أبو جهل وعبدُ اللَّه بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغبُ عن مِلّةِ عبد المطلب؟ فلو يزل رسول اللَّه ﷺ يَعْرِضها عليه ويُعيد له تلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلَّمهم: هو على مِلّةِ عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا اللَّه. فقال رسول اللَّه ﷺ : أما واللَّه لأستغفرن لك ما لم أُنْهَ عنك. فأنزل اللَّه : ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾] (١).
وقوله: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير﴾. هو من قيل إبراهيم والمؤمنين معه. أي: توكلنا عليك ربنا وسلمنا أمورنا لك، ورجعنا طائعين مخبتين تائبين راجين عفوك ومغفرتك، فإن مصيرنا إليك، ومرجعنا يوم نبعث من قبورنا إلى موقف العَرْض بين يديك.
وقوله: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال ابن عباس: (لا تسلطهم علينا فيفتنونا). وقال مجاهد: الا تعذبنا بأيديهم، ولا بعذاب من عندك، فيقولوا: لو كان هؤلاء على حق ما أصابهم هذا). وقال قتادة: (يقول: لا تُظْهِرهم علينا فَيَفْتَتِنُوا بذلك، يرون أنهم ظهروا علينا لحقّ هم عليه).
وقوله: ﴿وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا﴾. أي: واستر علينا ربنا ذنوبنا بعفوك وكرمك.
وقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. أي: إنك أنت ﴿الْعَزِيزُ﴾ في انتقامك من أعدائك، والذي لا يُضام من لاذَ بجنابك. ﴿الْحَكِيمُ﴾ في تدبيرك شؤون خلقك، وفي أقوالك وأفعالك وشرعك وقدرك.
وقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِر﴾. تأكيد لما تقدم، وتهييج إلى التأسي الصادق بملة إبراهيم، ملة التوحيد والتعظيم، والولاء والبراء، عليه وعلى نبينا وسائر المرسلين أفضل الصلاة والتسليم، لمن كان يرجو لقاء اللَّه وثوابه والنجاة من عذابه يوم القيامة.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. قال ابن عباس: (﴿الْغَنِيُّ﴾: الذي قد كمل في غناه، وهو اللَّه، هذه صفته لا تنبغي إلا لَهُ، ليس له كُفء، وليس كمثله شيءٌ، سبحان اللَّه الواحد القهار). وقال ابن كثير: (﴿الْحَمِيدُ﴾: المُستحمِدُ إلى خَلْقه، أي هو المحمود في جميع أفعاله وأقواله، لا إله غيرُه، ولا ربَّ سواه). والمعنى: إنه من يعرض عن أمر اللَّه ويدبر مستكبرًا، ويوالي أعداء اللَّه ويلقي إليهم بالمودة، فإن اللَّه غني
стр. 4832
عن إيمانه وطاعته كما هو غني عن جميع خلقه، وهو ﴿الْحَمِيدُ﴾ أي المحمود عند أهل المعرفة بأياديه وآلائه عندهم.
٧ - ٩. قوله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧) لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩)﴾.
في هذه الآيات: التفريقُ بين المحاربين من الأعداء والمسالمين، والنهي عن موالاة المقاتلين منهم والأمر بالإقساط إلى المقسطين.
فقوله: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾. قال ابن زيد: (هؤلاء المشركون، قد فعل، قد أدخلهم في السلم وجعل بينهم مودّة حين كان الإسلام حين الفتح). والمعنى: إنه تعالى قد يغيّر الأحوال ويقلب القلوب فيؤمن هؤلاء المشركون من قريش الذين أُمِرْتُم بمعاداتهم ومفاصلتهم على الدين الحق، ومن ثمَّ يجعل اللَّه بينكم وبينهم مَحَبَّةً بعد البِغضَة، ومودَّة بعد النَّفرة، وأُلْفَةً بعد الفرقة، ولذلك قال: ﴿وَاللَّهُ قَدِيرٌ﴾ قال قتادة: (على ذلك). ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: أي يغفر الذنوب الكثيرة، ويعفو عما سلف أيام الجاهلية، إنه تعالى رحيم بعباده التائبين وبجميع خلقه.
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [آل عمران: ١٠٣].
٢ - وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٢ - ٦٣].
ومن كنوز السنة العطرة في آفاق هذه الآية أحاديث، منها:
الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند صحيح من حديث أبي سعيد
стр. 4833
-في قسمة أموال هوازن وقد وجد الأنصار في أنفسهم- فقال لهم رسول اللَّه ﷺ : [يا معشر الأنصار! ألم آتكم ضلالًا فهداكم اللَّه، وعالة فأغناكم اللَّه، وأعداء فألف اللَّه بين قلوبكم؟ قالوا: بلى] (١).
الحديث الثاني: أخرج الترمذي بسند حسن عن أبي هريرة مرفوعًا: [أَحْبِبْ حبيبَكَ هَوْنًا ما فعسى أن يكون بغيضكَ يومًا ما. وأَبْغِض بغيضك هونًا ما فعَسى أن يكون حبيبكَ يومًا ما] (٢).
وقوله: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾. أي: لا ينهاكم اللَّه -معشر المؤمنين- عن أن تبروا الذين لم يقاتلوكم من الكفرة كالنساء والضعفة فتحسنوا لهم، وتعدلوا وتقضوا إليهم بالقسطِ ولا تظلموهم. قال النسفي: (وإذا نهى عن الظلم في حق المشرك فكيف في حق المسلم).
أخرج البخاري ومسلم عن أسماء بنتِ أبي بكر ﵄ قلْتُ: [قَدِمت عليَّ أمي وهي مشركةٌ في عهد رسول اللَّه ﷺ فاستفْتَيْتُ رسولَ اللَّه ﷺ ، قلتُ: إنَّ أمي قَدِمَتْ وهِيَ راغِبَةٌ، أفأصِلُ أُمِّي؟ قال: نَعَمْ. صِلي أُمَّك] (٣).
ورواه البخاري في "الأدب المفرد" عنها بلفظ: [أتتني أمي راغبة، في عهد النبي ﷺ ، فسألتُ النبي ﷺ : أفأصلها؟ قال: نعم. قال ابن عيينة: فأنزل اللَّه فيها: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾] (٤).
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: إن اللَّه يحب المنصفين الذين ينصفون الناس، ويعطونهم الحق والعدل من أنفسهم، فيبرون من برهم، ويحسنون إلى من أحسن إليهم).
وقوله: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾. قال مجاهد: (كفار أهل مكة). والمقصود: إنما ينهاكم اللَّه -معشر
стр. 4834
المؤمنين- عن موالاة الذين جاهدوكم على الدين وناصبوكم العداوة فقاتلوكم وأخرجوكم وعاونوا على إخراجكم أن تولوهم، فتكونوا لهم أولياء ونصراء.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. أي: ومن يتخذهم أولياء وأنصارًا وأحبابًا ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
١٠ - ١١. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠) وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (١١)﴾.
في هذه الآيات: الأَمْرُ باختبار المؤمنات المهاجرات وعدم إرجاعهن إلى الكفار إن صحّ إيمانهن، والترغيب في نكاحهن بعد دفع مهورهن والإحسان إليهن، والأمر بتعويض الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا وبتقوى اللَّه العليم الحكيم.
فقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾. استثناء لِما كان قد وقع في عقد صلح الحديبية بين رسول اللَّه ﷺ وكفار قريش من قولهم: [على أن لا يأتيك منا رجل -وإن كان على دينك- إلا رددته إلينا] (١).
فنزل الوحي في شأن المسلمات المهاجرات يأمر بعدم ردّهم -أصلًا- إلى المشركين. فتمسك المسلمون بظاهر نصّ العقد: (على أن لا يأتيك منا رجلٌ)، والذي يُفْهم منه أن النساء غير مشمولين في هذا العقد.
يروي البخاري في صحيحه عن المسور قال: [. . . ثم جاءه نسوة مؤمنات فأنزل اللَّه
стр. 4835
تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ حتى بلغ ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ فطلق عمرُ يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاويةُ بن أبي سفيان، والأخرى صفوان بن أمية] (١).
ويبدو أن سبب نزول هذه الآيات قدوم أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط مهاجرة فيمن هاجر، فجاء أهلها يسألون النبي ﷺ أن يرجعها إليهم، فأبى ﵊ لِما نزلَ من القرآن فيهن، فكان يختبرهن فإن كان الإسلام أخرجهن استبقاهن ودفع مهورهن لأزواجهن، في حين كان لا يدفع ذلك قبل الصلح ونزول هذه الآيات.
فقد أخرج البخاري وأحمد عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير أنه سمع مروان والمسور بن مخرمة ﵄ يخبران عن أصحاب رسول اللَّه ﷺ قال: [لما كاتب سهيل بن عمرو يومئذ كان فيما اشترط سهيل بن عمرو على النبي ﷺ أنه لا يأتيك منا أحدٌ وإن كان على دينك إلا رددته إلينا وخَليت بيننا وبينه، فكره المؤمنون ذلك وامتعضوا منه، وأبى سهيل إلا ذلك، فكاتبه النبي ﷺ على ذلك، فردَّ يومئذ أبا جندل إلى أبيه سهيل بن عمرو، ولم يأته أحد من الرجال إلا ردّه في تلك المدّة وإن كان مسلمًا. وجاء المؤمنات مهاجرات، وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول اللَّه ﷺ يومئذ وهي عاتق، فجاء أهلها يسألون النبي ﷺ أن يرجعها إليهم فلم يرجعها إليهم لما نزل فيهن: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾] (٢).
فإلى فهم الآيات كما جاء في التفاسير:
يروي ابن جرير بإسناده إلى أبي نصر الأسديّ، قال: (سُئِل ابن عباس: كيف كان امتحان رسول اللَّه ﷺ النساء؟ قال: كان يمتحنهنّ باللَّه ما خرجت من بغض زوج، وباللَّه ما خرجت رغبة عن أرض إلى أرض، وباللَّه ما خرجت التماس دنيا، وباللَّه ما خرجت إلا حبًا للَّه ورسوله). وفي رواية: قال ابن عباس: (كان امتحانهن أن يشهدن أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا عبده ورسوله).
وعن مجاهد: (قوله: ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ قال: سلوهن ما جاء بهن؟ فإن كان جاء بهن
стр. 4836
غضب على أزواجهن، أو سخطة، أو غيره، ولم يُؤمِنَّ، فارجعوهنّ إلى أزواجهنّ).
وقال قتادة: (كانت محنتهنّ أن يستحلفن باللَّه ما أخرجكنّ النشوز، وما أخرجكن إلا حبّ الإسلام وأهله، وحِرْصٌ عليه، فإذا قُلْنَ ذلك قُبِلَ ذلك منهن).
وقال عكرمة: (يقال لها: ما جاء بك إلا حبّ اللَّه، ولا جاء بك عشق رجل منا، ولا فرارأ من زوجك، فذلك قوله: ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾).
وقال ابن زيد: (كانت المرأة من المشركين إذا غضبت على زوجها، وكان بينه وبينها كلام، قالت: واللَّه لأهاجرنّ إلى محمد ﷺ وأصحابه، فقال اللَّه : ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ إن كان الغضب أتى بها فردّوها، وإن كان الإسلام أتى بها فلا تردّوها).
قال ابن اسحاق: (فحدثني الزُّهري، عن عُروة بن الزبير، قال: دخلتُ عليه وهو يكتب كتابًا إلى ابن أبي هنيدة، صاحب الوليد بن عبد الملك، وكتب إليه يسأله عن قول اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ إلى قوله: ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ قال: فكتب إليه عروة بن الزُّبير: إن رسول اللَّه ﷺ كان صالح قُريشًا يوم الحُديبية على أن يردّ عليهم من جاء بغير إذن وليِّه، فلما هاجر النساء إلى رسول اللَّه ﷺ وإلى الإسلام، أبى اللَّه أن يُرْدَدْنَ إلى المشركين إذا هنّ امتُحنَ بمحنة الإسلام، فعرفوا أنهنّ إنما جِئْنَ رغبة في الإسلام، وأمَرَ بردّ صَدُقاتهن إليهم إن احْتبَسْنَ عنهم، إن هم ردّوا على المسلمين صداقَ من حُبِسوا عنهم من نسائهم، ذلكم حكم اللَّه يحكم بينكم، واللَّه عليم حكيم. فأمسك رسول اللَّه ﷺ النساء وردَّ الرجال، وسأل الذي أمره اللَّه به أن يسأل من صدُقات نساء من حُبِسوا منهنّ، وأن يردوا عليهم مثل الذي يردّون عليهم، إن هم فعلوا، ولولا الذي حكم اللَّه به من هذا الحكم لردّ رسول اللَّه ﷺ النساء كما ردّ الرجال، ولولا الهُدْنة والعَهْد الذي كان بينه وبين قُريش يوم الحديبية لأمسك النساء، ولم يَرْدُدْ لهن صداقًا، وكذلك كان يصْنَع بمن جاءه من المسلمات قبل العهد) (١).
وقوله: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾. أي: ادفعوا إلى أزواج المهاجرات منَ المشركين ما غرموه عليهن من الأصدِقة. قاله ابن عباس وقتادة. قلت: وهذا من الوفاء بالعهد، لا يُجمع على الرجل خسران الزوجة والمال.
وقوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾. أي: إذا آتيتموهن
стр. 4837
أصدِقتهن فانكحوهنّ. والمقصود: إقامة النكاح بشروطه الشرعية، من انقضاء العِدّة والولي والشاهِدَيْن ودفع المهور كما هو معلوم في شأن النكاح.
وقوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾. تحريم استمرار المؤمنين على نكاح المشركات. قال ابن هشام: (واحِدة العصم: عِصْمة، وهي الحبل والسبب). وأما الكوافر فجمع كافرة. قال مجاهد: (أصحاب محمد أُمروا بطلاق نسائهم كوافر بمكة، قعدن مع الكفار). وقال قتادة: (مشركات العرب اللاتي يأبين الإسلام أمِرَ أن يُخَلّى سبيلُهن). وقال ابن زيد: (إذا كفرت المرأة فلا تمسكوها، خلوها، وقعت الفرقة بينها وبين زوجها حين كفرت).
وفي صحيح البخاري من حديث المسور: [﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ فطلق عمرُ يومئذ امرأتين كانتا له على الشرك] (١).
وقوله: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾. قال ابن كثير: (أي: وطالبوا بما أنفقتم على أزواجكم اللاتي يَذْهَبْنَ إلى الكفّار، إن ذَهَبْنَ، وليطالِبُوا بما أنفقوا على أزواجهم اللاتي هاجَرْن إلى المسلمين).
وقوله: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾. أي: هذا الذي ذُكر في هذه الآية من أمر الصلح واستثناء النساء بالشروط السابقة إنما هو حكم اللَّه يحكم به بين خلقه. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بما يصلح عباده ﴿حَكِيمٌ﴾ في شرعه وقدره وجميع أقواله وأفعاله.
وقوله: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾. قال الزهري: (يقول: إن فات أحدًا منكم أهلهُ إلى الكفار، ولم تأتكم امرأة تأخذون بها مثل الذي يأخذون منكم، فعوضوهم من فيءٍ إن أصبتموه). ذكره ابن إسحاق.
وعند ابن جرير بإسناده إلى ابن عباس قال: (يعني: إن لحقت امرأة رجل من المهاجرين بالكفار، أمر له رسول اللَّه ﷺ أن يُعطى من الغنيمة مثل ما أنفق). قال مجاهد: (مهر مثلها يُدفع إلى زوجها).
والمقصود: لو ذهبت بعد هذه الآية امرأة من أزواج المؤمنين إلى المشركين فامتنعوا من دفع ما أنفق ﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾ -يعني فاقتصصتم- فالقصاص يكون بإعطاء المؤمن الذي
стр. 4838
ذهبت زوجته من العقب الذي بأيديكم، وهو ما كان من صَداق نساء الكفار اللواتي آمنّ والذي أَمَرَ اللَّه برده إلى أزواجهم المشركين. فإن لم يتيسر ذلك فمن الغنائم التي تؤخذ من أيدي الكفار.
وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾. أي: واحذروا -أيها المؤمنون باللَّه- أن تتعدوا ما أمرتم به، فهذا مِن امتحان الصدق في الإيمان.
١٢. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾.
في هذه الآية: مبايعة النبي ﷺ على الإسلام، وذِكْرُ بنود هذه البيعة التي خَلَّدها اللَّه عبر الزمان.
أخرج البخاري في صحيحه عن عروة: [أن عائشة زوج النبي ﷺ أخبرته أن رسول اللَّه ﷺ كان يمتحن من هاجر إليه من المؤمنات بهذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ -إلى قوله- ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قال عروة: قالت عائشة: فمن أقرَّ بهذا الشرط من المؤمنات قال لها رسول اللَّه ﷺ : (قد بايعتك) كلامًا، (وفي رواية: يكلمها به) ولا واللَّه ما مست يده يد امرأة في المبايعة قط، ما يبايعهن إلا بقوله: (قد بايعتك على ذلك)] (١).
وفي لفظ الترمذي، قالت عائشة: [ما كان رسول اللَّه ﷺ يمتحن إلا بالآية التي قال اللَّه: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ الآية. قال معمر: فأخبرني ابن طاووس عن أبيه قال: ما مست يد رسول اللَّه ﷺ يد امرأة إلا امرأة يملكها].
وفي جامع الترمذي وموطأ مالك ومسند أحمد بسند صحيح عن أميمة بنت رُقَيقة قالت: [أتيتُ رسولَ اللَّه ﷺ في نِساءٍ لِنُبايِعَه، فأخذ علينا ما في القرآن: ألا نُشْرِكَ باللَّه
стр. 4839
شيئًا. . . الآية، وقال: فيما استَطَعْتُنَّ وأَطَقْتُنَّ، قلنا: اللَّه ورسوله أرحمُ بنا مِن أنفُسِنا، قلنا: يا رسول اللَّه! ألا تُصافِحنا؟ قال: إني لا أصافِحُ النساءَ، إنما قولي لامرأة واحدةٍ كقولي لمئة امرأة] (١).
فقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ - يشمل التحذير من الشرك ومداخله.
فقد أخرج البخاري عن أم عطية قالت: [بايعنا رسول اللَّه ﷺ فقرأ علينا: ﴿أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾، ونهانا عن النياحة] (٢).
وفي رواية: قالت أم عطية: [أخذ علينا رسولُ اللَّه ﷺ عند البيعة أن لا ننوح، فما وَفَت منا امرأة غيرُ خَمْسِ نِسوة: أمُّ سُلَيم، وأم العلاء، وابنة أبي سَبْرَة امرأة مُعاذ، وامرأتان -أو: ابنة أبي سبرة، وامرأة معاذ، وامرأة أخرى- وقد كان رسول اللَّه ﷺ يتعاهَدُ النساء بهذه البيعة يوم العيد].
وكذلك أخرج الإمام أحمد بسند قوي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: [جاءت أميمةُ بنتُ رقيقة إلى رسول اللَّه ﷺ تبايِعُه على الإسلام، فقال: أبايِعُك على أن لا تشركي باللَّه شيئًا، ولا تَسرقي ولا تَزْني ولا تَقْتُلي ولَدَكِ، ولا تأتي بِبُهتان تفترينَه بين يديك ورجليك، ولا تنوحي، ولا تبرَّجي تبرُّجَ الجاهلية الأولى] (٣).
وقوله: ﴿وَلَا يَسْرِقْنَ﴾. قال ابن كثير: (أي: أموال الناس الأجانب، فأما إذا كان الزوج مقصِّرًا في نفقتها فلها أن تأكل من ماله بالمعروف ما جَرَت به عادةُ أمثالها، وإن كان بِغير عِلْمِهِ، عَمَلًا بحديث هند بنت عتبة أنها قالت: يا رسول اللَّه! إن أبا سفيان رجل شحيحٌ لا يُعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني، فهل عليَّ جناح إن أخذت من ماله بغير علمه؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "خذي من مالِه بالمعروف ما يكفيك ويكفى بنيك" أخرجاه في الصحيحين).
وقوله: ﴿وَلَا يَزْنِينَ﴾. تحريم لما انتشر من الفجور في الجاهلية. كقوله تعالى:
стр. 4840
﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢]. ثم إن الزنى ينافي عقد الإيمان، بل لا يستقر الإيمان ساعة وقوع الفاحشة في القلب وإنما يخرج منه.
أخرج أبو داود والحاكم بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إذا زنى العبد خرج منه الإيمان فكان على رأمسه كالظُّلة، فإذا أقلع رجعَ إليه] (١).
وفي لفظ: [فإذا انقلع منها رجع إليه الإيمان].
وأخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن عائشة قالت: [جاءت فاطمةُ بنتُ عُتبة تُبايع النبي ﷺ فأخذ عليها: ﴿أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ. . .﴾. . الآية، قال: فوضعت يدَها على رأسِها حياءً، فأعجبه ما رأى منها، فقالت عائشة: أَقِرِّي أيتها المرأة، فواللَّه ما بايعنا إلا على هذا. قالت: فنعم إذن، فبايعها بالآية] (٢).
وقوله: ﴿وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾. أي لا يئدن المَوْؤودات ولا يُسقطن الأجنة. ذكره القرطبي. قال ابن كثير: (﴿وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾: وهذا يشمل قتله بعد وجوده، كما كان أهل الجاهلية يقتلون أولادهم خشية الإملاق، ويعم قَتْلَه وهو جَنينٌ، كما قد يفعلُه بعض الجهلة من النساء، تطرحُ نفسها لئلا تحبل إمَّا لِغَرض فاسدٍ أو ما أشبهه).
وقوله: ﴿وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾. قال ابن عباس: (يقول: لا يلحقن بأزواجهن غير أولادهم). قال النسفي: (كانت المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها هو ولدي منك، كنّى بالبهتان المفترى بين يديها ورجليها عن الولد الذي تلصقه بزوجها كذبًا، لأن بطنها الذي تحمله فيه بين اليدين، وفرجها الذي تلده به بين الرجلين).
وقوله: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾. قال البخاري: قال ابن عباس: (إنما هو شَرْطٌ شَرَطَهُ اللَّه للنساء). أي: ولا يخالفن أمرك إليهن مما أمرتهنّ به من معروف، ونهيتهن عنه من منكر. قال ميمون بن مهران: (لم يجعل اللَّه لنبيه طاعة إلا لمعروف، والمعروف طاعة). قلت: وقد جاء النهي للنساء في السنة الصحيحة عن معاص كثيرة تخصّهن: فقد أخرج أبو داود والبيهقي بسند صحيح عن امرأة من المبايعات قالت: [كان فيما أخذ علينا رسول اللَّه ﷺ في المعروف الذي أخذ علينا أن لا نعصيه فيه: وأن
стр. 4841
لا نخمش وجهًا، ولا ندعو ويلًا، ولا نشق جيبًا، وأن لا ننشر شعرًا] (١).
وفي الصحيحين من حديث أبي بردة بن أبي موسى قال: [وَجع أبو موسى وجعًا فغشي عليه، ورأسه في حجر امرأة من أهله، فصاحت امرأة من أهله، فلم يستطع أن يرد عليها شيئًا، فلما أفاق قال: أنا بريءٌ ممن برئ منه رسول اللَّه ﷺ ، فإن رسول اللَّه ﷺ برئ من الصالقة، والحالقة، والشاقة] (٢).
والصالقة: هي التي ترفع صوتها عند الفجيعة بالموت. والحالقة: هي التي تحلق شعرها عند المصيبة، والشاقة هي التي تشق جيبها عند ذلك.
وقد أخرج الشيخان من حديث ابن مسعود مرفوعًا إلى النبي ﷺ : [ليس منا من لطمَ الخدود، وشقّ الجيوبَ، ودعا بدعوى الجاهلية] (٣).
وفِي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: [لَعَنَ اللَّه الواصِلَةَ والمستوصِلَةَ، والواشِمة والمستوشِمة] (٤).
وفي جامع الترمذي بسند حسن عن أم سلمةَ الأنصارية قالت: [قالت امرأة من النسوة، ما هذا المعروف الذي لا ينبغي لنا أن نعصيك فيه؟ قال: "لا تَنُحْنَ". قلت: يا رسول اللَّه إن بني فلان، قد أسعدوني على عمي (٥)، ولابد لي من قضائهم، فأبى عليَّ فعاتبته مرارًا، فأذن لي في قضائهن، فلم أنح بعد قضائهن ولا على غيره حتى الساعة، ولم يبق من النسوة امرأة إلا وقد ناحت غيري] (٦).
قال عبد بن حميد: أم سلمة الأنصارية هي: أسماء بنت يزيد بن السكن.
قلت: وهذه البيعة تشتمل على منهاج النجاة للعبد في الدارين، ولذلك ورد تكرارها كثيرًا من النبي ﷺ للرجال والنساء في مواضع مختلفة من السيرة العطرة. وفي ذلك أحاديث، منها:
стр. 4842
الحديث الأول: -في شأن الرجال-. أخرج البخاري ومسلم وأحمد والترمذي عن عبادة بن الصامت قال: [كُنَّا عند رسول اللَّه ﷺ في مَجْلِسٍ فقال: تُبايعوني على أن لا تشركوا باللَّه شيئًا، ولا تَسْرِقوا، ولا تَزْنوا، ولا تقتُلوا أولادكم -قرأ الآية التي أُخِذت على النساء: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ﴾ - فَمَنْ وفى منكم فأجرُه على اللَّه، ومَنْ أصاب من ذلك شيئًا فستره اللَّه عليه فهو إلى اللَّه، إن شاء غَفَر له، وإن شاء عَذَّبه] (١).
الحديث الثاني: -في شأن النساء-. أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس قال: [شهِدْتُ الصلاةَ يوم الفطر مع رسول اللَّه ﷺ وأبي بكر وعُمر وعثمان، فَكُلُّهم يُصَلِّيها قبل الخطبة ثم يخطبُ بعدُ، فنزل نبيُّ اللَّه ﷺ فكأني أنظرُ إليه حين يُجَلِّسُ الرجالَ بيده، ثم أقبل يَشُقُّهم حتى أتى النساءَ مع بلال فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾، حتى فرغ من الآية كلها. ثم قال حين فرغ: أنتُنَّ على ذلك؟ فقالت امرأة واحدةٌ -لم يُجبه غيرُها-: نعم يا رسول اللَّه! قال: فَتَصَدَّقنَ. قال: وبَسطَ بلالٌ ثوبَهُ فَجَعَلْنَ يُلْقِينَ الفَتَخَ (٢) والخواتيمَ في ثوبِ بلال] (٣).
وقوله: ﴿فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قال القاسمي: (أي فبايعهن على الوفاء بذلك، وسل اللَّه لهن مغفرة ذنوبهن، والعفو عنها، فإنه غفور رحيم لمن تاب منها).
١٣. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ (١٣)﴾.
في هذه الآية: تجديدُ النهي عن موالاة الكافرين، كما ابتدأ ذلك في أول هذه السورة التي هي منهاج كامل للمؤمنين، في قواعد الولاء للمسلمين والبراء من المشركين.
стр. 4843
فقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾. يشمل سائر الكفار من المشركين والمنافقين واليهود والنصارى ممن غضب اللَّه عليهم.
وقوله: ﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ﴾. قال مجاهد: (المعنى يئسوا من ثواب الآخرة). قال النسفي: (لأنهم ينكرون البعث). والمقصود: كيف توالون قومًا وتتخذونهم أولياء وأخلاء وهم آيسون من ثواب الآخرة ونعيمها قد كفروا بالبعث والحساب. قال ابن زيد: (يعني اليهود). وقال الحسن: (هم اليهود والنصارى). وقيل: هم المنافقون. وقال ابن مسعود: (معناه أنهم تركوا العمل للآخرة وآثروا الدنيا).
وقوله: ﴿كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾. فيه قولان متكاملان:
القول الأول: قد يئس الكفار من الآخرة كما يئسوا من لقاء قراباتهم الذين ماتوا لأنهم لا يؤمنون بالبعث والنشور. قال ابن عباس: (يعني: من مات من الذين كفروا فقد يئس الأحياء منهم أن يرجعوا إليهم، أو يبعثهم اللَّه). وقال الحسن: (﴿كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ قال: الكفار الأحياء قد يئِسوا من الأموات). يعني من الاجتماع بهم مرة أخرى. وقال قتادة: (كما يئس الكفار أن يرجع إليهم أصحاب القبور الذين ماتوا).
القول الثاني: قد يئس الكفار الأحياء من ثواب الآخرة وكرامتها كما يئس الكفار الأموات في قبورهم من كل خير حين عاينوا مقاعدهم من النار وذاقوا عذاب البرزخ.
قال مجاهد: (﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ قال: من ثواب الآخرة حين تبين لهم عملهم، وعاينوا النار).
واختار ابن جرير القول الثاني، وإن كان القول الأول سالك المعنى، ومن ثمَّ فالإعجاز القرآني يحتمل التأويلين معًا، واللَّه تعالى أعلم.
تم تفسير سورة الممتحنة بعون اللَّه وفضله، وواسع منّه وكرمه ظهر الأحد ٢٠ رمضان ١٤٢٦ هـ الموافق ٢٣/ تشرين الأول/ ٢٠٠٥ م
* * *
стр. 4844
دروس ونتائج وأحكام
١ - لا يجوز للمؤمن أن يوادّ أعداء اللَّه خوفًا على أهله وماله.
٢ - لعل اللَّه قال لأهل بدر: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم.
٣ - لا توالوا من إذا غلبوكم لا يرحمونكم، ونفعهم منقطع عنكم.
٤ - على المؤمنين أن يتبرؤوا من الكفار ولو كانوا آباءهم.
٥ - لا بأس بالإحسان إلى الكفار المسالمين، وخاصة الأرحام والأقربين.
٦ - من يتولى الكفار فإنه منهم، واللَّه جامع المنافقين والكافرين في جهنم.
٧ - استثناء استرجاع المهاجرات المؤمنات من شروط صلح الحديبية.
٨ - فسخ الأنكحة بين المسلمين والمشركين، وللمسلم والمشرك استرداد المهر.
٩ - بايع الرسول النساء على التوحيد وعدم السرقة والزنى وقتل الأولاد وألا يدخلن على أزواجهن غير أولادهم وألا يعصين في معروف، وما مست يد رسول اللَّه ﷺ يد امرأة قط، إنما كان يبايعهن بالكلام.
١٠ - ليس منا من لطَمَ الخدود وشقّ الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية.
* * *
стр. 4845
٦١ - سورة الصف
وهي سورة مدنية، وعدد آياتها (١٤).
فضائلها وما ورد في ذكرها:
لقد ورد في ذكر هذه السورة الكريمة أحاديث من السنة الصحيحة المطهرة:
الحديث الأول: أخرج الدارمي والترمذي بسند صحيح عن محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عبد اللَّه بن سلام قال: [قَعدنا نَفَرٌ من أصحاب رسول اللَّه ﷺ فتذاكرنا فقلنا: لو نعلم أيَّ الأعمال أحبّ إلى اللَّه تعالى لعملناها، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا﴾ حتى ختمها. قال عبد اللَّه: فقرأها علينا رسول اللَّه ﷺ حتى ختمها. قال أبو سلمة: فقرأها علينا ابن سلام. قال يحيى: فقرأها علينا أبو سلمة. قال ابن كثير: فقرأها علينا الأوزاعي. قال عبد اللَّه: فقرأها علينا ابن كثير] (١). وفي رواية: (قال يحيى: فقرأها علينا أبو سلمة وقرأها علينا يحيى وقرأها علينا الأوزاعي وقرأها علينا محمد).
الحديث الثاني: أخرج أحمد والحاكم والبيهقي بسند على شرط الشيخين عن عبد اللَّه بن سلام: [أَنَّ أناسًا من أصحاب رسول اللَّه ﷺ قالوا: لو أرسلنا إلى رسول اللَّه
стр. 4846
نَسألُه عن أحبّ الأعمال إلى اللَّه ؟ فلم يذهب إليه أحدٌ منا، وهِبْنَا أن نسألَه عن ذلك، قال: فدعا رسول اللَّه ﷺ أولئكَ النفَرَ رجلًا رجلًا حتى جمعهم، ونزلت فيهم هذه السورة: ﴿سَبَّحَ﴾، الصفّ. قال عبد اللَّه بن سلام: فقرأها علينا رسول اللَّه ﷺ كُلَّها] (١).
الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن عبد اللَّه بن سلام قال: [تذاكرنا: أيُّكم يأتي رسول اللَّه ﷺ فيسألَهُ: أيّ الأعمال أحبُّ إلى اللَّه؟ فلم يقم أحدٌ منا، فأرسلَ رسول اللَّه ﷺ إلينا رجلًا، فجمعنا، فقرأ علينا هذه السورة، يعني سورة الصف كلها] (٢).
موضوع السورة
وحدة الصف في القتال والقيام وذم التفرق والنفاق والانهزام
- منهاج السورة -
١ - اشتراك جميع الكائنات في تسبيح اللَّه العزيز الحكيم.
٢ - تحذير المؤمنين أن يقولوا ما لا يفعلون، والتنبيه على فضل الجماعة في قتال المشركين.
٣ - ثناء اللَّه تعالى على منهاج موسى وعيسى ﵉، وتبشير عيسى بالمصطفى سيد الخلق وخير الأنام.
٤ - ذمّ أهل الفرية والكذب واللَّه لا يوفق القوم الظالمين، الذين يحاولون إطفاء نور اللَّه العظيم.
٥ - أفضل أنواع التجارة: الإيمان باللَّه والجهاد في سبيله لإعلاء كلمته ونصر دينه.
٦ - تشجيع المؤمنين لنصر دين اللَّه العظيم، وثناؤه تعالى على الحواريين الصادقين.
٧ - تأييد اللَّه تعالى بنصره المؤمنين، وكتابته الغلبة للمخلصين المخبتين.
стр. 4847
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ٤. قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣) إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤)﴾.
في هذه الآيات: تسبيحُ جميع الكائنات للَّه العزيز الحكيم، وتحذير المؤمنين أن يقولوا ما لا يفعلون، والتنبيه على فضل الجماعة في قتال المشركين.
فقوله: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. إخبار من اللَّه تعالى أن جميع ما في السماوات والأرض من شيء ينزِّهُه ويمجّده ويعظمه ويقدّسه، ويُسَبِّح ويصلي له ويُوَحِّده. كقوله: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤].
وقوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾. أي: منيعُ الجناب قد عزّ كل شيء وغلبه. ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أقواله وأفعاله وتدبيره وقدره وشرعه.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. إنكار بليغ على حصول الطلاق بين القول والعمل في حياة المؤمنين.
روى مسلم في صحيحه عن أبي حَرْب بنِ أبي الأسود، عن أبيه قال: [بُعِثَ أبو موسى الأشعري إلى قُرّاء أهل البصرة، فدخل عليه ثلاثُ مئة رَجُلٍ قد قَرؤوا القُرآن، فقال: أنتم خِيارُ أهل البصرة وَقُرَّاؤُهم، فَاتْلوهُ، ولا يَطولَنَّ عليكم الأمدُ فَتَقْسُوَ قلوبُكم كما قسَتْ قلوبُ مَنْ كان قبلكم، وإنا كُنَّا نَقْرأُ سُورةً، كُنَّا نُشَبِّهُهَا في الطول والشِّدة بسورة براءةَ، فَأُنْسِيتُها، غَيْرَ أني قد حَفِظْتُ مِنها: لو كان لابن آدم واديانِ مِنْ مالٍ لابْتَغى واديًا ثالثًا، ولا يَمْلأُ جَوْفَ ابنِ آدمَ إلا الترابُ، وكُنَّا نَقْرَأُ سُورةً
стр. 4848
كُنَا نُشَبِّهُها بإحدى المُسَبِّحاتِ فَأُنْسِيتُها، غيرَ أني قد حَفِظتُ منها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾، فَتُكْتَبُ شهادةً في أعناقِكم، فَتُسْألون عنها يوم القيامة] (١).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (كان ناسٌ من المؤمنين قبلَ أن يُفْرَضَ الجهادُ يقولون: لَوَدِدْنا أن اللَّه دَلَّنا على أحبِّ الأعمال إليه، فنعملَ به. فأخبر اللَّه نبيَّهُ أن أحبَّ الأعمالِ إيمانٌ به لا شكَّ فيه، وجهادُ أهلِ معصيتهِ الذين خالفوا الإيمان ولم يُقِرُّوا به. فلما نزل الجهادُ كَرهَ ذلك أناسٌ من المؤمنين، وشقَّ عليهم أمرُه، فقال اللَّه سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾). رواه ابن جرير واختاره لمعنى الآية.
قلت: بل الآية عامة في كل عزيمة أو عِدَة أو نذر أو قول لا يفي به المؤمن بعد أن أخذه على نفسه أو عاهد اللَّه عليه. قال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤].
وفي الصحيحين والمسند ومعظم السنن عن عبد اللَّه بن عمرو قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [أَرْبَع مَنْ كُنَّ فيه كان منافِقًا خالصًا، ومَنْ كانَتْ فيه خَلَّةٌ مِنْهن كانت فيه خَلَّةٌ مِنْ نِفاقٍ، حتى يَدَعَها: إذا حَدَّثَ كذَبَ، وإذا عاهَدَ غَدَرَ، وإذا وَعَدَ أخْلَفَ، وإذا خاصَمَ فَجرَ] (٢).
وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن ابن عمر وابن عباس، عن النبي ﷺ قال: [لا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أن يُعْطِيَ عَطِيَّةً، أو يَهَبَ هِبَةً، فَيَرْجِعَ فيها، إلا الوالِدَ فيما يُعطي ولَدَه، ومَثَلُ الذي يُعطي العطية ثم يرجع فيها كمثل الكلب يأكُلُ، فإذا شَبعَ قاءَ ثم عادَ في قيئِه] (٣).
وقوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. تأكيد الإنكار، لتناقض الأقوال مع الأعمال. قال النسفي: (واختير لفظ المقت لأنه أشد البغض). وقال القرطبي: (و"مَقْتًا" نصب بالتمييز، المعنى: كبر قولهم ما لا يفعلون مقتًا.
стр. 4849
وقيل: هو حال. والمقت والمَقَاتة مصدران، يقال: رجل مَقيت وممقوت إذا لم يحبه الناس).
قال الزمخشري: (هذا من أفصح كلام وأبلغه في معناه. قصد في "كَبُرَ" التعجب من غير لفظه. ومعنى التعجب تعظيم الأمر في قلوب السامعين. وأسند إلى ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾، ونصب "مقْتًا" على تفسيره، دلالة على أن قولهم ما لا يفعلون مقت خالص، لا شوب فيه، لفرط تمكّن المقت منه. واختير لفظ "المقت" لأنه أشد البغض وأبلغه، ولم يقتصر على أن جعل البغض كبيرًا، حتى جعل أشده وأفحشه. و ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أبلغ من ذلك، لأنه إذا ثبت كبر مقته عند اللَّه، فقد تم كبره وشدته).
قال الناصر: (وزائد على هذه الوجوه الأربعة وجه خامس، وهو تكراره لقوله: ﴿مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ وهو لفظ واحد، في كلام واحد. ومن فوائد التكرار التهويل والإعظام) حكاه القاسمي.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾. قال ابن كثير: (فهذا إخبار منه تعالى بمحبة عباده المؤمنين إذا اصطفُّوا مواجهين لأعداء اللَّه في حَوْمَةِ الوغى، يقاتلون في سبيل اللَّه من كفَرَ باللَّه، لتكون كلمةُ اللَّه هي العليا، ودينُه هو الظاهرُ العالي على سائر الأديان). قال ابن عباس: (﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾: مُثَبّتٌ، لا يزول، ملصق بعضه ببعض). وقال قتادة: (﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾: ألم تر إلى صاحب البنيان كيف لا يحب أن يختلف بنيانه، فكذلك اللَّه لا يحب أن يختلف أمره، وأن اللَّه صفّ المؤمنين في قتالهم وصفهم في صلاتهم، فعليكم بأمر اللَّه فإنه عصمة لمن أخذ به).
يروي الدارمي وصاحب المصابيح بسند حسن عن كعب يحكي عن التوراة قال: [نجد مكتوبًا: محمد رسول اللَّه عبدي المختار، لا فظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر، مولده بمكة وهجرته بطيبة وملكه الشام، وأمته الحمّادون، يحمدون اللَّه في السراء والضراء، يحمدون اللَّه في كل منزلة ويكبرونه على كل شرف، رعاةٌ للشمس، يصلون الصلاة إذا جاء وقتها، يتأزّرون على أنصافهم، ويتوضؤون على أطرافهم، مناديهم ينادي في جوّ السماء، صَفُّهم في القتال وصفّهم في الصلاة سواء، لهم بالليل دوي كدوي النحل] (١).
стр. 4850
وأخرج الإمام أحمد في المسند، والنسائي في السنن، والطبراني بإسناد على شرط مسلم عن يزيد بن عبد اللَّه بن الشِّخِّير قال: [قال مُطَرِّفٌ: كان يبلغني عن أبي ذَرّ حديثٌ كنت أشتهي لقاءَه، فلقيتُه فقلتُ: يا أبا ذرٍّ، كان يبلغني عندك حديثٌ فكنت أشتهي لقاءَك. فقال: للَّه أبوك! فقد لقيتَ، فهاتِ. فقلتُ: كان يبلغني عنك أنك تزعمُ أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ حَدَّثكم: أن اللَّه يحبُّ ثلاثةً ويُبْغِض ثلاثةً؟ قال: أجَل، فلا إخالُني أكذِبُ على خليلي ﷺ . قلت: فَمَن هؤلاء الثلاثة الذين يحبُّهم اللَّه؟ قال: رجُلٌ غَزَا في سبيل اللَّه، خرَج مُحْتَسِبًا مُجاهدًا فلقي العدوَّ فَقُتِلَ، وأنتم تجدونَهُ في كتاب اللَّه المنزَّل، ثم قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾] الحديث (١).
٥ - ٦. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٥) وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦)﴾.
في هذه الآيات: بيانٌ من اللَّه تعالى أنَّ موسى وعيسى -عليهما الصلاة والسلام- أمرا بالتوحيد وجاهدا في سبيل اللَّه، وقد حَلَّ العقاب بمن خالفهما، وقد بشَّر عيسى بالمصطفى عليهما الصلاة والسلام.
فقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾. تسلية للنبي ﷺ عما يلقاه من أذى قومه، فها هو موسى قد أوذي من قبله فصبر. وفيه نهيِ للمؤمنين عن إيذاء نبيهم مثل قوم موسى. كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩].
أخرج البخاري في صحيحه عن ابن مسعود ﵁ قال: [قَسَمَ رسول اللَّه ﷺ قِسمةً، فقال رجلٌ من الأنصار: واللَّه ما أرادَ محمدٌ بهذا وَجْهَ اللَّه، فأتيتُ رسولَ اللَّه ﷺ فأخبرتهُ فتَمَعَّرَ وَجْهُهُ، وقال: رحِمَ اللَّه موسى، لقد أوذِيَ بأكثرَ مِنْ هذا فصَبَرَ] (٢).
стр. 4851
ومن إيذاء بني إسرائيل لموسى ﵇: رَمْيُه بالأدْرة، وقولهم: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، وقولهم: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ [المائدة: ٢٤]، وغير ذلك من محاولات الاتهام والعِناد.
قال القرطبي: (﴿وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ والرسول يحترم ويعظَّم. ودخلت "قَدْ" على ﴿تَعْلَمُونَ﴾ للتأكيد، كأنه قال: وتعلمون علمًا يقينًا لا شبهة لكم فيه).
وقوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾. أي: فلما عدلوا ومالوا عن الحق والهدى، عدَلَ اللَّه بقلوبهم فأمالها عن الرشد والهداية إلى الزيغ والضلال. وهذه هي المرتبة الثانية من مراتب الضلال كما جاء في الكتاب والسنة.
فمراتب الضلال: أولًا - مرتبة الضياع والانحراف: وهي نتيجة رفض الحق وطريق الرسل.
ثانيًا - مرتبة الترك والإهمال والتناسي والخذلان: وهي نتيجة للغور في البعد عن اللَّه، وتعمد ما يسخطه.
ثالثًا - مرتبة الهداية إلى النار يوم القيامة.
فقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾. يدل على المرتبة الثانية مرتبة الترك والخذلان، فيختم اللَّه على قلوب أصحابها فلا طريق للحق إليها.
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧].
٢ - وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥].
وفي صحيح مسلم عن حذيفة ﵁، عن النبي ﷺ قال: [تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلب أُشربها نكتت فيه نكتةٌ سوداء، وأيّ قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى يصير القلب أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مُرْبدًا كالكوز مُجَخِّيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه] (١).
وقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾. قال النسفي: (أي لا يهدي من سبق في علمه أنه فاسق).
стр. 4852
وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾.
أي: واذكر لقومك يا محمد هذه القصة أيضًا -قصة عيسى بن مريم ﵇ إذ بعثه اللَّه إلى بني إسرائيل بالإنجيل مصدقًا ما تقدمه من كتاب، وهو التوراة التي بشّرت به. ولم يقل عيسى لهم ﴿يَاقَوْمِ﴾ كما قال موسى، لأنه لا نسب له فيهم فيكونون قومه.
وقوله: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾. أي: وكما بشرت التوراة بعيسى، فإن عيسى بشَّر بمحمد -عليهما الصلاة والسلام-.
قال البخاري في كتاب التفسير من صحيحه، باب: ﴿مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]: حَدَّثنا أبو اليَمان: أخبرنا شُعيب عن الزُّهري قال: أخبرني محمد بن جبير ابنِ مطعم، عن أبيه ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: [إنَّ لي أسماءً: أنا محمدٌ، وأنا أحمدُ، وأنا الماحي الذي يَمْحو اللَّه بي الكُفرَ، وأنا الحاشِرُ الذي يُحْشَرُ الناس على قدمي، وأنا العاقِب] (١). والعاقب الذي ليس بعده نبي.
وفي صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري قال: [كان رسول اللَّه ﷺ يُسَمِّي لنا نَفْسَهُ أسماءً، فقال: أنا محمدٌ، وأحمدُ، والمُقَفِّي، والحاشِرُ، ونبيُّ التوبة، ونبيُّ الرحمة] (٢).
وفي التنزيل: إثبات لتلك البشائر في التوراة والإنجيل وميثاق الأنبياء:
١ - قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١]. قال ابن عباس: (ما بعث اللَّه نبيًا إلا أخذ عليه العهد: لئن بُعِثَ محمدٌ وهو حيٌّ لَيتبعنَّه، وأخذ عليه أن يأخذ على أمته لئن بُعِثَ محمد وهم أحياء لَيتَّبعُنَّه ويَنْصُرنَّهُ).
стр. 4853
ومن كنوز السنة العطرة في ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الحاكم والبيهقي بسند جيد عن خالد بن مَعْدان، عن أصحاب رسول اللَّه ﷺ أنهم قالوا: يا رسول اللَّه! أخبرنا عن نفسك. قال: [دعوة أبي إبراهيم، وبُشرى عيسى، ورأت أمي حين حملت بي كأنه خرج منها نورٌ أضاءت له قصور بُصرى من أرض الشام] (١).
الحديث الثاني: أخرج أحمد والطيالسي بسند صحيح عن أبي أمامة قال: [قلتُ يا نبي اللَّه! ما كان بَدْءُ أَمرِكَ؟ قال: دعوةُ أبي إبراهيم، وبُشرى عيسى، ورأت أمي أنه يخرجُ منها نورٌ أضاءت له قصور الشام] (٢).
الحديث الثالث: أخرج أحمد والحاكم بسند صحيح عن العِرباض بن سارية قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إني عند اللَّه لخاتَمُ النبيّين وإنَّ آدم لَمُنْجَدِل في طينته، وسأنبئكم بأوَّل ذلك، دعوةُ إبراهيم، وبشارة عيسى بي، ورؤيا أمي التي رأت] (٣).
وجاء في التوراة: (أن نبيًا سيظهر في مكة، -وهو أحد أبناء إسماعيل ﵇ وأن اسْمَه يرتفع فيها، وأنه يركب الجمل، وأنه يحارب بالسيف، وأنه ينتصر هو وأصحابُه، وأنه يُبارك عليه في كل يوم -وهذا ما يفعله المسلمون عند التشهد-، وأن ملوك اليمن تأتيه بالقرابين، وأن علامة سلطانه على كتِفه بقدْرِ بيضة الحمام) (٤).
وجاء في إنجيل بَرْنابا (باب: ٢٢٠): أن عيسى ﵇ قال لأتباعه: (وسيبقى هذا إلى أن يأتي محمدٌ رسول اللَّه الذي متى جاء كشفَ هذا الخِداع للذين يؤمنون بشريعة اللَّه).
وقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. أي: بَيِّن. قال ابن جُريج: (﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ قال: أحمد). وقيل: عيسى. واختار ابن جرير وابن كثير والقاسمي وغيرهم
стр. 4854
أنه أحمد ﵊. قال ابن كثير: (أي: المُبَشَّر به في الأعصار المتُقَادمة المُنَوَّه بِذِكْرِهِ في القرون السالفة، لما ظهر أمرُه وجاء بالبينات قال الكفرة المخالفون: ﴿هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾). قال القاسمي: (والإشارة إلى ما جاء به أو إليه، ﵊، وتسميته سحرًا مبالغة. يريد ﵇: أن ديني التصديق بكتب اللَّه وأنبيائه جميعًا، ممن تقدّم وتأخّر).
فائدة: الفرق بين أحمد ومحمد ﷺ .
قال ابن القيم في "جلاء الأفهام": (الفرق بين محمد وأحمد من وجهين:
أحدهما: أن محمدًا هو المحمود حمدًا بعد حمد، فهو دالّ على كثرة حمد الحامدين له، وذلك يستلزم كثرة موجبات الحمد فيه. و ﴿أَحْمَدُ﴾ أفعَل تفضيل من الحمد، يدل على أن الحمد الذي يستحقه أفضل مما يستحقّه غيره. فمحمد زيادة حمد في الكمية، وأحمد زيادة في الكيفية، فيحمد أكثر حمد، وأفضل حمد حمده البشر.
والوجه الثاني: أن محمدًا هو المحمود حمدًا متكررًا كما تقدم، وأحمد هو الذي حمده لربه أفضل من حمد الحامدين غيره. فدلّ أحد الاسمين -وهو محمد- كونه محمودًا. ودل الاسم الثاني -وهو أحمد- على كونه أحمد الحامدين لربه).
٧ - ٩. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٧) يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)﴾.
في هذه الآيات: ذمُّ من اختار سبيل الفرية والكذب على اللَّه طريقًا له واللَّه لا يوفق القوم الظالمين، الذين يحاولون إطفاء نور اللَّه واللَّه ناصر دينه ومظهر رسوله ولو كره المشركون.
فقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ﴾. أي: لا أحد أظلمُ ممن يختار سبيل الفِرية والكذب على اللَّه وقد ظهر أمر الدين الحق بالبينات والمعجزات، فهو يُدعى إلى التوحيد والإخلاص ويأبى إلا البقاء على الشرك والرياء. قال القرطبي: (هذا تعجُّب ممن كفر بعيسى ومحمد بعد المعجزات التي ظهرت لهما).
وقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. أي: جزاء وفاقًا. فإنّ مقابلة الفرية والكذب إنما
стр. 4855
هو بالختم والطبع، والترك والنسيان، والإهمال والخذلان.
وقوله: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾. قال ابن زيد: (نور القرآن). قلت: والأشمل أن يقال نور الإسلام الممثل بالوحيين: القرآن والسنة المطهّرة، فإنه يؤذي أعين الطغاة ويحرق بإشعاعه قلوبهم، فناصبوه العداء لمنع انتشار نوره، ولكنهم بذلك كمن يحاول إطفاء نور الشمس بفيه. قال ابن جرير: (يقول: يريدون ليبطلوا الحق الذي بعث اللَّه به محمدًا ﷺ بأفواههم يعني بقولهم إنه ساحر، وما جاء به سحر، ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ يقول: اللَّه معلن الحق، ومظهر دينه، وناصر محمدًا ﵊ على من عاداه، فذلك إتمام نوره).
وقوله: ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾. أي: واللَّه متم الحق ومبلغه غايته، ومظهر نبيه وصحابته، والطائفة التي على منهاج النبوة، ولو كره الكافرون وأغاظهم ذلك.
وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾. قال النسفي: (أي الملة الحنيفية). وقوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾. أي: ليعليه على جميع الأديان المخالفة له. قال مجاهد: (إذا نزل عيسى لم يكن في الأرض إلا دين الإسلام).
وقوله: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾. أي: ولو أغاظ ذلك أهل الشرك والكفر والطغيان.
وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد اللَّه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: [لا تزال طائفةٌ من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة. قال: فينزل عيسى بن مريم ﷺ فيقول أميرهم: تعالَ صَلِّ لنا، فيقول: لا، إنَّ بعضَكم على بعض أمراءُ، تَكْرِمَةَ اللَّه هذه الأمة] (١).
وكذلك أخرج الإمام مسلم عن ثوبان قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرّهم من خَذَلَهُمْ حتى يأتيَ أمر اللَّه وهم كذلك] (٢).
وله شاهد عنده من حديث المغيرة بلفظ: [لنْ يزالَ قوم من أمتي ظاهرين على الناس، حتى يأتيهم أمر اللَّه، وهم ظاهرون].
стр. 4856
١٠ - ١٣. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣)﴾.
في هذه الآيات: بيانُ أفضل أنواع التجارة، إنه الإيمان والجهاد لنيل رضوان اللَّه والمغفرة، ونصره -تعالى- في الدنيا والفوز في الآخرة.
فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. أي: تخلصكم من عذاب موجع في نار جهنم. قال قتادة: (فلولا أن اللَّه بَيَّنها، ودلَّ عليها المؤمنين، لتلهف عليها رجال أن يكونوا يعلمونها، حتى يضنوا بها، وقد دلكم اللَّه عليها، وأعلمكم إياها فقال: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. قال: الحمد للَّه الذي بَيَّنها).
وقد تقدم حَديث الإمام أحمد عن عبد اللَّه بن سلام قال: [تذاكرنا: أيّكم يأتي رسول اللَّه ﷺ فَيَسْألَهُ: أيّ الأعمال أحبّ إلى اللَّه؟ فلم يقم أحدٌ منا، فأرسل رسول اللَّه ﷺ إلينا رجلًا، فجمعنا، فقرأ علينا هذه السورة، يعني سورة الصف كلها] (١).
ومن ضمن هذه السورة هذه الدعوة إلى هذه الصفقة العظيمة من التجارة الرابحة: الإيمان والجهاد. فقال: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي إيمانًا يقينيًا لا يشوبه أدنى شك. فناداهم بـ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ثم دعاهم إلى الصدق في هذا الإيمان حتى تحصل النجاة ويكون الظفر بالصفقة الكبيرة. وهو كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء: ١٣٦].
ثم عطف على الإيمان الجهاد في سبيل اللَّه بالأموال والأنفس. قال القرطبي: (ذكر الأموال أولًا لأنها التي يبدأ بها في الإنفاق).
وقوله: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. قال القاسمي: (أي من أهل العلم. أو أنه خير). والمقصود: هذه التجارة التي ذكرت لكم في صدق الإيمان وفي الجهاد ببذل
стр. 4857
الأموال والأنفس، خير لكم من تجارة الدنيا، والكدِّ لها والتصدي لها وحدَها. فهو من باب إلهاب الحمية للطاعة، والاستثارة بلفظ "التجارة" للباعة، فإن اللَّه اشترى من المؤمنين أموالهم وأنفسهم بأن لهم الجنة.
وقوله: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾.
قال ابن كثير: (أي: إن فعلتم ما أمرتكم به ودَلَلتُكُم عليه غَفَرتُ لكم الزّلات، وأدخلتكم الجنَّات، والمساكن الطيبات، والدرجات العاليات).
وقوله: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. قال ابن جرير: (يقول: ذلك النجاء العظيم من نكال الآخرة وأهوالها).
وقوله: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا﴾. قال الفرّاء: ("أخْرى" معطوفة على ﴿تِجَارَةٍ﴾ فهي في محل خفض). والمقصود: وتجارة أخرى تحبون الظفر بأرباحها وجوائزها.
وقيل: بل محلها الرفع على الابتداء، والمعنى: أي: ولكم خصلة أخرى سوى ذلك في الدنيا تحبونها: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾. قلت: وكلا التأويلين يحتمله الإعجاز القرآني والبيان الإلهي.
وقوله: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾. قال القرطبي: (أي هو نصر من اللَّه، فـ ﴿نَصْرٌ﴾ على هذا تفسير ﴿وَأُخْرَى﴾. وقيل: رفع على البدل من "أخْرى" أي ولكم نصر من اللَّه. ﴿وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ أي غنيمة في عاجل الدنيا، وقيل فتح مكة. وقال ابن عباس: يريد فتح فارس والروم).
وقوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. أي بهذا النصر على عدوهم، والفتح العاجل لهم، وما يرافق ذلك من الرضا عنهم، ويعقبه نعيم الجنة عرّفها لهم.
١٤. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (١٤)﴾.
في هذه الآية: تشجيعُ اللَّه المؤمنين على نصر دين اللَّه العظيم، كما نصر الحواريون عيسى بن مريم ومنهاج النبوة الكريم، وقد كتب اللَّه النصر والغلبة للصادقين المخبتين.
стр. 4858
فقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ﴾. ابتداء خطاب من اللَّه، أي: كونوا - معشر المؤمنين أنصارًا للَّه في جميع أقوالكم وأفعالكم. وقيل: بل التقدير: قل لهم يا محمد كونوا أنصار اللَّه. والأول أنسب للسياق.
وقوله ﴿كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾. الحواريّون: خواص الرسل. قال القرطبي: (أكّدَ أمر الجهاد، أي كونوا حوارِيّ نبيِّكم ليظهركم اللَّه على من خالفكم كما أظهر حواريّ عيسى على من خالفهم). قال ابن كثير: (﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ أي: مَنْ معيني في الدعوة إلى اللَّه ؟ ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾ -وهم أتباع عيسى ﵇: ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾، أي: نحن أنصارُكَ على ما أُرسلت به ومؤازِرُوك على ذلك. ولهذا بعثهم دعاةً إلى الناس في بلاد الشام في الإسرائيليين واليُونانيين).
وعن قتادة: (قد كانت للَّه أنصار من هذه الأمة تجاهد على كتابه وحقه. قال: جاءه سبعون رجلًا فبايعوه عند العقبة، فنصروه وآوَوْه حتى أظهر اللَّه دينه).
وقوله: ﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ﴾. أي: اهتدت طائفة من بني إسرائيل بما جاءهم به عيسى ﵇، وجحدت طائفة أخرى نبوّته، ورموه وأمَّه بالبهتان والكذب -وهم اليهود- عليهم لعائن اللَّه. وغلت فيه طائفة ممن اتبعه وكانوا شيعًا: منهم من قال: إنه اللَّه. ومنهم من قال: هو ابن للَّه. ومنهم من قال: إنه ثالث ثلاثة: الأب، والابن، وروح القدس. ذكره الحافظ ابن كثير.
وقوله: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾. أي: فقوّينا الذين آمنوا منهم على عدوهم الذين كفروا بعيسى فأصبحوا غالبين. قال ابن عباس: (أيَّد اللَّه الذين آمنوا في زمن عيسى بإظهار محمد على دين الكفار). وقال مجاهد: (أيدوا في زمانهم على من كفر بعيسى). قلت: وكلا المعنيين حق، فإن المؤمنين في زمان عيسى ﵇ كانوا هم الغالبين، ثم أيَّد اللَّه بقيَّتهم فنصرهم على من عاداهم من فِرق النصارى ببعثة محمد ﷺ .
تم تفسير سورة الصف بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه عصر الأربعاء ٢٣ رمضان ١٤٢٦ هـ الموافق ٢٦/ تشرين الأول/ ٢٠٠٥ م
стр. 4859
دروس ونتائج وأحكام
١ - أمقت شيء عند اللَّه أن تقولوا ما لا تفعلون.
٢ - صفوفُ هذه الأمة في الصلاة وفي القتال سواء، فهي كالبنيان المرصوص تحمل الرعب والرهبة للأعداء.
٣ - بشارة النبيين وبشارة عيسى بالنبي الأمي العربي محمد ﷺ .
٤ - محمد ﷺ هو الماحي الذي يمحو اللَّه به الكفر، والحاشر الذي يُحْشَرُ الناس على قدمه، وهو العاقب الذي ليس بعده نبي.
٥ - ما أنزل اللَّه الإسلام إلا ليظهره على الأديان عامة ويختمها به.
٦ - لا تزال طائفة من أمة محمد ﷺ ظاهرين على الحق لا يضرّهم من خذلهم إلى يوم القيامة.
٧ - كان المسلمون الأوائل أنصار محمد ﷺ كما كان الحواريون أنصار عيسى ﷺ .
٨ - ألقي شبه عيسى على أحد الحواريين، وجزاؤه الجنة بإذن اللَّه.
* * *
стр. 4860
٦٢ - سورة الجمعة
وهي سورة مدنية، وعدد آياتها (١١).
فضائلها وما ورد في ذكرها:
لقد جاء ذكر هذه السورة وفضلها وفضل يوم الجمعة في أحاديث من السنة العطرة:
الحديث الأول: روى مسلم وأبو داود والترمذي عن ابن عباس وأبي هريرة: [أنّ رسول اللَّه ﷺ كان يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين] (١).
الحديث الثاني: روى مسلم -في كتاب الجمعة- من صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [خير يوم طلعت عليه الشمسُ يوم الجمعة، فيه خُلِقَ آدمُ، وفيه أُدْخِل الجنة، وفيه أخرج منها] (٢).
الحديث الثالث: أخرج أبو داود وابن حبان بسند صحيح عن أوس بن أوسٍ الثقفي ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إنّ من أفضل أيامكم يومَ الجمعة، فيه خُلِقَ آدم، وفيه قُبِضَ، وفيه النفخةُ، وفيه الصعقة، فأكثِروا عليَّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليّ. قالوا: وكيف تُعرض صلاتنا عليك وقد أَرمْتَ؟ -أي بليت-
стр. 4861
فقال: إن اللَّه جل وعلا حرَّم على الأرض أن تأكلَ أجسامنا] (١).
الحديث الرابع: أخرج أحمد وابن ماجة بلفظ واحد عن أبي لبابة بن عبد المنذر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إنَّ يومَ الجمعة سيدُ الأيام، وأعظمها عند اللَّه، وهو أعظمُ عند اللَّه من يوم الأضحى ويوم الفطر، وفيه خمسُ خلالٍ: خلق اللَّه فيه آدم، وأهبط اللَّه فيه آدم إلى الأرض، وفيه توفّى اللَّه آدم، وفيه ساعة لا يسأل اللَّه فيها العبد شيئًا إلا أعطاه إياه ما لم يسأل حرامًا، وفيه تقوم الساعة. ما مِنْ ملكٍ مقرَّبٍ، ولا سماء، ولا أرضٍ، ولا رياحٍ، ولا جبالٍ، ولا بحرٍ، إلّا وَهُنَّ يُشفِقْنَ مِنْ يوم الجمعة] (٢).
الحديث الخامس: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [نحن الآخِرون الأوَّلون يوم القيامةِ، ونحنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّة، بَيْدَ أنهم أوتوا الكتابَ من قَبْلِنا وأوتيناهُ مِن بَعْدهم، فاختلفوا، فهدانا اللَّه لما اختلفوا فيه من الحق، فهذا يومُهم الذي اختلفوا فيه، هدانا اللَّه له -قال (٣): يومُ الجمعة- فاليوم لنا، وغدًا لليهود، وبَعْد غَدٍ للنصارى] (٤).
الحديث السادس: أخرج ابن ماجة بسند حسن عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إنّ هذا يومُ عيد، جعله اللَّه للمسلمين، فمن جاء إلى الجمعة فَلْيَغْتسل، وإن كان طيبٌ فليمَسَّ مِنه، وعليكم بالسواك] (٥).
موضوع السورة
الجمعة تشريعها وآدابها واختصاص اللَّه هذه الأمة بها
стр. 4862
- منهاح السورة -
١ - اشتراك جميع الكائنات بتسبيح اللَّه الملك القدوس العزيز الحكيم.
٢ - امتنان اللَّه تعالى على عباده ببعث رسوله الكريم، يعلمهم الكتاب والسنة ومنهاج هذا الدين القويم.
٣ - متابعة الأخيار في هذه الأمة نبيهم وأصحابه على منهاج الحق منهاج الرسول الكريم.
٤ - تشبيهُ الذين نقضوا عهد التوراة بالحمار يحمل كتبًا لا ينتفع بها، ودعوة اليهود لتصديق ادعائهم أنهم أبناء اللَّه وأحباؤه بتمني الموت في سبيل اللَّه.
٥ - الأمْرُ بالسعي إلى صلاة الجمعة وتأجيل الصفق في الأسواق وتعظيم هذه الشعيرة العظيمة.
٦ - إباحة العودة بعد الصلاة لابتغاء الرزق والفضل من اللَّه، والأمر بالتماس ذكره تعالى دومًا فعليه الفلاح في الدنيا والآخرة.
٧ - عتاب لطيف من اللَّه تعالى لأصحاب نبيه الكرام، في انشغالهم بالعير عن متابعة خطبة نبيهم ﵊.
٨ - ما عند اللَّه خير وأبقى واللَّه خير الرازقين.
* * *
стр. 4863
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ٤. قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾.
في هذه الآيات: تسبيحُ جميع الكائنات للَّه الملك القدوس العزيز الحكيم، الذي امتن على عباده بإرسال هذا النبي الكريم، يعلمهم الكتاب والسنة ويتابعهم الأخيار من بعدهم على هذا المنهاج القويم.
فقوله: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. إخبارٌ من اللَّه تعالى أنه يسبح له كل من في السماوات والأرض من جميع المخلوقات ناطقها وجامدها، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤].
وقوله: ﴿الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ﴾. الملك: هو المالك لكل شيء المتصرف فيه. والقدّوس: هو الطاهر من العيوب المتنزِّه عنها. قال تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [طه: ١١٤]. وقال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ [الحشر: ٢٣].
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [يقبض اللَّه الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض] (١).
وفي سنن أبي داود عن عائشة: [أن النبي ﷺ كان يقول في ركوعه وسجوده: سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، ربُّ الملائكة والروح] (٢).
стр. 4864
وقوله: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. العزيز: الغالب القاهر، والعِزَّة: الغَلَبة. والحكيم: العالم وصاحب الحكمة والمتقن للأمور. وفي التنزيل: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨].
وفي الصحيحين عن ابن عباس: أن نبي اللَّه ﷺ كان يدعو عند الكرب: [لا إله إلا اللَّه الحليم الحكيم، لا إله إلا اللَّه ربُّ العرش العظيم. لا إله إلا اللَّه ربُّ السماوات والأرض ورب العرش الكريم] (١).
وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾. قال ابن عباس: (الأميّون العرب كلهم، من كتب منهم ومن لم يكتب، لأنهم لم يكونوا أهل كتاب). وقيل: الأميّون الذين لا يكتبون. وكذلك كانت قريش. وقوله: ﴿رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ يعني محمدًا ﷺ . وما من حَيّ من العرب إلا ولرسول اللَّه ﷺ فيهم قرابة وقد وَلدوُه. قال ابن إسحاق: (إلا حيّ تَغْلِب، فإن اللَّه تعالى طَهَّر نبيّه ﷺ منهم لِنَصْرانِيَّتهم، فلم يجعل لهم عليه ولادة. وكان أميًا لم يقرأ من كتاب ولم يتعلم ﷺ ).
قال الماوردي (٦/ ٦): (فإن قيل ما وجه الامتنان بأن بعث نبيًا أميًّا؟ فالجواب عنه من ثلاثة أوجه: أحدها: لموافقته ما تقدمت به بشارة الأنبياء. الثاني: لمشاكلة حاله لأحوالهم، فيكون أقرب إلى موافقتهم. الثالث: لينتفي عنه سوء الظن في تعليمه ما دعا إليه من الكتب التي قرأها والحكم التي تلاها).
وكونه بعث في الأميين -أي العرب- لا ينفي عموم بعثته للعالمين، وإنما يكون وجه الامتنان من اللَّه على قومه أبلغ وأكثر، وهذه الآية مصداق إجابة دعوة إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩]. فبعثه اللَّه على حين فترة من الرسل، وطموس في السبل، وقد اشتدت الحاجة إليه.
وقوله: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾. فيه البدء بتزكية النفس لتتحمل لوازم العلم، فإن الإيمان أولًا ثم طلب العلم يكون يعقبه، كما قال بعض السلف: (تعلمنا الإيمان، ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانًا). فقوله: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ يعني القرآن. قال ابن عباس: (﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ أي يجعلهم أزكياء القلوب
стр. 4865
بالإيمان). وقيل: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ يطهّرهم من دنس الكفر والذنوب - قاله ابن جريج. وعن الحسن: (﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾ يعني القرآن ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ السنة). وقال مالك بن أنس: ("الحِكْمَةُ" الفقه في الدِّين).
وقوله: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. أي: وإن كانوا من قبل محمد ﷺ لفي كفر وجهالة، وذهاب عن الحق.
وقوله: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾. عطف على ﴿الْأُمِّيِّينَ﴾ أي بعث في الأميّين وبعث في آخرين منهم. أو هو منصوب بالعطف على الهاء والميم في ﴿وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ﴾ أي يعلمهم ويعلم آخرين من المؤمنين - حكاه القرطبي وقال: (لأن التعليم إذا تناسق إلى آخر الزمان كان كله مسندًا إلى أوّله، فكأنه هو الذي تولّى كل ما وجد منه) وقال عكرمة: (﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾: هم التابعون). وقال مجاهد: (هم الناس كلهم، يعني من بعد العرب الذين بُعِث فيهم محمد ﷺ ). وقال ابن زيد: (هم من دخل في الإسلام بعد النبي ﷺ إلى يوم القيامة).
قلت: وآفاق هذه المعاني في عموم بعثته ﷺ ، وتصديق العرب والعجم بهذا الدين، والتسابق لحمل لوائه مؤيد في تفسير هذه الآية بروائع من السنة الصحيحة:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: [كنا جُلوسًا عند النبي ﷺ فَأُنزلت عليه سورة الجمعة: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ قال: قُلت: مَنْ هُمْ يا رسول اللَّه؟ فَلَمْ يُراجِعْهُ حتى سأل ثلاثًا وفينا سلمانُ الفارسي، وضَعَ رسول اللَّه ﷺ يده على سَلْمانَ، ثم قال: لو كان الإيمان عِند الثريا لنالَهُ رجالٌ أو رجُلٌ مِنْ هؤلاء] (١).
وقد صَحَّ بلفظ آخر: [لو كان الدينُ عند الثريا لذهبَ به رجلٌ من فارس، أو قال: من أبناء فارس حتى يتناوله] (٢).
الحديث الثاني: أخرج الحاكم بإسناد على شرط البخاري عن زيد بن أسلم عن ابن عمر قال: قال النبي ﷺ : [رأيت غنمًا كثيرة سوداء، دخَلَت فيها غَنَمٌ كثيرةٌ بيض.
стр. 4866
قالوا: فما أوَّلْتَهُ يا رسولَ اللَّه؟ قال: العَجَم، يَشْرَكونَكُم في دينكم وأنسابكم. قالوا: العجم يا رسول اللَّه؟ قال: لو كان الإيمان معلقًا بالثريا لناله رجال من العجم، وأسعد بهم الناس] (١).
الحديث الثالث: أخرج أبو نعيم في "أخبار أصبهان" بسند حسن من طريق عمرو بن شرحبيل عن رجل من أصحاب النبي ﷺ مرفوعًا: [رأيتُ الليلة غنمًا سودًا تَتْبَعُني، ثم أَرْدَفتها غنم عُفْرٌ، فقال أبو بكر: تلك العرب اتَّبَعَتْكَ، ثم أردفَتْها الأعاجم. فقال ﷺ : كذلكَ عَبَّرَها الملك بِسَحَر] (٢).
الحديث الرابع: أخرج ابن أبي عاصم في "السنة" بسند صحيح عن سهل بن سعد قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إنّ في أصلاب أصلاب أصلاب رجال رجالًا ونساءً من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب، ثم قرأ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾] (٣).
وقوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. قال النسفي: (في تمكينه رجلًا أميًا من ذلك الأمر العظيم وتأييده عليه واختياره إياه من بين كافة البشر).
وقوله: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. يعني: ما اختص اللَّه به محمدًا ﷺ من النبوة العظيمة، وما خصّ به أمّته من بعثته الكريمة. قال ابن عباس: (الفضل: الدين). وقال مقاتل: (الوحي والنبوة). وقيل: (إنه انقياد الناس إلى تصديق النبي ﷺ ودخولهم في دينه ونصرته). وقيل: إنه المال ينفق في طاعته. ودليله ما في صحيح البخاري ومسلم عن أبي صالح، عن أبي هريرة: [أنَّ فقراء المهاجرين أتوا رسول اللَّه ﷺ فقالوا: ذهبَ أهل الدُّثور (٤) بالدرجات العلا والنعيم المقيم. فقال: "وما ذاك"؟ قالوا: يُصَلُّون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدّقون ولا نتصدق ويُعتقون ولا نُعتق. فقال رسول اللَّه
стр. 4867
- ﷺ : "أفلا أعلمكم شيئًا تُدركون به من سبقكم وتسبقون به من بعدكم ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنَعَ مثل ما صنعتم"؟ قالوا: بلى يا رسول اللَّه، قال: "تسبّحون وتكبّرون وتحمدون دُبُرَ كل صلاة ثلاثًا وثلاثين مرة". قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول اللَّه ﷺ فقالوا: سمع إخواننا أهلُ الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله. فقال رسول اللَّه ﷺ : ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾] (١).
قلت: وجميع ما ذكر من اختصاص اللَّه محمدًا ﷺ بالنبوة، واختصاص أمته باستقبال بعثته، وانقياد الناس إليه ودخولهم في دينه ونصرته، وتسابق بعض العرب والعجم لحمل لواء شريعته، وإنفاق بعض الأغنياء في سبيل نشر دعوته، كل ذلك داخل في مفهوم هذه الآية.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. قال ابن عباس: (حيث ألحق العجم بقريش). وقال: (يقول: واللَّه ذو الفضل على عباده، المحسن منهم والمسيء، والذي بعث فيهم الرسول منهم وغيرهم، العظيم الذي يقلّ فضل كل ذي فضل عنده).
٥ - ٨. قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥) قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٧) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)﴾.
في هذه الآيات: تشبيه الذين أوتوا التوراة من اليهود والنصارى وقد كُلفوا العمل بها فلم يعملوا بها، ثم كذبوا بمحمد ﷺ ولم يؤمنوا بالوحي والنبوة، بالحمار يحمل على ظهره كتبًا من كتب العلم لا ينتفع بها ولا يعقل ما بداخلها، ودعوة اليهود لتصديق ادعائهم أنهم أبناء اللَّه وأحباؤه بتمني مفارقة هذه الحياة إلى دار الخلود وجنات النعيم،
стр. 4868
ولكنهم أحرص الناس على الحياة واللَّه عليم بالظالمين.
قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ﴾. قال ابن عباس: (﴿حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ﴾ أي كُلّفوا العمل بها). وقال الجُرجاني: (هو من الحَمالة بمعنى الكفالة، أي ضمنوا أحكام التوراة).
وقوله: ﴿ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾. أي تركوا العمل بها، وأهملوا التحاكم إليها.
وقوله: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾. أسفارًا: جميع سِفْر، وهو الكتاب الكبير، لأنه يسفر عن المعنى إذا قرئ. قال مجاهد: (﴿يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ يحمل كتبًا لا يدري ما فيها، ولا يعقلها). وقال مَيمون بن مِهْران: (الحمار لا يدري أسِفْر على ظهره أم زِبيل، فهكذا اليهود). قال القرطبي: (وفي هذا تنبيه من اللَّه تعالى لمن حمل الكتاب أن يتعلم معانيه ويعلم ما فيه، لئلا يلحقه من الذمّ ما لحق هؤلاء).
قلت: وقد جاء في السنة الصحيحة نحو ما جاء في هذه الآية مما يعيب اليهود، ويحذر أمة محمد ﷺ أن تسلك مسلكهم.
فقد أخرج الطبراني بسند حسن عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: [إن بني إسرائيل كتبوا كتابًا فاتبعوه وتركوا التوراة] (١).
وكذلك أخرج الطبراني بسند صحيح عن خَبّاب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إن بني إسرائيل لما هلكوا قصُّوا] (٢).
قال المناوي: (أي لما هلكوا بترك العمل أخلدوا إلى القصص، وعولوا عليها، واكتفوا بها).
قلت: وما أشبه حال المسلمين اليوم بهذا الحال الذي حُذّروا من اتباعه، فإن كثيرًا من وعاظهم انصرفوا إلى الوعظ بالقصص والأخبار الواهية، والحكايات والإسرائيليات البالية، تاركين منهج الفقه والعلم النافع الذي يعرف الناس بدينهم الحق، والذي يحملهم على العمل الصالح والدأب والتحصيل النافع.
стр. 4869
أخرج الحاكم بسند جيد عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [لتركبنَّ سُنَنَ من كان قبلكم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، وباعًا بباع، حتى لو أنّ أحدهم دخل جُحْرَ ضب دخلتم، وحتى لو أن أحدهم ضاجع أمه بالطريق لفعلتم] (١).
وقوله: ﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾. أي: بئس مثل القوم المثل الذي ضربناه لهم. قال ابن القيم في "أعلام الموقعين": (قاسَ من حَمَّلَهُ سبحانه كتابَهُ ليؤمِنَ به ويتدبّره ويعمل به ويدعو إليه، ثم خالف ذلك، ولم يحمله إلا على ظهر قلب، فقراءته بغير تدبّر ولا تفهّم ولا اتباع له، ولا تحكيم له، وعمل بموجبه -كحمار على ظهره زاملة أسفار، لا يدري ما فيها، وحظه منها حملها على ظهره ليس إلا، فحظّه من كتاب اللَّه كحظّ هذا الحمار من الكتب التي على ظهره. فهذا المثل، وإن كان ضُرِب لليهود، فهو متناول من حيث المعنى، لمن حمل القرآن، فترك العمل به، ولم يؤدّ حقّه، ولم يرعه حق رعايته).
وقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. أي: واللَّه لا يوفق القوم الذين اختاروا ظلم أنفسهم، بكفرهم بآيات ربهم. وقيل: واللَّه لا يهدي من سبق في علمه أن يكون كافرًا.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. -هادوا-: من هادَ يهود إذا تهوّد. والمقصود: لما ادّعت اليهود الفضيلة بأنهم أبناء اللَّه وأحباؤه من دون الناس دُعوا للاختبار الدقيق، فإن للأولياء عند اللَّه الكرامة، ومن ثمَّ قيل لهم: تمنّوا على اللَّه أن يميتكم وينقلكم سريعًا إلى دار كرامته التي أعدها لأولياءه، فتستريحوا من كرب الدنيا وهمومها وغمومها، وتصيروا بعد الموت إلى روح الجنان ونعيمها، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في زعمكم ودعواكم.
وفي التنزيل نحو ذلك، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٩٤ - ٩٦].
وقوله: ﴿وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾. أي: لا يتمنى اليهود الموت أبدًا بما
стр. 4870
اجترحوا من ظلم وآثام، وبما اكتسبوا من كفر وفجور وإجرام.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾. أي: واللَّه ذو علم بمن أوبق نفسه بالكفر باللَّه ورسله وكان من الظالمين.
وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾. أي: قل يا محمد لهؤلاء اليهود: إن الموت الذي تكرهون تمنّيه وتحذرون وقوعه نازل بكم. وهو كقوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨].
وقوله: ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾. قال ابن جرير: (ثم يردّكم ربكم من بعد مماتكم إلى عالم الغيب والشهادة، عالم غيب السماوات والأرض، ﴿وَالشَّهَادَةِ﴾: يعني وما شهد فظهر لرأي العين، ولم يغب عن أبصار الناظرين).
وقوله: ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. قال قتادة: (يقول: فيخبركم حينئذ ما كنتم في الدنيا تعملون من الأعمال، سيئها وحسنها، لأنه محيط بجميعها، ثم يجازيكم على ذلك المحسن بإحسانه، والمسيء بما هو أهله).
٩ - ١٠. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾.
في هذه الآيات: أمْرُ اللَّه تعالى عباده المؤمنين بالسعي إلى صلاة الجمعة إذا سمعوا النداء لها، والتبكير لسماع خطبتها، وترك البيع والشراء تعظيمًا لهذه الشعيرة العظيمة. وإباحةُ العودة بعد الصلاة إلى ابتغاء الرزق والفضل من اللَّه، والأمر بالتماس ذكره تعالى وتعظيم أمره دومًا، ففي ذلك الفلاح في الدنيا والآخرة.
فقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾.
أمْرٌ بالمبادرة إلى صلاة الجمعة عند سماع النداء لها، وليس المقصود الهرولة إليها. قال قتادة: (والسعي يا ابن آدم أن تسعى بقلبك وعملك، وهو المضيّ إليها). وكان عمر يقرؤها: "فامضوا إلى ذكر اللَّه" - ذكره ابن جرير بإسناده.