← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 5006–5045 · переход к 5011.

стр. 5006

إذا أصابه الضُّرُّ فَزِع وجَزِع وانخلعَ قلبُهُ من شدة الرُّعب، وأيِسَ أن يحصلَ له بعد ذلك خير). وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾. قال النسفي: (وإذا ناله خير بخل به ومنعه الناس، وهذا طبعه وهو مأمور بمخالفة طبعه وموافقه شرعه. والشر: الضر والفقر. والخير: السعة والغنى. (أو المرض والصحة)). وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [ما مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ العبادُ فيه، إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدُهما: اللهمَّ! أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، ويقول الآخر: اللهم! أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا] (١). وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾. قال القرطبي: (دلّ على أن ما قبله في الكفار، فالإنسان اسم جنس بدليل الاستثناء الذي يعقبه، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر: ٢، ٣]). وقال ابن كثير: (أي: الإنسان من حيثُ هو مُتَّصِفٌ بصفات الذم إلا من عصمه اللَّه ووفَّقَه، وهداه إلى الخير ويَسَّرَ له أسبابه، وهم المصلون). وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾. يشمل في مفهومه المحافظة على أوقاتها وأركانها وواجباتها، وسكونها وخشوعها جزء من ذلك. وعن إبراهيم النخعي: (﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ قال: الصلوات الخمس). أو قال: (المكتوبة). وعن ابن مسعود قال: (الذين يصلونها لوقتها، فأما تركها فكفر). وقال عقبة بن عامر: (هم الذين إذا صلوا لم يلتفِتوا خلفهم، ولا عن أيمانهم، ولا عن شمائلهم). رواه بسنده ابن جرير. كما روى عن قتادة قوله: (ذُكر لنا أن دانيال نعت أمة محمد ﷺ قال: يصلون صلاة لو صلاها قوم نوح ما غرقوا، أو عاد ما أُرسلت عليهم الريح العقيم، أو ثمود ما أخذتهم الصيحة، فعليكم بالصلاة فإنها خُلُقٌ للمؤمنين حسن). وقال ابن جريج والحسن: (هم الذين يكثرون فعل التطوع منها). وقيل: المراد بالدوام السكون والخشوع، ومنه الماء الدائم، أي: الساكن الراكد.

стр. 5007

ولا شك أن الطمأنينة ركن من أركان الصلاة. ففي التنزيل: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢]. وفي صحيح السنة المطهرة في آفاق ذلك أحاديث: الحديث الأول: أخرج الترمذي بسند صحيح عن الحارث الأشعري -من وصايا يحيى بن زكريا ﵇ كما ذكر لنا رسول اللَّه ﷺ : [وإن اللَّه أمركم بالصلاة، فإذا صليتم فلا تلتفتوا، فإن اللَّه ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت] (١). الحديث الثاني: أخرج أبو داود بسند صحيح عن عائشة ﵂ قالت: سألت رسول اللَّه ﷺ عن التفات الرجل في الصلاة؟ فقال: [هو اختلاس يختَلِسُهُ الشيطان من صلاة العبد] (٢). والاختلاس: هو الاختطاف بسرعة على غفلة. قال العلامة الطيبي طيب اللَّه ثراه: (سمي اختلاسًا تصويرًا لقبيح تلك الفعلة بالمختلس، لأن المصلي يقبل عليه الرب والشيطان مرتصد له ينتظر فوات ذلك عليه، فإذا التفت اغتنم الشيطان الفرصة فسلبه تلك الحالة). واللَّه أعلم. الحديث الثالث: أخرج النسائي والترمذي -واللفظ للنسائي- من حديث رفاعةَ بن رافع -حديث المسيء صلاته- قال له النبي ﷺ : [إنه لا تَتِمُّ صلاةُ أحدِكم حتى يُسْبِغَ الوضوءَ كما أمَرَه اللَّه تعالى، ويغسلَ وجهَهُ ويديه إلى المرفقين، ويمسحَ برأسِه ورجلَيه إلى الكعبين، ثم يكبّر اللَّهَ، ويحمدُه، ويُمَجِّدُه، ويقرأ من القرآن ما أذِنَ اللَّهُ له فيه وتَيَسَّرَ، ثم يكبر ويركع، فيضع كفيه على ركبتيه حتى تطمئن مفاصِلُهُ وتسترخي، ثم يقول: سمع اللَّه لمن حمده، ويستوي قائمًا حتى يأخذ كلُّ عظمٍ مأخذه، ويقيمَ صُلبَه، ثم يكبر، فيسجدُ، ويُمَكِّنُ جبهتَه من الأرض، حتى تطمئِنَّ مفاصِلُهُ وتسترخي، ثم يكبِّر فيرفع رأسه، ويستوي قاعدًا على مقعدته ويقيم صلبه (فوصف الصلاة هكذا حتى فرغ ثم قال: ) لا تتم صلاةُ أحدكم حتى يفعلَ ذلك] (٣). وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾. قال قتادة: (الحق

стр. 5008

المعلوم: الزكاة). أو قال: (الزكاة المفروضة). وقال ابن عباس: (يقول: هو سوى الصدقة يصل بها رحمه، أو يقري بها ضيفًا، أو يحمل بها كَلًّا، أو يُعين بها محرومًا). قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وإلا الذين في أموالهم حقّ مؤقت، وهو الزكاة للسائل الذي يسأله من ماله، والمحروم الذي قد حرم الغنى، فهو فقير لا يسأل). قلت: والزكاة أشبه بالحق المعلوم، وسوى الزكاة ليس بمعلوم، إنما هو واجب على قدر الحاجة، فيكون بعد الزكاة المعلومة في أنصبتها ومقاديرها، كما قال الشعبي: (إن في المال حقًا سوى الزكاة). وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾. أي: وإلَّا المؤمنون باليوم الآخر، فهم يقرون بالبعث والحساب، ويعملون لما يَكون فيه الفوز بالجنة والنجاة من العقاب. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾. أي: والذين هم في الدنيا من عذاب الآخرة خائفون وجلون، فهم راجون رحمة ربهم لا يضيعون له فرضًا، ولا يتعدّون له حدًّا، وهم له خاشعون. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾. قال النسفي: (أي لا ينبغي لأحد وإن بالغ في الاجتهاد والطاعة أن يأمنه، وينبغي أن يكون مترجحًا بين الخوف والرجاء). أخرج أبو نعيم في "الحلية" بسند حسن عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [قال اللَّه تعالى: وعزتي وجلالي لا أجمع لعبدي أمنين ولا خوفين، إن هو أمنني في الدنيا أخفته يوم أجمع عبادي، وإن هو خافني في الدنيا أمَّنْتُه يوم أجمع عبادي] (١). وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾. أي: والذين هم حافظون فروجهم عن الحرام، فهم يمنعونها أن توضع في غير ما أذن اللَّه. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾. أي: ويستثنى مما سبق الأزواج والإماء، فهن حلال لمن ملكهن بكلمة اللَّه وضوابط الشرع. أخرج أبو داود بسند حسن عن حكيم، عن أبيه، قال: قلت: يا رسول اللَّه!

стр. 5009

عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: [احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينُك] الحديث (١). وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾. أي: فمن التمس لفرجه منكحًا سوى زوجته أو ما ملكت يمينه فهو بذلك متعد حدود اللَّه، ماض في طريق معصيته. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وإلا الذين هم لأمانات اللَّه التي ائتمنهم عليها من فرائضه وأمانات عباده التي اؤْتُمِنُوا عليها، وعهوده التي أخذها عليهم بطاعته فيما أمرهم به ونهاهم، وعهود عباده التي أعطاهم على ما عقده لهم على نفسه راعون، يرقبون ذلك، ويحفظونه فلا يضيعونه، ولكنهم يؤدّونها ويتعاهدونها على ما ألزمهم اللَّه وأوجب عليهم حفظها). وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: [مَنْ حَمَلَ علينا السلاح فليس مِنّا، ومَنْ غَشَّنا فليس منا] (٢). وفي الصحيحين من حديث أنس قال: قال النبي ﷺ : [لكل غادر لواء يومَ القيامة، يقال: هذه غَدْرةُ فلان] (٣). وفي جامع الترمذي بسند صحيح من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [المسلم أخو المسلم، لا يخونُه، ولا يَكذِبُه، ولا يخذُله، كل المسلم على المسلم حرام، عِرضُه ومالُه ودمُه] (٤). وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ﴾. أي: والذين لا يكتمون الشهادة التي استشهدوا عليها، بل يؤدونها صحيحة غير مبدلة ولا معدّلة.

стр. 5010

قال القرطبي: (﴿قَائِمُونَ﴾ على من كانت عليه من قريب أو بعيد، يقومون بها عند الحاكم ولا يكتمونها ولا يغيرونها). وفي التنزيل: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾. قال قتادة: (على وضوئها وركوعها وسجودها). وقيل: على مواقيتها وأركانها وواجباتها ومستحباتها. وقيل: الدوام عليها الاستكثار منها، والمحافظة عليها أن لا تضيع عن مواقيتها. قلت: الدوام يشمل المحافظة على أدائها وعدم الانشغال عنها. وأما المحافظة عليها فيضم مراعاة إسباغ الوضوء لها وإقامتها في مواقيتها بأركانها وواجباتها ومستحباتها وآدابها. وقد افتتح الكلام بذكر الدوام على الصلاة واختتمه بذكر المحافظة عليها، ليدل على مكانتها في الإسلام وشرفها وعلو قدر صاحبها. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾. أي: هؤلاء الموصوفون بهذه الصفات والنعوت الرفيعة هم أهل الكرامة وحسن التكريم في الآخرة، ينعمون بأنواع الملاذ، وصنوف المسارّ، وألوان الكرامات. وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [يُنادي مُنَادٍ: إنَّ لكم أن تَصِحُّوا فلا تَسْقموا أَبَدًا، وإنَّ لكم أن تَحْيَوا فلا تموتوا أبدًا، وإنَّ لكم أن تَشِبُّوا فلا تَهْرَمُوا أبدًا، وإنَّ لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدًا] (١). ٣٦ - ٤٤. قوله تعالى: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (٣٧) أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩) فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٤٢) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (٤٤)﴾. في هذه الآيات: استنكارٌ على المشركين نفورهم من الحق وقد رأوا أمامهم تأييد اللَّه نبيّه بالنصر والمعجزات، وتوبيخٌ لهم في طمعهم بالجنان وهم باقون على الشرك

стр. 5011

والموبقات، كلا فإن مآلهم إلى نار الجحيم والحميم والدركات. فقوله تعالى: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾. قال قتادة: (عامدين). وقال ابن زيد: (المهطع: الذي لا يطرف. وكان بعض أهل المعرفة بكلام العرب من أهل البصرة يقول: معناه: مسرعين). وعن الحسن: (﴿مُهْطِعِينَ﴾ قال: منطلقين). والمعنى: فمال هؤلاء الكفار من قومك -يا محمد- مسرعين نافرين منك وهم مشاهدون لما أيدك اللَّه به من الآيات والمعجزات. كما قال تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: ٤٩ - ٥١]. وقوله تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾. أي متفرقين، واحِدها عِزَةٌ. قال ابن عباس: (﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ قال: قَبِلك ينظرون، ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾. قال: العزِين: العُصَبُ من الناس، عن يمين وشمال مُعرِضين يستهزئون به). وعن الحسن: (﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾ متفرقين، يأخذون يمينًا وشمالًا يقولون: ما قال هذا الرجل؟ ). وقال قتادة: (﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾ أي: فِرَقًا حول النبي ﷺ لا يَرغبون في كتاب اللَّه، ولا في نبيّه ﷺ ). وفي صحيح مسلم عن جابر بن سمرة: [أن رسول اللَّه ﷺ خرجَ عليهم وهم حِلَقٌ، فقال: "ما لي أراكُم عِزينَ؟ "] (١). وقوله تعالى: ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) كَلَّا﴾. قال ابن كثير (أي: أيطَمعُ هؤلاء، والحالةُ هذه من فرارهم عن الرسول ونِفَارهم عن الحق أن يدخلوا جناتِ النعيم؟ بل مأواهم نارُ الجحيم). وقوله: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾. قال قتادة: (إنما خُلِقْتَ من قَذرٍ يا ابن آدم، فاتق اللَّه). قال ابن جرير: (يقول جلّ وعزّ: إنا خلقناهم من منيّ قذر، وإنما يستوجب دخول الجنة من يستوجبه منهم بالطاعة، لا بأنه مخلوق، فكيف يطمعون في دخول الجنة وهم عصاة كفرة).

стр. 5012

وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [المرسلات: ٢٠]. ٢ - وقال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ [الطارق: ٥ - ١٠]. ومن كنوز صحيح السنة حديث رائع في ذكر هذه الآيات موضع التفسير: فقد أخرج الحاكم في المستدرك، وأحمد في المسند، وابن ماجة مختصرًا، بإسناد صحيح -واللفظ للحاكم- عن جبير بن نفير، عن بسر بن جحاش القرشي قال: [تلا رسول اللَّه ﷺ هذه الآية: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (٣٧) أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾، ثم بزق رسول اللَّه ﷺ على كفّه فقال: يقول اللَّه: يا ابن آدم أنّى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه، حتى إذا سَوَّيْتُكَ وعدَّلتك مشيت بين بردتين وللأرض منك وئيد -يعني شكوى- فجمعت ومنعت، حتى إذا بلغت التراقي قلت: أتصدق، وأنى أوان الصدقة؟ ! ] (١). وقوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾. قال القرطبي: (﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ أي أقسم. و"لا" صلة. ﴿بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ هي مشارق الشمس ومغاربها. ﴿إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ يقول: نقدر على إهلاكهم والذهاب بهم، والمجيء بخير منهم في الفضل والطوع والمال. ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أي لا يفوتنا شيء ولا يعجزنا أمر نريده). وقوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾. تهديد ووعيد. أي: فاتركهم -يا محمد- يخوضوا في باطلهم ولهوهم وغرورهم، وانشغل أنت بما أمرت به من البلاغ وإقامة الدين الحق، فإن لهم يومًا يحاصرهم فيه العذاب ويدفعون ثمن الكبر والاستهتار غاليًا. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾.

стр. 5013

أي: إنه اليوم الذي يخرجون فيه من قبورهم مسرعين، وذلك حين يسمعون الصيحة الآخرة إلى إجابة الداعي كأنهم إلى عَلم أو غاية يستبقون. و﴿يَوْمَ﴾ بدل من "يَوْمَهُم" الذي قبله، والأجداث: القبور، وهي: جمع جدث. و ﴿سِرَاعًا﴾: أي مسرعين. وعن ابن عباس: (﴿إِلَى نُصُبٍ﴾ إلى غاية، وهي التي تنصب إليها بصرك). وهناك قراءة مشهورة بفتح النون، أي: "نَصْبٍ". قال الكلبيّ: (إلى شيء منصوب، عَلَم أو راية). والإيفاض الإسراع، فقوله: ﴿يُوفِضُونَ﴾. أي: يُسرعون. قال قتادة: (﴿كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ قال: إلى عَلَم يسعون). وقال أبو العالية: (إلى علامات يستبقون). وقوله: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ قال ابن جرير: (يقول: خاضعة أبصارهم للذي هم فيه من الخزي والهوان ﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ يقول: تغشاهم ذلة). والرَهَقُ: الغشيان. قال قتادة: (هو سواد الوجوه). والمقصود: ذليلة أبصارهم في ذلك اليوم لما يتوقعونه من الخزي والهوان والعذاب. وقوله: ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾. أي: ذلك هو اليوم الذي كانوا يوعدون في الدنيا أنهم ملاقوه، وأنه سيكون يوم شؤم عليهم، لما ينتظرهم فيه من العذاب والقصاص والنكال. تم تفسير سورة المعارج بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه مساء يوم الثلاثاء ٢٠ - شوال - ١٤٢٦ هـ الموافق ٢٢ - تشرين الثاني - ٢٠٠٥ م * * *

стр. 5014

دروس ونتائج وأحكام ١ - عذاب اللَّه لا شك واقع بالكافرين. ٢ - الملائكة يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج إلى اللَّه الذين باتوا فيكم ليسألهم عن حالكم. ٣ - لظى: اسم من أسماء جهنم، وأصله من التَلظِّي وهو التلَهُّب. ٤ - ويل لمانع الزكاة: كنزه صفائح نار وتدوسه بقره وإبله وغنمه غدًا. ٥ - تدعو النار أهلها بلسان فصيح، وتلتقطهم كما يلتقط الطير الحب. ٦ - الإنسان هلوع جزوع منوع إلا المصلين المزكين العفيفين. ٧ - ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط مُنْفِقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا. ٨ - احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك، وغطّ فخذك فإن الفخذ عورة. ٩ - لكل غادر لواء يوم القيامة، يقال: هذه غَدْرةُ فلان. ١٠ - الأمناء والقائمون بالقسط والمقيمون الصلاة والحافظون فروجهم أولئك في جنات النعيم، وأهل الكفر والكبر والعناد في نار الجحيم. * * *

стр. 5015

٧١ - سورة نوح وهي سورة مكية، وعدد آياتها (٢٨). موضوع السورة خبر نوح ﵊ وقصة إغراق اللَّه أهل الكفر والإجرام - منهاج السورة - ١ - إرسال اللَّه نبيه نوحًا ﵊، لينذر قومه مغبة الشرك باللَّه وتعظيم الشهوات والآثام. ٢ - صَبْرُ نوح ﷺ على أذى قومه اللئام، وهو يدعوهم إلى تعظيم اللَّه وعبادته وشكره على جميل الإنعام، ونتائج ذلك عليهم برغد العيش وحياة الكرام. ٣ - بثُّ نوح الشكوى إلى اللَّه العظيم، عما يلقاه من تمرد قومه واتباعهم سبل الشياطين. ٤ - إغراق اللَّه قوم نوح الكافرين، ودعاء نوح ربه إهلاك من في الأرض من المجرمين، والمغفرة له ولوالديه ولجميع المؤمنين.

стр. 5016

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ٤. قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١) قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤)﴾. في هذه الآيات: إخبار اللَّه تعالى عن إرساله نبيّه نوحًا ﷺ إلى قومه لينذرهم بأسه -جَلَّت عظمته- قبل حلوله، فإن تداركوا أنفسهم بالتوبة والإنابة وإفراده تعالى بالتعظيم ورسوله بالمتابعة رفع عنهم سخطه وكفّر عنهم سيئاتهم ومَدَّ في أعمارهم بالراحة والهناءة في العيش، ليوافقوا الأجل المسمى لهم في أم الكتاب. فقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾. نوح ﷺ هو أول رسول إلى أهل الأرض. ففي الصحيحين والمسند من حديث أبي هريرة -حديث الشفاعة- مرفوعًا: [فيقول آدم ﵇: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مِثْلَه، ولن يغضبَ بعدَه مِثْلَهُ، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي نفسي، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح. فيأتون نوحًا ﷺ فيقولون: يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض وسمّاك اللَّه عبدًا شكورًا فاشفع لنا إلى ربك. . .] الحديث (١). وقوله: ﴿أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ﴾. أي بأن أنذر قومك، فموضع ﴿أَنْ﴾ نصب بإسقاط الخافض. ويجوز ﴿أَنْ﴾ بمعنى المفإرة فلا محل لها من الإعراب. - حكاه القرطبي. وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. قال ابن عباس: (يعني عذاب النار في الآخرة). وقال الكلبي: (هو ما نزل عليهم من الطوفان). وقيل: أي أنذرهم العذاب الأليم على الجملة إن لم يؤمنوا.

стр. 5017

وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾. أي مخّوف بَيِّن النذارة، ظاهر الأمر واضحه، ومظهره بلسانكم الذي تعرفونه. وقوله تعالى: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾. قال قتادة: (أرسل اللَّه المرسلين بأن يُعْبَد اللَّهُ وحدَه، وأن تتقى محارمه، وأن يُطاع أمره). وقوله: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾. أي: إنْ أثبتّم للَّه تعالى وحده التعظيم، فأفردتموه بالعبادة وأفردتم رسوله بالمتابعة فيما جاءكم به من الوحي الكريم، غفر اللَّه لكم ذنوبكم. وفي ﴿مِنْ﴾ أكثر من تأويل عند المفسرين: التأويل الأول: ﴿مِنْ﴾ صلة زائدة. والتقدير: يغفر لكم ذنوبكم. قاله السدي. التأويل الثاني: ﴿مِنْ﴾ للتبعيض. والتقدير: يغفر لكم بعض ذنوبكم، وهو ما لا يتعلق بحقوق المخلوقين. قال ابن كثير: (وقيل: إنها للتبعيض، أي: يغفر لكم الذنوب العِظام التي وعدكم على ارتكابكم إياها الانتقام). التأويل الثالث: ﴿مِنْ﴾ بمعنى "عن". والتقدير: يصفح لكم عن ذنوبكم. واختاره ابن جرير. وقال زيد بن أسلم: (المعنى يخرجكم من ذنوبكم). وقال ابن شجرة: (يغفر لكم من ذنوبكم ما استغفرتموه منها). وقوله: ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. فيه أقوال متكاملة. ١ - قال ابن عباس: (أي ينسئ في أعماركم). ومفهومه: أن اللَّه تعالى كان قد قضى قبل خلقهم أنهم إن آمنوا بارك في أعمارهم، وإن لو يؤمنوا عوجلوا بالعذاب. - حكاه القرطبي. ٢ - قال مقاتل: (يؤخركم إلى منتهى آجالكم في عافية، فلا يعاقبكم بالقحط وغيره). ومفهومه: يؤخركم اللَّه بذلك من العقوبات والشدائد إلى آجالكم. ٣ - قال الزجاج: (أي يؤخركم عن العذاب فتموتوا غير موتة المستأصلين بالعذاب). وعن الفراء: (﴿أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ عندكم تعرفونه، لا يميتكم غَرَقًا ولا حَرقًا ولا قتْلًا). قلت: وزيادة العمر في الطاعة والبر وصلة الرحم زيادة حقيقية، وهي في علم اللَّه تعالى ومكتوبة في اللوح المحفوظ، وقد ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة.

стр. 5018

الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أنس بن مالك، أن رسول اللَّه ﷺ قال: [مَنْ أحَبَّ أن يُبْسَطَ له في رزقه، ويُنْسَأَ له في أثرِه، فليصل رحِمه] (١). وفي رواية: [مَنْ سَرَّه أن يُبْسَطَ له في رزقه أو يُنْسَأَ له في أثرِهِ فليصل رَحِمَه] (٢). قال الألباني ﵀: (هذا الحديث نص في أن صلة الرحم سبب للزيادة في الرزق وطول العمر، ولا ينافيه أن الرزق والعمر مقدران، فإنهما مقدران بأسبابهما. ألا ترى أن دخول الجنة أو النار مقدر أيضًا، ومع ذلك فدخولهما مربوط بالسبب من الإيمان أو الكفر. قال: فإذا قلنا طال عمره حقيقة بصلته للرحم فهو كما لو قلنا: دخل الجنة بإيمانه ولا فرق). الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد بإسناد صحيح عن عائشة، أن النبي ﷺ قال لها: [إنّه من أعطي حظّه من الرفق، فقد أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة، وصلة الرحم، وحسن الخلق وحسن الجوار، يعمران الديار، ويزيدان في الأعمار] (٣). الحديث الثالث: أخرج الطبراني بسند حسن عن أنس، عن النبي ﷺ قال: [صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وصدقة السر تطفئ غضب الرب، وصلة الرحم تزيد في العمر] (٤). وقوله: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. قال ابن كثير: (أي: بادِرُوا بالطاعة قبل حلول النقمة، فإنه إذا أَمَرَ تعالى بِكَوْنِ ذلك لا يُرَدُّ ولا يُمانَعُ، فإنه العظيم الذي قَهَرَ كُلَّ شيءٍ، العزيزُ الذي دانت لعِزَّته جميع المخلوقات). ٥ - ٢٠. قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (٦) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (٧) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (٩)

стр. 5019

فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢) مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (١٨) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (٢٠)﴾. في هذه الآيات: إخبارُ اللَّه تعالى عن صبر نبيِّه -نوح ﷺ على دعوة قومه وأذاهم في تلك المدة الطويلة التي هي ألف سنة إلا خمسين عامًا وهو يدعوهم ليلًا ونهارًا وسرًا وجهارًا، فلم يزدادوا إلا عتوًا ونفورًا واستكبارًا، وأنه دعاهم إلى تعظيم اللَّه واستغفاره وشكره الذي ينعكس عليهم رزقًا وخيرًا وأنهارًا، ومع ذلك أصروا على الكفر والمنكر وتناسوا النعم فهم لا يرجون للَّه وقارًا. فقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا﴾. قال النسفي: (دائبًا بلا فتور). والمقصود: واصلت لهم الدعاء ودأبت في ذلك بالليل والنهار حرصًا على نجاتهم. وقوله تعالى: ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾. قال القرطبي: (أي تباعدًا من الإيمان). وقال ابن جرير: (يقول: إلا إدبارًا عنه (١) وهربًا منه وإعراضًا عنه). وقوله: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾. أي: لئلا يسمعوا دعائي. قال ابن كثير: (أي سَدُّوا آذانهم لئلا يسمعوا ما أدعوهم إليه. كما أخبر تعالى عن كفار قريش: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦]). وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾. قال ابن عباس: (تنكَّروا له لئلا يعرفهم). وقال سعيد بن جبير: (غطوا رؤوسهم لئلا يسمعوا ما يقول). وقوله: ﴿وَأَصَرُّوا﴾. أي: ركبوا رؤوسهم بالاستمرار على ما هم عليه من الكفر والشّر فلم يتوبوا. والإصرار على الذنوب من أكبر الكبائر وفيه الوعيد الشديد. فقد أخرج البخاري في "الأدب المفرد"، وأحمد في المسند، بإسناد صحيح، عن

стр. 5020

عبد اللَّه بن عمرو مرفوعًا: [ارْحَموا تُرْحموا، واغْفِروا يُغْفَر لكم، وويل لأقماع القول، وويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون] (١). قال الزمخشري: (من المجاز: "ويل لأقماع القول" وهم الذين يستمعون ولا يعون). والمقصود: تشبيه الذين يستمعون القول فلا يعونه ولا يعملون به بالأقماع -جمع قِمْع، وهو الإناء الذي يجعل في رأس الظرف ليملأ بالمائع- لا تعي شيئًا مما يفرغ فيها، فكأنه يمر عليها مجتازًا كما يمر الشراب في القمع. وقوله: ﴿وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾. ﴿اسْتِكْبَارًا﴾ تفخيم. قال ابن جرير: (يقول: وتكبروا فتعاظموا عن الإذعان للحقّ، وقبول ما دعوتهم إليه من النصيحة). وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا﴾. أي جهرة بين الناس. قال مجاهد: (الجهار الكلام المعلن به). وقوله: ﴿ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ﴾. أي صرخت لهم ورفعت صوتي بإنذارهم. قال مجاهد: (﴿أَعْلَنْتُ لَهُمْ﴾ يقول: صحت بهم). وقوله: ﴿وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾. قال مجاهد: (فيما بيني وبينهم). أي: أخفيت دعوتي بيني وبين بعضهم، وأتيتهم في منازلهم، فنَوّعت في أساليب تلطَّفي لهم، لقبول دعوتي حرصًا على نجاتهم. وقوله تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾. أي: فقلت لهم: سلوا اللَّه المغفرة من ذنوبكم السالفة وما اجترحتم من الآثام، بإخلاصكم إليه التقرب والتوسل بصحيح الإيمان، إنه سبحانه هو السِّتير الغفار صاحب الغفران. قال الفضيل: (يقول العبد: أستغفر اللَّه. وتفسيرها أَقِلْني). وقوله تعالى: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾. قال البخاري: قال ابن عباس: (﴿مِدْرَارًا﴾: يتبع بعضها بعضًا). أي: إنكم إن أخلصتم التعظيم والعبادة للَّه العظيم،

стр. 5021

وأحسنتم الاستغفار والإنابة إليه سقاكم من غيث كثير متتابع إنه هو البرّ الرحيم. وقال النسفي: (﴿مِدْرَارًا﴾ كثيرة الدّرور). يروي ابن جرير بإسناده عن الشعبي قال: (خرج عمر بن الخطاب يستسقي، فما زاد على الاستغفار، ثم رجع فقالوا: يا أمير المؤمنين ما رأيناك استسقيت، فقال: لقد طلبت المطر بمجاديح (١) السماء التي يستنزل بها المطر، ثم قرأ: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾، وقرأ الآية التي في سورة هود حتى بلغ: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: ٥٢]). وقال الأوزاعي: (خرج الناس يستسقون، فقام فيهم بلال بن سعد فحمد اللَّه وأثنى عليه، ثم قال: اللهم إنا سمعناك تقول: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] وقد أقررنا بالإساءة، فهل تكون مغفرتك إلا لمثلنا؟ ! اللهم اغفر لنا وارحمنا واسقنا! فرفع يديه ورفعوا أيديهم فَسُقوا). وقوله تعالى: ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾. قال قتادة: (علم نبي اللَّه ﷺ أنهم أهل حرص على الدنيا فقال: هلمّوا إلى طاعة اللَّه، فإن في طاعة اللَّه درك الدنيا والآخرة). وقال ابن صبيح: (شكا رجل إلى الحسن الجدوبة فقال له: استغفر اللَّه. وشكا آخر إليه الفقر فقال له: استغفر اللَّه. وقال له آخر: ادع اللَّه أن يرزقني ولدًا، فقال له: استغفر اللَّه. وشكا إليه آخر جفاف بستانه، فقال له: استغفر اللَّه. فقلنا له في ذلك؟ فقال: ما قلت من عندي شيئًا، إن اللَّه تعالى يقول في سورة "نوح": ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾). قال ابن كثير: (أي: إذا تُبْتم إلى اللَّه واستغفرتموه وأطعتموه كَثُرَ الرزقُ عليكم، وأسقاكم من بَرَكات السماء، وأنبت لكم من بركات الأرض، وأنبتَ لكم الزرعَ، وأدرَّ لكم الضَّرعَ، وأمدَّكم بأموال وبنينَ، أي: أعطاكمُ الأموالَ والأولادَ، وجعل لكم جناتٍ فيها أنواع الثمار، وخَلَّلهَا بالأنهار الجارية بينها). وقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾. ترهيب بعد ترغيب. وفيه أقوال متقاربة:

стр. 5022

١ - قال ابن عباس: (﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ يقول: عظمة). وقال مجاهد: (لا تبالون للَّه عظمة). أو قال: (لا تبالون عظمة ربكم. قال: والرجاء: الطمع والمخافة). ٢ - قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: (ما لكم لا تعظمون اللَّه حق عظمته). ٣ - قال ابن عباس في رواية أخرى: (ما لكم لا تعلمون للَّه عظمة). ٤ - قال قتادة: (﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾: لا ترجون للَّه عاقبة). ٥ - قال ابن زيد: (﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ قال: الوقار الطاعة). والخلاصة: عدل القرآن بهم من دعوتهم بمقام الترغيب إلى دعوتهم بمقام الترهيب من اللَّه وبأسه ونقمته وجبروته. وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾. أي: وقد خلقكم سبحانه حالًا بعد حال، طورًا نطفة، وطورًا علقة، وطورًا مضغة. قال ابن عباس: (﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾. يقول: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة). قال مجاهد: (من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم ما ذكر حتى يتمّ خلقه). وقال قتادة: (طورًا نطفة، وطورًا علقة، وطورًا عظامًا، ثم كسا العظام لحمًا، ثم أنشأه خلقًا آخر، أنبت به الشعر، فتبارك اللَّه أحسن الخالقين). وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾. هو دليل آخر يقرع اللَّه به آذان وأبصار المشركين: أنَّ الذي قدّر هذا التركيب العلوي العجيب يجب أن يُعْبَد. وعن ابن عباس: (﴿طِبَاقًا﴾. بعضها فوق بعض، كل سماء مطبقة على الأخرى كالقباب). قال القرطبي: (وقوله ﴿أَلَمْ تَرَوْا﴾ على جهة الإخبار لا المعاينة. قال: ﴿طِبَاقًا﴾ نصب على أنه مصدر، أي مطابقة طباقًا. أو حال بمعنى ذات طباق، فحذف ذات وأقام طِباقًا مقامه). وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾. هو كقوله جلت عظمته: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٥]. قال ابن كثير: (﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾. أي: فاوت بينهما في الاستنارة، فجعل كُلًا منهما أُنموذَجًا على حِدَةٍ، لِيُعْرَفَ الليلُ والنهار بمطلَع الشمس

стр. 5023

وَمَغيبها، وقدَّر القمر منازلَ وبُروجًا، وفاوت نورَهُ، فتارةً يزدادُ حتى يتناهى ثم يشرع في النقص حتى يسْتَسِرَّ، ليدلَّ على مضي الشهور والأعوام). وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾. قال ابن جريج: (يعني آدم ﵇ خلقه من أديم الأرض كلها). وقال النسفي: (﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ أنشأكم، استعير الإنبات للإنشاء ﴿نَبَاتًا﴾ فنبتم نباتًا). وقال ابن جريج: (أنبتهم في الأرض بالكِبَر بعد الصِّغَر وبالطول بعد القِصَر). قلت: وقد ثبت في السنة الصحيحة أن اللَّه ﵎ قبض قبضة من جميع ترب الأرض فخلق منها آدم، فجاء نسله متفاوتًا حسب طبيعة تلك الترب، فأشبه خلق الإنسان خلق النبات وترعرعه. فقد أخرج الترمذي بسند صحيح عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إنَّ اللَّه خلقَ آدَمَ من قُبْضَةٍ قَبَضَها من جميع الأرض، فجاءَ بنو آدَمَ على قَدْر الأرض، فجاءَ مِنهم الأحْمَرُ، والأبيضُ، والأسودُ، وبين ذلك، والسَّهْلُ، والحَزْنُ، والخبيثُ، والطيِّبُ] (١). وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾. أي: ثم يعيدكم في الأرض عند موتكم فتدفنون فيها، إلى أن يخرجكم من قبوركم بالنشور للبعث يوم القيامة. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا﴾. أي مبسوطة تستقرون عليها، فقد مَهَّدَها لكم لتصلح لانتشاركم في معايشكم، وقرَّرها وثَبَّتها بالجبال الراسيات والشمِّ الشامخات. وقوله تعالى: ﴿لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾. قال ابن عباس: (يقول: طرقًا مختلفة). وقال قتادة: (طرقًا وأعلامًا). والفجاج: جمع فجّ: وهو الطريق. والمعنى: يقول نوح لقومه -في معرض تذكيرهم نعم ربه عليهم-: إن اللَّه تعالى قد مهّدَ لكم هذه الأرض وبسطها لتستقروا عليها، ولتسلكوا منها طرقًا صعابًا متفرقة في أرجائها وأطرافها ونواحيها لالتماس مصالحكم. فجمع لكم بذلك بين تسخير المنشآت العلوية والسفلية، لتنالوا من الفوائد والمنافع السماوية والأرضية. أفلا يحملكم هذا على إفراده تعالى بالعبادة والتعظيم، فتعبدوه ولا تشركوا به شيئًا؟ !

стр. 5024

٢١ - ٢٤. قوله تعالى: ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (٢٤)﴾. في هذه الآيات: بثُّ نوحٍ ﵇ الشكوى إلى اللَّه العظيم، عما يلقاه من عصيان قومه واتباعهم الهوى وتعظيم الأصنام وما يملي لهم الشيطان الرجيم، وأهل الدنيا والشهوات وَمَنْ مُتِّعَ بأموال وبنين. فقوله تعالى: ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي﴾. قال القرطبي: (شكاهم إلى اللَّه تعالى، وأنهم عصوه ولم يتّبعوه فيما أمرهم به من الإيمان). وقوله: ﴿وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا﴾. أي واتبعوا ساداتهم وأغنياءهم وكبراءهم من أبناء الدنيا والشهوات ممن لم يزدهم كفرهم وأموالهم وأولادهم إلا ضلالا في الدنيا وهلاكًا في الآخرة. وقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾. قال مجاهد: (عظيمًا). وقال ابن زيد: (كثيرًا). قال المبرد: (﴿كُبَّارًا﴾ بالتشديد للمبالغة) (١). والمقصود: مكروا مكرًا كبيرًا عظيمًا، في إصرارهم على الكفر والكبر، وتحريشهم السفلة على قتل نوح ومحاصرة دعوته. وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾. أي: وقال الرؤساء لسفلتهم حافظوا على آلهتكم ولا تتركوا هذه الأنصاب وعظموها. قال البخاري: حدثنا إبراهيم بن موسى: أخبرنا هشامٌ عن ابنِ جُرَيجٍ. وقال عطاءٌ عن ابن عباس ﵄: [صارت الأوثان التي كانت في قوم نوحٍ في العرب بعْدُ، أَمَّا وَدٌّ: فكانت لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الجَنْدَل، وأما سُوَاعٌ: فكانت لِهُذَيْلٍ، وأمّا يغوثُ:

стр. 5025

فكانت لِمُرادٍ ثُمَّ لبني غُطَيْفٍ، بالجُرْفِ عِنْدَ سَبَأٍ، وأمّا يعوقُ: فكانت لِهَمْدانَ، وأَمَّا نَسْرٌ: فكانَتْ لِحِمْيَرَ، لآلِ ذِي الكَلاع، أسماء رجالٍ صالحين مِنْ قومِ نوح، فلما هَلَكُوا أوْحى الشيطان إلى قومهم أن انْصِبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنْصابًا وسَمّوها بأسْمائهم، فَفَعَلُوا، فلم تُعْبَدْ، حتى إذا هلك أولئِكَ وتَنَسَّخَ العِلْمُ عُبِدَتْ] (١). وقال ابن جرير: حَدَّثَنَا ابن حُمَيد، حدَّثنا مهرانُ، عن سفيان، عن موسى، عن محمد بن قيس ﴿وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ قال: (كانوا قومًا صالحين بين آدم ونوح. وكان لهم أتباعٌ يقتدون بهم، فلما ماتُوا قال أصحابهُم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صَوَّرناهم كان أشوق لنا إلى العبادةِ إذا ذكرناهم. فصَوَّروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دَبَّ إليهم إبليسُ فقال: إنما كانوا يعبدُونهم وبهم يُسْقَون المطرَ. فعبدوهم). والخلاصة: هذه كانت أكبر أصنامهم التي صوَّروها وأوحى الشيطان إليهم فنصبوا لها أنصابًا وعبدوها. فودّ صنم على صورة رجل، وسواعٌ على صورة امرأة، ويغوث على صورة أسد، ويعوق على صورة فرس، ونسرٌ على صورة نسر. وقد انتقلت هذه الأصنام عن قوم نوح إلى العرب، فكان ودّ لكلب، وسواع لهمدان، ويغوث لمذحج، ويعوق لمراد، ونسر لحمير. وقوله: ﴿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾. أي: وقد ضلّ بعبادة هذه الأصنام خلق كثير، فاستمرت عبادتها في العرب والعجم إلى الأزمنة التي بعدها إلى يومنا هذا. قال ابن جرير: (فَنُسِبَ الضلال إذ ضَلَّ بها عابدوها إلى أنها المُضِلّة). وقد قال الخليل ﵇ في دعائه: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٥ - ٣٦]. وقوله: ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا﴾. قال ابن كثير: (دعاءٌ منه على قومه لِتَمرّدهم وكُفرهم وعِنادهم، كما دعا موسى ﵇ على فرعون وملئِه في قوله: ﴿رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨]. وقد استجاب اللَّه لكل من النَّبِيَّيْنِ في قومه، وأغرق أمَّته بتكذيبهم لما جاءهم به).

стр. 5026

٢٥ - ٢٨. قوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا (٢٥) وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (٢٨)﴾. في هذه الآيات: إغراقُ اللَّه قوم نوح الكافرين بالطوفان، ليدخلوا بعد ذلك عذاب نار القبر ضريبة الآثام. ودعاء نوح ربه إهلاك مَنْ في الأرض مِن الكافرين، والمغفرة له ولوالديه ولجميع المؤمنين. فقوله: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾. أي: فمن إصرارهم على الكفر ومخالفة رسولهم أغرقوا بالطوفان ثم أدخلوا في النيران. قال سفيان: (﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ قال: بخطيئاتهم أُغرقوا). وقال الفراء: (المعنى: من أجل خطاياهم). وقال القرطبي: (﴿مَا﴾ صلة مؤكدة، والمعنى من خطاياهم. ﴿فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ أي بعد إغراقهم). قال القشيريّ: (وهذا يدل على عذاب القبر). وقال ابن كثير: (﴿أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾، أي: نُقِلوا من تَيَّار البحار إلى حرارة النار). قلت: والقول بأنه عذاب القبر قبل عذاب جهنم قول سديد. وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [الأعراف: ١٦٧]. وفي سنن أبي داود ومستدرك الحاكم بسند صحيح من حديث البراء: [فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فينادي مناد من السماء: أن كذب، فافرشوه من النار وافتحوا له بابًا إلى النار، فيأتيه من حرِّها وسمومها ويضيق عليه قبره، حتى تختلف أضلاعه. . .] الحديث (١).

стр. 5027

وقوله: ﴿فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا﴾. قال ابن جرير: (تقتص لهم ممن فعل ذلك بهم، ولا تحول بينهم وبين ما فعل بهم). وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾. هو دعاء نوح ﷺ على قومه حين يئس من اتباعهم إياه. قال قتادة: (دعا عليهم بعد أن أوحى اللَّه إليه). وقال السدي: (﴿دَيَّارًا﴾: أي من يسكن الديار). وقال الضحاك: (واحدًا). وأصل ﴿دَيَّارًا﴾ الذي يدور في الأرض فيذهب ويجيء، وهو فيْعال من الدوران ديوارًا، فاجتمعت الياء والواو فأدغمت الواو فيها وصيرتا ياء مشددة، كما قيل: الحيّ القيام من قمت، وإنما هو قيوام. ذكره ابن جرير ثم قال: (والعرب تقول ما بها ديار ولا عريب، ولا دوي، ولا صافر، ولا نافخ ضرمة، يعني بذلك كله: ما بها أحد). وقال القُتَبيّ: (أصله من الدار، أي نازل بالدار. يقال: ما بالدار ديار، أي أحد). وفي صحيح مسلم -كان من دعاء النبي ﷺ على الأحزاب يوم الخندق-: [اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم] (١). وقوله: ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ﴾. أي: إن تركتهم ولم تهلكهم يضلوا عبادك الذين قد آمنوا بك، ومَنْ سيجيء بعدهم. وقوله: ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾. أي: ولا يكون في عقبهم ونسلهم ﴿إِلَّا فَاجِرًا﴾ في دينك ﴿كَفَّارًا﴾ لنعمتك. قال النسفي: (﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ إلا من إذا بلغ فجر وكفر، وإنما قال ذلك لأن اللَّه تعالى أخبره بقوله: لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن). وقوله: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾. قال القرطبي: (دعا لنفسه ولوالديه وكانا مؤمنين. وهما: لمك بن مُتَوَشْلِخ، وشمخى بنت أنوش، ذكره القشيري والثعلبي). وقيل: (﴿وَلِوَالِدَيَّ﴾: آدم وحواء). والأول أقرب، واللَّه أعلم. وقوله: ﴿وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا﴾. قال الضحاك: (يعني مسجدي). وظاهر الآية يشمل كل من دخل منزله وهو مؤمن، فهو داخل في دعوته. وفي سنن أبي داود والترمذي بسند حسن عن أبي سعيد: أنه سمع رسول اللَّه ﷺ

стр. 5028

يقول: [لا تَصْحَبْ إلا مؤمنًا، ولا يأكُلْ طعامَكَ إلا تقِيّ] (١). وقوله: ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾. دعوة تشمل كل مؤمن ومؤمنة. قال الضحاك: (عامة إلى يوم القيامة). وقال ابن كثير: (دعاء لجميع المؤمنين والمؤمنات، وذلك يَعُمُّ الأحياء منهم والأموات، ولهذا يُسْتَحبُّ مثلُ هذا في الدعاء، اقتداء بنوع ﵇، وبما جاء في الآثار والأدعية المشروعة). قلت: ومن ذلك ما أخرج الطبراني بسند حسن عن عبادة، عن النبي ﷺ قال: [من استغفر للمؤمنين وللمؤمنات، كتبَ اللَّه له بكلِّ مُؤمنٍ ومؤمنةٍ حسنة] (٢). وقوله: ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾. قال مجاهد: (إلا خسارًا). وقال السُدِّي: (إلا هلاكًا). والتبار: الهلاك والدمار. والمقصود: دعا نوح ﵊ على الكافرين أن لا يزدادوا في إصرارهم على كفرهم إلا دمارًا وهلاكًا وخسارًا في الدنيا والآخرة، وهي دعوة تشمل كل كافر ومشرك إلى يوم القيامة. تم تفسير سورة نوح بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه صبيحة يوم الجمعة ٢٣ - شوال - ١٤٢٦ هـ الموافق ٢٥ - تشرين الثاني - ٢٠٠٥ م * * *

стр. 5029

دروس ونتائج وأحكام ١ - أمر اللَّه نوحًا ﷺ أن ينذر قومه بأس اللَّه قبل حلوله. ٢ - لم تزد دعوة نوح ﷺ لقومه إلا فرارًا من رسالته. ٣ - مَنْ أحَبَّ أن يُبْسَط له في رزقه ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه. ٤ - صنائع المعروف تقي مصارع السوء وآلافات والهلكات، وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة. ٥ - نوَّعَ نوحٌ ﷺ لقومه أسباب الترغيب والترهيب بلا فائدة. ٦ - أصنام قوم نوح هي تماثيل لرجال صالحين سابقين. ٧ - عذاب القبر حق، والكافر يفرش له في قبره من النار. ٨ - لا تصحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي. ٩ - دعاء نوح ﷺ باستئصال الكافرين والمغفرة للمؤمنين خلَّده القرآن الكريم. ١٠ - من استغفر للمؤمنين والمؤمنات، كتب اللَّه له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة. * * *

стр. 5030

٧٢ - سورة الجن وهي سورة مكية، وعدد آياتها (٢٨). قال المهايميّ: (سميت بها لاشتمالها على تفاصيل أقوالهم في تحسين الإيمان، وتقبيح الكفر، مع كون أقوالهم أشد تأثيرًا في قلوب العامة، لتعظيمهم إياهم). أسباب النزول: أخرج البخاري ومسلم والترمذي عن ابن عباس قال: [انطلق رسول اللَّه ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين. فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب. قال: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا ما حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الأمر الذي حدث؟ ! فانطلقوا فضربوا مشارق الأرض ومغاربها ينظرون ما هذا الأمر الذي حال بينهم وبين خبر السماء. قال: فانطلق الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول اللَّه ﷺ بنخلة وهو عامد إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن تسمّعوا له فقالوا: هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك رجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا إنا سمعنا قرآنا عجبًا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدًا. وأنزل اللَّه على نبيه ﷺ : ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾] (١).

стр. 5031

موضوع السورة استماع الجن للقرآن الكريم وافتراق أقوامهم إلى صالحين وفاسقين - منهاج السورة - ١ - إخبار اللَّه تعالى عن استماع نفر من الجن هذا القرآن، وإعلان إيمانهم به وتكذيب زعيمهم الشيطان، وأتباعه من شياطين الإنس والجان. ٢ - اعتراف الجن بالشهب الحارقة تمنعهم خبر السماء، وأن أهل الأرض يذوقون بسبب ذنوبهم الشقاء. ٣ - انقسام الجن إلى فريقين: مؤمنين وفاسقين. فأهل الإيمان آمنون في جنات النعيم، وأهل الفسق خالدون مع إبليس في نار الجحيم. ٤ - إثبات المساجد للَّه فلا يعبد فيها إلا اللَّه العظيم، وما على الرسول إلا البلاغ المبين، ومن أصر على الشرك والمعصية صار يوم القيامة إلى الجحيم. ٥ - إثبات علم الغيب وأمر الوعد والوعيد للَّه العلي العظيم، فهو سبحانه قد أرسل الرسل وعَلِمَ أعمالهم وأحصى كل شيء في كتاب مبين.

стр. 5032

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ٧. قوله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢) وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (٣) وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (٤) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (٥) وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (٧)﴾. في هذه الآيات: إخبارُ اللَّه تعالى عن استماع نفر من الجن هذا القرآن، وإعلان إيمانهم به وكذب زعيمهم الشيطان، وكذلك أتباعه من شياطين الإنس والجان. فقوله: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾. أي: قل يا محمد مخبرًا قومك: أوحى اللَّه إلي أن نفرًا من الجن استمعوا هذا القرآن. والنّفر جماعة من الثلاثة إلى العشرة. وقوله: ﴿مِنَ الْجِنِّ﴾ أي: جن نصيبين. وقوله: ﴿فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾. قال النسفي: (﴿فَقَالُوا﴾ لقومهم حين رجعوا إليهم من استماع قراءة النبي ﷺ في صلاة الفجر ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ عجيبًا بديعًا مباينًا لسائر الكتب في حسن نظمه وصحة معانيه، والعجب ما يكون خارجًا عن العادة، وهو مصدر وضع موضع العجيب). وقوله: ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾: أي إلى السّداد والنجاة والفلاح. وهو منهج التوحيد والحق والإيمان. وقوله: ﴿فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾. أي: فصدقناه ولن نشرك بربنا أحدًا من خلقه. وقوله: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾. الجدّ في لغة العرب: العظمة والجلال. أي: تعالت عظمته وتقدس أمره وفضله ﷻ . قال ابن عباس: (﴿جَدُّ رَبِّنَا﴾ أي: فِعْلُهُ وأمرُه

стр. 5033

وقدرتُه). وقال أيضًا: (جدُّ اللَّه: آلاؤه وقدرته ونِعمته على خلقه). وقال مجاهد: (﴿جَدُّ رَبِّنَا﴾: جلال ربنا). وقال قتادة: (تعالى جلالُه وعظمته وأمره). وقال السُّدِّي: (تعالى أمرُ ربنا). وقال سعيد بن جبير: (تعالى ربُّنا). وفي الصحيحين من حديث المغيرة مرفوعًا: [ولا ينفع ذا الجدِّ منك الجد] (١). قال أبو عبيدة والخليل: (أي ذا الغنى، منك الغنى، إنما تنفعه الطاعة). وقوله: ﴿مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾. هو تنزيهٌ من مؤمني الجن -حين أسلموا وآمنوا بالقرآن- للَّه تعالى أمره وجلت قدرته، عن اتخاذ الصاحبة والولد. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا﴾. أي: وأنه كان يقول إبليس على اللَّه جورًا وظلمًا، وباطلًا وزورًا. قال مجاهد: (﴿سَفِيهُنَا﴾ يعنون إبليس). وقال السُّدي، عن أبي مالك: (﴿شَطَطًا﴾، أي: جورًا). وقال ابن زيد: (ظُلمًا كبيرًا). قال ابن كثير: (ويُحتمل أن يكون المرادُ بقولهم: ﴿سَفِيهُنَا﴾: اسمَ جنس لكل من زَعَم أن للَّه صاحبةً أو ولدًا. ولهذا قالوا: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا﴾، أي: قبل إسلامِه ﴿عَلَى اللَّهِ شَطَطًا﴾، أي: باطلًا وزُورًا). وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾. قال القرطبي: (﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا﴾ أي حسبنا ﴿أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ فلذلك صدقناهم في أن للَّه صاحبة وولدًا، حتى سمعنا القرآن وتَبَيَّنًا به الحقّ). وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾. ترهيب من التعامل مع الجن، كالاستعاذة بهم أو استخدامهم في السحر والإضلال. قال السُّدي: (كان الرجل يخرُج بأهله فيأتي الأرض فينزلها فيقول: أعوذُ بسيِّد هذا الوادي من الجِنِّ أن أُضَرَّ أنا فيه أو مالي أو ولدي أو ماشِيتي، قال: فإذا عاذَ بهم من دون اللَّه رَهقَتهم الجنِّ الأذى عند ذلك). وقال عكرمة: (كان الجن يَفْرَقُون من الإنس كما يفرَقُ الإنس منهم أو أشد، فكان الإِنسُ إذا نزلوا واديًا هَرَبَ الجِنُّ، فيقول سَيِّدُ القوم: نعوذ بسيِّد أهل هذا الوادي. فقال الجِنُّ: نراهُم يَفْرَقُونَ منا كما نَفْرَقُ منهم. فدنَوا من الإنس فأصابوهم بالخَبَلِ

стр. 5034

والجُنونِ، فذلك قول اللَّه : ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾). رواه ابن أبي حاتم. وقال قتادة: (﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾، أي إثمًا، وازدادت الجِنُّ عليهم جَرَاءَةً). وقال أبو العالية: (﴿رَهَقًا﴾، أي: خوفًا). وقال مجاهد: (زاد الكفارُ طغيانًا). والمقصود: لما رأت الجن التماس بعض الإنس الفرج منهم تسلطوا عليهم بمزيد من الخوف والإرهاب والذعر والطغيان، حتى أوقعوهم في الشرك أكبر والموبقات والظلم والآثام. وفي التنزيل نحو ذلك: قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨) وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٨ - ١٢٩]. قال ابن عباس: (﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾ يعني أضللتم منهم كثيرًا). وقال مجاهد: (كثر من أغويتم). فحكى اللَّه إجابتهم بقوله: ﴿وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾. والتقدير في العربية: استمتع بعضنا بعضًا. قال ابن جريج: (كان الرجل في الجاهلية ينزل الأرض فيقول: أعوذ بكبير هذا الوادي، فذلك استمتاعهم، فاعتذروا يوم القيامة). وقال القرطبي: (فاستمتاع الجن من الإنس أن تلذذوا بطاعة الإنس إياهم، وتلذذ الإنس بقبولهم من الجن حتى زنوا وشربوا الخمور بإغواء الجن إياهم). وقيل: وأما استمتاع الجن بالإنس فبما كانوا يلقون إليهم من الأراجيف والكهانة والسحر. وقيل: استمتاع الجن بالإنس أنهم يعترفون أن الجن يقدرون أن يدفعوا عنهم ما يحذرون. وعن ابن زيد: (﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا﴾: ظالمي الجن وظالمي الإنس، وقرأ: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦]، قال: نسلط ظلمة الجن على ظلمة الإنس). قلت: فهذا التسليط من اللَّه تعالى لظلمة الجن على ظلمة الإنس داخل في مفهوم قوله جلت عظمته: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾.

стр. 5035

وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا﴾. إخبارٌ من اللَّه سبحانه عن قيل هؤلاء النفر من الجن: عن ظنهم أن لن يبعث اللَّه بعد هذه المدة رسولًا يدعوهم إلى التوحيد ويصحح له المسار، كما ظن بعض رجال الإنس. قال الكلبي: (ظن كفار الجنّ كما ظن كفرة الإنس أن لن يبعث اللَّه رسولًا). واختاره ابن جرير. ويجوز أن يكون المعنى أن الجن ظنوا كما ظننتم يا أهل مكة أنه لا بعث بعد الموت. قال النسفي: (أي إن الجن كانوا ينكرون البعث كإنكاركم، ثم بسماع القرآن اهتدوا وأقروا بالبعث فهلا أقررتم كما أقروا). ٨ - ١٠. قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩) وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠)﴾. في هذه الآيات: اعترافُ الجن بالشهب الحارقة التي أصبحت تمنعهم خبر السماء، وحسن أدبهم في نسب إرادة الرشد لربهم وأنه يذوق أهل الأرض بِسبب ذنوبهم الشقاء. فقوله: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾. قال النسفي: (طلبنا بلوغ السماء واستماع أهلها. واللمس: المس، فاستعير للطلب لأن الماس طالب متعرف). وقوله: ﴿فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا﴾. قال ابن جرير: (يعني حفظة). والمقصود: فوجدنا جمعًا أقوياء من الملائكة يحرسون ويمنعون الجن من الاقتراب. وقوله: ﴿وَشُهُبًا﴾. جمع شهاب، وهي النجوم التي كانت تُرجم بها الشياطين. والمقصود: أن الشياطين كانت تسترق السمع من السماء مما تتكلم به الملائكة مما قضى اللَّه به في الأرض، فيلقونه إلى الكهنة والسحرة ليضلوا الناس عن الدين الحق، فلما بُعِثَ النبي ﷺ حفظ اللَّه السماء بالحرس الشديد والشهب الحارقة، فطرِدت الشياطين عن مقاعدها، وهذا من لطف اللَّه بخلقه، وحفظه لكتابه. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾.

стр. 5036

قال قتادة: (كانت الجن تسمع سمع السماء، فلما بعث اللَّه نبيّه، حُرست السماء، ومنعوا ذلك، فتفقّدت الجنّ ذلك من أنفسها). والرَّصَد: الحافظ للشيء والجمع أرصاد، وقيل: الرصد هو الشهاب، أي شهابًا قد أرصد له ليرجم به. أخرج البخاري في صحيحه عن عكرمة قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: [إن نبيَّ اللَّه ﷺ قال: إذا قضى اللَّه تعالى الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله كأنه سلسلة على صفوان (١)، فإذا فُزِّعَ عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال الحق وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض، فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه فيكذب معها مئة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا، كذا وكذا، فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء] (٢). وأخرج الترمذي بسند صحيح عن ابن عباس قال: [كان الجن يصعدون إلى السماء يستمعون الوحي فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تسعًا. فأما الكلمة فتكون حقًا، وأما ما زادوه فيكون باطلًا. فلما بعث رسول اللَّه ﷺ منعوا مقاعدهم، فذكروا ذلك لإبليس، ولم تكن النجوم يرمى بها قبل ذلك، فقال لهم إبليس: ما هذا إلا من أمر قد حدث في الأرض، فبعث جنوده فوجدوا رسول اللَّه ﷺ قائمًا يصلي بين جبلين -أراه قال بمكة- فلقوه فأخبروه هذا الحدث الذي حدث في الأرض] (٣). وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾. قال ابن كثير: (أي لا ندري أشر أريد بأهل الأرض أم رشد، وهذا من أدبهم في العبارة حيث أسندوا الشر إلى غير فاعل، والخير أضافوه إلى اللَّه . وقال ابن القيم: (قول مؤمني الجن: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ فأتوا بالفعل المبني للمجهول تأدبًا ولم يقولوا أراده ربهم. وكذلك قول الخضر في السفينة: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف: ٧٩] ولم يقل فأراد ربك أن أعيبها بينما قال في الغلام:

стр. 5037

﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾ [الكهف: ٨٢]). وقال في موضع آخر: (ومن ذلك الأدب الرفيع قول إبراهيم ﷺ : ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ عطفًا على قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨ - ٧٩]. فنسب كل الخير للَّه سبحانه، وتأدب مع اللَّه فقال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ﴾ ولم يقل وإذا أمرضني، مع أن الخلق كله للَّه، ولكن ما أصابه من مرض ينسبه إلى سبب من الذنب أو التقصير في حق اللَّه ﵎. ومثله قول موسى ﵇ لما تمتع بالقوة وأدْهَشَ من حوله أمام البئر قال متأدبًا متواضعًا للَّه: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤]. ومثله قول أيوب: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣]. فهو غاية في الأدب مع اللَّه نسب الضر وإصابته له لتقصير منه فمسَّه، ولم يقل فعافني واشفني بل قال متواضعًا مخبتًا مستسلمًا للَّه: ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾. وكذلك قال آدم من قبل: (﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] ولم يحتج بالقضاء والقدر) (١). قلت: وهذا الأدب الرفيع قد ورد في السنة الصحيحة في أحاديث، منها: الحديث الأول: روى مسلم في صحيحه من حديث علي بن أبي طالب -في استفتاح النبي ﷺ في صلاة الليل-: [أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفتُ بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعًا، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسنِ الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها، لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، والخيرُ كُلُّهُ في يَدْيكَ، والشَّرُ ليس إليك، أنا بِكَ وإليكَ] الحديث (٢). فقوله: "والشرّ ليس إليك" يمثل تأدبًا رفيعًا مع اللَّه سبحانه، فهو ينسب الذنب والتقصير والمصائب لنفسه مع أن الكل من خلق اللَّه وتقديره. الحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه عن شداد بن أوس ﵁، عن النبي ﷺ قال: [سَيِّدُ الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك وَوَعْدِك ما استطعت، أعوذ بك من شَرِّ ما صَنَعْتَ، أبوء لك بنعمتك عليَّ وأبوء بذنبي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. من قالها من النهار موقنًا بها، فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل

стр. 5038

وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة] (١). فهذا الحديث هو سيد الاستغفار، فقد جمع من أبلغ الأدب وأرفع الخصال، فلفظة "أبوء" تعني أقِرُّ وأعترف فيها من الأدب الكثير، فرتب اللَّه على صاحبها الجزاء الكبير. ١١ - ١٧. قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (١١) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (١٢) وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (١٣) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (١٤) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥) وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (١٧)﴾. في هذه الآيات: انقسام الجن إلى فريقين: مؤمنين وفاسقين، فأهل الإيمان آمنون في جنات النعيم، ومن فسق عن أمر اللَّه كان مع إبليس في نار الجحيم. فقوله تعالى: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾. أي: منا المسلمون العاملون بطاعة اللَّه، ومنا غير ذلك. قال ابن عباس: (منا المسلم، ومنا المشرك). وقوله: ﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾. قال عكرمة: (يقول: أهواء مختلفة). وقال قتادة: (كان القوم على أهواء شتى). وقال مجاهد: (﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ قال: مسلمين وكافرين). وقال ابن زيد: (صالح وكافر). والطرائق: جمع طريقة، والمقصود طريقة الرجل ومذهبه. والقِدد: جمع قِدَّة، وهي الضروب والأجناس المختلفة. قال الرازي: (و"القِدَّةُ" -بالكسر- الطريقة والفِرْقَةُ من الناس، إذا كان هَوَى كُلّ واحدٍ على حِدَةٍ، يقال: ﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾). قال ابن جرير: (﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ يقول: وأنا كنا أهواء مختلفة، وفِرَقًا شتى، منا المؤمن والكافر).

стр. 5039

وقوله: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ﴾. أي: وأنا علمنا أننا لن نعجز اللَّه في الأرض إن أراد بنا سوءًا. قال النسفي: (﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا﴾ أيقنا ﴿أَنْ لَنْ نُعْجِزَ﴾ لن نفوته ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ حال، أي لن نعجزه كائنين في الأرض أينما كنا فيها). وقوله: ﴿وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾. قال القرطبي: (أي علمنا بالاستدلال والتفكر في آيات اللَّه: أنا في قبضته وسلطانه، لن نفوته بهرب ولا غيره. و ﴿هَرَبًا﴾ مصدر في موضع الحال أي هاربين). وقوله: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ﴾. فَهُم يفتخرون بذلك، وهو مَفْخَرٌ لهم بحق، وشرف رفيع. أي: وأنا لما سمعنا القرآن آمنا به وباللَّه، وصدّقنا محمدًا ﷺ على رسالته. قال الحسن: (بعث اللَّه محمدًا ﷺ إلى الإنس والجن، ولم يبعث اللَّه تعالى قط رسولًا من الجن، ولا من أهل البادية، ولا من النساء، وذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩]). وفي صحيح مسلم من حديث جابر مرفوعًا: [بعثت إلى الأحمر والأسود]. قال مجاهد: (يعني الإنس والجن). فهو صلوات اللَّه وسلامه عليه رسول اللَّه إلى جميع الثقلين: الإنس والجن، مُبَلِّغًا لهم عن اللَّه تعالى ما أوحاه إليه من هذا الكتاب العزيز. وقوله: ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا﴾. البخس: النقصان. والرَّهق: العدوان. قال ابن عباس: (فلا يخاف أن يُنْقَصَ من حسناته أو يحمل عليه غيرُ سيئاته، كما قال تعالى: ﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢]). وقوله: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾. القاسط: الجائر، لأول عادل عن الحق، والمُقْسِطُ: العادل؛ لأنه عادل إلى الحق. والعرب تقول: قسَطَ فلان: أي جار، وأقسط: إذا عدله. والمعنى: وأنا منا المسلمون الذين خضعوا للَّه بالطاعة ﴿وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾ الجائرون عن الإسلام وقصد السبيل. قال ابن عباس: (﴿وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾: العادلون عن الحق). وقال مجاهد: (الظالمون). وقال قتادة: (الجائرون). وقوله: ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾. أي: فمن استقام على الحق وخضع للَّه بالطاعة فأولئك ترجّوا رشدًا في دينهم والتمسوا سبيل النجاة والفلاح. وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾. أي: وأما الجائرون عن الإسلام الملتمسون غير سبيل المؤمنين ﴿فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ أي وقودًا توقد بهم.

стр. 5040

وقوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾. قال ابن عباس: (يعني بالاستقامة: الطاعة. فأما الغدق فالماء الطاهر الكثير). وقال مجاهد: (﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ طريقة الإسلامِ ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ قال: نافعًا كثيرًا، لأعطيناهم مالًا كثيرًا). والعرب تقول: غدِقت العينُ تغدَق، فهي غَدِقة، إذا كثر ماؤها. والمقصود بالآية أن الاستقامة على الدين الحق سبب في سعة الرزق وإقبال الدنيا. قال قتادة: (يقول: لو آمنوا كلهم لأوسعنا عليهم من الدنيا). وقال: (لو اتقوا لوسَّعَ عليهم في الرزق). وقال الربيع: (﴿مَاءً غَدَقًا﴾: عيشًا رغدًا). وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٦]. ٣ - وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦]. ومن كنوز السنة العطرة في آفاق هذه الآية أحاديث: الحديث الأول: أخرج الترمذي في السنن بسند صحيح عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [لو أنكم كُنتم تَوَكَّلُونَ على اللَّه حقَّ توكُّلِهِ لَرُزِقْتُم كما تُرْزَقُ الطَّيْرُ، تَغْدُو خِمَاصًا، وتروح بِطانًا] (١). الحديث الثاني: أخرج أحمد والترمذي بإسناد صحيح عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [إنَّ اللَّه تعالى يقول: يا ابنَ آدم تفرَّغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسُدَّ فقرك، وإن لا تفعل ملأت يديك شغلًا ولم أسُدَّ فقرك] (٢). الحديث الثالث: أخرج الترمذي في الجامع بسند صحيح عن أنس، عن النبي ﷺ

стр. 5041

قال: [من كانت الآخرة همَّهُ، جعل اللَّه غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة. ومن كانت الدنيا هَمَّهُ، جعلَ اللَّه فقره بين عينيه، وفرَّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قُدِّرَ له] (١). وقوله: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾. أي لنختبرهم فيه. قال قتادة: (لنبتليهم فيه). وقال زيد بن أسلم: (لنبتليهم من يستمرُّ على الهداية ممَّن يرتد إلى الغواية). والمقصود: أنَّ الاستقامة على الحق والهدى يغدق اللَّه بها على أهلها الرزق الوفير والسعة في الدنيا، وهذا الإغداق بحد ذاته موضع امتحان للعباد واختبار لهم، وكثير من الناس يضعف شكره للَّه عند انفتاح الدنيا وزينتها. أخرج ابن ماجة بسند حسن عن أبي الدرداء قال: خرج علينا رسول اللَّه ﷺ ونحن نذكر الفقرَ ونتخوفه. فقال: [آلْفَقْرَ تخافون؟ والذي نَفْسي بيده لَتُصَبَّنَّ عليكمُ الدنيا صَبًّا حتى لا يُزيغَ قَلْبَ أحدِكُم إزاغَةً إلاهِيَهْ. وَايْمُ اللَّه لقد تركْتُكُم على مِثْلِ البيضاء، ليلُها ونهارُها سواء] (٢). وبعض المفسرين ذهب إلى تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ قال طريقة الضلالة، والراجح ما ذكرناه، وهو المناسب للسياق، واللَّه تعالى أعلم. وقوله: ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا﴾. أي: ومن يعرض عن هذا القرآن، ومتابعة النبي ﵊، يسلكه اللَّه عذابًا صعبًا شاقًا شديدًا. قال ابن عباس: (﴿يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ يقول: مشقة من العذاب يصعد فيها). وقال أيضًا: (﴿عَذَابًا صَعَدًا﴾ قال: جبل في جهنم). وقال قتادة: (عذابًا لا راحةَ فيه). أو قال: (صَعودًا من عذاب اللَّه لا راحة فيه). وقال ابن زيد: (الصعد: العذاب المنصب). ١٨ - ٢٤. قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨) وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩) قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (٢٠) قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٢) إِلَّا

стр. 5042

بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٢٣) حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا (٢٤)﴾. في هذه الآيات: إثباتُ المساجد للَّه فلا يعبد فيها غير اللَّه الواحد الأحد العلي العظيم، وأنه ما على الرسول إلا البلاغ المبين، ومَنْ أَصَرَّ على الشرك باللَّه وعصيانه كان في الآخرة من أهل الجحيم. فقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾. أي: وقل أوحي إليّ أن المساجد للَّه. وقال الخليل: (أي ولأن المساجد للَّه). وقال عكرمة: (﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ قال: المساجد كلها). وقال قتادة: (كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائِسهم وبيعهم أشركوا باللَّه، فأمر اللَّه نبيّه أن يوحّد اللَّه وحده). قال القرطبي: (قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ﴾ إضافة تشريف وتكريم، ثم خصّ بالذكر منها البيت العتيق فقال: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ [الحج: ٢٦]). وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾. فيه تأويلان: الأول: أي لما قام محمد ﷺ يدعوهم إلى اللَّه ﵎ كادت العرب يجتمعون ضده ويزدحمون على حربه وإطفاء النور الذي جاء به. الثاني: أي لما قام محمد ﷺ يصلي اجتمع أصحابه عليه يصلون بصلاته ويسجدون بسجوده. وكلا المعنيين حق. و﴿لِبَدًا﴾ أي جماعات، من تلبُّد الشيء على الشيء أي تجمع، ومنه اللِّبْد الذي يفرش لتراكم صوفه، وكل شيء ألصقته إلصاقًا شديدًا فقد لبَّدته. قال الرازي: (ويقال: الناس لُبَدٌ أيضًا أي مُجتمعون). وعن مجاهد: (﴿كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ قال: جميعًا). وقال ابن زيد: (واللبد: الشيء الذي بعضه فوق بعض، قال: تظاهروا عليه بعضهم على بعض، تظاهروا على رسول اللَّه ﷺ ). وقال قتادة: (تلبدت الإنس والجن على هذا الأمر ليطفئوه، فأبى اللَّه إلا أن ينصره ويمضيه، ويظهره على من ناوأه). وفي جامع الترمذي بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: [قول الجن لقومهم: ﴿لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ قال: لما رأوه يصلي وأصحابه يصلون بصلاته

стр. 5043

ويسجدون بسجوده قال: تعجبوا من طواعية أصحابه له قالوا لقومهم: لما قام عبد اللَّه يدعوه كادوا يكونون عليه لبدًا] (١). وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾. قال ابن كثير: (أي: قال لهم الرسول لمَّا آذوه وخالفوه وكذَّبوه وتظاهروا عليه، لِيُبطِلوا ما جاء به من الحق واجتمعوا على عداوته: ﴿إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي﴾، أي: أعبدُ ربي وحدَه لا شريك له، وأستجيرُ به وأتوكَلُ عليه، ﴿وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾). وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾. أي: قل لهم يا محمد: إن ما جئتكم به هو الحق، ولا أملك أمر هدايتكم أو غوايتكم، فالقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، ومن ثمَّ فالهداية أو الإضلال إنما شأن ذلك إليه جلت عظمته وقدرته. وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾. قال قتادة: (أي: لا نصيرَ ولا ملجأ). وقال أيضًا: (لا وليَّ ولا موئِل). وقال مجاهد: (﴿مُلْتَحَدًا﴾: ملجأ). وقال السدي: (حِززًا). قال القرطبي: (﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ﴾ أي لا يدفع عذابه عني أحد إن استحفظته. ﴿وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ أي ملتجأ ألجأ إليه). وقوله: ﴿إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ﴾. قال الحسن: (فإن فيه الأمان والنجاة). فهو استثناء من قوله: ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ﴾. أي: لا يخلصني من بأس اللَّه إلا إخلاص إبلاغ الرسالة والدعوة إلى سبيله . كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]. ويجوز أن يكون مستثنًى من قوله تعالى -في الآية السابقة-: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾. قال قتادة: (فذلك الذي أملكه بتوفيق اللَّه، فأما الكفر والإيمان فلا أملكهما). والتقدير: لا أملك لكم إلا أن أبلغكم. قلت: وكلا المعنيين حق، وفي كل منهما انسجام مع سياق الآيات والبيان والإعجاز.

стр. 5044

وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ومن يعص اللَّه فيما أمره ونهاه ويكذّب به، ورسوله، فجحد رسالاته، فإن له نار جهنم يصلاها ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ يقول: ماكثين فيها أبدًا إلى غير نهاية). ونصب: ﴿خَالِدِينَ﴾ على الحال، وجُمعَ لأن المقصود وصف مصير كل من فعل ذلك. فَوُحِّدَ أوَّلًا للفظ "مَنْ" ثم جمع للمعنى. وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ﴾. قيل: ﴿حَتَّى﴾ هنا مبتدأ. والتقدير: حتى إذا رأوا عذاب الآخرة الذي يوعدون، أو عذاب الدنيا قبله من القتل يوم بدر والخزي، هنالك سيعلمون. - حكاه القرطبي. وقيل: ﴿حَتَّى﴾ متعلق بمحذوف دلت عليه الحال. والتقدير: لا يزالون على ما هم عليه حتى ﴿إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ﴾ من العذاب ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾. حكاه النسفي. وقوله: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا﴾. أي: فسيعلمون عند حلول العذاب بهم ﴿مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا﴾: أهم أم المؤمنون المخلصون التوحيد والتعظيم للَّه . أي: بل المشركون في حال خزي تام ومذلة يومئذ لا ناصر لهم بالكلِّية، وهم أقلُّ عددًا من جنود اللَّه التي ستحيط بهم وتحاصرهم إلى أشد العذاب. ٢٥ - ٢٨. قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (٢٥) عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (٢٨)﴾. في هذه الآيات: إثباتُ علم الغيب وأمر الوعد والوعيد للَّه العلي العظيم، فهو سبحانه قد أرسل الرسل وعلم أعمالهم وأحصى كل شيء في كتاب مبين. فقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا﴾. قال القرطبي: (يعني قيام الساعة. وقيل: عذاب الدنيا، أي لا أدري، فـ ﴿إِنْ﴾ بمعنى "ما" أو "لا". أي لا يعرف وقت نزول العذاب ووقت قيام الساعة إلا اللَّه).

стр. 5045

وقوله: ﴿أَمَدًا﴾ -أي غاية وأجلًا. قال النسفي: (﴿أَمَدًا﴾ غاية بعيدة، يعني أنكم تعذبون قطعًا، ولكن لا أدري أهو حالّ أم مؤجل). وقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾. أي هو عالم الغيب، والغيب ما غاب عن العباد. وقوله: ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾. قال ابن عباس: (فأعلم اللَّه سبحانه الرسل من الغيب الوحي وأظهرهم عليه بما أوحى إليهم من غيبه، وما يحكم اللَّه، فإنه لا يعلم ذلك غيره). وعن قتادة: (﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ فإنه يصطفيهم، ويطلعهم على ما يشاء من الغيب). وقال ابن زيد: (ينزل من غيبه ما شاء على الأنبياء، أنزل على رسول اللَّه ﷺ الغيب القرآن، قال: وحدثنا فيه بالغَيب بما يكون يوم القيامة). وقوله: ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾. قال قتادة: (الملائكة). وقال ابن عباس: (هي معقبات من الملائكة يحفظون النبي ﷺ من الشيطان حتى يتبين الذي أرسل به إليهم، وذلك حين يقول: ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم). وقال إبراهيم النخعي: (الملائكة رصد من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من الجن). وغاية المعنى أن يقال: إنّ اللَّه تعالى يختمن رسوله بمزيد من مُعَقِّباتٍ من الملائكة يحفظونه من أمر اللَّه، ويعصمونه من الشياطين ووساوسهم وتخاليطهم حتى يبلغ الوحي. وقوله: ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾. فيه تفاسير، حسب عودة الضمير: ١ - قيل: ﴿لِيَعْلَمَ﴾ عائد على النبي ﷺ . قال سعيد بن جبير: (ليعلم محمد ﷺ ). وقال قتادة: (ليعلم نبيُّ اللَّه أن الرسلَ قد بَلَّغَت عن اللَّه، وأن الملائكةَ حفظتها ودفعت عنها). - واختاره ابن جرير. ٢ - قيل: ﴿لِيَعْلَمَ﴾ - عائد على من كذّب الرسل. قال العوفي عن ابن عباس: (﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾، قال: هي مُعَقِّبات من الملائكة يحفظون النبي من الشيطان، حتى يتَبَيَّن الذي أُرسِلَ إليهم، وذلك حين يقولُ: ليعْلَمَ أهلُ الشرك أن قد أُبلغوا رسالاتِ ربهم). وقال مجاهد: (ليعلمَ من كذَّب الرسل أن قد أبلغوا رسالاتِ ربهم). ٣ - قيل: ﴿لِيَعْلَمَ﴾ - عائدٌ على اللَّه . قال النسفي: (أي ليعلم اللَّه ذلك
следующие страницы →