العمرة، ولم تَحِلَّ أنت من عمرتك؟ فقال: إني لبّدت رأسي وقلّدت هَدْيي، فلا أَحِلُّ حتى أنحر] (١).
وقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾.
أخرج البخاري عن كَعْب بن عُجْرَة قال: [وقف على رسول الله ﷺ بالحديبية ورأسي يتهافَتُ قمْلًا. فقال: يؤذيك هَوَامُّك؟ قلت: نعم، قال: فاحلق رأسك. أو قال: احْلقْ. قال: فِيَّ نزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ إلى آخرها. فقال النبي ﷺ : صُمْ ثلاثة أيام، أو تصدق بِفَرَقٍ بينَ سِتَّةٍ، أو نُسُكٍ مما تيسَّر] (٢).
وفي لفظ: [احلق رأسَك وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسُكْ بشاة].
وفي لفظ آخر من طريق عبد الله بن مَعْقِل قال: [جلست إلى كعب بن عجرة ﵁ فسألته عن الفدية، فقال: نزلت فيَّ خاصّة وهي لكم عامة، حُمِلتُ إلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثَرُ على وجهي فقال: ما كنْتُ أُرَى الوجَعَ بلغ بك ما أَرَى، أوْ: ما كنْتُ أُرى الجَهْدَ بلغ بك ما أرى، تجدُ شاةً؟ فقلت: لا، قال: فصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصفَ صاع].
والأئمة الأربعة على التخيير، إن شاء صام وإن شاء تصدّق بفَرْق (٣)، وإن شاء ذبح شاة وتصدق بها على الفقراء، أيّ ذلك فعل أجزأه.
قال الحافظ ابن كثير: (ولما كان لفظ القرآن في بيان الرخصة جاء بالأسهل فالأسهل: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. ولما أمر النبي ﷺ كعب بن عجرة بذلك، أرشده إلى الأفضل فالأفضل، فقال: انسك شاة، أو أطعم ستة مساكين، أو صم ثلاثة أيام، فكل حسب مقامه).
وقوله: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.
قال الربيع: (إذا أمن من خوفه، وبرأ من مرضه). وقال علقمة: (فإذا برأتم).
стр. 527
والمعنى: فإن تمكنتم من أداء المناسك، وقمتم بحج التمتع الذي هو الحج الأكمل الذي استقر عليه الإسلام، وفرغتم، فليذبح المتمتع ما قدر عليه من الهدي وأقله شاة، وله أن يذبح البقر، لأن رسول الله ﷺ ذبح عن نسائه بقرة وكن متمتعات.
أخرج أبو داود بسند صحيح عن عائشة زوج النبي ﷺ : [أن رسول الله ﷺ ، نحر عن آل محمد في حجة الوداع، بقرة واحدة] (١).
وله شاهد عنده عن أبي هريرة: [أن رسول الله ﷺ ، ذبح عمن اعتمر من نسائه، بقرة بينهن].
قلت: وقد استفاضت الأدلة على استقرار الإسلام على حج التمتع، وهو الحج الأفضل والأكمل، وقد أمر به النبي ﷺ أصحابه ونساءه، ومنعه منه سوق الهدي.
ففي صحيح مسلم وسنن أبي داود من حديث جابر - في حجة النبي ﷺ : [أنه قال: "إني لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسُق الهدي، ولجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فَلْيَحْلل وليجعلها عمرة". فحل الناس كلهم وقصروا، إلا النبي ﷺ ، ومن كان معه هدي.
فقام سُراقة بن جَعْشَمٍ فقال: يا رسول الله ألعامنا هذا أم للأبد، فشبك رسول الله ﷺ أصابعه في الأخرى ثم قال:
"دخلت العمرة في الحج " هكذا مرتين "لا، بَلْ لأَبَدِ أَبَدٍ، لا بَلْ لأبَدِ أَبَدٍ"] (٢).
ورواه أحمد من حديث ساقة بلفظ: [دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة] (٣).
وقوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾.
المعنى: من لم يجد هديًا لزمه الصيام: ثلاثة أيام في الحج -غير يوم عرفة والنحر- وسبعة أيام أخرى تتمة العشرة إذا رجع إلى أهله وبلده.
والدليل على جواز الصيام للحاج -الذي لم يجد الهدي- أيام التشريق، هو
стр. 528
ما أخرج البخاري عن عائشة وابن عمر قالا: [لم يُرَخَّص في أيام التشريق أن يُصَمن إلا لمن لم يجد الهدي] (١).
وعن مجاهد: (﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ قال: هي رخصة، إن شاء صامها في الطريق).
قلت: والأولى أن يصومها بعد الوصول إلى بلده لقوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾. قال عطاء: (إذا رجعت إلى أهلك. قال: يصوم السبعة إذا رجع إلى أهله أحبُّ إلي).
وقوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، يعني: التمتع ليس لأهل مكة. قال الربيع: (يعني المتعة، أنها لأهل الآفاق، ولا تصلح لأهل مكة).
ومذهب الشافعي: أنهم أهل الحرم، ومن كان منه على مسافة لا يقصر فيها الصلاة، فهو بذلك يعد حاضرًا لا مسافرًا، واختاره ابن جرير شيخ المفسرين.
وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾.
يعني: بالحرص على طاعته كما أمر، وبامتثال فرائضه بحدودها وأركانها دون تجاوز أو تقصير.
وقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
تهديد ووعيد لمن حاول انتهاك محارمه سبحانه، وغامر في ركوب معاصيه.
١٩٧. قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَال فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾.
في هذه الآية: النهي عن اللغو والجدال والرفث والفسوق في الحج، والأمر بالتزوّد بخير الزاد وهو التقوى.
وأشهر الحج ثلاثة: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة. قاله ابن عباس وابن عمر.
قال ابن عباس: (﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾، وهن شوال، وذو القعدة، وعشر من
стр. 529
ذي الحجة، جعلهن الله سبحانه للحج، وسائر الشهور للعمرة، فلا يصلح أن يُحرم أحدٌ بالحج إلا في أشهر الحج، والعمرةُ يُحرم بها في كل شهر) ذكره ابن جرير.
قال البخاري: (قال ابن عمر: هي شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة).
يروي الشافعي بسنده عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: (لا ينبغي لأحد أن يُحْرِمَ بالحج إلا في شهور الحج، من أجل قول الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾).
ثم ذهب الشافعي ﵀ إلى عدم صحة الإحرام بالحج إلا في أشهر الحج، فلو أحرم به قبلها لم ينعقد إحرامه به.
وقوله: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾.
قال ابن جرير: (أجمعوا على أن المراد من الفَرْض ههنا الإيجاب والإلزام). وقال ابن عباس: (الفرض: الإحرام). وقال طاووس: (هو التلبية). وقال ابن عباس: (من أحرم بحج أو عمرة).
والمقصود أن من أوجب على نفسه الحج وألزمها إياه في أشهر الحج المعلومات ﴿فَلَا رَفَثَ﴾: أي فليجتنب الرفث، وهو الجماع، كما قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾، وكذلك فليجتنب دواعيه من التقبيل والمباشرة أو التكلم به في حضرة النساء. وقد دارت أقوال المفسرين حول هذا المعنى، وتفصيل ذلك:
١ - قال ابن عباس: (هو التعريض بذكر الجماع، وهي "العِرابة" من كلام العرب، وهو أدنى الرفث). وقال: (الرفث غشيان النساء والقُبَل والغمز، وأن يعرض لها بالفحش من الكلام).
٢ - قال نافع عن ابن عمر: (الرفث إتيان النساء، والتكلم بذلك للرجال والنساء، إذا ذكروا ذلك بأفواههم).
٣ - قال عطاء: (الرفث ما دون الجماع). وقال: (الرفث الجماع وما دونه من قول الفحش).
وقوله: ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾.
يعني: المعاصي بجميع أشكالها.
قال ابن عباس: (الفسوق المعاصي). وقال مجاهد: (الفسوق المعاصي كلها).
وقال ابن عمر: (الفسوق السباب). وقال ابن زيد: (الفسوق: الذبح للأنصاب). فقد
стр. 530
قال الله تعالى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾. وقال الضحاك: (الفسوق التنابز بالألقاب). والراجح أن كل أنواع المعاصي مما ذكر ومما لم يذكر داخل في مفهوم الفسوق.
وقوله: ﴿وَلَا جِدَال فِي الْحَجِّ﴾.
فيه قولان عند المفسرين:
١ - المجادلة في وقت الحج ومناسكه بعدما بينه الله. قال مجاهد: (قد بيّن الله أسْهر الحج، فليس فيه جدال بين الناس). وقال عطاء: (المراء في الحج). وقال مالك: (قال الله تعالى: ﴿وَلَا جِدَال فِي الْحَجِّ﴾ فالجدال في الحج -والله أعلم- أن قريشًا كانت تقف عند المشعر الحرام بالمؤدلفة، وكانت العرب وغيرهم يقفون بعرفة، وكانوا يتجادلون، يقول هؤلاء: نحن أصوب. ويقول هؤلاء: نحن أصوب).
٢ - الجدال: المخاصمة. قال ابن مسعود: (أن تماري صاحبك حتى تغضبه). وقال ابن عباس: (الجدال: المراءُ والملاحاة، حتى تغضب أخاك وصاحبك، فنهى الله عن ذلك). وقال ابن عمر: (الجدال: السباب والمنازعة). وقال عكرمة: (الجدال: الغضب، أن تغضب عليك مسلمًا، إلا أن تستعتب مملوكًا فتعظه من غير أن تغضبه، ولا إثم عليك إن شاء الله تعالى في ذلك).
قلت: فكل ما كان فيه جدال وأخذ وردّ يفسد صفاء الحج، أو خصومات وسباب وغضب ومنازعات توصل إلى الظلم واقتراف الآثام، داخل ذلك في الجدال الذي نهى الله عنه في الحج.
وقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾.
فيه حث على التماس بديل ما سبق، وهو فعل الخيرات والصالحات التي توصل إلى عالي الدرجات ورفيع المقامات.
وقوله: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾.
أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄ قال: [كان أهل اليمن يحجّون ولا يتزودون ويقولون: نحن المتوكلون، فأنزل الله: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (١).
стр. 531
فنزلت في قوم كانوا يحجون بغير زاد، وكان بعضهم إذا أحرم رمى بما معه من الزاد واستأنف غيره من الأزودة، فأمر الله جلّ ثناؤه من لم يكن يتزود منهم بالتزود لسفره، ومن كان منهم ذا زاد أن يتحفظ بزاده فلا يرمي به.
فعن مجاهد: (﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾، قال: كانوا لا يتزودون، فأمروا بالزاد، وخيرُ الزاد التقوى).
وعن الحسن: (إن ناسًا من أهل اليمن كانوا يحجون ويسافرون ولا يتزودون، فأمرهم الله بالنفقة والزاد في سبيل الله، ثم أنبأهم أن خير الزاد التقوى).
وقوله: ﴿وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾.
يعني: يا أهل العقول والأفهام، فإن طاعة الله سبحانه هي سر سعادة الأنام، وبدونها يتردى المرء إلى دون مرتبة الأنعام.
١٩٨. قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨)﴾.
في هذه الآية: تشريع ذكر الله عند المشعر الحرام -وهو جبل بالمزدلفة- بعد الإفاضة من عرفات والمبيت بمزدلفة.
أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس، قال: [كانت عكاظُ ومَجَنَّةُ وذو المجاز أسواقًا في الجاهلية، فلما كان الإسلام تأثموا من التجارة، فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ في مواسم الحج].
وفي رواية: [فلما جاء الإسلام كأنهم كرهوا ذلك حتى نزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ في مواسم الحج] (١).
وعن مجاهد، عن ابن عباس، قال: (كانوا يتَّقون البيوع والتجارة في الموسم والحج، يقولون: أيامُ ذِكْر، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾) رواه أبو داود وغيره.
стр. 532
ويروي ابن جرير بسنده عن ابن عباس قال -في هذه الآية-: (لا حرج عليكم في الشراء والبيع قبل الإحرام وبعده).
وقال مجاهد فيها: (التجارة في الدنيا، والأجر في الآخرة). قال: (التجارةُ، أحِلت لهم في المواسم. قال: فكانوا لا يبيعون أو يبتاعون في الجاهلية بعرفة).
وقوله: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾.
يعني: إذا أفضتم فرجعتم من حيث بدأتم. وصرف "عرفات" وإن كان علمًا على مؤنث لأنه في الأصل جَمْع كمسلمات ومؤمنات، سمي به بقعة معينة فَرُوعي فيه الأصل فصرف. ذكره ابن كثير واختاره ابن جرير.
وعن ابن عباس قال: (إنما سميت عرفات، لأن جبريل ﵇ كان يقول لإبراهيم: هذا موضع كذا، هذا موضع كذا. فيقول: قد عرفت، فلذلك سميت عرفات).
وعن عطاء قال: (إنما سميت عرفة، أن جبريل كان يُري إبراهيم ﵉ المناسك، فيقول: عرفت، عرفت. فسمي عرفات). والله تعالى أعلم.
والوقوف بعرفة أهم أركان الحج، فمن لم يقف بعرفة فلا حجّ له. وهو قول الشافعي وأحمد رحمهما الله. ووقت الوقوف من الزوال يوم عرفة إلى طلوع الفجر الثاني من يوم النحر.
أخرج الإمام أحمد وأبو داود بسند صحيح عن عبد الرحمن بن يَعْمُر الديلي قال: [أتيت النبي ﷺ وهو بعرفة، فجاء ناس، أو نفر، من أهل نجد، فأمروا رجلًا، فنادى رسول الله ﷺ : كيف الحج؟ فأمر رسول الله ﷺ رجلًا فنادى: الحج، الحج يوم عرفة، (وفي رواية: الحج عرفة)، من جاء قبل صلاة الصبح (وفي رواية: قبل طلوع الفجر) من ليلة جَمْعٍ (١) فقد أدرك الحج، أيام منى ثلاثة، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه] (٢).
وفي رواية أخرى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [الحج عرفات -ثلاثًا-
стр. 533
فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك ... ].
وهذا مذهب مالك، وأبي حنيفة، والشافعي ﵏، وذهب الإمام أحمد إلى أن وقت الوقوف من أول يوم عرفة. ولا شك أن النبي ﷺ وقف في حجة الوداع بعد أن صلى الظهر إلى أن غربت الشمس، وقال: [لتأخذوا عني مناسككم].
أخرج الإمام أحمد وأصحاب السنن والدارمي بسند صحيح من حديث عُرْوة بن مُضَرّس الطائي قال: [يا رسول الله! إني جئت من جَبَلي طيِّئٍ، أكْلَلْتُ راحِلتي، وأتعبتُ نفسي، والله ما تركْتُ من جَبَل إلا وقَفْتُ عليه، فهل لي من حَجٍّ؟ قال رسول الله ﷺ : من شَهِدَ صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا، فقد أتمَّ حَجَّهُ، وقضى تفثَه] (١).
وأخرج ابن أبي حاتم بسند حسن عن عكرمة، عن ابن عباس قال: [كان أهل الجاهلية يقفون بعرفة حتى إذا كانت الشمس على رؤوسِ الجبال كأنها العمائم على رؤوس الرجال، دفعوا، فأخّر رسول الله ﷺ الدفعة من عَرَفةَ حتى غربت الشمس] (٢).
وأخرج الطبراني في الكبير، والحاكم في المستدرك، ورجاله رجال الصحيح، عن المسور بن مَخْرَمة قال: [خطبنا رسول الله ﷺ وهو بعرفات، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد -وكان إذا خطب خطبة قال: أما بعد- فإن هذا اليوم الحجّ الأكبر، ألا وإن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون في هذا اليوم قبل أن تغيب الشمس، إذا كانت الشمس في رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوهها، وإنا ندفع بعد أن تغيب الشمس، وكانوا يدفعون من المشعر الحرام بعد أن تطلع الشمس، إذا كانت الشمس في رؤوس الجبال، كأنها عمائم الرجال في وجوهها، وإنا ندفع قبل أن تطلع الشمس مخالفًا هَدْيُنَا هَدْي أهل الشرك] (٣).
وقوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾.
المشعر: هو ما بين جبلي المزدلفة. قال ابن عمر: (المشعر الحرام المزدلفة كلها).
стр. 534
وقال: (هو الجبل وما حوله). وقال قتادة: (هو ما بين الجبلين).
والمشاعر هي المعالم، والمشعر: من معالم الحج، لأن الصلاة عنده والمقام والمبيت والدعاء.
روى مسلم من حديث جابر -في حجة النبي ﷺ قال: [فلم يزل واقفًا -يعني بعرفة- حتى غربت الشمس، وذهبت الصُّفرة قليلًا حتى غاب القُرصُ، وأردف أسامة خَلفَه، ودفع رسول الله ﷺ وقد شنق للقصواء الزمام، حتى إن رأسها ليصيب مَوْرِك رحله، ويقول بيده اليمنى: أيها الناس، السكينة السكينة. كلما أتى حَبْلًا (١) من الحبال أرخى لها قليلًا حتى تصعدَ، حتى أتى المزدلفة، فصلّى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يُسَبِّح بينهما شيئًا، ثم اضطجع حتى طلع الفجر، فصلى الفجر حين تبيّن له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعا الله وكبّره وهلّله ووحّده، فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًّا، فدفع قبل أن تطلع الشمس] (٢).
وذهب بعض أهل العلم إلى أن الوقوف والمبيت بالمزدلفة ركن من أركان الحج، وهو قول قوي تؤيده النصوص الكثيرة، وقد بسطت القول في ذلك في كتابي السيرة النبوية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة، فلله الحمد والمنّة.
أخرجه الإمام أحمد بسند صحيح عن جبير بن مطعم، عن النبي ﷺ قال: [كُلّ عرفات موقفٌ، وارفعوا عن عُرَنَةَ، وكل مزدلفة موقفٌ، وارفعوا عن بطن مُحَسِّرٍ، وكلُّ فِجَاج مِنىً منحرٌ، وكل أيام التشريق ذبْحٌ] (٣).
وله شاهد عند أبي داود والحاكم بسند صحيح من حديث جابر، قال رسول الله ﷺ : [كلُّ عرفةَ موقفٌ، وكل منىً منحَرٌ، وكلُّ المزدلفةِ موقِفٌ، وكلُّ فِجاج مكةَ طريق ومنحر] (٤).
стр. 535
وقوله: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾.
قال ابن كثير: (تنبيهٌ لهم على ما أنْعَمَ الله به عليهم، من الهداية والبيان والإرشاد إلى مشاعر الحج، على ما كان عليه إبراهيم الخليل ﵇، ولهذا قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ قيل: من قبل هذا الهدى، وقيل: القرآن، وقيل: الرسول، والكل متقارب ومتلازم وصحيح).
قلت: إن الوقوف بعرفة هو سنة أبينا إبراهيم ﵊ ورثته منه هذه الأمة، ثم إن الله سبحانه قد تفضل على الحجاج في عرفة ومزدلفة بالمغفرة، رحمة منه وكرمًا، وهذا من أفضل الهداية التي تستحق شكره سبحانه.
ففي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن ابن مِرْبع الأنصاري قال: إن رسول الله ﷺ قال: [قِفُوا على مشاعركم هذه، فإنكم على إرْثٍ من إرْثِ أبيكم إبراهيم] (١).
وفي سنن ابن ماجة بسند صحيح عن بلال، أن النبي ﷺ قال له غداة جمع: [يا بلال أسكت الناس أو أنْصِت الناس. ثم قال: إن الله تَطَوَّلَ عليكم في جمعكم هذا، فوهب مسيئكم لمحسِنِكم، وأعطى محسنكم ما سأل، ادفعوا باسم الله] (٢).
١٩٩. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾.
في هذه الآية: الخطاب لقريش لحملها على الوقوف بعرفة مع الناس والإفاضة منها، إذ كانوا في الجاهلية يقفون في طرف الحرم عند أدنى الحِلّ، ويقولون: نحن أهل الله في بلدته وقطّان بيته.
روى مسلم في صحيحه عن عائشة ﵂: [أن هذه الآية نزلت في الحمس:
стр. 536
" ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾. قالت: كانوا يفيضون من جمع فدفعوا إلى عرفات] (١).
ورواه البخاري عنها بلفظ: [كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يُسَمَّون الحُمْسَ، وكان سائر العرب يقفون بعرفات، فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه ﷺ أن يأتي عرفات، ثم يقف بها، ثم يُفيض منها، فذلك قوله: ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾].
والحمس: من التحميس، وهو التشديد، والمراد تلك القبائل المتنطعة في دينها.
وقيل المراد بالإفاضة هنا الإفاضة من المزدلفة إلى منى لرمي الجمار، والمراد بالناس كما قال الضحاك: (إبراهيم ﵇. وقيل: الإمام. وقال عطاء: (من حيث تُفيض جماعة الناس).
قلت: والراجح أن ﴿ثُمَّ﴾ ليست في هذه الآية للترتيب وإنما هي لعطف جملة كلام هي منها منقطعة -كما ذكر القرطبي-، ومن ثم فإن الخطاب لقريش كما ثبت في الصحيح أنهم كانوا يقفون بجمع ويفيضون منه ويقف الناس بعرفة، فقيل لهم: أفيضوا مع جملة الناس واتركوا هذا التكبر والتنطع.
وقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾.
قال ابن جرير: (يعني بذلك جل ثناؤه: فإذا أفضتم من عرفاتٍ منصرفين إلى منى، فاذكروا الله عند المشعر الحرام، وادعوه واعبدوه عنده، كما ذكركم بهدايته فوفقكم لما ارتضى لخليله إبراهيم، فهداه له من شريعة دينه، بعد أن كنتم ضلالًا عنه).
٢٠٠ - ٢٠٢. قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا
стр. 537
حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٢٠٢)﴾.
في هذه الآيات: أمْرُ الله سبحانه عباده إذا فرغوا من مناسك الحج وأدوا ما عليهم أن يذكروه بأحسن الذكر وجوامعه، ويكثروا من ذكرهِ جل ثناؤه.
وعن مجاهد: (﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ قال: المناسك الذبائح وهِراقة الدماء).
وقوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾.
فيه أقوال:
١ - قال قتادة: (كان أهل الجاهلية إذا قضوا مناسكهم بمنى، قعدوا حِلَقًا فذكروا صنيعَ آبائهم في الجاهلية وفعالهم، به يخطب خطيبهم ويُحدِّث محدثهم، فأمر الله المسلمين أن يذكروا الله كذكر أهل الجاهلية آباءهم أو أشد ذكرًا).
٢ - قال مجاهد: (تفاخرت العرب بينها بفعل آبائها يوم النحر حين فرغوا، فأمروا بذكر الله مكان ذلك).
٣ - قال عطاء: (﴿كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾: هو قول الصبيّ: يا أباه).
وقال في تفسيرها: (كالصبي يلهج بأبيه وأمه). وقال الربيع: (كذكر الأبناء الآباء أو أشد ذكرًا).
٤ - قال السدي: (كانت العرب إذا قضت مناسكها، وأقاموا بمنى، يقوم الرجل فيسأل الله ويقول: اللهم إن أبي كان عظيم الجفنة، عظيم القبة، كثير المال، فأعطني مثل ما أعطيت أبي! ! ، ليس يذكر الله، إنما يذكر آباءه، ويسأل أن يُعطى في الدنيا).
ورجّح ابن جرير أن الذكر المقصود هو التكبير المذكور بقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ الذي أوجبه بعد قضاء النسك.
قلت: والمقصود الحث على كثرة ذكر الله بعد أداء المناسك أكثر من التزامهم ذكر آبائهم في الجاهلية. وذمّ من يكون همه في سؤاله أمر دنياه دون أمر أخراه، ولذلك قال تعالى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. يعني: من نصيب وحظ.
стр. 538
قال أبو وائل: (كانوا في الجاهلية يقولون: هب لنا غنمًا! هب لنا إبلًا).
وقال السدي: (كانت العرب إذا قضت مناسكها وأقامت بمنى، لا يذكر الله الرجل منهم، إنما يذكر أباه، ويسأل أن يعطى في الدنيا).
وقال مجاهد: (﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا﴾ نصرًا ورزقًا، ولا يسألون لآخرتهم شيئًا).
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
فيه أقوال متقاربة:
١ - قال قتادة: (في الدنيا عافية، وفي الآخرة عافية).
٢ - وقال الحسن: (الحسنة في الدنيا العلم والعبادة، وفي الآخرة الجنة). وقال: (الحسنة في الدنيا الفهم في كتاب الله والعلم).
٣ - قال سفيان الثوري: (الحسنة في الدنيا العلم والرزق الطيب، وفي الآخرة حسنة الجنة).
٤ - وقال السدي: (أما حسنة الدنيا فالمال، وأما حسنة الآخرة فالجنة).
قلت: ولا شك أن الحسنة في الدنيا تشمل كل أنواع الخير فيها، من العلم والعبادة والعافية وسعة الرزق والدار وهناءة العيش مع الزوجة والولد والأهل والأحباب والجيران، كما تشمل حسنة الآخرة الخلود في ألوان نعيم الجنة وملذاتها.
وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى، في أحاديث:
الحديث الأول: يروي البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك قال: [كان النبي ﷺ يقول: اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار] (١).
الحديث الثاني: روى مسلم عن قتادة أنه سأل أنسًا: أي دعوة كان أكثر ما يدعو بها النبي ﷺ ؟ قال: يقول: [﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ
стр. 539
النَّارِ﴾ وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها] (١).
وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد السلام بن شداد قال: (كنت عند أنس بن مالك، فقال له ثابت: إن إخوانك يحبّون أن تدعو لهم، فقال: اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. وتحدثوا ساعة، حتى إذا أرادوا القيام قال: يا أبا حمزة (٢)، إن إخوانك يريدون القيام، فادعُ الله لهم، فقال: أتريدون أن أُشقِّقَ لكم الأمور إذا آتاكم الله في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، ووقاكم عذاب النار، فقد آتاكم الخير كلّه).
الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد عن أنس: [أن رسول الله ﷺ عادَ رجلًا من المسلمين قد صار مثل الفَرْخ، فقال له رسول الله ﷺ : هل تدعو الله بشيء أو تسأله إياه؟ قال: نعم، كنت أقول اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجّله لي في الدنيا، فقال رسول الله ﷺ : سبحان الله! لا تطيقُه -أو لا تستطيعه- فهلا قلت: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ قال: فدعا، فشفاه الله] (٣).
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.
المقصود أولئك الذين يقولون ما سبق ذكره بعد قضاء مناسكهم رغبة فيما عند الله، لهم نصيب وحظ من حجهم ومناسكهم، وثواب جزيل على أعمالهم، والله يحصي للفريقين ويجازي كلًا منهم بأسرع الحساب.
٢٠٣. قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣)﴾.
في هذه الآية: يوجه تعالى عباده إلى ذكره بالتوحيد والتعظيم في أيام مُحصيات، وهي أيام التشريق: أيام رمي الجمار. فَيَأمر عباده بالتكبير في تلك الأيام وعند الرمي مع كل حصاة.
стр. 540
قال ابن عباس: (الأيام المعدودات أيام التشريق، والأيام المعلومات أيام العَشْر).
وقال: (يعني بالأيام المعدودات، أيامَ التشريق، وهي ثلاثة أيام بعد النحر).
أخرج أبو داود والترمذي بسند صحيح عند عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله ﷺ : [يومُ عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق، هُنَّ عيدُنا أهل الإسلام، وهنَّ أيام أكلٍ وشرب] (١).
وفي صحيح مسلم ومسند أحمد عن نُبَيْشَةَ الهذلي قال: قال رسول الله ﷺ : [أيام التشريق أيام أكلٍ وشرب وذكر الله] (٢).
وفي المسند من حديث عبد الرحمن بن يَعْمَر الديلي: [وأيام منى ثلاثة، فمن تَعجّل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه]، وقد مضى بتمامه.
وعن عطاء، في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾، قال: (لا إثم عليه في تعجيله، ولا إثم عليه في تأخيره).
وقال قتادة: (رخّص الله في أن ينفروا في يومين منها إن شاؤوا، ومن تأخر في اليوم الثالث فلا إثم عليه).
وقوله: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾.
قيل: اللام متعلقة بالغفران، والتقدير: المغفرة لمن اتقى.
قال قتادة: (ذكر لنا أن ابن مسعود قال: إنما جعلت المغفرة لمن اتقى بعد انصرافه من الحج عن جميع المعاصي). وقال الأخفش: (التقدير: ذلك لمن اتقى).
وقال بعضهم: لمن اتقى يعني قتل الصيد في الإحرام وفي الحَرَم. وقيل: التقدير الإباحة لمن اتقى، وقيل: السلامة لمن اتقى. وقيل: هي متعلقة بالذكر في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا﴾ أي الذكر لمن اتقى. ذكر ذلك القرطبي.
وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾.
تأكيد على التقوى، ففيها النجاة يوم الحشر من أهوال القيامة ونار جهنم.
стр. 541
٢٠٤ - ٢٠٧. قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (٢٠٦) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾.
في هذه الآيات: ينعت الله للمؤمنين بعض المنافقين، فهو يعجبك في ظاهر قوله وعلانيته، ويستشهد الله على ما في قلبه، وهو ألدُّ الخصام، جدِلٌ بالباطل. وإذا خرج من عندك مضى إلى انفساد والإفساد في الأرض، فإنْ ذُكِّرَ بالله تعزَّزَ بباطله وفساده وغروره والنار موعده. ويقابل هذا الشقي مؤمن يبذل الدنيا ومالها ومتاعها من أجل علو المقام عند الله وربح الآخرة.
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾.
في سبب النزول روايات مختلفة:
١ - قال السدي: (نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي -وهو حليف لبني زهرة- وأقبل إلى النبي ﷺ بالمدينة فأظهر له الإسلام، فأعجبَ النبي ﷺ ذلك منه، وقال: إنما جئت أريد الإسلام، والله يعلم أني صادق! ، وذلك قوله: ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾، ثم خرج من عند النبي ﷺ فمرَّ بزرع لقوم من المسلمين وحُمُر، فأحرق الزرع وعقر الجُمُرَ، فأنزل الله : ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾. وأما ﴿أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ فأعوجُ الخصام، وفيه نزلت: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾، ونزلت فيه: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ إلى ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾).
٢ - وقيل: بل نزل ذلك في قوم منافقين، تكلموا في السرية التي أصيبت لرسول الله ﷺ في الرجيع، فعابوا على خبيب وأصحابه، فأنزل الله بذلك، وبمدح خبيب وأصحابه. ذكره ابن عباس.
٣ - وقيل: بل المعنيّ بذلك جميع المنافقين ممن يظهرون علانية مخالفة للسريرة. وفي المؤمنين كلهم. ورجّحه ابن كثير.
стр. 542
قلت: والظاهر أن الآية عامة في نعت طائفة من المنافقين تتكرر صورتهم عبر الزمان، ويتلونون حسب مصالحهم.
قال عطاء: (﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾، قال: يقول قولًا في قلبه غيره، والله يعلم ذلك).
وقال السدي: (﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾، يقول: الله يعلم أني صادق أني أريد الإسلام). وقال مجاهد: (ويشهد الله في الخصومة أنما يريد الحق).
قلت: والقراءة بالضم ﴿وَيُشْهِدُ﴾ هي الأشهر والأرجح، لإجماع الحجة من القرأة عليها.
وقوله: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾.
أي: شديد الخصومة. وفيه أقوال متقاربة:
١ - قال ابن عباس: (﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾، أي: ذو جدال، إذا كلمك وراجعك).
٢ - قال قتادة: (شديد القسوة في معصية الله، جَدِلٌ بالباطل، وإذا شئت رأيتَه عالم اللسان جاهلَ العمل، يتكلم بالحكمة، ويعمل بالخطيئة).
٣ - وقال مجاهد: (ظالم لا يستقيم). وقال السدي: (أعوج الخصام). أي لا يستقيم على خصومة.
٤ - وقال الحسن: (الكاذب القول).
والألد في لغة العرب: الأعوج. ولدّه: خصمه. ورجل ألَدُّ بيّن اللَّدد أي شديد الخصومة. وكل ما سبق من صفات الألد المنافق.
يروي البخاري عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: [إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم] (١).
وقوله: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى﴾.
قال ابن عباس: (﴿وَإِذَا تَوَلَّى﴾: يعني: وإذا خرج من عندك). وقال ابن جريج: (إذا غضب).
стр. 543
وقوله: ﴿سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾.
قال ابن جريج: (قطع الرحم، وسفك الدماء دماء المسلمين. فإذا قيل: لم تفعل كذا وكذا! قال: أتقرب به إلى الله .
قلت: ولا شك أن الآية عامة تشمل كل أنواع الإفساد الذي يكون من المنافق فاسد السريرة.
وقوله: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾.
الحرث: الزرع. والنسل: العقب والولد.
قال ابن عباس: (الحرث حرثكم، والنسل نسل كل دابة). وقال: (نسل كل دابة والناس أيضًا). وقال مجاهد: (نبات الأرض، والنسل من كل دابة تمشي من الحيوان، من الناس والدواب). وقال مجاهد أيضًا: (إذا سعى في الأرض إفسادًا، منع الله القَطْرَ، فهلك الحرث والنسل).
وقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾.
قال ابن جرير: (والله لا يحب المعاصي، وقطع السبيل، وإخافة الطريق).
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾.
يعني: إذا ذُكِّر بالله وهو يشتد في فساده وإفساده، ليمتنع عن المتابعة ويكفّ، أخذته الحمية والغضب بالإثم. فإن جهنم تكفيه عقوبة الكبر والعناد والإفساد.
وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾.
مدح للمؤمنين الذين يبذلون الدنيا ومالها ومتاعها من أجل علو المقام عند الله وربح الآخرة.
أخرج الحاكم في المستدرك، بسند صحيح على شرط مسلم، عن عكرمة قال: [لما خرج صهيب مهاجرًا تبعه أهل مكة، فنثل كنانته فأخرج منها أربعين سهمًا، فقالي: لا تصلون إليَّ حتى أضع في كل رجل منكم سهمًا، ثم أصير بعده إلى السيف فتعلمون أني رجل، وقد خلفت بمكة قينتين فهما لكم، ونزلت على النبي ﷺ : ﴿وَمِنَ النَّاسِ
стр. 544
مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ الآية، فلما رآه النبي ﷺ قال: أبا يحيى ربح البيع، قال: وتلا الآية] (١).
قلت: والآية باقية في حق كل مجاهد في سبيل إعلاء دين الله في الأرض، يبذل ماله ودنياه من أجل ذلك، ويرخص أمامه كل ثمين لرؤية أمر الله يعلو في أرجَاء هذه الدنيا.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾.
يعني: والله ذو رحمة وحسن استقبال لمن كان همّه الآخرة والجهاد في سبيل الله وتحكيم شرعه في الأرض.
٢٠٨ - ٢٠٩. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩)﴾.
في هذه الآيات: يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بالتزام شرائع الإسلام جملة، واجتناب خطوات الشيطان وَسُبُله كلها، فإنه عدو بيِّنُ العداوة للمؤمنين. ثم يحذر سبحانه من العدول عن الحق بعد بيان حججه وبراهينه، بأنه عزيز في نقمته، حكيم في أمره وقدره.
فعن ابن عباس: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾ قال: يعني الإسلام). وقال الربيع: (يعني الطاعة).
وقال قتادة: (الموادعة). وقال مجاهد: (﴿كَافَّةً﴾: أي اعملوا بجميع الأعمال ووجوه البرِّ).
وقوله: ﴿لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾.
يعني: طرائقه وسبله وآثاره.
وقوله: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾.
قال مطرِّف: (أغشُّ عباد الله لعبيد الله الشيطان).
стр. 545
وقوله: ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾.
يعني: جنحتم عن الطريق، وخرجتم عنه، وعدلتم عن الحق من بعد ما قامت عليكم الحجج والآيات. قال ابن عباس: (الزلل: الشرك). وقال السدي: (فإن ضللتم). وقال ابن جريج: (البينات: الإسلام والقرآن). وقال السدي: (محمد ﷺ ).
وقوله: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
أي: عزيز في انتقامه ممن عانده، وحكيم في أحكامه وشرائعه. قال الربيع: (عزيزٌ في نققه، حكيم في أمره).
وقال محمد بن إسحاق: (العزيز في نصره ممن كفر به إذا شاء، الحكيم في عذره وحجته إلى عباده).
٢١٠. قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠)﴾.
في هذه الآية: تهديد من الله سبحانه وتوعد بالكافرين بنبيّه محمد ﷺ وما جاء به. وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾، يعني: يوم القيامة، يوم يجيء الله سبحانه لفصل القضاء ومجازاة الأعمال.
وفي المنزيل: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر: ٢١ - ٢٣].
قال أبو العالية: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾، يقول: والملائكة يجيئون في ظلَل من الغمام، والله تعالى يجيء فيما شاء).
وفي التنزيل: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨]. وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٥].
وقوله: ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾.
في فصل القضاء وأخذ كل ذي حق حقه.
стр. 546
ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: [لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء] (١).
وله شاهد عند الإمام أحمد عنه مرفوعًا بلفظ: [يقتص الخلق بعضهم من بعض حتى الجماء من القرناء، وحتى الذرة من الذرة] (٢).
٢١١ - ٢١٢. قوله تعالى: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢١١) زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢١٢)﴾.
في هذه الآيات: يخبر سبحانه عن بني إسرائيل كم توالت عليهم الآيات والحجج القاطعات مع موسى ﵇ مما يؤكد صدق نبوته: من العصا وفلق البحر وضربه الحجر، وتظليل الغمام عليهم شدة الحر، وإنزال المن والسلوى، وغيرها من الآيات والخوارق التي تجاوزوها وأعرضوا وبدلوا نعمة الله كفرًا، فقتلوا الأنبياء وبدلوا العهود وخالفوا الأوامر، وينتظرهم عذاب شديد. لقد فُتِنَ الكفار بزينة هذه الحياة الفانية، وسلكوا سبيل الهزء بالمؤمنين، والمؤمنون فوقهم في المنازل والدرجات يوم القيامة، والله يعطي الذين اتقوا من النعيم يومئذ والتكريم بغير حساب.
فعن مجاهد: (﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ قال: يكفرُ بها). وقال السدي: (يقول: من يبدلها كفرًا). وقال الربيع: (يقول: ومن يكفر نعمته من بعد ما جاءته، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾).
وقوله: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
خبر عن نعت الكفار في هيئتهم في الحَياة الدنيا، فهم عبيد اللذات العاجلة والحطام الفاني، يبتغون بذلك المكاثرة والمفاخرة، ويطلبون فيها الرياسات والمباهاة
стр. 547
والوجاهة، ويسخرون من المؤمنين الذين يرجون ما عند الله، والمؤمنون بذلك فوق أولئك في محشرهم ومنشرهم ومسيرهم ومأواهم، وقد أكرمهم الله بعلو المنزلة في الآخرة فاستقروا في الدرجات في أعلى عليين، في حين خلد أولئك الطغاة في الدركات في أسفل سافلين.
قال ابن جريج: (﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾، قال: الكفار يبتغون الدنيا ويطلبونها، ﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، في طلبهم الآخرة. قال ابن جريج: لا أحسبه إلا عن عكرمة، قال: قالوا: لو كان محمد نبيًّا كما يقول، لاتبعه أشرافنا وساداتنا! والله ما اتبعه إلا أهل الحاجة مثل ابن مسعود).
وقال قتادة: (﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، قال: ﴿فَوْقَهُمْ﴾، في الجنة).
وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
قال ابن جرير: (والله يعطي الذين اتقوا يوم القيامة من نعمه وكراماته وجزيل عطاياه، بغير محاسبة منه لهم على ما منّ به عليهم من كرامته).
قلت: والآية عامة في رزق الدنيا والآخرة، فإن الله ينعيمِ علبم المتقين في الدارين لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾.
وقد جاءت السنة الصحيحة بهذا المعنى في أحاديث، منها:
الحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنته يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزى بها في الآخرة. وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزى بها] (١).
الحديث الثاني: أخرج الشيخان عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: [ما من يوم يصبِح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الاخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا] (٢).
وله شاهد عن ابن حبان في صحيحه بلفظ: [إن ملكًا بباب من أبواب الجنة يقول:
стр. 548
من يُقرض اليوم يُجْزَ غدًا. وملك بباب آخر يقول: اللهم أعط منفقًا خلفًا وأعط ممسكًا تلفًا].
الحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم في صحيحه، من حديث عبد الله بن الشخير، عن النبي ﷺ قال: [يقول ابن آدم: مالي، مالي. قال: وهل لك، يا ابن آدم! مِن مالِكَ إلا ما أكلتَ فأَفْنَيْتَ، أو لَبِسْتَ فأبليت، أو تصدَّقت فأمضيت] (١).
٢١٣. قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)﴾.
في هذه الآية: سنة الله في الأمم، كلما تفرقوا واختلفوا وابتعدوا عن منهاج الرسل بعث الله لهم رسولًا يُفَرِّقُ كلمة الكفر ومنهج الشهوات الذي وَحّدهم.
وفي التفاسير أكثر من تأويل لهذه الآية:
١ - قال ابن عباس: (كان بين نوح وآدم عشرة قرون، كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين). فالأمة هنا: الدين والملة.
وقال قتادة: (كانوا على الهدى جميعًا فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، فكان أولَ نبي بعث نوحٌ).
٢ - وعن مجاهد: (﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾، قال: آدم. قال: كان بين آدم ونوح عشرة أنبياء، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين. قال مجاهد: آدم أمة وحدَه).
٣ - عن الربيع، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب قال: (كانوا أمة واحدة حيث عُرضوا على آدم، ففطرهم يومئذ على الإسلام، وأقرّوا له بالعبودية، وكانوا أمة واحدة مسلمين كلهم، ثم اختلفوا من بعد آدم، فكان أبي يقرأ: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ إلى ﴿فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾. وإن الله إنما بعث الرسل وأنزل الكتب عند الاختلاف).
стр. 549
٤ - قال ابن زيد: (﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾: حين أخرجهم من ظهر آدم، لم يكونوا أمة واحدة قطُ غيرَ ذلك اليوم، ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾، قال: هذا حين تفرقت الأمم).
٥ - قال ابن عباس: (﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾، يقول: كان دينًا واحدًا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين).
ورجح ابن كثير القول الأول عن ابن عباس فهو أصح سندًا ومعنى، وقال: (لأن الناس كانوا على ملة آدم ﵇ حتى عبدوا الأصنام، فبعث الله إليهم نوحًا ﵇، فكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض).
قلت: والآية عامة في الأمم، كلما تفرقوا واختلفوا وابتعدوا عن منهاج الرسل بعث الله لهم رسولًا يفرق كلمة الكفر ومنهج الشهوات الذي وحدهم واجتمعوا عليه.
وقوله: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾.
قال الطبري: (الألف واللام في الكتاب للعهد، والمراد التوارة). وقال القرطبي: (﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾: اسم جنس بمعنى الكتب). قال: (قيل: ليحكم كل نبيّ بكتابه، وإذا حكم بالكتاب فكأنما حكم الكتابُ).
وقوله: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾.
قال الربيع: (يقول: إلا الذين أوتوا الكتاب والعلم). وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾. قال الربيع: (يقول: بغيًا على الدنيا، وطلبَ ملكها وزخرفها وزينتها، أيُّهم يكون له الماك والمهابة في الناس، فبغى بعضهم على بعض، وضرب بعضُهم رقاب بعض).
وقوله: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾.
أخرج عبد الرزاق في "التفسير"، والإمام أحمد في المسند بسند صحيح، عن أبي هريرة ﵁، في قوله: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ ... الآية قال: قال النبي ﷺ : [نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، نحن أول الناس دخولًا الجنة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، فهدانا الله لما
стр. 550
اختلفوا فيه من الحق بإذنه، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، فغدًا لليهود وبعد غدٍ للنصارى] (١).
وروى ابن جرير بسنده إلى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه في قوله: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ قال: (فاختلفوا في يوم الجمعة، فاتخذ اليهود يوم السبت، والنصارى يوم الأحد، فهدى الله أمة محمد ﷺ ليوم الجمعة.
واختلفوا في القبلة، فاستقبلت النصارى المشرق، واليهود بيت المقدس، فهدى الله أمة محمد للقبلة. واختلفوا في الصلاة، فمنهم من يركع ولا يسجد، ومنهم من يسجد ولا يركع، ومنهم من يصلي وهو يتكلم، ومنهم من يصلي وهو يمشي، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك. واختلفوا في الصيام، فمنهم من يصوم بعض النهار، ومنهم من يصوم عن بعض الطعام، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك. واختلفوا في إبراهيم ﵇، فقالت اليهود: كان يهوديًّا، وقالت النصارى: كان نصرانيًّا، وجعله الله حنيفًا مسلمًا، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك. واختلفوا في عيسى ﵇، فكذبت به اليهود وقالوا لأمه بهتانًا عظيمًا، وجعلته النصارى إلهًا وولدًا، وجعله الله روحه وكلمته، فهدى الله أمة محمد ﷺ للحق من ذلك).
قلت: وما ذكره ابن زيد قد جاء ذكره في القرآن وفي السنة الصحيحة في مواضع شتى ومن ذلك هداية الله سبحانه هذه الأمة ليوم عيدها تكرمة لها من بين الأمم.
يروي ابن ماجة والبزار بسند صحيح عن أبي هريرة وحذيفة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : [أضل الله ﵎ عن الجمعة من كان قبلنا، كان لليهود يومُ السبت، والأحد للنصارى، فهم لنا تبع إلى يوم القيامة، نحن الآخِرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة، المقضى لهم قبل الخلائق] (٢).
وفي لفظ البزار: [نحن الآخرون في الدنيا، الأولون يوم القيامة، المغفورُ لهم قبل الخلائق].
وقال الربيع بن أنس: (﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ أي: عند الاختلاف أنهم كانوا على ما جاءت به الرسل قبل الاختلاف، أقاموا على
стр. 551
الإخلاص لله وحده، وعبادته لا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، فأقاموا على الأمر الأول الذي كان قبل الاختلاف، واعتزلوا الاختلاف وكانوا شهداء على الناس يوم القيامة، شهداء على قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم شعيب، وآل فرعون أن رسلهم قد بلغوهم، وأنه قد كذبوا رسلهم). وكان أبو العالية يقول: (في هذه الآية المَخْرَجُ من الشبهات والضلالات والفِتَن).
وقوله: ﴿بِإِذْنِهِ﴾.
قال ابن جرير: (بعلمه، بما هداهم له). وقال النحاس: (بأمره). وفي التنزيل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤].
وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
فهو وحده يملك القلوب وتوجيهها إلى تعظيمه، وتنويرها بذكره ونور شرعه.
أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عائشة: [أن رسول الله ﷺ كان إذا قام من الليل يصلي يقول: اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالِمَ الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم] (١).
٢١٤. قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾.
في هذه الآية: يخبر سبحانه عباده عن بعض سننه فيهم، فلا بد من الابتلاء والتمحيص ليميز الصادق من المنافق، ولا بد من الشدائد والمحن والآلام، فهي أسئلة الامتحان، ثم الدرجات بيد الله تعالى.
قال ابن عباس ومجاهد: ﴿الْبَأْسَاءُ﴾: الفقر. ﴿وَالضَّرَّاءُ﴾: السقم).
وقوله: ﴿وَزُلْزِلُوا﴾.
يعني: بالخوف من الأعداء وشدة البأس. قال القرطبي: (خوِّفوا وحُرِّكوا). وأصل
стр. 552
الزلزلة: شدة التحريك، والزلازل: الشدائد. قال الزجاج: (أصل الزلزلة من زَلّ الشيء عن مكانه).
وفي التنزيل: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١ - ٣].
وقد عاش الصحابة رضوان الله عليهم شيئًا من ذلك يوم الأحزاب. قال تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١٠ - ١١].
أخرج البخاري في صحيحه عن خباب قال: [أتيت النبي ﷺ وهو متوسِّدٌ بُرْدَةً وهو في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شِدَّةً، فقلت: ألا تدعو الله لنا؟ فقعد وهو مُحْمَرٌّ وَجْهُهُ فقال: لقد كان من قبلكم لَيُمْشَطُ بمِشَاط الحديد ما دون عِظامه من لَحْمٍ أو عَصَب، ما يَصْرِفُهُ ذلك عن دينه، ويوضَعُ الميشارُ على مَفْرِقِ رأسه، فَيُشَقُّ باثنين ما يصْرفهُ ذلك عن دينه، وليتمَّنَّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صَنْعاء إلى حضرموتَ ما يخاف إلا الله] (١). وفي رواية: (أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون).
وأخرج ابن ماجة والحاكم بسند صحيح عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: [أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الصالحون، لقد كان أحدهم يبتلى بالفقر حتى ما يجدُ إلا العباءة يجوبُها فيلبسها، ويُبتلى بالقمل حتى يقتله، ولأحدهم كان أشدَّ فرحًا بالبلاء من أحدكم بالعطاء] (٢). يجوبها: أي يقطع وسطها ليلبسها.
وأخرج الترمذي بسند حسن عن أنس، عن النبي ﷺ قال: [إن عظمَ الجَزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط] (٣).
وفيه دليل على أن البلاء يكون خيرًا، وأن صاحبه محبوب عند الله تعالى إذا صبر واحتسب.
стр. 553
وفي صحيح البخاري من حديث ابن عباس -لما سأل هرقل أبا سفيان: فهل قاتلتموه- قلت: نعم. قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سِجَالٌ يَنالُ منا وننالُ منه. وفي رواية: يدال علينا ونُدال عليه. قال: [كذلك الرسل تُبْتلَى، ثم تكون لها العاقبة] (١).
وقوله: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾
أي: بلغ الجهد بهم حتى استبطؤوا النصر وهم واثقون به، فلم يقولوا: أين نصر الله، لإيمانهم أن النصر وعده الله المؤمنين. ولذلك أجابهم سبحانه بهذا المعنى فقال: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ فكلما كانت الشدة اقترب النصر والفرج. وفي التنزيل: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾.
أخرج الإمام أحمد والحاكم بسند صحيح عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: [النصر مع الصبر، والفرجُ مع الكرب، وإنّ مع العسر يسرا] (٢).
٢١٥. قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥)﴾.
في هذه الآية: تعريف الله عباده مواضع الفضل التي تُصرف فيها النفقات، وأن كل عمل في طاعته فهو سبحانه به عليم.
قال السدي: (يوم نزلت هذه الآية لم تكن زكاة، وإنما هي النفقة ينفقها الرجل على أهله، والصدقة يتصدق بها، فنسختها الزكاة). وهذا ممكن، وممكن غيره.
قال ابن جرير: (ولا دلالة في الآية على صحة ما قال -يعني السدي بادعاء النسخ-، لأنه ممكن أن يكون قوله: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ الآية، حثًا من الله جل ثناؤه على الإنفاق على من كانت نفقته غيرَ واجبة من الآباء والأمهات والأقرباء ومن سمى معهم في هذه الآية، وتعريفًا من الله عبادَه مواضع الفضل التي تُصرف فيها النفقات).
стр. 554
وفي التنزيل: ﴿وَآتَى الْمَال عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾ [البقرة: ١٧٧].
وفي سنن النسائي بسند جيد من حديث طارق المحاربي، قال رسول الله ﷺ : [أُمّك وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك] (١).
وله شاهد في المسند وسنن أبي داود بسند حسن عن معاوية بن حيدة، عن النبي ﷺ قال: [أمّك، ثم أمّك، ثم أمك، ثم أباك، ثم الأقرب فالأقرب] (٢).
وفي المسند وجامع الترمذي بسند صحيح عن سلمان بن عامر، عن النبي ﷺ قال: [الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرّحم اثنتان: صدقة وصلة] (٣).
وعند الطبراني في الأوسط بسند صحيح عن عمرو بن سهل، قال رسول الله ﷺ : [صِلةُ القرابة مثراةٌ في المال، محبَّةٌ في الأهل، منسأة في الأجل] (٤).
قال ابن زيد: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾: هذا من النوافل. قال: (يقول: هم أحق بفضلك من غيرهم).
وتلا ميمون بن مهران هذه الآية، ثم قال: (هذه مواضع النفقة، ما ذكر فيها طبلًا ولا مزمارًا، ولا تصاوير الخشب، ولا كُسوة الحيطان).
وقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾.
أي: يحصيه عليكم ثم يجازيكم به.
٢١٦. قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَال وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا
стр. 555
شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾.
في هذه الآية: إيجاب الله الجهاد على المسلمين، فقد فرض فيها على الأمة قتال المشركين، وإقرار بأن القتال كريه على النفوس ولكن العزّ كل العز فيه، ولا يعلم حقيقة المنافع والمصالح إلا العزيز العليم.
قال الزهري: (الجهاد واجب على كل أحد، غزا أو قعد، فالقاعد عليه إذا استُعين أن يُعين، وإذا استغيث أن يُغيث، وإذا استُنفر أن ينفر، وإن لم يُحْتَجْ إليه قعد). وقال ابن كثير في هذه الآية: (هذا إيجاب من الله تعالى للجهاد على المسلمين: أن يكُفّوا شرَّ الأعداء عن حَوزة الإسلام).
وردّ ابن جرير قول من ادّعى النسخ فيها، وصوّب رأي من ذكر أن الجهاد فرض على الكفاية، كالصلاة على الجنائز، وغسل الموتى ودفنهم.
قلت: وهذه الآية تظهر فرضية الجهاد الذي سيبقى إلى قيام الساعة، ويبدو أنها الآية التي نزلت لتحسم الأمر بعد نزول الآيات التي تمهد بالإذن بالقتال، وقد فصلت ذلك في كتابي السيرة النبوية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة، فلله الحمد والمنة (١).
أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ : [من مات ولم يغزُ ولم يحدث نفسه بالغزو، مات ميتة جاهلية] (٢).
ويروي الطبراني بسند صحيح عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: [عليكم بالجهاد في سبيل الله، فإنه باب من أبواب الجنة، يذهب الله به الهم والغمّ] (٣).
فإذا غاب الجهاد عن حياة أمة الإسلام، والتفت أبناؤها إلى الدنيا، وإلى إصلاح الدرهم والدينار، وإلى الأراضي والمزارع والعقارات، وشغلت بذلك عن الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فبطن الأرض خير لها من ظهرها.
أخرج أبو داود بسند صحيح عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: [إذا تبايعتم بالعينة،
стр. 556
وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلّط الله عليكم ذلًّا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم] (١).
وقوله: ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾.
أي: فيه شدة ومشقة عليكم، لما قد يعقبه من جراح ودماء وآلام، مع عذاب السفر ومجالدة الأعداء.
وقوله: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾.
سنّة إلهية عامة، فقد يتعلق قلب العبد بما هو شر عليه في دينه أو دنياه أو كليهما. وقد يبتعد عن أمر يحتاج إلى مشقة يعقبها عز وقوة وفرج ورزق كبير. وكذلك القتال، ففيه ألم المجالدة وملاقاة العدو، وخطر وأهوال الحديد، لكن لا سبيل إلى ما بعده من النصر والظفر إلا بتجاوز تلك الشدائد -والكل بتوفيق الله وعونه-، وكذلك القعود: فقد يعقبه الذل والهزيمة واستيلاء العدو على البلاد والممتلكات والحُكم، ولذلك قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. أي: بحكمة كثير من التشريع، وعواقب الأمور، فاستجيبوا له فإن في طاعته سبحانه عز الدنيا وسعادة الآخرة.
٢١٧ - ٢١٨. قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)﴾.
في هذه الآيات: إخبار عن حرمة الأشهر الحرم والمسجد الحرام عند الله، وتحذير من الردة بعد الإسلام، وترغيب في الإيمان والهجرة والجهاد لنصر دين الرحمان.
سبب نزول هذه الآية: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ .... ﴾: أن
стр. 557
رسول الله ﷺ كان قد بعث في شهر رجب من السنة الثانية للهجرة عبد الله بن جحش في ثمانية من المهاجرين، ليهدد طريق تجارة قريش مع اليمن كما هدّده مع الشام، وكتب له كتابًا وأمره ألا ينظر فيه إلا بعد يومين، وقد جاء فيه كما يروي البيهقي في السنن وابن هشام في السيرة بسند صحيح إلى عروة: (امض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف، فترصَّد بها قريشًا، وتعلَّمْ لنا من أخبارهم) (١). فقال عبد الله: سمعًا وطاعة، وأطلع أصحابه على كتاب الرسول ﷺ قائلًا: إنه نهاني أن أستكره أحدًا منكم، فمن كان يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق معي، ومن كره ذلك فَليَرْجِع ... فلم يتخلف منهم أحد، غير أن البعير الذي كان يعتقبه سعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان، ندَّ منهما فشغلا بطلبه.
قال ابن إسحاق فيما يرويه عن عروة: (ومضى عبد الله بن جحش وبقية أصحابه حتى نزل بنخلة، فمرت به عيرٌ لقريش تحمل زبيبًا وأدَمًا -الأدم: الجلد-، وتجارة من تجارة قريش، فيها عمرو بن الحضرمي. فلما رآهم القوم هابوهم وقد نزلوا قريبًا منهم، فأشرف لهم عكاشة بن مِحْصن، وكان قد حلق رأسه، فلما رأوه أمنوا، وقالوا: عُمَّار، لا بأس عليكم منهم. وتشاور القوم فيهم وذلك في آخر يوم من رجب، فقال القوم: والله لئن تركتم القوم هذه الليلةَ ليدخُلنّ الحرم، فليمتَنعُنّ منكم به، ولئن قتلتموهم لتقتلنَّهم في الشهر الحرام، فتردد القوم، وهابوا الإقدام عليهم، ثم شجعوا أنفسهم عليهم، وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم، وأخْذِ ما معهم. فرمى واقدُ بن عبد الله التَّميمي عمرو بنَ الحضرمي بسهم فقتله، واستَأسر عثمانَ بن عبد الله، والحكمَ بن كيسان، وأفلتَ القومَ نوفلُ بنُ عبد الله فأعجزهم. وأقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير والأسيرين، حتى قدموا على رسول الله ﷺ المدينة (٢).
وقال عبد الله لأصحابه: (إن لرسول الله ﷺ مما غنمنا الخمس). وذلك قبل أن يفرض الخمس. قال ابن القيم: (وهو أول خمس كان في الإسلام، وأول قتيل في الإسلام، وأول أسيرين في الإسلام) (٣).
стр. 558
قال ابن إسحاق: (فلما قدموا على رسول الله ﷺ المدينة، قال: ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام. فوقَفَ العير والأسيرين. وأبى أن يأخذ من ذلك شيئًا. فلما قال ذلك رسول الله ﷺ سُقِط في أيدي القوم، وظنوا أنهم قد هلكوا، وعَنَّفَهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا، وقالت قريش: قد استحل محمد وأصحابه الشهرَ الحرام، وسفكوا فيه الدم، وأخذوا فيه الأموال، وأسروا فيه الرجال ... فلما أكثر الناس في ذلك أنزل الله على رسوله ﷺ : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ (١).
لقد أنزل الله في القرآن ما يخرس المشركين ويسوّغ صنيع المسلمين، فإن كل الحرمات المقدسة قد انتهكها طغاة مكة في البلد الحرام، وقد استباحوا لأنفسهم قتل النبي ﷺ وسلب أموال المسلمين بعد هجرتهم وإخراجهم، وقد أذاقوا ضعفاءهم شر ألوان التعذيب على الرمال المنصهرة وتحت الشمس الحارقة، فما الذي أعاد لهذه الحرمات قداستها وحرمتها فجأة؟
وقوله: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾.
قال ابن القيم: (والمقصود: أن الله سبحانه قد حكم بين أوليائه وأعدائه بالعدل والإنصاف، ولم يُبرئ أولياءه من ارتكاب الإثم بالقتال في الشهر الحرام، بل أخبر أنه كبير، وأنّ ما عليه أعداؤه المشركون أكبرُ وأعظمُ من مجرد القتال في الشهر الحرام، فهم أحقُ بالذم والعيب والعقوبة، ولا سيما وأولياؤه كانوا متأولين في قتالهم ذلك، أو مقصِّرين نوعَ تقصير يغفره الله لهم في جنب ما فعلوه من التوحيد والطاعات، والهجرة مع رسوله، وإيثار ما عند الله، فهم كما قيل:
وإذا الحبيب أتى بذنب واحدٍ ... جاءتْ محاسِنُه بألف شفيع
فكيف يُقاس ببغيضٍ عدوٍّ جاء بكل قبيح، ولم يأت بشفيع واحد من المحاسن) (٢).
стр. 559
وقوله: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾.
قال مجاهد وغيره: (الفتنة هنا الكفر).
والمعنى: إن كفركم أكبر من قتلنا أولئك. قال القرطبي: (وقال الجمهور: معنى الفتنة هنا فتنتهم المسلمين عن دينهم حتى يهلكوا، أي إن ذلك أشد اجترامًا من قتلكم في الشهر الحرام).
وقوله: ﴿وَلَا يَزَالونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾.
قال الزهري، عن عروة بن الزبير: (أي: هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه، غيرُ تائبين ولا نازعين، يعني: على أن يفتنوا المسلمين عن دينهم حتى يردوهم إلى الكفر، كما كانوا يفعلون بمن قدروا عليه منهم قبل الهجرة) ذكره ابن جرير. وقال مجاهد في المقصود بالآية أنهم: (كفار قريش).
وقوله: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
تهديد ووعيد على من يرجع عن دينه دين الإسلام بعدما أنعم الله به عليه، فيموت قبل أن يتوب من كفره، بأن تحبط أعمالهم ويخلدوا في نار جهنم وبئس المصير. وقد بينت أنواع وأحكام الردة بالتفصيل في كتابي: أصل الدين والإيمان، عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان، بما يغني عن التفصيل هنا، ولله الحمد والمنة.
٢١٩ - ٢٢٠. قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠)﴾.
في هذه الآيات: إثبات إثم الخمر والميسر، والترغيب في العفو وبذل المال في وجوه الخير، والحث على إصلاح مال اليتامى في وجوه البر.
стр. 560
والخمر: كل شراب خمَّر العقل فستره وغطى عليه، والميسر: القمار.
قال مجاهد: (الميسر: القمار، وإنما سمّي "الميسر" لقولهم: أيْسروا واجْزُرُوا. كقولك: ضع كذا وكذا). وقال: (كل القمار من الميسر، حتى لعب الصبيان بالجوز). وعن أبي الأحوص، عن عبد الله: (إياكم وهذه الكِعاب الموسومة التي تزجرون زجرًا، فإنهن من الميسر). وقال ابن سيرين: (كل قمار ميسر، حتى اللعب بالنَّرد على القيام والصياح والريشة يجعلها الرجل في رأسه). وقال: (كل لعب فيه قمار من شُرب أو صياح أو قيام، فهو من الميسر).
وقال ابن عباس: (الميسر القمار. كان الرجل في الجاهلية يخاطر على أهله وماله، فأيهما قمر صاحبه ذهب بأهله وماله).
وقوله: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾.
قال السدي: (فإثم الخمر أن الرجل يشرب فيسكر فيؤذي الناس. وإثم الميسر أن يُقامر الرجلُ فيمنع الحق ويظلم).
وقال مجاهد ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾: هذا أوّل ما عيبت به الخمر).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾، يعني: ما ينقص من الدين عند من يشربها).
وخلاصة القول: إن زوال عقل شارب الخمر إذا سكر من شربه إياها حتى يعزب عنه معرفة ربه لهو من أعظم الآثام. وبنحوه الانشغال في الميسر عن ذكر الله وعن الصلاة، فضلًا عن وقوع العداوة والبغضاء بين المتياسرين بسببه.
وفي التنزيل: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١].
وقوله: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾:
منافع مادية وجسدية واجتماعية. فالمادية هي أثمانها قبل تحريمها، والجسدية: هي لذتها حين شربها، والاجتماعية: اجتماعهم عليها واستئناسهم مع بعضهم على موائدها. هذا بالنسبة للخمر. وأما الميسر فمنافعه فيما يصيبون فيه من أنصباء الجزور. قال مجاهد: (المنافع هاهنا ما يصيبون من الجَزور). وقالما السدي: (أما منافعهما، فإن منفعة الخمر في لذته وثمنه، ومنفعة الميسر فيما يُصاب من القمار). وقال ابن
стр. 561
عباس: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾: يقول فيما يصيبون من لذتها وفرحها إذا شربوها).
قال ابن جرير: (وأما منافع الميسر، فما يصيبون فيه من أنصباء الجزور. وذلك أنهم كانوا يياسرون على الجزور، وإذا أفلج الرجل منهم صاحبه نحره، ثم اقتسموا أعشارًا على عدد القداح).
وقوله: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾.
قال الضحاك: (يقول: إثمهما بعد التحريم، أكبر من نفعهما قبل التحريم). وقال ابن كثير: (أما إثمهما فهو في الدين، وأما المنافع فَدُنيوية، من حيث إن فيها نفع البدن، وتهضيم الطعام، وإخراج الفضلات، وتشحيذ بعض الأذهان، ولذّة الشدة المطربة التي فيها، كما قال حسان بن ثابت في جاهليته:
ونَشْرَبُها فتتركُنا ملوكًا ... وأسْدًا لا يُنَهْنِهُنَا اللقاءُ
وكذا بيعها والانتفاع بثمنها، وكان يُقَمِّشُه بعضهم من الميسر فينفقه على نفسه أو عياله. ولكن هذه المصالح لا توازي مضرّته ومفسدته الراجحة، لتعلقها بالعقل والدين، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾.
وهذه الآية مهّدت لتحريم الخمر، حتى نزلت الآية التي في سورة النساء، ثم جاء التحريم القطعي بنزول آية المائدة.
قال مجاهد: (إن هذه أول آية نزلت في الخمر: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾، ثم نزلت التي في سورة النساء، ثم نزلت الآية التي في المائدة فحرمت الخمر).
أخرج أبو داود بسند صحيح عن عمر بن الخطاب قال: [لما نزل تحريم الخمر قال عمر: اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانا شِفاء، فنزلت الآية التي في البقرة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ الآية، قال: فدُعِيَ عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بيِّنْ لنا في الخمر بيانا شفاء، فنزلت الآية التي في النساء: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ... (٤٣)﴾، فكان منادي رسول الله ﷺ ، إذا أقيمت الصلاة ينادي: ألا لا يقْرَبَنَّ الصلاة سَكْرانُ. فَدُعي عمر فقرئت عليه، فقال:
стр. 562
اللهم بين لنا في الخمر بيانا شفاء، فنزلت هذه الآية: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾. قال عمر: انتهينا] (١).
وأخرج أبو داود بسند حسن عن ابن عباس، قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ و ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ نسختها التي في المائدة: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ ... ﴾ الآية] (٢).
وقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾
فيه أقوال متقاربة:
١ - عن ابن عباس قال: (العفو ما فضل عن أهلك). وقال قتادة: (أي الفضل).
٢ - عن طاووس قال: (اليسير من كل شيء). قال ابن عباس: (ما لا يتَبَيَّنُ في أموالكم).
٣ - عن عطاء، قال: (العفو في النفقة: أن لا تجهدَ مالك حتى ينفد فتسأل الناس). وقال: (العفو ما لم يسرفوا ولم يقتروا في الحق). وقال مجاهد: (العفو صدقة عن ظهر غنى). والمقصود الوسط من النفقة، ما لم يكن إسرافًا ولا إقتارًا.
٤ - عن ابن عباس: (يقول: ما أتوك به من شيء قليل أو كثير فاقبله منهم].
٥ - عن الربيع، قال: (يقول: الطيِّبَ منه، يقول: أفضلَ مالك وأطيَبَه).
٦ - عن مجاهد: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾. قال: الصدقة المفروضة).
ورجّح ابن جرير أن معنى العفو: الفضل من مال الرجل عن نفسه وأهله في مؤونتهم ما لا بدلهم منه.
والذي ذهب إليه شيخ المفسرين قد جاءت به السنة الصحيحة، في أحاديث، منها:
الحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن جابر، قال رسول الله ﷺ : [ابْدأ بنفسك فتصدّق عليها، فإنْ فَضَلَ شيء فلأهلِكَ، فإن فَضَلَ عن أهلِكَ شيء فلذي
стр. 563
قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا. يقول: فَبَيْنَ يَدَيْكَ وعن يمينك وعن شِمالك] (١).
الحديث الثاني: روى مسلم وأبو داود -واللفظ له- عن أبي هريرة، قال: [أمر النبي ﷺ بالصدقة، فقال رجل: يا رسول الله، عندي دينار، فقال: تصدق به على نفسك. قال: عندي آخر. قال: تصدق به على ولدك. قال: عندي آخر. قال: تصدق به على زوجتك. أو قال: زوجك. قال: عندي آخر. قال: تصدق به على خادمك. قال: عندي آخر. قال: أنت أبصر] (٢).
الحديث الثالث: روى مسلم والترمذي عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : [يا ابن آدم! إنك إن تَبْذُل الفضل خيرٌ لك، وأن تمسكه شَرٌّ لك، ولا تُلام على كفاف. وابدأ بمن تعول، واليد العليا خير من اليد السفلى] (٣).
وله شاهد عند البخاري من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : أخيرُ الصدقة ما كان عن ظهر غِنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول] (٤).
الحديث الرابع: أخرج أبو داود بسند حسن عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : [كفى بالمرء إثمًا أن يُضيعَ منْ يقوت] (٥).
والآية ليست منسوخة بآية الزكاة، وإنما هي إعلام من الله سبحانه عن ما يرضيه من النفقة مما يسخطه، جوابًا منه لمن سأل نبيه محمدًا ﷺ عما فيه له رضًا. أفاده ابن جرير.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾.
يعني جل ذكره: كما بينت لكم آياتي وحججي في كل أمر يخصكم في دينكم، من
стр. 564
أمور: التوحيد، والحدود والفرائض والوعد والوعيد، فكذلك أبين لكم في سائر كتابي.
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾.
قال ابن عباس: (يعني في زوال الدنيا وفنائها، وإقبال الآخرة وبقائها). وقال قتادة: (لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة، فتعرفون فضل الآخرة على الدنيا). قال: (فكونوا ممن يَصْرم حاجة الدنيا لحاجة الآخرة).
وقال ابن جريج: (أما الدنيا، فتعلمون أنها دار بلاء ثم فناء، والآخرة دارُ جزاء ثم بقاء، فتتفكرون فتعملون للباقية منهما).
وقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾.
أخرج أبو داود بسند حسن عن ابن عباس قال: [لما أنزل الله : ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَال الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، و ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠]، الآية- انطلق من كان عنده يتيم، فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، فجعل يفضُلُ من طعامه فَيُحْبَسُ له، حتى يأكله، أو يفسد. فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ ، فأنزل الله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ فخلطوا طعامهم بطعامه، وشرابهم بشرابه] (١).
قال السدي: (كانت العرب يشددون في اليتيم حتى لا يأكلوا معه في قصعة واحدة، ولا يركبوا له بعيرًا، ولا يستخدموا له خادمًا، فجاؤوا إلى النبي ﷺ فسألوا عنه، فقال: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾، يصلح له ماله وأمره له خير، وإن يخالطه فيأكل معه ويطعمه ويركب راحلته ويحمله ويستخدم خادمه ويخدمه، فهو أجودُ ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾. أي: من يقصد الإفساد من الإصلاح.
قال ابن زيد: (الله يعلم حين تخلط مالك بماله: أتريد أن تصلح ماله، أو تفسده فتأكله بغير حق).
стр. 565
وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾.
أي: ضيّق عليكم وأحرجكم، ولكنه برحمته وكرمه وسَّع عليكم بإباحته مخالطتهم. قال ابن عباس: (يقول: لو شاء الله لأحرجكم فضيّق عليكم، ولكنه وسَّع ويسَّر فقال: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]).
وقال: (ولو شاء الله لجعل ما أصبتم من أموال اليتامى موبقًا).
وقال قتادة: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾، يقول: لجهدكم، فلم تقوموا بحق ولم تؤدوا فريضة).
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
أي: عزيز في سلطانه، حكيم في قدره وشرعه.
٢٢١. ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)﴾.
في هذه الآية: تحريم الله نكاح المشركات على المؤمنين، ويستثنى نكاح نساء أهل الكتاب بقوله في سورة المائدة: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ... ﴾. ثم بيان فضل المؤمنة على المشركة. وتحريم تزويج المشركين من المؤمنات وبيان فضل المؤمن على المشرك، فالمشركون يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة.
قال الربيع: (حرم الله المشركات في هذه الآية، ثم أنزل في "سور المائدة"، فاستثنى نساء أهل الكتاب). وقال قتادة: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾، يعني: مشركات العرب اللاتي ليس فيهن كتاب يقرأنه). وقال: (المشركات، من ليس من أهل الكتاب، وقد تزوج حذيفة يهودية أو نصرانية). وقال زيد بن وهب، قال عمر: (المسلم يتزوج النصرانية، ولا يتزوج النصراني المسلمة) وإسناده صحيح، ذكره ابن جرير. ثم روى بسنده إلى شقيق قال: (تزوج حذيفة يهودية، فكتب إليه عمر: خلِّ