← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وقوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾. يعني: بالرفق والإحسان. قال الحسن: (أن يوصي لأقربيه وصيّة لا تجحف بورثته، من غير إسراف ولا تقتير). وفي صحيح البخاري عن سعد بن أبي وقاص قال: [مَرِضت بمكة مرضًا فأشفيت منه على الموت فأتاني النبي ﷺ يعودني، فقلت: يا رسولَ الله، إن لي مالا كثيرًا وليس يرثني إلا ابنتي، أفأتصدَّق بثلثي مالي؟ قال: لا، قلت: فالشطر؟ قال: لا، قلت: الثلث؟ قال: الثلث كبير، إنك إن تركْتَ ولدكَ أغنياءَ خيرٌ من أن تَتْرُكَهُم عالة يتكففون الناس .... ] (١). وقوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾. يعني: حقًّا واجبًا على من اتقى الله فأطاعه أن يعمل به. وقوله: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾. قال قتادة: (من بدّل الوصية بعدما سمعها، فإثم ما بدَّل عليه). وقال ابن عباس: (وقد وقع أجر الموصي على الله وبرئ من إثمه، وإن كان أوصى في ضرار لم تجز وصيته، كما قال الله: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء: ١٢]. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. يعني: قد اطلع على ما أوصى به الميت، وعلم ما أراده المبدل وما أخفاه في صدره من الجور والحيف. وقوله: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. فيه أقوال متقاربة: ١ - قال مجاهد: (هذا حين يُحْضَرُ الرجل وهو في الموت، فإذا أشرف على الجور أمروه بالعدل، وإذا قصر عن حق قالوا: افعل كذا، أعطِ فلانًا كذا). ٢ - قال ابن عباس: (يقول: إذا أخطأ الميت في وصيته أو حاف فيها، فليس على

стр. 492

الأولياء حرجٌ أن يردوا خطأه إلى الصواب). وكان قتادة يقول: (من أوصى بجورٍ أو حيْف في وصيته فردها وَليّ المتوفى أو إمام من أئمة المسلمين، إلى كتاب الله وإلى العدل، فذاك له). ٣ - قال ابن جريجٍ: (قلت لعطاء قوله: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾، قال: الرجل يحيف أو يأثم عند موته، فيعطي ورثته بعضَهم دون بعض، يقول الله: فلا إثم على المصلح بينهم). ٤ - عن ابن طاووس، عن أبيه قال: (هو الرجل يوصي لولد ابنته). والمقصود ليزيد ابنته من الإرث. والجنف، كما قال ابن عباس والضحاك: الخطأ، والإثم: العمد. وفي الأثر الموقوف عن ابن عباس: (الجنف في الوصية من الكبائر) (١). وقوله: ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾. أي: أعاد الأمر إلى العدل في الوصية على الوجه الشرعي، وهذا ليس من التبديل في شيء، لذلك قال: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قد يغفر للموصي ما حدثته نفسه من الجنف والإثم، رحيم بالمصلح بما قام فيه من عمل لإعادة الأمر إلى حدوده الشرعية. ١٨٣. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾. في هذه الآية: يوجه الله سبحانه الخطاب إلى المؤمنين - الذين آمنوا بالله ورسوله وصدقوا وامتثلوا - إلى فريضة الصيام، التي كتبها الله على من قبلهم من الأنام، لينالوا بذلك تقوى الله . وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾. أي: فرض عليكم صيام شهر رمضان كل عام.

стр. 493

والصوم في لغة العرب: الإمساك. قال الخليل: (الصوم قيام بلا عمل). والعرب تقول: صام الفرس، إذا قام على غير اعتلاف. وصام النهار، إذا قام قائم الظهيرة واعتدل. والصوم أيضًا ركود الرياح. قال أبو عبيدة: (كل ممسك عن طعام أو كلام أو سَيْر فهو صائم). وفي التنزيل: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾. قال ابن عباس: (صمتًا). وأما الصوم في الاصطلاح الشرعي: فهو الإمساك عن الطعام والشراب والوقاع والمفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس مع النية. ويدخل في ذلك اجتناب الغيبة والفحش والكذب وغير ذلك من سيِّيء الأخلاق. فقد روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : [من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجةٌ في أن يدع طعامَهُ وشرابَهُ] (١). وروى ابن خزيمة بسند حسن عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [لا تسابَّ وأنت صائم، فإن سابك أحد فقل: إني صائم، وإن كنت قائمًا فاجلس] (٢). وكذلك في صحيح ابن خزيمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [ربّ صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، وربّ قائم حظه من قيامه السهر] (٣). وقوله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. فيه أقوال متقاربة: ١ - قال مجاهد: (كتب الله صومَ شهر رمضان على كل أمة). ٢ - قال السدي: (أما الذين من قبلنا: فالنصارى، كتب عليهم رمضان، وكتب عليهم أن لا يأكلوا ولا يشربوا بعد النوم، ولا ينكحوا النساء شهر رمضان). وقال الربيع: (كتب عليهم الصوم من العتمة إلى العتمة).

стр. 494

٣ - قال مجاهد: (أهل الكتاب). يعني هم المقصود بالذين من قبلكم. ٤ - قال قتادة: (كتب شهرُ رمضان على الناس، كما كُتب على الذين من قبلهم. قال: وقد كتب الله على الناس قبل أن ينزل رمضانُ صَوْمَ ثلاثة أيام من كل شهر). ٥ - وروي عن معاذ وابن مسعود: (أن الصيام كان أولًا كما كان عليه الأمم قبلنا من كل شهرٍ ثلاثةُ أيام). قال الضحاك: (لم يزل هذا مشروعًا من زمان نوح إلى أن نسخ الله ذلك بصيام شهر رمضان). وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. ترجّ في حقهم. وفيه عندي أربعة تفاسير: الأول: لعلكم تضعفون. فكلما قل الأكل ضعفت الشهوة وقلت المعصية. ففي صحيح مسلم من حديث ابن مسعود: [يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء] (١). الثاني: لتتقوا المعاصي والوقوع بها أثناء صومكم، فيَستفيد المتقون من ذلك دائمًا. الثالث: قيل بل المعنى: لتتقوا أكل الطعام وشرب الشراب وجماع النساء فيه. قال ابن جرير: يقول: (فرضت عليكم الصوم والكف عما تكونون بترك الكف عنه مفطرين، لتتقوا ما يُفطركم في وقت صومكم). ثم ذكر قول السدي: (يقول: فتتقون من الطعام والشراب والنساء مثل ما اتقوا - يعني: مثل الذي اتقى النصارى من قبلكم). الرابع: قيل بل هي على العموم، فإن التقوى لا حدود لها، ولا لآفاقها. روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [قال الله : كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جُنَّة، فإذا كان يومُ صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب ولا يجهل، فإن شاتمه أحد أو قاتله فليقل إني صائم، مرتين. والذي نفس محمد بيده، لخُلوف فم الصائم أطيب عند الله

стр. 495

يوم القيامة من ريح المسك، وللصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه] (١). وكلها تفاسير يحتملها البيان الإلهي، وإن كان التفسير الرابع أشملها. ١٨٤. قوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)﴾. في هذه الآية: الصيام أيام معدودات، فمن منعه المرض أو السفر فعدة من أيام أخر، ومن أطاقه بمشقة هرم أو عجز أو شيخوخة ففدية طعام مسكين، ولهم ترك الصيام ولا قضاء عليهم، فمن زاد في الإطعام فهو خير، كما أن الصيام خير من الإفطار والفدية التي كانت أول الإسلام. وقوله: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾. يعني: أيام شهر رمضان. قال ابن جرير: (وأما "المعدودات"، فهي التي تعدّ مبالغها وساعاتُ أوقاتها. ويعني بقوله: ﴿مَعْدُودَاتٍ﴾، محصيات). وقوله: ﴿أَيَّامًا﴾، قيل: مفعول به ثان لـ: ﴿كُتِبَ﴾، قاله الفراء، وقيل: بل نُصب على الظرف، والتقدير: كتب عليكم الصيام في أيام. وقيل: بل نصب بفعل محذوف، والتقدير: كتب عليكم أن تصوموا أيامًا. وقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾. أما قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾، أي: يستطيعونه بمشقة. فقد كان المريض والمسافر لا يصومان للمشقة بل يفطران ويقضيان. وأما الصحيح الذي يطيق الصيام

стр. 496

فكان مخيَّرًا بين الصيام والإطعام، وذلك في بداية الإسلام. ورجح الله سبحانه أن الصيام أفضل الاختيارين بقو له: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾. قال مجاهد: (من الإفطار والفدية). ويبدو أن حكم الفدية لمستطيع الصوم قد نستن بالقرآن، بقوله تعالى في الآية بعدها: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. وبقيت الآية الأولى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ دون نسخ في حق من لا يستطيع الصوم. وقد عرف ذلك ابن عباس من السنة لا من القرآن. فقد أخرج البخاري في صحيحه عن عطاء: أنَّه سمع ابن عباس ﵄ يقرأ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال: [ليست بمنسوخة، هي للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكينًا] (١). وفي رواية عزرة، فصّل ابن عباس بقوله: [أن الآية نزلت في الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة وهما يطيقان (٢) - أي يستطيعان - الصوم ثم نسخت. قال: وثبت للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة إذا كانا لا يطيقان الصوم، والحبلى والمرضع إذا خافتا أفطرتا وأطعمتا كل يوم مسكينًا]. إذن، يبدو في التحقيق الحديثي أن الآية تعرضت لنسخ جزئي، فمن استطاع الصيام صغيرًا كان أو كبيرًا، شيخًا أو عجوزًا، ذكرًا أو أثنى، وجب عليه الصيام ولا رخصة، وأما من عجز عنه فله الفدية. ويؤيد هذا ما أخرج الستة إلا ابن ماجة عن سلمة بن الأكوع قال: [لما نزلت: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كان من أراد أن يُفطرَ ويفتدي فعل حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها] (٣). قلت: وهذه خلاصة مفيدة جدًّا في فهم هذه الآية وعلاقتها بما بعدها، فإن صفحات كثيرة جدًّا قد ضمتها كتب الفقه والتفسير لا تكاد تصل معها إلى مخرج وفهم يريح من عناء الاختلاف، فلله الحمد والمنة.

стр. 497

وقوله: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾. فيه أقوال متقاربة: ١ - الواجب من طعام المسكين لإفطار اليوم الواحد نصف صاع من قمح. ذكره الدارقطني عن ابن عباس. ٢ - الواجب لذلك مدّ قمح أو غيره من سائر الأقوات. ٣ - كان ذلك نصف صاع من قمح، أو صاعًا من تمر أو زبيب. قال أبو حنيفة: (كفارة كل يوم صاع تمر أو نصف صاع برّ). ذكره القرطبي. وروى الشافعي عن نافع: أنَّ ابن عمر سئل عن المرأة الحامل إذا خافت على ولدها؟ قال: [تُفطر وتطعم مكان كل يوم مسكينًا مدًّا من حنطة]. قلت: الراجح أنه يكفي مدّ قمح، والمدّ ربع صاع، وهو ما تحمله كفيّ الرجل المعتدل الخلقة، وبه قال مالك والشافعي. قال مالك: (مدُّ بمدّ النبي ﷺ عن كل يوم أفطره). ورُوي عن أبي هريرة قال: (من أدركه الكبر فلم يستطع أن يصوم فعليه لكل يوم مُدٌّ من قمح). وروي عن أنس بن مالك: (أنه ضَعُفَ عن الصوم عامًا فصنع جَفْنَةً من طعام ثم دعا بثلاثين مسكينًا فأشبعهم) ذكره والأثر الذي قبله القرطبي. والجفنة: كالقصعة، وعاء يوضع فيه الطعام. وأما التمر والزبيب فعادة يضاعف ذلك باستقراء النصوص المختلفة في الأحوال الأخرى، فيكفي نصف صاع، والله أعلم. وقوله: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾. فيه أقوال متقاربة: ١ - عن ابن عباس: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾، فزاد طعامَ مسكين آخر، ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾). ٢ - عن مجاهد: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾، قال: من أطعم المسكين صاعًا). ٣ - قال السدي: (فإن أطعم مسكينين فهو خير له). ٤ - عن ابن طاووس، عن أبيه، قال: (إطعامُ مساكين عن كل يوم، فهو خير له). ٥ - قال ابن شهاب: (يريد أن من صام مع الفدية فهو خير له). قلت: وكلها تفاسير يحتملها البيان الإلهي المعجز في كلامه ومفهومه.

стр. 498

وقوله: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. يعني: الصيام خير من الإفطار والفدية التي كانت في أولى الإسلام. قال السدي: (ومن تكلف الصيام فصامه فهو خيرٌ له). وقال ابن شهاب: (أي: إن الصيام خير لكم من الفدية). وبنحوه قال مجاهد. ١٨٥. قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾. في هذه الآية: شهر رمضان شهر نزول القرآن كتاب الله العظيم، فيه الهدي والتشريع الكريم، فمن أدرك الشهر فليصمه ومن عذره السفر أو المرض فعدة من أيام أخر، وما جعل الله عليكم من حرج، فأكملوا العدة واشكروا الله العظيم. قال ابن عباس: (أنزل القرآن في النصف من شهر رمضان إلى سماء الدنيا، فجعل في بيت العزّة، ثم أنزل على رسول الله ﷺ في عشرين سنة لجواب كلام الناس). وفي رواية عكرمة، عن ابن عباس، قال: (نَزَل القرآن في شهر رمضان في ليلة القدر، إلى هذه السماء الدنيا جملة واحدة، وكان الله يحدث لنبيّه ما يشاء، ولا يجيء المشركون بمثل يخاصمون به إلا جاءهم الله بجوابه، وذلك قوله: ﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢) وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٢، ٣٣]. وفي التنزيل: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]: . ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾ [الدخان: ٣]. قلت: والذي قاله ابن عباس ليس بالمرفوع إلى النبي ﷺ ، فيبقى مفهوم النزول للقرآن في ليلة القدر في علم الله، فهو تعالى أعلم. وقوله: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾. يعني: رشادًا للناس إلى سبيل الحق ومنهج النجاة.

стр. 499

وقوله: ﴿وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾. قال السدي: (فبينات من الحلال والحرام). والفرقان: الفصل بين الحق والباطل، والبينات: الواضحات. والهدى: حدود الله وفرائضه وحلاله وحرامه وتفاصيل شرعه الحكيم. وقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. فيه أقوال: ١ - عن ابن عباس: (هو إهلاله بالدار. يريد: إذا هلَّ وهو مقيم). وقال: (فإذا شهده وهو مقيم فعليه الصوم، أقام أو سافر. وإن شهده وهو في سفر، فإن شاء صام وإن شاء أفطر). ٢ - قال أبو حنيفة وأصحابه: (من دخل عليه شهر رمضان وهو صحيح عاقل بالغ فعليه صومه). ٣ - عن عبيدة، قال: (من شهد أول رمضان فليصم آخره). ٤ - عن إبراهيم: (إذا أدركك رمضان فلا تسافر فيه، فإن صمت فيه يومًا أو اثنين ثم سافرت، فلا تفطر، صمه). قلت: لا دليل على استحباب الإقامة في رمضان، فله أن يسافر بتجارة أو سياحة أو أمر يحتاجه، ومن ثمّ فإن الرخصة قائمة في حق المسافر للإفطار. ويبقى معنى الآية: من شهد إثبات رمضان وهو صحيح مقيم وجب عليه الصوم، وقد مضى القول أن هذه الآية نسخت الإباحة المتقدمة في الإفطار والفدية لمستطيع الصوم. وقوله: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. قال الحسن: (إذا لم يستطع المريضُ أن يصلي قائمًا أفطر. قال: إذا جهده الصوم). وذهب الشافعي إلى أن ذلك كل مرض كان الأغلب من أمر صاحبه بالصوم الزيادة في علته زيادة غير محتملة. قلت: فإن صام المريض صح صومه، ولكن يكره إذا كان يشق عليه ويزيد من مرضه، كما يكره هنا إعراضه عن الرخصة، وقد ثبت في الحديث: [إن الله تعالى يحبّ أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه]. وفي رواية: [كما يكره أن تؤتى

стр. 500

معصيته] (١). وكذلك المسافر يصح صومه، لكن يكره عند المشقة والتعرض للتهلكة. ورأى أبو حنيفة ومالك والشافعي أن الصيام أفضل لمن قوي عليه، ولكن لا دليل على هذا التفضيل بل تبقى رخصة يقدرها صاحبها. فإلى ذكر بعض أدلة ذلك: الدليل الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: [غَزَوْنا مع رسول الله ﷺ لِسِت عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ رمضان، فَمِنّا من صام ومنا من أفطر، فلم يعب الصائمُ على المفطر، ولا المفطر على الصائم] (٢). وفي رواية: [كنا نغزو مع رسول الله ﷺ في رمضان، فمنا الصائم ومنا المفطر، فلا يجد الصائم على المفطر، ولا المفطر. على الصائم، يرون أن مَنْ وجد قوةً فصام، فإن ذلك حسن، ويَرون أن من وجد ضعفًا فأفطر، فإن ذلك حسن]. الدليل الثاني: روى مسلم في صحيحه عن عائشة ﵂ أنَّها قالت: [سأل حمزةُ بن عمرٍو الأسلَمِيُّ رسولَ الله ﷺ : عن الصيام في السفر؟ فقال: إنْ شئْتَ فَصُمْ، وإن شِئْتَ فأفْطِر] (٣). وفي رواية: [هي رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه]. الدليل الثالث: روى مسلم عن أبي الدرداء ﵁ قال: [خرجنا مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان، في حرٍّ شديد، حتى إن كان أحدُنا ليضَعُ يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائمٌ، إلا رسولُ الله ﷺ وعبد الله بنُ رواحة] (٤). وأما إن كانت مصلحة الجماعة أو الجيش في الإفطار فيجب ذلك في السفر للإجهاز بقوة على العدو وحماية مستقبل بلاد المسلمين ودينهم. ففي صحيح مسلم عن أبي سعيد قال: [سافرنا مع رسول الله ﷺ إلى مكة ونحن صيام، قال: فنزلنا مَنْزِلًا، فقال رسول الله ﷺ : إنكم دنوتم من عدوكم، والفِطر

стр. 501

أقوى لكم، فكانت رُخْصَةً، فمنّا من صام ومنا من أفطر، ثم نزلنا منزلًا آخر، فقال: إنكم مُصَبِّحو عَدُوِّكم، والفِطْرُ أقوى لكم، فأفطروا. وكانت عَزْمَةً، فأفطرنا، ثم قال: لقد رأيْتُنَا نصوم مع رسول الله ﷺ بعد ذلك، في السفر] (١). وفي غير ظروف الجهاد والغزو، فإن للمفطر في السفر الأجر الأكبر إذا تولى العمل وخدمة أصحابه ومن خرج معه صائمًا. ففي صحيح مسلم عن أنس قال: [كنا مع النبي ﷺ في السَّفر، فمنّا الصائم ومنا المفطر، قال: فنزلنا مَنْزِلًا في يوم حار، أكثَرُنا ظِلًا صاحبُ الكِساء، ومنا من يتقي الشمس بيده، قال: فسقط الصُّوَّامُ، وقام المفطرون، فضَربوا الأبنية وسَقَوا الرِّكاب، فقال رسول الله ﷺ : ذهب المفطرون اليوم بالأجر] (٢). وقوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. لا يجب فيها التتابع، وهو قول الجمهور. ويشهد له قوله تعالى بعده: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾. قال ابن عباس: (اليسر الإفطار في السفر، والعسر الصيام في السفر). وقال مجاهد: (هو الإفطار في السفر، وجعل عدةً من أيام أخر). وعن أبي حمزة قال: سألت ابن عباس عن الصوم في السفر؟ فقال: يسرٌ وعُسرٌ. فخذ بيسر الله). وقال قتادة: (فأريدوا لأنفسكم الذي أراد الله لكم). وفي الصحيحين والمسند عن أنس عن مالك، عن رسول الله ﷺ قال: [يسِّروا ولا تُعَسِّروا، وسَكِّنُوا ولا تُنَفِّروا] (٣). وفي الصحيحين أيضًا أن رسول الله ﷺ قال لمعاذ وأبي موسى حين بعثهما إلى اليمن: [بَشِّرا ولا تُنَفِّرَا، ويسّرا ولا تعسّرا، وتطاوعا ولا تختلفا] (٤).

стр. 502

وفي المسند من حديث أبي قتادة، عن الأعرابي الذي سمع النبي ﷺ يقول: [إن خير دينكم أيسره، إن خير دينكم أيسرُهُ] (١). وقوله: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾. قال الضحاك: (عدة ما أفطر المريض والمسافر). وقوله: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾. قال سفيان: (بلغنا أنه التكبير يوم الفطر). وقال ابن زيد: (ينبغي لهم إذا غدوا إلى المصلّى كبروا، فإذا جلسوا كبروا، فإذا جاء الإمام صمتوا، فإذا كبر الإمام كبروا، ولا يكبرون إذا جاء الإمام إلا بتكبيره، حتى إذا فرغ وانقضت الصلاة فقد انقضى العيد). فالتكبير هنا فيه تعظيم الله بما أنعم سبحانه من الهداية إلى أجمل الشرع وأكمله، وبما كتب فيه من صوم شهر رمضان وأعان عليه، فله الثناء والتعظيم وحده لا شريك له، وله الحمد والشكر والمنة، وهو مفهوم قوله تعالى في ختام الآية: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، فاشكروه وأفردوه بكمال الحمد فهو البر الشكور. ١٨٦. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾. في هذه الآية: تنبيه الله العباد لقربه منهم، فإنه يجيب دعوة داعيهم، فليستجيبوا لأمره لعلهم يفلحون. أخرج الإمام أحمد والشيخان واللفظ لأحمد، عن أبي موسى الأشعري قال: [كنّا مع رسول الله ﷺ في غزاة، فجعلنا لا نصعد شرفًا، ولا نعلو شرفًا، ولا نهبط واديًا، إلا رفعنا أصواتنا بالتكبير. قال: فدنا منا، فقال: يا أيها الناس، اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إنما تدعون سميعًا بصيرًا، إن الذي تدعون

стр. 503

أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته. يا عبد الله بن قيس! ألا أعلمك كلمة من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله] (١). قيل: نزلت الآية في قوم سألوا رسول الله ﷺ أين ربنا؟ أو في قوم سألوه أي ساعة يدعون الله فيها. فأخبرهم الله سبحانه أنه قريب من عباده وهو معهم إذا دعوه. وفي المسند عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: [يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا دعاني] (٢). والمراد أنه تعالى لا يخيب دعاء داع، ولا يشغله عنه شيء، بل هو سميع الدعاء، حيي كريم يستحي من عبده أن يرده خائبًا وقد رفع إليه يديه. أخرج أبو داود والترمذي وأحمد عن سلمان الفارسي، عن النبي ﷺ قال: [إن الله تعالى ليستحي أن يبسط العبد إليه يديه يسأله فيهما خيرًا فيردهما خائبتين] (٣). وفي رواية: [إن الله تعالى حييٌّ كريم، يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صِفرًا خائبتين]. وفي مسند الإمام أحمد بسند حسن عن أبي سعيد: أن النبي ﷺ قال: [ما مِنْ مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يُعَجِّلَ له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها. قالوا: إذن نكثر؟ قال: الله أكثر] (٤). وفي الصحيحين عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: [يستجاب لأحدكم ما لم يَعْجَل، يقول: دعوتُ فلم يُستجب لي] (٥). قال السدي: (ليس من عبد مؤمن يدعو الله إلا استجاب له، فإن كان الذي يدعو به

стр. 504

هو له رزق في الدنيا أعطاه الله، وإن لم يكن له رزقًا في الدنيا ذَخره له إلى يوم القيامة، ودفع عنه به مكروهًا). وقوله: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾. يعني: بالطاعة. قال مجاهد: (فليطيعوا لي. قال. الاستجابة: الطاعة). وذهب أبو رجاء الخراساني: (﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾، قال: فليدعوني. ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾، قال: أني أستجيب لهم). قال ابن جرير: (وأما قوله: ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾. فإنه يعني: وليصدِّقوا. أي: وليؤمنوا بي، إذا هم استجابوا لي بالطاعة، أني لهم من وراء طاعتهم لي في الثواب عليها، وإجزالي الكرامةَ لهم عليها). وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾. قال الربيع: (لعلهم يهتدون). قال الحافظ ابن كثير: (وفي ذكره تعالى هذه الآية الباعثة على الدعاء، متخللة بين أحكام الصيام، إرشاد إلى الاجتهاد في الدعاء عند إكمال العدة، بل وعند كل فطر). ثم ذكَر حديثًا رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن غير أبي داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [ثلاثة لا تُرد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم يرفعها الله دون الغمام يوم القيامة، وتفتح لها أبواب السماء، ويقول: بعزتي لأنصرنك ولو بعد حين] (١). ١٨٧. قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ

стр. 505

عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)﴾. في هذه الآية: إباحة النساء ليلة الصيام، والأكل والشرب حتى الفجر ثم الإمساك إلى الغروب، وتعظيم حرمات الله في المساجد. والرفث هنا: الجماع، وكان في بدء الإسلام إذا أفطر الصائم حلّ له الأكل والشرب والجماع إلى صلاة العشاء، فمتى نام أو صلى العشاء حَرُم عليه الطعام والشراب والجماع إلى الليلة القابلة، فنزلت هذه الآية تخفيفًا من الله ودفعًا للمشقة. أخرج البخاري في صحيحه عن البراء ﵁ قال: [كان أصحاب محمد ﷺ إذا كان الرجل صائمًا فَحَضَرَ الإفطارُ فنام قبل أن يفطرَ لم يأكل ليلته ولا يَوْمَهُ حتى يُمسيَ، وإنَّ قَيْسَ بن صِرْمَةَ الأنصاريَّ كان صائمًا، فلما حضَرَ الإفطار أتى امرأتَه فقال لها: أعندك طعامٌ؟ قالت: لا، ولكنْ أنْطلقُ فاطلُبُ لكَ -وكان يَوْمَهُ يَعْمَلُ فغلبته عَيْناه- فجاءتْه امرأتُه فلما رأته قالت: خَيْبَةً لك، فلما انتصف النّهار غُشيَ عليه فَذُكر ذلك للنبي ﷺ فنزلت هذه الآية: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ ففرحوا بها فرحًا شديدًا، ونزلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ (١). وقوله: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾. قال ابن عباس ومجاهد: (يعني هنَّ سَكَنٌ لكم، وأنتم سكنٌ لهن). وقال الربيع بن أنس: (هن لحافٌ لكم، وأنتم لحاف لهن). وقوله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾. فيه سبب صحيح للنزول: فقد أخرج البخاري في صحيحه عن البراء ﵁ قال: [لما نزل صومُ رمضانَ كانوا لا يقربون النساء رمضان كُلَّه، وكان رجال يخونون أنفسهم، فأنزل الله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾] (٢).

стр. 506

قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، قال: (كان المسلمون في شهر رمضان إذا صلّوا العشاء، حَرُم عليهم النساء والطعام إلى مثلها من القابلة، ثم إن أناسًا من المسلمين أصابوا من النساء والطعام في شهر رمضان بعد العشاء، منهم عمر بن الخطاب فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فأنزل الله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ الآية) (١). وقوله: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. قال ابن عباس: (يعني الولد). وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: (يعني الجماع). وقال قتادة: (وابتغوا الرخصة التي كتب الله لكم. أو قال: ما أحل الله لكم). وقال ابن عباس في رواية: (ليلة القدر). قال ابن جرير: (وإنما يريد الله تعالى ذكره: اطلبوا الذي كتبتُ لكم في اللوح المحفوظ أنه يباحُ فيطلق لكم. وطلب الولد إنْ طلبه الرجل بجماعه المرأة، مما كتب الله له في اللوح المحفوظ. وكذلك إن طلب ليلة القدر، فهو مما كتب الله له. وكذلك إن طلب ما أحل الله وأباحه، فهو مما كتبه له في اللوح المحفوظ). قلت: والراجح من السياق صرف الآية إلى الجماع وطلب الولد ومباشرة الرخصة بذلك. وقوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾. أخرج البخاري عن سَهْلِ بن سَعْدٍ قال: [أُنْزِلَتْ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ ولم ينزل ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، وكان رجالٌ إذا أرادوا الصَّوْمَ ربطَ أحَدُهُمْ في رجْليه الخيطَ الأبيضَ والخيطَ الأسودَ، ولا يزال يأكُلُ حتى يتبَيَّنَ له رؤيتُهُما. فَأنزَلَ الله بعد ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ فعلموا أنما يعني الليلَ من النهار] (٢). وأخرج البخاري عن عَدِيِّ بن حاتمٍ رضي الله تعالى عنه قال: [قلت: يا رسول الله، ما الخيطُ الأبيض من الخيط الأسود؟ أهما الخَيْطانِ؟ قال: إنك لَعَرِيضُ القفا إن أَبْصَرتَ

стр. 507

الخيطين، ثم قال: لا، بل هو سوادُ الليل وبياضُ النهار] (١). وفي رواية عن الشَّعبيّ عن عدي قال: [أخذ عَدِيٌّ عِقالًا أبيضَ وعِقالًا أسْوَدَ، حتى كان بعض الليل نظرَ، فلم يَسْتَبينا، فلما أصبح قال: يا رسول الله، جعلت تحت وسادتي، قال: إن وسادَك إذًا لعريض: أن كان الخيطُ الأبيضُ والأسود تحت وسادتكَ]. والمعنى: إنْ كان ليسع الخيطين: الأسود والأبيض المرادين هنا وهما بياض النهار وسواد الليل، فإنّ وسادك بعرض المشرق والمغرب. قلت: والآية تدل على استحباب السحور، فإن إباحة الأكل إلى طلوع الفجر يقتضي ذلك، وقد جاءت السنة الصحيحة بالحث على السحور وبيان أنه بركة. والبركة هنا -كما تشير النصوص- أربعة أنواع: الأول: بركة امتثال أمر النبي ﷺ . ففي الصحيحين عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : [تسحّروا فإن في السحور بركة] (٢). الثاني: بركة مخالفة أهل الكتاب. ففي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [إنّ فَصْلَ ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السَّحَر] (٣). الثالث: بركة يجعلها الله في هذا الطعام يعين بها الصائم. ففي صحيح أبي داود عن العرباض بن سارية، قال: [دعاني رسول الله ﷺ إلى السحور في رمضان، فقال: هُلُمَّ إلى الغَداء المبارك] (٤). الرابع: بركة صلاة الله والملائكة على المتسحرين.

стр. 508

ففي مسند الإمام أحمد بسند حسن عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : [السَّحور بركة، فلا تدعوه، ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء، فإن الله وملائكته يصلّون على المتسحرين] (١). ويستحب تأخيره إلى وقت انفجار الفجر. ففي الصحيحين عن زيد بن ثابت قال: [تسحّرنا مع رسول الله ﷺ ، ثم قمنا إلى الصلاة. قال أنس: قلت لزيد: كما كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية] (٢). كما يستحب تعجيل الإفطار مجرد غياب الشمس. ففي صحيح البخاري عن سهل بن سعد، أن رسول الله ﷺ قال: [لا يزال الناس بخير ما عجّلوا الفطر] (٣). وقوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾. يعني: حتى يطلع الفجر. ففي الصحيحين عن عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: [لا يمنعكم أذان بلال عن سحوركم، فإنه ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم، فإنه لا يؤذّن حتى يطلعَ الفجر] (٤). فائدة (١): الفجر الذي يحرّم هو الفجر الذي يستنير على رؤوس الجبال وينتشر، وليس الفجر الذي يسطع في السماء. قال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج، عن عطاء، قال: سمعت ابن عباس يقول: (هما فجران، فأما الذي يسطع في السماء فليس يحلّ ولا يحرّم شيئًا، ولكن الفجر الذي يستنير على رؤوس الجبال هو الذي يحرّم الشراب. قال عطاء: فأما إذا سطع سطوعًا في السماء، وسطوعه أن يذهب في السماء طولًا، فإنه لا يحرّم به شراب

стр. 509

للصائم ولا صلاة، ولا يفوت به الحج، ولكن إذا انتشر على رؤوس الجبال، حَرُم الشراب للصيام وفات الحج) (١). وقد جاءت السنة الصحيحة توضح هذا المعنى وتدل على الفجر الصحيح، وفي ذلك أحاديث: الحديث الأول: أخرج الحاكم وعنه البيهقي بسند صحيح عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : [الفَجْرُ فَجْران، فَجْرٌ يُقال لَهُ: ذَنَبُ السِّرْحَانِ، وهو الكاذِبُ يذهبُ طولًا، ولا يذهب عَرْضًا، والفجرُ الآخرُ يذهب عَرْضًا، ولا يذهب طولًا] (٢). الحديث الثاني: أخرج أبو داود والتومذي وابن خزيمة والدارقطني من طريق عبد الله بن النعمان السُّحَيمي قال: [أتاني قيس بن طَلْق في رمضان في آخر الليل، بعدما رفعت يدي من السحور لخوف الصبح، فطلب مني بعض الإدام، فقلت له: يا عماه! لو كان بقي عليك من الليل شيء لأدخلتك إلى طعام عندي وشراب، قال: عندك؟ فدخل، فقربت إليه ثريدًا ولحمًا ونبيذًا، فأكل وشرب، وأكرهني فأكلت وشربت، وإني لوجل من الصبح، ثم قال: حدثني طلق بن علي أن نبي الله ﷺ قال: "كلوا واشربوا، ولا يَهيدَنَّكُم الساطِعُ المُصَعَّدُ، فكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر"] (٣). وقوله: "ولا يهيدَنَّكُم": أي لا تنزعجوا للفجر المستطيل فتمتنعوا به عن السحور، فإنه الصبح الكاذب. وأصل "الهيد" لغة: الحركة. الحديث الثالث: روى مسلم عن سَمُرة قال: قال رسول الله ﷺ : [لا يمنعكم من سَحوركم أذان بلال ولا الفجر المستطيل، ولكن الفجر المستطير في الأفق] (٤). فائدة (٢): الوقت الاحتياطي لمن احتاج السحور وقد غلبه أذان الفجر.

стр. 510

هناك مخصصات من السنة الصحيحة لعموم الآية: "وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر"، كمن استيقظ متأخرًا على سماع أذان الفجر، أو غُلبت امرأة خلال إيقاظها أهلها وتحضير طعامها لأولادها، أو احتاج متسحر أن يكمل ما في فمه ويشرب عليه الماء، ونحو ذلك، فإن السنة الصحيحة قد أعطته فرصة أخرى إلى وقت إقامة صلاة الفجر. فإلى ذكر بعض أدلة ذلك. الدليل الأول: أخرج ابن جرير بسند حسن عن أبي أمامة قال: [أقيمت الصلاة والإناء في يد عمر، قال: أشربها يا رسول الله؟ قال: نعم. فشربها] (١). الدليل الثاني: أخرج الطيالسي والطبراني بسند جيد عن ابن عمر قال: [كان علقمة بن علاثة عند رسول الله ﷺ ، فجاء بلال يؤذنه بالصلاة. فقال رسول الله ﷺ : رويدًا يا بلال! يَتَسحَّرُ علقمة، وهو يتسحّر برأس] (٢). الدليل الثالث: أخرج الطحاوي عن حبان بن الحارث قال: [تسحرنا مع علي بن أبي طالب ﵁، فلما فرغنا من السحور أمر المؤذن فأقام الصلاة] (٣). الدليل الرابع: أخرج الإمام أحمد وأبو داود والحاكم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده، فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه] (٤). قال عمار -أحد رواة الحديث عن أبي هريرة-: (وكانوا يؤذنون إذا بزغ الفجر). وقال هشام بن عروة: (كان أبي يفتي بهذا). وإسناده صحيح على شرط مسلم. وقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾. يعني: المسارعة إلى الإفطار عند غروب الشمس.

стр. 511

ففي الصحيحين عن عمر، قال رسول الله ﷺ : [إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، فقد أفطر الصائم] (١). وفي الصحيحين والمسند عن أبي هريرة قال: [قال رسول الله ﷺ : لا تواصلوا. قالوا: يا رسول الله، إنك تواصل. قال: فإني لست مثلكم، إني أبيت يُطعمني ربي ويسقيني] (٢). وقوله: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾. المعنى: لا تجامعوا نساءكم في حال عكوفكم في المساجد، وهو الحال الذي حبستم فيه أنفسكم على عبادة الله في مساجدكم. وفيه أقوال: ١ - عن ابن عباس: (هذا في الرجل يعتكف في المسجد في رمضان أو في غير رمضان، فحرّم الله عليه أن ينكح النساء ليلًا أو نهارًا، حتى يقضي اعتكافه). ٢ - قال الضحاك: (كان الرجل إذا اعتكف فخرج من المسجد، جامعَ إن شاء، فقال الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾، أي: لا تقربوهن ما دمتم عاكفين في المسجد ولا في غيره). ٣ - قال مجاهد: (نُهوا عن جماع النساء في المساجد، حيث كانت الأنصار تجامع). ٤ - قال مالك بن أنس: (لا يمس المعتكف امرأته، ولا يباشرها، ولا يتلذذ منها بشيء، قبلةٍ ولا غيرها). واختار ابن جرير أن المقصود الجماع، وكذلك القرطبي وقال. (وسمّي الوقاع مباشرة لتلاصق البشرتين فيه). وأما المباشرة دون جماع فإن قصد بها التلذذ فهي مكروهة، قاله الحسن البصري والزهري. وإن لم يقصد لم يكره، لأن عائشة كانت تُرَجِّل (٣) رأس رسول الله ﷺ وهو معتكف، وهو قول الشافعي وابن المنذر. وقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾. قال السدي: (أما ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾، فشروطه). وقال الضحاك: (﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾،

стр. 512

يقول: معصية الله- يعني المباشرة في الاعتكاف). قلت: والآية أعم من ذلك، فيما يخص جميع الأحكام، من الصيام والاعتكاف وشرائِع ذلك، وحدوده وتفاصيله، كما قال الحافظ ابن كثير: (أي: هذا الذي بيّناه، وفرَضْناه، وحدَّدناه، من الصيام وأحكامه، وما أبحنا فيه وما حرمنا، وذكرنا غاياته ورُخَصه وعزائمه ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾ أي: شَرَّعها الله وبَيَّنها بنفسه، ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ أي: لا تجاوزوها وتتعدوها). وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. يعني: ليتجنّبوا الوقوع في ما يسخط الله سبحانه ويغضبه، مما أمر بهجره وتركه. ١٨٨. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾. في هذه الآية: جعل سبحانه الآكل مال أخيه بالباطل، كالآكل مال نفسه بالباطل. فحرَّم ذلك وحذَّر من الاختصام إلى الحكام للظلم وجحد الحقوق. قال ابن عباس: (هذا في الرجل يكون عليه مال، وليس عليه فيه بَيِّنة، فيجحدُ المال ويخاصِمُ إلى الحكام، وهو يعرف أن الحق عليه، وهو يعلم أنه آثم آكل حرامًا). وقال مجاهد: (لا تخاصم وأنت تعلم أنك ظالم). وقال قتادة: (اعلم -يا ابن آدم- أن قضاء القاضي لا يحل لك حرامًا، ولا يُحِقُّ لك باطلًا، وإنما يقضي القاضي بنحو ما يرى وتشهد به الشهود، والقاضي بشر يخطئ ويصيب، واعلموا أن من قُضيَ له بباطل أن خصومته لم تنقض حتى يجمع الله بينهما يوم القيامة، فيقضي على المبطل للمحقّ بأجود مما قضى به للمبطل على المحق في الدنيا). قلت: وأصل هذا المعنى في الصحيحين عن أم سلمة، أن رسول الله ﷺ قال: [ألا إنما أنا بشر، وإنما يأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون ألْحنَ بِحُجَّتِهِ من بعض

стр. 513

فأقضي له، فمن قضيت له بحقّ مسلم، فإنما هي قطعة من نار، فَليحملْها أو ليذرها] (١). قال قتادة: (﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾: لا تدلِ بمال أخيك إلى الحاكم وأنت تعلم أنك ظالم، فإن قضاءه لا يُحل لك شيئًا كان حرامًا عليك). وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أي: تعلمون بطلان ما تدعونه وتروجونه في كلامكم. قال القرطبي: (أجمع أهل السنة على أنّ من أكل مالًا حرامًا ولو ما يصدُق عليه اسم المال أنه يُفسَّقُ). ١٨٩. قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩)﴾. في هذه الآية: في علم الأهلة علم المواقيت للمناسك والشرائع المختلفة المرتبطة بالزمن، والبر بتقوى الله وإتيان البيوت من أبوابها. سئل رسول الله ﷺ عن زيادة الأهلة ونقصانها، واختلاف أحوالها! فنزلت هذه الآية. قال ابن عباس: (سأل الناس رسول الله ﷺ عن الأهلة؟ فنزلت هذه الآية: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾، يعلمون بها حِلّ دينهم، وعدة نسائهم، ووقت حجهم). وقال السدي: (فهي مواقيت الطلاق والحيض والحج). وقال قتادة: (فجعلها لصوم المسلمين ولإفطارهم، ولمناسكهم وحجّهم، ولعدة نسائهم، ومحلّ دينهم، في أشياء. والله أعلم بما يُصلح خلقه). أخرج عبد الرزاق بسند صحيح عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 514

[جعل الله الأهلة مواقيت للناس، فصوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم فعُدُّوا ثلاثين يومًا] (١). قلت: وانتفاخ هذه الأهلة هو من علامات اقتراب الساعة. فقد أخرج الطبراني بسند صحيح عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [من اقتراب الساعة انتفاخ الأهلة، وأن يرى الهلال الليلة، فَيُقال: هو ابن ليلتين] (٢). وقوله: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾. أخرج البخاري في صحيحه عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء يقول: [نزلت هذه الآية فينا، كانت الأنصار إذا حَجّوا فجاؤوا لم يَدْخُلوا من قِبَلِ أبوابِ بُيوتِهم ولكن من ظهورها، فجاء رجل من الأنصار فدخل من قِبَلِ بابه، فكأنَّه عُيِّرَ بذلك، فنزلت: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾] (٣). وكذلك أخرج البخاري في كتاب التفسير من صحيحه عن أبي إسحاق، عن البراء قال: [كانوا إذا أحْرموا في الجاهلية، أتوا البيتَ من ظَهْرِه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾] (٤). ورواه الطيالسي عن البراء- أيضًا - قال: [كانت الأنصار إذا قدموا من سَفَر، لم يدخل الرجل من قِبَلِ بابه، فنزلت هذه الآية] (٥). قلت: ولا شك أن ذلك كان من عادات الجاهلية التي ضحك بها عليهم الشيطان، كما ذكر الربيع بن أنس: (كان أقوام من أهل الجاهلية إذا أراد أحدهم سفرًا، وخرج من

стр. 515

بيته يريد سفره الذي خرج له، ثم بدا له بَعْدَ خروجه أن يقيم ويَدَعَ سفره، لم يدخل البيت من بابه، ولكن يتسوّرُه من قِبَلِ ظهره، فقال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ ... الآية). وقال عطاء بن أبي رباح: (كان أهل يثربَ إذا رجعوا من عيدهم دخلوا منازلهم من ظهورها، وَيَرَوْنَ أن ذلك أدنى إلى البر، فقال الله: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾). وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. أي افعلوا ما أمركم به واتركوا ما نهاكم عنه، وذروا بقايا الجاهلية وسفسافها، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ غدًا إذا وقفتم بين يديه سبحانه، لتنالوا الخلود في جناته ونعيمه الذي تطمحون إليه. ١٩٥ - ١٩٣. قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (١٩١) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)﴾. في هذه الآيات: مشروعية قتال المعتدين دون مجاوزة الحدود، والنهي عن القتال في المسجد الحرام إلا لمن قاتل فيه ابتداء، والأمر بقتال المشركين حتى يكون الدين كله لله. قال الربيع: (﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾: هذه أول (١) آية نزلت في القتال بالمدينة. فلما نزلت كان رسول الله ﷺ يقاتل من يقاتله، ويكف عمن كفّ عنه، حتى نزلت ﴿بَرَاءَةٌ﴾). وبعضهم يقول هي منسوخة بآية التوبة: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾. قلت: ولا دليل على النسخ، فأمر الله بقتال الكفار لم ينسخ، وإنما النهي هو في الاعتداء بقتل النساء والذراري ومن لم ينهض لقتال المسلمين. قال مجاهد: ﴿وَقَاتِلُوا

стр. 516

فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾، لأصحاب محمد ﷺ ، أمروا بقتال الكفار). وقال ابن عباس: (﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾، يقول: لا تقتلوا النساء، ولا الصبيان، ولا الشيخ الكبير، ولا من ألقى السَّلَمَ وكفَّ يده. فإن فعلتم هذا فقد اعتديتم). وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عديِّ بن أرطأة: (إني وجدت في كتاب الله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾، أي: لا تقاتل من لا يقاتلك، يعني: النساء والصبيان والرُّهبان). فنهى الإسلام عن الاعتداء أثناء القتال بارتكاب المناهي: من المَثُلة، والغُلول، وقتل من لا يقاتل أو يتدخل كالنساء والصبيان والشيوخ والرهبان، وتحريق الأشجار وقتل الحيوان لغير مصلحة. وقد جاءت السنة الصحيحة بذلك في أحاديث، منها: الحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن بريدة: أن رسول الله ﷺ كان يقول: [اغزوا في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تَغُلّوا، ولا تَغْدِروا، ولا تُمَثِّلوا، ولا تقتلوا وليدًا] (١). الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر قال: [وُجِدت امرأة مقتولةٌ في بعض مغازي رسول الله ﷺ ، فنهى رسولُ الله ﷺ عن قتل النساء والصبيان]. وفي رواية: [فأنْكرَ رسول الله ﷺ قتل النساء والصبيان] (٢). الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد عن ابن عباس قال: [كان رسول الله ﷺ إذا بعث جيوشه قال: اخرجوا باسم الله، قاتلوا في سبيل الله من كفر بالله، لا تغدروا، ولا تَغُلّوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا الوِلْدان، ولا أصحابَ الصوامع] (٣). وقوله: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾. أي: انبعثوا إلى قتالهم وإخراجهم كما انبعثوا إلى قتالكم وإخراجكم. ولا شك أن المهاجرين الأوائل هم أول من خوطب بهذه الآية في المدينة.

стр. 517

وقوله: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾. يعني: أن الشرك هو أخطر من القتل. قال مجاهد: (ارتداد المؤمن إلى الوَثن أشدُّ عليه من القتل). وقال قتادة: (الشرك أشد من القتل). وقال ابن زيد: (فتنة الكفر). وقال مجاهد: (الفتنة الشرك). وقوله: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾. الآية عامة ولا دليل على ادّعاء النسخ فيها، فمن بدأ المسلمين بالقتال في الحرم، فإنه يقاتل دفعًا له ولأمثاله، وقد بايع النبي ﷺ أصحابه يوم الحديبية تحت الشجرة على القتال، حين ظهرت بوادر الغدر من قريش والأحابيش. وهذه الآية مُخَصِّصَةٌ لعموم ما جاء في الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ يوم افتتح مكة: [لا هجرة ولكنْ جهادٌ وَنِيّةٌ، وإذا استُنْفِرْتُم فانْفِروا، فإن هذا بلدٌ حَرَّمَ الله يومَ خلق السماوات والأرضَ، وهو حرامٌ بِحُرْمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لا يحل القتال فيه لأحدٍ قبلي ولمْ يَحِلَّ لي إلا ساعةً من نهار، فهو حرامٌ بِحُرمةِ الله إلى يوم القيامة لا يُعضَدُ شَوْكُهُ، ولا يُنَفَّرُ صيدُه، ... ] الحديث (١). فالقاتل في الحرم يقتل فيه، والقاتل في الحل ثم التجأ إلى الحرم يُخرج إلى الحل ليقتل فيه. فقد أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن ابن عباس قال: [من سَرَقَ أو قتَلَ في الحِلِّ ثم دخل الحرم، فإنه لا يُجالسُ ولا يُكَلَّمُ، ولا يُؤوى، ولكنه يُناشَدُ حتى يخرجَ، فيؤخَذَ، فيقامَ عليه الحدُّ، وإن سَرَقَ أو قتَلَ في الحرم أقيم عليه في الحرم] (٢). وبنحوه روى الأثرم عن ابن عباس قال: [من أحدث حدثًا في الحرم، أُقيم عليه مما أحدث فيه من شيء] (٣). قال ابن القيم: (هذا التحريم لسفك الدم المختص بها، وهو الذي يُباح في غيرها،

стр. 518

ويُحرم فيها لكونها حرمًا، كما أن تحريم عَضْدِ الشجر بها، واختلاء خلائها، والتقاط لقطتها، هو أمر مختص بها، وهو مباح في غيرها، إذ الجميع في كلام واحد، ونظام واحد، وإلا بطلت فائدة التخصيص) (١). وقوله: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قال مجاهد: (فإن تابوا- ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قال ابن كثير: (أي: فإن تركوا القتال في الحرم، وأنابوا إلى الإسلام والتوبة، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يغفر ذنوبهم، ولو كانوا قد قتلوا المسلمين في حرم الله، فإنه تعالى لا يتعاظَمُه ذنْبٌ أن يَغْفِرَهُ لمن تاب منه إليه). وقوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾. أمْرٌ من الله بقتال الكفار حتى لا يظهر في الأرض شرك. قال ابن عباس: (يقول: قاتلوا حتى لا يكون شرك). ويكون دين الله هو الظاهر في الأرض على كل مناهج وأديان البشر. وفي الصحيحين عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : [أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ... ]. وفي لفظ: [أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله. فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله] (٢). وفي صحيح البخاري عن أبي موسى قال: [جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! ما القتال في سبيل الله؟ فإن أحدنا يقاتِل غضبًا، ويُقاتل حَمِيَّةً، فرفَعَ إليه رأسه قال: وما رفَعَ إليه رأسَه إلا أنه كان قائمًا فقال: من قاتل لتكون كلمة الله هيَ العليا، فهو في سبيل الله ] (٣).

стр. 519

وقوله: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾. قال قتادة: (والظالم الذي أبى أن يقول: لا إله إلا الله). وقال الربيع: (هم المشركون). وقال مجاهد: (لا تقاتلوا إلا من قاتلكم). وعلى هذا فلقوله "انتهوا" تقديران: التقدير الأول: إن انتهوا عما هم فيه من الشرك وقتال المؤمنين، فمن قاتلهم بعد ذلك فهو ظالم، ولا عدوان إلا على الظالمين. وهو معنى قول مجاهد. التقدير الثاني: إن انتهوا فقد تخلّصوا من الظلم وهو الشرك، فلا معاقبة ولا مقاتلة لهم، وهو معنى قول قتادة. أخرج البخاري في صحيحه عن نافع، عن ابن عمرَ ﵄: [أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير فقالا: إن الناس قد ضُيِّعُوا وأنت ابنُ عمرَ وصاحِبُ النبي ﷺ ، فما يَمْنَعُكَ أن تخرجَ؟ فقال: يمنعني أن الله حرم دمَ أخي، قالا: ألمْ يقل الله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾؟ فقال: قاتلنا حتى لم تكنْ فِتْنه، وكان الدين لله، وأنتم تريدون أن تُقاتلوا حتى تكون فتنة، ويكون الدين لغير الله] (١). ١٩٤. قوله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤)﴾. هذه الآية: نزلت في صد المشركين رسول الله ﷺ عن البيت يوم الحديبية، فاقتص الله له منهم في الشهر نفسه من العام المقبل. قال ابن عباس: (هم المشركون، حبسوا محمدًا ﷺ في ذي القَعْدة، فرجعه الله في ذي القَعدة فأدخله البيت الحرام، فاقتص له منهم). وقال مجاهد: (فخرت قريش بردِّها رسولَ الله ﷺ يوم الحديبية محرِمًا في ذي القَعدة عن البلد الحرام، فأدخله الله مكة في العام المقبل من ذي القعدة، فقضى عُمرته، وأقصَّه بما حيل بينه وبينها يوم الحديبية). أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن جابر بن عبد الله قال: [لم يكن رسول الله ﷺ

стр. 520

يغزو في الشهر الحرام، إلا أن يُغْزى أو يُغْزَوا، فإذا حضره أقام حتى ينسلخ] (١). وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾. قال مجاهد: (فقاتلوهم فيه كما قاتلوكم). وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾. فيه الأمر بالحرص على طاعته سبحانه، وفيه الإخبار بأن الله مع المتقين بالنصر والتأييد في الدنيا والآخرة. ١٩٥. قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾. في هذه الآية: التهلكة بالخلود إلى الدنيا وترك الإنفاق على الجهاد في سبيل الله، والإحسان ثوابه عند الله عظيم. يروي البخاري عن حذيفة: [﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قال: نَزَلتْ في النَّفقة] (٢). وفي جامع الترمذي بسند صحيح عن أسلم أبي عمران التجيبي قال: [كنا بمدينة الروم، فأخرجوا إلينا صفًّا عظيمًا من الروم فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى الجماعة فضالة بن عبيد، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم، حتى دخل عليهم، فصاح الناس وقالوا: سبحان الله يُلقي بيديه إلى التهلكة. فقام أبو أيوب الأنصاري فقال: يا أيها الناس إنكم لتؤولون هذه الآية هذا التأويل، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه. فقال بعضنا لبعض سرًّا دون رسول الله ﷺ : إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله ﵎ على نبيّه ﷺ يرد علينا ما قلنا: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو. فما زال

стр. 521

أبو أيوب شاخصًا في سبيل الله، حتى دفن بأرض الروم] (١). قال الحسن: (أمرهم الله بالنفقة في سبيل الله، وأخبرهم أن ترك النفقة في سبيل الله لتهلكة). وعن أبي إسحاق قال: (سمعت البراء، وسأله رجل فقال: الرجل يحمل على كتيبة وحده فيقاتل، أهو ممن ألقى بيده إلى التهلكة؟ فقال: لا، ولكن التهلكة أن يُذنب الذنبَ فيلقي بيده ويقول: لا تقبل لي توبة). وفي لفظ آخر عن أبي إسحاق قال: قلت للبراء بن عازب: يا أبا عمارة، الرجل يلقى ألفًا من العدو فيحمل عليهم، وإنما هو وحده، أيكون ممن قال: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾؟ فقال: لا، ليقاتل حتى يقتل! قال الله لنبيّه ﷺ : ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ [النساء: ٨٤]. قلت: ويشهد لهذه المعاني التي ذكرها البراء حديثان من السنة الصحيحة: الحديث الأول: يروي الطبراني في الكبير والأوسط بسند صحيح عن النعمان بن بشير في قوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قال: [كان الرجل يذنب فيقول لا يغفر الله لي فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾] (٢). الحديث الثاني: يروي الطبراني في الكبير والأوسط، ورجالهما رجال الصحيح، عن أبي جبيرة بن الضحاك قال: [كانت الأنصار يتصدقون ويعطون ما شاء الله، فأصابتهم مصيبة فأمسكوا، فأنزل الله : ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾] (٣). قلت: فالآية تشمل من ترك الجهاد، وبخل، ومن أذنب وظن عدم المغفرة، وربما نزلت بالجميع. وقوله: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. فيه أقوال متقاربة متكاملة: ١ - أحسنوا في أداء الفرائض واجتناب المعاصي، ولينفق أحدكم في سبيل الله وليعد القوي منكم على الضعيف ذي الخَلَّة.

стр. 522

فعن أبي إسحاق، عن رجل من الصحابة في قوله: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، قال: (أداء الفرائض). ذكره ابن جرير. ٢ - أحسنوا الظن بالله. قال عكرمة فيها: (أحسنوا الظن بالله، يبرَّكم). ٣ - أحسنوا بالعَوْد على المحتاج. قال ابن زيد: (عودوا على من ليس في يده شيء). ١٩٦. قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٩٦)﴾. في هذه الآية: شرع الله سبحانه ببيان أحكام الحج والعمرة، وذلك بعد ذكر أحكام الصيام والجهاد. وقوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. فيه أقوال كثيرة، منها: ١ - أتموا الحج بمناسكه وسننه، وأتموا العمرة بحدودها وسننها. قال ابن عباس: (من أحرَم بحجّ أو بعُمْرة، فليس له أن يحلّ حتى يتمّها. تمام الحجّ يوم النَّحر، إذا رمَى جمرةَ العقبة وزار البيت فقد حَلَّ من إحرامه كلّه. وتمامُ العمرة، إذا طاف بالبيت وبالصفا والمروة، فقد حلّ). ٢ - تمامُها أن تحرِمَ بهما مفردين من دُوَيرة أهلِك. قال طاووس: (تمامُها إفرادهما مُؤْتَنَفتين من أهلك). ٣ - إتمامهما إذا دخل فيهما. قال ابن وهب، قال ابن زيد: ليست العمرة واجبة على أحد من الناس. قال فقلت له: قولُ الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾؟ قال: (ليس من الخلق أحد ينبغي له إذا دخل في أمر إلا أن يتمَّه، فإذا دخل فيها لم يَنْبَغ له أن يهلّ يومًا أو يومين ثم يرجع، كما لو صام يومًا، لم ينبغ له أن يفطر في نصف النهار).

стр. 523

٤ - إتمامهما إنشاؤهما جميعًا من الميقات. قاله مكحول. قال القرطبي: (وكره مالك ﵀ أن يحرم أحدٌ قبل الميقات). قلت: والراجح أن المراد إقامة العمرة بتمام وكمال أحكامها التي شرعت لها، كما هو في إقامة مناسك الحج بحدودها وأركانها وواجباتها. فقد أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه قال: [جاء رجل إلى رسول الله ﷺ وقال: كيف تأمرني يا رسول الله في عمرتي؟ فأنزل الله : ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. فقال رسول الله ﷺ : من السائل عن العمرة؟ فقال: أنا. فقال: ألق ثيابك واغتسل واستنشق ما استطعت، وما كنت صانعًا في حجتك فاصنع في عمرتك] (١). وأصله في صحيح البخاري عن عطاء قال: حذَثني صفوانُ بنُ يَعْلى بنِ أميَّة عن أبيه: [أن رجلًا أتى النبي ﷺ وهو بالجِعْرانَةِ، وعليه جُبَّة وعليه أثر الخَلُوق، أو قال: صُفْرَةٌ، فقال: كيف تأمرني أن أصنعَ في عُمْرَتي؟ فأنزل الله على النبي ﷺ فَسُتِرَ بثوب وَوَدِدْتُ أني قد رأيت النبي ﷺ وقد أنزلَ عليه الوحيُ، فقال عمر: تعال، أيَسُرُّكَ أن تَنْظُرَ إلى النبي ﷺ وقد أنْزَلَ الله عليه الوحي؟ قلت: نعم، فرفَعَ طَرَف الثوب فنظرتُ إليه له غَطيطٌ - وأَحْسِبُهُ قال-: كغطيط البَكْرِ، فلما سُرِّي عنه قال: أين السائِلُ عن العمرة؟ اخلَعْ عنك الجُبَّةَ واغْسِلْ أثرَ الخَلُوق عنك وأنْقِ الصُّفْرة، واصنَعْ في عمرتك كما تَصْنَعُ في حَجِّكَ] (٢). وقوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. الإحصار: هو المنع من الوجه الذي تقصده بالعوائقِ بأي عذر، سواء كان بمرض أو عدو أو جور سلطان أو غير ذلك. قال مجاهد: (الحصر: الحبس كله. أيُّما رجل اعتُرِضَ له في حجّته أو عمرته، فإنه يبعث بهديهِ من حيث يُحْبَسُ. قال: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾: يَمرض إنسان، أو يُكْسَر، أو

стр. 524

يحبسه أمرٌ، فغلبه كائنًا ما كان، فليرسل بما استيسر من الهَدْي، ولا يحلق رأسه، ولا يحل، حتى يوم النحر). وقال قتادة: (هو الخوفُ والمرضُ والحابس. إذا أصابه ذلك بعث بهديه، فإذا بلغ الهدي مَحِله حَلّ). وقال ابن عباس: (من أحرم بحج أو بعمرة، ثم حُبس عن البيت بمرض يُجْهده أو عذر يحبسه، فعليه قضاؤها). أخرج الإمام أحمد وأصحاب السنن بسند صحيح عن الحجاج بن عمرو بن غَزِيّة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [مَنْ كُسِرَ أو عَرَج فقد حَلّ، وعليه حَجّةٌ أخرى]. وفي رواية: [مَنْ كُسِرَ، أو مَرِضَ، أو عَرَج، فقد حَل، وعليه حجّةٌ أخرى من قابلٍ] (١). وفي الصحيحين عن عائشة: [أن رسول الله ﷺ دخل على ضُبَاعة بنت الزبير بن عبد المطلب، فقالت: يا رسول الله، إني أريد الحجَّ وأنا شاكِيَةٌ. فقال: حُجِّي واشترطي: أن مَحِلِّي حيث حَبَسْتَني] (٢). وقد ذهب الفقهاء إلى صحة الاشتراط في الحج لهذا الحديث. وهذه الآية -آية الإحصار- نزلت في سنة ست، عام الحديبية، حين حال المشركون بين رسول الله ﷺ وبلوغ البيت، ونزلت سورة الفتح، ونزلت هذه الرخصة أن يذبحوا ما معهم من الهدي، وأن يحلقوا رؤوسهم وأن يتحللوا من إحرامهم، فاستبطؤوا، فخرج النبي ﷺ فحلق رأسه فتابعوه. ففي صحيح البخاري من حديث المسور ومروان قالا: [فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله ﷺ لأصحابه قوموا فانحروا، ثم احلقوا، قال: فوالله ما قام منهم رَجلٌ حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحبُّ ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تَنْحَرَ بُدْنَكَ وتدعوَ حالقَك فَيَحْلِقَكَ، فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك، نَحَرَ بُدْنَهُ، ودعا حالقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضًا حتى كاد بعضهم تقْتُلُ بعضًا غمًا] (٣).

стр. 525

وروى أحمد والبخاري -واللفظ لأحمد- عن ابن عمر: [أن النبي ﷺ قال يوم الحديبية: اللهم اغفر للمحلقين، فقال رجل: والمقصرين. فقال: اللهم اغفر للمحلقين. فقال: وللمقصرين، حتى قالها ثلاثًا أو أربعًا. ثم قال: وللمقصرين] (١). وقوله: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. قال ابن عباس: (شاة فما فوقها). وقال: (الهَدْي من الأزواج الثمانية: من الإبل، والبقر، والمعز، والضأن). ففي الصحيحين عن جابر قال: [أمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر، كل سبعة منا في بقرة]. وفي لفظ لمسلم: [نحرنا مع رسول الله ﷺ بالحديبية البقرة عن سبعة والبدنة عن سبعة] (٢). وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: [أهدى النبي ﷺ مرة غنمًا]. وفي لفظ للبخاري: [كنتُ أفْتِلُ قلائدَ الغنم للنبي ﷺ فيبعثُ بها، ثم يمكث حلالًا] (٣). والخلاصة: يجوز ذبح الشاة في الإحصار فإنه يجزئ، لأن الله سبحانه أوجب ذبح ما استيسر من الهدي، أي مهما تيسر مما يسمى هديًا، والهدي كما ذكرنا من بهيمة الأنعام: وهي الإبل والبقر والغنم. وقوله: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾. معطوف على قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. فإنه حالة الأمن والوصول إلى الحرم فلا يجوز الحلق، ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ ويفرغ الناسك من أعمال الحج والعمرة إن كان قارنًا، أو من فِعْل أحدهما إن كان مُفْرِدًا أو متمتعًا. ففي الصحيحين عن حفصة أنها قالت: [يا رسول الله، ما شأن الناس حلّوا من

стр. 526

العمرة، ولم تَحِلَّ أنت من عمرتك؟ فقال: إني لبّدت رأسي وقلّدت هَدْيي، فلا أَحِلُّ حتى أنحر] (١). وقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. أخرج البخاري عن كَعْب بن عُجْرَة قال: [وقف على رسول الله ﷺ بالحديبية ورأسي يتهافَتُ قمْلًا. فقال: يؤذيك هَوَامُّك؟ قلت: نعم، قال: فاحلق رأسك. أو قال: احْلقْ. قال: فِيَّ نزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ إلى آخرها. فقال النبي ﷺ : صُمْ ثلاثة أيام، أو تصدق بِفَرَقٍ بينَ سِتَّةٍ، أو نُسُكٍ مما تيسَّر] (٢). وفي لفظ: [احلق رأسَك وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسُكْ بشاة]. وفي لفظ آخر من طريق عبد الله بن مَعْقِل قال: [جلست إلى كعب بن عجرة ﵁ فسألته عن الفدية، فقال: نزلت فيَّ خاصّة وهي لكم عامة، حُمِلتُ إلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثَرُ على وجهي فقال: ما كنْتُ أُرَى الوجَعَ بلغ بك ما أَرَى، أوْ: ما كنْتُ أُرى الجَهْدَ بلغ بك ما أرى، تجدُ شاةً؟ فقلت: لا، قال: فصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصفَ صاع]. والأئمة الأربعة على التخيير، إن شاء صام وإن شاء تصدّق بفَرْق (٣)، وإن شاء ذبح شاة وتصدق بها على الفقراء، أيّ ذلك فعل أجزأه. قال الحافظ ابن كثير: (ولما كان لفظ القرآن في بيان الرخصة جاء بالأسهل فالأسهل: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. ولما أمر النبي ﷺ كعب بن عجرة بذلك، أرشده إلى الأفضل فالأفضل، فقال: انسك شاة، أو أطعم ستة مساكين، أو صم ثلاثة أيام، فكل حسب مقامه). وقوله: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. قال الربيع: (إذا أمن من خوفه، وبرأ من مرضه). وقال علقمة: (فإذا برأتم).

стр. 527

والمعنى: فإن تمكنتم من أداء المناسك، وقمتم بحج التمتع الذي هو الحج الأكمل الذي استقر عليه الإسلام، وفرغتم، فليذبح المتمتع ما قدر عليه من الهدي وأقله شاة، وله أن يذبح البقر، لأن رسول الله ﷺ ذبح عن نسائه بقرة وكن متمتعات. أخرج أبو داود بسند صحيح عن عائشة زوج النبي ﷺ : [أن رسول الله ﷺ ، نحر عن آل محمد في حجة الوداع، بقرة واحدة] (١). وله شاهد عنده عن أبي هريرة: [أن رسول الله ﷺ ، ذبح عمن اعتمر من نسائه، بقرة بينهن]. قلت: وقد استفاضت الأدلة على استقرار الإسلام على حج التمتع، وهو الحج الأفضل والأكمل، وقد أمر به النبي ﷺ أصحابه ونساءه، ومنعه منه سوق الهدي. ففي صحيح مسلم وسنن أبي داود من حديث جابر - في حجة النبي ﷺ : [أنه قال: "إني لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسُق الهدي، ولجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فَلْيَحْلل وليجعلها عمرة". فحل الناس كلهم وقصروا، إلا النبي ﷺ ، ومن كان معه هدي. فقام سُراقة بن جَعْشَمٍ فقال: يا رسول الله ألعامنا هذا أم للأبد، فشبك رسول الله ﷺ أصابعه في الأخرى ثم قال: "دخلت العمرة في الحج " هكذا مرتين "لا، بَلْ لأَبَدِ أَبَدٍ، لا بَلْ لأبَدِ أَبَدٍ"] (٢). ورواه أحمد من حديث ساقة بلفظ: [دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة] (٣). وقوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾. المعنى: من لم يجد هديًا لزمه الصيام: ثلاثة أيام في الحج -غير يوم عرفة والنحر- وسبعة أيام أخرى تتمة العشرة إذا رجع إلى أهله وبلده. والدليل على جواز الصيام للحاج -الذي لم يجد الهدي- أيام التشريق، هو

стр. 528

ما أخرج البخاري عن عائشة وابن عمر قالا: [لم يُرَخَّص في أيام التشريق أن يُصَمن إلا لمن لم يجد الهدي] (١). وعن مجاهد: (﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ قال: هي رخصة، إن شاء صامها في الطريق). قلت: والأولى أن يصومها بعد الوصول إلى بلده لقوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾. قال عطاء: (إذا رجعت إلى أهلك. قال: يصوم السبعة إذا رجع إلى أهله أحبُّ إلي). وقوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، يعني: التمتع ليس لأهل مكة. قال الربيع: (يعني المتعة، أنها لأهل الآفاق، ولا تصلح لأهل مكة). ومذهب الشافعي: أنهم أهل الحرم، ومن كان منه على مسافة لا يقصر فيها الصلاة، فهو بذلك يعد حاضرًا لا مسافرًا، واختاره ابن جرير شيخ المفسرين. وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. يعني: بالحرص على طاعته كما أمر، وبامتثال فرائضه بحدودها وأركانها دون تجاوز أو تقصير. وقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. تهديد ووعيد لمن حاول انتهاك محارمه سبحانه، وغامر في ركوب معاصيه. ١٩٧. قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَال فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾. في هذه الآية: النهي عن اللغو والجدال والرفث والفسوق في الحج، والأمر بالتزوّد بخير الزاد وهو التقوى. وأشهر الحج ثلاثة: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة. قاله ابن عباس وابن عمر. قال ابن عباس: (﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾، وهن شوال، وذو القعدة، وعشر من

стр. 529

ذي الحجة، جعلهن الله سبحانه للحج، وسائر الشهور للعمرة، فلا يصلح أن يُحرم أحدٌ بالحج إلا في أشهر الحج، والعمرةُ يُحرم بها في كل شهر) ذكره ابن جرير. قال البخاري: (قال ابن عمر: هي شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة). يروي الشافعي بسنده عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: (لا ينبغي لأحد أن يُحْرِمَ بالحج إلا في شهور الحج، من أجل قول الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾). ثم ذهب الشافعي ﵀ إلى عدم صحة الإحرام بالحج إلا في أشهر الحج، فلو أحرم به قبلها لم ينعقد إحرامه به. وقوله: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾. قال ابن جرير: (أجمعوا على أن المراد من الفَرْض ههنا الإيجاب والإلزام). وقال ابن عباس: (الفرض: الإحرام). وقال طاووس: (هو التلبية). وقال ابن عباس: (من أحرم بحج أو عمرة). والمقصود أن من أوجب على نفسه الحج وألزمها إياه في أشهر الحج المعلومات ﴿فَلَا رَفَثَ﴾: أي فليجتنب الرفث، وهو الجماع، كما قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾، وكذلك فليجتنب دواعيه من التقبيل والمباشرة أو التكلم به في حضرة النساء. وقد دارت أقوال المفسرين حول هذا المعنى، وتفصيل ذلك: ١ - قال ابن عباس: (هو التعريض بذكر الجماع، وهي "العِرابة" من كلام العرب، وهو أدنى الرفث). وقال: (الرفث غشيان النساء والقُبَل والغمز، وأن يعرض لها بالفحش من الكلام). ٢ - قال نافع عن ابن عمر: (الرفث إتيان النساء، والتكلم بذلك للرجال والنساء، إذا ذكروا ذلك بأفواههم). ٣ - قال عطاء: (الرفث ما دون الجماع). وقال: (الرفث الجماع وما دونه من قول الفحش). وقوله: ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾. يعني: المعاصي بجميع أشكالها. قال ابن عباس: (الفسوق المعاصي). وقال مجاهد: (الفسوق المعاصي كلها). وقال ابن عمر: (الفسوق السباب). وقال ابن زيد: (الفسوق: الذبح للأنصاب). فقد

стр. 530

قال الله تعالى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾. وقال الضحاك: (الفسوق التنابز بالألقاب). والراجح أن كل أنواع المعاصي مما ذكر ومما لم يذكر داخل في مفهوم الفسوق. وقوله: ﴿وَلَا جِدَال فِي الْحَجِّ﴾. فيه قولان عند المفسرين: ١ - المجادلة في وقت الحج ومناسكه بعدما بينه الله. قال مجاهد: (قد بيّن الله أسْهر الحج، فليس فيه جدال بين الناس). وقال عطاء: (المراء في الحج). وقال مالك: (قال الله تعالى: ﴿وَلَا جِدَال فِي الْحَجِّ﴾ فالجدال في الحج -والله أعلم- أن قريشًا كانت تقف عند المشعر الحرام بالمؤدلفة، وكانت العرب وغيرهم يقفون بعرفة، وكانوا يتجادلون، يقول هؤلاء: نحن أصوب. ويقول هؤلاء: نحن أصوب). ٢ - الجدال: المخاصمة. قال ابن مسعود: (أن تماري صاحبك حتى تغضبه). وقال ابن عباس: (الجدال: المراءُ والملاحاة، حتى تغضب أخاك وصاحبك، فنهى الله عن ذلك). وقال ابن عمر: (الجدال: السباب والمنازعة). وقال عكرمة: (الجدال: الغضب، أن تغضب عليك مسلمًا، إلا أن تستعتب مملوكًا فتعظه من غير أن تغضبه، ولا إثم عليك إن شاء الله تعالى في ذلك). قلت: فكل ما كان فيه جدال وأخذ وردّ يفسد صفاء الحج، أو خصومات وسباب وغضب ومنازعات توصل إلى الظلم واقتراف الآثام، داخل ذلك في الجدال الذي نهى الله عنه في الحج. وقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾. فيه حث على التماس بديل ما سبق، وهو فعل الخيرات والصالحات التي توصل إلى عالي الدرجات ورفيع المقامات. وقوله: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄ قال: [كان أهل اليمن يحجّون ولا يتزودون ويقولون: نحن المتوكلون، فأنزل الله: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (١).
следующие страницы →