وفي سنن أبي داود وابن ماجة بإسناد صحيح عن ابن عمر قال: [لم يكن رسول اللَّه ﷺ يدع هؤلاء الدعوات حين يمسي وحين يصبح: اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني وَدُنْياي وأهلي ومالي، اللهم استُر عَوْرَتي وآمِنْ روعاتي، اللهم احفظني من بين يَدَيَّ ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أغْتال من تحتي] (١).
وقوله: ﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. أي: إني رجعت من ذنوبي السالفة، وإني لك بالطاعة من الخاضعين.
قال ابن عباس: (﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ﴾: رجعت عن الأمر الذي كنت عليه).
وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾.
أي: هؤلاء الموصوفون بما سبق هم الذين يتقبل اللَّه عنهم أحسن ما عملوا من صالحات الأعمال، ويصفح عن سيئات أعمالهم فلا يعاقبهم عليها.
وقوله: ﴿فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ﴾. قال النسفي: (ومحله النصب على الحال، على معنى: كائنين في أصحاب الجنة ومعدودين فيهم). وقيل: ﴿فِي﴾ بمعنى "مع" -أي: مع أصحاب الجنة، والمعنى واحد.
وقوله: ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ﴾ - نصب لأنه مصدر مؤكد لما قبله.
والتقدير: وعد اللَّه أهل الإيمان والعمل الصالح أن يتقبل أحسن أعمالهم ويتجاوز عن سيئاتهم وعد الصدق.
وقوله: ﴿الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾. قال القرطبي: (في الدنيا على ألسنة الرسل، وذلك الجنة).
١٧ - ٢٠. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٧) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (١٨) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٩)
стр. 4412
وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠)﴾.
في هذه الآيات: قصة ارتباط الشعرك بالعقوق، وعاقبة ذلك من الخسران المبين. وتصوير مشهد الخزي والذل أمام نار جهنم للكافرين.
فعن الحسن: (﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾ قال: هو الكافر الفاجر العاقّ لوالديه، المكذب البعث). قال النسفي: (أفّ: وهو صوت إذا صوّت به الإنسان علم أنه متضجر، كما إذا قال حس علم أنه متوجع، واللام للبيان، أي هذا التأفيف لكما خاصة ولأجلكما دون غيركما).
والعقوق من أكبر الكبائر، وعقابه في الدنيا والآخرة، وفي التنزيل: قال تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: ٢٣].
ومن صحيح السنة المطهرة في ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج النسائي وأحمد وابن حبان بإسناد جيد عن سالم بن عبد اللَّه عن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [ثلاثة لا ينظر اللَّه إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، والمرأة المترجلة، والديوث. وثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، والمدمن الخمر، والمنان بما أعطى] (١).
الحديث الثاني: أخرج الدارمي والنسائي والبخاري في "التاريخ الصغير" بسند حسن في الشواهد عن عبد اللَّه بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: [لا يدخل الجنة عاق، ولا منان، ولا مدمن خمر، (ولا ولد زنية)] (٢).
الحديث الثالث: أخرج البخاري في "الأدب المفرد" عن عروة قال: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤]: [لا تمتنع من شيء أحبّاه] (٣).
وقوله: ﴿أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ﴾. قال قتادة: (أن أبعث بعد الموت).
стр. 4413
وقوله: ﴿وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴾. أي: وقد مضت قرون من الأمم قبلي فهلكوا فلم يبعث منهم أحد.
وقوله: ﴿وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾.
أي: ووالداه يستصرخان اللَّه عليه ويسألانه له الهداية، ويستغيثان عليه أن يؤمن باللَّه ويقرّ بالبعث وأن وعد اللَّه صدق وحق.
وقوله: ﴿فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. -أي: فيجيب عدو اللَّه والديه مستنكرًا خروجه من قبره بعد موته فيقول: ما هذا الذي تقولانه إلا ما سطّره الأولون من الناس من الأباطيل.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾. قال ابن كثير: (أي: دخلوا في زُمرة أشباههم وأضرابهم من الكافرين الخاسرين أنفسهم وأهليهم يومَ القيامة).
وقوله: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾. قال ابن زيد: (درج أهل النار يذهب سفالًا، ودرج أهل الجنة يذهب علوًا). والمقصود: لكل أعدّ اللَّه من الثواب أو العذاب حسب عمله ومقابل ما قدّم. قال القرطبي: (﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ﴾ أي ولكل واحد من الفريقين المؤمنين والكافرين من الجن والإنس مراتب عند اللَّه يوم القيامة بأعمالهم).
وقوله: ﴿وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. أي: ولينالوا جزاء أعمالهم فلا يزاد على مسيء ولا ينقص من محسن.
وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾.
قال النسفي: (عرضهم على النار تعذيبهم بها). وقيل: دنوّهم منها ينظرون إليها. والمعنى: ذَكِّرْهُم -يا محمد- يوم يكشف الغطاء فيقرّبون من النار وينظرون إليها، ويقال لهم تقريعًا وتوبيخًا: لقد استوفيتم لذائذكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها، فما بقي لكم من اللذائذ شيء لاستيفائكم إياها.
وقوله: ﴿فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾. قال مجاهد: (الهوان). أي: فاليوم تذوقون عذاب النار الذي يهينكم ويخزيكم.
وقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. قال ابن جرير: (بما كنتم تتكبرون في الدنيا على ظهر الأرض على ربكم، فتأبون أن تخلصوا له العبادة).
стр. 4414
وقوله: ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾. أي وبما كنتم تصرون عليه من الفسق والمعاصي وتعاطي المنكرات والموبقات والآثام.
٢١ - ٢٥. قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢١) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٢) قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٣) فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥)﴾.
في هذه الآيات: خبر عاد قوم هود ﵇، وقد جاءهم بالوحي ينذرهم مغبة الشرك والآثام، فكذبوه فأخذهم اللَّه بريح عاتية تدمر المساكن وتقلع الرجال والخيام.
فقوله: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ﴾ -تسلية للنبي ﷺ عما يلقاه من أذى قومه وعنادهم.
وعادٌ هم قوم هود ﵊ والأخوة هنا أخوة النسب. قال القرطبي: (كان أخوهم في النسب لا في الدين).
وقوله: ﴿إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾. أي اذكر يا محمد لقومك قصة عاد الذين كانوا يسكنون الأحقاف وقد قهروا أهل الأرض بقوتهم. والأحقاف: ديار عاد، وهي الرمال العظام، جمع حِقف، وهو ما استطال من الرمل العظيم واعوج ولم يبلغ أن يكون جبلًا. قال عكرمة: (الأحقاف: الجبلُ والغار). وقال قتادة: (ذُكر لنا أن عادًا كانوا حيًّا باليمن أهلَ رملٍ مُشرِفين على البحر بأرض يقال لها: الشِّحْر).
قال ابن إسحاق: (كانت منازل عاد وجماعتهم، حيث بعث اللَّه إليهم هودًا. الأحقاف: الرمل فيما بين عُمان إلى حَضْرموت فاليمن كله، وكانوا مع ذلك قد فَشَوا في الأرض كلها، قهروا أهلها بفضل قوتهم التي آتاهم اللَّه).
وقوله: ﴿وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾.
قال الضحاك: (لن يبعث اللَّه رسولًا إلا بأن يعبد اللَّه). قال ابن كثير: (يعني: وقد أرسَلَ اللَّه تعالى إلى مَنْ حول بلادهم في القرى مُرسَلين ومُنذِرين، كقوله :
стр. 4415
﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ [البقرة: ٦٦]، وكقوله جل وعلا: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣) إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [فصلت: ١٣ - ١٤]).
وقوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. أي يقول هود لقومه: إني أخاف عليكم بإصراركم على عبادة غير اللَّه عذاب يوم تعظم فيه الأهوال والشدائد، وهو يوم القيامة.
وقوله: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾. قال ابن زيد: (لتزيلنا). أي: أجابوه قائلين: أجئتنا لتصدنا وتصرفنا عن عبادة آلهتنا؟ .
وقوله: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. إخبار عن استعجالهم العقوبة والعذاب، استهتارًا واستبعادًا من وقوع ذلك. قال ابن زيد: (﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ من العذاب على عبادتنا ما نعبد من الآلهة ﴿إِنْ كُنْتَ﴾ من أهل الصدق في قوله وعداته).
وقوله: ﴿قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ﴾. أي: قال هود لقومه عاد. إنما العلم بمجيء ما أعدكم من العذاب على كفركم عند اللَّه، وإنما أنا رسول أبلغكم رسالة ربي إليكم.
وقوله: ﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾. قال ابن جرير: (﴿تَجْهَلُونَ﴾ مواضع حظوظ أنفسكم فلا تعرفون ما عليها من المضرّة بعبادتكم غير اللَّه، وفي استعجال عذابه).
وقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾. العارض: السحاب الذي يعرض في أفق السماء. والمقصود: فلما رأوا العذاب مستقبلهم ظنوا أنه عارضٌ ممطر، فاستبشروا وفرحوا بقدوم الغيث وقد كانوا مُمْحلِين محتاجين إلى المطر.
وقوله: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
أي: بل القادم هو ريح شديدة تحمل الدمار والهلاك. قال ابن عباس: (أوّل ما رأوا العارض قاموا فمدّوا أيديهم، فأوّل ما عرفوا أنه عذاب رأوا ما كان خارجًا من ديارهم من الرجال والمواشي تطير بهم الريح ما بين السماء والأرض مثل الريش، فدخلوا بيوتهم وأغلقوا أبوابهم، فقلعت الريح الأبواب وصرعتهم، وأمر اللَّه الريح فأمالت عليهم الرمال، فكانوا تحت الرمال سبع ليال وثمانية أيام حسومًا، ولهم أنين).
وقوله: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾. قال ابن عباس: (أي كل شيء بُعثت إليه).
стр. 4416
قال النسفي: (تهلك من نفوس عاد وأموالهم الجمّ الكثير، فعبّر عن الكثرة بالكلية ﴿بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ رب الريح).
وقوله: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾. أي: هلكوا وبادوا عن آخرهم، ولم يبق يظهو إلا آثار بيوتهم ومعالم ديارهم.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾. أي: مثل هذا العقاب وذلك الخراب والدمار نعاقب القوم المشركين المستكبرين الآثمين.
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦ - ٨].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات: ٤١ - ٤٢].
وفي صحيح السنة المطهرة من آفاق ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: [كان رسول اللَّه ﷺ إذا رأى مَخيلةً فِي السماء أقْبَل وأدْبَر، ودخَلَ وخَرَج، وتغيَّرَ وجهه، فإذا أمطرت السماءُ سُرِّيَ عنه فعَرَّفَتْهُ عائشةُ ذلك، فقال النبي ﷺ : ما أدري لعلَّه كما قال قوم: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ الآية] (١).
الحديث الثاني: أخرج مسلم وأبو داود والترمذي عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أنها قالت: [كان النبى ﷺ إذا عَصَفَت الريح قال: اللهم! إني أسألك خَيْرَها، وخَيْرَ ما فيها، وخَيْرَ ما أُرسِلُتْ به، وأعود بك من شَرِّها، وشَرِّ ما فيها، وشَرِّ ما أُرسلت به. قالت: وإذا تَخَيَّلَت السماءُ، تَغَيَّرَ لونُه، وخرَج ودخَلَ، وأقْبَل وأدْبَر، فإذا مَطَرَتْ سُرِّيَ عنه، فَعَرَفت ذلكَ عائشةُ، فسألتْهُ فقال. لعلَّهُ يا عائِشَةُ! كما قال قوم
стр. 4417
عاد: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾] (١).
الحديث الثالث: أخرج أحمد في المسند بسند صحيح عن عائشة: [أنّ رسول اللَّه ﷺ كان إذا رأى ناشئًا في أفق من آفاق السماء، تَرَك عمله وإن كان في صلاته، ثم يقول: اللهمّ، إني أعوذُ بك من شرّ ما فيه. فإن كشفه اللَّه حمد اللَّه، وإن أمطَرَت قال: اللهم صيبًا نافعًا] (٢).
الحديث الرابع: خرّج مسلم في صحيحه عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أنه قال: [نُصِرْتُ بالصَّبا، وأُهْلِكَت عَادٌ بالدَّبُور] (٣).
والصَّبا: ريح الشمال، والدّبور: ريح الجنوب.
٢٦ - ٢٨. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٢٦) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧) فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨)﴾.
في هذه الآيات: الخطاب لقريش ليعلموا أن الأمم السالفة التي أهلكها اللَّه بكفرها كانوا أشد منهم في البنيان والحصون، وأكثر منهم في الأموال والأولاد، فلم يزكوا نعمة الأسماع والأبصار والأفئدة فنزل بهم العذاب وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون. وكذلك القرى التي حول مكة ممن أهلك اللَّه أهلها ما نفعتهم آلهتهم وما كانوا يفترون.
فقوله: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾. قال قتادة: (أنبأكم أنه أعطى القوم ما لم يعطكم). أي: لقد مكَّنَ اللَّه الأمم السالفة في الدنيا من الأموال والأجسام والحصون والأولاد ما لم يعط قريشًا مثله.
стр. 4418
وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
قال ابن جرير: (﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا﴾ يسمعون به مواعظ ربهم، وأبصارًا يبصرون بها حجج اللَّه، وأفئدة يعقلون بها ما يشرّهم (١) وينفعهم ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ قول: فلم ينفعهم ما أعطاهم من السمع والبصر والفؤاد إذ لم يستعملوها فيما أعطوها له، ولم يعملوها فيما ينجيهم من عقاب اللَّه، ولكنهم استعملوها فيما يقرّبهم من سخطه ﴿إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ يقول: إذ كانوا يكذبون بحجج اللَّه وهم رسُله، وينكرون نبوتهم ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يقول: وعادَ عليهم ما استهزؤوا به، ونزل بهم ما سخروا به فاستعجلوا به من العذاب، وهذا وعيد من اللَّه جل ثناؤه لقريش، يقول لهم: فاحذروا أن يحلّ بكم من العذاب على كفركم باللَّه وتكذيبكم رسله، ما حل بعاد، وبادروا بالتوبة قبل النقمة).
وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى﴾. قال ابن كثير: (يعني أهل مكّة، قد أهلك اللَّه الأمم المكذبة بالرسل مما حَولها كعادٍ، وكانوا بالأحقاف بِحَضْرَ موت عند اليمن، وثمود وكانت منازلهم بينهم وبين الشام، وكذلك سَبَأٌ وهم أهلُ اليمن، ومَدْين وكانت في طريقهم ومَمَرِّهم إلى غَزَّة، وكذلك بحيرة قوم لوط، كانوا يمرون بها أيضًا).
وقوله: ﴿وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ﴾. قال ابن زيد: (بيّناها). ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ - قال: (يقول: ليرجعوا عما كانوا عليه مقيمين من الكفر باللَّه وآياته).
وقوله: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً﴾.
قال القرطبي: (﴿فَلَوْلَا﴾ بعنى هلّا، أي هلّا نصرهم آلهتهم التي تقرّبوا بها بزعمهم إلى اللَّه لتشفع لهم حيث قالوا: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] ومنعتهم من الهلاك الواقع بهم).
والمقصود: الاحتجاج على قريش في منهاج عبادتهم. أي: لو كانت آلهتكم تنفع لنفعت من قبلكم وأنقذتهم من بأس اللَّه حين نزل بهم.
وقوله: ﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾. قال القاسمي: (أي غابوا عن نصرهم، وامتنع أن
стр. 4419
يستمدوا بهم، امتناع الاستمداد بالضال، ففي ﴿ضَلُّوا﴾ استعارة تبعية).
وقوله: ﴿وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. قال النسفي: (﴿وَذَلِكَ﴾ إشارة إلى امتناع نصرة آلهتهم وضلالهم عنهم، أي: وذلك أثر إفكهم الذي هو اتخاذهم إياها آلهة وثمرة شركهم وافترائهم على اللَّه الكذب).
٢٩ - ٣٢. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٢)﴾.
في هذه الآيات: خبرُ لقاء رسول اللَّه ﷺ مع فريق من الجن -وقد حيل بينهم وبين استراق السمع من السماء- فاستمعوا القرآن وأنصتوا له ورجعوا إلى قومهم منذرين. فإلى تفصيل ذلك:
إنّ الجن كما أثبت اللَّه سبحانه كائنات مستترة عن أنظار البشر، قال جل ذكره: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٧]. ثم إن اللَّه قد أعطاهم قدرة على التجسم والظهور بأشكال شتى.
ولقد رأى نفر منهم رسول اللَّه ﷺ بنخلة عامدًا إلى سوق عكاظ، وكانوا قد حيل بينهم وبين خبر السماء وأرسلت علهيم الشهب، فلما وجدوا رسول اللَّه ﷺ قائمًا يصلي صلاة الفجر وهو يقرأ القرآن فاستمعوا فعرفوا ما الأمر الذي حدث وكان سبب منعهم من استراق السمع.
قال سعيد بن جبير: (لما بعث النبي ﷺ حُرست السماء، فقال الشيطان: ما حرست إلا لأمر قد حدث في الأرض. فبعث سراياه في الأرض فوجدوا النبي ﷺ قائمًا يصلي صلاة الفجر بأصحابه بنخلة وهو يقرأ، فاستمعوا حتى إذا فرغ ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ إلى قوله ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾).
стр. 4420
وأصل ذلك في الصحيحين عن ابن عباس قال: [انطلق رسول اللَّه ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين. فقالوا ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب. قال: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا ما حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فانظروا ما هذا الأمر الذي حدث، فانطلقوا فضربوا مشارق الأرض ومغاربها ينظرون ما هذا الأمر الذي حال بينهم وبين خبر السماء. قال: فانطلق الذين توجّهوا نحو تهامة إلى رسول اللَّه ﷺ بنخلة وهو عامد إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر. فلما سمعوا القرآن تسمعوا له، فقالوا: هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك رجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ [الجن: ١ - ٢]. وأنزل اللَّه على نبيّه ﷺ : ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾] (١).
ولم ير رسول اللَّه ﷺ الجن هذه المرّة ولم يقرأ عليهم القرآن، وإنما آذنته بهم شجرة بأنهم حاضرون، ثم أوحي إليه خبرهم وما كان من أمرهم.
فقد أخرج البخاري في صحيحه: [عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ وقد سئل: من آذَنَ (٢) النبي ﷺ بالجن ليلة استمعوا القرآن؟ فقال: إنه آذنت بهم شجرة] (٣).
وفي مستدرك الحاكم ودلائل النبوة للبيهقي بسند صحيح عن عاصم بن زرّ عن عبد اللَّه قال: [هبطوا على النبي ﷺ وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة، فلما سمعوه أنصتوا قالوا: صه. وكانوا تسعة أحدهم زوبعة، فأنزل اللَّه : ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا. . .﴾ الآية إلى: ﴿فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾] (٤).
وذات يوم جاء وفد من الجن إلى رسول اللَّه ﷺ فدعوه للاجتماع بهم وكان معسكرًا خارج مكة.
стр. 4421
فقد أخرج الإمام مسلم عن عبد اللَّه بن مسعود قال: [كنا مع رسول اللَّه ﷺ ذاتَ ليلةٍ، ففقدناه فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا استُطير أو اغتيل. فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قِبَل حراء، فقلنا يا رسول اللَّه! فقدناك فطلبناك فلم نجدك، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فقال: أتاني داعي الجن فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن، قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم] (١).
وعن عاصم عن زِر: (﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا﴾ قالوا: صَهْ). قال قتادة: (قد علم القوم أنهم لن يعقلوا حتى ينصتوا). وهذا أدبٌ منهم.
وعن ابن عباس: (﴿فَلَمَّا قُضِيَ﴾ يقول: فلما فرغ من الصلاة). أو من القراءة وتلاوة القرآن.
قال ابن جرير: (﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾: انصرفوا منذرين عذاب اللَّه على الكفر به).
وقوله: ﴿قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾. أي: قالوا لقومهم: إنا سمعنا قرآنًا أنزل من بعد موسى ﵇ يصدق ما قبله من كتب اللَّه التي أنزلها على رسله.
وقوله: ﴿يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾. أي: يرشد إلى الصواب والسداد في منهاج الإيمان ويدل على ما فيه للَّه رضا.
وقوله: ﴿وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. أي: ويرشد إلى طريق لا اعوجاج فيه وهو طريق الإسلام.
والمقصود: يهدي إلى منهاج الإيمان ويدل على طريق امتثال أعماله وأحكامه.
وقوله: (﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ﴾. قال ابن كثير: (فيه دلالة على أنه تعالى أرسل محمدًا ﷺ إلى الثقلين الإنس والجن حيثُ دعاهمُ إلى اللَّه تعالى، وقرأ عليهم السورةَ التي فيها خطاب الفريقين، وتكليفهم ووعدُهم ووعيدُهم، وهي سورة الرحمن).
أخرج الترمذي والحاكم بسند حسن عن جابر ﵁ قال: [خرج
стр. 4422
رسول اللَّه ﷺ على أصحابه فقرأ عليهم "سورة الرحمن" من أولها إلى آخرها، فسكتوا، فقال: لقد قرأتها، سورة "الرحمن" على الجِنّ ليلةَ الجنِّ، فكانوا أَحْسَنَ مَرْدودًا منكمُ، كنتُ كُلَّما أتيت على قوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، قالوا: لا بشيءٍ من نعمِكَ ربَّنا نكذِّبُ، فلكَ الحمد] (١).
وقوله: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. قال ابن جرير: (يتغمد لكم ربكم من ذنوبكم فيسترها لكم ولا يفضحكم بها في الآخرة بعقوبته إياكم عليها. . . . وينقذكم من عذاب موجع إذا تبتم من ذنوبكم، وأنبتم من كفركم إلى الإيمان باللَّه وبداعيه).
وذهب أبو حنيفة أن لا ثواب للجن إلا النجاة من النار لهذه الآية، وهو مذهب بعيد مردود. قال مالك والشافعي وابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد: (لهم الثواب والعقاب). وقال الضحاك: (الجن يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون). واستدل بقوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦]. قال ابن كثير: (وأحسن منه قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦ - ٤٧]. فقد امتنَّ تعالى على الثقلين بأن جعل جزاءَ مُحْسِنهِم الجنة، وقد قابلت الجنّ هذه الآية بالشكر القولي أبلغ من الإنس، فقالوا: ولا بشيء من آلائك ربَّنا نكذب، فلك الحمد. فلم يكن تعالى ليمتن عليهم بجزاء لا يحصل لهم، وأيضًا فإنه إذا كان يُجازي كافرهم بالنار -وهو مقامُ عَدْلٍ- فلأن يجازي مؤمنهم بالجنة -وهو مقامُ فَضْل- بطريق الأولى والأحرى).
وقوله: ﴿وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ﴾. أي: لا يفوت اللَّه ولا يسبقه، بل قدرة اللَّه تناله وتشمله.
وقوله: ﴿وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ﴾. أي: وليس له أنصار وأعوان يمنعونه من عذاب اللَّه وحلول نقمته.
وقوله: ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. تهديد وترهيب. أي: ومن أعرض عن داعي الحق واستكبر على اللَّه ورسله فقد خاض في أوحال الضلال البين العاقبة.
стр. 4423
٣٣ - ٣٥. قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤) فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (٣٥)﴾.
في هذه الآيات: التقريع على منكري البعث قصة الخلق لهذه السماوات الكبيرة والأرض الواسعة الفسيحة، فإن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس واللَّه على كل شئ قدير. والتصوير لمشهد الخزي والهوان للكفار أمام جهنم. والتسلية للنبي ﷺ بِحَثِّه على الصبر كما صبر أولو العزم من الرسل.
فقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾. قال القرطبي: (الرؤية هنا بمعنى العلم. ومعنى ﴿وَلَمْ يَعْيَ﴾ -لم- يَعْجِز ويَضْعف عن إبداعهن).
أي: أو لم يعلم هؤلاء الذين ينكرون بعث الأجساد يوم القيامة خلق السماوات والأرض دون لغوب ولا ممانعة. كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]. وكقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧].
وقوله: ﴿بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ - ﴿بَلَى﴾: جواب للنفي. قال ابن جرير: (بلى يقدر الذي خلق السماوات والأرض على إحياء الموتى. . . . لأن من عجز عن ذلك فضعيف فلا ينبغي أن يكون إلهًا من كان عما أراد ضعيفًا).
وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾.
أي: ذَكِّرهم يا محمد يوم يعرض المكذبون بالبعث على النار فيشرفون عليها وقد دنت منهم ويقال لهم توبيخًا وتقريعًا: أليس هذا العذاب هو الذي كذبتم به في الدنيا؟ فيجيبون من فورهم: بلى وربنا.
стр. 4424
وقوله: ﴿قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾. أي: فذوقوا إذن جزاء كفركم وجحودكم.
وقوله: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾. قال عطاء الخراساني: (نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ﷺ ). وقال ابن زيد: (كل الرسل كانوا أولي عزم لم يتخذ اللَّه رسولًا إلا كان ذا عزم، فاصبر كما صبروا).
قلت: والمشهور الأول، وهو أن أولي العزم من الرسل: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، وخاتم الأنبياء محمد صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين. وقد ورد تخصيصهم بالذكر مرتين في القرآن، مرة في سورة الأحزاب، ومرة في سورة الشورى: قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب: ٧].
وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣].
قال ابن كثير: (وقد يحتمل أن يكونَ المرادُ بأولي العزم جميع الرسل، وتكون "مِنْ" في قوله: ﴿مِنَ الرُّسُلِ﴾ لبيان الجنس، واللَّه أعلم).
وقوله: ﴿وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾. قال مقاتل: (بالدعاء عليهم). وقيل: فى إحلال العذاب بهم، فإن أبعد غاياتهم يوم القيامة. كقوله تعالى: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١١]. وكقوله تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧].
وقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ﴾. قال يحيى: (من العذاب). وقال النقاش: (من الآخرة).
وقوله: ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾. أي في الدنيا حتى جاءهم العذاب.
وقال النقاش: (في قبووهم حتى بعثوا للحساب). وقيل: نسّاهم هول ما عاينوا من العذاب طول لبثهم في الدنيا.
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٤٦].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [يونس: ٤٥].
стр. 4425
وقد مثَّلَ النبي ﷺ مكثه في الدنيا كساعة من نهار، يرحل بعدها ويتركها.
فقد أخرج الترمذي والحاكم بسند صحيح عن علقمة عن عبد اللَّه مرفوعًا: [مالي وللدنيا؟ ! ما أنا والدنيا؟ ! إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب ظلَّ تحت شجرة ثم راح وتركها] (١).
وله شاهد عند ابن حبان وأحمد عن عكرمة عن ابن عباس: [أنّ رسول اللَّه ﷺ دخل عليه عمر وهو على حصير قد أثرَّ في جنبه فقال: يا نبي اللَّه لو اتخذت فراشًا أوثر من هذا؟ فقال: مالي وللدنيا؟ ! ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف، فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار، ثم راح وتركها] (٢).
وقوله: ﴿بَلَاغٌ﴾ - فيه تأويلان محتملان:
التأويل الأول: البلاغ بمعنى التبليغ. قال الحسن: (أي هذا القرآن بلاغ). فرفع ﴿بَلَاغٌ﴾ على إضمار مبتدأ، ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ [إبراهيم: ٥٢]. وقوله: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٦].
التأويل الثاني: أي إن ذلك اللُّبْث بلاغ. قال ابن عيسى. فيوقف على هذا على ﴿بَلَاغٌ﴾ وعلى ﴿نَهَارٍ﴾ - ذكره القرطبي.
وقوله: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾. قال ابن عباس: (أي الخارجون عن أمر اللَّه). وعن قتادة: (لا يهلك اللَّه إلا هالكًا مشركًا). وهذا من كمال عدله سبحانه فإنه لا يعذب بالنار إلا من استحق الإهانة والعذاب، ومن ثمَّ فلا يهلك على اللَّه إلا هالك.
أخرج الحاكم وأحمد بسند صحيح عن أنس ﵁ قال: [مرَّ النبي ﷺ بأناس من أصحابه، وصبي بين ظهراني الطريق، فلما رأت أمه الدواب خشيت على ابنها أن يوطأ، فسعت والهة، فقالت: ابني! ابني! فاحتملت ابنها، فقال القوم: يا نبي اللَّه!
стр. 4426
ما كانت هذه لتلقي ابنها في النار، فقال رسول اللَّه ﷺ : لا واللَّه، لا يُلقي اللَّهُ حبيبَهُ في النار] (١).
تم تفسير سورة الأحقاف بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه
* * *
стр. 4427
دروس ونتائج وأحكام
١ - إذا كان يوم القيامة أذَّنَ مؤذن: ليتبع كل أمة ما كانت تعبد. فلا يبقى أحد كان يعبد غير اللَّه من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار.
٢ - أهل النار كل عُتُلّ جَوّاظ مستكبر. وأهل الجنة الضعفاء المغلوبون.
٣ - إن اللَّه جميل يحب الجمال. الكبر بطرُ الحق وغَمْطُ الناس.
٤ - أكبر الكبائر: الإشراك باللَّه، وعقوق الوالدين، وقول الزور.
٥ - أشد العمر: ثلاث وثلاثون، واستواؤه: أربعون، والعذر الذي أعذر اللَّه فيه إلى ابن آدم ستون.
٦ - لا يدخل الجنة عاق، ولا منان، ولا مدمن خمر.
٧ - الأحقاف: ديار عاد، وهي الرمال العظام، جمع حِقف، وهو ما استطال من الرمل العظيم واعوج ولم يبلغ أن يكون جبلًا.
٨ - كان النبي ﷺ إذا عصفت الريح قال: اللهم إني أسألك خَيْرَها، وخيرَ ما فيها، وخيْرَ ما أُرسلت به. وأعوذُ بك من شرها، وشرِّ ما فيها، وشرِّ ما أرسلت به.
٩ - كان رسول اللَّه ﷺ إذا أمطرت قال: اللهم صَيِّبًا نافعًا.
١٠ - مثل المكوث في الدنيا: كراكب ظلَّ تحت شجرة ثم راح وتركها. ولا واللَّه، لا يلقي اللَّه حبيبَه في النار.
* * *
стр. 4428
٤٧ - سورة محمد
وهي سورة مدنية، وتسمى سورة القتال، وعدد آياتها (٣٨).
موضوع السورة
انتصار للمؤمنين أتباع محمد ﵊ ووعيد شديد للمنافقين والكافرين أعداء محمد اللئام
- منهاج السورة -
١ - تهديد لكفار مكة الذين يصدون عن الدين الحق بالغرق في العمى والضلالات. ووعد للمؤمنين المتبعين رسولهم بتكفير السيئات ورفع الدرجات.
٢ - الحث على الإجهاز على العدو في المعركة، والوعد الجميل للذين قتلوا في سبيل اللَّه.
٣ - تأكيد سنة اللَّه بنصر المؤمنين الصادقين، وخذلان الكافرين المعاندين.
٤ - تنبيه الكافرين لرؤية مصير أمثالهم عبر الزمان، واللَّه تعالى عدو للكافرين وهو ولي أهل الإيمان، وقد وعدهم الحياة الرغدة الناعمة في الجنان.
٥ - الكفار يتمتعون ويأكلون كالأنعام، ومصيرهم إلى الشقاء والحرمان والعذاب بالنيران.
стр. 4429
٦ - كما لا يستوي أهل البصيرة واليقين مع أهل الهوى وتزيين الشياطين، كذلك لا يستوي أصحاب الجنة في روضات النعيم مع أصحاب النار في دركات الجحيم.
٧ - نَعْتُ المنافقين بقسوة قلوبهم واتباع أهوائهم، والثناء على المؤمنين بحسن إسلامهم وزيادة إيمانهم.
٨ - تأكيد اقتراب الساعة فقد ظهر بعض أشراطها، والأمر بالعلم بلا إله إلا اللَّه سر النجاة وسعادة الدارين.
٩ - تمني المؤمنين نزول تشريع الجهاد، وجبن بعضهم عند نزول فرض القتال.
١٠ - التحذير من التولي وما يعقبه من الفتنة في الدين وتقطيع الأرحام، والضلوع في الظلم والآثام.
١١ - الأمر بتدبر القرآن، وفهم ما فيه من المعاني والأحكام.
١٢ - نَعْتُ حال المجرمين عند النزع والملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم، ذلك بما أسخطوا اللَّه وكرهوا رضوانه فأخزاهم وأحبط أعمالهم.
١٣ - مَكْرُ اللَّه تعالى بالمنافقين وفضحهم، وسنة اللَّه في ابتلاء المؤمنين وتمحيصهم.
١٤ - تهديدٌ للكافرين، ووعد لهم بالخذلان والحرمان. وحث للمؤمنين على طاعة اللَّه ورسوله، ووعد لهم بالنصر والإكرام.
١٥ - تنبيهُ المؤمنين إلى غرور هذه الحياة الدنيا التي تشغل عن الإيمان، والجهاد والإنفاق والإحسان. والتلميح بالعقاب والاستبدال، إن تولى أو ضعف الرجال.
* * *
стр. 4430
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ٣. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (٢) ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ (٣)﴾.
في هذه الآيات: تهديدٌ شديد لكفار مكة الذين يصدون عن الدين الحق بالغرق في الضلالات. ووعدٌ أكيد للمؤمنين المتبعين رسولهم بتكفير السيئات ورفع الدرجات.
فقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال ابن عباس: (نزلت في أهل مكة). أي: كفروا بآيات اللَّه وجحدوا نبوة رسوله، وحالوا دون اختيار الناس الإيمان باللَّه ونبوة محمد ﷺ فصدوهم ووقفوا في طريقهم وبسطوا أيديهم نحوهم بالأذى.
وقوله: ﴿أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾. أي جعل أعمالهم ضلالًا على غير هدى وغير رشاد. قال ابن كثير: (أبْطَلها وأَذْهَبَها ولم يَجْعَل لها ثوابًا ولا جزاءً، كقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]).
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. قال ابن عباس: (الأنصار). قلت: بل الآية بعمومها تشمل المهاجرين والأنصار ومن مضى على منهاجهم في الإيمان والامتثال.
وقوله: ﴿وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ﴾. قال سفيان الثوري: (لم يخالفوه في شيء). والآية من باب عطف الخاص على العام، وفيها دليل أنه لا يستقيم الإيمان دون إقامة مفهوم شهادة: أن محمدًا رسول اللَّه. قال النسفي: (﴿وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ﴾ وهو
стр. 4431
القرآن، وتخصيص الإيمان بالمنزل على رسوله من بين ما يجب الإيمان به لتعظيم شأنه).
وقوله: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾. جملة اعتراضية مؤكدة أن القرآن المنزل على محمد هو الحق، أو أن دين محمد هو الحق الناسخ لجميع الأديان قبله.
وقوله: ﴿كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾. أي ما مضى من ذنوبهم وخطاياهم قبل الإيمان.
وقوله: ﴿وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾. قال ابن عباس: (أمرهم). وقال مجاهد: (شأنهم). وقال قتادة: (أصلح حالهم). وكلها متقاربة. والبال: كالمصدر مثل الشأن لا يعرف منه فعل، ولا جمع له إلا لضرورة الشعر فيقال: (بالات).
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: [إذا عَطَسَ أحَدُكُم فليقل: الحمدُ للَّه، وليقل له أخوه -أو صاحِبُهُ-: يرحَمُكَ اللَّه، فإذا قال له: يرحَمُكَ اللَّه، فليقل: يهديكم اللَّه ويُصْلِحُ بالكم] (١).
وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾.
أي: ذلك الإضلال والهدى، وإبطال أعمال الكفار، والتجاوز عن سيئات الأبرار، إنما يرجع إلى سوء اختيار أهل الضلال، وحسن امتثال المؤمنين الأخيار. قال مجاهد: (الباطل: الشيطان). وقيل: (الباطل: الشرك، والحق: التوحيد والإيمان). قال ابن جرير: (أما الكافرون فأضللنا أعمالهم، وجعلناها على غير استقامة وهدى، بأنهم اتبعوا الشيطان فأطاعوه، وهو الباطل. وأما المؤمنون فكفرنا عنهم سيئاتهم وأصلحنا لهم حالهم بأنهم اتبعوا الحق الذي جاءهم من ربهم وهو محمد ﷺ ).
وقوله: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ﴾. قال القرطبي: (أي كهذا البيان الذي بُيّن يبيِّنُ اللَّه للناس أمر الحسنات والسيئات).
قال الزمخشري: (فإن قلت: أين ضرب الأمثال؟ قلت: في أن جعل اتباع الباطل مثلًا لعمل الكفار، واتباع الحق مثلًا لعمل المؤمنين. أو في أن جعل الإضلال مثلًا لخيبة الكفار، وتكفير السيئات مثلًا لفوز المؤمنين).
والمقصود: يشبه اللَّه للناس في هذا القرآن الأشباه، فيلحق بكل قوم من الأمثال أشكالًا، وبكل سبيل ووجهة يوليها الناس أوصافًا وأحوالًا.
стр. 4432
٤ - ٩. قوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (٦) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (٨) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٩)﴾.
في هذه الآيات: الحثُّ على إتقان الضرب والإجهاز على العدو في القتال والتقييد المحكم للأسرى، والوعد بجميل الأجر والعطاء للمجاهدين الذين قتلوا في سبيل اللَّه، وتأكيد سنة اللَّه بنصر المؤمنين الصادقين، وخذلان الكافرين المعاندين للوحي والمرسلين.
قال ابن جرير: (﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ باللَّه ورسوله من أهل الحرب فاضربوا أعناقهم ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾: حتى إذا غلبتموهم وقهرتم من لم تضربوا رقبته منهم فصاروا في أيديكم أسرى ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ فشدوهم في الوثاق كيلا يقتلوكم فيهربوا منكم. فإذا أسرتموهم بعد الإثخان فإما أن تَمُنُّوا عليهم بعد ذلك بإطلاقكم إياهم من الأسر، وتحرروهم بغير عوض ولا فدية، وإما أن يفادوكم فداء بأن يعطوكم من أنفسهم عوضًا حتى تطلقوهم، وتخلوا لهم السبيل).
وقد ادّعى بعض المفسرين أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى في سورة براءة: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥].
قلت: والحق أنها محكمة غير منسوخة لإمكان اجتماع حكميهما من جهة، ولا دليل يصرح بالنسخ من جهة أخرى.
فإن كان الحال نهوضًا من غوبة وضعف إلى عز وشوكة، كان الأَوْلى قتل أئمة الكفر الذين يقعون في الأسر، كما جاء الدرس في ذلك يوم بدر، حيث قال تعالى معاتبًا: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧]. وأما إن كان الحال
стр. 4433
فتحًا ونصرًا، واستمرارًا على قهر الأعداء وعزًا، فللحاكم النظر في المصلحة الشرعية في أمر من وقع في الأسر.
قال الشافعي: (الإمام مُخَيَّرٌ بين قتله أو المن عليه، أو مفاداته أو استرقاقه أيضًا). وإليه ذهب مالك والثوري والأوزاعي وغيرهم من التابعين، وهو مذهب ابن عمر وابن عباس وفعل الخلفاء الراشدين.
وأصل ذلك من هدي وسيرة النبي ﷺ في مواقف كثيرة، منها:
الموقف الأول: إطلاقه ثُمامة بن أُثال الحنفي.
ففي الصحيحين -واللفظ لمسلم- عن أبي هريرة قال: [بعث رسول اللَّه ﷺ خَيْلًا قِبلَ نَجْدٍ، فجاءت بِرَجُلٍ مِنْ بني حَنيفةَ يُقالُ له: ثُمَامَةُ بن أُثَال، سَيِّدُ أهل اليمامة، فرَبطوه بسارِيَةٍ من سَواري المسجد، فخرج إليه رسول اللَّه ﷺ فقال: ماذا عِندك يا ثُمامة؟ ! فقال: عندي يا محمدُ! خَيْرٌ، إنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذا دَم، وإنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ على شاكِرٍ، وإنْ كنتَ تريدُ المال فَسَلْ تُعْطَ منه ما شئت، فتركه رسول اللَّه ﷺ ، حتى كان بَعْدَ الغَدِ، فقال: ما عِندك يا ثمامَةُ؟ ! قال: ما قُلْتُ لك: إنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ على شاكر، وإن تَقْتُل تَقْتُل ذا دمٍ، وإن كنت تريدُ المال فسل تُعْطَ منه ما شئت؟ فتركه رسول اللَّه ﷺ حتى كان من الغَدِ، فقال: ماذا عِندك يا ثمامَةُ؟ ! فقال: عِندي ما قُلْتُ لكَ: إن تُنْعِمْ تُنْعِم على شاكرِ، وإن تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذا دَمٍ، وإن كنت تريد المال فَسَلْ تُعْطَ منه ما شئت، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أطْلِقوا ثُمامة". فانطلق إلى نَخْلٍ قريب من المسجد، فاغتسل، ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، يا محمدُ! واللَّه! ما كان على الأرض وَجْهٌ أبغضَ إليَّ مِنْ وجهك، فقد أصبح وجْهُكَ أحَبَّ الوجوه كُلِّها إلي، واللَّه! ما كان مِنْ دِينٍ أبغَضَ إليَّ من دينك، فأصبح دينُك أحبَّ الدين كلِّه إليَّ. . .] الحديث (١).
الموقف الثاني: قتله ﷺ النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط يوم بدر بعد أسرهما. فقد كان النضر بن الحارث حامل لواء المشركين يوم بدر، وكان من أشد الناس إيذاء لرسول اللَّه ﷺ بمكة، ومن أشد الناس كيدًا للإسلام والمسلمين، ومن أكابر المجرمين في ذلك الزمان، فتوقف النبي ﷺ في طريق عودته من معركة بدر في
стр. 4434
الصفراء وأمر بالنضر بن الحارث فأخرج من بين الأسرى، ثم أمر عليًا ﵁ فتقدم وضرب عنقه.
ثم مضى ﵊، حتى إذا بلغ عرق الظبية توقف وأمر بعقبة بن أبي مُعيط فَسُحِبَ من بين الأسرى، -وهو الذي انبعث ليلقي سلاة الشاة على رأس رسول اللَّه ﷺ يوم كان يصلي عند الكعبة، وانبعث مرة أخرى فحاول خنق النبي ﷺ وهو يصلي فجاء أبو بكر وهو يبكي فرده عنه، وانبعث مرة ثالثة بأمر أبي بن خلف ليشتم النبي ﷺ ويبصق في وجهه بمجلسه -فأمر النبي عاصم بن ثابت الأنصاري فضرب عنقه.
وفي سنن أبي داود بسند جيد عن مسروق: [عن عبد اللَّه بن مسعود -أن النبي ﷺ لما أراد قتل عقبة بن أبي معيط قال: من للصبية؟ قال: النار] (١).
الموقف الثالث: إطلاقه لثمانين من رجال قريش حاولوا الغدر أثناء كتابته عقد الحديبية.
ففي صحيح مسلم عن أنس قال: [لما كان يوم الحديبية هبط على رسول اللَّه ﷺ وأصحابه ثمانون رجلًا من أهل مكة بالسلاح، من قِبَل جبل التنعيم، يريدون غرة رسول اللَّه ﷺ ، فدعا عليهم فأخذوا: قال عفان: فعفا عنهم، ونزلت هذه الآية: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ٢٤]] (٢).
ومواقف كثيرة أخرى، كأخذه ﷺ من سلمة بن الأكوع جارية فدى بها أناسًا من المسلمين، ومنّه ﵊ على سَبْي هوازن، وغير ذلك من المواقف التي حفلت بها سيرته العطرة ومنهاجه في السياسة الشرعية.
وقوله: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾. قال النسفي: (أثقالها وآلاتها التي لا تقوم إلا بها كالسلاح والكراع، وقيل: أوزارها آثامها، يعني حتى يترك أهل الحرب وهم المشركون شركهم بأن يسلموا، وحتى لا يخلو من أن يتعلق بالضرب والشد أو بالمن والفداء، فالمعنى على كلا المتعلقين عند الشافعي ﵀ أنهم لا يزالون على ذلك أبدًا إلى أن لا يكون حرب مع المشركين وذلك إذا لم يبق لهم شوكة).
стр. 4435
وعن مجاهد: (﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ قال: حتى يخرج عيسى بن مريم فيسلم كل يهودي ونصراني وصاحب ملة، وتأمن الشاة من الذئب، ولا تقرض فأرة جِرابًا، وتذهب العداوة بين الأشياء كلها، ذلك ظهور الإسلام على الدين كله).
وعن قتادة: (حتى لا يكون شرك). وهو كقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣]. وكل ما سبق من المعاني يحتمله البيان الإلهي.
وقوله: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ﴾. قال قتادة: (إي واللَّه بجنوده الكثيرة، كلّ خلقه له جند، ولو سلط أضعف خلقه لكان جندًا).
و﴿ذَلِكَ﴾ خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: أي الأمر ذلك فلو شاء تعالى لانتقم منهم بعقوبة عاجلة، وكفاكم ذلك كله.
وقوله: ﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾. أي: ولكنه تعالى شرع فرض الجهاد لقتال الأعداء ليختبر صدقكم وثباتكم في حراسة هذا الدين.
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢].
٢ - وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾ [التوبة: ١٦].
٣ - وقال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١٤ - ١٥].
أخرج الحاكم بسند جيد عن عبادة بن الصامت مرفوعًا: [عليكم بالجهاد في سبيل اللَّه ﵎، فإنه باب من أبواب الجنة، يُذْهِبُ اللَّه به الهَمَّ والغَمَّ] (١).
ورواه عبد اللَّه بن أحمد بلفظ: [وجاهدوا في اللَّه القريب والبعيد، في الحضر
стр. 4436
والسفر، فإن الجهاد باب من الجنة، إنه ينجي صاحبه من الهم والغم] (١).
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾. أي: والذين استشهدوا في سبيل اللَّه فلن يذهب أعمالهم، بل يضاعفها وينميها ويبارك فيها، وربما استمر أجر بعضها إلى يوم القيامة. وفي ذلك أحاديث:
الحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن سلمان قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: [رِباطُ يَوْمٍ وليلةٍ خَيْرٌ من صيامِ شَهْرٍ وقيامه، وإنْ مات، جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمِنَ الفَتّان] (٢).
الحديث الثاني: أخرج مسلم عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، أن رسول اللَّه ﷺ قال: [يُغفر للشهيد كلُّ ذنب، إلا الدَّين] (٣).
وفي رواية: [القتل في سبيل اللَّه يُكَفِّر كُلَّ شيء، إلا الدَّين].
الحديث الثالث: أخرج أحمد والترمذي وابن ماجة بسند حسن عن المِقدام بن مَعدِيَكرِب الكندي قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [للشهيد عند اللَّه سَبْعُ خصال: يُغْفَرُ له في أَوَّل دَفْعَةٍ من دمه، ويرى مَقعدَهُ من الجنة، ويُحلَّى حُلَّةَ الإيمان، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويُجار من عذاب القبر، ويأمَن من الفزعِ الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خيرٌ من الدنيا وما فيها، ويَشْفَعُ في سبعين إنسانًا من أهلِ بيتِهِ] (٤).
وقوله تعالى: ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾. أي: سيهديهم إلى الجنة ويصلح شأنهم ويسعد أحوالهم. وهذه هي المرتبة الرابعة من مراتب الهداية كما جاء في القرآن والسنة. فإن مراتب الهداية أربع:
١ - هداية عامة للخلق.
стр. 4437
٢ - هداية الدلالة والإرشاد.
٣ - هداية التوفيق والإلهام.
٤ - هداية إلى الجنة في الآخرة.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [يونس: ٩]. وقوله تعالى: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ [الحج: ٢٤].
وعن مجاهد: (﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ قال: يهتدي أهلها إلى بيوتهم ومساكنهم لا يخطئون كأنهم ساكنوها منذ خلقوا، لا يستدلون عليها أحدًا).
وقال ابن عباس: (هم أعرف بمنازلهم من أهل الجمعة إذا انصرفوا إلى منازلهم).
يروي البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري أن نبيَّ اللَّه ﷺ قال: [إذا خَلَصَ المؤمنون من النار حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار، يتقاصُّونَ مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذِّبُوا وَنُفُّوا أذن لهم بدخول الجنة، والذي نفسي بيده إن أحدهم بمنزله في الجنة أدل منه بمسكنه كان في الدنيا] (١).
وله شاهد في المسند من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [والذي بعثني بالحق ما أنتم في الدنيا بأعرف بأحوالكم ومساكنكم من أهل الجنة بأزواجهم ومساكنهم إذا دخلوا الجنة] (٢).
وقوله: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾. قال مجاهد: (يهتدي أهلها إلى بيوتهم ومساكنهم، وحيث قسم اللَّه لهم لا يخطئون، كأنهم سكانها منذ خلقوا، لا يستدلون عليها أحدًا). وقال ابن زيد: (بلغنا عن غير واحد قال: يدخل أهل الجنة الجنة، ولهم أعرف بمنازلهم فيها من منازلهم في الدنيا التي يختلفون إليها في عمر الدنيا. قال: فتلك قول اللَّه جل ثناؤه: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾).
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾. سنة عظيمة يمضي عليها أهل حراسة الدين، فينعمون بتأييد اللَّه لهم وتثبيت أقدامهم وقهر أعدائهم. والمعنى: إن تنصروا دين اللَّه ينصركم على الكفار، ويثبت أقدامكم عند
стр. 4438
القتال، وعلى الإسلام، وعلى الصراط. كما قال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠]. فإن الجزاء من جنس العمل: الصبر على الجهاد وإقامة الدين، يعقبه النصر والتأييد والتمكين.
أخرج الخطيب في "التاريخ" بسند رجاله ثقات عن أنس مرفوعًا: [النَّصْرُ مع الصَّبْر، والفَرَجُ مع الكَرْبِ، وإنَّ مع العُسْر يُسرًا، وإنَّ مع العُسْرِ يُسْرًا] (١).
وعن قتادة: (﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ لأنه حق على اللَّه أن يعطي من سأله، وينصر من نصره).
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾. قال ابن زيد: (شقاء لهم).
وقوله: ﴿وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾. أي: أحبطها وأبطلها. قال ابن جرير: (جعل أعمالهم معمولة على غير هدى ولا استقامة، لأنها عملت في طاعة الشيطان لا في طاعة الرحمن).
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: [تَعِسَ عبد الدينار والدرهم والقَطيفة والخَميصة، إنْ أُعطي رضي، وإن لم يُعْطَ لم يَرْضَ] (٢). وفي رواية: [تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش].
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾. أي: هذا الإضلال وذلك الإتعاس إنما كان مقابل كراهيتهم لما أنزل اللَّه من الكتب والشرائع، وتعظيمهم للأوثان والطواغيت والشهوات، فقابلهم اللَّه بإبطال وإحباط جميع الأعمال. قال القاسمي: (﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ أي من الحق، وشايعوا ما ألفوه من الباطل. ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ كعبادتهم لأوثانهم، حيث لم تنفعهم، بل أوبقهم بها فأصلاهم سعيرًا).
قلت: بل إن جميع أعمال الكافر تحبط يوم القيامة حتى ما كان منها في وجوه الخيرات، ما دام لم يكن يريدُ تعظيم أمر اللَّه وإقامته.
ففي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إنَّ اللَّه لا يَظْلم مؤمنًا حسنةً، يُعْطِي بها في الدنيا ويَجْزي بها في الآخرة، وأمّا الكافر فَيُطْعَمُ بحسنات
стр. 4439
ما عمِلَ بها للَّه في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم تكن له حسنة يجزى بها] (١).
وقوله: "ما عمل بها للَّه في الدنيا" -أي ما كان يظهر أنها من أعمال البر والمعروف والخير، ولكنه مع كفره باللَّه وكراهيته لشرعه وأمره لم تنفعه إلا في الدنيا، فقد حَمَلَهُ على فِعْلها دوافع الرياسة والظهور أو العطف والإنسانية، فجازاه اللَّه بمثل نِيَّتِهِ من زينة هذه الحياة الفانية، وأما الآخرة فهي عند اللَّه للمؤمنين المخبتين.
١٠ - ١٣. قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (١٠) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (١١) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ (١٣)﴾.
في هذه الآيات: تنبيهُ الكافرين لرؤية مصير أمثالهم عبر الزمان، فاللَّه تعالى عدو للكافرين وهو ولي أهل الإيمان، وقد وعدهم الحياة الرغدة الناعمة في الجنان، وأما الكافرون فيتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام، ومصيرهم في الدنيا إلى الخزي والخذلان، وفي الآخرة إلى العذاب في النيران.
فقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾. وعيد وتهديد. أي: أولم يسر هؤلاء المنكرون المكذبون في الأرض سفرًا فيروا ما نزل بمن مضى ممن كفر، فكانوا يسافرون إلى الشام فيرون نقمة اللَّه بأهل حجر ثمود، ويسافرون إلى اليمن فيبصرون ما حلّ بسيأ، فإنهم إن لم يتعظوا فالدمار قادم، شأن من سبقهم، فلهم أمثالها.
وقوله: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾. قال مجاهد: (مثل ما دُمرت به القرون الأولى وعيد من اللَّه لهم).
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾. أي: ذلك بأن اللَّه
стр. 4440
وليّ المؤمنين وناصرهم، وأن الكافرين لا ينصرهم أحد من اللَّه.
وفي صحيح البخاري من حديث البراء -في أواخر معركة أحد حين قال أبو سفيان: اعْل هبل- فقال النبي ﷺ : أجيبوه. قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: اللَّه أعلى وأجَلُّ. قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزَّى لكم. فقال النبي ﷺ : أجيبوه. قالوا: ما نقول؟ قال: [قولوا: اللَّهُ مولانا ولا مولى لكم] (١).
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾.
بشائر النصر للمؤمنين في الآخرة، بعد تحقيق وعد النصر لهم في الدنيا. فلهم في الدنيا الشوكة والنصر والتمكين، وهم في الآخرة في بساتين التكرمة والنعيم، تجري تحت أشجارها وبيوتها الأنهار.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ﴾. قال القرطبي: (﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ﴾ في الدنيا كأنهم أنعام، ليس لهم همّة إلا بطونهم وفروجهم، ساهون عما في غدِهم. وقيل: المؤمن في الدنيا يتزوّد، والمنافق يتزين، والكافر يتمتّع).
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [يأكل المسلم في مِعًى واحد، والكافر يأكُلُ في سَبْعَةِ أمعاءٍ] (٢).
وقوله: ﴿وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾. أي: والنار مقام لهم ومنزل يوم جَزائِهم.
وقوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾. يعني مكة. قال النسفي: (أي: وكم من قرية أشد قوة من قومك الذين أخرجوك أي كانوا سبب خروجك ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ أي فلم يكن لهم من ينصرهم ويدفع العذاب عنهم).
أخرج ابن جرير بسنده إلى ابن عباس: [لما خرج النبي ﷺ من مكة إلى الغار التفت إلى مكة وقال: اللهم أنتِ أحبّ البلاد إلى اللَّه، وأنت أحبّ البلاد إليّ، ولولا المشركون أهْلُك أخرجوني لما خرجت منك] (٣).
стр. 4441
١٤ - ١٥. قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٤) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (١٥)﴾.
في هذه الآيات: لا يستوي أهل البصيرة واليقين، وأهل الهوى وتزيين الشياطين. وكذلك لا يستوي أصحاب الجنة ذات المياه واللبن والعسل والخمر والنعيم، وأصحاب النار ذات الحميم والجحيم.
فقوله: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾. قال ابن كثير: (أي: على بصيرة ويقين في أمر اللَّه ودينه، بما أنزل في كتابه من الهُدى والعلم، وبما جَبَله اللَّه عليه من الفطرة المستقيمة).
وقوله: ﴿كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾. أي: كمن أراه الشيطان عمله حسنًا، فهو مقيم عليه. قال القرطبي: (﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ أي ما اشتهوا. وهذا التزيين من جهة اللَّه خلقًا. ويجوز أن يكون من الشيطان دعاءً ووسوسة. ويجوز أن يكون من الكافر، أي زيّن لنفسه سوء عمله وأصرّ على الكفر).
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ [الرعد: ١٩].
٢ - وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨].
٣ - وقال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٢].
أخرج الإمام أحمد في مسنده، وابن حبان في صحيحه، عن عبد اللَّه بن عمرو ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: [إنَّ اللَّه تعالى خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضَلّ] (١).
стр. 4442
وقوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾. قال عكرمة: (أي: نعتُها).
وقوله: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾. قال ابن عباس: (يقول: غير متغيّر). وقال قتادة: (غير مُنتن). وفي لغة العرب: أسِنَ الماء -أي تغير ريحُه.
وقوله: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾. قال ابن جرير: (لأنه لم يحلب من حيوان فيتغير طعمه بالخروج من الضروع، ولكنه خلقه اللَّه ابتداء في الأنهار).
والمقصود: لبن يجري في الأنهار، وهو في غاية البياض والحلاوة والدُّسومة.
وقوله: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾. قال ابن القيم: (نفى اللَّه عن خمر الجنة جميع آفات خمر الدنيا من الصداع والغول واللغو والإنزاف وعدم اللذة).
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧].
٢ - وقال تعالى: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ﴾ [الواقعة: ١٩].
٣ - وقال تعالى: ﴿بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ [الصافات: ٤٦].
وفي صحيح البخاري عن ابن عمر ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: [مَنْ شَرِبَ الخمرَ في الدنيا ثُمَّ لم يَتُبْ منها حُرِمَها في الآخرة] (١).
وقوله: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾. آفة العسل عدم التصفية، كما آفة الخمره تغير لذته ومذاقه مع الوقت، وآفة اللبن تغير طعمه مع الزمن، وآفة الماء أنه يصبح آسنًا من طول المكث، فقد انتفت كل هذه الآفات.
أخرج الإمام أحمد والترمذي بسند حسن عن معاوية بن حيدة، عن النبي ﷺ قال: [إنَّ في الجنة بحرَ الماء، وبحرَ العسل، وبحرَ اللبن، وبحرَ الخمر، ثم تشقق الأنهار بعد] (٢).
قلت: وهذه الأنهار تتفجر من أعلى الجنة، ثم تنحدر نازلة لتمر تحت قصور وبيوت ومساكن المؤمنين، في منظر رائع خلاب.
стр. 4443
فقد أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [إن في الجنة مئة درجة أعدّها اللَّه للمجاهدين في سبيله، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم اللَّه فاسألوه الفردوس، فإنه وسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تتفجّر أنهار الجنة] (١).
وله شاهد عند الترمذي والحاكم بسند صحيح لشواهده، عن عبادة بن الصامت أن رسول اللَّه ﷺ قال: [الجنة مئة درجة، ما بين كُلِّ دَرَجَتيْن مسيرة مئة عام، والفردوس أعلاها درجة، ومنها تخرح الأنهار الأربعة، والعرش من فوقها، وإذا سألتم اللَّه ﵎، فاسألوه الفردوس] (٢).
وقوله: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾. ﴿مِن﴾ زائدة للتأكيد، والمعنى: وجميع أنواع وأصناف وألوان الثمار والفاكهة متوفرة لضيافتهم وهي رَهْنُ إشارتهم.
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المرسلات: ٤١ - ٤٣].
٢ - وقال تعالى: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ [الدخان: ٥٥].
٣ - وقال تعالى: ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ [الرحمن: ٥٢].
قال ابن القيم ﵀: (تضمنت النصوص أن لهم فيها الخبز واللحم والفاكهة والحلوى وأنواع الأشربة من الماء واللبن والخمر وليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء، وأما المسميات فبينها من التفاوت ما لا يعلمه البشر).
وقوله: ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾. نور على نور، وسرور فوق سرور، فإن رضى الرحمن أعلى هذه اللذات، وأهنؤها على القلب والنفس والمشاعر. كما قال تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: ٢١]. وكقوله جل ثناؤه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا
стр. 4444
وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ٧٢].
وفي الصحيحين والمسند عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إنّ اللَّه ﵎ يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لَبَّيْك رَبَّنا وسَعْدَيك، فيقول: هل رضيتُمْ؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لمْ تُعْطِ أحدًا مِنْ خلقِك؟ فيقول: أنا أعطيكم أَفْضَل من ذلك، قالوا: يا ربِّ وأيُّ شيءٍ أفضلُ من ذلك؟ فيقول: أُحِلُّ عليكم رِضواني فلا أسخَطُ عليكم بَعْدَهُ أبدًا] (١).
وقوله: ﴿كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ﴾. أي: فهل يستوي أصحاب النعيم وأهل الجحيم، أصحاب المنازل والدرجات وأهل الهوي في الدركات. قال الفرّاء: (المعنى: أفمن يخلد في هذا النعيم كمن يخلد في النار). وقال الزجاج: (أي: أفمن كان على بينة من ربه وأعطي هذه الأشياء كمن زُيِّنّ له سوء عمله وهو خالد في النار). وقال ابن كيسان: (مثل هذه الجنة التي فيها الثمار والأنهار كمثل النار التي فيها الحميم والزقوم؟ ! ومثل أهل الجنة في النعيم المقيم كمثل أهل النار في العذاب المقيم؟ ! ).
وقوله: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا﴾. أي: حارًا شديد الحرارة والغليان، يشوي الوجوه والأمعاء ويمزق الأبدان.
وقوله: ﴿فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾: أي: فَمَزَّقَ بِغَلَيانه وَفَوَرانه الأمعاءَ والأحشاءَ، عياذًا باللَّه من حال أهل النار.
١٦ - ١٩. قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٦) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧) فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ (١٨) فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾.
في هذه الآيات: نَعْتُ المنافقين بقسوة قلوبهم وخفة عقولهم واتباع أهوائهم.
стр. 4445
والثناء على المؤمنين بحسن إسلامهم وزيادة إيمانهم. وتأكيد اقتراب الساعة فقد ظهر بعض أشراطها. والأمر بالعلم بلا إله إلا اللَّه سر النجاة والسعادة في الدارين.
فقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾. إخبار عن المنافقين في غبائهم وقساوة قلوبهم وعقولهم. قال ابن زيد: (هم المنافقون، والذين أوتوا العلم الصحابة ﵃. قال النسفي: (هم المنافقون كانوا يحضرون مجلس رسول اللَّه ﷺ فيسمعون كلامه ولا يعونه ولا يلقون له بالًا تهاونًا منهم، فإذا خرجوا قالوا لأولي العلم من الصحابة ماذا قال الساعة على جهة الاستهزاء).
وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾. أي: أولئك الذي ختم اللَّه على قلوبهم فأقفلها. قال القاسمي: (أي فلا يدخلها الهدى لإبائهم عنه).
وقوله: ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾. أي ومضوا خلف آرائهم وشهواتهم، فلا فهمٌ صحيح. ولا قصد صحيح، وإنما هو ركوب الفتن والأهواء.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾. قال ابن كثير: (أي: والذين قصدوا الهداية وفَّقَهم اللَّه تعالى لها فهداهم إليها، وثَبَّتَهم عليها وزادهم منها).
وقوله: ﴿وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾. أي: ألهمهم طريق التقوى والرشد والفلاح. قال الربيع: (آتاهم الخشية). وقال السدي: (ثواب تقواهم في الآخرة). وقال مقاتل: (وفقهم للعمل الذي فرض عليهم). وقال ابن زيد: (بيَّن لهم ما يتقون). وقال عطية: (ترك المنسوخ والعمل بالناسخ). وقال الماوردي: (ترك الرخص والأخذ بالعزائم). قلت: وكلها تفاسير متقاربة متكاملة.
وقوله: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾. قال قتادة: (قد دنت الساعة ودنا من اللَّه فراغ العباد). وعن ابن زيد: (أشراطها: آياتها). أي: فهل ينظرون أن تأتيهم الساعة فجأة، فقد بدت أماراتها وعلاماتها، وهو وعيد للكفار.
وعن الحسن: (علامات الساعة انشقاق القمر والدخان). وعن الكلبي: (كثرة المال والتجارة وشهادة الزور وقطع الأرحام، وقلة الكرام وكثرة اللئام). وعن الحسن البصري قال: (بعثة محمد ﷺ من أشراط الساعة).
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١].
стр. 4446
٢ - وقال تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١].
٣ - وقال تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١].
٤ - وقال تعالى: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (٥٦) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ [النجم: ٥٦ - ٥٧].
وفي الصحيحين عن سهل بن سعد قال: [رأيت رسول اللَّه ﷺ قال بإصبعه هكذا، بالوسطى والتي تليها: بُعثت أنا والساعة كهاتين] (١).
وفي صحيح البخاري عن أنس ﵁: [أن أهل مكة سألوا رسول اللَّه ﷺ أن يريهم آية، فأراهم القمر شِقَّتين حتى رأوا حراءً بينهما] (٢).
وفي صحيح البخاري عن عبد اللَّه قال: [والبطشة الكبرى يوم بدر، فقد مضت الدخان والبطشة واللزام وآيةُ الروم] (٣).
وقوله: ﴿فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾. قال قتادة: (يقول: إذا جاءتهم الساعة أنى لهم أن يتذكروا ويعرفوا ويعقلوا؟ ). وقال: (أنى لهم أن يتذكروا أو يتوبوا إذا جاءتهم الساعة). وقال ابن زيد: (لا ينفعهم عند الساعة ذكراهم).
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر: ٢٣].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [سبأ: ٥٢].
وفي سنن ابن ماجة ومستدرك الحاكم بسند حسن عن أنس بن مالك مرفوعًا: [يرسل البكاء على أهل النار فيبكون حتى تنقطع الدموع، ثم يبكون الدم حتى يصير في وجوههم كهيئة الأخدود، لو أرسلت فيه السفن لجرت] (٤).
وفي لفظ الحاكم عن عبد اللَّه بن قيس أن رسول اللَّه ﷺ قال: [إنَّ أهلَ النار
стр. 4447
لَيَبْكون، حتى لو أُجريت السُّفُن في دموعهم، لجرت، وإنهم ليَبْكون الدَّم -يعني- مكان الدمع] (١).
وقوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾. أمر بالعلم قبل العمل، وتنبيه لشرف العلم، وأشرف العلوم علوم شهادة أن لا إله إلا اللَّه.
وعن سفيان بن عيينة أنه سئل عن فضل العلم فقال: (ألم تسمع قوله حين بدأ به ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ فأمر بالعمل بعد العلم. وقال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ -إلى قوله- ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد: ٢٠ - ٢١] وقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٨]. ثم قال بعد: ﴿فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤] وقال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]. ثم أمر بالعمل بعد).
وفي صحيح مسلم عن عثمان ﵁، عن النبي ﷺ قال: [من مات وهو يعلم أنّه لا إله إلا اللَّه دخل الجنة] (٢).
وقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾. قال القرطبي: (يحتمل وجهين: أحدهما- يعني استغفر اللَّه أن يقع منك ذنب. الثاني- استغفر اللَّه ليعصمك من الذنوب). وقيل: الخطاب له والمراد به الأمة. قلت: والأفضل من ذلك أن يقال: ذنب الأنبياء ترك الأفضل دون مباشرة القبيح، وذنوبنا مباشرة القبائح من الصغائر والكبائر.
وقوله: ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾. أي: وسل ربك غفران ذنوب أهل الإيمان بك من الرجال والنساء، فإن ذلك بركة وخير لك ولهم.
وفي السنة الصحيحة روائع في آفاق هذه المعاني، منها:
الحديث الأول: أخرج الطبراني بسند حسن عن عبادة، عن النبي ﷺ قال: [من استغفر للمؤمنين والمؤمنات، كتبَ اللَّه له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة] (٣).
الحديث الثاني: أخرج الشيخان وابن حبان من حديث أبي موسى الأشعري أن رسول اللَّه ﷺ كان يقول: [اللهم اغفر لي خطيئتي وجَهلي، وإسرافي في أمري،
стр. 4448
وما أنت أعلَمُ به مني، اللهم اغفر لي هزْلي وجِدِّي، وخطئي وعَمْدِي، وكُلُّ ذلك عندي] (١).
الحديث الثالث: أخرج الإمام البخاري والترمذي من حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: [واللَّه إني لأستغفر اللَّه وأتوب إليه في اليوم أكْثَرَ من سبعين مَرَّةً] (٢).
ولفظ الترمذي عن أبي هريرة: [﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ فقال النبي ﷺ : إني لأستغفر اللَّه في اليوم سبعين مرة].
وله شاهد في صحيح مسلم من حديث الأغَرِّ بن يسار المُزني ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [يا أيها الناسُ! توبوا إلى اللَّه، فإني أتوبُ إلى اللَّه في اليوم مئة مرة] (٣). وفي لفظ: [إنَّه ليُغانُ على قلبي، وإني لأستغفر اللَّه في اليوم مئة مرة].
وقوله: "لَيُغانُ على قلبي": يعني ما يتغشى القلب. وقيل: المراد الفترات والغفلات عن الذكر الذي كان شأنه الدوام عليه، فإذا فتر عنه أو غفل عنه عدّ ذلك ذنبًا واستغفر منه.
الحديث الرابع: أخرج أحمد ومسلم -واللفظ له- عن عاصم عن عبد اللَّه بن سَرْجِسَ قال: [رأيتُ النبي ﷺ وأكلتُ معه خُبْزًا ولَحْمًا، أو قال: ثرِيدًا، قال: فقلت له: أَسْتَغْفَرَ لكَ النبي ﷺ ؟ قال: نعم، ولَكَ، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩]] (٤).
وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾. قال ابن عباس: (متقلبكم في الدنيا، ومثواكم في الآخرة). وقال السدي: (متقلبكم في الدنيا، ومثواكم في قبوركم). قال ابن جرير: (يقول: فإن اللَّه يعلم متصرفكم فيما تتصرفون فيه في يقظتكم من الأعمال، ومثواكم إذا ثويتم في مضاجعكم للنوم ليلًا).
قلت: والبيان الإلهي المعجز يحتمل كل هذه المعاني، فلا وجه لرفض أيّ منها.
стр. 4449
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦].
٣ - وقال تعالى: ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [هود: ٥].
أخرج الطبراني بسند صحيح عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ قال: [فرغَ اللَّه إلى كل عبد من خمسٍ: مِنْ أجَلِهِ، ورزقهِ، وأثرِهِ، ومضجعه، وشقي أو سعيد] (١).
وله شاهد عند ابن عساكر من حديث أنس بلفظ: [فرغ اللَّه من أربع: من الخَلْقِ، والخُلُق، والرِّزقِ، والأجل] (٢).
٢٠ - ٢٣. قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (٢٠) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ (٢١) فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣)﴾.
في هذه الآيات: إخبار اللَّه تعالى عن تمني المؤمنين نزول تشريع الجهاد، فلما أنزل اللَّه فرض القتال وأحكامه وجد كثير من الناس في قلوبهم الخوف والجبن من لقاء الأعداء، وإنما النجاة كل النجاة بالصدق مع اللَّه في القول والعمل وعند اللقاء، وإلا فالفتنة في الدين وتقطيع الأرحام، والضلوع في الظلم والآثام.
فقوله: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾. قال ابن زيد:
стр. 4450
(هؤلاء المنافقون طبع اللَّه على قلوبهم فلا يفقهون ما يقول النبي ﷺ ). وقال قتادة: (كل سورة ذكر فيها الجهاد فهي محكمة، وهي أشد القرآن على المنافقين).
والمعنى كما قال ابن جرير: (ويقول الذين صدقوا اللَّه ورسوله: هلا نزلت سورة من اللَّه تأمرنا بجهاد أعداء اللَّه من الكفار. ﴿فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ﴾ يعني: أنها محكمة بالبيان والفرائض ﴿رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ رأيت الذين في قلوبهم شك في دين اللَّه وضعف ينظرون إليك يا محمد ﴿نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ خوفًا أن تغزيهم وتأمرهم بالجهاد مع المسلمين، فهم خوفًا من ذلك وتجنُّبًا عن لقاء العدو ينظرون إليك نظر المغشي عليه الذي قد صرع. وإنما عني بقوله ﴿مِنَ الْمَوْتِ﴾ من خوف الموت).
والآية كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٧٧].
قال ابن القيم ﵀: (ولما كان جهادُ أعداءِ اللَّه في الخارج فرعًا على جهاد العبد نفسه في ذات اللَّه، كما قال النبي ﷺ : "المجاهد مَنْ جاهَدَ نَفْسَهُ في طاعة اللَّه، والمهاجِرُ مَنْ هَجَرَ ما نهى اللَّه عنه" (١). كان جهادُ النفس مُقَدَّمًا على جهاد العدو في الخارج، وأصلًا له، فإنه ما لم يجاهدْ نفسه أولًا لِتَفْعَلَ ما أُمِرَتْ به، وتترك ما نُهيت عنه، ويحارِبْها في اللَّه، لم يُمْكِنْهُ جهادُ عدوه في الخارج، فكيف يُمكِنُهُ جهادُ عدوه والانتصاف منه، وعدوُّه الذي بين جنبيه قاهرٌ له، متسلَطٌ عليه، لم يُجاهده، ولم يُحاربه في اللَّه، بل لا يمكنه الخروجُ إلى عدوِّه، حتى يُجاهد نفسَه على الخروج) (٢).
وقوله: ﴿فَأَوْلَى لَهُمْ﴾. قال قتادة: (هذا وعيد، فأولى لهم، ثم انقطع الكلام فقال: ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾). وفي رواية: (وعيد كما تسمعون).
وعن مجاهد: (﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ قال: أمر اللَّه بذلك المنافقين. ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ قال: إذا جدّ الأمر).