض والعمل بها). وقال مجاهد: (ولكن البر ما ثبت في القلوب من طاعة الله). وقال الربيع: (كانت اليهود تصلي قبل المغرب، والنصارى قبل المشرق، فنزلت: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾). واختاره ابن جرير.

стр. 483

وقوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ... ﴾ قال الثوري: (هذه أنواع البر كلها). وقوله: ﴿وَآتَى الْمَال عَلَى حُبِّهِ﴾، قال عبد الله بن مسعود: (أي: يؤتيه وهو صحيح شحيح، يأمل العيش ويخشى الفقر) (١). وذكر ابن جرير بسنده إلى إسماعيل بن سالم، عن الشعبي، سمعته يُسأل: هل على الرجل حق في ماله سوى الزكاة؟ قال: نعم! وتلا هذه الآية: ﴿وَآتَى الْمَال عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾. وقد حفلت السنة الصحيحة من ذلك المعنى بالسيل الوفير، ومن ذلك: الحديث الأول: أخرج الشيخان من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل الغنى، وتخشى الفقر] (٢). الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن سلمان بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : [الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة] (٣). ورواه الطبراني في الأوسط بِسند حسن عنه ولفظه: [صدقة ذي الرحم على ذي الرحم صدقة وصلة]. وقوله: ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾. يعني: المسافر المجتاز الذي انقطع وفرغت نفقته، فيعطى ما يوصله إلى بلده، ويدخل في ذلك الضيف. قال مجاهد: (﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾: الذي يمر عليك وهو مسافر). وقال ابن عباس: (ابن السبيل هو الضيف الذي ينزل بالمسلمين). وقال ابن كثير: (وكذا الذي يريد سفرًا في طاعة فيعطى ما يكفيه في ذهابه وإيابه).

стр. 484

وقوله: ﴿وَالسَّائِلِينَ﴾. قال عكرمة: (الذي يسألك). والمقصود الذين يتعرضون للطلب فيعطون من الزكوات والصدقات. وقوله: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾. المقصود فك الرقاب من العبودية، وهم المكاتبون الذين يسعون في فك رقابهم بأداء كتاباتهم التي فارقوا عليها ساداتهم. أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [ثلاثة حق على الله تعالى عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتَبُ الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف] (١). وقوله: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾. أي: أقام الصلاة بحدودها وأركانها، وأعطى الزكاة كما فرضها الله وبينها، وكما جاء تفصيل ذلك في سنة النبي ﷺ . وقوله: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾. قال الربيع بن أنس: (فمن أعطى عهد الله ثم نقضه، فالله ينتقم منه. ومن أعطى ذمة النبي ﷺ ثم غدر بها، فالنبي ﷺ خصمه يومَ القيامة). وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤْتُمِنَ خان] (٢). وقوله: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾. فيه أقوال متقاربة: ١ - عن السدي، عن مرّة، عن عبد الله قال: (البأساء الجوع، والضراء المرض). ٢ - قال قتادة: (كنا نُحدَّث أن البأساء البؤس والفقر، وأن الضراء السُّقم).

стр. 485

٣ - عن الربيع قال: (البؤس: الفاقة والفقر، والضراء: في النفس، من وجع أو مرض يصيبه في جسده). والنصب في لفظ: ﴿وَالصَّابِرِينَ﴾ على المدح أو الاختصاه. والتقدير: وأمدح الصابرين أو أخصّ الصابرين بالثناء. وقوله: ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾. قال قتادة: (أي عند مواطن القتال). وقال الربيع: (عند لقاء العدو). فهم الصابرون في وقت البأس، وقت شدة القتال في الحرب. وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾. قال الحسن: (هذا كلام الإيمان، وحقيقته العمل، فإن لم يكن مع القول عملٌ فلا شيء). فلما اتصفوا بهذه الصفات التي مدحها الله كانوا من الصادقين في إيمانهم، إذ حققوا ذلك بأقوالهم وأفعالهم، فاتقوا المحارم وفعلوا الطاعات فكانوا بصدق هم المتقين. ١٧٨ - ١٧٩. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾. في هذه الآياتِ: أَمْرُ الله تعالى عباده المؤمنين بوجوب القصاص في الدماء، فالحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى، فإن حصل شيء من العفو فهو خير وإحسان، ومن اعتدى فله عذاب اليم. وإن في إقامة منهج القصاص حفظ حياة العباد، فاتقوا الله يا أولي الالباب. ومعنى القصاص: الاتِّباع، فهو مأخوذ من قصِّ الأثر أي اتِّباعه، ومنه القاصّ: لأنه يتبع الآثار والأخبار. قال القرطبي: (فكأن القاتل سلك طريقًا من القتل فقُصَّ أثره فيها ومشي على سبيله في ذلك، ومنه: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤] وقيل:

стр. 486

القصّ القطع، يقال: قصصت ما بينهما. ومنه أخذ القِصاص، لأنه يجرحه مثل جرحه أو يقتله به). أخرج البخاري والنسائي والدَّارقطني عن ابن عباس قال: [كان في بني إسرائيل القصاص ولم تكن فيهم الدية، فقال الله لهذه الأمة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ فالعفْوُ أن يقبل الدية في العمد، ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ يتبع بالمعروف ويؤدي بإحسان، ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ مما كتب على من كان قبلكم، ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قتل بعد قبول الدية] (١). وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾. يعني: العدل في القصاص دون تجاوز أو اعتداء. فقد كانت بنو النضير قد غزت قريظة في الجاهلية وقهروهم، فكان إذا قتل النضريُّ القرظي لا يُقْتل به، بل يفادى بمئة وسق من التمر، وإذا قتل القرظي النضريَّ قُتل به، وإن فادَوْه فَدَوْه بمئتي وسق من التمر ضعف دية القُرَظي، فأمر الله بالعدل في القصاص. وعن سعيد بن جبير، في قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾: (يعني إذا كان عمدًا، الحر بالحر. وذلك أن حَيّين من العرب اقتتلوا في الجاهلية قبل الإسلام بقليل، فكان بينهم قتل وجراحات، حتى قتلوا العبيد والنساء، فلم يأخذ بعفهم من بعض حتى أسلموا، فكان أحد الحيين يتطاول على الآخر في العدة والأموال، فحلفوا أن لا يرضوا حتى يقتل بالعبد منا الحرّ منهم، وبالمرأة منا الرجل منهم، فنزل فيهم: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ منها منسوخة، نسختها ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] (٢). وعن ابن عباس: (قوله: ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾، وذلك أنهم كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة، ولكن يقتلون الرجل بالرجل، والمرأة بالمرأة، فأنزل الله: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾، فجعل الأحرار في القصاص سواء فيما بينهم من العمد رجالهم

стр. 487

ونساؤهم في النفس وفيما دون النفس، وجعل العبيد مستوين فيما بينهم من العمد في النفس وفيما دون النفس، رجالهم ونساؤهم). فائدة (١): المسلم لا يقتل بالكافر. ففي صحيح البخاري عن علي قال: قال رسول الله ﷺ : [ولا يقتل مسلم بكافر] (١). ولا يصح حديث ولا تأويل يخالف هذا، وإن كان ذهب أبو حنيفة إلى أنه يقتل به، محتجًا بعموم آية المائدة، ولكن الحديث مخصص لذلك وهو الحجة عند الفقهاء. فائدة (٢): الجماعة يقتلون بالواحد. وهو مذهب الأئمة الأربعة والجمهور، وعن عمر بن الخطاب ﵁ في غلام قتله سبعة فقتلفم، وقال: (لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم). قلت: ولا شك أنه يرجع إلى تقدير الإمام. فائدة: (٣): لا يقتل الوالدُ بالولد. والحجة في ذلك ما رواه أبو داود عن عمر، عن النبي ﷺ قال: [لا يُقتل الوالدُ بالولد" (٢). وله شاهد في المسند وجامع الترمذي من حديث عمر أيضًا بلفظ: [لا يُقاد الوالدُ بالولد] (٣). وقوله: ﴿عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾. قال ابن عباس: (هو العمد، يرضى أهله بالدية، واتباع بالمعروف: أمر به الطالب، وأداء إليه بإحسان من المطلوب). وقال: (أن يطلب هذا بمعروف ويؤدي هذا بإحسان). وقال الحسن: (أخذ الدية عفوٌ حسن). وقوله: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾. يعني: الدية. قال ابن عباس: (كان من قبلكم يقتلون القاتل بالقتيل، لا تقبل منهم الدية، فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ إلى آخر الآية، ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ

стр. 488

مِنْ رَبِّكُمْ﴾، يقول: خفف عنكم، وكان على مَنْ قبلكم أنَّ الدية لم تكن تقبل، فالذي يقبل الدية ذلك منه عفوٌ). وقال قتادة: (لم يكن لمن قبلنا دية، إنما هو القتل، أو العفو إلى أهله). فائدة: ذهب مالك وأبو حنيفة والأوزاعي أنه إذا قُتل الرجل أو المرأة وله أولاد كبار وصغار أن للكبار أن يقتلوا القاتل ولا ينتظر بلوغ الصغار. وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. أي: اعتدى بالقتل وغيره بعد أخذه الدية. قال مجاهد: (﴿فَمَنِ اعْتَدَى﴾، بعد أخذ الدية، ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾). وقال قتادة: (هو القتل بعد أخذ الدية). وأما العذاب الأليم، فهو القتل في عاجل الدنيا. وقيل هو عذاب الآخرة. وقيل هي عقوبة يقدرها السلطان. فالأول قاله عكرمة، والثاني ذكره ابن كثير، والثالث ذكره ابن جريج. وقال الحسن: (تؤخذ منه الدية التي أخذ، ولا يُقتل به). وذلك في رجل قَتل فأخذت منه الدية ثم إن وليه قتل القاتل. وقال مالك والشافعي: هو كمن قتل ابتداء، إن شاء الولي قتله، وإن شاء عفا عنه وعذابه في الآخرة. وقال قتادة والسُّدي: عذابه أن يُقتل البتة، ولا يمكِّن الحاكمُ الوليَ من العفو. فائدة: إذا عفا ولي الدم عن القصاص والدية أطلق القاتل كما ذهب الشافعي وأحمد. أما إن كان مشهورًا بالقتل فللحاكم أن يؤدبه بشيء يزجره. ويه قال أبو ثور وأشار إلى حبسه - واستحسنه القرطبي. وقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. قال مجاهد: (نكالٌ، تَناهٍ). وقال قتادة: (جعل الله هذا القصاص حياة، ونكالًا، وعظةً لأهل السفه والجهل من الناس. وكم من رجل قد هَمَّ بداهية، لولا مخافة القصاص لوقع بها، ولكن الله حَجز بالقصاص بعضهم عن بعض، وما أمر الله بأمر قط إلا وهو أمر صلاح في الدنيا والآخرة، ولا نهى الله عن أمرٍ قط إلا وهو أمر فساد في الدنيا والدين، والله أعلم بالذي

стр. 489

يُصلح خلقَه). وقال: (قد جعل الله في القصاص حياة، إذا ذكره الظالم المتعدي كفّ عن القتل). وقال ابن جريجٍ: (حياةٌ: مَنعةٌ). وقال السدي: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾، يقول: بقاء، لا يقتل إلا القاتل بجنايته). وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. أي: تتقون القصاص، فتنتهون عن القتل. قال ابن زيد: (لعلك تتقي أن تقتله، فتقتل به). ١٨٠ - ١٨٢. قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١) فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢)﴾. في هذه الآياتِ: وجوب الوصية للقرابة المحتاجين الذين لا يرثون، ومن بدّل الوصية فإنما إثمه على نفسه، ومن أصلح ما أفسده غيره في وصيته فلا إثم عليه، والله غفور رحيم. قال الحافظ ابن كثير: (اشتملت هذه الآية الكريمة على الأمر بالوصية للوالدين والأقربين. وقد كان ذلك واجبًا - على أصح القولين - قبل نزول آية المواريث، فلما نزلت آية الفرائض نسخَتْ هذه، وصارت المواريث المقدّرة فريضة من الله، يأخذها أهلوها حتمًا من غير وصية ولا تحمل مِنَّة الموصي). قلت: والراجح أنَّها غير منسوخة، فيجب على المريض المحتضر أن يوصي لأقربائه الذين لا يرثون منه لعموم هذه الآية، فيوصي من ضمن الثلث ولا يجوز الزيادة عليه، بل الأفضل أن ينقص منه. فقد أخرج الإمام أحمد والشيخان والبيهقي عن ابن عباس ﵁ قال:

стр. 490

[وددت أن الناس غضّوا من الثلث إلى الربع في الوصية، لأن النبي ﷺ قال: الثلث كثير] (١). وأما الوصية للوالدين والأقربين الذين يرثون من الموصي، فلا تجوز؛ لأنَّها منسوخة بآية الميراث، وقد بيّن ذلك رسول الله أتمّ البيان في خطبته في حجة الوداع فقال: [إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث] (٢). وفي صحيح البخاري عن ابن عباس قال: (كان المال للولد وكانت الوصية للوالدين، فنسخ من ذلك ما أحب، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس، وجعل للمرأة الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع). وقال ابن عباس والحسن: (نُسخت الوصية للوالدين بالفرض في سورة "النساء" وثبتت للأقربين الذين لا يرثون). وهو مذهب الشافعي وأكثر المالكيين وجماعة من أهل العلم. قلت: والخلاصة أن الآية هي الناسخة للحديث إن صحّ ادعاء النسخ، وإلا فلا تعارض بينهما، فالحديث يشير إلى الورثة والآية تشير إلى الوالدين أو الأقريين إن لم يكونوا من الورثة. قال الضحاك: (إن أوصى لغير قرابته فقد ختم عمله بمعصية). وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم والأوزاعي وأحمد بن حنبل: (من أوصى لغير قرابته وترك قرابته محتاجين فبئسما صنع! وفعله مع ذلك جائز ماضٍ لكل من أوصى له من غني وفقير، قريب وبعيد، مسلم وكافر). وقوله: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾. قال ابن عباس: (يعني مالًا). قال شيخ المفسرين - الإمام ابن جرير ﵀: (فكلّ من حضرته منيَّتُه وعنده مالٌ قلّ ذلك أو كثر، فواجب عليه أن يوصي منه لمن لا يرثه من آبائه وأمهاته وأقربائه الذين لا يرثونه بمعروف، كما قال الله جل ذكره وأمرَ به).

стр. 491

وقوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾. يعني: بالرفق والإحسان. قال الحسن: (أن يوصي لأقربيه وصيّة لا تجحف بورثته، من غير إسراف ولا تقتير). وفي صحيح البخاري عن سعد بن أبي وقاص قال: [مَرِضت بمكة مرضًا فأشفيت منه على الموت فأتاني النبي ﷺ يعودني، فقلت: يا رسولَ الله، إن لي مالا كثيرًا وليس يرثني إلا ابنتي، أفأتصدَّق بثلثي مالي؟ قال: لا، قلت: فالشطر؟ قال: لا، قلت: الثلث؟ قال: الثلث كبير، إنك إن تركْتَ ولدكَ أغنياءَ خيرٌ من أن تَتْرُكَهُم عالة يتكففون الناس .... ] (١). وقوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾. يعني: حقًّا واجبًا على من اتقى الله فأطاعه أن يعمل به. وقوله: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾. قال قتادة: (من بدّل الوصية بعدما سمعها، فإثم ما بدَّل عليه). وقال ابن عباس: (وقد وقع أجر الموصي على الله وبرئ من إثمه، وإن كان أوصى في ضرار لم تجز وصيته، كما قال الله: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء: ١٢]. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. يعني: قد اطلع على ما أوصى به الميت، وعلم ما أراده المبدل وما أخفاه في صدره من الجور والحيف. وقوله: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. فيه أقوال متقاربة: ١ - قال مجاهد: (هذا حين يُحْضَرُ الرجل وهو في الموت، فإذا أشرف على الجور أمروه بالعدل، وإذا قصر عن حق قالوا: افعل كذا، أعطِ فلانًا كذا). ٢ - قال ابن عباس: (يقول: إذا أخطأ الميت في وصيته أو حاف فيها، فليس على

стр. 492

الأولياء حرجٌ أن يردوا خطأه إلى الصواب). وكان قتادة يقول: (من أوصى بجورٍ أو حيْف في وصيته فردها وَليّ المتوفى أو إمام من أئمة المسلمين، إلى كتاب الله وإلى العدل، فذاك له). ٣ - قال ابن جريجٍ: (قلت لعطاء قوله: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾، قال: الرجل يحيف أو يأثم عند موته، فيعطي ورثته بعضَهم دون بعض، يقول الله: فلا إثم على المصلح بينهم). ٤ - عن ابن طاووس، عن أبيه قال: (هو الرجل يوصي لولد ابنته). والمقصود ليزيد ابنته من الإرث. والجنف، كما قال ابن عباس والضحاك: الخطأ، والإثم: العمد. وفي الأثر الموقوف عن ابن عباس: (الجنف في الوصية من الكبائر) (١). وقوله: ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾. أي: أعاد الأمر إلى العدل في الوصية على الوجه الشرعي، وهذا ليس من التبديل في شيء، لذلك قال: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قد يغفر للموصي ما حدثته نفسه من الجنف والإثم، رحيم بالمصلح بما قام فيه من عمل لإعادة الأمر إلى حدوده الشرعية. ١٨٣. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾. في هذه الآية: يوجه الله سبحانه الخطاب إلى المؤمنين - الذين آمنوا بالله ورسوله وصدقوا وامتثلوا - إلى فريضة الصيام، التي كتبها الله على من قبلهم من الأنام، لينالوا بذلك تقوى الله . وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾. أي: فرض عليكم صيام شهر رمضان كل عام.

стр. 493

والصوم في لغة العرب: الإمساك. قال الخليل: (الصوم قيام بلا عمل). والعرب تقول: صام الفرس، إذا قام على غير اعتلاف. وصام النهار، إذا قام قائم الظهيرة واعتدل. والصوم أيضًا ركود الرياح. قال أبو عبيدة: (كل ممسك عن طعام أو كلام أو سَيْر فهو صائم). وفي التنزيل: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾. قال ابن عباس: (صمتًا). وأما الصوم في الاصطلاح الشرعي: فهو الإمساك عن الطعام والشراب والوقاع والمفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس مع النية. ويدخل في ذلك اجتناب الغيبة والفحش والكذب وغير ذلك من سيِّيء الأخلاق. فقد روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : [من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجةٌ في أن يدع طعامَهُ وشرابَهُ] (١). وروى ابن خزيمة بسند حسن عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [لا تسابَّ وأنت صائم، فإن سابك أحد فقل: إني صائم، وإن كنت قائمًا فاجلس] (٢). وكذلك في صحيح ابن خزيمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [ربّ صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، وربّ قائم حظه من قيامه السهر] (٣). وقوله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. فيه أقوال متقاربة: ١ - قال مجاهد: (كتب الله صومَ شهر رمضان على كل أمة). ٢ - قال السدي: (أما الذين من قبلنا: فالنصارى، كتب عليهم رمضان، وكتب عليهم أن لا يأكلوا ولا يشربوا بعد النوم، ولا ينكحوا النساء شهر رمضان). وقال الربيع: (كتب عليهم الصوم من العتمة إلى العتمة).

стр. 494

٣ - قال مجاهد: (أهل الكتاب). يعني هم المقصود بالذين من قبلكم. ٤ - قال قتادة: (كتب شهرُ رمضان على الناس، كما كُتب على الذين من قبلهم. قال: وقد كتب الله على الناس قبل أن ينزل رمضانُ صَوْمَ ثلاثة أيام من كل شهر). ٥ - وروي عن معاذ وابن مسعود: (أن الصيام كان أولًا كما كان عليه الأمم قبلنا من كل شهرٍ ثلاثةُ أيام). قال الضحاك: (لم يزل هذا مشروعًا من زمان نوح إلى أن نسخ الله ذلك بصيام شهر رمضان). وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. ترجّ في حقهم. وفيه عندي أربعة تفاسير: الأول: لعلكم تضعفون. فكلما قل الأكل ضعفت الشهوة وقلت المعصية. ففي صحيح مسلم من حديث ابن مسعود: [يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء] (١). الثاني: لتتقوا المعاصي والوقوع بها أثناء صومكم، فيَستفيد المتقون من ذلك دائمًا. الثالث: قيل بل المعنى: لتتقوا أكل الطعام وشرب الشراب وجماع النساء فيه. قال ابن جرير: يقول: (فرضت عليكم الصوم والكف عما تكونون بترك الكف عنه مفطرين، لتتقوا ما يُفطركم في وقت صومكم). ثم ذكر قول السدي: (يقول: فتتقون من الطعام والشراب والنساء مثل ما اتقوا - يعني: مثل الذي اتقى النصارى من قبلكم). الرابع: قيل بل هي على العموم، فإن التقوى لا حدود لها، ولا لآفاقها. روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [قال الله : كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جُنَّة، فإذا كان يومُ صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب ولا يجهل، فإن شاتمه أحد أو قاتله فليقل إني صائم، مرتين. والذي نفس محمد بيده، لخُلوف فم الصائم أطيب عند الله

стр. 495

يوم القيامة من ريح المسك، وللصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه] (١). وكلها تفاسير يحتملها البيان الإلهي، وإن كان التفسير الرابع أشملها. ١٨٤. قوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)﴾. في هذه الآية: الصيام أيام معدودات، فمن منعه المرض أو السفر فعدة من أيام أخر، ومن أطاقه بمشقة هرم أو عجز أو شيخوخة ففدية طعام مسكين، ولهم ترك الصيام ولا قضاء عليهم، فمن زاد في الإطعام فهو خير، كما أن الصيام خير من الإفطار والفدية التي كانت أول الإسلام. وقوله: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾. يعني: أيام شهر رمضان. قال ابن جرير: (وأما "المعدودات"، فهي التي تعدّ مبالغها وساعاتُ أوقاتها. ويعني بقوله: ﴿مَعْدُودَاتٍ﴾، محصيات). وقوله: ﴿أَيَّامًا﴾، قيل: مفعول به ثان لـ: ﴿كُتِبَ﴾، قاله الفراء، وقيل: بل نُصب على الظرف، والتقدير: كتب عليكم الصيام في أيام. وقيل: بل نصب بفعل محذوف، والتقدير: كتب عليكم أن تصوموا أيامًا. وقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾. أما قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾، أي: يستطيعونه بمشقة. فقد كان المريض والمسافر لا يصومان للمشقة بل يفطران ويقضيان. وأما الصحيح الذي يطيق الصيام
следующие страницы →