رسول اللَّه ﷺ قاعد مع أصحابه إذ ضحك، فقال: ألا تسألوني مم أضحك؟ قالوا: يا رسول اللَّه! ومم تضحك؟ قال: عجبت لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، إن أصابه ما يحب حمد اللَّه وكان له خير، وإن أصابه ما يكره فصبر كان له خير، وليس كل أحد أمره كله خير إلا المؤمن] (١).
الحديث الثالث: أخرج الطيالسي والبيهقي بسند صحيح عن سعد مرفوعًا: [عجبت للمسلم إذا أصابته مصيبة احتسب وصبر، وإذا أصابه خير حمدَ اللَّه وشكر، إنّ المسلم يؤجر في كل شيء حتى في اللقمة يرفعها إلى فيه] (٢).
وقوله: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. أي: واللَّه قد احاط بكل شيء علمًا، بما كان ويكون وما هو كائن من قبل أن يكون، وما لن يكون ولكن لو قدّر وكان كيف يكون.
وقوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾. أَمْرٌ بتعظيم الوحيين: القرآن والسنة المطهرة، فإن في طاعة اللَّه ورسوله النجاة والسعادة في الدارين.
وقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾. أي: فإن أعرضتم وأدبرتم عن طاعة اللَّه وطاعة رسوله مستكبرين فإن واجب الرسول البلاغ، واللَّه سبحانه وليّ الانتقام ممن عصاه، وخالف أمره وركب هواه. قال الزهريُّ: (من اللَّه الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم).
وقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. أَوَّلُه خبر عن التوحيد يفيد الطلب، والتقدير: أفردوا اللَّه تعالى بالعبادة والتعظيم، وأحسنوا التوكل عليه فإنه هو ولي المؤمنين.
١٤ - ١٨. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ
стр. 4902
وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦) إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾.
في هذه الآيات: تنبيهُ اللَّه تعالى عباده المؤمنين إلى فتنة الأزواج والأولاد والأموال وما قد يشغل عن ذكره والجهاد في سبيله، والحث على التقوى والسمع والطاعة والإنفاق في سبيل اللَّه لنصرة دينه.
فقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾. تنبيه المؤمنين إلى مواطن من العداوة تصد عن طاعة اللَّه وتلهي عن ذكر اللَّه. فإن من الأزواج أزواجًا يعادين بعولتهن ويُثَبِّطْنَهم عن العمل الصالح، وربما حَمَلْنَهم على بعض الأعمال المنكرات، وكذلك فإنّ نحو هذه العداوة قد يتسبب بها الأولاد.
أخرج الترمذي بسند حسن عن ابن عباس، وسأله رجل عن هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾. قال: [هؤلاء رجال أسلموا من أهل مكة، وأرادوا أن يأتوا النبي ﷺ فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم، أن يأتوا رسول اللَّه، فلما أتوا رسول اللَّه ﷺ رأوا الناس قد فقهوا في الدين هموا أن يعاقبوهم، فأنزل اللَّه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ الآية] (١). وفي رواية ابن أبي حاتم: (فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾).
وعن مجاهد: (﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾ قال: يحمل الرجلَ على قطيعة الرحم أو معصية ربه فلا يستطيع الرجلُ مع حُبِّه إلا أن يطيعه). وقال ابن زيد: ﴿فَاحْذَرُوهُمْ﴾: يعني على دينكم).
وفي التنزيل نحو ذلك:
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩].
стр. 4903
ومن كنوز السنة الصحيحة في ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن يَعْلى العامري أنه قال: جاء الحسن والحسين يسعيان إلى النبي ﷺ فضمّهما إليه وقال: [إن الولدَ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ] (١).
الحديث الثاني: أخرج الحاكم بسند صحيح من حديث الأسود بن خلف مرفوعًا: [إنَّ الولدَ مبخلة مجبنة مجهلةٌ محزنة] (٢).
الحديث الثالث: أخرج أبو يعلى والبزار بسند صحيح في الشواهد عن أبي سعيد مرفوعًا: [الولدُ ثمرة القلب، وإنه مَجْبنةٌ، مَبْخلَةٌ، مَحْزَنَةٌ] (٣).
وقوله: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
قال النسفي: (﴿وَإِنْ تَعْفُوا﴾ عنهم إذا اطلعتم منهم على عداوة ولم تقابلوهم بمثلها ﴿وَتَصْفَحُوا﴾ تعرضوا عن التوبيخ ﴿وَتَغْفِرُوا﴾ تستروا ذنوبهم ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يغفر لكم ذنوبكم ويكفر عنكم سيئاتكم).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
قال قتادة: (﴿فِتْنَةٌ﴾ يقول: بلاء، ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ وهي الجنة).
وفي التنزيل: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤].
وفي سنن أبي داود وابن ماجة بسند صحيح عن عبد اللَّه بن بريدة، أن أباه حدثه قال: [رأيت رسول اللَّه ﷺ يخطب، فأقبل حسن وحسين عليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان، فنزل النبي ﷺ فأخذهما فوضعهما في حِجْرِه، فقال: صدق اللَّه ورسوله، ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾. رأيت هَذَيْن فلم أصبر، ثم أخذ في خطبته] (٤).
стр. 4904
وأخرج الإمام أحمد بسند حسن في الشواهد عن الشَّعبي قال: [حَدّثنا الأشعث بن قيس قال: قَدِمْتُ على رسول اللَّه ﷺ في وَفْدِ كِنْدَةَ، فقال لي: هل لكَ من ولَد؟ قلتُ: غلامٌ وُلِدَ لي في مخرجي إليك من ابنة حَمَد، ولَودِدْتُ أن بمكانه شِبَعَ القوم. قال: لا تقولَنّ ذلك، فإن فيهم قُرّة عين، وأجرًا إذا قُبضوا، ثم قال: ولئن قلت ذاك إنهم لَمَجْبَنَةٌ مَحْزَنَةٌ، إنهم لمجبنة مَحْزنة] (١).
وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. أصل عظيم من أصول هذه الشريعة المطهرة، وجواب من جوامع الكلم لكثير من المسائل الفقهية المستعصية. والمقصود: استوفوا جهدكم معشر المؤمنين في تقوى ربكم وابذلوا طاقتكم.
وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه] (٢).
وقوله: ﴿وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾. قال ابن كثير: (أي: كونوا مُنقادين لما يأمُركم اللَّه به ورسولُه، لا تحيدوا عنه يمنةً ولا يسْرَةً، ولا تُقَدِّموا بين يدي اللَّه ورسوله، ولا تَتَخَلَّفوا عما أُمِرتم، ولا تركَبوا ما عنه زُجِرتم).
وقوله: ﴿وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ﴾. قال ابن جرير: (يقول: وأنفقوا مالًا من أموالكم لأنفسكم تستنقذوها من عذاب اللَّه. والخير في هذا الموضع المال). والمراد: بذلُ المال على الفقراء من الأرحام والقرابات، والمساكين من المسلمين ذوي الحاجات.
وقوله: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. أي: ومن يدافع السقوط فينصره اللَّه على هوى نفسه وبخلها وشحها وحرصها وطمعها يصبح من المفلحين الناجين المدركين آمالهم عند ربهم.
وفي التنزيل:
﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ [الليل: ٨ - ١١].
وفي صحيح مسلم عن جابر أن رسول اللَّه ﷺ قال: [اتقوا الظلم، فإن الظلم
стр. 4905
ظلماتٌ يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم] (١).
وقوله: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ الآية.
قال النسفي: (﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ بنية وإخلاص، وذكر القرض تلطف في الاستدعاء ﴿يُضَاعِفْهُ لَكُمْ﴾ يكتب لكم بالواحدة عشرًا أو سبع مئة إلى ما شاء من الزيادة ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ﴾ يقبل القليل ويعطي الجزيل ﴿حَلِيمٌ﴾ يقيل الجليل من ذنب البخيل، أو يضعف الصدقة لدافعها ولا يعجل العقوبة لمانعها).
وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [ينزلُ اللَّه تعالى في السماء الدنيا لِشَطْرِ الليل، أو ثلث الليل الآخر، فيقول: مَنْ يدعوني فأستجيب له! أو يسألني فأعْطِيَه! ثم يقول: مَنْ يُقْرِضْ غيرَ عديمٍ ولا ظلوم] (٢).
وقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾. أي يعلم ما خفي من سرائر القلوب، وما انتشر من ظواهر الأمور والخطوب.
وقوله: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. أي الذي قهر بعزته وكبريائه كل شيء، والذي أتقن كل شيء فأحكم خلقه، فهو الحكيم في أقواله وأفعاله وقدره وشرعه وتدبيره.
تم تفسير سورة التغابن بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه عصر السبت ٣ شوال ١٤٢٦ هـ الموافق ٥/ تشرين الثاني/ ٢٠٠٥ م
* * *
стр. 4906
دروس ونتائج وأحكام
١ - علم اللَّه تعالى من يستحق الهداية ممن يستحق الضلال.
٢ - استبعد الكفار أن تكون هدايتهم على أيدي بشر مثلهم.
٣ - التغابن اسم من أسماء يوم القيامة، عظّمه اللَّه وحذّره عباده.
٤ - عجبًا للمؤمن، إن اللَّه تعالى لا يقضي له قضاء إلا كان خيرًا له.
٥ - من استسلم لقضاء اللَّه هدى اللَّه قلبه وعَوَّضَه عما فاته.
٦ - الأزواج والأولاد والمال فتنة، فإياكم أن تفتنوا بذلك عن دينكم.
٧ - الولد ثمرة القلب، وإنه مَجْبَنَةٌ مَبْخَلَةٌ مَجْهَلَةٌ محزنة.
٨ - الصدقات على اللَّه جزاؤها ونزلت منزلة القرض له.
٩ - اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشُّحَ أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم.
١٠ - اللَّه تعالى يعلم ما خفي من سرائر القلوب، وما انتشر من ظواهر الأمور والخطوب.
стр. 4907
٦٥ - سورة الطلاق
وهي سورة مدنية، وعدد آياتها (١٢).
موضوع السورة
أحكام الطلاق والعدة
- منهاج السورة -
١ - بيان العدة التي تطلق لها النساء، وتأكيد حق السكنى للمطلقة ما دام لزوجها عليها رجعة.
٢ - الحث على تعظيم حدود اللَّه، والتحذير من تجاوز حدود الشريعة.
٣ - الأمر بالإحسان للزوجات في الإمساك أو الفراق، وبيان جائزة التقوى والحث على التوكل على اللَّه فهو علامة الفلاح والسباق.
٤ - بيان عدة الآيسة والصغار اللائي لم يحضن، وتوضيح عدة الحامل.
٥ - الأمْرُ بالسكنى والنفقة للمطلقة حتى انقضاء عدتها، والتحذير من التضييق عليها.
٦ - الحامل ينفق عليها حتى تضع حملها، وأجر الإرضاع على الآباء، ولا يكلف اللَّه نفسًا إلا وسعها.
стр. 4908
٧ - سنة اللَّه تعالى في الانتقام من أهل القرى الظالمين، وامتنان اللَّه سبحانه بنعمة الوحي والهداية ونعيم الآخرة على المؤمنين.
٨ - الإخبار عن قدرته تعالى وسلطانه العظيم، وخلقه سبع سماوات وسبع أرضين.
* * *
стр. 4909
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾.
في هذه الآية: بيانُ العدة التي أمر اللَّه أن يطلق لها النساء، وتأكيد حق السكنى للمطلقة ما دام لزوجها عليها رجعة، والحث على تعظيم حدود اللَّه.
فقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾. قال القرطبي: (الخطاب للنبي ﷺ ، خوطب بلفظ الجماعة تعظيمًا وتفخيمًا).
أخرج البخاري في كتاب التفسير من صحيحه، عن ابن شهاب قال: أخبرني سالِمٌ: [أنّ عبد اللَّه بن عمرَ ﵄ أخبره: أنه طَلَّقَ امرأتَهُ وهي حائضٌ، فَذَكَرَ عُمَرُ لرسول اللَّه ﷺ ، فتَغَيَّظَ فيه رسول اللَّه ﷺ ثم قال: لِيُراجِعْها ثُمَّ يُمْسِكْها حتى تَطْهُرَ، ثم تحيضَ فتطهُرَ، فإنْ بدا له أن يُطَلِّقها فليطلِّقْها طاهِرًا قَبْلَ أن يَمَسَّها، فتِلك العِدَّةُ كما أمَرَهُ اللَّه] (١). ورواه مسلم وفيه: [فتلك العدَّة التي أمر اللَّه أن يطلق لها النساء].
وفي صحيح مسلم عن ابن جُرَيْجٍ قال: [أخبرني أبو الزبير: أنه سَمِعَ عبدَ الرحمن بنَ أيمنَ مولى عَزَّةَ، يسألُ ابنَ عُمَرَ؟ وأبو الزبير يسمع ذلك، كيف ترى في رَجُلٍ طَلَّقَ امرأته حائِضًا؟ فقال: طَلَّقَ ابنُ عمر امرأَته وهي حائِضٌ على عهد رسول اللَّه ﷺ ، فَسَألَ عُمَرُ رسول اللَّه ﷺ ؟ فقال: إنَّ عبدَ اللَّه بن عمرَ طَلَّقَ امرأته وهي
стр. 4910
حائِضٌ، فقال له النبي ﷺ : "لِيُراجِعْها"، فرَدّها، وقال: "إذا طَهُرت فَليُطَلِّقْ أو لِيُمْسِكْ".
قال ابن عمر: وقرأ النبي ﷺ : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾] (١).
ورواه أبو داود وفيه: [وقرأ النبي ﷺ : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ في قُبُلِ، عدتهن].
وعن ابن عباس: (﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ قال: لا يُطَلِّقها وهي حائضٌ ولا في طُهرٍ قد جامعها فيه، ولكن: يتركُها حتى إذا حاضت وطَهُرت طلَّقَها تطليقةً). وقال عكرمة: (﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، العِدّة: الطهر، والقُرْء الحَيضة، أن يُطَلِّقها حُبْلى مستبينًا حَمْلُها، ولا يُطَلِّقها وقد طاف عليها، ولا يدري حُبْلى هي أم لا).
قال ابن كثير: (ومن هاهنا أخذ الفقهاء أحكامَ الطلاق وقَسَّموه إلى طلاق سُنَّة وطلاق بِدْعَة، فطلاقُ السنة أن يُطلِّقها طاهرًا من غير جِماع، أو حامِلًا قد استبان حَملُها، والبِدْعي: هو أن يُطَلِّقها في حال الحيض، أو في طهر قد جامعها فيه، ولا يدري أحَمَلت أم لا؟ وطلاق ثالثٌ لا سُنّة فيه ولا بِدعة، وهو طلاقُ الصغيرة والآيِسة، وغير المدخول بها).
وقوله: ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾. قال السدي: (احفظوا العدة). وقال النسفي: (اضبطوها بالحفظ وأكملوها ثلاثة أقراء مستقبلات كوامل لا نقصان فيهن، وخوطب الأزواج لغفلة النساء). والمقصود من ذلك: ضبط أول العدة ونهايتها لئلا تطول العدة على المرأة فتمتنع من الأزواج.
وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾. أي وخافوا ربكم أيها الناس في ضبط تلك العدة واحذروا معصيته في أي أمر أو حدّ من حدود شرعه.
وقوله: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾. قال ابن عباس: (هي المطلقة لا تخرج من بيتها، ما دام لزوجها عليها رجعة، وكانت في عدة). فلها حق السكنى أثناء عدتها، وليس لزوجها أن يخرجها كما ليس لها أن تخرج لأنها معتقلة لحق زوجها.
стр. 4911
وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. قال مجاهد: (إلا أن يزنين)، وقال الحسن: (الزنى، فتخرج ليقام عليها الحد). وقال قتادة: (إلا أن يطلقها على نشوز، فلها أن تحول من بيت زوجها). وقال ابن عباس: (والفاحشة: هي المعصية). وقال: (الفاحشة المبينة أن تبذُوَ على أهلها).
والخلاصة من أقوال المفسرين في ذلك: لا يُخْرَجْنَ من بيوتهن إلا أن ترتكب المرأة فاحشة مبينة وهي: أ- الزنا. ب- إذا نشَزَت المرأة أو بَذَتْ على أهل الرجل وآذتهم في الكلام والفِعال.
وقوله: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ أي: شرائعه ومحارمه وما حَدّ لخلقه من الأحكام.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾. قال الضحاك: (يقول: تلك طاعة اللَّه فلا تعتدوها. من كان على غير هذه فقد ظلم نفسه). وقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ومن يتجاوز حدود اللَّه التي حدّها لخلقه فقد ظلم نفسه، يقول: فقد أكسب نفسه وزرًا، فصار بذلك لها ظالمًا، وعليها متعدّيًا).
وقوله: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾. قال قتادة: (أي مراجعة). قال: (هذا في مراجعة الرجل امرأته). وقال مقاتل: (﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي بعد طلقة أو طلقتين ﴿أَمْرًا﴾ أي المراجعة من غير خلاف). قال القرطبي: (الأمر الذي يحدثه اللَّه أن يُقَلِّبَ قلبه من بغضها إلى محبتها، ومن الرغبة عنها إلى الرغبة فيها، ومن عزيمة الطلاق إلى الندم عليه، فيراجعها).
ومن هنا ذهب الإمام أحمد وطائفة من السلف إلى أن المبتوتة لا تجب لها السكنى ولا النفقة، وقد صحّ بذلك الخبر عن رسول اللَّه ﷺ :
فقد أخرج النسائي في "الكبرى" والطبراني في "الأوسط" بسند حسن عن عامر الشعبي: [أنه دخل على فاطمة بنتِ قيس أُختِ الضّحاك بن قيس القُرَشي، وزوجها أبو عمرو بن حفص بن المغيرة المخزومي، فقالت: إن أبا عمرو بن حفص أرسل إليَّ وهو مُنطلقٌ في جيش إلى اليمنِ بِطَلاقي، فسألتُ أولياءَه النفقة عليَّ والسكنى، فقالوا: ما أرسل إلينا في ذلك شيئًا، ولا أوصانا به، فانطلقتُ إلى رسول اللَّه ﷺ فقُلت: يا رسول اللَّه! إنَّ أبا عَمْرو بن حفص أرسلَ إليَّ بِطَلاقي، فطلبتُ السكنى والنفقة علي، فقال أولياؤه: لم يُرسِل إلينا في ذلك بشيءٍ. فقال رسول اللَّه ﷺ : إنما السكنَى
стр. 4912
والنفقةُ للمرأة إذا كان لزوجها عليه رَجْعَةٌ، فإذا كانت لا تحِلّ له حتى تَنكِحَ زوجًا غيره فلا نفقة لها ولا سكنى] (١).
٢ - ٣. قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾.
في هذه الآيات: أَمْرُ اللَّه تعالى الرجال بالإحسان للزوجات في الإمساك أو الفراق، وبيانُ جائزة التقوى والحث على صدق التوكل على اللَّه ففي ذلك الفلاح والسباق.
فقوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾. أي المعتدات، إذا قاربن انقضاء العدة. قال ابن جرير: (﴿أَجَلَهُنَّ﴾ وذلك حين قرب انقضاء عددهن).
وقوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾. قال الضحاك: (يقول: فراجع إن كنت تريد المراجعة قبل أن تنقضي العدّة بإمساك بمعروف، والمعروف أن تحسن صحبتها ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ والتسريح بإحسان: أن يدعها حتى تمضي عدتها، ويعطيها مهرًا إن كان لها عليه إذا طلقها). وقال ابن كثير: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾: أي محسنًا إليها في صحبتها، وإما أن يعزم على مفارقتها ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾ أي: من غير مُقَابحةٍ ولا مُشاتمةٍ ولا تعنيف، بل يُطَلِّقها على وَجه جَميل وسبيل حسن).
وقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. هو على الندب لا على الوجوب، سواء في الطلاق أو الرجعة، كقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وهو مذهب أبي حنيفة.
قلت: وإنما يتأكد في حق مَنْ عُرِف بالاستهتار في هذه الأمور وعدم المبالاة.
قال القرطبي: (وفائدة الإشهاد ألا يقع بينهما التجاحد، وألا يُتَّهَمَ في إمساكها،
стр. 4913
ولئلا يموت أحدهما فيدّعي الباقي ثبوت الزوجية لِيَرث).
وفي سنن أبي داود بسند صحيح عن عمران بن حصين، سئل عن الرجل يطلق امرأته، ثم يقع بها، ولم يشهد على طلاقها، ولا على رجعتها، فقال: [طَلَّقْتَ لغير سُنة، وراجَعْتَ لغير سنة: أشْهِدْ على طلاقها، وعلى رجعتها، ولا تَعُدْ] (١).
وعن الحسن: (﴿ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ قال: من المسلمين). وقال قتادة: (من أحراركم).
وقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾. قال النسفي: (لوجهه خالصًا، وذلك أن يقيموها لا للمشهود له ولا للمشهود عليه ولا لغرض من الأغراض سوى إقامة الحق ودفع الضرر).
وقوله: ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. أي: إنما ينتفع بهذه الأحكام والمواعظ من كان يؤمن باللَّه ويعظم شرعه، ويخاف عقابه في الدار الآخرة.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾. أصل عظيم من أصول الشريعة المطهرة، فإن التقوى هي مفتاح كل خير، وكل فرج ومخرج من كل أمر عسير.
قال ابن عباس: (﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ يقول: نجاته من كلّ كرب في الدنيا والآخرة). وعن قتادة: (﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ قال: من شبهات الأمور، والكرب عند الموت). وقال الحسن: (مخرجًا مما نهىِ اللَّه عنه). وقال أبو العالية: (مخرجًا من كل شدة). وقال الربيع بن خَيْثَم: (﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ من كل شيء ضاق على الناس). وقال الكلبي: (﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾ بالصبر عند المصيبة ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ من النار إلى العقوبة). وقال الحسين بن الفضل: (﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾ في أداء الفرائض، ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ من العقوبة).
وقال سهل بن عبد اللَّه: (﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾ في اتباع السنة ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ من عقوبة أهل البدع، ويرزقه الجنة من حيث لا يحتسب).
وقيل: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾ في الرزق بقطع العلائق يجعل له مخرجًا بالكفاية. وقال عمر بن عثمان الصَّدفي: (﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾ فيقف عند حدوده ويجتنب معاصيه يخرجه
стр. 4914
من الحرام إلى الحلال، ومن الضّيق إلى السّعة، ومن النار إلى الجنة).
وقوله: ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. أي من جهةٍ لا تخطر بباله. قال قتادة: (من حيث لا يرجو ولا يؤمل). وفي الأثر عن أبي ذر قال: (إني لأعلم آية لو أخذ بها الناس لكفتهم -تلا-: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ فما زال يكررها ويعيدها) (١).
وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إن اللَّه لا يظلم مؤمنًا حسنته، يعطى بها (وفي رواية: يثاب عليها الرزق في الدنيا) ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها للَّه في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزى بها] (٢).
وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾. أي: ومن يفوِّض أموره إلى اللَّه، ويحسن الاعتماد عليه -سبحانه- فهو كافيه ما أهمه وما أغمّه.
قال الإمام أحمد: (التوكل عمل القلب). وقال سهل: (التوكل الاسترسال مع اللَّه مع ما يريد). وقيل: (هو علم القلب بكفاية الرب للعبد).
قلت: ولا يستقيم التوكل إلا من أهل العمل ومواجهة القدر بالقدر، وإلا كان عجزًا وكسلًا. وقد امتدح اللَّه المؤمنين بهذه الصفة العالية فقال جل ثناؤه: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [إبراهيم: ١٢]. وقال جل ذكره: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
ومن كنزو السنة العطرة في آفاق ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الترمذي وابن ماجة بسند صحيح عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [لَوْ أنّكُم كنْتم تَوَكّلُون على اللَّه حق توكلِه لَرُزِقْتُم كما تُرْزَقُ الطيرُ، تَغْدو خِماصًا، وتروح بِطانًا] (٣).
الحديث الثاني: أخرج أحمد وأبو داود والترمذي بسند صحيح عن عبد اللَّه بن مسعود قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [من نزلت به فاقةٌ، فأنزلَها بالناس، لَمْ تُسَدَّ فاقَتُه،
стр. 4915
ومن نزلت به فاقةٌ، فأنزلها باللَّه، فيوشِكُ اللَّهُ له برزقٍ عاجل، أو آجلٍ].
وفي لفظ: [من نزل به حاجةٌ فأنزلها بالناس كانَ قَمِنًا ألا تُسَهَّل حاجتُه، ومنْ أنزلها باللَّه أتاه اللَّه برزقٍ عاجل، أو بموت آجل] (١).
الحديث الثالث: أخرج البزار وابن أبي الدنيا بسند حسن عن ابن عمر مرفوعًا: [لو تعلمونَ قَدْر رحمةِ اللَّه ، لاتَّكلتُم عليها] (٢).
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾. قال ابن كثير: (أي: مُنْفِذٌ قضاياه وأحكامه في خَلْقِه بما يُريده ويشاؤه).
وقوله: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾. قال مسروق: (أجلًا). أو قال: (منتهى). قال القرطبي: (أي لكل شيء من الشدة والرخاء أجلًا ينتهي إليه. وقيل: تقديرًا).
وفي التنزيل: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨].
وفي صحيح مسلم عن عبد اللَّه بن عمرو قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إن اللَّه كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. وكان عرشه على الماء] (٣).
ورواه الترمذي بلفظ: [قدّر اللَّه المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرضين بخمسين ألف سنة].
٤ - ٥. قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ
стр. 4916
لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (٤) ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (٥)﴾.
في هذ الآيات: بيانُ عدة الآيسة -وهي التي انقطع محيضها لكبرها- أنها ثلاثة أشهر عوضًا عن ثلاثة القروء في حق من تحيض، وكذا الصغار اللائي لم يحضن بَعْدُ لصغرهن فعدتهن مثل عدة الآيسة ثلاثة أشهر، وأما الحامل فعدتها تنتهي بوضع الحمل، والفلاح كل الفلاح إنما هو بامتثال التقوى واللَّه عنده أجر عظيم.
فقوله: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾. قال القرطبي: (يعني قعدن عن المحيض). وقوله: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ فيه قولان عند المفسرين يكمل أحدهما الآخر:
القول الأول: أي إن رأين دمًا فشككتم أهو دم حيض أو استحاضة. وهو قول مجاهد وابن زيد.
القول الثاني: إن شككتم فلم تدروا ما الحكم فيهن، فإن عدتهن ثلاثة أشهر.
قال النسفي: (﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أي أشكل عليكم حكمهن وجهلتم كيف يعتددن ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ أي فهذا حكمهن). وهو اختيار ابن جرير.
وقوله: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾. قال السدي: (الجواري). قال ابن جرير: (يقول: وكذلك عدد اللائي لم يحضن من الجواري الصغار إذا طلقهن أزواجهن بعد الدخول).
وقوله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. قال ابن كثير: (يقول تعالى: ومن كانت حامِلًا فَعِدّتُها بوضعه، ولو كان بعد الطلاقِ أو الموتِ بِفُواقِ ناقة).
وفي صحيح البخاري عن يحيى قال: أخبرني أبو سلمة قال: [جاء رجلٌ إلى ابن عباس -وأبو هريرة جالِسٌ عِنده- فقال: أَفْتِني في امرأة وَلَدَتْ بَعْدَ زوجها بأربعين ليلة، فقال ابن عباس: آخِرُ الأجَلين. قلت أنا: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ قال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي -يعني أبا سلمة- فأرسلَ ابنُ عباس غُلامَهُ كُرَيبًا إلى أم سلمة يسألها فقالت: قتِلَ زَوْجُ سُبَيْعَةَ الأسلمية وهي حُبْلى، فوضَعَتْ بَعْدَ موتِه بأربعين ليلة، فَخُطِبَتْ فأنكحها رسولُ اللَّه ﷺ وكان أبو السّنابل فيمن خطبها] (١).
وأخرج البخاري وأحمد والنسائي عن المِسور بن مَخْرمة: [أنَّ سُبَيْعَةَ الأسلمية تُوفي
стр. 4917
عنها زوجها وهي حامل، فلم تمكُث إلا لياليَ حتى وضعت، فلما تَعَلّت من نفاسها خُطِبَت، فاستأذنت رسول اللَّه ﷺ في النكاح، فَأذِنَ لها أن تُنْكَحَ، فَنُكِحَت] (١).
وفي صحيح مسلم عن ابن شهاب: حدثني عُبَيْد اللَّه بنُ عبدِ اللَّه بنِ عُتبة بن مسعود، أن أباه كتبَ إلى عمر بن عبد اللَّه بن الأرقم الزُّهري، يأمره أن يَدْخُلَ على سُبَيْعَةَ بِنْتِ الحارِثِ الأَسْلَمِيَّةِ، فيسأَلَها عن حَديثها وعَمَّا قال لها رسول اللَّه ﷺ حين استَفْتَتْهُ، فكتب عمِرُ بن عبد اللَّه إلى عبد اللَّه بن عُتبة يُخْبِرُه أن سُبَيْعَةَ أخْبَرَتْه، أنها كانت تحت سَعْدِ بن خوْلَةَ، وهو في بني عامرِ بن لؤي، وكان مِمَّن شهد بَدْرًا، فَتُوفي عنها في حَجَّة الوداعِ وهي حامِلٌ، فَلمْ تَنْشَبْ أن وَضَعَتْ حَمْلَها بَعْدَ وفاتِه، فلمّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفاسِها تَجَمَّلَتْ لِلخُطَّاب، فدخِلَ عليها أبو السّنابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ -رجلٌ من بني عبد الدار- فقال لها مالي أَراكِ مُتَجَمِّلةً؟ لعلّك تَرْجين النِّكاح، إنَّك واللَّه! ما أنْتِ بناكِحٍ حتى تَمُرَّ عليك أربعةُ أشْهُرٍ وعَشْرٌ. قالت سُبَيْعة: فلما قال لي ذلك، جَمَعْتُ عَليَّ ثِيابي حين أمْسَيْتُ، فأتَيْتُ رسولَ اللَّه ﷺ فسألْتُهُ عن ذلك؟ فأفتاني بأني قدْ حَلَلْتُ حين وَضَعْتُ حَمْليِ، وأمَرَني بالتزوُّج إنْ بدا لي] (٢). قال ابن شهاب: (فلا أرى بأسًا أنْ تَتَزَوَّجَ حين وضَعَتْ، وإنْ كانت في دَمِها، غيرَ أنه لا يقرَبُها زوجُها حتى تَطْهُر).
وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾. قال مقاتل: (ومن يتق اللَّه في اجتناب معاصيه يجعل له من أمره يُسرًا في توفيقه للطاعة).
والمقصود: تأكيد أن تقوى اللَّه بتعظيم أوامره واجتناب نواهيه مفتاح كل فرج وتيسير، وكل مخرج من أمر عسير.
وقوله: ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ﴾. أي هذا الذي ذُكِرَ من الأحكام الشرعية هو أمْرُ اللَّه أنزله إليكم من اللوح المحفوظ وبَيّنَه لكم، لتكونوا على بصيرة في أمور دينكم.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾. أي: ومن يخف اللَّه فيعظم
стр. 4918
أمر دينه حق التعظيم يمح عنه ذنوبه ويجزل له الثواب على التقوى والعمل الصالح، ويدخله جنته وذلك أعظم الجزاء وأطيب النعيم.
٦ - ٧. قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (٦) لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾.
في هذه الآيات: الأَمْرُ بالسكنى والنفقة للمطلقة حتى انقضاء عدتها، والتحذير من التضييق عليها، والحاملُ ينْفق عليها حتى تضع حملها، وأجر الإرضاع على الآباء، ولا يكلف اللَّه نفسًا إلا وسعها.
فقوله: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾. قال ابن عباس: (يقول: من سعتكم). قال السدي: (المرأة يطلقها، فعليه أن يسكنها، وينفق عليها). قال ابن كثير: (يقول تعالى آمرًا عباده إذا طَلَّقَ أحدُهم المرأة أن يُسْكِنها في منزل حتى تنقضي عدَّتها، فقال: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ أي: عندكم). وعن قتادة: ﴿مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ قال: إن لم تجد إلا جَنْبَ بيتِكَ فأسكنها فيه). وقال السدي: (﴿مِنْ وُجْدِكُمْ﴾: من ملككم، من مقدرتكم).
وقوله: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾. قال مجاهد: (في المسكن). وقال سفيان: (ليس ينبغي له أن يضارها ويضيق عليها مكانها). وقال مقاتل: (يعني يُضاجِرها لِتَفْتَدِيَ منه بمالها أو تخرجَ من مسكنه). قال القاسمي: (﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ﴾ أي لا تستعملوا معهن الضرار ﴿لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ أي في المسكن ببعض الأسباب، من إنزال من لا يوافقهن، أو بشغل مكانهن، أو غير ذلك، حتى تضطروهن إلى الخروج أو الافتداء).
وقوله: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. قال السدي: (ينفق على الحبلى إذا كانت حاملًا حتى تضع حملها). قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وإن كان نساؤكم المطلقات أولات حمل وكنّ بائنات منكم، فأنفقوا عليهن في عدّتهن منكم حتى يضعن حملهن).
وقوله: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾. قال القرطبي: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ﴾ -يعني
стр. 4919
المطلقات- أولادكم منهن فعلى الآباء أن يعطوهنّ أجرة إرضاعهن).
وقوله: ﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾. قال النسفي: (أي تشاوروا على التراضي في الأجرة، أو ليأمر بعضكم بعضًا، والخطاب للآباء والأمهات ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾ بما يليق بالسنة، ويحسن في المروءة، فلا يماكس الأب ولا تعاسر الأم لأنه ولدهما، وهما شريكان فيه وفي وجوب الإشفاق عليه). وقال القرطبي: (﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ هو خطاب للأزواج والزوجات، أي وليَقْبَلْ بعضكم من بعض ما أمره به من المعروف الجميل. والجميل منها إرضاع الولد من غير أجرة. والجميل منه توفير الأجرة عليها للإرضاع).
وقوله: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾. قال السدي: (إن أبت الأم أن ترضع ولدها إذا طلقها أبوه التمس له مرضعة أخرى، الأمّ أحق إذا رضيت من أجر الرضاع بما يرضى به غيرُهَا، فلا ينبغي له أن ينتزع منها).
وقوله: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾. قال سفيان: (يقول: من طاقته). أي: لينفق على المولود والدُه أو وليُّه، بحسب قدرته وعلى قدر وسعه).
وقوله: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾. قال ابن زيد: (فرض لها من قدر ما يجد). وقال السدي: (﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ يقول: لا يكلف الفقير مثل ما يكلف الغني). وقال سفيان: ﴿إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ يقول: إلا ما أطاقت). وهو كقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
وقوله: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ قال سفيان: (بعد الشدة الرخاء). قال ابن جرير: (﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ﴾ للمقل من المال المقدور عليه رزقه ﴿بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ يقول: من بعد شدة رخاء، ومن بَعد ضيق سعة، ومن بعد فقر غنى).
قلت: والآية وعد من اللَّه تعالى بالفرج على المعسر الممتثل أمر اللَّه في بذل وسعه بأنه سيجعل له بعد الضيق غنى، وبعد الشدة سعة، وبعد العسر يسرًا.
وفي التنزيل: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥ - ٦].
أخرج الخطيب في "التاريخ" بسند رجاله ثقات عن أنس مرفوعًا: [النَّصْرُ مع الصَّبْر، والفرج مع الكرب، وإن مع العُسْر يسرًا] (١).
стр. 4920
٨ - ١١. قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (٨) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (٩) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا (١١)﴾.
في هذه الآيات: سُنَّةُ اللَّه تعالى في الانتقام من أهل القرى إذا تكبروا على الحق وتمادوا على الرسل غير ما ينتظرهم في الآخرة من العقاب، وامتنان اللَّه سبحانه على المؤمنين بنعمة الوحي والهداية في الدنيا وما أعدَّ لهم في الآخرة من جزيل الثواب.
فقوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ﴾. قال السدي: (غيَّرت وعصت). وقال ابن زيد: (العتوّ هاهنا الكفر والمعصية، وعتت عن أمر ربها: تركته ولم تقبله). والمقصود: كم من أهل قرية طغوا عن أمر ربهم وتمادوا في تكذيبهم الرسل ولجّوا في الكفر والفساد والمعصية.
وقوله: ﴿فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا﴾. أي جازيناها بالعذاب في الدنيا. قال ابن عباس: (يقول: لم نرحم). قال القرطبي: (لما ذكر الأحكام ذكر وحذّر مخالفة الأمر، وذكر عُتُوّ قوم وحلول العذاب بهم). وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، فعذبناها عذابًا نكرًا في الدنيا بالجوع والقَحْطِ والسيف والخَسْف والمَسْخ وسائر المصائب، وحاسبناها في الآخرة حسابًا شديدًا. والنُّكر: المنكر.
وقوله: ﴿وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا﴾. أي في الآخرة، عذبناها عذابًا منكرًا فظيعًا.
وقوله: ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾. أي فذاقت غِبَّ مخالفتها، وتجرّعت نتيجة طغيانها. قال ابن زيد: (ذاقت عاقبة ما عملت من الشر. الوبال: العاقبة).
وقوله: ﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا﴾. أي هلاكًا في الدنيا وألوان العذاب، وفي الآخرة في نار جهنم.
وقوله: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾. بيان لذلك الخسران أنه العذاب الشديد في نار الآخرة بعدما حلّ بهم من العذاب في الدنيا.
стр. 4921
وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. قال السدي: (يا أولي العقول). وقال ابن كثير: (أي: الأفهام المستقيمة، لا تكونوا مثلهم فيصيبَكم ما أصابَهم يا أولي الألباب).
وقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾. بدل من ﴿يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، أو نعت لهم. أي الذين آمنوا باللَّه وصدقوا رسله.
وقوله: ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا﴾. يعني القرآن. والمقصود: يا أولي العقول النيرة الذين آمنتم باللَّه وصدقتم رسوله، اتقوا اللَّه الذي أنزل عليكم القرآن، فخافوه واعملوا بطاعته واحذروا معصيته.
وقوله: ﴿رَسُولًا﴾. قيل: قد نُصب على أنه بدل اشتمال (١). وقيل: الرسول تفسير وترجمة عن الذكر - واختاره ابن جرير. وقال الزجاج: (إنزال الذكر دليل على إضمار أرسل، أي أنزل إليكم قرآنًا وأرسل رسولًا). ويجوز أن ينتصب ﴿رَسُولًا﴾ على الإغراء، والتقدير: اتبعوا رسولًا.
وقوله: ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ أي: يقرأ عليكم آيات القرآن، ويبين لكم ما تحتاجون إليه من الأحكام، ليخرج المؤمنين به من ظلمات الجاهلية والكفر، إلى نور العلم والإيمان.
وقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾. أي: قد وسع اللَّه عليه من ألوان الرزق والنعيم في الجنات. قال النسفي: (﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾. فيه معنى التعجب والتعظيم لما رزق المؤمنين من الثواب).
١٢. قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾.
في هذه الآية: إخبار اللَّه تعالى عن قدرته التامة وسلطانه العظيم، في خلق سبع سماوات وسبع أرضين، يتنزل الأمر بينهن بإذن الواحد القهار الحكيم ليكون ذلك باعثًا على تعظيم دينه القويم.
стр. 4922
فقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾. قال ابن جرير: (لا ما يعبده المشركون من الآلهة والأوثان التي لا تقدر على خلق شيء).
وقوله: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾. أي: في الخلق والعدد. قال قتادة: (خلق سبع سماوات وسبع أرضين، في كل سماء من سمائه وأرض من أرضه خلق من خلقه وأمر من أمره وقضاء من قضائه).
قلت: وأما تفصيلِ توضع الأرضين السبع فاللَّه أعلم به، وإنما نسلم لقول اللَّه تعالى في هذه الآية ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾، وكذلك لما ثبت في السنة الصحيحة في آفاق ذلك من أحاديث، منها:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في الصحيح عن سعيد بن زيد قال: سَمِعت رسول اللَّه ﷺ يقول: [من أخذ شِبْرًا من الأرض بغير حَقِّهِ، طُوِّقَهُ في سَبْع أَرَضين يوم القيامة] (١). وفي لفظ: [من اقتطع شبرًا من الأرض ظُلمًا، طَوَّقه اللَّه إياه يومَ القيامة من سَبْعِ أرضين].
الحديث الثاني: خرّج مسلم -كذلك- عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [لايأخُذُ أحدٌ شِبْرًا من الأرض بغير حَقِّهِ، إلا طَوِّقَهُ اللَّه إلى سَبْع أرضين يوم القيامة]. (٢)
الحديث الثالث: أخرج البخاري في "الأدب المفرد"، وأحمد في المسند، بسند صحيح من حديث عبد اللَّه بن عمرو مرفوعًا: [إن نبيَّ اللَّه نوحًا ﷺ لما حضرته الوفاة قال لابنه: إني قاص عليك الوصية، آمرتك باثنتين وأنهاك عن اثنتين، آمرك بـ "لا إله إلا اللَّه"، فإن السماوات السبع والأرضين السبع لو وضعت في كفة، ووضعت "لا إله إلا اللَّه" في كفة، رجحت بهن "لا إله إلا اللَّه"، ولو أن السماوات السبع والأرضين السبع كن حلقة مبهمة قصمتهن "لا إله إلا اللَّه". وسبحان اللَّه وبحمده فإنها صلاة كل شيء، وبها يرزق الخلق. وأنهاك عن الشرك والكبر] (٣).
стр. 4923
الحديث الرابع: أخرج النسائي وابن حبان بسند حسن عن عطاء بن أبي مروان عن أبيه، أنّ كعبًا حلف بالذي فلق البحر لموسى: [أنَّ صُهيبًا حدّثه أن محمدًا ﷺ لم ير قرية يريد دخولها إلا قال حين يراها: "اللهم ربَّ السماوات السبع وما أظْلَلْنَ، وربَّ الأرضين السبع وما أَقْلَلْنَ، وربَّ الشياطين وما أَضْلَلْنَ، وربَّ الرياح وما أَذْرَيْنَ، إنا نسألك خيرَ هذه القرية وخيرَ أهلها، ونعوذ بك من شَرِّها وشَرِّ أَهلها وشَرِّ ما فيها"] (١).
فهذه الآية مع هذه الأحاديث تثبت وجود الأرضين السبع كما أثبت الوحي من قرآن وسنة وجود السماوات السبع، ومن فسّر الآية من المعاصرين بما يؤول إلى نفي المثلية في العدد اغترارًا بما وصل إليه علم الأوربيين والأمريكان وغيرهم من الرقي وأنهم لا يعلمون سبع أرضين فقد أبعد النُّجْعَة وأغرقَ في النَّزْع وخالف القرآن والحديث بلا مستند. وإنما يقال له: هل علم القوم حقيقة وجود سبع سماوات طباقًا؟ ! الجواب: لا، وإنما هو خبر اللَّه تعالى آمنا به وصدقناه وجاءت به جميع الكتب المنزلة على الرسل. ومن ثم يقال لهؤلاء: أفننكر كلام اللَّه وكلام رسوله بجهل الأوربيين وأقرانهم، مع اعترافهم أنهم كلما ازدادوا علمًا بالكون ازدادوا علمًا بجهلهم به، وصدق اللَّه العظيم القائل: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦]، والقائل: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥].
وقوله: ﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾. قال مجاهد: (يتنزل الأمر من السماوات السبع إلى الأرضين السبع). والأمر هنا الوحي أو القضاء والقدر.
وفي قوله تعالى: ﴿بَيْنَهُنَّ﴾ إشارة إلى ما بين الأرض السُّفلى التي هي أقصاها وبين السماء السابعة التي هي أعلاها. وقيل: ﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ بحياة بعض وموت بعض وغِنى قوم وفقر قوم. وقيل: هو ما يُدَبَّرُ فيهن من عجيب تدبيره، فَيُنزل المطر ويُخرج النبات ويأتي بالليل والنهار، والصيف والشتاء، ويخلق الحيوانات على اختلاف أنواعها وهيئاتها، فينقلهم من حال إلى حال.
وقوله: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. قال القرطبي: (يعني أن من قدر على هذا الملك العظيم فهو على ما بينهما من خلقه أقدر، ومن العفو والانتقام أمكن، وإن استوى كل ذلك في مقدوره ومُكْنَته).
стр. 4924
وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾. -علمًا- نصب على المصدر المؤكد، أو هو تمييز، والتقدير: قد علم كل شيء علمًا، أو أحاط إحاطةً علمًا. قال ابن جرير: (يقول جل ثناؤه: فخافوا أيها الناس المخالفون أمر ربكم عقوبته، فإنه لا يمنعه في عقوبتكم مانع، وهو على ذلك قادر، ومحيط أيضًا بأعمالكم، فلا يخفى عليه منها خاف، وهو محصيها عليكم، ليجازيكم بها، يوم تجزى كل نفس ما كسبت).
تم تفسير سورة الطلاق بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه صبيحة الأربعاء ٧ شوال ١٤٢٦ هـ الموافق ٩/ تشرين الثاني/ ٢٠٠٥ م
* * *
стр. 4925
دروس ونتائج وأحكام
١ - لا تطلق المرأة في الحيض ولا في طهر مَسّها فيه.
٢ - يجب على المطلقة أن تقضي عدتها في بيت زوجها.
٣ - المطلقة المبتوتة ليس لها نفقة ولا سكنى.
٤ - الطلاق يقع بمجرد التلفظ به ولا يجب فيه إشهاد بل يستحب.
٥ - عدة المطلقة اليائسة والمطلقة غير البالغة ثلاثة أشهر.
٦ - عدة الحامل: المطلقة أو المتوفى عنها زوجها لحين وضعها.
٧ - النفقة على المطلقات الحاملات حين يلدن ولهن أجر الإرضاع.
٨ - النَّصْرُ مع الصَّبر، والفرج مع الكرب، وإن مع العُسْرِ يُسْرًا.
٩ - إهلاك اللَّه الأمم الكافرة من قبل عبرة كبيرة لهذه الأمة.
١٠ - لا يأخذ أَحَدٌ شِبْرًا من الأرض بغير حَقِّه، إلا طَوَّقَهُ اللَّه إلى سبع أرضين يوم القيامة.
* * *
стр. 4926
٦٦ - سورة التحريم
وهي سورة مدنية، وعدد آياتها (١٢).
موضوع السورة
تحريم النبي ﷺ على نفسه بعض الطيبات والأمر بمجاهدة الكفار والتماس أعلى الدرجات والقربات
- منهاج السورة -
١ - عتاب لطيف من اللَّه لرسوله في تحريمه على نفسه ما أحَلَّ اللَّه له ابتغاء مرضاة أزواجه واللَّه غفور رحيم.
٢ - تبيانه تعالى كيفية تحليل اليمين وكفّارته، واللَّه هو العليم الحكيم.
٣ - عتابُ اللَّه لزوجات رسوله ليقدموا له أهنأ العيش وأطيبه، وإلا جاء الاستبدال من اللَّه لهن بِمَنْ هُنَّ أكثر حرصًا على التقوى والإيمان، والعمل الصالح والإحسان.
٤ - الأمر للمؤمنين بالاجتهاد في طاعة اللَّه هم وذريتهم للنجاة من عذاب اللَّه الأليم، وتصوير مشهد الخزي والندامة يوم القيامة على الكافرين والمنافقين، ومشهد النجاة والفرح والسرور للمؤمنين في جنات النعيم.
٥ - أمْرُ اللَّه تعالى نبيه ﷺ بمجاهدة الكفار والمنافقين أصحاب الجحيم. وضَرْبُه تعالى
стр. 4927
المثل بامرأة نوح وامرأة لوط في خيانتهما منهاج النبوة لتكونا يوم القيامة في النار مع الداخلين.
٦ - ضَرْبُ اللَّه المثل بامرأة فرعون للمؤمنين، ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها وكانت من القانتين.
* * *
стр. 4928
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ٥. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢) وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣) إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (٤) عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (٥)﴾.
في هذه الآيات: عِتابٌ لطيف من اللَّه تعالى لرسوله ﷺ في تحريمه على نفسه ما أحَلَّ اللَّه له ابتغاء مرضاة أزواجه واللَّه غفور رحيم، وقد أوضح اللَّه تعالى له كيفية التحلل من ذلك وكفارة اليمين. وعتابٌ لطيف آخر لزوجاته ﷺ ليقدموا له أهنأ العيش وأطيبه وإلا جاء الاستبدال من اللَّه العليم الحكيم.
أسباب نزول هذه الآيات:
لقد ورد ذكر سبب نزول هذه الآيات في أحاديث من السنة الصحيحة:
الحديث الأول: أخرج البخاري عن ابن جريج قال: [زعم عطاء أنه سمع عبيد بن عمير يقول: سمعت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يمكث عند زينب ابنة جحش ويشرب عندها عسلًا، فتواصيت أنا وحفصة أن أَيَّتُنا دخل عليها النبي ﷺ فلتقل إني لأجد منك ريح مغافير (١)، أكلت مغافير، فدخل على إحداهما فقالت له ذلك،
стр. 4929
فقال: لا بأس، شربت عسلًا عند زينب ابنة جحش ولن أعودَ له. فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى ﴿إِنْ تَتُوبَا﴾ لعائشة وحفصة ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ لقوله: بل شربت عسلًا] (١).
وفي رواية: (قال: ولن أعود له وقد حلفت فلا تخبري بذلك أحدًا).
الحديث الثاني: يروي النسائي بسند صحيح عن أنمس ﵁: [أنّ رسول اللَّه ﷺ كانت له أمة يطؤها، فلم تزل به عائشة وحفصة حتى جعلها على نفسه حرامًا، فأنزل اللَّه هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ إلى آخر الآية] (٢).
الحديث الثالث: يروي البزَّار في مسنده بإسناد صحيح عن ابن عباس: [﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ قال: نزلت هذه في سُرِّيَتِه] (٣).
وذكر ابن جرير بإسناده من حديث زيد بن أسلم وعُبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عباس: أن الآية نزلت في شأن مارية القبطية أم إبراهيم أصابها النبي ﷺ في بيت حفصة في نوبتها فوجدت حفصة في نفسها في ذلك.
فعن زيد بن أسلم: (أنّ رسول اللَّه ﷺ أصاب أم إبراهيم في بيت بعض نسائه، فقالت: أي رسول اللَّه في بيتي وعلى فراشي؟ ).
وفي رواية ابن عباس: (قال: ألا ترضين أن أحرِّمها فلا أقربها؟ قالت: بلى. فحرّمها. وقال لها: لا تذكري ذلك لأحد، فذَكرته لعائشة).
ورواه الهيثم بن كليب في مسنده، كما ذكر الحافظ ابن كثير، وقال هذا إسناد صحيح، عن ابن عمر: [قال النبي ﷺ لحفصة: لا تخبري أحدًا وإنّ أم إبراهيم عليَّ حرام. فقالت: أتحرم ما أحَلَّ اللَّه لك؟ قال: فواللَّه لا أقربها. قال: فلم يقربها، حتى
стр. 4930
أخبرت عائشة، قال: فأنزل اللَّه تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾] (١).
قال الشوكاني: في تفسيره "ج ٥/ ص ٢٥٢": (فهذان سببان صحيحان لنزول الآية، والجمع ممكن بوقوع القصتين: قصةَ العسل وقصة مارية، وأن القرآن نزل فيهما جميعًا وفي كل واحد منهما أنه أسَرَّ الحديث إلى بعض أزواجه).
وقوله: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. أي غفور يا محمد ذنوب التائبين، وقد غفر لك تحريمك على نفسك ما أحل لك.
وقوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾. قال الشعبي: (عوتب في التحريم، وجاءت الكفارة في اليمين). أي: قد بين اللَّه لكم تحلة أيمانكم، وحدّها لكم أيها الناس، فتحليل اليمين كفارتها. والتحلّة: مصدر بمعنى التحليل. فشرع تحليل الأيمان بحل ما عقدته بالكفارة.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾. قال القرطبي: (وليّكم وناصركم بإزالة الحظر فيما تحرمونه على أنفسكم، وبالترخيص لكم في تحليل أيمانكم بالكفارة، وبالثواب على ما تخرجونه في الكفارة).
وقوله: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾. أي: فلما أخبرت بالحديث الذي أسرّ إليها رسول اللَّه ﷺ صاحبتها وأظهر اللَّه نبيّه محمدًا ﷺ على أنها قد أنبأت بذلك صاحبتها ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ﴾ أي عرّف النبي ﷺ حفصة بعض ذلك الحديث وأخبرها به وترك أن يخبرها ببعض.
وقوله: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾. أي: قالت حفصة حين أنبأها ذلك: من أنبأك هذا الخبر وأخبرك به؟ قال النبي ﷺ : خبرني به ﴿الْعَلِيمُ﴾ بسرائر عباده ﴿الْخَبِيرُ﴾ بأمورهم وأحوالهم، لا يخفى عليه شيء.
وعن ابن زيد قال: (﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا﴾ ولم تشك أن صاحبتها أخبرت عنها ﴿قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾).
وقوله: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾. قال ابن عباس: (يقول: زاغت قلوبكما، يقول: قد أثمت قلوبكما). وقال قتادة: (أي مالت قلوبكما). قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: إن تتوبا إلى اللَّه أيتها المرأتان فقد مالت قلوبكما إلى محبة
стр. 4931
ما كرهه رسول اللَّه ﷺ من اجتنابه جاريته، وتحريمها على نفسه، أو تحريم ما كان له حلالًا مما حرّمه على نفسه سبب حفصة).
وقال القرطبي: (﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾ يعني حفصة وعائشة، حَثَّهما على التوبة على ما كان منهما من الميل إلى خلاف محبة رسول اللَّه ﷺ . ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ أي زاغت ومالت عن الحق. وهو أنهما أحَبَّتَا ما كرِهَ النبي ﷺ من اجتناب جاريته واجتناب العسل، وكان ﵇ يحبّ العسل والنساء).
وقوله: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾. أي تتظاهرا على النبي وتتعاونا عليه بالمعصية والإيذاء. قال الضحاك: (﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾ يقول: على معصية النبي ﷺ وأذاه). وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. أي: اللَّه وليّه وناصره، فلا يضره ذلك، التظاهر منهما، وكذلك جبريل وليه، وكذلك ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال عكرمة: (أبو بكر وعمر). فقد كانا عونًا له عليهما وهما أبوا عائشة وحفصة. وقيل: خيار المؤمنين. وقيل الأنبياء. وقال السدي: (هم أصحاب محمد ﷺ ). قلت: واللفظ يعمّ من صيح من المؤمنين ممن آمن وعمل صالحًا.
وقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾. أي: والملائكة على تكاثر عددهم بعد نصرة اللَّه وجبريل وصالحي المؤمنين ﴿ظَهِيرٌ﴾ فوج مظاهر له، أعوان على من آذاه، وأراد مساءته، فما يبلغ تظاهر امرأتين على من هؤلاء ظهراؤه.
وقوله: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾.
روى مسلم في صحيحه عن سِمَاكٍ أَبي زُمَيْلٍ: حدَّثني عبد اللَّه بن عباس: حدّثني عمر بن الخطاب قال: [لمّا اعتزَلَ نبيُّ اللَّه ﷺ نِساءه قال: دخلتُ المسجِدَ، فإذا الناس يَنْكُتون بالحصى ويقولون: طَلَّق رسول اللَّه ﷺ نِساءه، وذلك قبل أَنْ يُؤمَرْنَ بالحجاب -قال عمر- فقلت: لأَعْلَمَنَّ ذلك اليوم -قال-: فَدَخَلْتُ على عائشةَ، فقلت: يا بِنْتَ أبي بكر! أقَدْ بلغَ مِنْ شأنِكِ أَنْ تُؤذي رسول اللَّه ﷺ ؟ فقالت: مالِي ومالَكَ يا ابْنَ الخَطّاب؟ عَليكِ بِعَيْبَتِكَ (١). قال: فدخَلْتُ على حفصةَ بنتِ عمرَ، فقلت لها: يا حفصةُ! أَقَدْ بَلَغَ مِنْ شأنِكِ أَنْ تؤذي رسولَ اللَّه ﷺ ؟ اللَّه! لقد عَلِمْتِ أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ لا يُحِبُّكِ، ولولا أنا لَطَلَّقَكِ رسولُ اللَّه ﷺ ، فبَكَتْ أشدَّ البُكاء، فقلت لها: أينَ
стр. 4932
رسول اللَّه ﷺ ؟ قالت: هو في خِزانته في المَشْرُبَة، فدخلت فإذا أنا بِرباحٍ غلامِ رسول اللَّه ﷺ قاعِدًا على أُسْكُفَّةِ المَشْرُبة، مُدَلٍّ رِجليه على نَقيرٍ مِنْ خَشَبٍ، وهو جِذْعٌ يَرْقى عليه رسول اللَّه ﷺ ويَنْحَدِرُ، فنادَيْتُ: يا رباحُ! استأذِن لي عِندك على رسول اللَّه ﷺ ، فَنَظَرَ رَباحٌ إلى الغُرْفَةِ ثُمَّ نَظَرَ إليَّ فلم يَقُل شيئًا، ثم رفعتُ صوتي فقُلتُ: يا رباحُ! استأذِن لي عندك على رسول اللَّه ﷺ ، فإني أظُنُّ أنَّ رسولُ اللَّه ﷺ ظَنَّ أني جِئْتُ مِنْ أجل حَفْصَةَ، واللَّه! لئِن أمرني رسولُ اللَّه ﷺ بضَرْبِ عُنُقِها لأضرِبَنَّ عُنَقَها، ورَفَعْتُ صَوْتي، فأوْمَأَ إليَّ أنِ ارْقَهْ، فدَخلتُ على رسول اللَّه ﷺ وهو مُضْطَجِعٌ على حَصير فَجَلَسْتُ، فأدْنَى عليه إزارَهُ، وليسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وإذا الحصيرُ قد أثَّرَ في جنبِهِ، فَنَظَرْتُ بِبصري في خِزَانَةِ رسول اللَّه ﷺ ، فإذا أنا بِقَبْضَةٍ مِنْ شَعِيرٍ نَحْوِ الصَّاعِ، ومِثْلِها قَرَظًا (١) في ناحية الغُرْفةِ، وإذا أَفِيقٌ (٢) مُعَلَّقٌ، -قال-: فابْتَدَرَتْ عَيْنايَ. قال: "ما يبكيك؟ يا ابن الخطاب! " قلت: يا نبيَّ اللَّه! ومالي لا أَبْكي؟ وهذا الحصيرُ قد أثَّرَ في جَنْبِكَ، وهذه خِزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى، وذاكَ قيصرُ وكِسرى في الثمار والأنهار، وأنت رسول اللَّه ﷺ وصَفْوَتُهُ، وهذِه خِزانَتُكَ. فقال: "يا ابنَ الخطاب! ألا ترضى أن تكون لنا الآخِرةُ ولهم الدنيا؟ " قلت: بلى. قال: ودَخَلْتُ عليه حينَ دخَلْتُ وأنا أرى في وجهه الغضبَ، فقلت: يا رسول اللَّه! ما يَشُقُّ عليك من شأنِ النساء؟ فإن كنتَ طَلَّقْتَهُنَّ فإن اللَّه معك وملائكتَه وجبريلَ وميكائيل، وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك، وقلَّما تَكَلَّمْتُ -وأحْمَدُ اللَّه- بكلامٍ إلا رَجوْتُ أنْ يكونَ اللَّهُ يُصَدِّقُ قولي الذي أقولُ. ونزلت هذه الآيةُ آيةُ التَّخيير: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ [التحريم: ٥] ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤]، وكانت عائِشةُ بِنْتُ أبي بكر وحفصةُ تَظاهرانِ على سائرِ نساء النبي ﷺ ، فقلت: يا رسول اللَّه! أَطَلَّقْتَهُنَّ؟ قال: "لا". قلت: يا رسول اللَّه! إني دخلتُ المسجدَ والمسلمون يَنْكتون بالحصى، يقولون: طَلَّقَّ رسولُ اللَّه ﷺ نِساءَه، أَفَأَنْزِلُ فَأُخَبِرَهُم أَنَّكَ لم تُطَلِّقهُنَّ؟ قال: "نعم، إن شئت" فلم أَزلْ أُحَدِّثُهُ حتى تَحَسَّرَ الغَضَبُ عن وَجْهِهِ، وحتى كَشَرَ فَضحِكَ، وكان مِنْ أَحْسَنِ الناس ثَغْرًا، ثمَّ نزلَ نبيُّ اللَّه ﷺ فَنَزلْتُ أَتَشَبَّثُ بالجِذعِ، ونزلَ رسول اللَّه ﷺ كأنَّما يمشي على الأرض ما يَمَسُّهُ بيده، فقلت: يا رسول اللَّه! إنّما كُنْتَ في الغُرْفَةِ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ. قال: "إنَّ
стр. 4933
الشهر يكون تِسعًا وعِشْرين" فقمت على باب المسجد، فناديتُ بأعلى صوتي: لَمْ يُطَلِّق رسول اللَّه ﷺ نِساءَهُ، ونزلَتْ هذه الآية: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]. فكنتُ أنا استنبطْتُ ذلكَ الأمْرَ، وأنزل اللَّه آيةَ التَّخْيير] (١).
وفي جاء الترمذي عن عائشة قالت له: يا رسول اللَّه ﷺ لا تخبر أزواجك أني اخترتك، فقال النبي ﷺ : [إنما بعثني اللَّه مُبَلِّغًا ولم يَبْعَثني مُتَعَنِّتًا] (٢).
وقوله: ﴿مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ﴾. قال ابن جرير: (﴿مُسْلِمَاتٍ﴾ يقول: خاضعات للَّه بالطاعة ﴿مُؤْمِنَاتٍ﴾ يعني مصدقات باللَّه ورسوله).
وقوله: ﴿قَانِتَاتٍ﴾. قال ابن زيد: (مطيعات). وكذلك قال قتادة.
وقوله: ﴿تَائِبَاتٍ﴾. أي: راجعات إلى ما يحبّه اللَّه منهن من طاعته عما يكرهه منهن.
وقوله: ﴿عَابِدَاتٍ﴾. أي: متذللات للَّه بطاعته وطاعة رسول ﷺ .
وقوله: ﴿سَائِحَاتٍ﴾. قال ابن عباس: (صائمات). وقال زيد بن أسلم: (مهاجرات). والأول أرجح. وقد صح عند ابن جرير عن أبي هريرة موقوفًا: [﴿السَّائِحُونَ﴾ هم الصائمون] (٣).
وكان بعض أهل العربية يرى أن الصائمِ إنما سمي سائحًا لأن السائح لا زاد معه، وإنما يأكل حيث يجد الطعام، فكأنه أُخِذ من ذلك. حكاه ابن جرير وأُثِرَ عن الفَرّاء والقُتَبي وغيرهما.
وقوله: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾. قال ابن كثير: (أي: مِنْهُن ثَيِّباتٍ، ومنهن أبكارًا، أي ليكون ذلك أشهى إلى النفوس، فإن التنوع يَبْسُط النفسَ).
وإنما سميت الثيب ثيبًا لأنها ثابت إلى بيت أبويها، وأما البِكْرُ فهي العذراء، سُمِّيت بِكْرًا لأنها على أوَّل حالتها التي خُلِقَت بها - حكاه القرطبي.
стр. 4934
٦ - ٨. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨)﴾.
في هذه الآيات: أمْرُ اللَّه تعالى عباده المؤمنين الاجتهاد في طاعته هم وذريتهم للنجاة من عذابه الأليم، وتصوير مشهد الخزي يوم القيامة على الكافرين والمنافقين، ومشهد النجاة والسرور والفرح في دخول المؤمنين جنات النعيم.
فقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾. قال سفيان، عن منصور عن رجل، عن علي بن أبي طالب قال: (يقول: أدّبوهم، علِّموهم). - رواه ابن جرير.
وعن ابن عباس: (﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ يقول: اعملوا بطاعة اللَّه، واتقوا معاصي اللَّه، ومُروا أهليكم بالذكر يُنْجيكم اللَّه من النار). وقال مجاهد: (اتقوا اللَّه، وأوصوا أهليكم بتقوى اللَّه). وقال قتادة: (يقيهم أن يأمرهم بطاعة اللَّه، وينهاهم عن معصيته، وأن يقوم عليهم بأمر اللَّه يأمرهم به ويساعدهم عليه، فإذا رأيت للَّه معصية ردعتهم عنها، وزجرتهم عنها). وعن الضحاك: (حقٌّ على المسلم أن يُعَلِّم أهله من قرابتِه وإمائه وعبيده ما فرَض اللَّه عليهم، وما نهاهم اللَّه عنه).
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤].
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: [لما أنزلت هذه الآية: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ دعا رسول اللَّه ﷺ قريشًا فاجتمعوا فعمَّ وخَصَّ، فقال: يا بني كعب بن لؤي
стр. 4935
أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مُرَّة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبدِ شمسٍ أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مَناف أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من اللَّه شيئًا، غير أن لكم رحِمًا سأبُلُّها ببلالها] (١).
وفي سنن أبي داود عن سبرة قال: قال النبي ﷺ : [مُروا الصَّبيَ بالصلاة إذا بلغ سَبْعَ سنين، وإذا بلغَ عَشْرَ سنين فاضربوه عليها] (٢).
وله شاهد عنده من حديث عبد اللَّه بن عمرو بلفظ: [مُروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع] (٣).
قال ابن كثير: (قال الفقهاء: وهكذا في الصوم، ليكون ذلك تمرينًا له على العبادة لكي يبلغ وهو مستمر على العبادة والطاعة ومجانبة المَعْصية، وتَرْك المنكر، واللَّه الموفق).
وفي صحيح مسلم من حديث عائشة أنّ النبي ﷺ كان إذا أوْتَرَ يقول: [قومي فَأوتري يا عائشة] (٤).
وفي مسند أحمد وسنن أبي داود من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: [رحم اللَّه رجلًا قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته، فإن أبت نضحَ في وجهها الماء. رحم اللَّه امرأة قامت من الليل فَصَلّت، وأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء] (٥).
وقوله: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾. قال ابن جرير: (يقول: حطبها الذي يوقد على هذه النار بنو آدم وحجارة الكبريت). وعن مجاهد: (هي حجارةٌ من كبريت، أنتنُ من الجيفة).
وقوله: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾. قال القرطبي: (يعني الملائكة الزبانية غِلاظ القلوب لا يرحمون إذا استرحموا، خُلِقوا من الغضب، وَحُبِّبَ إليهم عذابُ الخلق
стр. 4936
كما حُبِّبَ لبني آدم أكل الطعام والشراب. ﴿شِدَادٌ﴾ أي: شداد الأبدان. وقيل: غِلاظ الأقوال شداد الأفعال. وقيل: غِلاظ في أخذهم أهل النار شداد عليهم). وقيل: ﴿غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾ أي: طباعهم غليظة قد نزعت من قلوبهم الرحمة بالكافرين باللَّه ﴿شِدَادٌ﴾ في تركيبهم ومنظرهم المزعج الرهيب.
وقوله: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. أي: لا يخالفون اللَّه في أمره من زيادة أو نقصان، ولا يتأخرون عن فعل ما يأمرهم طرفة عين، بل يبادرون إلى الامتثال وتنفيذ الأمر بإتقان.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
أي: يقال للكفار يوم القيامة: إنه لا ينفعكم عذر اليوم فلا تعتذروا، إنما توفون جزاء أعمالكم التي كنتم تعملونها في الدنيا. قال ابن جرير: (فلا تطلبوا المعاذير منها). وقال القرطبي: (﴿لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ﴾ فإن عذركم لا ينفع. وهذا النّهي لتحقيق اليأس).
وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾. إرشاد من اللَّه تعالى عباده المؤمنين للمبادرة إلى التوبة الصادقة قبل فوات الأوان.
يروي ابن جرير بسنده عن سماك، عن النعمان بن بشير، قال: سُئِلَ عمر عن التوبة النصوح، قال: (التوبة النصوح: أن يتوب الرجل من العمل السَّيِئ، ثم لا يعود إليه أبدًا). وقال ابن عباس: (﴿تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ أن لا يعود صاحبها لذلك الذنب الذي يتوب منه، ويقال: توبته أن لا يرجع إلى ذنب تركه). وقال قتادة: (هي الصادقة الناصحة). وقال ابن زيد: (التوبة النصوح الصادقة، يعلم أنها صدق ندامة على خطيئته، وحبّ الرجوع إلى طاعته، فهذا النصوح).
وعن الحسن: (التوبة النصوح: أن تُبْغِضَ الذنب كما أحببتَه، وتستغفِرَ منه إذا ذكرته).
قلت: وشروط التوبة النصوح كما أحب تصنيفها خمسة:
أولًا: أن يكف عن الآثام وينقلع عن المحرمات.
ثانيًا: أن يندم على ما فرط باجتراح السيئات.
ثالثًا: أن يعقد العزم ألا يعود إلى السقوط في هذه الآثام والزلات.
رابعًا: أن يؤدي الحقوق إلى أصحابها وكذلك الأمانات.
стр. 4937
خامسًا: أن يترك الصحبة الفاسدة التي تحمله على الموبقات. وأن يهاجر من الأرض والقرية التي يعمل أهلها المنكرات، إلى القرى والبلاد التي يغلب على أهلها فعل الحسنات.
وأما ترتيب أدلتها من الكتاب والسنة:
١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١].
٢ - أخرج أحمد وابن ماجة بسند حسن عن ابن معقل قال: [دخلت مع أبي على عبد اللَّه، فسمعته يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "النَّدمُ توبة". فقال له أبي: أنت سمعت النبي ﷺ يقول: "الندم توبة"؟ قال: نعم] (١).
ورواه الطبراني من حديث أبي سعيد الأنصاري بلفظ: [الندم توبة، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له].
٣ - قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥].
٤ - قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨].
وفي مسند أحمد بسند صحيح عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: [نفسُ المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه] (٢).
٥ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧].
وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري -في قصة الرجل قتل تسعة وتسعين نفسًا ثم كمّل بالراهب مئة، فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم فنصحه فقال له-: [ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناسًا يعبدون
стр. 4938
اللَّه تعالى فاعبد اللَّه معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء] الحديث (١).
وقوله: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ قال القرطبي: (﴿عَسَى﴾ من اللَّه واجبة). وقال النسفي: (هذا على ما جرت به عادة الملوك من الإجابة بعسى ولعل ووقوع ذلك منهم موقع القطع والبت).
وقوله: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾. قال القاسمي: (أي لا يذلّهم. تعريض لأعدائهم بالخزي والصغار).
وقوله: ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾. قال ابن جرير: (يقول: يسعى نورهم أمامهم ﴿وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ يقول: وبأيمانهم كتابهم).
وقوله: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. قال مجاهد: (هذا يقوله المؤمنون حين يرون يوم القيامة نورَ المنافقين قد طفِئ).
أخرج الإمام أحمد بسند حسِن في الشواهد عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [أنا أوّل من يُؤْذَنُ له بالسجود يومَ القيامة، وأنا أول من يرفع رأسه، فأنظرُ بين يديَّ، فأعرف أمتي من بين الأمم، ومن خلفي مِثْلُ ذلك، وعن يميني مِثْلُ ذلك، وعن شمالي مِثلُ ذلك. فقال رجل: كيف تعرِف أمتَك يا رسول اللَّه ﷺ من بين الأمم فيما بين نوح إلى أمتك؟ قال: هم غرٌّ مُحَجَّلُون، مِنْ أَثَرِ الوضوء، ليس لأحد كذلك غيرِهم، وأَعْرِفُهُم أنهم يؤتَون كُتُبَهُم بأيمانهم، وأعرفهم تسعى بين أيديهم ذُرِّيَتُهُم] (٢). ورواه محمد بن نصر المروزِيّ بنحوه وفي روايته: [غرٌّ مُحَجَّلون من أثر الوضوء، ولا يكون أحدٌ من الأمم كذلك غيرُهم، وأعرفهم أنهم يُؤْتَون كُتُبَهم بأيمانهم، وأعرفهم بسيماهم في وجوههم من أثَر السجود، وأعرِفُهم بِنُورهم يسعى بين أيديهم].
وأخرج الإمام أحمد بسند رجاله ثقات عن يحيى بن حسان، عن رجل من بني كنانة قال: صلّيت خلف النبي ﷺ عام الفتح فسمعته يقول: [اللهم لا تخزني يومَ القيامة] (٣).
стр. 4939
٩ - ١٠. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠)﴾.
في هذه الآيات: أمْرُ اللَّه تعالى نبيّه ﷺ بمجاهدة الكفار والمنافقين أصحاب الجحيم، وضَرْبه تعالى المثل بامرأة نوح وامرأة لوط في خيانتهما منهاج النبوة لتكونا يوم القيامة في النار مع الداخلين.
فقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾. قال قتادة: (أمر اللَّه نبيه ﵊ أن يجاهد الكفار بالسيف، ويغلظ على المنافقين بالحدود). فجهاد الكفار بالسلاح والقتال، وجهاد المنافقين بالوعيد واللسان وبإقامة الحدود عليهم.
وقوله: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾. قال قتادة: (يقول: واشدد عليهم في ذات اللَّه). وقوله: ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. أي: ومكثهم جهنم ومستقرهم إلى النار، وبئس القرار والموضع الذي يصيرون إليه نار السعير.
وقوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال ابن كثير: (أي: في مخالطتِهم المسلمين ومُعَاشَرتهم لهم، أنَّ ذلك لا يُجْدي عنهم شيئًا، ولا ينفعهم عند اللَّه، إن لم يكن الإيمان حاصلًا في قُلوبهم، ثم ذكر المثل فقال: ﴿امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ﴾، أي: نبيَّين رسُولَين عندهما في صُحبتهما ليلًا ونهارًا، يؤاكلانهما ويضاجعانهما ويعاشرانهما أشدَّ العشرة والاختلاط).
وقوله: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾، أي في الدين، لم يوافقاهما على الإيمان والرسالة. وليس المقصود الزنا أو الفاحشة، فإن نساء الأنبياء معصومات عن ذلك لحرمة الأنبياء. قال ابن عباس: (ما بغت امرأة نبي قط. إنما كانت خيانتهما في الدين). وقال عكرمة: (وكانت خيانتهما أنهما كانتا مشركتين). وقال الضحاك: (كانتا مخالفتين دين النبي ﷺ كافرتين باللَّه).
يروي ابن جرير بإسناده عن سفيان عن موسى بن أبي عائشة عن سليمان بن قيس، عن ابن عباس: (قوله ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾: قال: كانت امرأة نوح تقول للناس: إنه مجنون.
стр. 4940
وكانت امرأة لوط تَدُلّ على الضيف). أو قال: (أما امرأة نوح فكانت تُخبر أنه مجنون، وأما خيانة امرأة لوط فكانت تَدُلُّ قومها على أضيافِه).
وقال العوفي، عن ابن عباس قال: (كانت خيانتُهما أنهما كانتا على غير دينهما، فكانت امرأة نوح تَطّلِعُ على سِرِّ نوح، فإذا آمن معَ نوحٍ أحدٌ أخبرت الجبابرة من قوم نُوح به، وأما امرأة لوطٍ فكانت إذا أضافَ لوطٌ أحدًا أخبرت به أهلَ المدينة ممن يعمل السوء).
وقوله: ﴿فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾. أي فما نفع هاتين المرأتين إذ عصتا اللَّه أن أزواجهما أنبياء. قال قادة: (هاتان زوجتا نَبِيَّي اللَّه، لما عصتا ربهما لم يغن أزواجهما عنهما من اللَّه شيئًا). وقال: (يقول اللَّه: لم يغن صلاح هذين عن هاتين شيئًا، وامرأة فرعون لم يضرّها كفر فرعون).
وقوله: ﴿وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾. قال ابن جرير: (قال اللَّه لهما يوم القيامة: ادخلا أيتها المرأتان نار جهنم مع الداخلين فيها).
١١ - ١٢. قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢)﴾.
في هذه الآيات: ذِكْرُ الصورة المقابلة من المثل، فالذين آمنوا لا يضرهم مخالطةُ الكافرين إن ضاق الأمر عليهم أو حوصروا أو كانوا محتاجين إليهم، فإن اللَّه تعالى قضى أن لا تزر وازرة وزر أخرى، وأن لكل نفس ما كسبت، وامرأة فرعون خير مثل في ذلك للمؤمنين، وكذلك مريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها وصبرت على أمر ربها وكانت من القانتين.
فقوله: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾. قال قتادة: (كان فرعون أغنى أهلِ الأرض وأكفره، فواللَّه ما ضَرَّ امرأته كُفْر زَوجها حين أطاعت رَبَّها لِتَعلموا أن اللَّه تعالى حَكَمٌ عدل، لا يؤاخذ أحدًا إلا بذنبه).
وقوله: ﴿إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾. قال العلماء: اختارت الجار قبل الدار. قال النسفي: (فكأنها أرادت الدرجة العالية لأنه تعالى منزه عن المكان، فعبرت