← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 4866–4905 · переход к 4871.

стр. 4866

قالوا: فما أوَّلْتَهُ يا رسولَ اللَّه؟ قال: العَجَم، يَشْرَكونَكُم في دينكم وأنسابكم. قالوا: العجم يا رسول اللَّه؟ قال: لو كان الإيمان معلقًا بالثريا لناله رجال من العجم، وأسعد بهم الناس] (١). الحديث الثالث: أخرج أبو نعيم في "أخبار أصبهان" بسند حسن من طريق عمرو بن شرحبيل عن رجل من أصحاب النبي ﷺ مرفوعًا: [رأيتُ الليلة غنمًا سودًا تَتْبَعُني، ثم أَرْدَفتها غنم عُفْرٌ، فقال أبو بكر: تلك العرب اتَّبَعَتْكَ، ثم أردفَتْها الأعاجم. فقال ﷺ : كذلكَ عَبَّرَها الملك بِسَحَر] (٢). الحديث الرابع: أخرج ابن أبي عاصم في "السنة" بسند صحيح عن سهل بن سعد قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إنّ في أصلاب أصلاب أصلاب رجال رجالًا ونساءً من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب، ثم قرأ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾] (٣). وقوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. قال النسفي: (في تمكينه رجلًا أميًا من ذلك الأمر العظيم وتأييده عليه واختياره إياه من بين كافة البشر). وقوله: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. يعني: ما اختص اللَّه به محمدًا ﷺ من النبوة العظيمة، وما خصّ به أمّته من بعثته الكريمة. قال ابن عباس: (الفضل: الدين). وقال مقاتل: (الوحي والنبوة). وقيل: (إنه انقياد الناس إلى تصديق النبي ﷺ ودخولهم في دينه ونصرته). وقيل: إنه المال ينفق في طاعته. ودليله ما في صحيح البخاري ومسلم عن أبي صالح، عن أبي هريرة: [أنَّ فقراء المهاجرين أتوا رسول اللَّه ﷺ فقالوا: ذهبَ أهل الدُّثور (٤) بالدرجات العلا والنعيم المقيم. فقال: "وما ذاك"؟ قالوا: يُصَلُّون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدّقون ولا نتصدق ويُعتقون ولا نُعتق. فقال رسول اللَّه

стр. 4867

- ﷺ : "أفلا أعلمكم شيئًا تُدركون به من سبقكم وتسبقون به من بعدكم ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنَعَ مثل ما صنعتم"؟ قالوا: بلى يا رسول اللَّه، قال: "تسبّحون وتكبّرون وتحمدون دُبُرَ كل صلاة ثلاثًا وثلاثين مرة". قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول اللَّه ﷺ فقالوا: سمع إخواننا أهلُ الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله. فقال رسول اللَّه ﷺ : ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾] (١). قلت: وجميع ما ذكر من اختصاص اللَّه محمدًا ﷺ بالنبوة، واختصاص أمته باستقبال بعثته، وانقياد الناس إليه ودخولهم في دينه ونصرته، وتسابق بعض العرب والعجم لحمل لواء شريعته، وإنفاق بعض الأغنياء في سبيل نشر دعوته، كل ذلك داخل في مفهوم هذه الآية. وقوله: ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. قال ابن عباس: (حيث ألحق العجم بقريش). وقال: (يقول: واللَّه ذو الفضل على عباده، المحسن منهم والمسيء، والذي بعث فيهم الرسول منهم وغيرهم، العظيم الذي يقلّ فضل كل ذي فضل عنده). ٥ - ٨. قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥) قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٧) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)﴾. في هذه الآيات: تشبيه الذين أوتوا التوراة من اليهود والنصارى وقد كُلفوا العمل بها فلم يعملوا بها، ثم كذبوا بمحمد ﷺ ولم يؤمنوا بالوحي والنبوة، بالحمار يحمل على ظهره كتبًا من كتب العلم لا ينتفع بها ولا يعقل ما بداخلها، ودعوة اليهود لتصديق ادعائهم أنهم أبناء اللَّه وأحباؤه بتمني مفارقة هذه الحياة إلى دار الخلود وجنات النعيم،

стр. 4868

ولكنهم أحرص الناس على الحياة واللَّه عليم بالظالمين. قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ﴾. قال ابن عباس: (﴿حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ﴾ أي كُلّفوا العمل بها). وقال الجُرجاني: (هو من الحَمالة بمعنى الكفالة، أي ضمنوا أحكام التوراة). وقوله: ﴿ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾. أي تركوا العمل بها، وأهملوا التحاكم إليها. وقوله: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾. أسفارًا: جميع سِفْر، وهو الكتاب الكبير، لأنه يسفر عن المعنى إذا قرئ. قال مجاهد: (﴿يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ يحمل كتبًا لا يدري ما فيها، ولا يعقلها). وقال مَيمون بن مِهْران: (الحمار لا يدري أسِفْر على ظهره أم زِبيل، فهكذا اليهود). قال القرطبي: (وفي هذا تنبيه من اللَّه تعالى لمن حمل الكتاب أن يتعلم معانيه ويعلم ما فيه، لئلا يلحقه من الذمّ ما لحق هؤلاء). قلت: وقد جاء في السنة الصحيحة نحو ما جاء في هذه الآية مما يعيب اليهود، ويحذر أمة محمد ﷺ أن تسلك مسلكهم. فقد أخرج الطبراني بسند حسن عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: [إن بني إسرائيل كتبوا كتابًا فاتبعوه وتركوا التوراة] (١). وكذلك أخرج الطبراني بسند صحيح عن خَبّاب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إن بني إسرائيل لما هلكوا قصُّوا] (٢). قال المناوي: (أي لما هلكوا بترك العمل أخلدوا إلى القصص، وعولوا عليها، واكتفوا بها). قلت: وما أشبه حال المسلمين اليوم بهذا الحال الذي حُذّروا من اتباعه، فإن كثيرًا من وعاظهم انصرفوا إلى الوعظ بالقصص والأخبار الواهية، والحكايات والإسرائيليات البالية، تاركين منهج الفقه والعلم النافع الذي يعرف الناس بدينهم الحق، والذي يحملهم على العمل الصالح والدأب والتحصيل النافع.

стр. 4869

أخرج الحاكم بسند جيد عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [لتركبنَّ سُنَنَ من كان قبلكم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، وباعًا بباع، حتى لو أنّ أحدهم دخل جُحْرَ ضب دخلتم، وحتى لو أن أحدهم ضاجع أمه بالطريق لفعلتم] (١). وقوله: ﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾. أي: بئس مثل القوم المثل الذي ضربناه لهم. قال ابن القيم في "أعلام الموقعين": (قاسَ من حَمَّلَهُ سبحانه كتابَهُ ليؤمِنَ به ويتدبّره ويعمل به ويدعو إليه، ثم خالف ذلك، ولم يحمله إلا على ظهر قلب، فقراءته بغير تدبّر ولا تفهّم ولا اتباع له، ولا تحكيم له، وعمل بموجبه -كحمار على ظهره زاملة أسفار، لا يدري ما فيها، وحظه منها حملها على ظهره ليس إلا، فحظّه من كتاب اللَّه كحظّ هذا الحمار من الكتب التي على ظهره. فهذا المثل، وإن كان ضُرِب لليهود، فهو متناول من حيث المعنى، لمن حمل القرآن، فترك العمل به، ولم يؤدّ حقّه، ولم يرعه حق رعايته). وقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. أي: واللَّه لا يوفق القوم الذين اختاروا ظلم أنفسهم، بكفرهم بآيات ربهم. وقيل: واللَّه لا يهدي من سبق في علمه أن يكون كافرًا. وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. -هادوا-: من هادَ يهود إذا تهوّد. والمقصود: لما ادّعت اليهود الفضيلة بأنهم أبناء اللَّه وأحباؤه من دون الناس دُعوا للاختبار الدقيق، فإن للأولياء عند اللَّه الكرامة، ومن ثمَّ قيل لهم: تمنّوا على اللَّه أن يميتكم وينقلكم سريعًا إلى دار كرامته التي أعدها لأولياءه، فتستريحوا من كرب الدنيا وهمومها وغمومها، وتصيروا بعد الموت إلى روح الجنان ونعيمها، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في زعمكم ودعواكم. وفي التنزيل نحو ذلك، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٩٤ - ٩٦]. وقوله: ﴿وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾. أي: لا يتمنى اليهود الموت أبدًا بما

стр. 4870

اجترحوا من ظلم وآثام، وبما اكتسبوا من كفر وفجور وإجرام. وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾. أي: واللَّه ذو علم بمن أوبق نفسه بالكفر باللَّه ورسله وكان من الظالمين. وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾. أي: قل يا محمد لهؤلاء اليهود: إن الموت الذي تكرهون تمنّيه وتحذرون وقوعه نازل بكم. وهو كقوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨]. وقوله: ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾. قال ابن جرير: (ثم يردّكم ربكم من بعد مماتكم إلى عالم الغيب والشهادة، عالم غيب السماوات والأرض، ﴿وَالشَّهَادَةِ﴾: يعني وما شهد فظهر لرأي العين، ولم يغب عن أبصار الناظرين). وقوله: ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. قال قتادة: (يقول: فيخبركم حينئذ ما كنتم في الدنيا تعملون من الأعمال، سيئها وحسنها، لأنه محيط بجميعها، ثم يجازيكم على ذلك المحسن بإحسانه، والمسيء بما هو أهله). ٩ - ١٠. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾. في هذه الآيات: أمْرُ اللَّه تعالى عباده المؤمنين بالسعي إلى صلاة الجمعة إذا سمعوا النداء لها، والتبكير لسماع خطبتها، وترك البيع والشراء تعظيمًا لهذه الشعيرة العظيمة. وإباحةُ العودة بعد الصلاة إلى ابتغاء الرزق والفضل من اللَّه، والأمر بالتماس ذكره تعالى وتعظيم أمره دومًا، ففي ذلك الفلاح في الدنيا والآخرة. فقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾. أمْرٌ بالمبادرة إلى صلاة الجمعة عند سماع النداء لها، وليس المقصود الهرولة إليها. قال قتادة: (والسعي يا ابن آدم أن تسعى بقلبك وعملك، وهو المضيّ إليها). وكان عمر يقرؤها: "فامضوا إلى ذكر اللَّه" - ذكره ابن جرير بإسناده.

стр. 4871

وقد ثبت النهي عن الإسراع والهرولة إلى صلوات الجماعة عامة عند التوجه إليها. ففي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [إذا سَمِعْتُم الإقامةَ فامشُوا إلى الصلاة، وعليكم بالسكينة والوقار ولا تُسرعوا، فما أدْرَكْتُم فَصَلُّوا وما فاتكم فأتِمّوا] (١). وفي صحيح مسلم عن عبد اللَّه بن أبي قتادة، أن أباه أَخْبَرَهُ قال: [بَيْنَما نحنُ نُصَلِّي مع رسول اللَّه ﷺ . فَسَمِعَ جَلَبَةً، فقال: ما شأنُكُم؟ قالوا: استعجلنا إلى الصلاة. قال: فلا تفعلوا، إذا أتيتُم الصلاة فعليكم السكينة، فما أدركْتُم فَصَلّوا، وما سبقَكُم فَأَتِمّوا] (٢). وَسُمِّيَت الجُمعة جمعة لأنها مشتقة من الجمع، فأهل الإسلام يجتمعون فيه كل أسبوع مرة في المساجد يستمعون الذكر وموعظة الحق ويتعلمون أمر دينهم، وقد أضلّ اللَّه ﵎ عن الجمعة أهل الكتابين قبلنا فاختار اليهود لعيدهم السبت، والنصارى الأحد، وخبأ اللَّه الجمعة عيدًا لأهل الإسلام. ففي صحيح مسلم عن حذيفة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [أَضَلَّ اللَّهُ عن الجُمعة مَنْ كان قَبْلنا، فكان لليهود يومُ السبت، وكان للنصارى يومُ الأحد، فجاء اللَّه بِنا، فَهدانا اللَّه ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبتَ والأحدَ، وكذلك هم تَبَعٌ لنا يوم القيامة، نحن الآخرون مِن أهل الدنيا، والأوَّلون يَوْمَ القيامة، المَقْضِيُّ لهم قبل الخلائق] (٣). وفي رواية: [هُدينا إلى الجمعة وأضَلَّ اللَّه عنها مَنْ كان قَبْلَنا]. والمراد بالنداء في قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ﴾ النداء الثاني الذي كان يُرْفَعُ بين يدي رسول اللَّه ﷺ إذا جلس على المنبر، وأما النداء الأول فإنما زاده عثمان بن عفان ﵁ أيام خلافته لتنبيه الناس وقد كثروا إلى ترك الأسواق والأعمال والاستعداد إلى صلاة الجمعة. ففي صحيح البخاري عن السائب بن يزيد قال: [كانَ النداءُ يومَ الجمعة أَوَّلُه إذا

стр. 4872

جَلَس الإمامُ على المنبر على عهد رسول اللَّه ﷺ وأبي بكر وعُمَر، فلما كان عُثمان بعد زَمَنٍ، وكَثُرَ الناسُ، زاد النداءَ الثاني على الزَّوراء] (١). والزَّوراء أرفع دار بالمدينة قرب المسجد، كان يؤذن المؤذن عليها. وفي رواية أخرى عن السائب بن يزيد: [أنَّ الذي زاد التأذينَ الثالثَ يَوْمَ الجمعة عثمان بن عفان ﵁ حين كَثُرَ أهل المدينة، ولم يكن للنبي ﷺ مؤذِّنٌ غَيرَ واحدٍ، وكان التأذينُ يومَ الجمعةَ حينَ يجلس الإمام -يعني على المنبر-] (٢). آداب خاصة بيوم الجمعة: الأدب الأول: الغُسْل لصلاة الجمعة: فمن السنة الاغتسال قبل المجيء إلى صلاة الجمعة، وفي ذلك أحاديث: الحديث الأول: روى البخاري عن عبد اللَّه بن عمر قال: سمعت النبي ﷺ يخطب على المِنبر فقال: [مَنْ جاءَ إلى الجمعة فليغتسل] (٣). الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبي سعيد قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [غُسلُ يومِ الجمعة واجبٌ على كل مُحْتَلِم] (٤). الحديث الثالث: خرّج مسلم في الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [حَقٌّ للَّه على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعةِ أيام، يغسِلُ رأسه وجسَده] (٥). الحديث الرابع: أخرج أحمد والنسائي وابن حبان عن جابر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [على كل رجلٍ مسلمٍ في كل سبعة أيام غُسْلُ يومٍ، وهو يومُ الجمعة] (٦). قلت: وهذه الأحاديث تدل بمجموعها على وجوب الغسل قبل المجيء لصلاة الجمعة، وإنما هناك قرينة تصرف الأمر عن الوجوب إلى الاستحباب، فيكون

стр. 4873

الوجوب في حق من يكون حاله أو طبيعة عمله يحتاج إلى الغسل لئلا يؤذي برائحته المسلمين. ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [مَنْ تَوضَّأ فأحْسَنَ الوضوء، ثم أتى الجُمعة فاستمعَ وأَنْصَتَ، غُفِرَ له ما بينَهُ وبَيْنَ الجمعة، وزيادَةُ ثلاثةِ أيام، ومَنْ مَسَّ الحصى فقد لغا] (١). وفي سنن أبي داود بإسناد حسن عن سمرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [من توضأ يوم الجمعة فبها وَنِعْمَتْ، ومَن اغتسل فهو أفضل] (٢). الأدب الثاني: التبكير لصلاة الجمعة: أخرج مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إذا كان يومُ الجمعة كان على كُلِّ باب من أبواب المسجد ملائكةٌ يكتبون الأوَّلَ فالأوَّل، فإذا جلس الإمام طَوَوا الصُّحفَ وجاؤوا يستمعون الذكر، ومثَلُ المُهَجَّر كَمَثَلِ الذي يُهدي البَدَنَةَ، ثم كالذي يُهدي بقرةً، ثم كالذي يُهْدي الكَبْشَ، ثم كالذي يُهدي الدجاجة، ثم كالذي يُهدي البَيْضَة] (٣). وأخرج الإمام أحمد وأصحاب السنن بسند صحيح عن أوس بن أوس الثقفي قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: [مَنْ غَسَّلَ واغتسل يومَ الجمعة، وبَكَّرَ وابتكرَ، ومشى ولم يَرْكَب، ودنا من الإمام واستمع ولم يَلْغُ، كان له بكل خطوة أجرُ سنةٍ، أجرُ صيامها وقيامِها] (٤). الأدب الثالث: لبس أحسن الثياب والتسوك والتماس أجمل الطيب: ففي الصحيحين من حديث أبي سعيد مرفوعًا: [غُسْل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، والسواك، وأن يَمَسَّ مِنْ طِيب أهله] (٥).

стр. 4874

وفي مسند أحمد بإسناد حسن عن أبي أيوب الأنصاري قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: [من اغتسل يوم الجمعة، ومَسَّ من طيب أهله إن كان عنده، ولبس مِنْ أَحسنِ ثيابه، ثم خرج حتى يأتي المسجدَ فيركع إن بدا له، ولم يؤذِ أحدًا، ثم أَنْصَتَ إذا خَرَجَ إمامُه حتى يُصَلّي، كانت كفارةً لما بينها وبين الجمعة الأخرى] (١). وفي سنن أبي داود وابن ماجة بسند حسن عن عائشة أن رسول اللَّه ﷺ خَطَبَ الناسِ يوم الجمعة، فرأى عليهم ثيابَ النِّمار، فقال: [ما على أحدِكم إنْ وَجَدَ سعةً أن يَتَّخِذَ ثوبين لِجُمْعَتِهِ سِوى ثَوْبي مِهْنَتِه] (٢). والجمعة واجبة على الرجال الأحرار دونَ النساء والعبيد والصبيان، ويُعذَر المسافر والمريض وقيِّم المريض وما أشبه ذلك من الأعذار. ففي سنن أبي داود بسند صحيح عن طارق بن شهاب عن النبي ﷺ قال: [الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض] (٣). وأخرج الدارقطني بسند حسن عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: [ليس على المسافر جمعة] (٤). ورواه الطبراني بلفظ: [ليس على مسافر جمعة]. ما يستحب من الأذكار والأدعية يوم الجمعة: أولًا: الإكثار من الصلاة والسلام على النبي ﷺ -: فقد أخرج أبو داود وابن ماجة والنسائي بسند صحيح عن أوس بن أوس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا عليّ من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة عليّ. .] الحديث (٥).

стр. 4875

ثانيًا: قراءة سورة الكهف: أخرج الحاكم والبيهقي بإسناد صحيح عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: [مَن قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاءَ له من النور ما بين الجمعتين] (١). ثالثًا: الإكثار من الدعاء رجاء مصادفة ساعة الإجابة: ففي صحيح مسلم وسنن أبي داود والنسائي -واللفظ له- عن جابر ﵁، عن رسول اللَّه ﷺ قال: [يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة، لا يوجد فيها عبدٌ مسلم يسأل اللَّه شيئًا إلا آتاه إياه، فالتمسوها آخر ساعة بعد صلاة العصر] (٢). وقوله: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾. أي: دعوا البيع والشراء إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة. قال القرطبي: (﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾: منع اللَّه منه عند صلاة الجمعة، وحرّمه في وقتها على من كان مخاطبًا بفرضها. والبيع لا يخلو عن شراء فاكتفى بذكر أحدهما. قال: وخصّ البيع لأنه أكثر ما يشتغل به أصحاب الأسواق. ومن لا يجب عليه حضور الجمعة فلا يُنْهى عن البيع والشراء). وقوله: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: سعيكم إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة إلى ذكر اللَّه، وترك البيع خير لكم من البيع والشراء في ذلك الوقت، إن كنتم تعلمون مصالح أنفسكم ومضارها). وقوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾. هذا أمر إباحة. قال الضحاك: (هذا إذن من اللَّه، فمن شاء خرج، ومن شاء جلس). وقوله: ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾. أي من رزقه. قال ابن كثير: (لما حَجَرَ عليهم في التصرف بعد النداء وأمرهم بالاجتماع أذِن لهم بعد الفراغ في الانتشار في الأرض والابتغاء من فضل اللَّه). وقوله: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. أي عند البيع والشراء وفي شأنكم كله. قال القاسمي: (أي اذكروا أمره ودينه وشرعه دائمًا، لتصير ملكة لكم، تظهر آثارها على أعمالكم وأخلاقكم، فتفلحوا بسعادة الدارين). وعن مجاهد: (لا يكون العبدُ من

стр. 4876

الذاكرين اللَّه كثيرًا حتى يذكر اللَّه قائمًا وقاعدًا ومُضْطَجِعًا). قلت: وذكر اللَّه يشمل التسبيح والتهليل والدعاء والصلاة على النبي ﵇. ويشمل تلاوة القرآن ومطالعة السنة وهدي خير الأنام. كما يشمل ملاطفة الخلق واختيار أجمل القول مع الوالدين والزوجة والأبناء والأرحام. ففي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢]. ٢ - وقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢]. ومن كنوز السنة العطرة في آفاق ذلك أحاديث: الحديث الأول: روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [يقول اللَّه تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، واللَّهِ للَّه أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة] (١). الحديث الثاني: أخرج أحمد والترمذي وابن ماجة بسند حسن عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: [من دخل السوق فقال: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، كتبَ اللَّه له ألفَ ألفِ حسنة، ومحا عنه ألف ألفِ سيئة، ورفعَ له ألفَ ألفِ درجة، وبنى له بيتًا في الجنة] (٢). الحديث الثالث: أخرج أبو داود والنسائي وابن ماجة بسند صحيح عن أبي سعيد، وأبي هريرة قالا: قال رسول اللَّه ﷺ : [إذا أيقظ الرجل أهله من الليل فصَلّيا أو صلّى ركعتين جميعًا كُتِبَا في الذاكرين والذاكرات] (٣). وفي رواية: [إذا استيقظ الرجل من الليل وأيقظ أهله وصليا ركعتين كُتِبا من الذاكرين اللَّه كثيرًا والذاكرات].

стр. 4877

١١. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)﴾. في هذه الآية: عتابٌ لطيف من اللَّه تعالى لصحابة نبيه ﷺ في انشغالهم بالعير وبهجة قدومها عن متابعة خطبته ﵊ يوم الجمعة، فما عند اللَّه خير وأبقى واللَّه خير الرازقين. أخرج البخاري ومسلم والترمذي عن جابر بن عبد اللَّه قال: [بينما نحن نصلي مع النبي ﷺ إذْ أقْبَلَت عِيرٌ تحْمِلُ طعامًا فالتفتوا إليها، حتى ما بقيَ مع النبي ﷺ إلا اثْني عشَرَ رجلًا، فنَزَلتْ هذه الآية: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾] (١). ولفظ الترمذي: [بينما النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة قائمًا، إذ قدمت عير المدينة فابتدرها أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، حتى لم يبق منهم إلا اثنا عشر رجلًا فيهم: أبو بكر، وعمر، ونزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾]. وأخرج الطبري بسند رجاله رجال الصحيح عن جابر بن عبد اللَّه قال: [كان الجواري إذا نكحوا كانوا يمرّون بالكبر والمزامير ويتركون النبي ﷺ قائمًا على المنبر، وينفضون إليها، فأنزل اللَّه: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾] (٢). وقوله: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾. فيه دليل أن الإمام يخطب يوم الجمعة قائمًا. وفي صحيح مسلم عن جابر بن سمرة قال: [كانت للنبي ﷺ خُطبتان يجلس بينهما، يقرأ القرآن ويُذَكِّر الناس] (٣). وقوله: ﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ﴾. أي: قل لهم يا محمد: ما عند اللَّه من الثواب وحسن المآب خيرٌ من لذة اللهو وفائدة التجارة، فثواب انصرافكم إلى

стр. 4878

الصلاة وسماع العلم وتعظيم معالم الشرع لا يعدله كسب من أرزاق الدنيا. وقوله: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾. قال ابن كثير: (أي: لمن توكل عليه، وطلب الرزق في وقتِه). وقال القرطبي: (﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ أي خير من رزق وأعطى، فمنه فاطلبوا، واستعينوا بطاعته على نَيْلِ ما عنده من خيري الدنيا والآخرة). تم تفسير سورة الجمعة بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه عصر السبت ٢٦ رمضان ١٤٢٦ هـ الموافق ٢٩/ تشرين الأول/ ٢٠٠٥ م * * *

стр. 4879

دروس ونتائج وأحكام ١ - خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أهبط إلى الأرض، وفيه قُبض، وفيه تقوم الساعة، وفيه ساعة إجابة. ٢ - أكثروا الصلاة على نبيكم يوم الجمعة، فإن صلاتكم معروضة عليه. ٣ - كان ﷺ يقرأ في صلاة الجمعة بسورتي "الجمعة والمنافقون". ٤ - نزول الرسالة في العرب لا ينافي كونها للناس كافة. ٥ - مثل الذين حملوا التوراة ثم لم ينفذوا أحكامها كمثل الحمار يحمل أسفارًا. ٦ - لو باهل اليهود رسول اللَّه لرجعوا لا يجدون أهلًا ولا مالًا. ٧ - من السنة الاغتسال والتبكير للجمعة، ووجوب ترك البيع والإنصات، والجمعة إلى الجمعة كفارة للخطايا بينهما. ٨ - لا ظهر بعد الجمعة، وحرمةُ ترك الخطيب، وصحة الجمعة بالنفر القليل. ٩ - من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين. ١٠ - يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة، لا يوجد فيها عبدٌ مسلمٌ يسأل اللَّه شيئًا إلا آتاه إياه، فالتمسوها آخر ساعة بعد صلاة العصر. ١١ - يوم الجمعة يوم عيد للمسلمين، وفي الجنة سوق يأتونها يوم الجمعة. ١٢ - البقاء لما عند اللَّه من الأجر خير من اللهو والتجارة. * * *

стр. 4880

٦٣ - سورة المنافقون وهى سورة مدنية، وعدد آياتها (١١). أخرج البخاري ومسلم عن زيد بن أرقم قال: [كُنْتُ في غَزَاة فسَمِعْتُ عبدَ اللَّه بن أُبيّ يقول: لا تُنْفِقُوا على من عند رسول اللَّه حتى يَنْفَضُّوا من حَوْلِهِ، ولئن رجعنا مِنْ عِنده لَيُخرجَنَّ الأعزّ منها الأذلّ، فذكرت ذلك لعمي أو لِعُمَر فَذَكرَهُ للنبي ﷺ فَدَعاني فَحَدَّثْتُهُ، فأرسلَ رسول اللَّه ﷺ إلى عبد اللَّه بن أُبيّ وأصحابِه فَحَلَفُوا ما قالوا، فَكَذَّبني رسولُ اللَّه ﷺ وصَدَّقَهُ، فأصابني هَمٌّ لَمْ يُصِبْني مِثْلُهُ قَطُّ، فَجَلَسْتُ في البيتِ فقال لي عَمِّي: ما أرَدْتَ الى أن كَذَّبَكَ رسول اللَّه ﷺ ومَقَتَكَ؟ فأنزل اللَّه تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ فبعث إليَّ النبي ﷺ فقرأ فقال: إنَّ اللَّهَ قَدْ صَدَّقَكَ يا زَيْدُ] (١). موضوع السورة فضح المنافقين وكشف صفاتهم - منهاج السورة - ١ - فضحُ المنافقين في كذبهم وكفرهم بالدين، وضخامة أجسادهم وفصاحة أقوالهم لا تخدع أهل اليقين.

стр. 4881

٢ - المنافقون يحسبون كل صيحة عليهم، وهم العدو الذي يجب الحذر من مكرهم. ٣ - كَشْفُ استكبار المنافقين وزهدهم في مغفرة اللَّه الكريم، وتقرير اللَّه تعالى أن العزة له ولرسوله وللمؤمنين. ٤ - تحذير المؤمنين من سبيل النفاق والمنافقين، والأمر بالإنفاق في سبيل اللَّه لإعتاق النفوس من الجحيم. ٥ - لا يؤخر اللَّه نفسًا إذا جاء أجلها واللَّه خبير بما تعملون. * * *

стр. 4882

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ٤. قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٣) وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٤)﴾. في هذه الآيات: فضحُ اللَّه تعالى المنافقين، في شهادتهم وأيمانهم الكاذبة وهم يصدون عن سبيل اللَّه وعن رسوله الكريم، فلقد آمنوا ثم كفروا فهم لا يفقهون، ولهم أجساد مستوية وصور مهيبة وفصاحة في القول ولكن قلوبهم خاوية من الإيمان، ويحسبون كل صيحة عليهم من شدة جبنهم وخوفهم من أهل الإسلام، إنهم العدو الذي يجب الحذر منه فقاتلهم اللَّه من قوم لئام. فقوله: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾. إِخْبَارٌ من اللَّه تعالى عن مجيء المنافقين إلى النبي ﷺ يتفوّهون بالإسلام، ويشهدون بالرسالة للنبي ﵊، وليس الأمر كذلك في قلوبهم بل هم قوم منكرون. وقيل: معنى ﴿نَشْهَدُ﴾ نحلف، والأول أظهر. وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾. جملة اعتراضية ضرورية للسياق. قال القرطبي: (﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ كما قالوه بألسنتهم). وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾. قال ابن كثير: (أي: فيما أخبروا به، وإن كان مطابقًا للخارج، لأنهم لم يكونوا يَعْتقِدون صحة ما يقولون ولا صِدْقَهُ، ولهذا كَذَّبهم بالنسبة إلى اعتقادهم). وقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾. أي استتروا بالأحلاف الكاذبة، والأيمان: جمع

стр. 4883

يمين. قال مجاهد: (يجتنّون بها، قال: ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا). قال قتادة: (﴿جُنَّةً﴾: سترة يستترون بها كما يستتر المستجنّ بِجُنّتِه في حرب وقتال، فيمنعون بها أنفسهم وذراريهم وأموالهم، ويدفعون بها عنها). وقوله: ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. أي فصدوا الناس عن الإسلام والجهاد، بالتنفير وإلقاء الشبه والاقتداء بهم في تخلّفهم. وقيل: صرفوا المؤمنين عن إقامة حكم اللَّه عليهم من القتل والسَّبي وأخذ الأموال. وقوله: ﴿إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. قال النسفي: (من نفاقهم وصدّهم الناس عن سبيل اللَّه، وفي ﴿سَاءَ﴾ معنى التعجب الذي هو تعظيم أمرهم عند السامعين). وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾. أي: أقروا باللسان ثم كفروا بالقلب. وفيه إثبات أن الذي استقر عليه أمر المنافقين هو الكفر. ولذلك قال بعدها ﴿فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾: أي ختم عليها بالكفر. قال قتادة: (أقروا بلا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه ﷺ ، وقلوبهم منكرة تأبى ذلك). وقوله: ﴿فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾. أي: الحق من الباطل، والمعروف من المنكر، لطبع اللَّه على قلوبهم وإقفالها. قال القاسمي: (﴿فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ أي حقيقة الإيمان، وحمكة الرسالة والدين). وقوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾. أي: وإذا نظرت -يا محمد- إلى هؤلاء المنافقين لأعجبتك أجسامهم لاستواء خلقها وحسن صورتها. وقوله: ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾. أي: كانوا ذوي فصاحة وبلاغة، فلو سمعهم السامع لأصغى إلى حديثهم لبلاغة ألسنتهم. قال ابن عباس: (كان عبد اللَّه بن أُبَيّ وسيمًا جسيمًا صحيحًا صبيحًا ذَلِقَ اللسان، فإذا قال سمع النبي ﷺ مقالته. وصفه اللَّه بتمام الصورة وحسن الإبانة). وقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾. قال النسفي: (إلى الحائط، شُبِّهوا في استنادهم -وما هم إلا أجرام خالية عن الإيمان والخير- بالخشب المسندة إلى الحائط، لأن الخشب إذا انتفع به كان في سقف أو جدار أو غيرهما من مظان الانتفاع، وما دام متروكًا غير منتفع به أسند إلى الحائط، فشبهوا به في عدم الانتفاع، أو لأنهم أشباح بلا أرواح، وأجسام بلا أحلام).

стр. 4884

قال سيبويه: (خَشبَة وخُشُب، مثل بدَنة وبدن). و ﴿مُسَنَّدَةٌ﴾ للتكثير، لكثرة استنادهم إلى الأيمان الكاذبة لحقن دمائهم. وقوله: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾. أي يظنون كلما وقع أمر أو حدث أو خوف أنه نازل بهم. قال القرطبي: (يحسبون كلّ صيحة عليهم أنه قد فُطِن بهم وعُلِمَ بنفاقهم، لأنّ للريبة خوفًا). وقال ابن جرير: (يقول جلّ ثناؤه: يحسب هؤلاء المنافقون من خبثهم وسوء ظنهم وقلة يقينهم، كلّ صيحة عليهم، لأنهم على وجل أن يُنزل اللَّه فيهم أمرًا يهتك به أستارهم ويفضحهم، ويبيح للمؤمنين قتلهم وسبي ذراريهم، وأخذ أموالهم). وفي التنزيل نحو ذلك، قال تعالى: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٩]. وفي صحيح مسلم عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: [مَثَلُ المنافق كَمَثَلِ الشاةِ العائِرة (١) بين الغنمين، تَعِير إلى هذه مرَّة، وإلى هذِه مرَّة] (٢). وقوله: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾. إثبات عداوتهم ووجوب الحذر منهم. وذلك من وجهين: الأول: الحذر من الميل إلى كلامهم أو تصديقهم أو الثقة بأقوالهم. الثاني: الحذر من تخذيلهم المؤمنين أو قيامهم عيونًا للكافرين يتجسّسون على أعراض المسلمين ومخططاتهم ومناهجهم وتحركاتهم. وقوله: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾. كلمة ذمّ وتوبيخ. قال ابن عباس: (أي لعنهم اللَّه). وقيل: بل المعنى أخزاهم اللَّه. قال النسفي: (﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ دعاء عليهم، أو تعليم للمؤمنين أن يدعو عليهم بذلك). وقوله: ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾. أي: كيف يصرفون عن الهدى إلى الضلال، وكيف يعدلون عن الحق إلى الجهل والمكر.

стр. 4885

٥ - ٨. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥) سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٦) هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (٧) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)﴾. في هذه الآيات: كَشْفُ استكبار المنافقين وزهدهم في نيل المغفرة وتوعُّد اللَّه لهم الحرمان من المغفرة والخذلان. وتقرير اللَّه تعالى أن العزة له ولرسوله وللمؤمنين وأن الذلة على القوم المنافقين اللئام. فقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وإذا قيل لهؤلاء المنافقين: تعالوا إلى رسول اللَّه ﷺ يستغفر لكم ﴿لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ يقول: حرّكوها وهزّوها استهزاء برسول اللَّه ﷺ وباستغفاره). وقوله: ﴿وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾. قال القرطبي: (أي يعرضون عن الرسول متكبرين عن الإيمان). وقوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾. قال النسفي: (أي ماداموا على النفاق. والمعنى: سواء عليهم الاستغفار وعدمه لأنهم لا يلتفتون إليه ولا يعتدون به لكفرهم، أو لأن اللَّه لا يغفر لهم). وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾. أي إن اللَّه لا يوفق ولا يصلح من سبق في علم اللَّه أنه سيموت فاسقًا. وقوله: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾. أي: حتى يتفرّقوا عنه. قال ابن عباس: (لا تطعموا محمدًا وأصحابه حتى تصيبهم مجاعة، فيتركوا نبيهم) -وهو قول عبد اللَّه بن أبيّ المنافق لأصحابه-. أخرج الترمذي وأحمد وابن جرير بسند صحيح عن الحكم قال: سمعت محمد بن كعب القرظي قال: سمعت زيد بن أرقم رضي اللَّه قال: [لما قال عبد اللَّه بن أبيّ: ﴿لَا

стр. 4886

تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾، وقال أيضًا: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ﴾، أخبرت به النبي ﷺ فلَامني الأنصار، وحلف عبد اللَّه بن أبي ما قال ذلك، فرجعت إلى المنزل فنمت فدعاني رسول اللَّه ﷺ فأتيته، فقال: إن اللَّه قد صدقك، ونزل بهم: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا﴾ الآية] (١). وقد جاء في رواية أخرى عند الترمذي تفصيل كامل الحدث -من حديث زيد بن أرقم قال: [غزونا مع رسول اللَّه ﷺ ، وكان معنا أناس من الأعراب، فكنا نبتدر الماء، وكان الأعراب يسبقونا إليه، فسبق أعرابي أصحابه، فيسبق الأعرابي فيملأ الحوض ويجعل حوله حجارة، ويجعل النطع عليه، حتى يجيء أصحابه، قال: فأتى رجل من الأنصار أعرابيًا فأرخى زمام ناقته لتشرب فأبى أن يدعه، فانتزع قباض الماء فرفع الأعرابي خشبة، فضرب بها رأس الأنصاري فشجّه. فأتى عبد اللَّه بن أبي -رأس المنافقين- فأخبره، وكان من أصحابه. فغضب عبد اللَّه بن أبي ثم قال: لا تنفقوا على من عند رسول اللَّه، حتى ينفضوا من حوله -يعني الأعراب- وكانوا يحضرون رسول اللَّه ﷺ عند الطعام. فقال عبد اللَّه: إذا انفضوا من عند محمد، فأتوا محمدًا بالطعام، فليأكل هو ومن عنده. ثم قال لأصحابه: لئن رجعنا إلى المدينة فليخرج الأعزُ منكم الأذل. قال زيد: وأنا ردف رسول اللَّه ﷺ فسمعت عبد اللَّه بن أبي فأخبرت عمي، فانطلق فأخبر رسول اللَّه ﷺ ، فأرسل إليه رسول اللَّه ﷺ فحلف وجحد، قال: فصدقه رسول اللَّه ﷺ وكذبني، قال: فجاء عمي إلي فقال: ما أردت إلى أن مقتك رسول اللَّه ﷺ وكذبك والمسلمون، قال: فوقع علي من الهمّ ما لم يقع على أحد، قال: فبينما أنا أسير مع رسول اللَّه ﷺ في سفر قد خفقت برأسي من الهم، إذ أتاني رسول اللَّه ﷺ فعرك أذني وضحك في وجهي، فما كان يسرني أن لي بها الخلد في الدنيا. ثم إن أبا بكر لحقني فقال: ما قال لك رسول اللَّه ﷺ ؟ قلت: ما قال لي شيئًا، إلا أنه عرك أذني وضحك في وجهي. فقال: أبشِر. ثم لحقني عمر، فقلت له مثل قولي

стр. 4887

لأبي بكر، فلما أصبحنا قرأ رسول اللَّه ﷺ سورة المنافقين] (١). وقوله: ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. ردٌّ من اللَّه على المنافقين، أَنّ بيده تعالى مفاتيح خزائن السماوات والأرض، فهو ينفق كيف يشاء، ولا يقدر أحد أن يعطي أحدًا شيئًا إلا بمشيئته. وقوله: ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾ - أنّ الأمر كذلك، وأنه إذا أراد شيئًا يَسَّره. وقوله: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾. أخرج البخاري ومسلم عن جابر بن عبد اللَّه الأنصاري قال: [كنّا في غزاة، فكسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار -أي ضربه برجله-، فقال الأنصاري: يا للأنصار. وقال المهاجري: يا للمهاجرين. فسمع ذلك رسول اللَّه ﷺ فقال: ما بال دعوى جاهلية. قالوا: يا رسول اللَّه! كسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار. فقال: دعوها فإنها منتنة، فسمع بذلك عبد اللَّه بن أبي فقال: فعلوها؟ أما واللَّه لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فبلغ النبي ﷺ فقام عمر فقال: يا رسول اللَّه دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال النبي ﷺ : دعه لا يتحدّث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه. وكانت الأنصار أكثر من المهاجرين حين قدموا المدينة، ثم إن المهاجرين كثروا بعد] (٢). ورواه الترمذي وفيه زيادة: [وقال غير عمر: فقال له ابنه عبد اللَّه بن عبد اللَّه: واللَّه لا تنقلب حتى تُقِرَّ أَنّك الذليل، ورسول اللَّه ﷺ العزيز ففعل] (٣). ورواه ابن إسحاق، وفيه: (فقال عمر: مُرْ به عبّاد بن بشر فليقتله، فقال له رسول اللَّه ﷺ : فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه! لا، ولكن أذّن بالرحيل، وذلك في ساعة لم يكن رسول اللَّه ﷺ يرتحل فيها، فارتحل الناس. قال: فلما استقل رسول اللَّه ﷺ وسار، لقيه أُسيد بن حُضير، فحيّاه بتحية النبوة وسلّم عليه، ثم قال: يا نبي اللَّه، واللَّه لقد رُحْتَ في ساعة مُنْكَرة، ما كنت تروح في مثلها، فقال له رسول اللَّه ﷺ : أو ما بَلَغَكَ ما قال صاحبكم؟ قال: وأيّ صاحب يا رسول اللَّه؟

стр. 4888

قال: عبد اللَّه بن أبي. قال: وما قال؟ قال: زعم أنه إن رجع إلى المدينة ليُخرجن الأعز منها الأذل. قال: فأنت يا رسول اللَّه واللَّه تُخْرِجه منها إن شئت، هو واللَّه الذليل وأنت العزيز، ثم قال: يا رسول اللَّه، ارفق به، فواللَّه لقد جاءنا اللَّه بك، وإن قومَهُ ليَنْظُمون له الخرَزَ ليتوّجوه، فإنه ليرى أنك قد استلبتَهُ مُلكًا. ثم مشى رسول اللَّه ﷺ بالناس يومَهُم حتى أمسى، ولَيْلَتَهُم حتى أصبح، وصَدْرَ يومهم ذلكَ حتى آذتهم الشمس، ثم نزل بالناس، فلم يلبثوا أن وَجدوا مسّ الأرض فوقعوا نيامًا، وإنما فعل ذلك رسول اللَّه ﷺ ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس من حديث عبد اللَّه بن أبي) (١). وقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. أي: وللَّه ﴿الْعِزَّةُ﴾ يعني الشدة والقوة، وكذلك لرسوله وللمؤمنين باللَّه، ولكن المنافقين لا يعلمون ذلك. ٩ - ١١. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩) وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١١)﴾. في هذه الآيات: تحذيرُ اللَّه تعالى المؤمنين من سبيل النفاق والمنافقين، والأمر بالإنفاق في سبيل اللَّه لإعتاق النفوس من الجحيم، ولا يؤخر اللَّه نفسًا إذا جاء أجلها واللَّه بكل شيء عليم. فعن الضحاك: (قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قال: الصلوات الخمس). وقيل: ﴿عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي عن الحج والزكاة. وقيل: عن قراءة القرآن. وقيل: عن إدامة الذكر. وقال الحسن: (جميع الفرائض، كأنه قال عن طاعة اللَّه). وهذا القول يشمل جميع ما قبله.

стр. 4889

وقوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. قال ابن جرير: (ومن يلهه ماله وأولاده عن ذكر اللَّه ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ يقول: هم المغبونون حظوظهم من كرامة اللَّه ورحمته ﵎. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. قال الضحاك، عن ابن عباس قال: (ما يمنع أحدكم إذا كان له مال يجب عليه فيه الزكاة أن يزكي، وإذا أطاق الحج أن يحج من قبل أن يأتيه الموت، فيسأل ربه الكرّة فلا يعطاها، فقال رجل: أما تتقي اللَّه، يسأل المؤمن الكرّة؟ قال: نعم، أقرأ عليكم قرآنًا، فقرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ فقال الرجل: فما الذي يوجب عليَّ الحج؟ قال: راحلة تحمله، ونفقة تبلغه). وعن سفيان: (قوله: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: الزكاة والحج). قلت: والآية عامّة في الحثّ على الإنفاق في الطاعات، فكل مُفَرِّط يندم عند الاحتضار، ويسأل الزيادة في العمر ويتمنى الرجعة ليستعتب مما فات، ويتدارك نفسه قبل أن يصير في الأموات، ولكن هيهات هيهات، فقد كان ما كان وأتى ما هو آت. قال الحافظ أبو القاسم الطَّبراني: حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نَجْدَة الحَوْطِيُّ، حدثنا المغيرة، حدثنا حَريزُ بن عثمان، عن نُعَيم بن نَمْحَة قال: كان في خُطبة أبي بكر الصديق ﵁: (أما تعلَمون أنكم تَغْدون وتَروحون لأجل معلوم. فمن استطاعَ أن يقضِيَ الأجل وهو في عَمَلِ اللَّه فليفعَلْ، ولن تنالوا ذلك إلا باللَّه ، إن قومًا جَعلوا آجالهم لغيرهم فنهاكم اللَّه أن تكونوا أمثالهم: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]، أينَ مَنْ تَعْرِفون مَن إخوانكم؟ قدِموا على ما قدّموا في أيام سَلَفِهم، وخَلُّوا بالشِّقوة والسعادة، أين الجبّارون الأوّلون الذي بَنَوا المدائنَ وحَفَّفُوها بالحوائط؟ قد صاروا تحت الصَّخرِ والآبار. هذا كتاب اللَّه لا تفنى عجائبُه فاستضِيئوا منه ليوم ظُلمَةٍ، واستنصحوا كتابه وتبيانه، إِن اللَّه أثنى على زكريا وأهل بيته فقال: ﴿كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، لا خيرَ في قول لا يُراد به وجهُ اللَّه، ولا خير في مالٍ

стр. 4890

لا يُنفَقُ في سبيل اللَّه. ولا خيرَ فيمن يغلِب جهلُه حلمَه، ولا خير فيمن يخاف في اللَّه لومةَ لائم) (١). وأما الكفار، فإنهم يرجون الرجعة إلى الدنيا عند الاحتضار، ليؤمنوا باللَّه ويصدقوا الرسل ويعملوا بعمل الأبرار. قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤]. وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٩ - ١٠٠]. وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. قال ابن جرير: (لن يؤخر اللَّه في أجل أحد فيمدّ له فيه إذا حَضَرَ أجله، ولكن يخترمه ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ يقول: واللَّه ذو خبرة وعلم بأعمال عبيده هو بجميعها محيط، لا يخفى عليه شيء، وهو مجازيهم بها، المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته). تم تفسير سورة "المنافقون"، بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه عصر الثلاثاء ٢٩ رمضان ١٤٢٦ هـ الموافق ١/ تشرين الثاني/ ٢٠٠٥ م * * *

стр. 4891

دروس ونتائج وأحكام ١ - المنافقون يقولون نقيض ما يوقنون، فكذبهم اللَّه تعالى وفضحهم في قرآن مبين. ٢ - أضلّ اللَّه تعالى المنافقين، وفتنهم بأشكال وفصاحة وأجسام لا تنفعهم يوم الدين. ٣ - قام ابن سلول ينافق في المسجد فأسكته الصحابة فترك الجمعة. ٤ - الدعوات إلى غير منهاج الإسلام دعوات باطلة منتنة جاهلية. ٥ - مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين، تعيرُ إلى هذه مرة، وإلى هذه مرّة. ٦ - تألق ابن عبد اللَّه بن أبي في موقفه من أبيه اللئيم، فقد أعطى صورة المفاصلة الرائعة لهذا الدين. ٧ - العزة للَّه ولرسوله وللمؤمنين، والخزي والذل والهوان على المنافقين. ٨ - لا تؤجل نفس حلّ أجلها، ولا رجعة للدنيا بعد الموت. * * *

стр. 4892

٦٤ - سورة التغابن وهي سورة مدنية في قول الأكثرين. وقال الضحاك: مكية. وقال الكلبي: هي مكية ومدنية. وعدد آياتها (١٨). وهي آخر المُسَبِّحات. موضوع السورة فتنة الكفار والأزواج والأولاد والأموال وأهوال يوم التغابن الشديد الأحوال - منهاج السورة - ١ - اشتراك جميع الكائنات بالتسبيح للَّه الملك القوي الحميد. ٢ - الخلق كله للَّه مؤمنهم وكافرهم، وهو العليم بدقائق أعمالهم. ٣ - أحسن اللَّه تعالى كل شيء خلقه، وعلم أفعال العباد وسرائرهم وما يعلنون. ٤ - تذكيرُ اللَّه تعالى عباده خبرَ من كفر من الأمم ونزول انتقامه بهم الأليم، وهذا جزاء البغي والكبر ومعاندة الوحي والمرسلين. ٥ - استبعاد الكفار البعث والحساب، وتأكيد اللَّه تعالى الجزاء والعقاب. ٦ - دعوة اللَّه عباده الصدق في الإيمان، والاستعداد ليوم الشدة والزحام. ٧ - المؤمنون خالدون في جنات النعيم، والكفار مخلدون في نار الجحيم.

стр. 4893

٨ - إثبات حدوث المصائب بأمر اللَّه العظيم، وإثبات أمر الهداية من اللَّه للمؤمنين. ٩ - الأمر بطاعة اللَّه ورسوله الكريم، وحسن التوكل على اللَّه العظيم. ١٠ - تنبيه اللَّه عباده المؤمنين لفتنة الأزواج والأولاد والأموال، والحث على التقوى والسمع والطاعة والبذل وحسن الأقوال والأعمال. * * *

стр. 4894

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ٤. قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤)﴾. في هذه الآيات: تسبيحُ جميع الكائنات للَّه الملك القوي الحميد، الذي خَلَقَ الخلق وَعَلِمَ الإيمان والكفر وهو العليم البصير، وصَوَّر العباد فأحسن التصوير وإليه المصير، وتفرد بعلم الغيب وهو عليم بذات الصدور. فقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. إِخْبَارٌ من اللَّه تعالى أن جميع ما في السماوات وما في الأرض من شيء يسبّح له ويمجّده ويقدّسه، ويصلي له ويوحِّده، كقوله جل ذكره: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]. وقوله: ﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ﴾. أي: هو المتصرف في جميع الكائنات، وسلطانه ماض وقضاؤه نافذ في جميع المخلوقات، وهو المحمود على جميع ما يخلقه ويُقَدِّره. وقوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وكل أمر أراده فلا مانع له ولا مدافع. وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾. قال ابن عباس: (إن اللَّه خلق بني آدم مؤمنًا وكافرًا، ويعيدهم في يوم القيامة مؤمنًا وكافرًا). وقال الزجاج: (إن اللَّه

стр. 4895

خلق الكافر، وكُفْرُهُ فِعْلٌ له وكسب، مع أن اللَّه خالق الكفر. وخلق المؤمن، وإيمانه فعلٌ له وكسب، مع أن اللَّه خالق الإيمان). وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٧ - ١٠]. ومن صحيح السنة العطرة في آفاق هذه الآية أحاديث: الحديث الأول: أخرج الطبراني بسند حسن عن عبد اللَّه بن مسعود مرفوعًا: [خلقَ اللَّه يحيى بن زكريا في بطن أمه مؤمنًا، وخلق فرعون في بطن أمه كافرًا] (١). الحديث الثاني: أخرج أحمد في المسند، وابن سعد في "الطبقات" بسند صحيح عن عبد الرحمن بن قتادة السلمي -وكان من أصحاب النبي ﷺ مرفوعًا: [إن اللَّه خلق آدم، ثم أخذ الخلق من ظهره، وقال: هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي، وهؤلاء إلى النار ولا أبالي. فقال قائل: يا رسول اللَّه فعلى ماذا نعمل؟ قال: على مواقع القدر] (٢). وله شاهد في المسند وزوائد المسند بإسناد صحيح عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: [خلق اللَّه آدم حين خلقه فضرب كتفه اليمنى، فأخرج ذرية بيضاء كأنهم الذر، وضرب كتفه اليسرى، فأخرج ذرية سوداء كأنهم الحمم، فقال للذي في يمينه: إلى الجنة ولا أبالي، وقال للذي في كتفه اليسرى: إلى النار ولا أبالي] (٣). الحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم من حديث عبد اللَّه بن مسعود مرفوعًا: [إن أحدكم أو الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها غيرُ ذراعٍ أو باعٍ، فَيَسْبِقُ عليه الكتاب فيعملُ بِعَمَلِ أهلِ الجنة فيدخُلُها، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعملِ أهل

стр. 4896

الجنة حتى ما يكونُ بينه وبينها غيرُ ذراع أو ذراعين، فَيَسْبقُ عليه الكتابُ فيعملُ بعمل أهل النار فيدخُلُها] (١). الحديث الرابع: أخرج الشيخان وابن حبان من حديث سهل بن سعد مرفوعًا: [إنّ الرجل ليَعْملُ عملَ أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإنّ الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة] (٢). والمقصود: تعلق علم اللَّه الأزلي بكل معلوم، فيجري ما علم وما أراد وما حكم. وقوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. أي: واللَّه الذي خلقكم بصير بأعمالكم، فاحذروا غضبه وما يعقب مخالفة أمره ونهيه. وقوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: خلق السماوات السبع والأرض بالعدل والإنصاف). وقال ابن كثير: (﴿بِالْحَقِّ﴾: بالعدل والحكمة). وقوله: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾. قال ابن عباس: (يعني آدم خلقه بيده). قلت: بل الآية تعم جميع الخلائق، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]. قال النسفي: (﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ أي جعلكم أحسن الحيوان كله وأبهاه). وقوله: ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾. أي: المرجع، فيجازي كلًا بعمله، فأحسنوا سرائركم وأعمالكم كما أحسن اللَّه صوركم. وقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. قال الزمخشري: (نبه بعلمه ما في السماوات والأرض، ثم بعلمه ما يسرّه العباد ويعلنونه، ثم بعلمه ذوات الصدور، أن شيئًا من الكليات والجزئيات غير خاف عليه، ولا عازب عنه، فحقه أن يتقى ويحذر، ولا يجترأُ على شيء مما يخالف رضاه. وتكرير العلم، في معنى تكرير الوعيد. وكل ما ذكره بعد قوله تعالى: ﴿فَمِنْكُمْ

стр. 4897

كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ كما ترى، في معنى الوعيد على الكفر، وإنكار أن يعصى الخالق ولا تشكر نعمته). ٥ - ٦. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٦)﴾. في هذه الآيات: تذكيرُ اللَّه تعالى عباده خَبَرَ من كفر من قبل ونزل بهم العذاب الأليم، ذلك بسبب البغي والكبر ومعاندة الوحي والمرسلين. فقوله: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾. قال القرطبي: (الخطاب لقريش. أي: ألم يأتكم خبر كفار الأمم الماضية. ﴿فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ أي عوقبوا. ﴿وَلَهُمْ﴾ في الآخرة ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي موجِع). وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾. أي: هذا العذاب الذي نزل بتلك الأمم بسبب كفرهم برسلهم وقد جاؤوهم بالآيات الباهرات والدلائل القاطعات على النبوة، فأنكروا أن يكون الرسول من البشر كِبرًا وعلوًا. قال النسفي: (أنكروا الرسالة للبشر ولم ينكروا العبادة للحجر). وقوله: ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا﴾. أي: كفروا بالرسل وأعرضوا عن الإيمان، وتولوا عن صحيح الدليل والبرهان. وقوله: ﴿وَاسْتَغْنَى اللَّهُ﴾. قال مقاتل: (أي بسلطانه عن طاعة عباده). وقيل: استغنى اللَّه بما أظهره لهم من البرهان وأوضحه لهم من البيان، عن زيادة تدعو إلى الرشد وتقود إلى الهداية. وقوله: ﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾. قال ابن جرير: (يقول: واللَّه غني عن جميع خلقه، محمود عند جميعهم بجميل أياديه عندهم، وكريم فعاله فيهم). ٧ - ١٠. قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧) فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ

стр. 4898

خَبِيرٌ (٨) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٠)﴾. في هذه الآيات: استبعادُ الكفار البعث والحساب، وتأكيدُ اللَّه تعالى الجزاء والعقاب، ودعوة اللَّه عباده إلى الصدق في الإيمان، والاستعداد ليوم الشدة والزحام، فالمؤمنون في جنات النعيم، والكفار مخلدون في الجحيم. فقوله: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾. أي ظنوا أنهم لا يبعثون بعد موتهم. قال القرطبي: (والزَّعم هو القول بالظن). وقال شُريح: (لكل شيء كُنْية، وكُنْيَةُ الكذب زعموا). وقوله: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾. أي: قل يا محمد لهؤلاء المنكرين للبعث بعد الموت: بلى وربّي لتخرجن من قبوركم أحياء، ثم لتخبرن بما أسلفتم من أعمال أيام دنياكم. وقوله: ﴿وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾. أي: وبعثكم ومجازاتكم هين على اللَّه تعالى. وهذه ثالث آية أمر اللَّه رسوله ﷺ أن يقسم بربه على وقوع المعاد تأكيدًا لذلك، وتشديدًا في لهجة الإثبات أمام زعم المشركين. وهذه الآيات: ١ - قال تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [يونس: ٥٣]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣]. ٣ - وقال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧]. وقوله: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. أمرهم بالإيمان باللَّه تعالى ورسوله محمد ﷺ بعد أن عرفهم قيام الساعة وهدّدهم موقف العرض والحساب.

стр. 4899

وقوله: ﴿وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾. يعني القرآن. فهو نور يهدي به اللَّه قلوب العباد، وهو نور يُهتدى به من ظلمة الضلال إلى سبيل النجاة والرشاد. وقوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. أي: فلا تخفى عليه سرائركم وعلانيتكم. وقوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾. قال ابن كثير: (وهو يومُ القيامة، سُمِّيَ بذلك لأنه يُجْمَعُ فيه الأوّلون والآخرون في صعيد واحدٍ، يُسْمِعُهم الداعي وينفذهم البَصَر، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣]. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٩ - ٥٠]). وقوله: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾. قال ابن عباس: (هو اسم من أسماء يوم القيامة، عظّمهُ وحذّره عباده). وقال قتادة: (﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾ هو يوم القيامة، وهو يوم التغابن: يوم غبن أهل الجنة أهل النار). وقال مقاتل: (لا غَبْنَ أعظمُ من أن يدخل هؤلاء إلى الجنة ويُذهب بأولئك إلى النار). قلت: والتغابن في لغة العرب يحمل معنى الذهول، فأهل الجنة يذهلون يوم القيامة من حال أهل النار الذي صاروا إليه، فإطلاق اسم ﴿التَّغَابُنِ﴾ على يوم القيامة هو من باب التهويل والتحذير من أهوال ذلك اليوم. وقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. أي: ومن يَصْدُق اللَّه الإيمان والعمل يمح عنه ذنوبه ويدخله بساتين الخلود تجري من تحت أشجارها وغرفها الأنهار وذلك هو الظفر العظيم. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. أي: والذين جحدوا توحيد اللَّه وإفراده بالتعظيم، وكذبوا بكتابه ورسوله أولئك أهل النار يمكثون فيها ولا يخرجون منها، فبئس المستقر وساء المنقلب والمآل والقرار. ١١ - ١٣. قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا

стр. 4900

عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٢) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾. في هذه الآيات: إثباتُ حدوث المصائب بأمر اللَّه، وإثباتُ أمر الهداية للمؤمنين والتوفيق بإذن اللَّه، والأمر بطاعة اللَّه ورسوله والتوكل على اللَّه. فقوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. قال ابن عباس: (بأمر اللَّه، يعني عن قَدَره ومشيئته). وقال القرطبي: (﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي بإرادته وقضائه). وقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾. قال ابن عباس: (يعني: يهد قلبه لليقين، فيعلم أنَّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه). وعن الأعمش، عن أبي ظبيان قال: كنا عند علقمة، فَقُرِئ عنده هذه الآية: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ فَسُئل عن ذلك فقال: (هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند اللَّه، فيسلم ذلك ويرضى) - رواه ابن جرير. وقال سعيد بن جبير: (﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، يعني: يسترجع، يقول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]). والمقصود: من نزلت به مصيبة فصبر واسترجع طمأن اللَّه قلبه وعوضه خيرًا منها. كما قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧]. ومن كنوز السنة العطرة في آفاق هذه الآية أحاديث: الحديث الأول: روى مسلم في صحيحه، وأحمد في مسنده عن أم سلمة ﵂ قالت: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: [ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره اللَّه: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها إلا أخلف اللَّه له خيرًا منها. قالت: فلما مات أبو سلمة قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة، أول بيت هاجر إلى رسول اللَّه ﷺ ؟ ثم إني قلتها، فأخلف اللَّه لي رسول اللَّه ﷺ ] (١). الحديث الثاني: أخرج الدارمي وأحمد بسند صحيح عن صهيب قال: [بينا

стр. 4901

رسول اللَّه ﷺ قاعد مع أصحابه إذ ضحك، فقال: ألا تسألوني مم أضحك؟ قالوا: يا رسول اللَّه! ومم تضحك؟ قال: عجبت لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، إن أصابه ما يحب حمد اللَّه وكان له خير، وإن أصابه ما يكره فصبر كان له خير، وليس كل أحد أمره كله خير إلا المؤمن] (١). الحديث الثالث: أخرج الطيالسي والبيهقي بسند صحيح عن سعد مرفوعًا: [عجبت للمسلم إذا أصابته مصيبة احتسب وصبر، وإذا أصابه خير حمدَ اللَّه وشكر، إنّ المسلم يؤجر في كل شيء حتى في اللقمة يرفعها إلى فيه] (٢). وقوله: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. أي: واللَّه قد احاط بكل شيء علمًا، بما كان ويكون وما هو كائن من قبل أن يكون، وما لن يكون ولكن لو قدّر وكان كيف يكون. وقوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾. أَمْرٌ بتعظيم الوحيين: القرآن والسنة المطهرة، فإن في طاعة اللَّه ورسوله النجاة والسعادة في الدارين. وقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾. أي: فإن أعرضتم وأدبرتم عن طاعة اللَّه وطاعة رسوله مستكبرين فإن واجب الرسول البلاغ، واللَّه سبحانه وليّ الانتقام ممن عصاه، وخالف أمره وركب هواه. قال الزهريُّ: (من اللَّه الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم). وقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. أَوَّلُه خبر عن التوحيد يفيد الطلب، والتقدير: أفردوا اللَّه تعالى بالعبادة والتعظيم، وأحسنوا التوكل عليه فإنه هو ولي المؤمنين. ١٤ - ١٨. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ

стр. 4902

وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦) إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾. في هذه الآيات: تنبيهُ اللَّه تعالى عباده المؤمنين إلى فتنة الأزواج والأولاد والأموال وما قد يشغل عن ذكره والجهاد في سبيله، والحث على التقوى والسمع والطاعة والإنفاق في سبيل اللَّه لنصرة دينه. فقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾. تنبيه المؤمنين إلى مواطن من العداوة تصد عن طاعة اللَّه وتلهي عن ذكر اللَّه. فإن من الأزواج أزواجًا يعادين بعولتهن ويُثَبِّطْنَهم عن العمل الصالح، وربما حَمَلْنَهم على بعض الأعمال المنكرات، وكذلك فإنّ نحو هذه العداوة قد يتسبب بها الأولاد. أخرج الترمذي بسند حسن عن ابن عباس، وسأله رجل عن هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾. قال: [هؤلاء رجال أسلموا من أهل مكة، وأرادوا أن يأتوا النبي ﷺ فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم، أن يأتوا رسول اللَّه، فلما أتوا رسول اللَّه ﷺ رأوا الناس قد فقهوا في الدين هموا أن يعاقبوهم، فأنزل اللَّه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ الآية] (١). وفي رواية ابن أبي حاتم: (فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾). وعن مجاهد: (﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾ قال: يحمل الرجلَ على قطيعة الرحم أو معصية ربه فلا يستطيع الرجلُ مع حُبِّه إلا أن يطيعه). وقال ابن زيد: ﴿فَاحْذَرُوهُمْ﴾: يعني على دينكم). وفي التنزيل نحو ذلك: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩].

стр. 4903

ومن كنوز السنة الصحيحة في ذلك أحاديث: الحديث الأول: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن يَعْلى العامري أنه قال: جاء الحسن والحسين يسعيان إلى النبي ﷺ فضمّهما إليه وقال: [إن الولدَ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ] (١). الحديث الثاني: أخرج الحاكم بسند صحيح من حديث الأسود بن خلف مرفوعًا: [إنَّ الولدَ مبخلة مجبنة مجهلةٌ محزنة] (٢). الحديث الثالث: أخرج أبو يعلى والبزار بسند صحيح في الشواهد عن أبي سعيد مرفوعًا: [الولدُ ثمرة القلب، وإنه مَجْبنةٌ، مَبْخلَةٌ، مَحْزَنَةٌ] (٣). وقوله: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قال النسفي: (﴿وَإِنْ تَعْفُوا﴾ عنهم إذا اطلعتم منهم على عداوة ولم تقابلوهم بمثلها ﴿وَتَصْفَحُوا﴾ تعرضوا عن التوبيخ ﴿وَتَغْفِرُوا﴾ تستروا ذنوبهم ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يغفر لكم ذنوبكم ويكفر عنكم سيئاتكم). وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. قال قتادة: (﴿فِتْنَةٌ﴾ يقول: بلاء، ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ وهي الجنة). وفي التنزيل: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤]. وفي سنن أبي داود وابن ماجة بسند صحيح عن عبد اللَّه بن بريدة، أن أباه حدثه قال: [رأيت رسول اللَّه ﷺ يخطب، فأقبل حسن وحسين عليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان، فنزل النبي ﷺ فأخذهما فوضعهما في حِجْرِه، فقال: صدق اللَّه ورسوله، ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾. رأيت هَذَيْن فلم أصبر، ثم أخذ في خطبته] (٤).

стр. 4904

وأخرج الإمام أحمد بسند حسن في الشواهد عن الشَّعبي قال: [حَدّثنا الأشعث بن قيس قال: قَدِمْتُ على رسول اللَّه ﷺ في وَفْدِ كِنْدَةَ، فقال لي: هل لكَ من ولَد؟ قلتُ: غلامٌ وُلِدَ لي في مخرجي إليك من ابنة حَمَد، ولَودِدْتُ أن بمكانه شِبَعَ القوم. قال: لا تقولَنّ ذلك، فإن فيهم قُرّة عين، وأجرًا إذا قُبضوا، ثم قال: ولئن قلت ذاك إنهم لَمَجْبَنَةٌ مَحْزَنَةٌ، إنهم لمجبنة مَحْزنة] (١). وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. أصل عظيم من أصول هذه الشريعة المطهرة، وجواب من جوامع الكلم لكثير من المسائل الفقهية المستعصية. والمقصود: استوفوا جهدكم معشر المؤمنين في تقوى ربكم وابذلوا طاقتكم. وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه] (٢). وقوله: ﴿وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾. قال ابن كثير: (أي: كونوا مُنقادين لما يأمُركم اللَّه به ورسولُه، لا تحيدوا عنه يمنةً ولا يسْرَةً، ولا تُقَدِّموا بين يدي اللَّه ورسوله، ولا تَتَخَلَّفوا عما أُمِرتم، ولا تركَبوا ما عنه زُجِرتم). وقوله: ﴿وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ﴾. قال ابن جرير: (يقول: وأنفقوا مالًا من أموالكم لأنفسكم تستنقذوها من عذاب اللَّه. والخير في هذا الموضع المال). والمراد: بذلُ المال على الفقراء من الأرحام والقرابات، والمساكين من المسلمين ذوي الحاجات. وقوله: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. أي: ومن يدافع السقوط فينصره اللَّه على هوى نفسه وبخلها وشحها وحرصها وطمعها يصبح من المفلحين الناجين المدركين آمالهم عند ربهم. وفي التنزيل: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ [الليل: ٨ - ١١]. وفي صحيح مسلم عن جابر أن رسول اللَّه ﷺ قال: [اتقوا الظلم، فإن الظلم

стр. 4905

ظلماتٌ يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم] (١). وقوله: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ الآية. قال النسفي: (﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ بنية وإخلاص، وذكر القرض تلطف في الاستدعاء ﴿يُضَاعِفْهُ لَكُمْ﴾ يكتب لكم بالواحدة عشرًا أو سبع مئة إلى ما شاء من الزيادة ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ﴾ يقبل القليل ويعطي الجزيل ﴿حَلِيمٌ﴾ يقيل الجليل من ذنب البخيل، أو يضعف الصدقة لدافعها ولا يعجل العقوبة لمانعها). وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [ينزلُ اللَّه تعالى في السماء الدنيا لِشَطْرِ الليل، أو ثلث الليل الآخر، فيقول: مَنْ يدعوني فأستجيب له! أو يسألني فأعْطِيَه! ثم يقول: مَنْ يُقْرِضْ غيرَ عديمٍ ولا ظلوم] (٢). وقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾. أي يعلم ما خفي من سرائر القلوب، وما انتشر من ظواهر الأمور والخطوب. وقوله: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. أي الذي قهر بعزته وكبريائه كل شيء، والذي أتقن كل شيء فأحكم خلقه، فهو الحكيم في أقواله وأفعاله وقدره وشرعه وتدبيره. تم تفسير سورة التغابن بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه عصر السبت ٣ شوال ١٤٢٦ هـ الموافق ٥/ تشرين الثاني/ ٢٠٠٥ م * * *
следующие страницы →