٢ - وقال تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١].
٣ - وقال تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١].
٤ - وقال تعالى: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (٥٦) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ [النجم: ٥٦ - ٥٧].
وفي الصحيحين عن سهل بن سعد قال: [رأيت رسول اللَّه ﷺ قال بإصبعه هكذا، بالوسطى والتي تليها: بُعثت أنا والساعة كهاتين] (١).
وفي صحيح البخاري عن أنس ﵁: [أن أهل مكة سألوا رسول اللَّه ﷺ أن يريهم آية، فأراهم القمر شِقَّتين حتى رأوا حراءً بينهما] (٢).
وفي صحيح البخاري عن عبد اللَّه قال: [والبطشة الكبرى يوم بدر، فقد مضت الدخان والبطشة واللزام وآيةُ الروم] (٣).
وقوله: ﴿فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾. قال قتادة: (يقول: إذا جاءتهم الساعة أنى لهم أن يتذكروا ويعرفوا ويعقلوا؟ ). وقال: (أنى لهم أن يتذكروا أو يتوبوا إذا جاءتهم الساعة). وقال ابن زيد: (لا ينفعهم عند الساعة ذكراهم).
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر: ٢٣].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [سبأ: ٥٢].
وفي سنن ابن ماجة ومستدرك الحاكم بسند حسن عن أنس بن مالك مرفوعًا: [يرسل البكاء على أهل النار فيبكون حتى تنقطع الدموع، ثم يبكون الدم حتى يصير في وجوههم كهيئة الأخدود، لو أرسلت فيه السفن لجرت] (٤).
وفي لفظ الحاكم عن عبد اللَّه بن قيس أن رسول اللَّه ﷺ قال: [إنَّ أهلَ النار
стр. 4447
لَيَبْكون، حتى لو أُجريت السُّفُن في دموعهم، لجرت، وإنهم ليَبْكون الدَّم -يعني- مكان الدمع] (١).
وقوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾. أمر بالعلم قبل العمل، وتنبيه لشرف العلم، وأشرف العلوم علوم شهادة أن لا إله إلا اللَّه.
وعن سفيان بن عيينة أنه سئل عن فضل العلم فقال: (ألم تسمع قوله حين بدأ به ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ فأمر بالعمل بعد العلم. وقال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ -إلى قوله- ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد: ٢٠ - ٢١] وقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٨]. ثم قال بعد: ﴿فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤] وقال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]. ثم أمر بالعمل بعد).
وفي صحيح مسلم عن عثمان ﵁، عن النبي ﷺ قال: [من مات وهو يعلم أنّه لا إله إلا اللَّه دخل الجنة] (٢).
وقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾. قال القرطبي: (يحتمل وجهين: أحدهما- يعني استغفر اللَّه أن يقع منك ذنب. الثاني- استغفر اللَّه ليعصمك من الذنوب). وقيل: الخطاب له والمراد به الأمة. قلت: والأفضل من ذلك أن يقال: ذنب الأنبياء ترك الأفضل دون مباشرة القبيح، وذنوبنا مباشرة القبائح من الصغائر والكبائر.
وقوله: ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾. أي: وسل ربك غفران ذنوب أهل الإيمان بك من الرجال والنساء، فإن ذلك بركة وخير لك ولهم.
وفي السنة الصحيحة روائع في آفاق هذه المعاني، منها:
الحديث الأول: أخرج الطبراني بسند حسن عن عبادة، عن النبي ﷺ قال: [من استغفر للمؤمنين والمؤمنات، كتبَ اللَّه له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة] (٣).
الحديث الثاني: أخرج الشيخان وابن حبان من حديث أبي موسى الأشعري أن رسول اللَّه ﷺ كان يقول: [اللهم اغفر لي خطيئتي وجَهلي، وإسرافي في أمري،
стр. 4448
وما أنت أعلَمُ به مني، اللهم اغفر لي هزْلي وجِدِّي، وخطئي وعَمْدِي، وكُلُّ ذلك عندي] (١).
الحديث الثالث: أخرج الإمام البخاري والترمذي من حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: [واللَّه إني لأستغفر اللَّه وأتوب إليه في اليوم أكْثَرَ من سبعين مَرَّةً] (٢).
ولفظ الترمذي عن أبي هريرة: [﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ فقال النبي ﷺ : إني لأستغفر اللَّه في اليوم سبعين مرة].
وله شاهد في صحيح مسلم من حديث الأغَرِّ بن يسار المُزني ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [يا أيها الناسُ! توبوا إلى اللَّه، فإني أتوبُ إلى اللَّه في اليوم مئة مرة] (٣). وفي لفظ: [إنَّه ليُغانُ على قلبي، وإني لأستغفر اللَّه في اليوم مئة مرة].
وقوله: "لَيُغانُ على قلبي": يعني ما يتغشى القلب. وقيل: المراد الفترات والغفلات عن الذكر الذي كان شأنه الدوام عليه، فإذا فتر عنه أو غفل عنه عدّ ذلك ذنبًا واستغفر منه.
الحديث الرابع: أخرج أحمد ومسلم -واللفظ له- عن عاصم عن عبد اللَّه بن سَرْجِسَ قال: [رأيتُ النبي ﷺ وأكلتُ معه خُبْزًا ولَحْمًا، أو قال: ثرِيدًا، قال: فقلت له: أَسْتَغْفَرَ لكَ النبي ﷺ ؟ قال: نعم، ولَكَ، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩]] (٤).
وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾. قال ابن عباس: (متقلبكم في الدنيا، ومثواكم في الآخرة). وقال السدي: (متقلبكم في الدنيا، ومثواكم في قبوركم). قال ابن جرير: (يقول: فإن اللَّه يعلم متصرفكم فيما تتصرفون فيه في يقظتكم من الأعمال، ومثواكم إذا ثويتم في مضاجعكم للنوم ليلًا).
قلت: والبيان الإلهي المعجز يحتمل كل هذه المعاني، فلا وجه لرفض أيّ منها.
стр. 4449
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦].
٣ - وقال تعالى: ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [هود: ٥].
أخرج الطبراني بسند صحيح عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ قال: [فرغَ اللَّه إلى كل عبد من خمسٍ: مِنْ أجَلِهِ، ورزقهِ، وأثرِهِ، ومضجعه، وشقي أو سعيد] (١).
وله شاهد عند ابن عساكر من حديث أنس بلفظ: [فرغ اللَّه من أربع: من الخَلْقِ، والخُلُق، والرِّزقِ، والأجل] (٢).
٢٠ - ٢٣. قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (٢٠) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ (٢١) فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣)﴾.
في هذه الآيات: إخبار اللَّه تعالى عن تمني المؤمنين نزول تشريع الجهاد، فلما أنزل اللَّه فرض القتال وأحكامه وجد كثير من الناس في قلوبهم الخوف والجبن من لقاء الأعداء، وإنما النجاة كل النجاة بالصدق مع اللَّه في القول والعمل وعند اللقاء، وإلا فالفتنة في الدين وتقطيع الأرحام، والضلوع في الظلم والآثام.
فقوله: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾. قال ابن زيد:
стр. 4450
(هؤلاء المنافقون طبع اللَّه على قلوبهم فلا يفقهون ما يقول النبي ﷺ ). وقال قتادة: (كل سورة ذكر فيها الجهاد فهي محكمة، وهي أشد القرآن على المنافقين).
والمعنى كما قال ابن جرير: (ويقول الذين صدقوا اللَّه ورسوله: هلا نزلت سورة من اللَّه تأمرنا بجهاد أعداء اللَّه من الكفار. ﴿فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ﴾ يعني: أنها محكمة بالبيان والفرائض ﴿رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ رأيت الذين في قلوبهم شك في دين اللَّه وضعف ينظرون إليك يا محمد ﴿نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ خوفًا أن تغزيهم وتأمرهم بالجهاد مع المسلمين، فهم خوفًا من ذلك وتجنُّبًا عن لقاء العدو ينظرون إليك نظر المغشي عليه الذي قد صرع. وإنما عني بقوله ﴿مِنَ الْمَوْتِ﴾ من خوف الموت).
والآية كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٧٧].
قال ابن القيم ﵀: (ولما كان جهادُ أعداءِ اللَّه في الخارج فرعًا على جهاد العبد نفسه في ذات اللَّه، كما قال النبي ﷺ : "المجاهد مَنْ جاهَدَ نَفْسَهُ في طاعة اللَّه، والمهاجِرُ مَنْ هَجَرَ ما نهى اللَّه عنه" (١). كان جهادُ النفس مُقَدَّمًا على جهاد العدو في الخارج، وأصلًا له، فإنه ما لم يجاهدْ نفسه أولًا لِتَفْعَلَ ما أُمِرَتْ به، وتترك ما نُهيت عنه، ويحارِبْها في اللَّه، لم يُمْكِنْهُ جهادُ عدوه في الخارج، فكيف يُمكِنُهُ جهادُ عدوه والانتصاف منه، وعدوُّه الذي بين جنبيه قاهرٌ له، متسلَطٌ عليه، لم يُجاهده، ولم يُحاربه في اللَّه، بل لا يمكنه الخروجُ إلى عدوِّه، حتى يُجاهد نفسَه على الخروج) (٢).
وقوله: ﴿فَأَوْلَى لَهُمْ﴾. قال قتادة: (هذا وعيد، فأولى لهم، ثم انقطع الكلام فقال: ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾). وفي رواية: (وعيد كما تسمعون).
وعن مجاهد: (﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ قال: أمر اللَّه بذلك المنافقين. ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ قال: إذا جدّ الأمر).
стр. 4451
وعن قتادة: (﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾. يقول: طواعية اللَّه ورسوله، وقول معروف عند حقائق الأمور خير لهم).
قال ابن كثير: (ثم قال مشجعًا ﴿فَأَوْلَى لَهُمْ (٢٠) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾، أي: وكان الأولى بهم أن يَسمعوا ويُطيعوا، أي: في الحالة الراهنة، ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾، أي: جَدَّ الحال، وحضر القتال، ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ﴾، أي: أخلصُوا له النية، ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾).
وقوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾. قال قتادة: (يقول: فهل عسيتم كيف رأيتم القوم حين تولوا عن كتاب اللَّه، ألم يسفكوا الدم الحرام، وقطّعوا الأرحام، وعَصَوا الرحمن).
والمقصود: فهل عسيتم بإدباركم ونكولكم عن الجهاد، والصبر على مجالدة الأعداء، لحفظ الدين وحراسته في الأرض، أن تعودوا إلى ما كنتم عليه أيام الجاهلية من سفك الدماء، وقطع الأرحام، والإفساد في البلاد، وظلم العباد.
وفي السنة الصحيحة روائع من الأحاديث في آفاق ذلك:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: [خَلَقَ اللَّه الخلقَ، فلما فرَغَ منه قامت الرحم فأخذت بحقوِ الرحمن ، فقال: مَه! فقالت: هذا مقامُ العائذِ بكَ من القطيعة، فقال تعالى: ألا ترضينَ أن أصِلَ من وَصَلَكِ، وأقطعَ من قَطَعَكِ؟ قالت: بلى. قال: فذاك. قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾] (١).
الحديث الثاني: أخرج أبو داود والترمذي وأحمد بسند صحيح عن عبد اللَّه بن عمرو -يبلغُ به النبي ﷺ قال: [الراحمون يَرحمهم الرحمن، ارحمُوا أهل الأرض يرحمكم أهل السماء، والرّحِمُ شُجْنَةٌ من الرحمن، مَنْ وصلها وصلتُه، ومن قَطَعها بَتَتُّه] (٢).
стр. 4452
الحديث الثالث: أخرج أحمد وأبو داود بسند صحيح من حديث عبد الرحمن بن عوف قال: إنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: [قال اللَّه : أنا الرحمنُ، خلقتُ الرحم وشققتُ لها اسمًا من اسمي، فمن يَصِلها أصِلُهُ، ومن يقطعَعُها أقطعُهُ فأبُتُّه] (١).
الحديث الرابع: أخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: [مَنْ سَرَّه أن يُبْسَطَ له في رزقِه، وأن يُنْسَأ له في أثره، فليصِل رحمه] (٢).
الحديث الخامس: أخرج البخاري وأحمد عن عبد اللَّه بن عمرو قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إنَّ الرحمَ مُعَلَّقَةٌ بالعرش، وليس الواصِلُ بالمكافِئ، ولكن الواصل الذي إذا قُطِعت رَحِمه وَصَلَها] (٣).
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾.
قال القرطبي: (﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ﴾ أي طردهم وأبعدهم من رحمته. ﴿فَأَصَمَّهُمْ﴾ عن الحق. ﴿وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ أي قلوبهم عن الخير). وقال النسفي: ﴿فَأَصَمَّهُمْ﴾ عن استماع الموعظة ﴿وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ عن إبصارهم طريق الهدى).
٢٤ - ٢٨. قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤) إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (٢٥) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (٢٦) فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (٢٧) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨)﴾.
في هذه الآيات: تنبيهُ اللَّه تعالى عباده إلى تَدَبُّرِ القرآن وَفَهْمِ ما فيه من المعاني والأحكام. وتحذيرٌ من الإعراض عنه واتباع ما يسوله الشيطان، ونَعْتٌ لحال المجرمين
стр. 4453
عند الفراق والملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم، ذلك بما أسخطوا اللَّه وكرهوا رضوانه فأخزاهم وأحبط أعمالهم.
فعن قتادة: (﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ إذن واللَّه يجدون في القرآن زاجرًا عن معصية اللَّه، لو تدبّره القوم فعقلوه، ولكنهم أخذوا بالمتشابه فهلكوا عند اللَّه). قال القرطبي: (﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ أي يتفهمونه فيعلمون ما أعدّ اللَّه للذين لم يتولّوا عن الإسلام. ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ أي بل على قلوب أقفال أقفلها اللَّه عليهم فهم لا يعقلون). قال النسفي: (ونكرت القلوب لأن المراد على قلوب قاسية مبهم أمرها في ذلك، والمراد بعض القلوب وهي قلوب المنافقين، وأضيفت الأقفال إلى القلوب لأن المراد الأقفال المختصة بها، وهي أقفال الكفر التي استغلقت فلا تنفتح، نحو الرّين والختم والطبع).
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ﴾. قال قتادة: (يقول: زَيَّنَ لهم). قال ابن عباس: (هم أهل النفاق).
والمعنى: إن الذين رجعوا إلى الكفر وفارقوا الإيمان من بعد ما أكرمهم اللَّه بحجج الحق وأنار لهم سبيل النجاة، إنما زَيَّن لهم صنيعهم ذلك الشيطان وحسَّنه لهم.
وقوله: ﴿إِوَأَمْلَى لَهُمْ﴾. أي: غرّهم وخدَعهم بما اقترح عليهم.
وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ﴾. قال القاسمي: (﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى ما ذكر من ارتدادهم ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ أي بسبب أنهم ﴿قَالُوا﴾ أي المنافقون ﴿لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ﴾ أي لليهود الكارهين لنزول القرآن على رسول اللَّه ﷺ ﴿سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ﴾ أي في بعض أموركم، أو ما تأمرون به كالقعود عن الجهاد، والتظاهر على الرسول، أو الخروج معهم إن خرجوا، كما أوضح ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ [الحشر: ١١] وهم بنو قريظة والنضير الذين كانوا يوالونهم ويوادّونهم).
قلت: والآية ردٌّ على المترخصين اليوم من التجمعات الإسلامية الجلوس في المحافل التي يحكم بها بالشرائع الوضعية يدّعون الانتصار لبعض شعائر الإسلام حيث يخسرون غالبًا بالأصوات.
стр. 4454
وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ﴾. أي ما يخفون ويبيّتون، وما يداهنون به أهل الكفر ويمكرون. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ [النساء: ٨١].
وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾.
تخويف وتهديد، وتذكير ووعيد. قال ابن كثير: (أي كيف حالهم إذا جاءتهم الملائكة لقبض أرواحهم وَتَعَصَّت الأرواح في أجسادهم، واستخرجتها الملائكة بالعنف والقَهْرِ والضَّرب).
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٠].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣].
وفي المسند وسنن أبي داود بإسناد صحيح من حديث البراء مرفوعًا: [وإن العبد الكافر (وفي رواية: الفاجر) إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة غلاظ شداد، سود الوجوه، معهم المسوح (١) من النار، فيجلسون منه مدّ البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من اللَّه وغضب، قال: فتفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السَّفُود الكثير الشعب من الصوف المبلول، فتقطع معها العروق والعصب] الحديث (٢).
وأخرج ابن ماجة نحوه من طريق أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [فإذا كان الرجل السوء قال: اخرجي أيتها النفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، اخرجي
стр. 4455
ذميمةً، وأبشري بحميم وغسَّاق، وآخرَ من شكله أزواج، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج] (١).
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾. أي: إنما تفعل بهم الملائكة ذلك من الإهانة والضرب عند النزع مقابل ما كانوا عليه مما يسخط اللَّه وكرهوا رضاه تعالى، فأبطل ثواب أعمالهم فلم تنفعهم حتى لو اشتملت على بعض الخير الظاهر.
٢٩ - ٣١. قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (٢٩) وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (٣٠) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١)﴾.
في هذه الآيات: مَكْرُ اللَّه تعالى بالمنافقين وفضحهم، وإظهار علامات لنبيِّه تميزهم وتكشفهم، وسنة اللَّه في ابتلاء المؤمنين، وتمييز المجاهدين والصابرين والصادقين.
فقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ﴾. قال ابن عباس: (هم أهل النفاق، وقد عرّفه إياهم في براءة فقال: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ وقال: ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾).
وقال ابن زيد: (هؤلاء المنافقون، والذي أسروا من النفاق هو الكفر). والأضغان: هو ما يُضمر من المكروه. قال الجوهري: (الضغن والضغينة: الحقد). قال السدي: (﴿أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ﴾ قال: غِشَّهم). وقال ابن عباس: (حسدهم). وقال قُطْرب: (عدوانهم). وكلها متقاربة متكاملة. قال القرطبي: (والمعنى: أم حسبوا أن لن يظهر اللَّه عداوتهم وحقدهم لأهل الإسلام).
وقوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾. قال ابن زيد: (هؤلاء المنافقون وقد أراه اللَّه إياهم). والمقصود: ولو نشاء -يا محمد- لعرّفناكهم فلعرفتهم بعلاماتهم.
وقوله: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾. أي في فحواه ومعناه. واللَّحن: ما عُرِفَ
стр. 4456
بالمعنى ولم يُصَرَّح به. قال الرازي: (اللّحن: الخطأ في الإعراب. ولحنَ له: قال له قولًا يفهمه عنه ويخفى على غيره).
وفي صحيح البخاري من حديث أم سلمة ﵂: أن رسول اللَّه ﷺ قال: [إنكم لتختصمون إليّ ولعلَّ بعضكم أَلحَنُ بحجته من بعض] (١). أي أمضى بها في العرض والجواب لقوته على تصريف الكلام.
والمقصود: لقد ظهر للنبي ﷺ من العلامات ما يعرف به أهل النفاق، فقد بدا ذلك واضحًا له من أعمالهم وما انفلت على ألسنتهم.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾. قال ابن جرير: (لا يخفى عليه العامل منكم بطاعته والمخالف له، وهو مجازي جميعكم عليها).
وقوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾. أي: ولنختبرنكم بالأوامر والنواهي حتى يتميز المجاهدون والصابرون. قال ابن عباس: (أخبر اللَّه سبحانه المؤمنين أن الدنيا دار بلاء، وأنه مبتليهم فيها، وأمرهم بالصبر، وبشّرهم فقال: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ ثم أخبرهم أنه هكذا فعل بأنبيائه وصفوته لتطيب نفوسهم فقال: ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾ فالبأساء: الفقر، والضراء: السقم، وزلزلوا بالفتن وأذى الناس إياهم).
ومفهوم: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ﴾ حتى نميّز، كما قال ابن عباس. وقال علي ﵁: (حتى نرى). قال القرطبي: (وهذا العلم هو العلم الذي يقع به الجزاء، لأنه إنما يجازيهم بأعمالهم لا بعلمه القديم عليهم. فتأويله: حتى نعلم المجاهدين علم شهادة، لأنهم إذا أمروا بالعمل يشهد منهم ما عملوا، فالجزاء بالثواب والعقاب يقع على علم الشهادة).
وقوله: ﴿وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾. قال النسفي: (أسراركم). والمقصود: نختبرها ونظهرها. قال إبراهيم بن الأشعث: (وإن الفُضيل بن عياض إذا قرأ هذه الآية بكى وقال: اللهم لا تبلنا فإنك إن بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا وعذبتنا).
٣٢ - ٣٥. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ
стр. 4457
بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ (٣٢) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (٣٣) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (٣٤) فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (٣٥)﴾.
في هذه الآيات: تهديدٌ شديد ووعيدٌ أكيد للكافرين الذين حاربوا اللَّه ورسوله، وصدوا عن سبيله. وحثٌّ للمؤمنين على طاعة اللَّه وطاعة رسوله وتعظيم هديه. وَوَعْدٌ للكافرين بالخذلان والحرمان، وللمؤمنين بالنصر والتمكين ومعية الرحمان.
فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ﴾. قال ابن كثير: (يُخبر تعالى عمن كفر وصَدَّ عن سبيل اللَّه، وخالفَ الرسولَ وشاقَّه، وارتدَّ عن الإيمان من بعد ما تَبيَّن له الهدى: أنه لن يَضُرَّ اللَّه شيئًا، وإنما يضرُّ نفسَه ويخسَرُها يوم مَعادِها، وسَيُحْبِطُ اللَّه عمله فلا يثيبُه على سالِفِ ما تقدَّم من عَمَلِه الذي عَقَّبه بردّته مِثقَالَ بعوضةٍ من خَيرٍ، بل يحبطه ويمحَقُه بالكليّة، كما أن الحسنات يذهبن السيئات).
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾.
قال قتادة: (من استطاع منكم أن لا يبطل عملًا صالحًا عمله بعمل سَيِّئ فليفعل، ولا قوة إلا باللَّه، فإن الخير ينسخ الشّر، وإنّ الشّر ينسخ الخير، وإن ملاك الأعمال خواتيمها). وقال الحسن: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾: أي حسناتكم بالمعاصي). وقال الزُّهْرِي: (بالكبائر). وقال ابن جريج: (بالرياء والسمعة). وقال مقاتل: (بالمَنّ). وكلها متقاربة، والمقصود: إن من الآثام والمعاصي والمخالفات الشرعية، ما يبطل الطاعات والقربات والموافقات الإيمانية، فليحذر العبد من الوقوع فيما يبطل العمل. قال أبو العالية: (كانوا يرون أنه لا يضر مع الإسلام ذنب، حتى نزلت هذه الآية فخافوا الكبائر أن تحبط الأعمال).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: إن الذين أنكروا توحيد اللَّه وصدّوا من أراد الإيمان باللَّه وبرسوله عن ذلك، ففتنوهم عنه وحالوا بينهم وبين ما أرادوا من ذلك، ثم ماتوا
стр. 4458
وهم على ذلك من كفرهم. . . فلن يعفو اللَّه عما صنع من ذلك، ولكنه يعاقبه عليه ويفضحه به على رؤوس الأشهاد).
وقوله: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾. الوهن: الضّعف. والسَّلم: الصُلح. قال مجاهد: (﴿فَلَا تَهِنُوا﴾: لا تضعفوا). وقال قتادة: (أي لا تكونوا أولى الطائفتين تصرع). أو قال: (لا تكونوا أولى الطائفتين صرعت لصاحبتها ودعتها إلى الموداعة، وأنتم أولى باللَّه منهم واللَّه معكم).
وقوله: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾. قال مجاهد: (الغالبون). وقيل: (وأنتم الأعلون في الحجة). وقيل: (وأنتم أعلم باللَّه منهم). وقيل: (المعنى: وأنتم الغالبون لأنكم مؤمنون وإن غلبوكم في الظاهر في بعض الأحوال).
قلت: والآية تدل على منع الميل إلى الصلح أو مهادنة الكفار إن لم يكن بالمسلمين حاجة لذلك، والقرار للحاكم المسلم، كما بسطت ذلك في كتابي: السياسة الشرعية على منهج الوحيين القرآن والسنة الصحيحة، فلله الحمد والمنة.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾. أي بنصره وتوفيقه وتأييده، وهو بشارة عظيمة بالظفر. وقوله: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾. قال مجاهد: (لن ينقصكم). وقال ابن عباس: (لن يظلمكم أجور أعمالكم). والمقصود: وأنتم الغالبون أيها المؤمنون واللَّه مؤيدكم بنصره، ولن يبطل أعمالكم أو يسلبها أو ينقصها بل يوفيكم ثوابها وأضعافًا مضاعفة منها.
٣٦ - ٣٨. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (٣٦) إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ (٣٧) هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (٣٨)﴾.
في هذه الآيات: تنبيهُ المؤمنين إلى غرور هذه الحياة الدنيا التي تشغل عن الإيمان والجهاد، والإنفاق في سبيل اللَّه. والتلميح بالعقاب والاستبدال، إن تولى أو ضعف الرجال.
стр. 4459
فقوله: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾. قال القاسمي: (أي فلا تدعكم الرغبة في الحياة إلى ترك الجهاد).
وقوله: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾. أي: إنما يعود نفع الإيمان والتقوى عليكم، واللَّه غني عنكم ولا يطلب منكم شيئًا، وكذلك يعود إنفاق الأموال بالكامل عليكم لاستغنائه -تعالى- المطلق، فإن في الصدقات مواساة للفقراء ودفعًا لأحقاد صدورهم ونهوضًا بأحوال البلاد والعباد، وفي بذل الأموال للجهاد شوكة لكم في الأرض ودفع لغائلة الشرور والفساد.
وقوله: ﴿إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا﴾. ﴿فَيُحْفِكُمْ﴾: أي فيجهدكم بالمسألة، ويلحّ عليكم بطلبها. ففي لغة العرب: أحفى فلان إذا أكثر الطلب والمسألة. قال الزمخشري: (الإحفاء المبالغة، وبلوغ الغاية في كل شيء. يقال: "أحفاه في المسألة" إذا لم يترك شيئًا من الإلحاح).
فالمعنى: إن يجهدكم -تعالى- بالمسألة ويلح عليكم بطلبها منكم تبخلوا بها وتمنعوها، ضَنًّا منكم بها، ولكنه عَلِمَ ضعفكم في ذلك فلم يفعل.
وقوله: ﴿وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ﴾. أي أحقادكم، وكراهتكم لدينٍ يستهلك أموالكم. قال قتادة: (قد علم اللَّه أن في سؤال المال خروج الأضغان).
وقوله: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ﴾. أي: ها أنتم أيها المؤمنون تدعون للنفقة في جهاد أعداء اللَّه ونُصرة دينه فمنكم من يبخل بالنفقة.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾. أي: ومن يبخل فإنما ينقص من أجره، ويعود وبال البخل عليه.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾. قال ابن زيد: (ليس باللَّه تعالى ذكره إليكم حاجة، وأنتم أحوج إليه).
وقوله: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾. قال قتادة: (يقول: إن توليتم عن كتابي وطاعتي أستبدل قومًا غيركم. قادر واللَّه ربنا على أن يهلكهم، ويأتي من بعدهم من هو خير منهم). قال الطبري: ﴿ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾: أي في البخل بالإنفاق في سبيل اللَّه).
стр. 4460
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة: ٣٩].
٢ - وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤].
ومن روائع السنة الصحيحة في آفاق هذه الآية أحاديث:
الحديث الأول: أخرج ابن أبي الدنيا في "قضاء الحوائج"، والطبراني في "الأوسط"، وأبو نعيم في "الحلية" بسند حسن لغيره عن ابن عمر مرفوعًا: [إنّ للَّه أقوامًا يختصُّهم بالنعم لمنافع العباد، ويقرهم فيها ما بذلوها، فإذا منعوها نَزَعَها منهم، فحولها إلى غيرهم] (١).
الحديث الثاني: أخرج الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة قال: [تلا رسول اللَّه ﷺ هذه الآية يومًا: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾. قالوا: ومن يستبدل بنا؟ قال: فضرب رسول اللَّه ﷺ على منكب سلمان ثم قال: هذا وقومه] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة أنه قال: [قال ناس من أصحاب رسول اللَّه ﷺ : يا رسول اللَّه من هؤلاء الذين ذكر اللَّه: إن تولينا استبدلوا بنا ثم لا يكونوا أمثالنا؟ قال: وكان سلمان بجنب رسول اللَّه ﷺ ، قال: فضرب رسول اللَّه ﷺ فَخِذَ سلمان وقال: "هذا وأصحابه. والذي نفسي بيده لو كان الإيمانُ مَنُوطًا بالثُّريَّا لتناولَهُ رجالٌ مِنْ فارِسَ"] (٣).
تم تفسير سورة محمد -سورة القتال- بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه الأربعاء ٢٨ - جمادى الآخرة - ١٤٢٦ هـ الموافق ٣ - آب - ٢٠٠٣ م
стр. 4461
دروس ونتائج وأحكام
١ - أمَرَ اللَّه تعالى بالقتال في سبيله حتى يكون الدين كله للَّه. فإذا كان بعض الدين للَّه وبعضه لغير اللَّه وجب الجهاد حتى يكون الدين كله للَّه.
٢ - عليكم بالجهاد في سبيل اللَّه، فإنه باب من أبواب الجنة يذهب اللَّه به الهم والغمّ.
٣ - القتل في سبيل اللَّه يُكَفِّر كُلَّ شيء إلا الدَّين.
٤ - أهل الجنة أعرف بمنازلهم ومساكنهم وأزواجهم إذا دخلوا الجنة من أهل الدنيا بدنياهم ومساكنهم وأحوالهم.
٥ - تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، إن أُعْطِيَ رضي، وإنْ لم يُعْطَ لم يَرْضَ. تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش.
٦ - الكافر يطعم بحسنات ما عمل بها للَّه في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها.
٧ - يأكل المسلم في مِعًى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء.
٨ - مَنْ شرِبَ الخمرَ في الدنيا ثم لم يَتُبْ منها حُرِمَها في الآخرة.
٩ - في الجنة بحر الماء، وبحر العسل، وبحر اللبن، وبحر الخمر.
١٠ - أكبر سعادة على الجوارح هي النظر إلى وجه اللَّه الكريم، وأعظم سعادة على النفس والقلب رضوان اللَّه العظيم.
١١ - يرسل البكاء على أهل النار فيبكون حتى تنقطع الدموع، ثم يبكون الدم.
١٢ - من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا اللَّه دخل الجنة.
١٣ - من استغفر للمؤمنين والمؤمنات، كتب اللَّه له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة.
стр. 4462
١٤ - فرغ اللَّه من أربع: من الخَلْقِ، والخُلُقِ، والرِّزقِ، والأجل.
١٥ - الرحم معلقة بالعرش، من يصلها يصله اللَّه، ومن يقطعها يقطعه.
١٦ - روح الكافر إذا سحبها ملك الموت تقطع معها العروق والعصب.
١٧ - التحذير من الميل إلى الصلح أو مهادنة الكفار إن لم تظهر المصلحة الشرعية.
١٨ - إن للَّه أقوامًا يختصهم بالنعم لمنافع العباد، فإذا منعوها حَوَّلها إلى غيرهم.
* * *
стр. 4463
٤٨ - سورة الفتح
وهي سورة مدنية، وعدد آياتها (٢٩).
فضائلها وما ورد في ذكرها:
لقد وَرَدَ في ذكر فضلها وأسباب نزولها وموضع ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج أحمد والشيخان عن حبيب بن أبي ثابت قال: [أتيت أبا وائل أسأله فقال: كنا بصفين فقال رجل: ألم تر إلى الذين يدعون إلى كتاب اللَّه تعالى! فقال عليّ: نعم. فقال سهل بن حنيف: اتهموا أنفسكم، فلقد رأيتنا يوم الحديبية -يعني الصلح الذي كان بين النبي ﷺ والمشركين- ولو نرى قتالًا لقاتلنا، فجاء عمر فقال: ألسنا على الحق وهم على الباطل، أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار، قال: بلى، قال: ففيم أعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم اللَّه بيننا؟ ! فقال: يا ابن الخطاب، إني رسول اللَّه ولن يضيعني اللَّه أبدًا، فرجع متغيضًا فلم يصبر حتى جاء أبا بكر فقال: يا أبا بكر ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ قال: يا ابن الخطاب! إنه رسول اللَّه ولن يضيّعه اللَّه أبدًا، فنزلت سورة الفتح] (١).
وفى رواية مسلم: [فنزل القرآن على رسول اللَّه ﷺ فأرسل إلى عمر فأقرأه إياه، فقال: يا رسول اللَّه أوَفتح هو؟ قال: نعم، فطابت نفسه].
стр. 4464
الحديث الثاني: أخرج ابن جرير والحاكم بسند رجاله ثقات عن مجمع بن جارية ﵁ قال: [أقبلنا مع رسول اللَّه ﷺ من الحديبية حتى بلغ رسول اللَّه ﷺ كراع الغميم، فإذا الناس يرسمون نحو رسول اللَّه ﷺ ، فقال بعض الناس لبعض: ما للناس؟ قالوا: أوحي إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقال لبعض الناس فحركنا حتى وجدنا رسول اللَّه ﷺ عند كراع الغميم واقفًا، فلما اجتمع عليه الناس قرأ عليهم: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾. فقال بعض الناس: أو فتح هو؟ قال: والذي نفسي بيده إنه لفتح] (١).
الحديث الثالث: أخرج البخاري عن زيد بن أسلم عن أبيه: [أنّ رسول اللَّه ﷺ كان يسير في بعض أسفاره وعمرُ بن الخطاب يسير معهُ ليلًا، فسأله عمرُ بن الخطاب عن شيء فلم يُجِبْهُ رسولُ اللَّه ﷺ ، ثم سألَهُ فلمْ يُجِبْهُ، ثم سأله فلم يُجِبْهُ، فقال عمر بن الخطاب: ثَكِلَتْ أمُّ عمر (وفي رواية: ثكلتك أمُّك يا عمر)، نَزَرْتَ -أي: أحرجت وضيّقت- رسولَ اللَّه ﷺ ثلاثَ مرات كُلُّ ذلك لا يجيبُك. قال عمر: فَحَرَّكْتُ بعيري ثم تقدَّمْتُ أمامَ الناس، وخَشيت أن يُنْزَلَ فيَّ القرآنُ، فما نَشِبْتُ أن سَمِعْتُ صارِخًا يَصْرُخُ بي، فقلت: لقد خشيتُ أن يكونَ نزلَ فيَّ قُرآنٌ، فجئت رسول اللَّه ﷺ ، فَسَلَّمْتُ عليه فقال: لقد أُنزلت عليَّ الليلة سورةٌ لَهِيَ أحَبُّ إليَّ مِمَّا طَلعَتْ عليه الشمسُ، ثم قرأ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾] (٢).
الحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أنس: [أنها نزلت على النبي ﷺ مرجِعَهُ من الحديبية، وأصحابه يخالطون الحزن والكآبة، وقد حيل بينهم وبين مساكنهم، ونحروا الهدي بالحديبية ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ إلى قوله ﴿صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾. قال: لقد أنزلت عَليَّ آيتان هما أحبّ إليّ من الدنيا جميعًا. قال: فلما تلاهما قال رجل: هنيئًا مريئًا يا رسول اللَّه قد بيّن لك ما يفعل بك فما يفعل بنا؟ فأنزل اللَّه الآية التي بعدها ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ الآية] (٣).
الحديث الخامس: أخرج البخاري ومسلم وأبو داود عن معاوية بن قُرَّة عن
стр. 4465
عبد اللَّه بن مُغَفَّل قال: [قرأَ النبي ﷺ يَوْمَ فتح مكة سورة الفتح فَرَجَّعَ فيها. قال معاوية: لو شئت أن أحْكي لكم قراءة النبي ﷺ لفَعَلْت] (١).
موضوع السورة
الفتح المبين للرسول ﷺ والمؤمنين، والخزي والعذاب على المنافقين والكافرين.
- منهاج السورة -
١ - نزول الفتح المبين يوم الحديبية، والبشرى للنبي ﷺ بالمغفرة التامة، والهداية إلى الصراط المستقيم، والنصر والتأييد والتمكين.
٢ - إنزال اللَّه تعالى الطمأنينة على المؤمنين، ووعدهم على صدقهم البيعة جنات النعيم.
٣ - الوعيد الشديد على المنافقين والمشركين، بالخذلان والعقاب وصلي الجحيم.
٤ - تأكيد الرسالة للنبي الكريم، والثناء على المبايعين الصادقين، ووعدهم على صدقهم الأجر العظيم.
٥ - كشف المنافقين وفضحهم، وتوعد المعاندين إنزال العذاب الأليم بهم.
٦ - اللَّه تعالى ملك السماوات والأرض، يعذب من يشاء، ويغفر لمن يشاء.
٧ - فضح المنافقين في حرصهم على المغانم، ودعوتهم لاختبار الصدق القادم.
٨ - إعذار اللَّه الأعمى والأعرج، والمريض وذي الحرج، ووعده تعالى المخبتين جنات النعيم، والمكذبين عذاب الجحيم.
٩ - تثبيت اللَّه أهل البيعة تحت الشجرة، وتمهيد الفتح القريب لهم، ووعده تعالى المغانم الكثيرة تكون خاصة بهم.
١٠ - سنة اللَّه تعالى في إذلال الكافرين وإلقاء الرعب في قلوبهم.
стр. 4466
١١ - امتنانه تعالى على المؤمنين بصرف كيد المشركين عنهم، ورد كيدهم في نحورهم.
٢ - إثبات كفر طغاة مكة الذين صدوا المؤمنين عن المسجد الحرام، والتنبيه أن الجهاد لا يكون إلا عند تميز الصفوف، وذكر فضل اللَّه على المؤمنين في حمايتهم.
١٣ - تأكيد اللَّه تعالى لرسوله بالرؤيا دخول المسجد الحرام مع أصحابه، ووعده لرسوله الذي أرسله بالهدى والدين الحق الظهور التام على أعدائه.
١٤ - إثبات الرسالة للنبي ﵊، ونَعْتُ أصحابه الغرّ الكرام، وذكر صفتهم في التوراة والإنجيل والقرآن.
١٥ - وعده تعالى المؤمنين بالنصر والمغفرة، والظهور على الطغاة الجبابرة.
* * *
стр. 4467
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ٣. قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣)﴾.
في هذه الآيات: قضاءُ اللَّه تعالى بجعل بيعة الرضوان يوم الحديبية الفتح المبين. وامتنانه تعالى على رسوله بالمغفرة التامة والهداية إلى الصراط المستقيم. والنصر الأكيد والتأييد والتمكين.
فقوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾. قال قتادة: (قضينا لك قضاء مبينًا. قال: والفتح القضاء). وقال مجاهد فيها: (نحرُه بالحديبية وحَلْقُه). وقال جابر: (ما كنا نعد فتح مكة إلا يوم الحديبية).
وفي صحيح البخاري عن شعبة قال: [سمعت قتادةَ عَنْ أنسٍ ﵁: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ قال: الحديبية] (١).
وكذلك أخرج البخاري في صحيحه عن البراء قال: [تعدّون أنتم الفتح فتحَ مكة، وقد كان فَتْحُ مكة فَتْحًا، ونحن نَعُدُّ الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية] (٢).
يروي ابن جرير بإسناده عن الشعبي قال: (نزلت ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ بالحديبية، وأصاب في تلك الغزوة ما لم يصبه في غزوة، أصابَ أن بويعَ بيعة الرضوان، وغُفِرَ له ما تقدَّمَ من ذنبه وما تأخّر، وظهرت الروم على فارس، وبلغ الهَدْي محله، وأطعموا نخل خيبر، وفرح المؤمنون بتصديق النبي ﷺ ، وبظهور الروم على فارس).
وقوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾. خصوصيةٌ لرسول اللَّه ﷺ وتشريف كبيرٌ له، فهو أكمل البشر على الإطلاق، وسيدهم في الدنيا والآخرة، وأموره كلها منسجمة مع طاعة اللَّه وتعظيم دينه.
стр. 4468
وفي صحيح مسلم -في حديث الشفاعة- عن أبي هريرة مرفوعًا: [فيأتوني فيقولون: يا محمد! أنت رسول اللَّه وخاتم الأنبياء، غفر اللَّه لك ذنبك ما تقدم منه وما تأخر فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه] الحديث (١).
وفي صحيح سنن الترمذي عن أنس قال: [أنزلت على النبي ﷺ ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ مرجعه من الحديبية، فقال النبي ﷺ : "لقد نزَلَتْ عليَّ آيةٌ أحبُّ إليَّ مما على الأرض". ثم قرأها النبي ﷺ عليهم]- وقد مضى أصله بتمامه.
وقوله: ﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾. قال ابن جرير: (بإظهاره إياك على عدوك، ورفعه ذكرك في الدنيا، وغفرانه ذنوبك في الآخرة).
وقوله: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾. أي: ويرشدك طريقًا قويمًا لا اعوجاج به.
وقوله تعالى: ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾. قال النسفي: (قويًا منيعًا لا ذل بعده أبدًا). أي: وينصرك اللَّه -يا محمد- على من ناوأك وحاربك نصرًا أكيدًا يحمل العز والشوكة لك وللمؤمنين معك بعد الجهاد والصبر.
وفي صحيح مسلم وسنن الترمذي عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه ﷺ قال: [ما نقصَتْ صدقةٌ من مال، وما زاد اللَّه عبدًا بعفوٍ إلا عِزًا، وما تواضع أحدٌ للَّه إلا رفعه اللَّه] (٢).
وأخرج الخطيب في "التاريخ"، والديلمي بسند صحيح عن أنس مرفوعًا: [النَّصْرُ مع الصَّبر، والفرجُ مع الكرب، وإنَّ مع العُسْرِ يُسْرًا، وإن مع العُسْرِ يُسْرًا] (٣).
٤ - ٧. قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٤) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا
стр. 4469
عَظِيمًا (٥) وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦) وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (٧)﴾.
في هذه الآيات: امتنانُ اللَّه تعالى بإنزاله الطمأنينة على قلوب المؤمنين، وبوعدهم على صدقهم مبايعة النبي ﷺ جنات النعيم. والوعيد الشديد على المنافقين والمشركين وتأكيد صليهم الجحيم.
فقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال ابن عباس: (السكينة: الرحمة). وفي رواية عنه: (﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ أي: جعل الطمأنينة). وقال قتادة: (الوقار في قلوب المؤمنين). والمقصود: أصحاب النبي ﷺ الذين استجابوا للَّه ولرسوله وصدقوا ما عاهدوا عليه، وبايعوا يوم الحديبية منقادين لحكم اللَّه ورسوله.
وقوله: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾. دليل على زيادة الإيمان وأنه غير ثابت، وقد استدل بهذه الآية الإمام البخاري ﵀ على أن الإيمان يزيد وينقص، وروى في الباب عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى عديِّ بن عديِّ: (إن للإيمان فرائضَ وشرائعَ وحدودًا وسُننًا، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان، فإن أعش فسأبيّنها لكم حتى تعملوا بها، وإنْ أمُت فما أنا على صحبتكم بحريص) (١).
والمقصود: لما انقاد المؤمنون الأوائل لحكم اللَّه ورسوله أنزل في قلوبهم الطمأنينة ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾. قال الربيع بن أنس: (خشيةً مع خشيتهم). وقال الضحاك: (يقينًا مع يقينهم).
وقوله: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. أي: أنصار ينتقم بهم ممن يشاء من أعدائه. قال ابن عباس: (يريد الملائكة والجن والشياطين والإنس).
قال ابن كثير: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، أي: ولو أرسلَ عليهم مَلَكًا واحدًا لأباد خَضْراءهم، ولكنه تعالى شَرَعَ لعباده المؤمنين الجهادَ والقتالَ، لما له في ذلك
стр. 4470
من الحكمة البالغة والحجَّةِ القاطعة، والبراهين الدامغة، ولهذا قال جلت عظمته: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾).
وقوله: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾.
أخرج الإمام أحمد من حديث أنس -في نزول سورة الفتح مرجعه ﷺ من الحديبية وأصحابه يخالطون الحزن والكآبة- قال رسول اللَّه ﷺ : [لقد أنزلت عليَّ آيتان هما أحبّ إليّ من الدنيا جميعًا. قال: فلما تلاهما قال رجل: هنيئًا مريئًا يا رسول اللَّه قد بيّن لك ما يفعل بك فما يفعل بنا؟ فأنزل اللَّه الآية التي بعدها ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾] (١).
ورواه البخاري عن أنس أيضًا: [﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ قال: الحديبيةُ، قال أصحابه: هنيئًا مريئًا فما لنا؟ فأنزل اللَّه ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾] (٢).
وقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.
خلود في الجنان بعد تكفير الذنوب والسيئات، هو بحق أعظم الخيرات والمسرّات.
وقوله: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾.
قال القرطبي: (﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾ أي: بإيصال الهموم إليهم بسبب عُلُوّ كلمة المسلمين، وبأن يسلط النبيّ ﵇ قَتْلًا وأَسْرًا واسترقاقًا. ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ يعني ظنهم أن النبي ﷺ لا يرجع إلى المدينة، ولا أحد من أصحابه حين خرج إلى الحديبية، وأن المشركين يستأصلونهم. كما قال: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾ [الفتح: ١٢]).
وقوله: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾. أي: بالتعذيب في الدنيا بمختلف أنواع الوقائع، كالقتل والسبي والأسْر والإهانة والإذلال، وفي الآخرة بعذاب النار.
وقوله: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ﴾. أي: وسخط اللَّه عليهم فلا سبيل إلى سعادة
стр. 4471
قلوبهم، وطردهم من رحمته فلا سبيل إلى دخول جنته.
وقوله: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. أي: وجعل مصيرهم في الآخرة جحيمًا وسعيرًا، وقد ساءت جهنم مستقرًا ومقيلًا.
وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾.
قال النسفي: (﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فيدفع كيد من عادى نبيه ﵇ والمؤمنين بما شاء منها ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ غالبًا فلا يرد بأسه ﴿حَكِيمًا﴾ فيما دبّر).
٨ - ١٠. قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩) إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠)﴾.
في هذه الآيات: إرسالُ اللَّه تعالى نبيّه ﷺ بالبشارة للمؤمنين والنذارة للكافرين. وثناؤه تعالى على الصادقين المبايعين ووعدهم على ذلك الأجر العظيم.
فقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾. قال قتادة: (شاهدًا على أمته على أنه قد بلغهم، ومبشرًا بالجنة لمن أطاع اللَّه، ونذيرًا من النار).
وقوله: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. الخطابُ لرسول اللَّه ﷺ ولأمته.
وقوله: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾. فيه تأويلان ممكنان حسب عودة الضمائر:
التأويل الأول: الضمير -الهاء- يعود إلى اللَّه تعالى. فيكون المعنى: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾ أي تؤيدوا دينه وتقروه ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾ أي: تعظموه. وقيل: (أي تثبتوا له صحة الربوبية وتَنفوا عنه أن يكون له ولد أو شريك) - حكاه القشيري.
التأويل الثاني: الضمير -الهاء- يعود إلى الرسول ﷺ .
قال ابن عباس: ("ويعزّروه" يعني الإجلال، "ويوقّروه" يعني التعظيم)، وهي في قراءة أبي جعفر المدني وأبي عمرو بن العلاء بالياء: (ليؤمنوا، ويعزروه ويوقروه، ويسبحوه). وأما عامة القراء فقراءتهم بالتاء، وهو الأشهر.
وعن الضحاك: (﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ كل هذا تعظيم وإجلال).
стр. 4472
وعن قتادة: (﴿ويُعزروه﴾ ينصروه ﴿ويوقروه﴾ أمر اللَّه بتسويده وتفخيمه).
وعن عكرمة: (﴿ويعزروه﴾ قال: يقاتلون معه بالسيف). قال ابن جرير: (ومعنى التعزير في هذا الموضع: التقوية بالنصرة والمعونة ولا يكون ذلك إلا بالطاعة والتعظيم والإجلال. فأما التوقير: فهو التعظيم والإجلال والتفخيم).
قلت: التعزير ينصرف هنا إلى تعظيم هديه ﷺ ومتابعته بالنصر والجهاد، والتوقير ينصرف إلى حسن الأدب عند لقائه، وندائه بالرسالة والنبوة لا بالاسم والكُنية -واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: ﴿وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ الضمير راجع إلى اللَّه بلا خلاف. وفيه تأويلان متكاملان:
التأويل الأول: تسبيحه بالتنزيه له سبحانه من كل قبيح.
التأويل الثانى: هو فعل الصلاة التي فيها التسبيح. ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ أي: غُدْوة وعَشِيًّا. -حكاه القرطبي.
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾.
أي: إن الذين يبايعونك -يا محمد- بالحديبية، إنما هم ببيعتهم لك يبايعون اللَّه تعالى.
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره لنبيّه محمد ﷺ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ﴾ بالحديبية من أصحابك على أن لا يفرّوا عند لقاء العدو، ولا يولُوهم الأدبار ﴿إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ يقول: إنما يبايعون ببيعتهم إياك اللَّه، لأن اللَّه ضمن لهم الجنة بوفائهم له بذلك).
قال: (وفي قوله: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ وجهان من التأويل: أحدهما: يد اللَّه فوق أيديهم عند البيعة، لأنهم كانوا يبايعون اللَّه ببيعتهم نبيّه ﷺ ، والآخر: قوة اللَّه فوق قوتهم في نُصرة رسوله ﷺ ، لأنهم إنما بايعوا رسول اللَّه ﷺ على نُصرته على العدو).
وقال الحافظ ابن كثير: (قال لرسوله ﷺ تشريفًا له وتعظيمًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ كقوله جل وعلا: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]. ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: هو حاضر معهم يَسْمع أقوالهم ويرى مكانهم ويعلم ضمائرهم وظواهرهم، فهو تعالى هو المبايع بواسطة رسول اللَّه ﷺ ، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ
стр. 4473
اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١]).
قلت: والآية دليل على إثبات صفة اليد للَّه تعالى، بل له سبحانه يدان كلتاهما يمين. قال تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [ص: ٧٥]. وقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤].
وفي صحيح مسلم عن عبد اللَّه بن عمرو ﵁، عن النبي ﷺ قال: [إنَّ المقسطين عند اللَّه يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وَلُوا] (١).
وقوله: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾. أي: فمن نقض البيعة -يا محمد- فلم ينصرك وخالف ما وعد ربه فإنما يعود وبال نقضه عليه.
وقوله: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ -أي ثوابًا جزيلًا. قال قتادة: (وهي الجنة).
وقوله: ﴿عَلَيْهُ﴾ - قال أهل العربية: الياء هنا حاجز غير حصين، أي: تحفظ حركة اللام لتضم الهاء بعدها نحو قولنا: (كتابَهُ، قلمَهُ). فاعتبروا الياء غير موجودة، وهذا فيه تفخيم لفظ الجلالة، وأما ﴿عَلَيْهِ اللَّه﴾ فهو رقيق. فهي عملية إيقاعية ترتيلية تفيد التفخيم، وتدل على نسبة العهد إلى اللَّه العظيم كما تنسب أمرًا إلى صاحبه فتقول: (كتابهُ، مكتبهُ) الذي يدل على التوقير والتعظيم.
وهذه البيعة تسمى بيعة الرضوان، وكانت تحت شجرة سَمُرٍ بالحديبية، فإلى ذكر أخبار تلك البيعة من السيرة والسنة الصحيحة.
لقد خرج رسول اللَّه ﷺ يوم الاثنين غُرَّة ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة، واصطحب معه زوجته أم سلمة، وقصد بخروجه العمرة، وساق أمامه الهدي الكثير، الذي سيذبح في مكة ويطعم منه فقراؤها، وأخرج معه ألفًا وأربع مئة رجل، في تظاهرة عجيبة تفوح منها مشاعر التعظيم للبيت العتيق، وتُبْطِلُ خُطا رجالها دعاية قريش وإفكها ضد المسلمين بأنهم لا يقرون بحرمة الكعبة. وقد توقع النبي ﷺ تصدي قريش
стр. 4474
له أو محاولة قتاله، فخرج بأكبر عدد من المسلمين، وقد حملوا سلاحهم ليكونوا مستعدين لأسوأ الأحوال.
أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن المِسْور بن مَخْرمة ومروان بن الحكم قالا: [خرج رسول اللَّه ﷺ عامَ الحديبية يريد زيارة البيت لا يريد قتالًا، وساق معه الهدي سبعين بدنة] (١).
وأخرج الإمام البخاري في صحيحه عن البراء قال: [كنا مع النبي ﷺ أربعَ عشرَة مئة، والحديبية بئر. .] (٢).
وكذلك خرّج البخاري عن جابر قال: [قال لنا رسول اللَّه ﷺ يومَ الحديبية: أنتم خيرُ أهل الأرض، وكنا ألفًا وأربع مئة، ولو كنت أبصر اليوم لأريتكم مكان الشجرة] (٣).
والحديبية تبعد عن مكة اثنين وعشرين كيلًا، وسميت بها الغزوة لمنع قريش لهم دخول مكة فيها.
ولما وصل المسلمون إلى ذي الحُليفة صلوا فيها وأحرموا منها بالعمرة:
فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي الزبير: [أنه سمع جابرًا يُسْأَلُ: هل بايع النبي ﷺ بذي الحليفة؟ فقال: لا، ولكن صلى بها ولم يبايع عند شجرة إلا الشجرة التي بالحديبية] (٤).
وفي ذي الحليفة بعث رسول اللَّه ﷺ بسر بن سفيان الخزاعي الكعبي عينًا له إلى مكة.
أخرج ذلك الإمام البخاري عن المِسْور بن مخرمة ومروان بن الحكم يزيد أحدهما على صاحبه قالا: [خرج النبي ﷺ عامَ الحديبية في بِضْعَ عَشْرَةَ مئةٍ من أصحابه، فلما أتى ذا الحُليفة قَلَّدَ الهدي وأشْعَرَهُ وأحرم منها بِعُمرة، وبعث عينًا له من خزاعة] (٥).
стр. 4475
ثم مضى رسول اللَّه ﷺ يقود أصحابه حتى بلغ بهم عُسْفان على ثمانين كيلًا من مكة، فأتاه عينه الخزاعي بخبر قريش وجمعها المجموع لصدّه ومن معه عن دخول مكة، وأخبره بأن خالد بن الوليد قد خرج بخيل قريش إلى كراع الغميم التي تبعد أربعًا وستين كيلًا عن مكة لاستطلاع الموقف وليكونوا طليعة القتال والمباغتة.
فقد أخرج البخاري في صحيحه من حديث المسور السابق قال: [وسارَ النبي ﷺ حتى إذا كان بغدير الأشطاط أتاه عَيْنُهُ قال: إن قريشًا جمعوًا لك جموعًا وقد جمعوا لك الأحابيش وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت ومانعوك. فقال: أشيروا أيها النّاسُ عليَّ! أترون أن أميل إلى عيالهم وذراريِّ هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت فإن يأتونا كان اللَّه قد قطع عينًا من المشركين، وإلا تركناهم محروبين. قال أبو بكر: يا رسول اللَّه خرجت عامدًا لهذا البيت لا تُريد قَتْلَ أحد ولا حَرْبَ أحد فتوجّه له، فمن صدنا عنه قاتلناه. قال: امضوا على اسم اللَّه] (١).
ثم صلى رسول اللَّه ﷺ بأصحابه بعسفان صلاة الخوف وذلك عندما علم بقرب خيل خالد والمشركين، وهي أول صلاة خوف صلاها ﵊، فكان بدء تشريعها في عُسفان من أرض الحديبية. وقد باغت الوحي بهذا التشريع العظيم فرسان خالد ومن معه من المشركين، الذين وقفوا مشدوهين لصلاة يحمل الرجال فيها السلاح ويكونون فريقين: فريق في السجود وفريق يتابع الحراسة.
ثم تحرك رسول اللَّه ﷺ بسرعة فسلك طريقًا وعرة عبر ثنية المرار وهي مهبط الحديبية، وأخذ يشد عزائم أصحابه ليصعدوها مسرعين. وقد أراد النبي ﷺ بهذه الحركة المفاجئة أن يغير طريقه لئلا يصطدم مع خالد بن الوليد وخيالة المشركين.
أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن المسور بن مخرمة ومروان يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه، قالا: [خرج رسول اللَّه في زمنَ الحديبية، حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال النبي ﷺ : إن خالدَ بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة، فخذوا ذات اليمين، فواللَّه ما شعر بهم خالد، حتى إذا هُمْ بقترة الجيمض فانطلق يركض نذيرًا لقريش. . .] (٢).
فما إنْ شعر خالد بمباغتة النبي ﷺ وبحركة الالتفاف السريعة التي قام بها، إلا طار
стр. 4476
إلى مكة نذيرًا، لتخرج معه قريش وتعسكر في بَلْدَح وهو واد بمكة، ولتنزل على الماء الذي هناك، مسابقةً بذلك إليه جيش المسلمين. ولكن ما إن اقترب النبي ﷺ من الحديبية حتى بركت ناقته، حبسها حابس الفيل، فعدل ﷺ عن دخول مكة إلى أقصى الحديبية.
وفي هذه الأثناء كانت قريش تفور غليانًا، تخشى من نزول مَذَلَّةٍ جديدة بها، فهي وإن كان المسلمون قد جاؤوا مسالمين ما يريدون إلا زيارة البيت الحرام، إلا أنها كانت تخاف أن يتحدث العرب أن محمدًا دخل عليهم عنوة وهم ينظرون، ولذلك بدأت ترسل الوفود والمفاوضين.
وكان رسول اللَّه ﷺ قد بعث خرّاش بن أمية الخزاعي، ثم أراد بعث عمر بن الخطاب ولكنه عدل عنه إلى عثمان بن عفان -كما روى أحمد من حديث المسور-: [فدعا عمر ليبعثه إلى مكة، فقال: يا رسول اللَّه إني أخاف قريشًا على نفسي، وليس بها من بني عدي أحد يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها، ولكن أدلك على رجل هو أعز مني عثمان بن عفان. قال: فدعاه رسول اللَّه ﷺ فبعثه إلى قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب وإنه جاء زائرًا لهذا البيت معظمًا لحرمته، . . . فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش فبلغهم عن رسول اللَّه ﷺ ما أرسله به، فقالوا لعثمان: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف به، فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول اللَّه ﷺ . قال: فاحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول اللَّه ﷺ والمسلمين أن عثمان قد قتل] (١).
وهنا دعا رسول اللَّه ﷺ أصحابه إلى البيعة تحت الشجرة.
قال ابن إسحاق: (فحدثني عبد اللَّه بن أبي بكر: أن رسول اللَّه ﷺ ، قال حين بلغَه أن عثمان قد قُتِلَ: لا نبرح حتى نناجِزَ القوم، فدعا رسول اللَّه ﷺ الناس إلى البيعة. فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة).
فقام الأصحاب رضوان اللَّه عليهم يبايعون رسول اللَّه ﷺ على الثبات والصبر وألا يفروا عند القتال حتى يأذن اللَّه بنصر من عنده أو يموتوا دون ذلك.
فقد أخرج البخاري في صحيحه عن يزيد بن أبي عبيد قال: [قلت لسلمة بن
стр. 4477
الأكوع: على أي شيء بايعتم رسول اللَّه ﷺ الحديبية؟ قال: على الموت] (١). وفي رواية: (على الصبر).
وفي صحيح مسلم من حديث جابر ﵁ قال: [لم نبايع رسول اللَّه ﷺ على الموت، وإنما بايعناه على ألا نفرّ] (٢). وفي رواية، قال: [كنا يوم الحديبية ألفًا وأربعَ مئة، فبايعناه وعمر آخذ بيده تحت الشجرة، وهي سَمُرَةٌ، وقد بايعناه على أن لا نَفِرَّ ولم نبايعه على الموت].
وقد ضرب رسول اللَّه ﷺ لعثمان بيده إذ كان محبوسًا وقال: هذه يد عثمان، هذه لعثمان.
أخرج ذلك الإمام البخاري عن ابن عمر قال: [فبعث رسول اللَّه ﷺ عثمان وكانت بيعة الرضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكة. فقال رسول اللَّه ﷺ بيده اليمنى: هذه يد عثمان، فضرب بها على يده فقال: هذه لعثمان] (٣).
ولكن في هذه الأثناء رجع عثمان إلى المسلمين بعدما أنجزوا بيعة الرضوان، ورأت قريش إرسال بعض الرسل للتفاوض مع النبي ﷺ ، فأرسلت عروة بن مسعود الثقفي، ثم أرسلت الحليس بن علقمة الكناني سيد الأحابيش، ثم أرسلت مكرز بن حفص، ثم أرسلت سهيل بن عمرو الذي كتب الصلح.
فإلى ذكر كامل القصة كما روى الإمام البخاري وأحمد وأبو داود في السنن.
روى البخاري في كتاب الشروط من صحيحه عن مَعْمَر عن الزهري قال: أخبرني عروة بنُ الزبير، عن المِسْوَرِ بن مَخْرَمَةَ ومَرْوان بن الحكم، يُصَدّق كُلُّ واحد منهما حديث صاحِبِه، قالا: [خرجِ رسول اللَّه ﷺ زمنَ الحديبية في بضعَ عَشْرَةَ مئة من أصحابه، فلما أتى ذا الحُلَيفة قلَّدَ الهدي وأشعره، وأحرم منها بِعُمرة وبَعَثَ عينًا له من خُزاعة، وسارَ حتى إذا كان بغدير الأشطاط أتاه عينُه فقال: إنّ قريشًا جمعوا لك جموعًا، وقد جمعوا لك الأحابيشَ، وهم مقاتلوكَ وصادُّوك ومانعُوكَ. فقال: أشيروا أيّها الناسُ عليَّ، أَتَرونَ أن نَميل على عيالهم، وذراريّ هؤلاء الذين يريدون أن
стр. 4478
يصُدُّونا عن البيت؟ -وفي لفظ: أترون أن نميل على ذراريِّ هؤلاء الذين أعانوهم- فإن يأتونا كان اللَّه قد قَطعَ عُنُقًا من المشركين وإلا تركناهم محزونين. وفي لفظ: "فإن قعدوا قعدوا موتورين مجهودين محرُوبين، وإن نجوا يكن عُنُقًا قطَعها اللَّه، أم ترون أن نؤمَّ البيت فمن صَدّنا عنه قاتلناه". فقال أبو بكر: يا رسول اللَّه، خرجْتَ عامِدًا لهذا البيت لا نُرِيد قتل أحد ولا حَربًا، فتوجَّه له، فمن صدّنا عنه قاتلناه. فقال النبي ﷺ : "فروحوا إذن". وفي لفظ: "فامضوا على اسم اللَّه تعالى". حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال النبي ﷺ : "إنّ خالد بن الوليد في خيلٍ لقريش طليعة، فخذوا ذاتَ اليمين". فواللَّه ما شَعَر بهم خالد حتى إذا هم بقَتَرة الجيش، فانطلق يركضُ نذيرًا لقُريش، وسارَ النبي ﷺ حتى إذا كان بالثنيَّةِ التي يُهبَطُ عليهم منها بركت به راحلتُه، فقال الناس: حَلْ حَلْ، فألَحَّت، فقالوا: خَلأت القَصْواء، خَلأت القصواء. فقال النبي ﷺ : ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بِخُلُق، ولكن حَبَسها حابس الفيل. ثم قال: والذي نفسي بيده لا يسألوني خُطَّة يُعَظِّمونَ فيها حرمات اللَّه إلا أعطيتهم إياها. ثم زجرها فوثبت، فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء يتبرضه الناس تبرضًا، فلم يلبث الناس حتى نزحوه، وشكي إلى رسول اللَّه ﷺ العطش، فانتزع ﷺ من كنانته سهمًا ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فواللَّه ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه، فبينما هم كذلك إذ جاء بُدَيل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة، وكانوا عيبة نصح رسول اللَّه ﷺ من أهل تهامة فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعْدادَ مياهِ الحديبية ومعهم العوذُ المطافِيلُ وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت، فقال رسول اللَّه ﷺ : إنا لم نجِئْ لقتالِ أحد ولكِنّا جِئْنا مُعْتَمرين، وإنَّ قريشًا قد نَهَكَتْهُمُ الحربُ وأضَرَّت بهم فإن شاؤوا مادَدْتُهُم مُدَّةً ويُخَلُّوا بيني وبين الناس، فإن أظْهَرْ فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناسُ فعلوا وإلا فَقَدْ جَمُّوا، وإنْ هُم أُبوْا فوالذي نفسى بيده لأقاتلنّهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، ولَيُنْفِذَنَّ اللَّه أمرَهُ. فقال بُدَيْلٌ: سَأُبَلِّغُهم ما تقول. قال: فانطلق حتى أتى قريشًا، قال: إنَّا قدْ جِئْناكم مِن هذا الرجل وسمِعْناه يقول قَوْلًا، فإن شِئتم أن نَعْرِضَهُ عليكم فَعلْنا. فقال سفهاؤُهم: لا حاجةَ لنا أن تُخْبِرنا عنه بشيء، وقال ذو الرأي مِنهم: هاتِ ما سَمِعْتَه يقول، قال: سمِعْتُه يقولُ كذا وكذا، فحدَّثهم بما قال النبي ﷺ ، فقام عُرْوةُ بن مَسْعود فقال: أيْ قومِ، ألَسْتُم بالوالد؟ قالوا: بلى، قال: أو ألَسْتُ بالولد؟ قالوا: بلى، قال: فهل تَتَّهموني؟ قالوا: لا، قال: ألَسْتُمْ تعلمونَ أني استَنْفَرْتُ أهل عُكاظ
стр. 4479
فلما بَلَّحُوا عليَّ جِئتكم بأهلي وولدي ومَنْ أطاعني؟ قالوا: بلى، قال: فإنَّ هذا قد عَرَضَ لكم خُطّةَ رُشْدٍ، اقْبلوها ودعوني آتِه، قالوا: ائْتِه، فأتاه فَجَعَل يُكَلِّمُ النبي ﷺ فقال النبي ﷺ نحوًا مِنْ قَولهِ لِبُدَيل، فقال عُروةُ عند ذلك: أيْ محمد، أرأيتَ إن اسْتَأْصَلْتَ أمر قومِكَ، هلْ سمعتَ بأحَدٍ من العرب اجتاحَ أهلَهُ قبلكَ؟ وإن تكُن الأخرى، فإني واللَّه لأرى وجوهًا، وإني لأرى أشوابًا من الناس خلِيقًا أن يَفِرُّوا ويَدَعوك. فقال له أبو بكر ﵁: امْصُصْ بَظْرَ اللاتِ، أنَحْنُ نَفِرُّ عنه ونَدَعَهُ؟ فقال: مَنْ ذا؟ قالوا: أبو بكر، قال: أما والذي نفسي بيدِه لوْلا يَدٌ كانت لك عندي لمْ أَجْزِكَ بها لأجبتُّكَ، قال: وجَعَلَ يُكَلِّمُ النبي ﷺ فَكُلَّما تَكلَّمَ كَلِمَةً أخذَ بلحيَتِه والمغيرة بنُ شعبة قائمٌ على رأس النبي ﷺ ومَعَهُ السَّيْفُ وعليه المِغْفَر. فكلّما أهوى عروةُ بيده إلى لحيةِ النبي ﷺ ضرَبَ يده بِنَعْل السَّيف وقال له: أَخِّرْ يَدَكَ عَنْ لِحْيَةِ رسول اللَّه ﷺ ، فرفع عُرْوَةُ رأسَهُ فقال: مَنْ هذا؟ قال: المغيرة بن شُعْبَةَ، فقال: أيْ غُدَرُ، ألَسْتُ أسْعَى في غَدْرَتِكَ؟ وكان المغيرةُ صَحِبَ قَوْمًا في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم، فقال النبي ﷺ : أمَّا الإسلامَ فأقْبَلُ، وأما المالَ فلستُ منه في شيءٍ. ثم إنَّ عُرْوةَ جعلَ يَرْمُقُ أصحابَ النبي ﷺ بِعَيْنَيهِ قال: فواللَّه ما تَنَخَّمَ رسولُ اللَّه ﷺ نُخامَةً إلا وقعت في كفِّ رجُلٍ منهم فدلكَ بها وَجْهَهُ وجِلْدَه، وإذا أمَرَهُم ابْتَدَرُوا أمْرَهُ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضُوئه، وإذا تكَلّموا خَفَضُوا أصواتَهم عندُه، وما يُحِدُّونَ إليه النَّظَرَ تعظيمًا له. فرجَعَ عروةُ إلى أصحابِه فقال: أي قَوْمِ، واللَّه لقدْ وَفَدْتُ على الملوكِ وَوَفَدْتُ على قيصرَ وكِسْرى والنَّجاشي، واللَّه إنْ رأيتُ ملكًا قطُ يُعَظِّمُهُ أصحابُه ما يُعَظِّمُ أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ مُحَمَّدًا، واللَّه إنْ يتنَخَّم نُخامةً إلا وقعتْ في كفّ رجلٍ منهم فَدَلكَ بها وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وإذا أَمَرَهُمْ ابتدروا أمْرَهُ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تَكَلَّموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحِدُّون النَّظر إليه تعظيمًا له، وإنَّه قد عَرَضَ عليكم خُطَّة رُشْدٍ فاقبلوها، فقال رجل من بني كنانة: دعوني آتِه، فقالوا: ائْتِه، فلما أشرفَ على النبي ﷺ وأصحابه قال رسول اللَّه ﷺ : هذا فلانٌ وهوَ مِنْ قومٌ يُعَظِّمُونَ البُدْنَ فابعثوها له. فبعثَت لهُ، واستقبَلَهُ الناسُ يُلَبُّون، فلما رأى ذلك قال: سبحان اللَّه، ما ينبغي لهؤلاء أن يُصدوا عن البيت، فما رجَعَ إلى أصحابِه قال: رأيتُ البُدنَ قَدْ قُلِّدَتْ وأُشْعِرَت، فما أرى أن يُصَدُّوا عن البيت، فقام رجُلٌ منهم يقال له: مِكْرَزُ بنُ حَفْصٍ، فقال: دعوني آتِه، فقالوا: ائْتِه، فلما أشرفَ عليهم قال النبي ﷺ : هذا مِكْرَزٌ وهو رجلٌ فاجِرٌ، فجعل يكلِّم النبي ﷺ فبينما هو
стр. 4480
يُكلمه إذ جاء سهمل بن عمرو. قال مَعْمَرٌ: فأخبرني أيوب عن عكرمة: أنه لما جاء سهيل بن عمرو قال النبي ﷺ : قد سَهُلَ لكم من أمْرِكُم. فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات اكتُب بينَنا وبينكُم كتابًا، فدعا النبي ﷺ الكاتب فقال النبي ﷺ اكتب: "بسم اللَّه الرحمن الرحيم"، فقال سُهيلٌ: أما الرحمن فواللَّه ما أدري ما هِيَ، ولكن اكتب: باسمك اللهم، كما كنتَ تكتُبُ، فقال المسلمونَ: واللَّه لا نكتبها إلا بسم اللَّه الرحمن الرحيم، فقال النبي ﷺ : اكتب باسمك اللهم. ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمد رسول اللَّه، فقال سهيل: واللَّه لو كنّا نعلمُ أنك رسول اللَّه ما صَدَدْناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمدُ بنُ عبد اللَّه، فقال النبي ﷺ : واللَّه إني لرسولُ اللَّه وإن كذبتموني، اكتُب: محمدُ بنُ عبد اللَّه -قال الزهري: وذلك لقوله: "لا يسألونني خُطَّة يُعظمون فيها حُرُمات اللَّه إلا أعطيتهم إيّاها"- فقال له النبي ﷺ : على أن تُخَلُّوا بيننا وبين البيتِ فنطوفَ به. فقال سهيل: واللَّه لا تتحَدَّثُ العربُ أنّا أُخِذْنا ضُغْطَةً، ولكن ذلكَ من العام المقبل، فكتَبَ، فقال سُهَيْلٌ: وعلى أنه لا يأتيكَ مِنَّا رجلٌ -وإن كان على دينك- إلا رَدَدْتَهُ إلينا. قال المسلمون: سبحان اللَّه، كيف يردُّ إلى المشركين وقد جاءَ مُسْلِمًا؟ فبينما هم كذلكَ إذْ دَخَلَ أبو جَنْدَلِ بنُ سهيل بن عمرو يَرْسُفُ في قُيوده، وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين. فقال سهيل: هذا يا محمد أوَّلُ مَنْ أقاضِيكَ عليه أن ترُدَّهُ إليَّ، فقال النبي ﷺ : إنا لم نَقْضِ الكتابَ بَعْدُ. قال: فواللَّه إذن لَمْ أُصالِحْكَ على شيء أبدًا. قال النبي ﷺ : فَأَجِزْه لي، قال: ما أنا بِمجيزٍ ذلك لك. قال: بلى فافعل، قال: ما أنا بفاعلٍ، قال مِكْرَزٌ: بَلْ قَدْ أجَزْناهُ لك، قال أبو جندل: أي مَعْشَرَ المسلمين، أُرَدُّ إلى المشركين وقد جئتُ مُسْلِمًا؟ ألا ترونَ ما قَدْ لَقيتُ؟ وكان قد عُذِّبَ عذابًا شديدًا في اللَّه. قال عمر بن الخطاب: فأتيتُ نبيَّ اللَّه ﷺ فقلت: ألست نبيَّ اللَّهِ حقًا؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدوّنا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: فَلِمَ نُعطي الدَّنِيَّةَ في ديننا إذن؟ قال: إني رسول اللَّه ولسْتُ أعْصيه، وهو ناصري. قلتُ: أوليسَ كنت تَحدَّثتنَا أنّا سنأتي البيتَ فنطوفُ به؟ قال: بلى، فأخْبَرْتُكَ أنّا نأتِيه العامَ؟ قال: قلتُ: لا، قال: فإنَّكَ آتيه ومُطَوِّفٌ به. قال: فأتيتُ أبا بكر، فقلت: يا أبا بكر، أليس هذا نبيَّ اللَّه حَقًا؟ قال: بلى، قُلْتُ: أَلسْنا على الحق وعَدُوُّنا على الباطل؟ قال: بلى، قلتُ: فَلِمَ نُعطي الدنيَّةَ في ديننا إذن؟ ، قال: أيها الرجلُ، إنه رسول اللَّه ﷺ وليس يَعْصي ربَّهُ وهو ناصِرُهُ، فاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ فواللَّه إنَّهُ على الحق، قلت: أليسَ كان يُحَدِّثُنا أنا سنأتي البيتَ فنطوِّفُ به؟ قال: بَلى،
стр. 4481
أفَأَخْبَرَكَ أنَّكَ تأتيه العام؟ قلتُ: لا، قال: فإنَّكَ آتيه ومُطَوِّفٌ به.
قال الزُّهْري: قال عمر: فَعَمِلْتُ لذلك أعمالًا. قال: فلمّا فرغ من قَضِيَّةِ الكتاب قال رسول اللَّه ﷺ لأصحابه: قُوموا فانْحَروا ثم احْلِقوا. قال: فواللَّه ما قام منهم رجلٌ حتى قال ذلك ثلاثَ مَرّات، فلمّا لم يَقُمْ منهم أحَدٌ دَخَلَ على أُمِّ سَلَمَةَ فذكرَ لها ما لقِيَ من الناس فقالت أمّ سلمة: يا نبي اللَّه، أتحِبُّ ذلك؟ اخْرُجْ ثم لا تُكَلِّم أحَدًا منهم كَلِمةً، حتى تَنْحَرَ بُدْنَكَ، وتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ، فخرج فلم يُكَلِّم أحدًا منهم حتى فعل ذلك، نَحَرَ بُدْنَهُ، ودعا حالِقَهُ فَحَلَقَهُ، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجَعَل بعضهم يَحْلِقُ بَعْضًا حتى كادَ بَعْضُهم يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا. ثم جاءه نِسْوةٌ مؤمناتٌ، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] حتى بلغ: ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشِّرك، فتزوج إحداهُما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صفوان بن أمية. ثم رجع النبي ﷺ إلى المدينة. فجاءه أبو بصير رجل من قريش. . -] (١). وسيأتي تمام القصة عند تفسير الآية: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ إن شاء اللَّه.
١١ - ١٤. قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١١) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (١٢) وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا (١٣) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٤)﴾.
في هذه الآيات: فَضْحُ سلوك المنافقين وكَشْفُ كَذِبِ قلوبهم، وتَوَعُّد اللَّه من لا يؤمن به وبرسوله إنزال عذابه المؤلم بهم، فاللَّه تعالى هو الملك يغفر لمن يشاء
стр. 4482
ويعذب من يشاء وهو الغفور للمؤمنين الرحيم بهم.
فقوله: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾.
قال مجاهد: (أعراب المدينة جهينة ومزينة، استتبعهم لخروجه إلى مكة، قالوا: نذهب معه إلى قوم قد جاؤوه، فقتلوا أصحابه فنقاتِلهم! فاعتلوا بالشغل) - وهو حسن مرسل.
فلقد استنفر رسول اللَّه ﷺ أثناء خروجه الأعراب الضاربين حول المدينة كمزينة وجهينة ونحوهم من أهل البوادي للخروج معه، فاعتذروا إليه بهذه الطريقة الهزيلة التي سجَّلها القرآن في حقهم وعابها عليهم، إذ كان الدافع لذلك جبنًا وجدوه في صدورهم، لقد رأوا فيها عمرة محفوفة بالمخاطر.
لقد ظنوا أن الفرار أجدى، وأن الاعتذار إلى النبي ﷺ سهل، فيما لو قُدِّر وعاد منتصرًا، ففضحهم اللَّه وذمَّهم في قرآن يُتلى.
وقوله: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾.
قال ابن جرير: (يقول: قل لهؤلاء الأعراب الذين يسألونك أن تستغفر لهم لِتَخَلُّفِهِم عنك: إن أنا استغفرت لكم أيها القوم، ثم أراد اللَّه هلاككم أو هلاك أموالكم وأهليكم، أو أراد بكم نفعًا بتثميره أموالكم وإصلاحه لكم أهليكم، فمن ذا الذي يقدر على دفع ما أراد بكم من خير أو شر واللَّه لا يعازّه أحد، ولا يغالبه أحد).
والقراءة المشهورة ﴿ضَرًّا﴾ بالفتح، وهي خلاف النفع، وهي قراءة قراء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين، في حين قرأها بالضم ﴿ضَرًّا﴾ عامة قراء الكوفة، وهي بمعنى البؤس والسَّقم.
وقوله: ﴿بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ تهديد ووعيد، أي: فيجازيكم عليه.
وقوله: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾. قال قتادة: (ظنوا بنبي اللَّه ﷺ وأصحابه أنهم لن يرجعوا من وجههم ذلك، وأنه سيهلكون، فذلك الذي خلفهم عن نبي اللَّه ﷺ ).
قال القرطبي: (﴿وَزُيِّنَ ذَلِكَ﴾ أي النفاق. ﴿فِي قُلُوبِكُمْ﴾ وهذا التزيين من
стр. 4483
الشيطان، أو يخلق اللَّه ذلك في قلوبهم. ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ أن اللَّه لا ينصر رسوله).
وقوله: ﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾. قال مجاهد: (هالكين). وقال قتادة: (فاسدين لا يصلحون لشيء من الخير). قلت: والبور في لغة العرب: الرجل الفاسد الهالك الذي لا خير فيه. وقوم بور: هَلْكى - حكاه الرازي والجوهري.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا﴾.
قال ابن كثير: (أي: من لم يُخلِص العمل في الظاهر والباطن للَّه فإنَّ اللَّه تعالى سَيُعَذِّبُهُ في السعير، وإن أظهرَ للناس ما يعتقدون خِلاف ما هو عليه في نفس الأمر).
وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
أي: وللَّه سلطان السماوات والأرض فهو الحاكم الملك المتصرف في شؤون ما خَلَق، فلا أحد يقدر على دفع أمره -معشر المنافقين- إن أراد تعذيبكم أو العفو عنكم. فبادروا بالتوبة من تَخَلُّفِكُم عن رسول اللَّه ﷺ فإن اللَّه يغفر للتائبين وهو الغفور الرحيم.
١٥ - ١٧. قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥) قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦) لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا (١٧)﴾.
في هذه الآيات: فَضْحُ اللَّه تعالى المنافقين في هَمِّهم جمع الغنائم رغم التكذيب بالحق والرسول الكريم، وتوجيه اللَّه رسوله لدعوتهم لاختبار قادم يُكْشَفُ فيه أهل الصدق من الكاذبين. وإعذار اللَّه الأعمى والأعرج والمريض ووعده المخبتين للَّه
стр. 4484
ورسوله جنات النعيم، والمعرضين المكذبين عذاب الجحيم.
فقوله: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾.
أي: سيقول لك -يا محمد- المخلفون عن صحبتك إذا سرت معتمرًا، إذا انطلقت وأصحابك إلى ما أفاء اللَّه عليكم -مما وعد أهل الحديبية من غنائم خيبر- ﴿ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ﴾. قال ابن جرير: (إلى خيبر فنشهد معكم قتال أهلها. . . يريدون أن يغيروا وعد اللَّه الذي وعد أهل الحديبية). قال مجاهد: (تخلفوا عن الخروج إلى مكة، فلما خرج النبي ﷺ وأخذ قومًا ووجّه بهم قالوا ذَرُونا نتّبعكم فنقاتل معكم).
وقوله: ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾. أي: من قل الرجوع من الحديبية ومن قبل سؤالكم الخروج إلى مغانم خيبر.
قال قتادة: (أي إنما جعلت الغنيمة لأهل الجهاد، وإنما كانت غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية ليس لغيرهم فيها نصيب).
قال ابن كثير: (أمر اللَّه تعالى رسوله ﷺ ألا يأذن لهم في ذلك معاقبةً لهم من جنس ذنبهم، فإن اللَّه تعالى قد وعد أهل الحديبية بمغانم خيبر وحدهم لا يَشْرَكُهم غيرُهم من الأعراب المتخلفين، فلا يقع غيرُ ذلك شرعًا وقدرًا).
وقوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا﴾ قال ابن زيد: (أَنْ نُصيب معكم غنائم).
وقوله: ﴿بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. قال القرطبي: (يعني لا يعلمون إلا أمر الدنيا. وقيل: لا يفقهون من أمر الدين إلا قليلًا، وهو ترك القتال).
وقوله: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾.
اختلف المفسرون في المقصود من قرأ في هذه الآية على أقوال:
١ - قال ابن عباس: (﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ أهل فارس). وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: (فارس والروم). وعن كعب قال: (الروم). وعن مجاهد: (هم أهل الأوثان).
٢ - وقال عكرمة: (هوازن وثقيف). وقال قتادة: (هي هوازن وغطفان يوم حنين). وفي رواية قال: (فدُعوا يوم حنين إلى هوازن وثقيف، فمنهم من أحسن الإجابة ورغب في الجهاد).
стр. 4485
٣ - وعن الزهري، قال. (بنو حنيفة مع مسيلمة الكذاب). وفي رواية عنه قال: (لم يأت أولئك بعد).
٤ - وقال مجاهد: (هم رجال أولو بأس شديد، ولم يعيّن فرقة) -واختاره ابن جرير- وهو الأقرب واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾. قال ابن كثير: (يعني يُشرَعُ لكم جِهادهم وقتالُهم، فلا يزال ذلك مستمرًا عليهم، ولكم النصرة عليهم، أو يُسلمِون فيدخُلُون في دينكم بلا قتال بل باختيار).
وقوله: ﴿فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. أي: فإن تخبتوا لأمر اللَّه وتنفروا للجهاد وقتال أعداء هذا الدين فلكم الأجر الجزيل بِعِزِّ الدنيا وسعادةِ الآخرة، وإن تتخلفوا كما فعلتم يوم المسير إلى مكة -زمن الحديبية- فإن عذاب اللَّه نازل بكم.
وقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾.
قال قتادة: (عذر اللَّه أهل العذر من الناس). قال الضحاك: (يعني في القتال). وقال ابن زيد: (في الجهاد في سبيل اللَّه). أي. ليس على الأعمى ضيق ولا المريض ولا الأعرج في شهود الحرب للعلل بهم. قال المهايميّ: (﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾: وإن أمكنه القتال بإحساس صوت مشي العدوّ، ومشي فرسه، لكن يصعب عليه حفظ نفسه عنه. ﴿وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ﴾ أي: وإن أمكنه القتال قاعدًا، لكن لا يمكنه الكرّ والفرّ، ولا يقوى قوة القائم. ﴿وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ أي: فإنه وإن أمكنه الإبصار والقيام، فلا قوة له في دفع العدوّ، فضلًا عن الغلبة عليه).
وقوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
قال القاسمي: (أشار تعالى إلى أن هؤلاء، وإن فاتهم الجهاد لا ينقص ثوابهم إذا أطاعوا اللَّه ورسوله). يعني: الأعمى والأعرج والمريض.
وعموم الآية يفيد أن من يطع اللَّه ورسوله فيجيب إلى حرب أعداء اللَّه يدخله جنات النعيم، ومن يتخلف يعذبه بالخزي والمذلّة في الدنيا، ثم في الآخرة في عذاب الجحيم.