كما حُبِّبَ لبني آدم أكل الطعام والشراب. ﴿شِدَادٌ﴾ أي: شداد الأبدان. وقيل: غِلاظ الأقوال شداد الأفعال. وقيل: غِلاظ في أخذهم أهل النار شداد عليهم). وقيل: ﴿غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾ أي: طباعهم غليظة قد نزعت من قلوبهم الرحمة بالكافرين باللَّه ﴿شِدَادٌ﴾ في تركيبهم ومنظرهم المزعج الرهيب.
وقوله: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. أي: لا يخالفون اللَّه في أمره من زيادة أو نقصان، ولا يتأخرون عن فعل ما يأمرهم طرفة عين، بل يبادرون إلى الامتثال وتنفيذ الأمر بإتقان.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
أي: يقال للكفار يوم القيامة: إنه لا ينفعكم عذر اليوم فلا تعتذروا، إنما توفون جزاء أعمالكم التي كنتم تعملونها في الدنيا. قال ابن جرير: (فلا تطلبوا المعاذير منها). وقال القرطبي: (﴿لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ﴾ فإن عذركم لا ينفع. وهذا النّهي لتحقيق اليأس).
وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾. إرشاد من اللَّه تعالى عباده المؤمنين للمبادرة إلى التوبة الصادقة قبل فوات الأوان.
يروي ابن جرير بسنده عن سماك، عن النعمان بن بشير، قال: سُئِلَ عمر عن التوبة النصوح، قال: (التوبة النصوح: أن يتوب الرجل من العمل السَّيِئ، ثم لا يعود إليه أبدًا). وقال ابن عباس: (﴿تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ أن لا يعود صاحبها لذلك الذنب الذي يتوب منه، ويقال: توبته أن لا يرجع إلى ذنب تركه). وقال قتادة: (هي الصادقة الناصحة). وقال ابن زيد: (التوبة النصوح الصادقة، يعلم أنها صدق ندامة على خطيئته، وحبّ الرجوع إلى طاعته، فهذا النصوح).
وعن الحسن: (التوبة النصوح: أن تُبْغِضَ الذنب كما أحببتَه، وتستغفِرَ منه إذا ذكرته).
قلت: وشروط التوبة النصوح كما أحب تصنيفها خمسة:
أولًا: أن يكف عن الآثام وينقلع عن المحرمات.
ثانيًا: أن يندم على ما فرط باجتراح السيئات.
ثالثًا: أن يعقد العزم ألا يعود إلى السقوط في هذه الآثام والزلات.
رابعًا: أن يؤدي الحقوق إلى أصحابها وكذلك الأمانات.
стр. 4937
خامسًا: أن يترك الصحبة الفاسدة التي تحمله على الموبقات. وأن يهاجر من الأرض والقرية التي يعمل أهلها المنكرات، إلى القرى والبلاد التي يغلب على أهلها فعل الحسنات.
وأما ترتيب أدلتها من الكتاب والسنة:
١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١].
٢ - أخرج أحمد وابن ماجة بسند حسن عن ابن معقل قال: [دخلت مع أبي على عبد اللَّه، فسمعته يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "النَّدمُ توبة". فقال له أبي: أنت سمعت النبي ﷺ يقول: "الندم توبة"؟ قال: نعم] (١).
ورواه الطبراني من حديث أبي سعيد الأنصاري بلفظ: [الندم توبة، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له].
٣ - قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥].
٤ - قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨].
وفي مسند أحمد بسند صحيح عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: [نفسُ المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه] (٢).
٥ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧].
وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري -في قصة الرجل قتل تسعة وتسعين نفسًا ثم كمّل بالراهب مئة، فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم فنصحه فقال له-: [ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناسًا يعبدون
стр. 4938
اللَّه تعالى فاعبد اللَّه معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء] الحديث (١).
وقوله: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ قال القرطبي: (﴿عَسَى﴾ من اللَّه واجبة). وقال النسفي: (هذا على ما جرت به عادة الملوك من الإجابة بعسى ولعل ووقوع ذلك منهم موقع القطع والبت).
وقوله: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾. قال القاسمي: (أي لا يذلّهم. تعريض لأعدائهم بالخزي والصغار).
وقوله: ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾. قال ابن جرير: (يقول: يسعى نورهم أمامهم ﴿وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ يقول: وبأيمانهم كتابهم).
وقوله: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. قال مجاهد: (هذا يقوله المؤمنون حين يرون يوم القيامة نورَ المنافقين قد طفِئ).
أخرج الإمام أحمد بسند حسِن في الشواهد عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [أنا أوّل من يُؤْذَنُ له بالسجود يومَ القيامة، وأنا أول من يرفع رأسه، فأنظرُ بين يديَّ، فأعرف أمتي من بين الأمم، ومن خلفي مِثْلُ ذلك، وعن يميني مِثْلُ ذلك، وعن شمالي مِثلُ ذلك. فقال رجل: كيف تعرِف أمتَك يا رسول اللَّه ﷺ من بين الأمم فيما بين نوح إلى أمتك؟ قال: هم غرٌّ مُحَجَّلُون، مِنْ أَثَرِ الوضوء، ليس لأحد كذلك غيرِهم، وأَعْرِفُهُم أنهم يؤتَون كُتُبَهُم بأيمانهم، وأعرفهم تسعى بين أيديهم ذُرِّيَتُهُم] (٢). ورواه محمد بن نصر المروزِيّ بنحوه وفي روايته: [غرٌّ مُحَجَّلون من أثر الوضوء، ولا يكون أحدٌ من الأمم كذلك غيرُهم، وأعرفهم أنهم يُؤْتَون كُتُبَهم بأيمانهم، وأعرفهم بسيماهم في وجوههم من أثَر السجود، وأعرِفُهم بِنُورهم يسعى بين أيديهم].
وأخرج الإمام أحمد بسند رجاله ثقات عن يحيى بن حسان، عن رجل من بني كنانة قال: صلّيت خلف النبي ﷺ عام الفتح فسمعته يقول: [اللهم لا تخزني يومَ القيامة] (٣).
стр. 4939
٩ - ١٠. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠)﴾.
في هذه الآيات: أمْرُ اللَّه تعالى نبيّه ﷺ بمجاهدة الكفار والمنافقين أصحاب الجحيم، وضَرْبه تعالى المثل بامرأة نوح وامرأة لوط في خيانتهما منهاج النبوة لتكونا يوم القيامة في النار مع الداخلين.
فقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾. قال قتادة: (أمر اللَّه نبيه ﵊ أن يجاهد الكفار بالسيف، ويغلظ على المنافقين بالحدود). فجهاد الكفار بالسلاح والقتال، وجهاد المنافقين بالوعيد واللسان وبإقامة الحدود عليهم.
وقوله: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾. قال قتادة: (يقول: واشدد عليهم في ذات اللَّه). وقوله: ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. أي: ومكثهم جهنم ومستقرهم إلى النار، وبئس القرار والموضع الذي يصيرون إليه نار السعير.
وقوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال ابن كثير: (أي: في مخالطتِهم المسلمين ومُعَاشَرتهم لهم، أنَّ ذلك لا يُجْدي عنهم شيئًا، ولا ينفعهم عند اللَّه، إن لم يكن الإيمان حاصلًا في قُلوبهم، ثم ذكر المثل فقال: ﴿امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ﴾، أي: نبيَّين رسُولَين عندهما في صُحبتهما ليلًا ونهارًا، يؤاكلانهما ويضاجعانهما ويعاشرانهما أشدَّ العشرة والاختلاط).
وقوله: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾، أي في الدين، لم يوافقاهما على الإيمان والرسالة. وليس المقصود الزنا أو الفاحشة، فإن نساء الأنبياء معصومات عن ذلك لحرمة الأنبياء. قال ابن عباس: (ما بغت امرأة نبي قط. إنما كانت خيانتهما في الدين). وقال عكرمة: (وكانت خيانتهما أنهما كانتا مشركتين). وقال الضحاك: (كانتا مخالفتين دين النبي ﷺ كافرتين باللَّه).
يروي ابن جرير بإسناده عن سفيان عن موسى بن أبي عائشة عن سليمان بن قيس، عن ابن عباس: (قوله ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾: قال: كانت امرأة نوح تقول للناس: إنه مجنون.
стр. 4940
وكانت امرأة لوط تَدُلّ على الضيف). أو قال: (أما امرأة نوح فكانت تُخبر أنه مجنون، وأما خيانة امرأة لوط فكانت تَدُلُّ قومها على أضيافِه).
وقال العوفي، عن ابن عباس قال: (كانت خيانتُهما أنهما كانتا على غير دينهما، فكانت امرأة نوح تَطّلِعُ على سِرِّ نوح، فإذا آمن معَ نوحٍ أحدٌ أخبرت الجبابرة من قوم نُوح به، وأما امرأة لوطٍ فكانت إذا أضافَ لوطٌ أحدًا أخبرت به أهلَ المدينة ممن يعمل السوء).
وقوله: ﴿فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾. أي فما نفع هاتين المرأتين إذ عصتا اللَّه أن أزواجهما أنبياء. قال قادة: (هاتان زوجتا نَبِيَّي اللَّه، لما عصتا ربهما لم يغن أزواجهما عنهما من اللَّه شيئًا). وقال: (يقول اللَّه: لم يغن صلاح هذين عن هاتين شيئًا، وامرأة فرعون لم يضرّها كفر فرعون).
وقوله: ﴿وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾. قال ابن جرير: (قال اللَّه لهما يوم القيامة: ادخلا أيتها المرأتان نار جهنم مع الداخلين فيها).
١١ - ١٢. قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢)﴾.
في هذه الآيات: ذِكْرُ الصورة المقابلة من المثل، فالذين آمنوا لا يضرهم مخالطةُ الكافرين إن ضاق الأمر عليهم أو حوصروا أو كانوا محتاجين إليهم، فإن اللَّه تعالى قضى أن لا تزر وازرة وزر أخرى، وأن لكل نفس ما كسبت، وامرأة فرعون خير مثل في ذلك للمؤمنين، وكذلك مريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها وصبرت على أمر ربها وكانت من القانتين.
فقوله: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾. قال قتادة: (كان فرعون أغنى أهلِ الأرض وأكفره، فواللَّه ما ضَرَّ امرأته كُفْر زَوجها حين أطاعت رَبَّها لِتَعلموا أن اللَّه تعالى حَكَمٌ عدل، لا يؤاخذ أحدًا إلا بذنبه).
وقوله: ﴿إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾. قال العلماء: اختارت الجار قبل الدار. قال النسفي: (فكأنها أرادت الدرجة العالية لأنه تعالى منزه عن المكان، فعبرت
стр. 4941
عنها بقولها عندك). قال ابن جرير: (فاستجاب اللَّه لها فبنى لها بيتًا في الجنة).
وقوله: ﴿وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾. قال القرطبي: (تعني بالعمل الكفر. وقيل: من عمله من عذابه وظلمه وشماتته. وقال ابن عباس: الجماع).
وقوله: ﴿وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. قال مقاتل: (القبط). وقال الكلبي: (أهل مصر). قال ابن جرير: (تقول: وأخلصني وأنقذني من عمل القوم الكافرين بك، ومن عذابهم). وهذه المرأة هي آسية بنت مزاحم، ﵂.
أخرج أبو يعلى بسند صحيح عن أبي هريرة مرفوعًا: [إنّ فرعون أوْتدَ لامرأتِه أربعة أوتادٍ في يديها ورِجْليها، فكان إذا تفرّقوا عنها ظلّلتها الملائكة، فقالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، فكشف لها عن بيتها في الجنة] (١).
وله شاهد عند الحاكم والطبري بسند على شرط الشيخين من حديث سلمان ﵁ قال: [كانت امرأة فرعون تُعَذَّبُ بالشمس، فإذا انصرفوا عنها أظلتها الملائكة بأجنحتها، وكانت ترى بيتها في الجنة].
وشاهد عند البيهقي في "شعب الإيمان" عن ثابت عن أبي رافع قال: [وتَدَ فرعون لامرأته أربعة أوتاد، ثم حمل على بطنها رحىً عظيمة حتى ماتت]-وهو مرسل صحيح-.
وقوله: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾. قال ابن كثير: (أي: حَفِظَتْه وصانته. الإحصان: هو العَفاف والحُرمة. ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾، أي: بواسِطة المَلَك، وهو جبريلُ، فإن اللَّه بَعَثَهُ إليها فتَمَثَّلَ لها في صورة بَشَر سَوِيٍّ، وأمره اللَّه تعالى أن ينفُخ بفيه في جيب دِرْعِها، فنزلت النفخةُ فَوَلَجَت في فَرْجها، فكان منه الحمل بعيسى ﵇.
وقوله: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾. أي: بقدره وشرعه. قال قتادة: (يقول: آمنت بعيسى، وهو كلمة اللَّه ﴿وَكُتُبِهِ﴾ يعني التوراة والإنجيل).
وقوله: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾. أي: من المطيعين المخبتين. قال قتادة: (يقول: وكانت من القوم المطيعين).
стр. 4942
وقد حفلت السنة الصحيحة بأحاديث كثيرة في فضل آسية بنت مزاحم -امرأة فرعون- وفضل مريم بنت عمران ﵉.
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن علي ﵁ عن النبي ﷺ قال: [خير نسائِها مريمُ بنتُ عمران، وخير نسائها خديجةُ بنتُ خُوَيلد] (١).
الحديث الثاني: أخرج أحمد في المسند بسند على شرط الصحيح عن ابن عباس قال: [خطّ رسول اللَّه ﷺ في الأرض أربعة خُطوطٍ، وقال: أتدرون ما هذا؟ قالوا: اللَّه ورسوله أعلمُ. فقال رسولُ اللَّه ﷺ : أفضلُ نساءِ أهل الجنة خديجة بنتُ خُوَيلد، وفاطِمةُ بنتُ محمد، ومريم ابنةُ عِمران، وآسية ابنةُ مزاحمٍ امرأة فِرعون] (٢).
وله شاهد في المسند -أيضًا- من حديث أنس بلفظ: [خير نساء العالمين أربع: مريمُ بنتُ عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية امرأة فرعون].
الحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم وأحمد عن أبي موسى قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [كَملَ من الرجال كثير، ولم يكمُلْ من النساء إلا آسية امرأةُ فرعون، ومريم بنتُ عمران -زاد ابن مردويه: (وخديجة بنت خويلد) - وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام] (٣).
تم تفسير سورة التحريم بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه صبيحة الجمعة ٩ شوال ١٤٢٦ هـ الموافق ١١/ تشرين الثاني/ ٢٠٠٥ م.
* * *
стр. 4943
دروس ونتائج وأحكام
١ - حَرَّم الرسول ﷺ أمَّ ولده إبراهيم فعاتبه اللَّه وأمره بإعادتها.
٢ - التحريم ليس طلاقًا إلا بنية الطلاق، وكفارة التحريم كفارة يمين.
٣ - تحريم مارية وتحريم العسل واقعتان مستقلتان في أسباب نزول الآية.
٤ - هدَّدَ اللَّه نساء نبيّه أن يستقمن أو يزوجه خيرًا منهن.
٥ - المسلم مسؤول عن أهل بيته أمرًا ونهيًا وترغيبًا وترهيبًا.
٦ - مُروا الصَّبي بالصلاة إذا بلغ سَبْعَ سنين، وإذا بلغ عَشْر سنين فاضربوه عليها.
٧ - المؤمن نوره يسعى بين يديه يوم القيامة والمنافق يطفأ نوره.
٨ - الندم توبة، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له.
٩ - نساء الأنبياء معصومات عن الوقوع في الفاحشة لحرمة الأنبياء.
١٠ - رب ابن لي عندك بيتًا في الجنة: اختارت الجار قبل الدار.
١١ - أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنتُ خوَيلد، وفاطمة بنتُ محمد، ومريم ابنة عِمران، وآسية ابنةُ مزاحمٍ امرأة فرعون.
١٢ - كمل من الرجال كثير، ولم يكمُلْ من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران. وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام.
стр. 4944
٦٧ - سورة الملك
وهي سورة مكية، وعدد آياتها (٣٠).
ذكر ما جاء في فضلها من أحاديث:
الحديث الأول: أخرج أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجة بسند حسن عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [إنَّ سُورة من القرآن ثلاثون آية شفعت لرجلٍ حتى غُفِرَ له، وهي ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾] (١).
وفي رواية: (شفعت لصاحبها حتى غُفر له).
وفي رواية: [إن سورة من كتاب اللَّه ما هي إلا ثلاثون آية، شفعت لرجل فأخرجته من النار، وأدخلته الجنة].
الحديث الثاني: أخرج الطبراني في "الأوسط" بسند جيد عن أنس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [سُورة من القرآن ما هى إلا ثلاثون آية خاصمت عن صاحبها حتى أدخلته الجنة، وهي ﴿تَبَارَكَ﴾] (٢).
стр. 4945
الحديث الثالث: أخرج الحاكم وأبو الشيخ بسند صحيح عن عبد اللَّه مرفوعًا: [سورة تبارك هي المانعة من عذاب القبر] (١).
الحديث الرابع: أخرج الترمذي بسند صحيح عن جابر: [أنَّ النبي ﷺ كان لا ينام حتى يقرأ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾، و ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾] (٢).
موضوع السورة
كمال الملك للَّه رب العالمين
- منهاج السورة -
١ - البدء بتمجيد اللَّه تعالى خالق الموت والحياة، جاعل الكواكب زينة للسماوات، والشهب رجومًا للشياطين.
٢ - إعداد اللَّه نار جهنم ليعذب بها الكافرين، الذين كذبوا الرسل وعاندوا الوحي الكريم.
٣ - تخصيص رفيع الأجر لأهل الخشية والخوف من اللَّه العظيم، الذي ذلل الأرض لعباده ليسعوا في مناكبها ويكونوا من الشاكرين.
٤ - تنبيه اللَّه عباده أن لا يأمنوا عقابه إن اختاروا طريق المعصية والآثام، ودعوتهم لرؤية بديع قدرته في حركة الطير فوقهم ما يمسكهن إلا الرحمان.
٥ - تنبيه العباد أن النصر والرزق بيد اللَّه العلي الكريم، الذي إليه يرجع الخلق وتكون الندامة والخزي على الكافرين.
٦ - الثناء على المؤمنين في توكلهم على العزيز الرحيم، وتنبيه العباد إلى نعمة الماء الذي إن غار لا يأتيهم به إلا الرحمان الكريم.
* * *
стр. 4946
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ٥. قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (٤) وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (٥)﴾.
في هذه الآيات: تمجيدُ اللَّه تعالى نفسه فهو الخالق القادر العزيز الغفور، الذي خلق الموت والحياة والسماوات وَزَيَّنَها بالكواكب وجعل الشهب رجومًا للشياطين، وأعدّ عذاب السعير للكافرين.
فقوله: ﴿تَبَارَكَ﴾. تفاعل من البركة. قال الحسن: (تقدّس). وقال ابن جرير: (تعاظم وتعالى). فهو تمجيد من اللَّه تعالى لنفسه الكريمة.
وقوله: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾. قال ابن عباس: (بيده الملك يُعِزُّ من يشاء ويُذِلّ من يشاء، ويحيي ويميت، ويُغني ويُفقِر، ويُعطي ويمنع). وقال محمد بن إسحاق: (له ملك النبوّة التي أعزّ بها من اتبعه وذلّ بها من خالفه). والمقصود: بيده سبحانه مُلك الدنيا والآخرة وسلطانهما، وأمره وقضاؤه نافذ فيهما، فتعالى اللَّه الملك القهار.
وقوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. قال القرطبي: (من إنعام وانتقام). والمعنى: أمره نافذ في كل شيء لكمال قهره وقدرته، فلا يعجزه شيء.
وقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. قال قتادة: (أذلّ اللَّه ابن آدم بالموت، وجعل الدنيا دار حياة ودار فناء، وجعل الآخرة دار جزاء وبقاء). والمقصود: أوجد سبحانه الخلائق من العدم ليختبرهم أيهم أفضل عملًا. قال النسفي:
стр. 4947
(والمعنى: خلق موتكم وحياتكم أيها المكلفون ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ ليمتحنكم بأمره ونهيه فيما بين الموت الذي يعم الأمير والأسير والحياة التي لا تفي بعليل ولا طبيب، فيظهر منكم ما علم أنه يكون منكم، فيجازيكم على عملكم لا على علمه بكم).
وقدّم الموت على الحياة، لأن الموت إلى القهر أقرب، ولأن أقوى الناس داعيًا إلى العمل من نَصَبَ موته بين عينيه، وأَكْثَر من ذكر هادِم اللذات الذي يسحبه إلى قبره مما في يديه.
وعن الفضيل بن عياض: (﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ قال: أخلصه وأصوبه، فإن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا، لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا. والخالص أن يكون للَّه. والصواب: أن يكون على السنة).
وقال شيخ الإسلام: (وإذا كانت جميع الحسنات، لا بد فيها من شيئين: أن يراد بها وجه اللَّه، وأن تكون موافقة للشريعة، فهذا في الأقوال والأفعال. في الكلم الطيب، والعمل الصالح، في الأمور العلمية، والأمور العملية العبادية).
أخرج الطبراني في "الكبير" بسند حسن عن عباد بن تميم عن عمه مرفوعًا: [يا نعايا العرب! يا نعايا العرب! يا نعايا العرب! إنَّ أخوف ما أخاف عليكم الرياء والشهوة الخفية] (١).
وقوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾. أي: وهو الغالب الذي لا يعجزه من عصاه، الستور لمن تاب واستعتب والتمس رضاه.
وقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾. قال ابن جرير: (طبقًا فوق طبق، بعضها فوق بعض). قال القرطبي: (و ﴿طِبَاقًا﴾ نعت لـ ﴿سَبْعَ﴾ فهو وصف بالمصدر).
وقوله: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾. قال قتادة: (ما ترى فيهم من اختلاف).
وقال ابن كثير: (﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾، أي: بل هو مُصْطَحِبٌ مُسْتَوٍ، ليس فيه اختلافٌ ولا تنافرٌ ولا مخالفة، ولا نقصٌ ولا عيبٌ ولا خَلَلَ).
وقوله: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾. قال ابن عباس: (أي: شقوق). وفي
стр. 4948
رواية: (أي: وَهِيٍّ). وقال السدي: (﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ أي: من خُرُوق). وقال قتادة: (أي هل ترى خَلَلًا يا ابن آدم؟ ). والمقصود: اردد طرفك إلى السماء فقلِّب البصر في أرجائها فانظر متأملًا هل ترى فيها عيبًا أو نقصًا أو شقوقًا.
وقوله: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾. قال قتادة: (مرتين). أي رجعتين مرة بعد مرة. فإن النظرة الأولى قد لا تكشف العيب، فانظر الثانية نظر الفاحص المستكشف.
وقوله: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا﴾. قال ابن عباس: (ذليلًا). وقال مجاهد: (صاغرًا). فأخبر اللَّه تعالى أنه وإن نظر في السماء مرة بعد مرة متفحصًا لا يرى فيها عيبًا بل يتحيّر بالنظر إليها، ويرجع البصر خاشعًا صاغرًا متباعدًا عن رؤية أي عيب أو نقص أو خلل. وفي لغة العرب: خَسَأ البصر أي سَدِر -يعني لم يكد يبصر- من باب قَطَع وخَضَع. وخسأت الكلبَ أي أبعدته وطردته.
وقوله: ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾. الحسور: الإعياء. قال قتادة: (﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ يقول: مُعْيٍ لم ير خللًا ولا تفاوتًا). والمقصود: عاد البصر بعد التأمل حسيرًا -أي كليلًا- قد انقطع من الإعياء من كثرة التكرُّر ولا يرى نقصًا ولا عيبًا.
وقوله: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾. بيان لكمال زينة السماء وتمام خلقها وحسن تلألئها بعد نفي النقص أو العيب في صرحها. والمصابيح: الكواكب التي وضعت فيها السيَّارات والثوابتِ. قال النسفي: (﴿بِمَصَابِيحَ﴾ بكواكب مضيئة كإضاءة الصبح، والمصابيح السرج، فسميت بها الكواكب والناس يزينون مساجدهم ودورهم بإيقاد المصابيح، فقيل: ولقد زينا سقف الدار التي اجتمعتم فيها بمصابيح، أي بأي مصابيح لا توازيها مصابيحكم إضاءة).
وقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾. أي وجعلنا الشهب التي تصدر عن هذه المصابيح رجومًا لأعدائكم من الشياطين. والرجوم: جمع رجم، وهو مصدر سُمِّيَ به ما يرجم به. قال قتادة: (خلق اللَّه تعالى النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجومًا للشياطين، وعلامات يُهتدى بها في البر والبحر والأوقات. فمن تأوّل فيها غير ذلك فقد تكلّف ما لا علم له به، وتعدّى وظلم).
أخرج البخاري عن ابن عباس قال: [انطلق رسول اللَّه ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين. فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء
стр. 4949
وأرسلت علينا الشهب. قال: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا ما حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الأمر الذي حدث، فانطلقوا فضربوا مشارق الأرض ومغاربها ينظرون ما هذا الأمر الذي حال بينهم وبين خبر السماء. قال: فانطلق الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول اللَّه ﷺ بنخلة وهو عامد إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر. فلما سمعوا القرآن تسمعوا له فقالوا: هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء] (١).
فهؤلاء الشياطين ما عادوا يَحْظَون اليوم بخبر كامل من السماء كما كانوا قبل بعثة النبي ﷺ ، فربما استرقوا جزءًا من الخبر لا تكتمل معه قصة أو خبر قبل أن تحرقهم الشهب وتقطع عليهم السبيل.
قال شيخ الإسلام: (وقد أخبر سبحانه في كتابه من منافع النجوم، فإنه يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، وأخبر أنها زينة للسماء الدنيا، وأخبر أن الشياطين تُرجم بالنجوم).
قلت: وأما ما يربط به المنجمون بعض ما يحدث في الدنيا في حياة الناس من موتِ أحد مشاهيرهم، أو ولادة مولود لبعضهم، أو مما ينتظر بعضهم من أماني وأحلام في المستقبل يزعمون أن الأفلاك توجبه، فكل ذلك من الكذب على اللَّه بغير علم.
قال محمد بن كعب: (واللَّه ما لأحد من أهل الأرض في السماء نجم، ولكنهم يتخذون الكهانة سبيلًا ويتخذون النجوم علة).
وقوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾. أي: وأعتدنا لهؤلاء الشياطين أشدّ الحريق مقابل ما تعاطوا به من السحر والكفر والكذب على اللَّه ورسله.
٦ - ١١. قوله تعالى: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٦) إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (٧) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ
стр. 4950
كَبِيرٍ (٩) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (١١)﴾.
في هذه الآيات: إعدادُ اللَّه نار جهنم ليعذب بها الكافرين، الذين كذبوا الرسل وعاندوا الوحي الكريم، ليذوقوا الخزي والندامة والألم في مستقرهم في الجحيم.
فقوله: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾. أي أَعَدَّ اللَّه لكل من كفر به من الشياطين وغيرهم عذاب النار في الآخرة.
وقوله: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. أي: وبئس المرجع والمآل والمستقر والمنقلب.
وقوله: ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا﴾. قال ابن جريج: (يعني الصياح). وقوله: ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾. قال مجاهد: (يقول: تغلي كما يغلي القِدْر). وقوله: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾. قال ابن عباس: (تكاد يفارق بعضها بعضًا وتنفطر). وقال: (يقول: تتفرّق). قال ابن زيد: (التميز: التفرّق من الغيظ على أهل معاصي اللَّه غضبًا للَّه، وانتقامًا له). والمقصود: تكاد جهنم ينفصل بعضها من بعض، مِنْ شدّة غيظها على أهلها وحنقها بهم.
وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾.
أي: كلما ألقي فيها جماعة من الكفار سألهم خزنة جهنم -على جهة التوبيخ والتقريع-: ألم يأتكم رسول في الدنيا ينذركم لقاء يومكم هذا ويحذركم مآسيه؟ ! فأجابوا: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ﴾ حذرنا وأنذرنا فقابلناه بالتكذيب وقلنا: ﴿مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي على ألسنتكم معشر الرسل ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾ أي: في ذهاب عن الحق بعيد.
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].
٢ - وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١].
وفي صحيح مسلم عن عبد اللَّه بن مسعود قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [ليسَ أحَدٌ
стр. 4951
أحَبَّ إليه المدحُ من اللَّه ، مِنْ أجْلِ ذلك مَدَحَ نَفْسَهُ، وليسَ أحَدٌ أَغْيَرَ من اللَّه، مِنْ أَجْلِ ذلك حَرَّمَ الفواحِشَ، وليس أحَدٌ أحبَّ إليه العُذرُ من اللَّه، مِنْ أجْل ذلك أنزل الكِتابَ وأرسَلَ الرُّسُل] (١).
وفي سنن أبي داود بسَند صحيح عن أبي البَخْتَرِيِّ الطائي قال: أخبرني من سمع النبي ﷺ أنه قال: [لَنْ يهلكَ الناس حتى يَعْذِروا، أو يُعْذِروا، من أنفسهم] (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾.
إِخْبَارٌ من اللَّه عن وقوع الكافرين يوم الحسرة بالندامة، ورجوعهم على أنفسهم بالملامة. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وقال الفوج الذي ألقي في النار للخزنة ﴿لَوْ كُنَّا﴾ في الدنيا ﴿نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ﴾ من النذر ما جاؤونا به من النصيحة، أو نعقل عنهم ما كانوا يدعوننا إليه ﴿مَا كُنَّا﴾ اليوم ﴿فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ يعني أهل النار). والمقصود: ما كانوا يسمعون الإنذار سماع طالب الحق، ولا يعقلون حجج الوحي عقل المتأمل المتدبر، وهذا ما وَرَّطهم في العذاب يوم القيامة. قال النسفي: (وفيه دليل على أن مدار التكليف على أدلة السمع والعقل وأنهما حجتان ملزمتان).
وقوله: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ﴾. أي: أقروا بكفرهم في تكذيب الرسل ومعاندة حجج الوحي. ووحّد الذنب وقد أضيف إلى الجمع لأن فيه معنى الفعل، فالذنب بمعنى الجمع، فأدّى الواحد عن الجميع، كما يقال: خرج عطاء الناس أي أعطيتهم.
وقوله: ﴿فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾. قال ابن عباس: (يقول: بُعْدًا). قال القرطبي: (أي فَبُعْدًا لهم من رحمة اللَّه).
١٢ - ١٥. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢) وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ
стр. 4952
اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)﴾.
في هذه الآيات: إثباتُ رفيع الأجر والثواب لأهل الخشية والخوف من اللَّه العظيم، الذي يعلم السر وأخفى وهو اللطيف الخبير الكريم، والذي ذلَّل الأرض لعباده ليسعوا في مناكبها وليشكروه على نعمه وليستعدوا للقائه في يوم الحشر العظيم.
فقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾. قال ابن جرير: (يخافون ربهم ﴿بِالْغَيْبِ﴾ يقول: وهم لم يَرَوْه).
قلت: بل الخشية أخص من الخوف، فالخشية للعلماء باللَّه، والخوف لعامة المؤمنين. كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]. وكما قال نبيه ﷺ : [إني أتقاكم للَّه وأشدكم له خشية]- رواه مسلم.
وقوله: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. أي لهم عفو من اللَّه عن ذنوبهم، وثواب جزيل على خشيتهم إياه -سبحانه- بالغيب.
وقوله: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾. اللفظ لفظ الأمر والمراد به الخبر. والتقدير: سواء أخفيتم قولكم وكلامكم أيها الناس أو أعلنتموه فإن إسراركم وإجهاركم قد أحاط به اللَّه.
وقوله: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. أي: إنه تعالى محيط بضمائر الصدور لا يخفى عليه منها شيء، فغيرها أحرى أن لا يخفى عليه.
وقوله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾. أي: ألا يعلم السر من خلق السر، وهو ﴿اللَّطِيفُ﴾ بعباده ﴿الْخَبِيرُ﴾ بهم وبأعمالهم.
واللطيف اسم من أسماء اللَّه تعالى. ومعناه: الذي يوصِلُ إليك أَرَبَك في رِفْق. وقيل: هو الذي لَطُفَ عن أن يُدْرَكَ بالكيفية.
قال تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣].
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الشورى: ١٩].
والخبير: العالم العارف بما كان وما يكون. قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨].
стр. 4953
وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا﴾. أي: سهلة تستقرون عليها، قد سَهّلَها لكم. والذلول في كلام العرب المنقاد الذي يَذِلّ لك. والمصدر الذُّلُ وهو اللين والانقياد.
وقوله: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾. أىِ في أطرافها ونواحيها وأرجائها. قال ابن عباس: (يقول: امشوا في أطرافها). وقال مجاهد: (في طرقها وفجاجها).
قال ابن كثير: (أي: فَسَافِروا حيث شِئْتُم من أقطارها، وتردّدوا في أقاليمها وأرجائها في أنواع المكاسب والتجارات، واعلموا أن سَعْيَكُم لا يُجْدي عليكم شيئًا، إلا أن يُيَسِّره اللَّه لكم، ولهذا قال: ﴿وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ - فالسعي في السبب لا ينافي التوكل).
وفي سنن ابن ماجة والترمذي بسند حسن عن عمر بن الخطاب يقول: إنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: [لو أنكم تَتَوَكّلون على اللَّه حق توكله لرزقكم كما يرزقُ الطير، تَغْدو خِماصًا وتروح بِطانًا] (١).
وقوله: ﴿وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾. أي: وإليه المرجع سبحانه يوم القيامة، هو ينشركم من قبوركم للقيام بين يديه في أرض المحشر.
١٦ - ١٩. قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧) وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (١٨) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩)﴾.
في هذه الآيات: تنبيهُ اللَّه تعالى عباده أن لا يأمنوا عقابه إن اختاروا طريق المعصية والآثام، فلقد أهلك سبحانه من قبلهم من أهل الكفر والمكر والإجرام، فهلا نظروا إلى بديع قدرته في حركة الطير فوقهم ما يمسكهن إلا الرحمان.
فقوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾. أي: أأمنتم اللَّه الذي استوى على العرش فوق سبع سماوات أن ينزل نقمته بأهل المعاصي والآثام. قال ابن عباس: (أأمنتم عذاب من في
стр. 4954
السماء إن عصيتموه). وقيل: تقديره أأمنتم من في السماء قدرته وسلطانه وعرشُه ومملكتُه. قال القرطبي: (وخَصَّ السماءَ وإن عَمَّ مُلكُهُ تنبيهًا على أن الإله الذي تنفذ قدرته في السماء لا من يعظّمونه في الأرض). وقال ابن جرير -شيخ المفسرين-: (﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ وهو اللَّه).
قلت: والآية دليل ساطع من أدلة العلو وأن اللَّه تعالى في السماء -أي: على السماء- فإن ﴿فِي﴾ -في هذه الآية كما ذكر البيهقي والذهبي وأئمة السلف- تعني "على".
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠].
٢ - وقال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٥].
٣ - وقال تعالى: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (٤) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٤ - ٥].
ومن كنوز صحيح السنة في آفاق ذلك أحاديث، منها:
الحديث الأول: أخرج مسلم عن جابر: [-أن رسول اللَّه ﷺ قال في خطبته يوم عرفة-: ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم. فجعل يرفع أصبعه إلى السماء وينكتها إليهم ويقول: اللهم اشهد). وفي رواية: [فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكُتُها إلى الناس، اللهم اشهد، اللهم اشهد، ثلاث مرات] (١).
الحديث الثاني: أخرج أبو داود والترمذي بسند صحيح عن عبد اللَّه بن عمرو مرفوعًا: [الراحمون يرحمهم الرحمن ﵎، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء] (٢).
الحديث الثالث: أخرج مسلم في صحيحه عن أبي سعيد قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [ألا تأمنوني وأنا أمين مَنْ في السماء؟ يأتيني خبر السماء صباحًا ومساءً] (٣).
стр. 4955
وقوله: ﴿أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾. أي كما خسف بقارون. ﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ أي: تضطرب وتتحرك. والمَوْر: الاضطر اب بالذهاب والمجيء.
وقوله: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ -وهو اللَّه- ﴿أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾. قال ابن جرير: (وهو التراب فيه الحصباء الصغار). وقال القرطبي: (أي حجارة من السماء كما أرسلها على قوم لوط وأصحاب الفيل. وقيل: ريحٌ فيها حجارة وحَصْباء. وقيل: سحاب فيه حجارة).
وقوله: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾. أي: فستعلمون كيف يكون إنذاري وعاقبة من كذّب به. قال النسفي: (أي إذا رأيتم المنذر به علمتم كيف إنذاري حين لا ينفعكم العلم).
وقوله: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. أي: ولقد كذب -يا محمد- الذين من قبل هؤلاء المشركين من قريش من الأمم السالفة والقرون الخالية رسلهم.
وقوله: ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾. قال ابن كثير: (أي: فكيف كان إنكاري عليهم ومعاقبتي لهم؟ أي: عظيمًا شديدًا أليمًا).
وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾. قال مجاهد: (بَسْطُهُنَّ أجنحتهنَّ وقبضهنّ). وقال قتادة: (﴿صَافَّاتٍ﴾: الطير يصف جناحه كما رأيت، ثم يقبضه). والمقصود: أولم ينظر هؤلاء القوم نظرة تأمل في جماعات الطير، تارة يَصْفُفْنَ أجنحتهنَّ في الهواء، وتارة تجمع جناحًا وتنشر جناحًا.
وقوله: ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾. أي: ما يمسك الطير في الجو فوقكم إلا الرحمن، بما سخّر لهن من الهواء، وبما دبّرَ لهن من بنية يتأتى منها الجري في الجوّ. كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٧٩].
وقوله: ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾. قال القاشاني: (أي فيعطيه ما يليق به، ويُسَوِّيه بحسب مشيئته، ويودع فيه ما يريده بمقتضى حكمته، ثم يهديه إليه بتوفيقه). وقال ابن جرير: (يقول: فلهم بذلك مذكر إن ذكروا، ومعتبر إن اعتبروا، يعلمون به أن ربهم واحد لا شريك له ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ يقول: إن اللَّه بكل شيء ذو بصر وخبرة، لا يدخل تدبيره خلل، ولا يُرى في خلقه تفاوت).
стр. 4956
٢٠ - ٢٧. قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (٢٠) أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (٢١) أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢) قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٢٣) قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٦) فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (٢٧)﴾.
في هذه الآيات: تنبيهُ العباد أن النصر والرزق بيد اللَّه العلي الكريم، الذي خلق الأرض وبَثَّ فيها العباد وجعل لهم السمع والأبصار ليشكروه وإليه المرجع يوم الحشر العظيم، يوم يرسل اللَّه الخزي والندامة والمذلة على الكافرين.
فقوله: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ﴾. تبكيت وتقريع بالمشركين الذين عبدوا مع اللَّه آلهة يبتغون بذلك النصر والرزق، ويظنون أنها تقربهم إلى اللَّه زلفى. قال ابن جرير: (يقول: من هذا الذي هو جند لكم أيها الكافرون به ينصركم من دون الرحمن إن أراد بكم سوءًا، فيدفع عنكم ما أراد بكم من ذلك).
وقول: ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾. قال القرطبي: (من الشياطين، تَغرّهم بأن لا عذاب ولا حساب).
وقوله: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾. أي: أم من هذا الذي هو يطعمكم ويسقيكم، ويأتي بأقواتكم ويغدق عليكم ويعطيكم حوائجكم، إن قطع اللَّه رزقه عنكم؟ !
وقوله: ﴿بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾. قال ابن عباس: (يقول: في ضلال). وقال جماهد: (﴿بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ قال: في كفور). والمقصود: بل استمروا في طغيانهم وتماديهم وضلالهم وشرودهم عن الحق.
стр. 4957
وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
مثل ضربه اللَّه للمؤمن والكافر، فالكافر يمضي في ضلاله وتخبطه كالمنكِّس رأسه لا ينظر أمامه ولا يمينه ولا شماله، فهو لا يأمن من العثور والانكباب على وجهه، وأما المؤمن فهو يمضي في طريقه مطمئنًا يستضيء بنور إيمانه ويقينه، فهو كالذي يمشي سويًا معتدلًا ناظرًا ما بين يديه وعن يمينه وعن شماله، يبصر العقبات ويحذر العثرات.
وقوله: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ﴾. أي خلقكم ابتداء. قال القرطبي: (أمر نبيه أن يعرّفهم قبح شركهم مع اعترافهم بأن اللَّه خلقهم).
وقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾. قال النسفي: (خصّها لأنها آلات العلم). فالسمع تسمعون به، والأبصار تبصرون بها، والأفئدة تعقلون بها.
وقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾. قال القاسمي: (أي باستعمالها فيما خلقت له).
وقوله: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾. قال ابن عباس: (أي خلقكم في الأرض). وقال ابن شجرة: (نشركم فيها وفرّقكم على ظهرها).
وقوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾. أي: وإليه تجمعون من قبوركم لمشهد الحساب ونيل الثواب والعقاب.
وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. استهزاء من المشركين بيوم المعاد. أي يقولون: متى يوم القيامة! ومتى هذا العذاب الذي تعِدوننا به إن كنتم صادقين في وعدكم! أعلمونا زمانه وميعاده؟ !
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾.
أي: قل لهم يا محمد: إن وقت قيام الساعة موكول أمره وعلمه إلى اللَّه، فلا يشاركه في علمه غيره، وإنما أنا ﴿نَذِيرٌ﴾ أي: مخوِّف ومعلم لكم، ﴿مُبِينٌ﴾: أبيّن لكم الشرائع.
وقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً﴾. أي قريبًا. فهو مصدر بمعنى مُزْدَلَفًا. قال مجاهد: (﴿زُلْفَةً﴾: قد اقترب). وقال الحسن: (لما عاينوه).
وقوله: ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال قتادة: (لما رأوا عذاب اللَّه زلفة، يقول: سيئت وجوههم حين عاينوا من عذاب اللَّه وخزيه ما عاينوا). وقال ابن زيد: (الزلفة حاضر قد حضرهم عذاب اللَّه .
стр. 4958
وفي التنزيل: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الزمر: ٤٧ - ٤٨].
وقوله: ﴿وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾. قال ابن زيد: (استعجالهم العذاب). أي: يقال لهم حينئذ على وجه التقريع والتوبيخ: هذا الذي كنتم تكذبون وتدّعون من أجله الأباطيل والأحاديث، هذا هو العذاب الذي كنتم به تذكرون ربكم أن يعجله لكم وتتمايلون مستهزئين.
٢٨ - ٣٠. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٨) قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (٣٠)﴾.
في هذه الآيات: إثباتُ مرجع الأمر كله للَّه العلي العظيم، فهو الرحمان عليه يتوكل المؤمنون وسيعلم الكفار أنهم أهل الضلال المبين. مَنْ يأتيكم أيها الناس بالماء إن غار في أرضكم سوى اللَّه الحكيم الكريم!
فقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا﴾. أي: قل يا محمد للمشركين من قومك أرأيتم أيها الناس إن أماتني اللَّه وأصحابي أو أخّر آجالنا.
وقوله: ﴿فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. قال ابن كثير: (أي خَلِّصوا أنفسكم، فإنه لا مُنْقِذَ لكم من اللَّه إلا التوبةُ والإنابةُ، والرجوعُ إلى دينه، ولا ينفعكم وقوعُ ما تتمنون لنا من العذاب والنكال، فسواء عذبنا اللَّه أو رحِمنا، فلا مناصَ لكم من نكاله وعذابه الأليم الواقع بكم).
وقوله: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾. قال النسفيّ: (أي الذي أدعوكم إليه الرحمان ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ صدقنا به ولم نكفر به كما كفرتم ﴿وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ فوضنا إليه أمورنا).
وقوله: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. أي: فستعلمون معشر المشركين إذا نزل العذاب بكم ﴿مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ نحن أم أنتم، وسترون لمن تكون العاقبة في الدارين.
وقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾. الغائر: الذاهب في الأرض وهو ضد النابع. أي: قل يا محمد -يا معشر قريش- ماذا لو غار ماء آباركم وينابيعكم فذهب في الأرض
стр. 4959
لا تناله الدلاء، ولا الفؤوس الحداد، ولا السواعد الشداد. قال القرطبي: (وكان ماؤهم من بئرين: بئر زمزم وبئر ميمون).
وقوله: ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾. إظهار بديع لرحمة اللَّه في خلقه، لعل المشركين يكفرون بالطواغيت ويعظمون أمره، وينصرفون إلى امتثال شرعه!
قال ابن عباس: (﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ يقول: بماء عذب). وقال قتادة: (الماء المعين: الجاري). وقال سعيد بن جبير: (الظاهر). وفي رواية أخرى عن ابن عباس: (﴿بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ أي ظاهر تراه العيون).
وبناء على ذلك فإن ﴿مَعِينٍ﴾ أي ظاهر تراه العيون، فهو مفعول، أو هو من مَعَن الماء إذا كثُر فهو على وزن فعيل، أي هو كثير جار ونابع وسائح على وجه الأرض.
والمقصود: لابد لهم أمام هذا القرع الرائع أن يقولوا إنما يأتينا به اللَّه، فقل لهم يا محمد: فلم تشركون به من لا يقدر على التحكم بمياهكم وآباركم وينابيعكم! وليس له أمر إجرائها في سائر أقطار البلاد، حسب حاجة البهائم والعباد.
أخرج الحاكم على شرط الشيخين عن ابن عباس قال: [ما مِن عام بأكثر مطرًا من عام، ولكن اللَّه يصرفه بين خلقه حيث يشاء، ثم قرأ: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الفرقان: ٥٠]] (١).
وله شاهد عند البغوي عن ابن مسعود يرفعه: [ليس من سنة بأمَرَّ من أخرى، ولكن اللَّه قسم هذه الأرزاق، فجعلها في السماء الدنيا في هذا القطر، ينزل منه كل سنة بكيل معلوم ووزن معلوم، وإذا عمل قوم بالمعاصي حوّلَ اللَّه ذلك إلى غيرهم، فإذا عصوا جميعًا صرف اللَّه ذلك إلى الفيافي والبحار] (٢).
تم تفسير سورة الملك بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه عصر الأحد ١١ شوال ١٤٢٦ هـ الموافق ١٣/ تشرين الثاني/ ٢٠٠٥ م
стр. 4960
دروس ونتائج وأحكام
١ - سورة تبارك هي المانعة من عذاب القبر.
٢ - كان رسول اللَّه ﷺ لا ينام حتى يقرأ السجدة والملك.
٣ - لن يُرى في خلق السماوات السبع من خلل مهما تكرر إمعان النظر.
٤ - ندامة الكفار في جهنم حيث لا تنفع الندامة.
٥ - الأجر والمغفرة للذين يخشون ربهم بالغيب.
٦ - طلب الرزق لا ينافي التوكل. ولو أنكم تتوكلون على اللَّه حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا.
٧ - ذات اللَّه تعالى فوق كل مخلوق، ووسعت صفاته كلَّ شيء.
٨ - لا يرزق غير اللَّه إن أمسك رزقه، ولا يجير من عذاب اللَّه أحد إن أنزل نقمته.
٩ - من هذا الذي ينبع الماء إن أراد أن يجعله غائرًا في الأرض!
١٠ - ما مِنْ عام بأكثر مطرًا من عام، ولكن اللَّه يصرفه بين خلقه حيث يشاء.
* * *
стр. 4961
٦٨ - سورة القلم
وهي سورة مكية، ويقال لها سورة نون، وعدد آياتها (٥٢).
موضوع السورة
القلم أول ما خلق اللَّه رب العالمين وكُتب فيه تقدير جميع ما في الدارين
- منهاج السورة -
١ - القسم بالقلم لتأكيد اللَّه نبوة رسوله الكريم، وإثبات الخلق جميعه للَّه العظيم.
٢ - توعد اللَّه تعالى المنافقين والكافرين، واللَّه تعالى هو أعلم بالضالين وبالمهتدين.
٣ - الدعوة لإقامة منهج الولاء والبراء، والتحذير الشديد من اتباع سبيل الأعداء.
٤ - قصة أصحاب الجنة وانعكاس المكر السَّيِئ على أهله الماكرين، والشعور بالندم بعد نزول الانتقام من اللَّه رب العالمين، وبقاء الأمل باللَّه بعد التوبة فإن الفوز هو النجاة من عذاب الجحيم.
٥ - التفريق بين المسلمين والمجرمين، فالمؤمنون في سرور ونعيم، والكافرون هم وشركاؤهم في نار الجحيم.
٦ - ظهور الساق يوم الحشر ككلمة السر بين المؤمنين وربهم ليخروا له ساجدين، وحرمان اللَّه المنافقين أن يكونوا مع الساجدين.
стр. 4962
٧ - استدراج اللَّه الكفار في الدنيا وكذلك المنافقين، حتى يحيط بهم كيده المتين.
٨ - أمر اللَّه تعالى نبيه ﷺ بالصبر، وكشف محاولات الكفار إصابته بالعين والسحر.
٩ - اتهام الكفار الرسول بالجنون، وهذا الوحي ونبي الحق شرف للعالمين.
* * *
стр. 4963
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ٧. قوله تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧)﴾.
في هذه الآيات: قَسَمٌ من اللَّه تعالى بالقلم يؤكد النبوة لنبيه الكريم، ويثبت له الخُلق العظيم، ويتوعد المنافقين والكافرين، واللَّه تعالى هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين.
فقوله: ﴿ن﴾ - كقوله في أوائل السور المتقدمة التي تبدأ بمثل هذه الحروف المقطعة، والراجح أن المراد الإعجاز، أي: هذا القرآن مكون من مثل هذه الأحرف، والخلق عاجزون عن معارضته بمثله.
وقوله: ﴿وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾. قسم من اللَّه تعالى بالقلم، والمراد جنس القلم الذي يُكتب به، كما قال جل ثناؤه: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ٣ - ٥].
أخرج الإمام أحمد والترمذي بسند صحيح من حديث عبادة مرفوعًا: [إن أوَّلَ ما خلق اللَّه القلم، ثم قال له: اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة] (١).
وفي رواية: [إن أول ما خلق اللَّه القلم، فقال له: اكتب، قال: يا رب وما أكتب؟ قال: اكتب القدر وما هو كائن إلى الأبد]. وفي لفظ آخر: (اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة).
وعن ابن عباس: (﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾: يعني وما يكتبون). وقال أيضًا: (وما يَعْملون).
стр. 4964
وقال السدي: (﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾: يعني الملائكة وما تكتُب من عمل العباد). قال ابن كثير: (﴿وَالْقَلَمِ﴾. فهو قَسَمٌ منه تعالى، وتنبيهٌ لِخَلْقِه على ما أنعم به عليهم من تعليم الكتابة التي بها تُنالُ العُلوم).
وقوله: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾. قال النسفي: (أي بإنعامه عليك بالنبوة وغيرها). وقال القرطبي: (والنعمة هاهنا الرحمة). وقيل: النعمة هاهنا قسم والتقدير: ما أنت ونعمة ربك بمجنون، فالواو والباء من حروف القسم.
والمقصود: ما أنت -يا محمد- بما جئت به قومك من الوحي والهدى والحق بمجنون -كما نسبك الجهلة من قومك ظلمًا إلى الجنون-.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾. أي: وإن لك يا محمد عند اللَّه الثواب العظيم الجزيل الذي لا ينقطع ولا يبيد، مقابل حملك هذه الأمانة، والصبر على أذى قومك في سبيلها. قال ابن جرير: (﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾: غير منقوص ولا مقطوع). فهو من قولهم: مننت الحبل إذا قطعته. وحبل منين إذا كان غير متين. وعن مجاهد: (﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾: غير محسوب). وقال الحسن: (غير مكذر بالمنّ). وقال الضحاك: (أجرًا بغير عمل). وعن الماوردي: (غير مقدّر وهو التفضّل، لأن الجزاء مقدّر والتفضل غير مقدّر). وجميعها أقوال متقاربة متكاملة.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : وإنك يا محمد لعلى أدب عظيم، وذلك أدب القرآن الذي أدَّبه اللَّه به، وهو الإسلام وشرائعه).
قلت: و"على" في لغة العرب حرف استعلاء، فكأن الخلق العظيم في مقام أنت علوته يا محمد، وسموت فوقه بتألق صفاتك وأخلاقك.
ومن كنوز السنة العطرة في وصف أخلاقه وشمائله ﷺ أحاديث:
الحديث الأول: روى مسلم في صحيحه من حديث عائشة: [-وقد سألها رجل-: يا أم المؤمنين! أنبئيني عن خُلُق رسول اللَّه ﷺ . قالت: ألسْتَ تَقْرأُ القرآنَ؟ قلت: بلى. قالت: فإن خُلُقَ نبيّ اللَّه ﷺ كان القرآن] (١).
قال الحافظ ابن كثير في تفسير هذا الحديث: (ومعنى هذا أنه -عليه الصلاةُ
стр. 4965
والسلامُ- صارَ امتثالُ القرآن، أمرًا ونهيًا، سجيةَ له وخُلقًا تَطَبَّعَهُ، وترك طَبْعَهُ الجبلِّيَّ، فمهما أمَره القرآنُ فَعَله، ومَهما نهاه عنه تَرَكه، هذا مع ما جبله اللَّه عليه من الخُلُق العظيم، من الحياء والكرم، والشجاعة، والصَّفحِ، والحِلم وكلِّ خلق جميل). وقال القرطبي: (ولم يُذكر خُلُقٌ محمود إلا وكان للنبي ﷺ منه الحظّ الأوفر).
الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أنس قال: [خَدَمْتُ رسولَ اللَّه ﷺ عشر سنين فما قال لي "أف" قطُّ، ولا قال لشيء فعلتُه: لِمَ فَعَلْتَه؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فَعَلْتَهُ؟ ! وكان رسول اللَّه ﷺ من أحْسَنِ الناس خلقًا، ولا مَسسْتُ خَزًّا ولا حَريرًا ولا شيئًا كان ألينَ من كفِّ رسول اللَّه ﷺ ، ولا شَممْتُ مسكًا ولا عِطرًا كان أطيب من عَرَق رسول اللَّه ﷺ ] (١).
قلت: وهذا الحديث العظيم يدل أن اللَّه تعالى قد جمع في شخص النبي ﷺ حسن الخَلْقِ والخُلُق، فهو من أحسن الناس خَلْقًا وخُلقًا.
الحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم والترمذي عن البراء قال: [كان رسول اللَّه ﷺ أحسنَ الناس وجهًا وأحسن الناس خُلقًا، ليس بالطويل ولا بالقصير] (٢).
الحديث الرابع: أخرج أحمد على شرط الشيخين عن عائشة قالت: [ما ضَرَبَ رسول اللَّه ﷺ بيده خادِمًا قطُّ، ولا امرأةً، ولا ضربَ بيده شيئًا قطُّ، إلا أن يجاهد في سبيل اللَّه. ولا خُيِّرَ بين شيئين قطّ إلا كان أحبُّهما إليه أيسرُهما حتى يكون إثمًا، فإذا كان إثمًا كان أبعد الناس من الإثم، ولا انتقم لنفسه من شيء يُؤتَى إليه إلا أن تُنْتَهك حُرمات اللَّه، فيكون هو ينتقم للَّه ] (٣).
الحديث الخامس: أخرج أحمد بسند حسن عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إنما بُعثت لأُتَمِّمَ صالح الأخلاق] (٤).
الحديث السادس: أخرج الترمذي بسند صحيح من حديث أبي الدرداء، أن
стр. 4966
النبي ﷺ قال: [ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خُلُق حسن، وإن اللَّه تعالى لَيُبْغِضُ الفاحش البذيء] (١).
الحديث السابع: أخرج الترمذي بإسناد حسن من حديث جابر، أن رسول اللَّه ﷺ قال: [إنَّ مِن أحبكم إليَّ وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحسنكم أخلاقًا -قال- وإنّ أبغضكم إليّ وأبعدَكم مني مجلسًا يوم القيامة الثرثارون والمُتَشَدِّقون والمُتَفَيْهِقون. قالوا: يا رسول اللَّه، قد عَلِمنا الثرثارون والمتشدّقون، فما المتفيهقون؟ قال: المتكبرون] (٢).
والمتشدقون: المتوسعون في الكلام من غير احتياط واحتراز. وقيل: أراد بالمتشدق: المستهزئ بالناس يلوي شدقه بهم وعليهم.
وقوله تعالى: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾. قال الضحاك: (يقول: ترى ويرون). وقال ابن عباس: (ستعلم ويعلمون يوم القيامة). قال النسفي: (أي عن قريب ترى ويرون، وهذا وعد له ووعيد لهم).
وقوله تعالى: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾. أي: بأيكم الجنون. أهو في فريق الإيمان أم في فريق الكفر. قال مجاهد: (﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾: بأيكم المجنون). وقال قتادة: (بأيكم أولى الشيطان). والمقصود: ستعلم يا محمد ويعلم مخالفوك ومكذبوك قريبًا من المفتون الذي افتُتِنَ عن الحق وضل عن سواء السبيل، فهو متبوع للشيطان وأولى أن يوصف بالجنون.
وفي التنزيل: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾ [القمر: ٢٦].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾.
أي: إن ربك -يا محمد- هو أعلم بمن ضل عن طريق الحق الذي أمر به، وهو أعلم بمن اهتدى إليه وإلى منهاج النجاة والسعادة في الدارين.
٨ - ١٦. قوله تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩) وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ
стр. 4967
زَنِيمٍ (١٣) أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)﴾.
في هذه الآيات: دعوة من اللَّه تعالى نبيّه ﷺ إلى إقامة منهج الولاء والبراء، والتحذير من اتباع سبيل الأعداء.
فلقد عرض المشركون على النبي ﷺ أن يترك بعض ما هو عليه مقابل أن يتركوا بعض ما هم عليه، وأن يعبد آلهتهم عامًا ويعبدوا ربَّه عامًا، فقالوا له كما يروي ابن هشام: (لو قبلت آلهتنا نعبد إلهك). فأنزل اللَّه: ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾.
وقوله: ﴿تُدْهِنُ﴾ من الدُّهن، فشبه سبحانه التليين في القول بتليين الدُّهن.
قال ابن عباس: (ودّوا لو تكفر فيكفرون). وفي رواية: (لو ترخّص لهم فيرخّصون). وقال مجاهد: (لو تَركَن إلى آلهتهم، وتترك ما أنت عليه من الحق فيمالئونك). وقال قتادة: (ودُّوا يا محمد لو أدهنت عن هذا الأمر، فأدهنوا معك).
والآية تشبه قوله سبحانه في سورة الإسراء: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾.
وكان الأخنس بن شريق الثقفي ممن ينال من رسول اللَّه ﷺ ويطعن فيه، فوصفه اللَّه بتسع صفات ذميمة في القرآن، فقال جل ذكره: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾.
قال ابن عباس: (والمهين: الكذاب). وقال مجاهد: (مهين: ضعيف). وقال قتادة: (وهو المكثار في الشر). وقال الحسن: (كل مكثار في الحلف مهين ضعيف).
وقوله: ﴿هَمَّازٍ﴾. قال ابن عباس: (يعني الاغتياب). وقال قتادة: (يأكل لحوم المسلمين).
وقوله: ﴿مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾. قال ابن عباس: (يمشي بالكذب). وقال قتادة: (ينقل الأحاديث من بعض الناس إلى بعض).
وقوله: ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْر﴾. أي بخيل بالمال والإنفاق والعطاء. ﴿مُعْتَدٍ﴾ على الناس ﴿أَثِيمٍ﴾ ذي إثم بربه، فهو بخيل بالبذل وبالعمل، كثير الفواحش والآثام، متطاول على حقوق الناس.
стр. 4968
ثم وصفه بقوله: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾. ليجمع بهذا الوصف ساقط الصفات وذميم الأخلاق، فإن العتل هو الجافي الشديد في كفره، وكل شديد قوي تسميه العرب عتلًا.
قال ابن عباس: (العتل: العاتل الشديد المنافق). وقال الحسن: (فاحش الخلق لئيم الضريبة).
وعن وهب الذَّماري قال: (تبكي السماء والأرض من رجل أتم اللَّه خلقه، وأرحب جوفه، وأعطاه مِقْضَمًا من الدنيا، ثم يكون ظلومًا للناس، فذلك العتل الزنيم).
والزنيم في كلام العرب هو الملصق بالقوم وليس منهم. قال ابن عباس: (والزنيم الدعيّ). وقال عكرمة: (الزنيم الذي يعرف باللؤم كما تعرف الشاة بزنمتها). وقيل: كانت في أذن الأخنس زنمة يعرف بها.
وقد أخبر النبي ﷺ في حديثه أن مثل هذه الصفات هي صفات مَنْ أبغضه اللَّه وَوَعَدَهُ عذابه ونيرانه.
فقد أخرج البخاري عن حارثة بن وهب الخزاعي قال: سمعت النبي ﷺ يقول: [ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كُلُّ ضعيف متضعف، لو أقسم على اللَّه لأبرّه. ألا أخبركم بأهل النار؟ كُلُّ عتل جَوّاظ مستكبر] (١).
وروى البيهقي وابن حبان بسند جيد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [إنَّ اللَّه يبغض كل جعظري جوّاظ، سخّاب في الأسواق، جيفة بالليل، حمار بالنهار، عالم بأمر الدنيا، جاهل بأمر الآخرة] (٢).
والجعظري هو الفظ الغليظ المتكبِّر، والجواظ هو الجموع المنوع الأكول.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. أي: أفي مقابلة إنعام اللَّه تعالى عليه بالمال والولد، أعلن الكفر وكذب بالوحي واتّهم التنزيل أنه مأخوذ من أساطير الأولين؟ !
стр. 4969
وفي التنزيل نحو ذلك: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ قال تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر: ١١ - ٢٥].
وقوله تعالى: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾. أي: سنكويه على أنفه مهانة له، بعلامة يعرف بها إذلالًا له، ويبدو أن هذا الوعيد في الدنيا والآخرة.
فعن ابن عباس: (﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ فقاتل يوم بدر، فخطم بالسيف في القتال). وعن قتادة قال: (سنسم على أنفه. قال: شين لا يفارقه آخر ما عليه).
قال الزمخشري: (الوجه أكرم موضع في الجسد، والأنف أكرم موضع من الوجه، لتقدّمه له، ولذلك جعلوه مكان العز والحميّة، واشتقوا منه "الأنَفَة" وقالوا: الأنف في الأنف، وحمى أنفه، وفلان شامخ العرنين. وقالوا في الذليل: جدع أنفه، ورغم أنفه. فَعبّر بالوسم على الخرطوم عن غاية الإذلال والإهانة، لأن السمة على الوجه شين وإذالة، فكيف بها على أكرم موضع منه؟ قال: وفي لفظ ﴿الْخُرْطُومِ﴾ استخفاف به واستهانة، لأن أصل الخرطوم للخنزير والفيل. وقيل: سنعلمُه يوم القيامة بعلامة مشوّهة يبين بها عن سائر الكفرة، كما عادى رسول اللَّه ﷺ عداوة بان بها عنهم) انتهى.
١٧ - ٣٣. قوله تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (٢٥) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (٣٠) قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (٣١) عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (٣٢) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣)﴾.
في هذه الآيات: انعكاسُ المكر السَّيِئ على أهله الماكرين، والشعور بالندم بعد
стр. 4970
نزول الانتقام من اللَّه رب العالمين، وبقاء الأمل باللَّه بعد التوبة من الظلم فإن العذاب الحقيقي هو عذاب الجحيم.
فقوله: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ الآية. قال ابن جرير: (أي بلونا مشركي قريش، يقول: امتحناهم فاختبرناهم، ﴿كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ يقول: كما امتحنا أصحاب البستان ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ يقول: إذ حلفوا ليصرمُنّ ثمرها إذا أصبحوا). وقال ابن كثير: (هذا مثل ضربه اللَّه لكفار قريش فيما أهدى إليهم من الرحمة العظيمة، وأعطاهم من النِّعم الجسيمة، وهو بِعْثَةُ محمد ﷺ ، فقابلوه بالتكذيب والردِّ والمحاربة، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ﴾، أي: اختبرناهم، ﴿كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾، وهي البستان المشتمل على أنواع الثمار والفواكه، ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾، أي: حلفوا فيما بينهم ليجذُّن ثمرَها ليلًا، لِئلا يعلَم بهم فقير ولا سائل، ليتوفَّرَ ثمرُها عليهم ولا يتصدقوا منه بشيء).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾. قيل: ولا يقولون إن شاء اللَّه. قلت: والأرجح أن يقال: ولا يستثنون أحدًا من الفقراء بل يحرمون الكل. فإنه لا معنى لمن بيَّت ذلك الاستثناء بقول: إن شاء اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ﴾. قال ابن عباس: (طاف عليها أمر من اللَّه وهم نائمون). والمقصود: نزل بها بلاء أو آفة سماوية.
وقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾. قال ابن عباس: (الصريم: الليل). أي: فأصبحت كالليل الأسود. وقال الثوري والسّدي: (مثل الزَّرع إذا حُصِدَ، أي: هَشيمًا يَبَسًا). والصريم في لغة العرب: المجدود المقطوع، كما يطلق على الليل المظلم لأنه يقطع بظلمته عن التصرف. والمقصود: احترقت الأرض واسودت كالليل المظلم، أو صُرِمَ عنها الخير: أي قطع وهلك ثمرها وشجرها.
وقوله تعالى: ﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ﴾. أي: نادى بعضهم بعضًا عند الصباح ليذهبوا إلى الجِذاذِ. وقوله تعالى: ﴿أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ﴾. أي: باكروا بالخروج إلى زرعكم إن كنتم تريدون الحصاد. قال القاسمي: (﴿إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ﴾ أي قاصدين قطع ثمارها). وقد قطعها البلاء من أصلها بالليل وهم لا يشعرون.
وقوله تعالى: ﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾. قال قتادة: (يُسِرّون). أي خرجوا بكرة وهم
стр. 4971
يكتمون ذهابهم ويتسارّون فيما بينهم: ﴿أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾. أي: لا تمكنوا اليوم فقيرًا من الدخول عليكم.
وقوله تعالى: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾. قال مجاهد: (على جِدّ قادرين في أنفسهم). وقال عكرمة: (﴿عَلَى حَرْدٍ﴾: على غيظ). قلت: وفي لغة العرب: (حَرَدَ) أي: قصد. والحَرَدُ بالتحريك الغضب. والمقصود: أي غدوا على قصد وبقوة وشدة ﴿قَادِرِينَ﴾ أي في زعهمم على ما أصروا عليه من الصرام وحرمان المساكين.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ﴾. قال قتادة: (أي أضللنا الطريق). والمقصود: فلما وصلوا إليها وأشرفوا عليها -وقد تغيرت حالها بما نزل بها من البلاء واستحالت نضارتها وزهرتها ووفرة ثمارها إلى أرض سوداء مدلهمة- أنكروها وشكّوا فيها هل هي جنتهم أم لا، وظنوا أنهم قد أخطؤوا الطريق.
وقوله تعالى: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾. قال قتادة: (بل جوزينا فحُرمنا). قال ابن كثير: (ثم رجعوا عما كانوا فيه، وتيقنوا أنها هي فقالوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾، أي: بل هي هذه، ولكن نحن لا حَظَّ لنا ولا نصيب).
وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾. قال ابن عباس ومجاهد: (﴿أَوْسَطُهُمْ﴾: أي أعدَلُهم وخيرهم). والمقصود: قال أمثلهم وأعدلهم وأعقلهم حين رأوا الهلاك الذي نزل بأرضهم: هلّا كنتم شكرتم اللَّه على ما أعطاكم وتبتم إليه من فساد نيتكم. وعن مجاهد: (﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾ قال: يقول: تستثنون، فكان التسبيح فيهم الاستثناء). قال النحاس: (أصل التسبيح التنزيهُ للَّه ، فجعل مجاهد التسبيح في موضع إن شاء اللَّه، لأن المعنى تنزيه اللَّه أن يكون شيء إلا بمشيئته).
قلت: والراجح ما ذكرناه، فإن تسبيح اللَّه يشتمل على شكره وإخلاص النية والقصد له، ويدل على ذلك قولهم بعد ذلك: ﴿قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. قال ابن عباس: (أي نستغفر اللَّه من ذنبنا ﴿إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ لأنفسنا في منعنا المساكين). قال القرطبي: (﴿قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا﴾ اعترفوا بالمعصية ونزهوا اللَّه عن أن يكون ظالمًا فيما فعل).
وقوله تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ﴾. قال ابن جرير: (يقول جل ثناؤه:
стр. 4972
فأقبل بعضهم على بعض يلوم بعضهم بعضًا على تفريطهم فيما فرّطوا فيه من الاستثناء، وعزمهم على ما كانوا عليه من ترك إطعام المساكين من جنتهم).
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾. أي قال أصحاب الجنة: يا ويلنا إنا كنا عاصين بمنع حق الفقراء، وتركنا الاستثناء.
وقوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾. قال القاسمي: (﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا﴾ أي بتوبتنا إليه، وندمنا على خطأ فعلنا، وعزمنا على عدم العود إلى مثله. ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ أي في العفو عما فرط منا، والتعويض عما فاتنا).
وقوله: ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ﴾. قال ابن زيد: (عذاب الدنيا، هلاك أموالهم: أي عقوبة الدنيا). والمقصود: كذلك يكون العذاب في الدنيا لمن خالف الرسل وكفر بالحق وبغى الفساد في الأرض.
وقوله: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. أي: ولعذاب الآخرة أعظم من عذاب الدنيا لو كان هؤلاء المشركون يفقهون. قال النسفي: (﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ لما فعلوا ما يفضي إلى هذا العذاب). وقال ابن جرير: (يقول: لارتدعوا، وتابوا وأنابوا، ولكنهم بذلك جهال لا يعلمون).
٣٤ - ٤١. قوله تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ (٣٨) أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ (٣٩) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (٤٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٤١)﴾.
في هذه الآيات: ذكر مآل المتقين في روضات الجنات، التي لا يعتريها ما يعتري بساتين الدنيا من الشوائب وآلافات، والتفريق بين المسلمين والمجرمين، فالمؤمنون في سرور ونعيم، والكافرون هم وشركاؤهم في نار الجحيم.
فقوله تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾. قال القرطبي: (أي إن للمتقين في الآخرة جنات ليس فيها إلا التنعم الخالص، لا يشوبه ما ينغّصه كما يشوب جنات الدنيا).
стр. 4973
وقوله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾. استفهام إنكار. أي: أفنساوي بين أهل الكرامة والطاعة وأهل الشقوة والمعصية في الجزاء، كلا لا يكون ذلك وربّ الأرض والسماء.
وقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. توبيخ على طريقة الالتفاف. قال النسفي: (﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ هذا الحكم الأعوج، وهو التسوية بين المطيع والعاصي، كأن أمر الجزاء مفوض إليكم حتى تحكموا بما شئتم).
وقوله تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾. أي: أم بأيديكم كتاب منزل من السماء تدرسونه وتحفظونه وتتداولونه بنقل الخلف عن السلف، متضمن حكمًا مؤكدًا كما تَدَّعُونه -المطيع فيه كالعاصي- فأنتم تختارون منه كما تشتهون؟ !
وقوله: ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. زيادة في التوبيخ. أي: أم لكم ﴿أَيْمَانٌ﴾ أي عهود ومواثيق ﴿عَلَيْنَا بَالِغَةٌ﴾ مؤكدة، فأنتم استوثقتم بهذه العهود على اللَّه تعالى في أن يدخلكم الجنة! ! قال الشهاب: (بالغة: متناهية في التوكيد). وأصله بالغة أقصى ما يمكن، فحذف منه اختصارًا. وقوله: ﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾ أي: إنه سيكون لكم ما تريدون وتأملون وتشتهون! ! كلا، ليس الأمر بهذه السذاجة كما تظنون وتحلمون.
وقوله تعالى: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾. قال ابن عباس: (يقول: أيهم بذلك كفيل). والزعيم: الكفيل والضّمين. والمقصود: سل يا محمد هؤلاء المتقوّلين من المشركين أيهم كفيل بما تقدّم: من أن لهم من الخير ما للمسلمين، أو أنّ لهم من العهود والمواثيق ما يحصل لهم به سعادة الدارين؟ !
وقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾. أي: أم لهم شركاء من الأصنام والأنداد والطواغيت فهم لهم شهداء ﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ﴾ فليشهدوا لهم على ما زعموا ﴿إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ في دعواهم. قال القرطبي: (وقيل: أي فليأتوا بشركائهم إن أمكنهم، فهو أمر معناه التعجيز).
٤٢ - ٤٧. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (٤٣) فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ
стр. 4974
مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤٧)﴾.
في هذه الآيات: ظهورُ الساق علامة لسجود المؤمنين في المحشر لرب العالمين، وحرمان اللَّه تعالى المنافقين أن يكونوا مع الساجدين، واستدراج اللَّه لهم قبل ذلك في دار الدنيا حتى يحيط بهم كيده المتين.
فقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾.
أي: إنّ ذلك التكريم للمتقين في جنات النعيم، والانتقام من المجرمين بصلي الجحيم، هو يوم القيامة يوم تظهر كلمة السر بين المؤمنين وربهم، وهي "صفة الساق" للَّه العظيم، فيخرون له ساجدين، ويكشف اللَّه حينئذ المنافقين.
وفي ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم وأكثر أهل السنن وأحمد وابن حبان عن عطاء بن يَسار، عن أبي سعيد الخُدري قال: سمعت النبي ﷺ يقول: [يَكْشِفُ رَبُّنَا عن ساقِه، فَيَسْجُدُ له كُلُّ مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجُد في الدنيا رياءً وسُمعةً، فيذهب ليسجُدَ فيعودُ ظهرُه طبقًا واحدًا] (١).
الحديث الثاني: أخرج عبد اللَّه بن أحمد في "السنة" بسند صحيح عن ابن مسعود، أن النبي ﷺ قال: [يجمع اللَّه الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم أربعين سنة، شاخصة أبصارهم إلى السماء ينتظرون فصل القضاء، وينزل اللَّه في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي، ثم ينادي مناد: أيها الناس ألم ترضوا من ربكم الذي خلقكم ورزقكم وأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا أن يولي كل ناس ما كان يتولى ويعبد في الدنيا؟ أليس ذلك عدلًا من ربكم؟ قالوا: بلى فينطلقون، فيتمثل لهم أشباه ما كانوا يعبدون، فمنهم من ينطلق إلى الشمس، ومنهم من ينطلق إلى القمر، وإلى الأوثان، ويتمثل لمن كان يعبد عيسى شيطان عيسى، ولمن كان يعبد عزيرًا شيطان عزير، ويبقى محمد وأمته، فيتمثل الرب لهم فيأتيهم فيقول: ما لكم لا تنطلقون كما انطلق الناس؟ فيقولون: بيننا وبينه علامة فإذا رأيناه عرفناه، فيقول: ما هي؟ فيقولون:
стр. 4975
﴿يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾. فعند ذلك يكشف عن ساقه فيخرون، ويبقى قومٌ ظهورهم كصياصي البقر يريدون السجود فلا يستطيعون، ثم يقول: ارفعوا رؤوسكم، فيعطيهم نورهم على قدر أعمالهم، والرب أمامهم] (١).
الحديث الثالث: أخرج الدارمي في سننه عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: [إذا جمع اللَّه العباد بصعيد واحد، نادى مناد: يلحق كل قوم بما كانوا يعبدون. ويبقى الناس على حالهم، فيأتيهم فيقول: ما بال الناس ذهبوا وأنتم هاهنا؟ فيقولون: ننتظر إلهنا. فيقول: هل تعرفونه؟ فيقولون: إذا تعرف إلينا عرفناه، فيكشف لهم عن ساقه فيقعون سجدًا وذلك قول اللَّه تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾. ويبقى كل منافق فلا يستطيع أن يسجد، ثم يقودهم إلى الجنة] (٢).
قلت: فكان الإيمان بالأَسماء والصفات سببًا للنجاة يوم القيامة، لما اشتملت هذه الصفات على كلمة السر التي بين اللَّه وبين المؤمنين وهي "الساق" التي هي صفة من صفاته، وهي ساق تليق بجلاله وجماله وكماله، فليس كمثله شيء وهو السميع البصير. وقد فَصَّلْتُ هذه الأبحاث في كتابي: "أصل الدين والإيمان، عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان"، فلله الحمد والشكر وواسع الامتنان.
وأما ما ذهب إليه كثير من المفسرين إلى أن المقصود: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ أي عن شدة وكرب، فاستعير الساق والكشف عنها في موضع الشدة. أو قيل عن ساق العرش، أو غير ذلك من التكلف، فيقال: أَبَعْدَ هذا البيان من الوحي العظيم، يتلو تفسيره النبي الكريم، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، يكون هناك بيان لعالم أو حكيم! !
كلا، فإذا صَحّ الخبر عن رسول اللَّه ﷺ مفسرًا ما أشكل فهمه من القرآن، فليس لأحد بعد ذلك مقال. وهذا هو المنهج الذي كان عليه علماء الصحابة والتابعون لهم من الراسخين في العلم.