← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 4971–5010 · переход к 4976.

стр. 4971

يكتمون ذهابهم ويتسارّون فيما بينهم: ﴿أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾. أي: لا تمكنوا اليوم فقيرًا من الدخول عليكم. وقوله تعالى: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾. قال مجاهد: (على جِدّ قادرين في أنفسهم). وقال عكرمة: (﴿عَلَى حَرْدٍ﴾: على غيظ). قلت: وفي لغة العرب: (حَرَدَ) أي: قصد. والحَرَدُ بالتحريك الغضب. والمقصود: أي غدوا على قصد وبقوة وشدة ﴿قَادِرِينَ﴾ أي في زعهمم على ما أصروا عليه من الصرام وحرمان المساكين. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ﴾. قال قتادة: (أي أضللنا الطريق). والمقصود: فلما وصلوا إليها وأشرفوا عليها -وقد تغيرت حالها بما نزل بها من البلاء واستحالت نضارتها وزهرتها ووفرة ثمارها إلى أرض سوداء مدلهمة- أنكروها وشكّوا فيها هل هي جنتهم أم لا، وظنوا أنهم قد أخطؤوا الطريق. وقوله تعالى: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾. قال قتادة: (بل جوزينا فحُرمنا). قال ابن كثير: (ثم رجعوا عما كانوا فيه، وتيقنوا أنها هي فقالوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾، أي: بل هي هذه، ولكن نحن لا حَظَّ لنا ولا نصيب). وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾. قال ابن عباس ومجاهد: (﴿أَوْسَطُهُمْ﴾: أي أعدَلُهم وخيرهم). والمقصود: قال أمثلهم وأعدلهم وأعقلهم حين رأوا الهلاك الذي نزل بأرضهم: هلّا كنتم شكرتم اللَّه على ما أعطاكم وتبتم إليه من فساد نيتكم. وعن مجاهد: (﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾ قال: يقول: تستثنون، فكان التسبيح فيهم الاستثناء). قال النحاس: (أصل التسبيح التنزيهُ للَّه ، فجعل مجاهد التسبيح في موضع إن شاء اللَّه، لأن المعنى تنزيه اللَّه أن يكون شيء إلا بمشيئته). قلت: والراجح ما ذكرناه، فإن تسبيح اللَّه يشتمل على شكره وإخلاص النية والقصد له، ويدل على ذلك قولهم بعد ذلك: ﴿قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. قال ابن عباس: (أي نستغفر اللَّه من ذنبنا ﴿إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ لأنفسنا في منعنا المساكين). قال القرطبي: (﴿قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا﴾ اعترفوا بالمعصية ونزهوا اللَّه عن أن يكون ظالمًا فيما فعل). وقوله تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ﴾. قال ابن جرير: (يقول جل ثناؤه:

стр. 4972

فأقبل بعضهم على بعض يلوم بعضهم بعضًا على تفريطهم فيما فرّطوا فيه من الاستثناء، وعزمهم على ما كانوا عليه من ترك إطعام المساكين من جنتهم). وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾. أي قال أصحاب الجنة: يا ويلنا إنا كنا عاصين بمنع حق الفقراء، وتركنا الاستثناء. وقوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾. قال القاسمي: (﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا﴾ أي بتوبتنا إليه، وندمنا على خطأ فعلنا، وعزمنا على عدم العود إلى مثله. ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ أي في العفو عما فرط منا، والتعويض عما فاتنا). وقوله: ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ﴾. قال ابن زيد: (عذاب الدنيا، هلاك أموالهم: أي عقوبة الدنيا). والمقصود: كذلك يكون العذاب في الدنيا لمن خالف الرسل وكفر بالحق وبغى الفساد في الأرض. وقوله: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. أي: ولعذاب الآخرة أعظم من عذاب الدنيا لو كان هؤلاء المشركون يفقهون. قال النسفي: (﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ لما فعلوا ما يفضي إلى هذا العذاب). وقال ابن جرير: (يقول: لارتدعوا، وتابوا وأنابوا، ولكنهم بذلك جهال لا يعلمون). ٣٤ - ٤١. قوله تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ (٣٨) أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ (٣٩) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (٤٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٤١)﴾. في هذه الآيات: ذكر مآل المتقين في روضات الجنات، التي لا يعتريها ما يعتري بساتين الدنيا من الشوائب وآلافات، والتفريق بين المسلمين والمجرمين، فالمؤمنون في سرور ونعيم، والكافرون هم وشركاؤهم في نار الجحيم. فقوله تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾. قال القرطبي: (أي إن للمتقين في الآخرة جنات ليس فيها إلا التنعم الخالص، لا يشوبه ما ينغّصه كما يشوب جنات الدنيا).

стр. 4973

وقوله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾. استفهام إنكار. أي: أفنساوي بين أهل الكرامة والطاعة وأهل الشقوة والمعصية في الجزاء، كلا لا يكون ذلك وربّ الأرض والسماء. وقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. توبيخ على طريقة الالتفاف. قال النسفي: (﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ هذا الحكم الأعوج، وهو التسوية بين المطيع والعاصي، كأن أمر الجزاء مفوض إليكم حتى تحكموا بما شئتم). وقوله تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾. أي: أم بأيديكم كتاب منزل من السماء تدرسونه وتحفظونه وتتداولونه بنقل الخلف عن السلف، متضمن حكمًا مؤكدًا كما تَدَّعُونه -المطيع فيه كالعاصي- فأنتم تختارون منه كما تشتهون؟ ! وقوله: ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. زيادة في التوبيخ. أي: أم لكم ﴿أَيْمَانٌ﴾ أي عهود ومواثيق ﴿عَلَيْنَا بَالِغَةٌ﴾ مؤكدة، فأنتم استوثقتم بهذه العهود على اللَّه تعالى في أن يدخلكم الجنة! ! قال الشهاب: (بالغة: متناهية في التوكيد). وأصله بالغة أقصى ما يمكن، فحذف منه اختصارًا. وقوله: ﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾ أي: إنه سيكون لكم ما تريدون وتأملون وتشتهون! ! كلا، ليس الأمر بهذه السذاجة كما تظنون وتحلمون. وقوله تعالى: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾. قال ابن عباس: (يقول: أيهم بذلك كفيل). والزعيم: الكفيل والضّمين. والمقصود: سل يا محمد هؤلاء المتقوّلين من المشركين أيهم كفيل بما تقدّم: من أن لهم من الخير ما للمسلمين، أو أنّ لهم من العهود والمواثيق ما يحصل لهم به سعادة الدارين؟ ! وقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾. أي: أم لهم شركاء من الأصنام والأنداد والطواغيت فهم لهم شهداء ﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ﴾ فليشهدوا لهم على ما زعموا ﴿إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ في دعواهم. قال القرطبي: (وقيل: أي فليأتوا بشركائهم إن أمكنهم، فهو أمر معناه التعجيز). ٤٢ - ٤٧. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (٤٣) فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ

стр. 4974

مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤٧)﴾. في هذه الآيات: ظهورُ الساق علامة لسجود المؤمنين في المحشر لرب العالمين، وحرمان اللَّه تعالى المنافقين أن يكونوا مع الساجدين، واستدراج اللَّه لهم قبل ذلك في دار الدنيا حتى يحيط بهم كيده المتين. فقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾. أي: إنّ ذلك التكريم للمتقين في جنات النعيم، والانتقام من المجرمين بصلي الجحيم، هو يوم القيامة يوم تظهر كلمة السر بين المؤمنين وربهم، وهي "صفة الساق" للَّه العظيم، فيخرون له ساجدين، ويكشف اللَّه حينئذ المنافقين. وفي ذلك أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم وأكثر أهل السنن وأحمد وابن حبان عن عطاء بن يَسار، عن أبي سعيد الخُدري قال: سمعت النبي ﷺ يقول: [يَكْشِفُ رَبُّنَا عن ساقِه، فَيَسْجُدُ له كُلُّ مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجُد في الدنيا رياءً وسُمعةً، فيذهب ليسجُدَ فيعودُ ظهرُه طبقًا واحدًا] (١). الحديث الثاني: أخرج عبد اللَّه بن أحمد في "السنة" بسند صحيح عن ابن مسعود، أن النبي ﷺ قال: [يجمع اللَّه الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم أربعين سنة، شاخصة أبصارهم إلى السماء ينتظرون فصل القضاء، وينزل اللَّه في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي، ثم ينادي مناد: أيها الناس ألم ترضوا من ربكم الذي خلقكم ورزقكم وأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا أن يولي كل ناس ما كان يتولى ويعبد في الدنيا؟ أليس ذلك عدلًا من ربكم؟ قالوا: بلى فينطلقون، فيتمثل لهم أشباه ما كانوا يعبدون، فمنهم من ينطلق إلى الشمس، ومنهم من ينطلق إلى القمر، وإلى الأوثان، ويتمثل لمن كان يعبد عيسى شيطان عيسى، ولمن كان يعبد عزيرًا شيطان عزير، ويبقى محمد وأمته، فيتمثل الرب لهم فيأتيهم فيقول: ما لكم لا تنطلقون كما انطلق الناس؟ فيقولون: بيننا وبينه علامة فإذا رأيناه عرفناه، فيقول: ما هي؟ فيقولون:

стр. 4975

﴿يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾. فعند ذلك يكشف عن ساقه فيخرون، ويبقى قومٌ ظهورهم كصياصي البقر يريدون السجود فلا يستطيعون، ثم يقول: ارفعوا رؤوسكم، فيعطيهم نورهم على قدر أعمالهم، والرب أمامهم] (١). الحديث الثالث: أخرج الدارمي في سننه عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: [إذا جمع اللَّه العباد بصعيد واحد، نادى مناد: يلحق كل قوم بما كانوا يعبدون. ويبقى الناس على حالهم، فيأتيهم فيقول: ما بال الناس ذهبوا وأنتم هاهنا؟ فيقولون: ننتظر إلهنا. فيقول: هل تعرفونه؟ فيقولون: إذا تعرف إلينا عرفناه، فيكشف لهم عن ساقه فيقعون سجدًا وذلك قول اللَّه تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾. ويبقى كل منافق فلا يستطيع أن يسجد، ثم يقودهم إلى الجنة] (٢). قلت: فكان الإيمان بالأَسماء والصفات سببًا للنجاة يوم القيامة، لما اشتملت هذه الصفات على كلمة السر التي بين اللَّه وبين المؤمنين وهي "الساق" التي هي صفة من صفاته، وهي ساق تليق بجلاله وجماله وكماله، فليس كمثله شيء وهو السميع البصير. وقد فَصَّلْتُ هذه الأبحاث في كتابي: "أصل الدين والإيمان، عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان"، فلله الحمد والشكر وواسع الامتنان. وأما ما ذهب إليه كثير من المفسرين إلى أن المقصود: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ أي عن شدة وكرب، فاستعير الساق والكشف عنها في موضع الشدة. أو قيل عن ساق العرش، أو غير ذلك من التكلف، فيقال: أَبَعْدَ هذا البيان من الوحي العظيم، يتلو تفسيره النبي الكريم، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، يكون هناك بيان لعالم أو حكيم! ! كلا، فإذا صَحّ الخبر عن رسول اللَّه ﷺ مفسرًا ما أشكل فهمه من القرآن، فليس لأحد بعد ذلك مقال. وهذا هو المنهج الذي كان عليه علماء الصحابة والتابعون لهم من الراسخين في العلم.

стр. 4976

وقوله: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾. ﴿خَاشِعَةً﴾ أي ذليلة، وهي في محل نصب حال من الضمير في يدعون، والتقدير: يدعون في حال خشوع أبصارهم ﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ أي يعلوهم الصغار ويغشاهم. وقوله: ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾. أي: وقد كانوا يدعون في الدنيا إلى السجود للَّه وهم أصحاء سالمون مستطيعون. وعن إبراهيم التيمي: (﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ قال: إلى الصلاة المكتوبة). وقال سعيد بن جبير: (يسْمع المنادي إلى الصلاة المكتوبة فلا يجيبه). قال ابن عباس: (هم الكفار كانوا يدعون ﴿إِلَى السُّجُودِ﴾ في الدنيا وهم آمنون، فاليوم يدعوهم وهم خائفون. ثم أخبر اللَّه سبحانه أنه حَالَ بين أهل الشرك وبين طاعته في الدنيا والآخرة، فأما في الدنيا فإنه قال: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود: ٢٠]، وأما في الآخرة فإنه قال: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾). وقوله: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾. قال السدي: (يعني القرآن). وقيل: يوم القيامة. والمعنى: أي دعني -يا محمد- وكِلْ أمر هؤلاء المكذبين بالقرآن إليّ. وفيه تهديد ووعيد، وتسليةٌ للنبي ﷺ . وقوله: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾. قال ابن عباس: (سنمكر بهم). أي سنملي لهم ونكيدهم من حيث لا يشعرون. وقال سفيان الثوري: (نُسْبِغُ عليهم النعم وننْسيهم الشكر). وقال الحسن: (كم مستَدْرَجٍ بالإحسان إليه، وكم مفتون بالثناء عليه، وكم مغرور بالسّتر عليه). وقال أبو رَوْق: (أي كلّما أحدثوا خطيئة جدّدنا لهم نعمة وأنسيناهم الاستغفار). والاستدراج: ترك المعاجلة، وأصله النقل من حال إلى حال كالتدرّج. وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾ [المؤمنون: ٥٥ - ٥٦]. ٢ - وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤]. أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن عقبة بن عامر مرفوعًا: [إذا رأيت اللَّه يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج. ثم تلا: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا

стр. 4977

بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾] (١). وقوله: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾. أي أمهلهم وأؤخرهم وأُنْظِرهم وأطيل لهم المدة. والمُلاوة: المُدة من الدهر. والمقصود: إحقاق المكر والكيد بهم. وفي الصحيحين وسنن الترمذي وابن ماجة عن أبي موسى رضي اللَّه تعالى عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إنَّ اللَّه ليُملي للظالم حتى إذا أخذَهُ لم يُفْلِتْهُ. قال: ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾] (٢). وقوله: ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾. قال النسفي: (قوي شديد، فسمّى إحسانه وتمكينه كيدًا كما سمّاه استدراجًا لكونه في صورة الكيد حيث كان سببًا للهلاك. والأصل أن معنى الكيد والمكر والاستدراج هو الأخذ من جهة الأمن، ولا يجوز أن يسمى اللَّه كائدًا وماكرًا ومستدرجًا). وقوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾. استفهام بمعنى النفي. أي: أم تسألهم -يا محمد- غرامة على تبليغ الرسالة، فهم من غرامة ذلك ﴿مُثْقَلُونَ﴾. أي: فهو يثقل عليهم لما فيه من بذل المال والكلفة. وقوله تعالى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾. قال ابن عباس: (الغيب هنا اللوح المحفوظ). قال ابن جرير: (يقول: أعندهم اللوح المحفوظ الذي فيه نبأ ما هو كائن، فهم يكتبون منه ما فيه، ويجادلونك به، ويزعمون أنهم على كفرهم بربهم أفضل منزلة عند اللَّه من أهل الإيمان به). وقيل: ﴿يَكْتُبُونَ﴾: أي يحكمون لأنفسهم بما يريدون ويرغبون. ٤٨ - ٥٢. قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ

стр. 4978

الصَّالِحِينَ (٥٠) وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٥٢)﴾. في هذه الآيات: أَمْرُ اللَّه تعالى نبيه ﷺ بالصبر، وكشف محاولات الكفار إصابته ﷺ بالعين والسحر، واتهامه كذلك بالجنون، وهذا الوحي ونبي الحق إنما هما شرف للعالمين. فقوله: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾. تَخْفِيفٌ عن النبي ﷺ وتسليةٌ له. أي: اصبر يا محمد على أذى قومك لك وتكذيبهم، فإن اللَّه سيحكمُ لك عليهم، وامض في دعوتك، وستكون العاقبة لك وللمؤمنين في الدارين. وقوله: ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾. أي الذي حبسه في بطنه، وهو يونس بن متى ﵊. قال ابن جرير: (﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ فيعاقبك ربك على تركك تبليغ ذلك، كما عاقبه فحبسه في بطنه). قال قتادة: (﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ يقول: لا تعجل كما عجل، ولا تغضب كما غضب). وقوله: ﴿إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾. قال ابن عباس: (يقول: مغموم). وقال عطاء: (مكروب). أي قد أثقله الكرب والغَمُّ وكظمه. قال النسفي: (﴿وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ مملوء غيظًا، من كظم السقاء إذا ملأه). وقوله: ﴿لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾. أي: لولا أن تداركه اللَّه برحمته واستجاب دعاءه. ﴿لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ﴾: أي لنبذ من بطن الحوت بالفضاء من الأرض. ﴿وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ أي: معاتب بزلته. قال ابن عباس: (﴿وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ يقول: وهو مليم). وقال المعتمر عن أبيه عن أبي بكر: (وهو مذنب). وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)﴾ [الصافات: ١٤٣ - ١٤٤]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ [الأنبياء: ٨٧ - ٨٨].

стр. 4979

وفي جامع الترمذي بسند صحيح عن إبراهيم بن محمد بن سعد، عن أبيه سعد قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [دعوةُ ذي النون إذْ دعا وهو في بطن الحوت: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. فإنه لم يَدْعُ بها رجُلٌ مُسْلِمٌ في شيء قطُّ إلا استجابَ اللَّه له] (١). وقوله تعالى: ﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. أي اصطفاه ربه واختاره وقبل دعاءه وعذره وجعله من المستكملين لصفات الصلاح. قال ابن عباس: (ردّ اللَّه إليه الوَحي، وشفَّعه في نفسه وفي قومه، وقبِل توبته، وجعله من الصالحين بأن أرسله إلى مئة ألف أو يزيدون). وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [لا ينبغي لأحد أن يقول أنا خيرٌ من يونس بن مَتّى] (٢). وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾. قال ابن عباس: (يقول: ينفذونك بأبصارهم من شدة النظر. قال: يقال للسهم: زهق السهم أو زلق). وفي رواية: (يقول: ليزهقونك بأبصارهم). وقال قتادة: (لينفذونك بأبصارهم، معاداة لكتاب اللَّه ولذكر اللَّه). وقال الضحاك: (يقول: ينفذونك بأبصارهم من العداوة والبغضاء). وقال الكلبي: (ليصرعونك). وقرأها عامة قراء المدينة ﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾ بفتح الياء، وأما عامة قراء الكوفة والبصرة فقرؤوها ﴿ليُزلقونك﴾ بضم الياء، وكلاهما مشهور عند أهل العلم بالقراءات، فإن العرب تقول لمن يحلق الرأس: أزلقه وزلقه. وقال ابن جرير: (إنه عُني بذلك: وإن يكاد الذين كفروا مما عانوك بأبصارهم ليرمون بك يا محمد، ويصرعونك، كما تقول العرب: كاد فلان يصرعني بشدة نظره إليّ. قالوا: وإنما كانت قريش عانوا رسول اللَّه ﷺ ليصيبوه بالعين، فنظروا إليه ليعينوه، وقالوا: ما رأينا رجلًا مثله، أو إنه لمجنون، فقال اللَّه لنبيه عند ذلك: (وإن يكاد الذين كفروا ليرمونك بأبصارهم). قلت: والعجيب أن هؤلاء الجاهليين كانوا يؤمنون بإصابة العين وتأثيرها،

стр. 4980

ويعلمون صحة ذلك وصلته بالحسد، في حين ترى كثيرًا من الناس اليوم لا يكادون يفقهون معنى الحسد أو السحر أو العين ولا يؤمنون بشيء من هذا، بل ينسبونه إلى الخرافة وإلى أساطير الأولين، وكثير منهم واقع تحت نار السحر والعين والحسد من حيث لا يدري. قال الحافظ ابن كثير ﵀: (وفي هذه الآية دليل على أن العين إصابتها وتأثيرها حق بأمر اللَّه . قلت: وفي القرآن آيات تدل على تأثير العين، منها هذه الآية في سورة القلم، وآيتان في سورة يوسف: ١ - قال تعالى: ﴿وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [يوسف: ٦٧]. قال الضحاك: (خاف عليهم العين). وقال قتادة: (خشي نبي اللَّه ﷺ العينَ على بنيه كانوا ذوي صورة وجمال). وفي رواية: (كانوا قد أوتوا صورة وجمالا فخشي عليهم أَنْفُسَ الناس). وقال السدي: (خاف يعقوب ﷺ على بنيه العين فقالوا: ﴿لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ﴾ فيقال: هؤلاء لرجل واحد! ولكن ادخلوا من أبواب متفرقة). وكذلك قال ابن إسحاق: (لما أجمعوا الخروج، خشي عليهم أعين الناس، لهيأتهم، وأنهم لرجل واحد). ٢ - قال تعالى: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٦٨]. قال مجاهد: (﴿إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾: خيفة العين على بنيه). وقال ابن جرير: (إلا أنهم قضوا وطَرًا ليعقوب بدخولهم، لا من طريق واحد، خوفًا من العين عليهم، فأطمانت نفسه أن يكونوا أُتوا من قبل ذلك، أو نالهم من أجله مكروه). وأما السنة العطرة فقد أسهمت بقسط وافر في الدلالة على أثر العين وسبيل الوقاية والعلاج منها. ومن ذلك أحاديث: الحديث الأول: يروي البخاري في صحيحه عن أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ -

стр. 4981

رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة فقال: [استرقوا لها فإن بها النظرة] (١). الحديث الثاني: يروي مسلم في الصحيح عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [العين حق، ولو كان شيء سابقَ القدر سبقته العين، وإذا استُغْسلتم فاغسلوا] (٢). أي: متى عُرِفَ الحاسد، يؤمرُ بالوضوء أو الغسل، ثم يُجْمَعُ ذلك الماء الذي تطهَّرَ به فَيُغْسَلُ به المحسود فيشفى بإذن اللَّه، وهذا من الطب النبوي الذي يجهله كثير من الناس. الحديث الثالث: أخرج ابن ماجة بسند صحيح: [أنّ أسماء بنت عميس قالت: يا رسول اللَّه! إن ولد جعفر تسرع إليهم العين، فأسترقي لهم؟ فقال: نعم، فإنه لو كان شيء سابقَ القدر لسبقته العين] (٣). الحديث الرابع: أخرج أحمد بسند حسن عن عائشة قالت: [دخلَ النبي ﷺ فسمع صوت صبي يبكي فقال: ما لصبيكم هذا يبكي؟ فهلا استرقيتم له من العين؟ ] (٤). الحديث الخامس: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن عائشة أن النبي ﷺ قال: [استعيذوا باللَّه من العين، فإن العين حق] (٥). الحديث السادس: أخرج أحمد بسند صحيح عن أبي ذر مرفوعًا: [إن العين لتولع الرجل بإذن اللَّه حتى يصعد حالقًا ثم يتردّى منه] (٦). وفي رواية: [إن العين لتوقع الرجل]. وله شاهد عنده وعند الطبراني بسند حسن من حديث ابن عباس بلفظ: [العين حق، تستنزل الحالق]. أي للعين من الأثر بإذن اللَّه أن تسقط الرجل من الجبل الشاهق المرتفع.

стр. 4982

الحديث السابع: أخرج أبو نُعيم في "الحلية" بسند حسن عن جابر مرفوعًا: [العينُ تُدْخِلُ الرجلَ القبرَ، والجمل القِدْر] (١). الحديث الثامن: يروي الطيالسي والبزار بسند حسن عن جابر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [أكثر من يموت من أمتي بعد قضاء اللَّه وقدره بالعين] (٢). وفي رواية: [أكثر من يموت من أمتي بعد كتاب اللَّه وقضائه وقدره بالأنفس. يعني بالعين]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾. قال القاسمي: (أي عِظة وحكمة وتذكير وتنبيه لهم، على ما في عقولهم وفطرهم من التوحيد. فكيف يُجَنَّنُ من جاء بمثله؟ ). والمقصود: ما هذا القرآن الذي يعادونه، ويعادون النبي ﷺ الذي نزل عليه، فيرمونه بأبصارهم ويقولون ﴿إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ -لعدم تمالك أنفسهم من الحسد منه والتنفير عنه-، إلا عِظَةٌ من اللَّه لهم لعلهم يرجعون وينزجرون، ويدركون أن هذا النبيّ شرف للعالمين، شرفوا باتباعه والإيمان به ﷺ . تم تفسير سورة القلم بعون اللَّه توفيقه، وواسع منّه وكرمه عصر الخميس ١٥ شوال ١٤٢٦ هـ الموافق ١٧/ تشرين الثاني/ ٢٠٠٥ م * * *

стр. 4983

دروس ونتائج وأحكام ١ - يقسم اللَّه تعالى بالقلم تنبيهًا لشرف العلم وتدوينه. ٢ - أول ما خلق اللَّه القلم فقال له: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة. ٣ - كان خلقُه ﷺ القرآن، ووصفه ربه تعالى بأنه على خلق عظيم. ٤ - كان رسول اللَّه ﷺ أحسن الناس خَلْقًا وخُلُقًا. ٥ - لا يدخل الجَنَّة نمام، واللَّه يبغض كل جعظري جوّاظ، سخّاب في الأسواق، جيفة بالليل، حمار بالنهار، عالم بأمر الدنيا، جاهل بأمر الآخرة. ٦ - مانعو الزكاة حرموا من مالهم في الدنيا والآخرة. ٧ - أرادوا أن يحرموا المساكين حقهم، فحُرموا الشجر والثمر وحقّ المساكين. ٨ - يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى كل منافق فلا يستطيع أن يسجد، بل يعود ظهره طبقًا واحدًا. ٩ - إذا رأيت اللَّه تعالى يعطي العبد على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج. ١٠ - العين حق، ولو كان شيءٌ سابق القدر لسبقته العين.

стр. 4984

٦٩ - سورة الحاقة وهي سورة مكية، وعدد آياتها (٥٢). موضوع السورة الحاقة وأهوال القيامة والحساب - منهاج السورة - ١ - التنبيه ليوم القيامة بصيغة التفخيم، ولفت الانتباه إلى طغيان الأمم السابقة ونزول العذاب العظيم. ٢ - ذكر الأحداث الرهيبة لبدء القيامة والحساب، من النفخ في الصور وحركة الأرض والجبال وانشقاق السماء ليبدأ بعد ذلك العرض ثم الثواب والعقاب. ٣ - توزيع الكتب يوم القيامة، فالفرحة العظيمة لأصحاب اليمين، والخزي والندامة لأصحاب الشمال في نار الجحيم. ٤ - تأكيد الوحي والنبوة بإقسام اللَّه بعالمي الغيب والشهادة، والقرآن كتاب اللَّه الذي تفرد إليه سبحانه الطاعة والعبادة. ٥ - المبالغة بوصف العقاب لو افترى الرسول هذا الكتاب، وهذا القرآن فيه تذكرة للمتقين، ويحمل الحسرة والندامة للكافرين.

стр. 4985

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ١٢. قوله تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (٤) فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥) وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨) وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (٩) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (١٠) إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (١٢)﴾. في هذه الآيات: التنبيهُ ليوم القيامة بصيغة التفخيم، ولَفْتُ الانتباه إلى طغيان الأمم السابقة ونزول العذاب العظيم، واللَّه تعالى يجعل في ذلك الذكرى وهو العزيز الحكيم. فقوله تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ﴾. قال ابن عباس: (﴿الْحَاقَّةُ﴾: من أسماء يوم القيامة، عظّمه اللَّه، وحذّره عباده). وقال عكرمة: (الحاقة: القيامة). وقال قتادة: (﴿الْحَاقَّةُ﴾: يعني الساعة، أحقت لكل عامل عمله). أو قال: (أحقت لكلّ قوم أعمالهم). والمقصود: ﴿الحَاقَّةُ﴾ اسم من أسماء يوم القيامة كالصّاخة والطّامة والقارعة والواقعة. وسميت بذلك لأن الأمور تُحَقّ فيها، وفيها يتحقق الوعدُ والوعيد. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾. استفهام يفيد شدّ الانتباه وتعظيم شأن المُسْتَفهم عنه. قال قتادة: (﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾: تعظيمًا ليوم القيامة كما تسمعون). وقال سفيان بن عُيينة: (كل شيء قال فيه: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾ فإنه أُخبر به، وكل شيء قال فيه: "وما يُدريك" فإنه لم يُخبر به). قال القرطبي: (﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ أي: أيّ شيء أعلمك ما ذلك اليوم. والنبي ﷺ -

стр. 4986

كان عالمًا بالقيامة ولكن بالصفة. فقيل تفخيمًا لشأنها: وما أدراك ما هي؟ كأنك لستَ تعلمها إذ لم تعاينها). وقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ﴾. القارعة: اسم من أسماء القيامة. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: كذّبت ثمود قوم صالح، وعاد قوم هود بالساعة التي تقرع قلوب العباد فيها بهجومها عليهم). وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾. قال قتادة: (الطاغية الصيحة). وقال مجاهد: (الطاغية الذنوب). وقال ابن زيد: (إنها طغيان، وقرأ: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾ [الشمس: ١١]). وقال السدي: (﴿فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾: يعني عاقر الناقة). قلت: والراجح أنها الصيحة التي زلزلتهم، وأسكنتهم وأهمدتهم. يدل على ذلك قوله تعالى بعد ذلك: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾. فدل أن المراد أسلوب الهلاك. قال ابن عباس: (قوله: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ يقول: بريح مهلكة باردة، عتت عليهم بغير رحمة ولا بركة، دائمة لا تَفْتُر). وقال قتادة: (والصرصر الباردة، عتت عليهم حتى نقبت عن أفئدتهم). وقال الثوري: (﴿عَاتِيَةٍ﴾ أي: شديدة الهبوب). وقوله: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾. أي: سَلَّطها عليهم سبع ليال وثمانية أيام كوامل متتابعات مشائيم. قال ابن عباس: (﴿حُسُومًا﴾: تباعًا). وقال مجاهد: (متتابعة). وقال قتادة: (متتابعة ليس لها فترة). وعن سفيان: (﴿أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ قال: متتابعة، و ﴿أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ [فصلت: ١٦] قال: مشائيم). وقال ابن زيد: (﴿حُسُومًا﴾ حسمتهم لم تُبْقِ منهم أحدًا). وقوله: ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾. قال ابن عباس: (خَرِبة). أي: فترى -يا محمد- قوم عاد بعد الرياح العاتية التي سُلطت عليهم كأنهم أصول نخل قد خوت. وقال أبو الطفيل: (﴿خَاوِيَةٍ﴾ أي بالية). وقيل: (خاوية: ساقطة). قال القاسمي: (أي ساقطة مجتثة من أصولها كآية: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠]). قال القرطبي: (يحتمل أنهم شُبِّهوا بالنخل التي صرعت من أصلها، وهو إخبار عن عِظَم أجسامهم. ويحتمل أن يكون المراد به الأصول دون الجذوع، أي

стр. 4987

إن الريح قد قطعتهم حتى صاروا كأصول النخل خاوية. أي الريح كانت تدخل أجوافهم فتصرعهم كالنخلة الخاوية الجوف). وقال ابن كثير: (أي: جعلت الريح تضرب بأحدهم الأرض فيخرّ مَيِّتًا على أمِّ رأسِه، فينشَدِخُ رأسُه وتبقى جُثَّته كأنها قائمةُ النخلةِ إذا خَرَّت بلا أغصان). أخرج البخاري عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: [نُصِرْتُ بالصَّبا، وأُهْلِكَت عادٌ بالدَّبورِ] (١). وقوله تعالى: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾. أي فهل ترى يا محمد لعاد قوم هود من بقاء أو بقية. لقد بادوا عن آخرهم، ولم يبق اللَّه لهم خلَفًا. وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ﴾. أي بالفِعلة الخاطئة. قال الربيع: (أي: بالمعصية). وقال مجاهد: (بالخطايا). والمؤتفكات: قرى قوم لوط ائتفكت -أي انقلبت- بهم. والمقصود: جاء فرعون ومن قبله من الأمم المكذبة كقوم نوح وعاد وثمود ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ﴾ وهي قرى قوم لوط ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾ أي بالفَعْلة الخاطئة، وهي التكذيب بما أنزل اللَّه والإصرار على الكفر والظلم. وقوله: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾. قال ابن كثير: (وهذا جِنسٌ، أي: كُلٌّ كَذَّبَ رسولَ اللَّه إليهم. كما قال تعالى: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ [ق: ١٤]. ومن كذّب برسولٍ فقد كَذَّبَ بالجميع، كما قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾، ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾، ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥، ١٢٣، ١٤١]. وإنما جاء إلى كل أمة رسولٌ واحد). وقوله: ﴿فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾. قال ابن عباس: (يعني أخذة شديدة). وقال السدي: (مهلكة). قال القرطبي: (﴿فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾ أي عالية زائدة على الأخذات وعلى عذاب الأمم. ومنه الرّبا إذا أخذ في الذهب والفضة أكثر مما أعطى. يقال: ربا الشيء يربو أي زاد وتضاعف. وقال مجاهد: شديدة. كأنه أراد زائدة في الشدة). وقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾. طغا الماء: أي: ارتفع وعلا. قال

стр. 4988

ابن عباس: (يعني كثر الماء ليالي غرّق اللَّه قوم نوح). والجارية: السفينة. والمقصود: لما أصرّ قوم نوح على الكفر وتكذيب الوحي والنبوة أرسل اللَّه عليهم ماء السماء فكثر حتى تجاوز حده المعروف فكان الطوفان وغرق القوم الكافرين، ونجّى اللَّه بسفينة نوح المؤمنين. وفي الآية زجر لهذه الأمة عن الاقتداء بهم في معصية الرسول. وفيه امتنانٌ من اللَّه عليهم أن جعلهم ذرية من نجا من الغرق بقوله: ﴿حَمَلْنَاكُمْ﴾ أي حملنا آباءكم وأنتم في أصلابهم، ومن ثمّ فالناس كلهم من سلالة نوح وذريته. وقوله: ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً﴾. قال النسفي: (أي الفعلة، وهي إنجاء المؤمنين وإغراق الكافرين ﴿لَكُمْ تَذْكِرَةً﴾ عبرة وعظة). وقال ابن كثير: (﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً﴾، عاد الضمير على الجنس لدلالة المعنى عليه، أي وأبقينا لكم من جنسها ما تركبون على تيار الماء في البحار، كما قال: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ١٢ - ١٣]. وقال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ [يس: ٤١ - ٤٢]). وقيل: أبقى اللَّه السفينة حتى أدركها أوائل هذه الأمة. ذكره قتادة. قلت: والراجح من السياق أن المراد قصة النجاة في سفينة الحق التي حملت نبيَّ اللَّه نوحًا ﷺ والذين آمنوا منه، فهي التي تحمل العبرة والذكرى للأجيال المؤمنة التي ستعقب هذا الحدث إلى يوم القيامة، ويدل على ذلك ختام الآية، وهو قوله تعالى: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾. أي: وتفهم هذه الآية العظيمة والمعجزة الإيمانية أذن عقلت عن اللَّه مراده فانتفعت بما سمعت من آيات كتابه. وعن ابن عباس: (﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ يقول: حافظة). أو قال: (يقول: سامعة، وذلك الإعلان). وقال قتادة: (﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ قال: أذن عقلت عن اللَّه، فانتفعت بما سمعت من كتاب اللَّه). وقال الضحاك: (سمعتها أذن ووعت). ١٣ - ١٨. قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ

стр. 4989

عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨)﴾. في هذه الآيات: ذِكْرُ الأحداث الرهيبة لبدء القيامة والحساب، من النفخ في الصور وحركة الأرض والجبال وانشقاق السماء ليبدأ بعد ذلك العرض ثم الثواب والعقاب. فقوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾. قال القاسمي: (أي: لخراب العالم). قال أبو السعود: (هذا شروع في بيان نفس الحاقة، وكيفية وقوعها، إثر بيان عظم شأنها بإهلاك مكذبيها). وعن ابن عباس: (﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ قال: هي النفخة الأولى لقيام الساعة، فلم يبق أحد إلا مات). وقال الربيع: (هي النفحة الأخيرة). قلت: والراجح أنها النفخة الأولى -نفخة الفزع- التي تعقبها نفخة الصعق ثم نفخة القيام للَّه رب العالمين. ودليل ذلك الآية بعدها: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾، وهذا منسجم مع آية سورة النمل: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (٨٧) وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٨٧ - ٨٨]. قال ابن كثير: (وقد أكّدها هاهنا بأنها ﴿وَاحِدَةٌ﴾، لأن أمر اللَّه لا يُخالف ولا يُمانَع، ولا يحتاجُ إلى تكرار وتأكيد). وقوله تعالى: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾. قال النسفي: (رفعتا عن موضعهما ﴿فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ دقتا وكسرتا، أي ضرب بعضها ببعض حتى تندق وترجع كثيبًا مهيلًا وهباء منبثًا). والمقصود: تبدلت الأرض غير الأرض، ونسفت الجبال فكانت هباء منبثًا، لابتداء أمور القيامة من الحشر والحساب. وفي قوله: ﴿فَدُكَّتَا﴾ دليل على إدماج الجبال كلها جملة واحدة لتدك مع الأرض. وقوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾. أي: فحينئذ نزلت النازلة وهي القيامة. وقوله: ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾. أي: وانصدعت السماء وتفطرت فهي يومئذ ضعيفة متصدعة. كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٥]. وعن ابن عباس: (﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ هو: يعني متمزّقة ضعيفة).

стр. 4990

وقوله: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾. أي: على ما استدقّ من السماء ينظرون إلى أهل الأرض. قال ابن عباس: (يقول: والملك على حافات السماء حين تشقق). وقال قتادة: (على نواحيها). وقال سعيد بن المسيب: (الأرجاء حافات السماء). وقوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾. أي: ويحمل عرش الرحمن يوم القيامة ثمانية من الملائكة العظام. أخرج الطبراني بسند جيد عن أنس ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [أُذِنَ لي أَنْ أُحَدِّثَ عن ملك من حملة العرش رجلاه في الأرض السفلى وعلى قرنه العرش، وبين شحمة أذنيه وعاتِقه خفقان الطير سبع مئة عام، يقول ذلك الملك: سبحانك حيث كنت] (١). وأخرج أبو داود بسند صحيح من حديث جابر بن عبد اللَّه: أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: [أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة اللَّه تعالى حملة العرش، ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبع مئة سنة] (٢). وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾. أي: يومئذ تعرضون على ربكم للحساب والجزاء، لا تخفى منكم سريرة وحال كانت تخفى في الدنيا بستر اللَّه. قال النسفي: (﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ للحساب والسؤال، شُبِّهَ ذلك بعرض السلطان العسكر لتعرّف أحواله). وقد قال ابن أبي الدنيا: أخبرنا إسحاق بن إسماعيل، أخبرنا سفيانُ بن عُيينة، عن جعفر بن بُرْقان، عن ثابت بن الحجاج قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحَاسَبُوا، وزِنوا أنْفُسَكم قبل أن توزَنوا، فإنه أخفُّ عليكم في الحساب غدًا أن تُحاسبوا أنفسكم اليوم، وتزّينوا للعرض الأكبر: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾). ١٩ - ٢٤. قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣)

стр. 4991

كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤)﴾. في هذه الآيات: وَصْفُ الفرحة العظيمة لمن استقبل كتابه بيمينه يوم الدين، فهو في عيشة ناعمة في الملذات في جنات النعيم. فقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾. فيه بدء تفصيل العرض. وإعطاء الكتاب باليمين دليل على النجاة. وقوله: ﴿فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾. قال القرطبي: (أي يقول ذلك ثقة بالإسلام وسرورًا بنجاته، لأن اليمين عند العرب من دلائل الفرح، والشِّمال من دلائل الغَمّ). وعن ابن زيد: (﴿هَاؤُمُ﴾ أي: تعالوا). وقال مقاتل: (هُلُمَّ). وقيل: أي خذوا، ومنه الخبر في الربا "إلا هاءَ وهاءَ" أي يقول كل واحد لصاحبه: خذ. قال القتيبي: (والأصل هاكم فأبدلت الهمزة من الكاف). وقال ابن السِّكيت والكسائي: (العرب تقول هاءَ يا رجل اقرأ، وللاثنين هاؤما يا رجلان، وهاؤم يا رجال، وللمرأة هاءِ وهاؤما وهاؤمْنَ). وأما الهاء في قوله: ﴿كِتَابِيَهْ﴾ فهي للسكت، لا ضمير غيبة. وقوله تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ قال ابن عباس: (يقول: أيقنت). وقال قتادة: (ظن ظنًا يقينًا، فنفعه اللَّه بظنه). والمعنى: إني علمت أني ملاق جزائي وتكريمي يوم القيامة فأعددت له عدته من الإيمان والعمل الصالح. وقوله تعالى: (﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾. قال الفراء: (﴿رَاضِيَةٍ﴾ أي مرضية). وقيل: ذات رِضًا، أي يرضى بها صاحبها. والمقصود: فهو في عيش هنيء يرضاه لا ينغصه مكروه. وقوله تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾. قال ابن جرير: (يقول: في بستان عال رفيع). وقال النسفي: (﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ رفيعة المكان أو رفيعة الدرجات أو رفيعة المباني والقصور، وهو خبر بعد خبر). والمعنى: في جنة عظيمة في النفوس، فوق الطموح والآمال في رفعتها ودرجاتها وقصورها ونعيمها وملاذها. وقوله تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾. أي ثمارها قريبة متناولة، ينالها راغبها وهو على حاله من القيام أو القعود أو الاضطجاع. قال قتادة: (دنت فلا يردّ أيديهم عنها بعد

стр. 4992

ولا شوك). وعن أبي إسحاق قال: سمعت البراء يقول في هذه الآية: (﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ قال: يتناول الرجل من فواكهها وهو نائم). والقطوف: جمع قِطْف، وهو ما يُقطَفُ من الثمار. والقَطْف بالفتح المصدر، والقِطاف وقت القطف. وقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾. أي: ويقال لهم تكريمًا: كلوا واشربوا أكلًا وشربًا ﴿هَنِيئًا﴾ لا مكروه فيه ولا تكدير ولا تنغيص ﴿بِمَا أَسْلَفْتُمْ﴾: أي بما قدمتم في أيام دنياكم من الأعمال الصالحة. وفي التنزيل نحو هذه الآيات، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق: ٧ - ٩]. وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إن اللَّه يدني المؤمن فيضَع عليه كنَفَهُ (١) ويستره فيقول: أتعرِفُ ذنبَ كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي ربّ، حتى قرَّره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه قد هلك، قال: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، فيُعطى كتاب حسناته. وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]] (٢). ٢٥ - ٣٧. قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦) يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (٣٧)﴾. في هذه الآيات: وَصْفُ مشهد الندم والخزي لمن أوتي كتابه بشماله يوم الدين، فهو اليوم في السلاسل والحميم وطعام الغسلين في نار الجحيم.

стр. 4993

فقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾. إخبار عن حال أهل الشقوة حين توزع عليهم كتبهم في أرض المحشر بشمائلهم، فيجدون فيها حصائد أعمالهم، فيندمون غاية الندم، فيقول قائلهم: ﴿يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾. قال النسفي: (لما يرى فيها من الفضائح). وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾. أي: يتمنى أن لم يكن أعطي الكتاب، ولم يدر ما الحساب. وقوله تعالى: ﴿يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾. قال الضحاك: (أي موتة لا حياة بعدها). وقال قتادة: (تمنى الموت، ولم يكن في الدنيا شيء أكره عنده من الموت). وقوله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾. أي لم يدفع عني مالي ولا جاهي العذاب، فأصبحت أسير عملي، فلا ناصر ولا مجير ولا معين. وعن ابن عباس: (﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ يقول: ضلّت عني كل بينة فلم تغن عني شيئًا). وقال عكرمة: (﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ قال: حجتي). وقال ابن زيد: (سلطان الدنيا). وقوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١)﴾. أي: فعند ذلك يأمر اللَّه تعالى ملائكته من خُزّان جهنم بسحبه من أرض المحشر ووضع الأغلال في عنقه ثم بإلقائه في نار جهنم ليصلى فيها، ولتغمره بسعيرها. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾. قال القاسمي: (﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ﴾ أي حلقة منتظمة بأخرى، وهي بثالثة، وهَلُمَّ جرا. ﴿ذَرْعُهَا﴾ أي: مقدارها ﴿سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ فأدخلوه فيها. أي: لفّوه بها، بحيث يكون فيما بين حلقها مرهقًا، لا يقدر على حركة). وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾. تعليل استحقاقه ذلك الخزي والعذاب. فلقد كان لا يوقن باللَّه العظيم المستحق للعظمة وحده، بل كان يشرك معه الأنداد والطواغيت، فيصرف لهم من العبادة والتعظيم ما لا ينبغي إلا للَّه الواحد القهار. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾. قال القرطبي: (بَيَّنَ أنه عُذّب على ترك الإطعام وعلى الأمر بالبخل، كما عُذّب بسبب الكفر. والحَضُّ: التحريض والحَثّ). والمقصود: إنه قد جمع إلى الكفر، الشح والبخل، والدعوة إلى ذلك.

стр. 4994

وقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ﴾. أي: فليس له اليوم قريب تأخذه الحمية له كما كان له في الدنيا مما يأنس به عند النائبات والشدائد. وقوله تعالى: ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾. قال ابن عباس: (صديد أهل النار). أو قال: (ما يخرج من لحومهم). وقال قتادة: (شر الطعام وأخبثه وأبشعه). قلت: والغِسْلين فِعْلين من الغَسل، والمقصود: من غسالة أبدان أهل النار وصديدهم. وقوله تعالى: ﴿لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾. أي: الآثمون، أصحاب الإصرار على الخطايا والآثام. قال ابن جرير: (يقول: لا يأكل الطعام الذي من غسلين إلا الخاطئون، وهم المذنبون الذين ذنوبهم كفر باللَّه). ٣٨ - ٤٣. قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣)﴾. في هذه الآيات: تأكيدُ الوحي والنبوة بإقسام اللَّه تعالى بعالمي الغيب والشهادة، فهو الكتاب الحق كلام اللَّه تعالى الذي تفرد إليه العبادة. فقوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ﴾. أي: ما الأمر كما تكذبون معشر المشركين. بل أقسم بجميع الأشياء مما ترون ومما لا ترون أن هذا القرآن قول الرسول الكريم، أوحاه إليه رب العالمين. قال ابن زيد: (﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ﴾ قال: أقسم بالأشياء، حتى أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون). وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾. قال النسفي: (﴿إِنَّهُ﴾ أي إن القرآن ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ أي محمد ﷺ أو جبريل ﵇، أي يقوله ويتكلم به على وجه الرسالة من عند اللَّه). وقوله تعالى: ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾. أي: وما هذا القرآن بقول شاعر، فمحمدٌ ﷺ لا يحسن قيل الشعر. قال قتادة: (طهّره اللَّه من ذلك وعصمه). إنكم قليلًا ما تصدقون أنتم -معشر المشركين من قريش- بما ظهر صدقه وبيانه، ووضح برهانه، ظلمًا وعنادًا وعتوًا. وقوله تعالى: ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾. قال قتادة: (طهّره من الكهانة،

стр. 4995

وعصمه منها). قال القاسمي: (﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ﴾ أي كما تدعون أخرى بأنه من سجع الكهان ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ أي تتعظون وتعتبرون). فنفى عنهم الإيمان أولًا ثم الذكرى ثانيًا: لأن اتهام القرآن بالشعر بالغة من الكذب، فهم أهل الفصاحة والعلم بصناعة العرب والشعراء. ثم إن الكهان يأخذون جُعْلًا، ويتكلفون السجع والكذب، وإدخال الأخبار ببعضها، فأين الذكرى لهم في ذلك! وقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. أي: وإنما هذا القرآن تنزيل من ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: الذي ربّاهم بصنوف نعمه، وما خلقهم عبثًا ولا تركهم للضياع، بل أكرمهم بالوحي والنبوة، ليوصلهم إلى سبل السعادة ومناهج الفلاح. ٤٤ - ٥٢. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢)﴾. في هذه الآيات: المبالغةُ بوصف العقاب لو افترى الرسول هذا الكتاب، وإنما هو كلام اللَّه العظيم، فيه تذكرة للمتقين، ويحمل الحسرة والندامة للكافرين. فقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾. قال ابن كثير: (يقول تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا﴾ أي: محمد ﷺ أو كان كما يزعُمون مفتريًا علينا، فزاد في الرِّسالة أو نقصَ منها، أو قال شيئًا من عنده فنسبه إلينا، وليس كذلك، لعاجَلناه بالعقوبة. ولهذا قال تعالى: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾، قيل: معناه: لانتقمنا منه باليمين، لأنَّها أشدُّ في البَطْش. وقيل: لأخذنا بيمينه). قلت: فهناك تأويلان متكاملان لقوله تعالى: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾: التأويل الأول: أي لأخذنا منه بالقوة منا والقدرة. ذكره ابن جرير واختاره. التأويل الثاني: أي لأخذنا منه باليد اليمنى من يديه. فهو كقول السلطان إذا أراد الاستخفاف ببعض من بين يديه لبعض أعوانه: خذ بيده، فأقمه، وافعل به كذا وكذا، والمقصود الإهانة. قال الزمخشري: (المعنى لو ادّعى علينا شيئًا لم نقله لقتلناه صبرًا،

стр. 4996

كما يفعل الملوك بمن يتكذب عليهم، معاجلة بالسخط والانتقام. فصوّر قتل الصبر بصورته ليكون أهول. وهو أن يؤخذ بيده، وتضرب رقبته. وخصّ اليمين عن اليسار، لأن القاتل إذا أراد أن يوقع الضرب في قفاه أخذ بيساره، وإذا أراد أن يوقعه في جيده، وأن يكفحه بالسيف، وهو أشد على المصبور، لنظره إلى السيف، أخذ بيمينه). وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾. قال ابن عباس: (وهو نياطُ القلبِ، وهو العِرْق الذي القلب مُعَلَّقٌ فيه). وقال مجاهد: (الوتين: حبل القلب الذي في الظهر). وقال الضحاك: (وتين القلب: وهو عرق يكون في القلب، فإذا قطع مات الإنسان). وقوله تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾. أي: فما منكم أيها الناس من أحد يحجزنا عن محمد ومعاقبته لو تقول علينا بعض الأقاويل. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾. قال قتادة: (القرآن). أي: وإنّ هذا القرآن عظة يتعظ به أهل الإيمان والتقوى، لئلا يندرجوا مع أهل الكفر والشقوة. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ﴾. قال الربيع: (بالقرآن). أي: وإنا لنعلم أنه مع هذا البيان والإعجاز لهذا القرآن فإن منكم من يكذب به، إيثارًا للدنيا والهوى. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. أي: وإنه لتحسر وندم سيلحق بالكافرين بهذا القرآن يوم القيامة. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾. قال ابن جرير: (يقول: وإنه للحق اليقين الذي لا شك فيه أنه من عند اللَّه، لم يتقوّله محمد ﷺ ). وقوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾. قال ابن عباس: (أي فصَلّ لربك). وقيل: أي نزه اللَّه عن السوء والنقائص. تم تفسير سورة الحاقة بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه عصر السبت ١٧ شوال ١٤٢٦ هـ الموافق ١٩/ تشرين الثاني/ ٢٠٠٥ م * * *

стр. 4997

دروس ونتائج وأحكام ١ - الحاقة من أسماء يوم القيامة، عظّمه اللَّه، وحذّره عباده. ٢ - هلكت ثمود بالصيحة وعادٌ بريح صرصر وكفار قوم نوح بالغرق والمؤمنون حُمِلوا في الجارية. ٣ - يُعطى أصحاب اليمين كتبهم بأيمانهم، ويسعى نورهم من بين أيديهم. ٤ - يُعطى أصحاب الشمال كتبهم بشمائلهم من وراء ظهورهم. ٥ - يُسلسل الكفار بالأغلال، ويساق المتكبرون إلى سجن في جهنم يسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار، يسقون من عصارة أهل النار: طينة الخبال. * * *

стр. 4998

٧٠ - سورة المعارج وهي سورة مكية، وعدد آياتها (٤٤). موضوع السورة تأكيد عذاب اللَّه -ذي المعارج- على أهل الكفر والسيئات وتحذير المؤمنين من سَيِّئِ الأخلاق والعادات - منهاج السورة - ١ - سؤال بعض الكافرين عن عذاب اللَّه وهو لا محالة واقع، وليس له من دون اللَّه ذي المعارج دافع. ٢ - حث اللَّه تعالى نبيِّه ﷺ على الصبر، فإن النصر لا بد قريب. ٣ - وَصْفُ الأهوال التي تسبق القيامة، ومشهد الذل في المحشر على المجرمين والندامة. ٤ - إخبار اللَّه عن الإنسان وما فيه من سَيِّئِ العادات، وثناء على المصلين المزكين في أرفع الصفات، وتخصيص اللَّه تعالى لهم في الجنة أرفع الدرجات. ٥ - استنكار على المشركين نفورهم عن الحق وبديع الآيات، وتوبيخ لهم في طمعهم بالجنة وهم قائمون على الشرك والموبقات.

стр. 4999

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ٧. قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤) فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧)﴾. في هذه الآيات: سؤالُ بعض الكفار عن عذاب اللَّه وهو لا محالة واقع، على الكافرين وليس له من دون اللَّه ذي المعارج دافع، فاصبر يا محمد فكل آت قريب والصبر نافع. فقوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾. قال ابن عباس: (ذاك سؤال الكفار عن عذاب اللَّه وهو واقع). وقال مجاهد: (دعا داع ﴿بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ قال: يقع في الآخرة). وقال قتادة: (سأل عذاب اللَّه أقوام، فبين اللَّه على من يقع على الكافرين). وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [الحج: ٤٧]. وفي صحيح البخاري عن أنس بن مالك قال: [قال أبو جهل: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم. فنزلت: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الأنفال: ٣٣ - ٣٤] الآية] (١).

стр. 5000

وقوله تعالى: ﴿لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ليس للعذاب الواقع على الكافرين من اللَّه دافع يدفعه عنهم). وقوله تعالى: ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾. قال الرازي: (المعارج جمع معرج، وهو المصعد). قال ابن عباس: (﴿ذِي الْمَعَارِجِ﴾ يقول: العلو والفواضل). أو قال: (ذي الدرجات). وقال قتادة: (ذي الفواضل والنِّعم). وقال مجاهد: (﴿مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾ قال: معارج السماء). وقيل: هي معارج الملائكة؛ لأنها تعرج إلى السماء فوصف نفسه بذلك. وقيل: المعارج هي الدرجات التي يعطيها سبحانه أولياءه في الجنة. وقوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. أي: تصعد إليه الملائكة ﴿وَالرُّوحُ﴾ -وهو جبريل ﵇ أو روح المؤمن عند الموت- فيكون مقدار صعودهم ذلك في يوم لغيرهم من الخلق خمسين ألف سنة. قال ابن كثير: (وأما ﴿وَالرُّوحُ﴾: يحتمل أن يكون المراد به جبريل، ويكون من بابَ عطْفِ الخاص على العام. ويحتمل أن يكون اسمَ جنْسٍ لأرواح بني آدم فإنها إذا قُبِضَت يُصْعَدُ بها إلى السماء). قلت: وكلا المعنين حق، فصعود الروح جبريل وكذلك أرواح المؤمنين ثابت في السنة الصحيحة: ففي المسند وسنن أبي داود ومستدرك الحاكم بسند صحيح من حديث البراء مرفوعًا: [فيصعدون بها -أي روح المؤمن- فلا يمرون بها على ملأٍ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون: فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا فيستفتحون له فيفتح لهم، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهي به إلى السماء السابعة] الحديث (١). وعن مجاهد: (﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. قال: منتهى أمره من أسفل

стр. 5001

الأرضين إلى منتهى أمره من فوق السماوات والأرض مقدار خمسين ألف سنة، ويوم كان مقداره ألف سنة، يعني بذلك نزول الأمر من السماء إلى الأرض، ومن الأرض إلى السماء في يوم واحد، فذلك مقداره ألف سنة، لأن ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمس مئة عام). قلت: والآية دليل واضح من أدلة العلو للَّه تعالى فوق جميع خلقه، فوق السماوات السبع فوق العرش العظيم. ففي التنزيل: ١ - قوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٥]. ٢ - وقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ﴾ [فاطر: ١٠]. ٣ - وقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك: ١٦]. ومن كنوز السنة العطرة في آفاق ذلك أحاديث، منها: الحديث الأول: أخرج الشيخان من حديث أبي هريرة، أن رسول اللَّه ﷺ قال: [الملائكة يتعاقبون فيكم، ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفحر وصلاة العصر، ثم يعرج إليه الذي باتوا فيكم فيسألهم، وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون. أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهو يصلون] (١). الحديث الثاني: أخرج أحمد في المسند بسند جيد عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [كان ملك الموت يأتي الناس عيانًا، فأتى موسى ﵇ فلطمه، فذهب بعينه، فعرج إلى ربه فقال: يا رب بعثتني إلى موسى فلطمني فذهب بعيني، ولولا كرامته عليك لشققت عليه. قال: ارجع إلى عبدي فقل له: فليضع يده على ثور، فله بكل شعرة وارت كفه سنة يعيشها] الحديث (٢). الحديث الثالث: حديث المعراج -في الصحيحين وغيرهما- عن أنس وفيه: [ثم

стр. 5002

عرج بنا إلى السماء فاستفتح جبريل] الحديث (١). وقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾. أي: فاصبر يا محمد على أذى قومك صبرًا لا جزع فيه، ولا يثنيك ما تلقى منهم من الأذى عن تبليغ رسالة ربك، فإن النصر مع الصبر، وإن مع العسر يسرًا. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾. قال النسفي: (﴿إِنَّهُمْ﴾ إن الكفار ﴿يَرَوْنَهُ﴾ أي العذاب أو يوم القيامة ﴿بَعِيدًا﴾ مستحيلًا ﴿وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ كائنًا لا محالة، فالمراد بالبعيد البعيد من الإمكان، وبالقريب القريب منه). ٨ - ١٨. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (٩) وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤) كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعَى (١٨)﴾. في هذه الآيات: نَعْتُ الأهوال التي تسبق القيامة، ومشهد الذل في أرض المحشر على المجرمين والندامة، ونار جهنم قد أعدت لاستقبال الطغاة لتنقلهم من الفرحة إلى السآمة. فقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ﴾. يعني: كالشيء المذاب. قال مجاهد: (كَعَكَرِ الزيت). وقال قتادة: (تتحول يومئذ لونًا آخر إلى الحمرة). وقوله تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ﴾. يعني: كالصوف المنفوش. وهو كقوله تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة: ٥]. وعن مجاهد: (﴿كَالْعِهْنِ﴾ قال: كالصوف). وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾. أي: ولا يسأل قريب قريبه عن شأنه أو حاله لانشغاله بشأن نفسه. قال قتادة: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ يشغل كل إنسان بنفسه عن الناس).

стр. 5003

وقوله: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ فيه أكثر من تأويل: التأويل الأول: المقصود الأقرباء يعرف بعضهم بعضًا، ثم ينشغل كل بنفسه عن غيره. قال ابن عباس: (﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾: يعرف بعضهم بعضًا، ويتعارفون بينهم، ثم يفر بعضهم من بعض، يقول: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧]). وقال قتادة: (﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ يعرفونهم يعلمون، واللَّه ليعرِفَنَّ قوم قومًا، وأناس أناسًا). التأويل الثاني: المؤمنون يبصرون الكفار. قال مجاهد: (﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ المؤمنون يبصرون الكافرين). التأويل الثالث: الكفار الأتباع يعرفون المتبوعين الرؤساء في النار. قال ابن زيد: (﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾: يبصرون الذين أضلوهم في الدنيا في النار). والتأويل الأولى هو الأنسب للسياق، وهو اختيار ابن جرير. قال: (معنى ذلك: ولا يسأل حميم حميمًا عن شأنه، ولكنهم يبصرونهم فيعرفونهم، ثم يفر بعضهم من بعض). وبنحوه ذكر الحافظ ابن كثير حيث قال: (أي: لا يسأل القريبُ عن حاله، وهو يراه في أسوأ الأحوال، فتشغلُه نفسُه عن غيره). وقوله تعالى: ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾. أي: يتمنى الكافر لو يفتدي يومئذ من عذاب جهنم بأعز من كان عليه في الدنيا: الولد والزوجة والأخ والعشيرة، بل وكل أهل الأرض ليحظى بالنجاة ولكن هيهات! ! وعن قتادة: (﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾. الأحبّ فالأحبّ، والأقرب فالأقرب من أهله وعشيرته لشدائد ذلك اليوم). وعن مجاهد: (﴿وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ قال: قبيلته). وقال ابن زيد: (﴿وَصَاحِبَتِهِ﴾ قال: الصاحبة الزوجة ﴿وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ قال: فصيلته: عشيرته). وقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى﴾. أي: لا سبيل له إلى ذلك، فإنه لا يُقبل منه فِداءٌ ولو جاء بأهل الأرض وبأعزّ ما يجده من المال ولو بملء الأرض ذهبًا لو استطاع إلى

стр. 5004

ذلك سبيلًا، فإن ﴿لَظَى﴾ -وهي جهنم- له بالمرصاد. قال القرطبي: (﴿كَلَّا﴾: تكون بمعنى حقًا، وبمعنى لا. وهي هنا تحتمل الأمرين، فإذا كانت بمعنى حقًا كان تمام الكلام ﴿يُنْجِيهِ﴾. وإذا كانت بمعنى لا كان تمام الكلام عليها، أي ليس ينجيه من عذاب اللَّه الافتداء ثم قال: ﴿إِنَّهَا لَظَى﴾ أي هي جهنم، أي تتلظّى نيرانها). و﴿لَظَى﴾ اسم من أسماء جهنم، واشتقاق ﴿لَظَى﴾ من التلظِّي. والتِظاءُ النار التهابها، وتلظيها تَلَهُّبُها، كما قال تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤] أي تتلهب. وقوله تعالى: ﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾. قرأ أبو جعفر وشيبة ونافع، وعاصم -في رواية أبي بكر عنه- "نَزَّاعَةٌ" بالرفع. وقرأها عاصم في رواية أبي عمرو عنه ﴿نَزَّاعَةً﴾ بالنصب. فبالرفع هي خبر لمبتدأ محذوف تقديره "هي"، أو خبر آخر لإن، أو بدل من لظى. وبالنصب تكون حالًا مؤكدة، أو تُنْصَبُ على معنى أنها تتلظى نزاعة، أي في حال نزعها للشّوى. وقيل غير ذلك. والشّوى في لغة العرب: جمع شواة وهي جلدة الرأس. والشّوى: اليدان والرجلان والرأس من الآدميين، وكل ما ليس مقتلًا. يقال: رماه فأشواه إذا لم يصب المقتل. وعن ابن عباس: (﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾ قال: تنزع أم الرأس). وفي رواية: (يعني الجلود والهام). وقال مجاهد: (﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾ قال: لجلود الرأس). وقال أبو صالح: (نزاعة للحم الساقين). وقال قتادة: (أي نزاعة لهامته ومكارم خلْقه وأطرافه). وقال الضحاك: (تبري اللحم والجلد عن العظم حتى لا تترك منه شيئًا). وقال ابن زيد: (الشوى: الآراب العظام). فقوله تعالى: ﴿تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى﴾. قال مجاهد: (عن الحق). وقال قتادة: (﴿تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ﴾ عن طاعة اللَّه ﴿وَتَوَلى﴾ قال: عن كتابه، وعن حقه). وقال ابن زيد: (ليس لها سلطان إلا على هوانِ مَنْ كفرَ وتولى وأدبر عن اللَّه، فأما من آمن باللَّه ورسوله، فليس لها عليه سلطان). قال ابن كثير: (أي: تَدْعُو النارُ إليها أبناءها الذين خلقهم اللَّه لها، وقَدَّر لهم أنَّهم في الدار الدنيا يعملون عملها، فتدعوهم يوم القيامة بلسانٍ طَلْقٍ ذَلْقٍ، ثم تَلْتَقِطُهم من بين أهل المحشر كما يَلْتَقِطُ الطيرُ الحبَّ، وذلك أنهم كما قال اللَّه كانوا ممن ﴿أَدْبَرَ وَتَوَلَّى﴾، أي: كَذَّب بقلبه، وتركَ العملَ بجوارِحه). وقوله تعالى: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾. قال مجاهد: (جمع المال). وقال قتادة: (كان

стр. 5005

جَموعًا قمومًا للخبيث). قال ابن جرير: (يقول: وجمع مالًا فجعله في وعاء، ومنع حق اللَّه منه، فلم يزكّ ولم ينفق فيما أوجب اللَّه عليه إنفاقه فيه). ١٩ - ٣٥. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٣١) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٣٢) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (٣٣) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٣٤) أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥)﴾. في هذه الآيات: إخبارٌ من اللَّه تعالى عن الإنسان وما هو مجبول عليه من الصفات والأخلاق الدنيئة الواجب مدافعتها، وثناءٌ على المصلين المزكين المشفقين من عذاب اللَّه الحافظين فروجهم والموفون بعهودهم والمؤدون الأمانات إلى أهلها، ووعد لهم مع البشرى بدخول الجنان والاستقرار في روضاتها. فقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾. الهلع: شدة الجزع مع شدة الحرص والضجر. والهلوع: الجزوع الحريص. قال سعيد بن جبير: (﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ قال: شحيحًا جزوعًا). وقال عكرمة: (ضجُورًا). وقال الضحاك: (﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾ يعني الكافر ﴿خُلِقَ هَلُوعًا﴾ يقول: هو بخيل منوع للخير، جزُوع إذا نزل به البلاء، فهذا الهلوع). وقال شعبة: (الهلوع: الحريص). أخرج أبو داود بسند صحيح عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: [شرُّ ما في رجلٍ شحٌّ هالِعٌ، وَجُبْنٌ خَالِعٌ] (١). وقوله تعالى: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾. تفسير لآفاق ذلك الهلع: قال ابن كثير: (أي:

стр. 5006

إذا أصابه الضُّرُّ فَزِع وجَزِع وانخلعَ قلبُهُ من شدة الرُّعب، وأيِسَ أن يحصلَ له بعد ذلك خير). وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾. قال النسفي: (وإذا ناله خير بخل به ومنعه الناس، وهذا طبعه وهو مأمور بمخالفة طبعه وموافقه شرعه. والشر: الضر والفقر. والخير: السعة والغنى. (أو المرض والصحة)). وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [ما مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ العبادُ فيه، إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدُهما: اللهمَّ! أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، ويقول الآخر: اللهم! أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا] (١). وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾. قال القرطبي: (دلّ على أن ما قبله في الكفار، فالإنسان اسم جنس بدليل الاستثناء الذي يعقبه، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر: ٢، ٣]). وقال ابن كثير: (أي: الإنسان من حيثُ هو مُتَّصِفٌ بصفات الذم إلا من عصمه اللَّه ووفَّقَه، وهداه إلى الخير ويَسَّرَ له أسبابه، وهم المصلون). وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾. يشمل في مفهومه المحافظة على أوقاتها وأركانها وواجباتها، وسكونها وخشوعها جزء من ذلك. وعن إبراهيم النخعي: (﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ قال: الصلوات الخمس). أو قال: (المكتوبة). وعن ابن مسعود قال: (الذين يصلونها لوقتها، فأما تركها فكفر). وقال عقبة بن عامر: (هم الذين إذا صلوا لم يلتفِتوا خلفهم، ولا عن أيمانهم، ولا عن شمائلهم). رواه بسنده ابن جرير. كما روى عن قتادة قوله: (ذُكر لنا أن دانيال نعت أمة محمد ﷺ قال: يصلون صلاة لو صلاها قوم نوح ما غرقوا، أو عاد ما أُرسلت عليهم الريح العقيم، أو ثمود ما أخذتهم الصيحة، فعليكم بالصلاة فإنها خُلُقٌ للمؤمنين حسن). وقال ابن جريج والحسن: (هم الذين يكثرون فعل التطوع منها). وقيل: المراد بالدوام السكون والخشوع، ومنه الماء الدائم، أي: الساكن الراكد.

стр. 5007

ولا شك أن الطمأنينة ركن من أركان الصلاة. ففي التنزيل: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢]. وفي صحيح السنة المطهرة في آفاق ذلك أحاديث: الحديث الأول: أخرج الترمذي بسند صحيح عن الحارث الأشعري -من وصايا يحيى بن زكريا ﵇ كما ذكر لنا رسول اللَّه ﷺ : [وإن اللَّه أمركم بالصلاة، فإذا صليتم فلا تلتفتوا، فإن اللَّه ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت] (١). الحديث الثاني: أخرج أبو داود بسند صحيح عن عائشة ﵂ قالت: سألت رسول اللَّه ﷺ عن التفات الرجل في الصلاة؟ فقال: [هو اختلاس يختَلِسُهُ الشيطان من صلاة العبد] (٢). والاختلاس: هو الاختطاف بسرعة على غفلة. قال العلامة الطيبي طيب اللَّه ثراه: (سمي اختلاسًا تصويرًا لقبيح تلك الفعلة بالمختلس، لأن المصلي يقبل عليه الرب والشيطان مرتصد له ينتظر فوات ذلك عليه، فإذا التفت اغتنم الشيطان الفرصة فسلبه تلك الحالة). واللَّه أعلم. الحديث الثالث: أخرج النسائي والترمذي -واللفظ للنسائي- من حديث رفاعةَ بن رافع -حديث المسيء صلاته- قال له النبي ﷺ : [إنه لا تَتِمُّ صلاةُ أحدِكم حتى يُسْبِغَ الوضوءَ كما أمَرَه اللَّه تعالى، ويغسلَ وجهَهُ ويديه إلى المرفقين، ويمسحَ برأسِه ورجلَيه إلى الكعبين، ثم يكبّر اللَّهَ، ويحمدُه، ويُمَجِّدُه، ويقرأ من القرآن ما أذِنَ اللَّهُ له فيه وتَيَسَّرَ، ثم يكبر ويركع، فيضع كفيه على ركبتيه حتى تطمئن مفاصِلُهُ وتسترخي، ثم يقول: سمع اللَّه لمن حمده، ويستوي قائمًا حتى يأخذ كلُّ عظمٍ مأخذه، ويقيمَ صُلبَه، ثم يكبر، فيسجدُ، ويُمَكِّنُ جبهتَه من الأرض، حتى تطمئِنَّ مفاصِلُهُ وتسترخي، ثم يكبِّر فيرفع رأسه، ويستوي قاعدًا على مقعدته ويقيم صلبه (فوصف الصلاة هكذا حتى فرغ ثم قال: ) لا تتم صلاةُ أحدكم حتى يفعلَ ذلك] (٣). وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾. قال قتادة: (الحق

стр. 5008

المعلوم: الزكاة). أو قال: (الزكاة المفروضة). وقال ابن عباس: (يقول: هو سوى الصدقة يصل بها رحمه، أو يقري بها ضيفًا، أو يحمل بها كَلًّا، أو يُعين بها محرومًا). قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وإلا الذين في أموالهم حقّ مؤقت، وهو الزكاة للسائل الذي يسأله من ماله، والمحروم الذي قد حرم الغنى، فهو فقير لا يسأل). قلت: والزكاة أشبه بالحق المعلوم، وسوى الزكاة ليس بمعلوم، إنما هو واجب على قدر الحاجة، فيكون بعد الزكاة المعلومة في أنصبتها ومقاديرها، كما قال الشعبي: (إن في المال حقًا سوى الزكاة). وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾. أي: وإلَّا المؤمنون باليوم الآخر، فهم يقرون بالبعث والحساب، ويعملون لما يَكون فيه الفوز بالجنة والنجاة من العقاب. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾. أي: والذين هم في الدنيا من عذاب الآخرة خائفون وجلون، فهم راجون رحمة ربهم لا يضيعون له فرضًا، ولا يتعدّون له حدًّا، وهم له خاشعون. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾. قال النسفي: (أي لا ينبغي لأحد وإن بالغ في الاجتهاد والطاعة أن يأمنه، وينبغي أن يكون مترجحًا بين الخوف والرجاء). أخرج أبو نعيم في "الحلية" بسند حسن عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [قال اللَّه تعالى: وعزتي وجلالي لا أجمع لعبدي أمنين ولا خوفين، إن هو أمنني في الدنيا أخفته يوم أجمع عبادي، وإن هو خافني في الدنيا أمَّنْتُه يوم أجمع عبادي] (١). وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾. أي: والذين هم حافظون فروجهم عن الحرام، فهم يمنعونها أن توضع في غير ما أذن اللَّه. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾. أي: ويستثنى مما سبق الأزواج والإماء، فهن حلال لمن ملكهن بكلمة اللَّه وضوابط الشرع. أخرج أبو داود بسند حسن عن حكيم، عن أبيه، قال: قلت: يا رسول اللَّه!

стр. 5009

عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: [احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينُك] الحديث (١). وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾. أي: فمن التمس لفرجه منكحًا سوى زوجته أو ما ملكت يمينه فهو بذلك متعد حدود اللَّه، ماض في طريق معصيته. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وإلا الذين هم لأمانات اللَّه التي ائتمنهم عليها من فرائضه وأمانات عباده التي اؤْتُمِنُوا عليها، وعهوده التي أخذها عليهم بطاعته فيما أمرهم به ونهاهم، وعهود عباده التي أعطاهم على ما عقده لهم على نفسه راعون، يرقبون ذلك، ويحفظونه فلا يضيعونه، ولكنهم يؤدّونها ويتعاهدونها على ما ألزمهم اللَّه وأوجب عليهم حفظها). وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: [مَنْ حَمَلَ علينا السلاح فليس مِنّا، ومَنْ غَشَّنا فليس منا] (٢). وفي الصحيحين من حديث أنس قال: قال النبي ﷺ : [لكل غادر لواء يومَ القيامة، يقال: هذه غَدْرةُ فلان] (٣). وفي جامع الترمذي بسند صحيح من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [المسلم أخو المسلم، لا يخونُه، ولا يَكذِبُه، ولا يخذُله، كل المسلم على المسلم حرام، عِرضُه ومالُه ودمُه] (٤). وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ﴾. أي: والذين لا يكتمون الشهادة التي استشهدوا عليها، بل يؤدونها صحيحة غير مبدلة ولا معدّلة.

стр. 5010

قال القرطبي: (﴿قَائِمُونَ﴾ على من كانت عليه من قريب أو بعيد، يقومون بها عند الحاكم ولا يكتمونها ولا يغيرونها). وفي التنزيل: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾. قال قتادة: (على وضوئها وركوعها وسجودها). وقيل: على مواقيتها وأركانها وواجباتها ومستحباتها. وقيل: الدوام عليها الاستكثار منها، والمحافظة عليها أن لا تضيع عن مواقيتها. قلت: الدوام يشمل المحافظة على أدائها وعدم الانشغال عنها. وأما المحافظة عليها فيضم مراعاة إسباغ الوضوء لها وإقامتها في مواقيتها بأركانها وواجباتها ومستحباتها وآدابها. وقد افتتح الكلام بذكر الدوام على الصلاة واختتمه بذكر المحافظة عليها، ليدل على مكانتها في الإسلام وشرفها وعلو قدر صاحبها. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾. أي: هؤلاء الموصوفون بهذه الصفات والنعوت الرفيعة هم أهل الكرامة وحسن التكريم في الآخرة، ينعمون بأنواع الملاذ، وصنوف المسارّ، وألوان الكرامات. وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [يُنادي مُنَادٍ: إنَّ لكم أن تَصِحُّوا فلا تَسْقموا أَبَدًا، وإنَّ لكم أن تَحْيَوا فلا تموتوا أبدًا، وإنَّ لكم أن تَشِبُّوا فلا تَهْرَمُوا أبدًا، وإنَّ لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدًا] (١). ٣٦ - ٤٤. قوله تعالى: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (٣٧) أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩) فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٤٢) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (٤٤)﴾. في هذه الآيات: استنكارٌ على المشركين نفورهم من الحق وقد رأوا أمامهم تأييد اللَّه نبيّه بالنصر والمعجزات، وتوبيخٌ لهم في طمعهم بالجنان وهم باقون على الشرك
следующие страницы →