قال: [من كانت الآخرة همَّهُ، جعل اللَّه غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة. ومن كانت الدنيا هَمَّهُ، جعلَ اللَّه فقره بين عينيه، وفرَّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قُدِّرَ له] (١).
وقوله: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾. أي لنختبرهم فيه. قال قتادة: (لنبتليهم فيه). وقال زيد بن أسلم: (لنبتليهم من يستمرُّ على الهداية ممَّن يرتد إلى الغواية).
والمقصود: أنَّ الاستقامة على الحق والهدى يغدق اللَّه بها على أهلها الرزق الوفير والسعة في الدنيا، وهذا الإغداق بحد ذاته موضع امتحان للعباد واختبار لهم، وكثير من الناس يضعف شكره للَّه عند انفتاح الدنيا وزينتها.
أخرج ابن ماجة بسند حسن عن أبي الدرداء قال: خرج علينا رسول اللَّه ﷺ ونحن نذكر الفقرَ ونتخوفه. فقال: [آلْفَقْرَ تخافون؟ والذي نَفْسي بيده لَتُصَبَّنَّ عليكمُ الدنيا صَبًّا حتى لا يُزيغَ قَلْبَ أحدِكُم إزاغَةً إلاهِيَهْ. وَايْمُ اللَّه لقد تركْتُكُم على مِثْلِ البيضاء، ليلُها ونهارُها سواء] (٢).
وبعض المفسرين ذهب إلى تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ قال طريقة الضلالة، والراجح ما ذكرناه، وهو المناسب للسياق، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا﴾. أي: ومن يعرض عن هذا القرآن، ومتابعة النبي ﵊، يسلكه اللَّه عذابًا صعبًا شاقًا شديدًا.
قال ابن عباس: (﴿يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ يقول: مشقة من العذاب يصعد فيها). وقال أيضًا: (﴿عَذَابًا صَعَدًا﴾ قال: جبل في جهنم). وقال قتادة: (عذابًا لا راحةَ فيه). أو قال: (صَعودًا من عذاب اللَّه لا راحة فيه). وقال ابن زيد: (الصعد: العذاب المنصب).
١٨ - ٢٤. قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨) وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩) قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (٢٠) قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٢) إِلَّا
стр. 5042
بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٢٣) حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا (٢٤)﴾.
في هذه الآيات: إثباتُ المساجد للَّه فلا يعبد فيها غير اللَّه الواحد الأحد العلي العظيم، وأنه ما على الرسول إلا البلاغ المبين، ومَنْ أَصَرَّ على الشرك باللَّه وعصيانه كان في الآخرة من أهل الجحيم.
فقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾. أي: وقل أوحي إليّ أن المساجد للَّه. وقال الخليل: (أي ولأن المساجد للَّه). وقال عكرمة: (﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ قال: المساجد كلها). وقال قتادة: (كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائِسهم وبيعهم أشركوا باللَّه، فأمر اللَّه نبيّه أن يوحّد اللَّه وحده).
قال القرطبي: (قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ﴾ إضافة تشريف وتكريم، ثم خصّ بالذكر منها البيت العتيق فقال: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ [الحج: ٢٦]).
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾. فيه تأويلان:
الأول: أي لما قام محمد ﷺ يدعوهم إلى اللَّه ﵎ كادت العرب يجتمعون ضده ويزدحمون على حربه وإطفاء النور الذي جاء به.
الثاني: أي لما قام محمد ﷺ يصلي اجتمع أصحابه عليه يصلون بصلاته ويسجدون بسجوده. وكلا المعنيين حق.
و﴿لِبَدًا﴾ أي جماعات، من تلبُّد الشيء على الشيء أي تجمع، ومنه اللِّبْد الذي يفرش لتراكم صوفه، وكل شيء ألصقته إلصاقًا شديدًا فقد لبَّدته. قال الرازي: (ويقال: الناس لُبَدٌ أيضًا أي مُجتمعون).
وعن مجاهد: (﴿كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ قال: جميعًا). وقال ابن زيد: (واللبد: الشيء الذي بعضه فوق بعض، قال: تظاهروا عليه بعضهم على بعض، تظاهروا على رسول اللَّه ﷺ ). وقال قتادة: (تلبدت الإنس والجن على هذا الأمر ليطفئوه، فأبى اللَّه إلا أن ينصره ويمضيه، ويظهره على من ناوأه).
وفي جامع الترمذي بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: [قول الجن لقومهم: ﴿لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ قال: لما رأوه يصلي وأصحابه يصلون بصلاته
стр. 5043
ويسجدون بسجوده قال: تعجبوا من طواعية أصحابه له قالوا لقومهم: لما قام عبد اللَّه يدعوه كادوا يكونون عليه لبدًا] (١).
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾. قال ابن كثير: (أي: قال لهم الرسول لمَّا آذوه وخالفوه وكذَّبوه وتظاهروا عليه، لِيُبطِلوا ما جاء به من الحق واجتمعوا على عداوته: ﴿إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي﴾، أي: أعبدُ ربي وحدَه لا شريك له، وأستجيرُ به وأتوكَلُ عليه، ﴿وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾).
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾. أي: قل لهم يا محمد: إن ما جئتكم به هو الحق، ولا أملك أمر هدايتكم أو غوايتكم، فالقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، ومن ثمَّ فالهداية أو الإضلال إنما شأن ذلك إليه جلت عظمته وقدرته.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾.
قال قتادة: (أي: لا نصيرَ ولا ملجأ). وقال أيضًا: (لا وليَّ ولا موئِل). وقال مجاهد: (﴿مُلْتَحَدًا﴾: ملجأ). وقال السدي: (حِززًا).
قال القرطبي: (﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ﴾ أي لا يدفع عذابه عني أحد إن استحفظته. ﴿وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ أي ملتجأ ألجأ إليه).
وقوله: ﴿إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ﴾. قال الحسن: (فإن فيه الأمان والنجاة). فهو استثناء من قوله: ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ﴾. أي: لا يخلصني من بأس اللَّه إلا إخلاص إبلاغ الرسالة والدعوة إلى سبيله . كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧].
ويجوز أن يكون مستثنًى من قوله تعالى -في الآية السابقة-: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾.
قال قتادة: (فذلك الذي أملكه بتوفيق اللَّه، فأما الكفر والإيمان فلا أملكهما). والتقدير: لا أملك لكم إلا أن أبلغكم. قلت: وكلا المعنيين حق، وفي كل منهما انسجام مع سياق الآيات والبيان والإعجاز.
стр. 5044
وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾.
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ومن يعص اللَّه فيما أمره ونهاه ويكذّب به، ورسوله، فجحد رسالاته، فإن له نار جهنم يصلاها ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ يقول: ماكثين فيها أبدًا إلى غير نهاية).
ونصب: ﴿خَالِدِينَ﴾ على الحال، وجُمعَ لأن المقصود وصف مصير كل من فعل ذلك. فَوُحِّدَ أوَّلًا للفظ "مَنْ" ثم جمع للمعنى.
وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ﴾. قيل: ﴿حَتَّى﴾ هنا مبتدأ. والتقدير: حتى إذا رأوا عذاب الآخرة الذي يوعدون، أو عذاب الدنيا قبله من القتل يوم بدر والخزي، هنالك سيعلمون. - حكاه القرطبي.
وقيل: ﴿حَتَّى﴾ متعلق بمحذوف دلت عليه الحال. والتقدير: لا يزالون على ما هم عليه حتى ﴿إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ﴾ من العذاب ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾. حكاه النسفي.
وقوله: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا﴾. أي: فسيعلمون عند حلول العذاب بهم ﴿مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا﴾: أهم أم المؤمنون المخلصون التوحيد والتعظيم للَّه . أي: بل المشركون في حال خزي تام ومذلة يومئذ لا ناصر لهم بالكلِّية، وهم أقلُّ عددًا من جنود اللَّه التي ستحيط بهم وتحاصرهم إلى أشد العذاب.
٢٥ - ٢٨. قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (٢٥) عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (٢٨)﴾.
في هذه الآيات: إثباتُ علم الغيب وأمر الوعد والوعيد للَّه العلي العظيم، فهو سبحانه قد أرسل الرسل وعلم أعمالهم وأحصى كل شيء في كتاب مبين.
فقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا﴾.
قال القرطبي: (يعني قيام الساعة. وقيل: عذاب الدنيا، أي لا أدري، فـ ﴿إِنْ﴾ بمعنى "ما" أو "لا". أي لا يعرف وقت نزول العذاب ووقت قيام الساعة إلا اللَّه).
стр. 5045
وقوله: ﴿أَمَدًا﴾ -أي غاية وأجلًا. قال النسفي: (﴿أَمَدًا﴾ غاية بعيدة، يعني أنكم تعذبون قطعًا، ولكن لا أدري أهو حالّ أم مؤجل).
وقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾. أي هو عالم الغيب، والغيب ما غاب عن العباد.
وقوله: ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾. قال ابن عباس: (فأعلم اللَّه سبحانه الرسل من الغيب الوحي وأظهرهم عليه بما أوحى إليهم من غيبه، وما يحكم اللَّه، فإنه لا يعلم ذلك غيره).
وعن قتادة: (﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ فإنه يصطفيهم، ويطلعهم على ما يشاء من الغيب). وقال ابن زيد: (ينزل من غيبه ما شاء على الأنبياء، أنزل على رسول اللَّه ﷺ الغيب القرآن، قال: وحدثنا فيه بالغَيب بما يكون يوم القيامة).
وقوله: ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾. قال قتادة: (الملائكة).
وقال ابن عباس: (هي معقبات من الملائكة يحفظون النبي ﷺ من الشيطان حتى يتبين الذي أرسل به إليهم، وذلك حين يقول: ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم).
وقال إبراهيم النخعي: (الملائكة رصد من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من الجن).
وغاية المعنى أن يقال: إنّ اللَّه تعالى يختمن رسوله بمزيد من مُعَقِّباتٍ من الملائكة يحفظونه من أمر اللَّه، ويعصمونه من الشياطين ووساوسهم وتخاليطهم حتى يبلغ الوحي.
وقوله: ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾. فيه تفاسير، حسب عودة الضمير:
١ - قيل: ﴿لِيَعْلَمَ﴾ عائد على النبي ﷺ . قال سعيد بن جبير: (ليعلم محمد ﷺ ). وقال قتادة: (ليعلم نبيُّ اللَّه أن الرسلَ قد بَلَّغَت عن اللَّه، وأن الملائكةَ حفظتها ودفعت عنها). - واختاره ابن جرير.
٢ - قيل: ﴿لِيَعْلَمَ﴾ - عائد على من كذّب الرسل. قال العوفي عن ابن عباس: (﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾، قال: هي مُعَقِّبات من الملائكة يحفظون النبي من الشيطان، حتى يتَبَيَّن الذي أُرسِلَ إليهم، وذلك حين يقولُ: ليعْلَمَ أهلُ الشرك أن قد أُبلغوا رسالاتِ ربهم).
وقال مجاهد: (ليعلمَ من كذَّب الرسل أن قد أبلغوا رسالاتِ ربهم).
٣ - قيل: ﴿لِيَعْلَمَ﴾ - عائدٌ على اللَّه . قال النسفي: (أي ليعلم اللَّه ذلك
стр. 5046
موجودًا حال وجوده، كما كان يعلم ذلك قبل وجوده أنه يوجد).
قلت: وكل ذلك من التأويل المنسجم مع السياق القرآني والإعجاز البياني.
وقوله: ﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾. قال سعيد بن جبير: (ليعلم الرسل أن ربهم أحاط بهم، فبلغوا رسالاتهم). قال ابن جرير: (يقول: وعلم بكل ما عندهم ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ يقول: علم عدد الأشياء كلها، فلم يخف عليه منها شيء). و ﴿عَدَدًا﴾ منصوب على الحال، أي: وعلم كل شيء معدودًا محصورًا. وقيل: بل هو مصدر في معنى إحصاء، واللَّه تعالى أعلم.
تم تفسير سورة الجن بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه ظهر الأحد ٢٥ شوال ١٤٢٦ هـ الموافق ٢٧ - تشرين الثاني - ٢٠٠٥ م
* * *
стр. 5047
دروس ونتائج وأحكام
١ - اشتراك الجن في بلاغ رسول اللَّه ﷺ ، واستماعهم إليه وهو يقرأ القرآن، وإيمانهم به وبرسالته.
٢ - كانت الجن تسمع سمع السماء، فلما بعث اللَّه نبيّه، حُرست السماء، ومُنعوا ذلك.
٣ - أرسل إبليس سبعة من الجن ليكتشفوا له الخبر فرجعوا مسلمين.
٤ - الجن فريقان: مسلمون وفاسقون. فمن أسلم نجا، ومن تمرد هلك.
٥ - المساجد للَّه تعالى فلا تدعوا مع اللَّه أحدًا.
٦ - اللَّه يحفظ رسله بملائكته ليتمكنوا من أداء رسالاته.
٧ - علم اللَّه الأشياء قبل وقوعها، وأحاط بها، وأحصاها عددًا.
* * *
стр. 5048
٧٣ - سورة المزمل
وهي سورة مكية، وعدد آياتها (٢٠).
موضوع السورة
توجيه المزمل ﵊ إلى قيام الليل وحمل الأمانة وجهاد الكفار اللئام
- منهاج السورة -
١ - توجيه الوحي الكريم نبي اللَّه والمؤمنين، إلى توثيق الصلة باللَّه أيام الشدة عن طريق قيام الليل وذكر اللَّه العظيم.
٢ - أَمْرُ اللَّه نبيّه بالصبر على أذى أهل الجحيم، وله في صبر موسى على أذى فرعون وجنده أسوة حتى يأتي النصر المبين.
٣ - هذه السورة من القرآن فيها تذكرة لأولي الألباب، وتسلية للنبي ﷺ والأصحاب.
٤ - كان قيام اللَّه فريضة أول الإسلام، ثم خفف على أمة هذا النبي ﵊.
стр. 5049
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ٩. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦) إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (٧) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩)﴾.
في هذه الآيات: توجيهُ الوحي الكريم، نبي اللَّه ﷺ والمؤمنين -أيام التعذيب والاضطهاد في مكة من الطغاة على أوائل المسلمين- إلى توثيق الصلة باللَّه عن طريق قيام الليل وذكر اللَّه العظيم.
فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾. قال الضحاك: (يا أيها النائم). وقال قتادة: (يا أيها المزمل في ثيابه). وقال ابن عباس: (يا محمد زملت القرآن).
وقوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. أمْرٌ من اللَّه سبحانه رسوله ﷺ أن يترك التَّزَمُّل، وهو التغطّي في الليل، وينهض إلى قيام الليل، فكان واجبًا عليه وحده.
وكان هذا بعد مجيء الأمر العام بصلاة ركعتين أول النهار وآخره. قال مقاتل بن سليمان: (فرض اللَّه في أول الإسلام الصلاة، ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي لقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [غافر: ٥٥]). ثم جاء الأمر بتمكين العزيمة في صلاة الليل، وتفصيل ذلك في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن عائشة ﵂ قالت: [فإن اللَّه افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام رسول اللَّه ﷺ وأصحابه حولًا حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك اللَّه خاتمتها في السماء اثني عشر شهرًا، ثم أنزل اللَّه
стр. 5050
التخفيف في آخر هذه السورة، فصار قيام الليل تطوعًا مِنْ بَعْد فريضة] (١).
الحديث الثاني: أخرج أبو داود بسند جيد عن ابن عباس قال: [لما نزلت أولُ المزّمل كانوا يقومون نحوًا من قيامهم في شهر رمضان حتى نزل آخِرُها، وكان بين أولها وآخِرها سنة] (٢).
الحديث الثالث: أخرج ابن جرير في "التفسير" بسنده عن أبي عبد الرحمن قال: [لما نزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ قاموا حولًا حتى ورمت أقدامهم وسوقهم، حتى نزلت: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ فاستراح الناس] (٣).
وأما قوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾. فهو استثناء من الليل. قال القرطبي: (أي صلّ الليل كله إلا يسيرًا منه، لأن قيام جميعه على الدوام غير ممكن، فاستثنى منه القليل لراحة الجسد. والقليل من الشيء ما دون النصف).
وقوله تعالى: ﴿نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا﴾. قال ابن كثير: (﴿نِصْفَهُ﴾: بَدَلٌ من الليل، ﴿أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾، أي: أمرناك أن تقومَ نصفَ الليل بزيادة قليلة أو نُقْصانٍ قليل، لا حَرَجَ عليك في ذلك).
قلت: وقد جاء الأمر بالتخفيف في آخر هذه السورة رحمة من اللَّه بنبيه ﷺ والمؤمنين.
فقد أخرج أبو داود بسند حسن عن ابن عباس: [قال في المزمل: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ﴾ نسختها الآية التي فيها: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]] (٤).
وقوله: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾. الترتيل: التنضيد والتنسيق وحسن النظام.
والمقصود: لا تعجل -يا محمد- بقراءة القرآن، بل اقرأه في تمهل وتعقل وبيان، وتدبّر للمعاني والعبر والأحكام.
стр. 5051
قال قتادة: (﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾. قال: بيّنه بيانًا). وقال مجاهد: (بعضه على أثر بعض، على تؤدة). وقال أيضًا: (ترسل فيه ترسلًا). وقال الحسن: (اقرأه قراءة بينة).
ومن كنوز السنة العطرة في آفاق هذه الآية أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن قتادة قال: سألتُ أَنسَ بنَ مالكٍ عن قِراءة النبي ﷺ فقال: [كانَ يَمُدُّ مَدًّا] (١).
الحديث الثاني: أخرج البخاري عن قتادة قال: [سُئِلَ أنَسٌ: كَيْفَ كانَتْ قراءة النبي ﷺ ؟ فقال: كانتْ مَدًّا، ثم قرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ يَمُدُّ ببِاسمِ اللَّهِ، ويُمُدّ بالرحمن، ويَمُدُّ بالرحيم] (٢).
الحديث الثالث: أخرج أحمد وأبو داود والترمذي عن أم سلمة: أنها سُئِلَتْ عن قِراءة رسول اللَّه ﷺ فقالت: [كان يقطع قراءته آية آية، ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾] (٣).
الحديث الرابع: أخرج أحمد وأبو داود والترمذي بسند حسن عن عبد اللَّه بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: [يُقال لصاحِب القرآن: اقرأ وارق ورتِّل كما كنت تُرَتِّل في الدنيا، فإن منزِلتَك عند آخِر آية تقرؤها] (٤).
الحديث الخامس: أخرج أبو داود والنسائي بسند صحيح عن البراء بن عازب قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [زَيِّنُوا القرآن بأصواتكم] (٥).
الحديث السادس: أخرج أبو داود بسند صحيح عن سعد بن أبي وقاص، أو سعيد بن أبي سعيد، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [ليس منا مَنْ لم يَتَغَنَّ بالقرآن] (٦).
стр. 5052
الحديث السابع: أخرج ابن ماجة بإسناد صحيح عن جابر، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إنَّ مِنْ أَحْسَنِ الناسِ صَوْتًا بالقرآن، الذي إذا سَمِعْتُموه يَقْرأُ، حَسِبْتُموه يَخْشى اللَّه] (١).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾. أي: إنا سنوحي إليك هذا القرآن، وهو قول ثقيل يثقل حمله والعمل بشرائعه. قال قتادة: (ثقيل واللَّه فرائضُهُ وحدوده). وقال مجاهد: (حلاله وحرامه). وقال الحسن: (العمل به). وقال أبو العالية: (ثقيلًا بالوعد والوعيد والحلال والحرام). وقال محمد بن كعب: (ثقيلًا على المنافقين).
وقيل: على الكفار، لما فيه من الاحتجاج عليهم، والبيان لضلالتهم وسبّ آلهتهم، والكشف عما حرّفه أهل الكتاب. حكاه القرطبي.
وقال الحسين بن الفضل: (ثقيلًا لا يحمله إلا قلب مؤيد بالتوفيق، ونفس مزينة بالتوحيد). وقال ابن زيد: (هو واللَّه ثقيل مبارك، كما ثقل في الدنيا يثقل في الميزان يوم القيامة).
قلت: والخلاصة أن هذا القرآن العظيم ثقيل في تنزيله، ثقيل في أحكامه وعبره وآياته، ثقيل في امتثال أوامره واجتناب نواهيه، ثقيل في ميزان من عظّمه وقام بما فيه يوم القيامة.
فقد أخرج البخاري في صحيحه عن زيد بن ثابت قال: [أنزل اللَّه على رسوله ﷺ وفخِذه على فخذِي، فَثَقُلَتْ عليَّ، حتى خِفْتُ أن تَرُضَّ فخذي] (٢).
وفي صحيح البخاري -أيضًا- عن عائشة أم المؤمنين ﵂: [أن الحارث بن هشام ﵁ سأل رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه! كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشدّه عليَّ فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال. وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا فيكلمني فأعي ما يقول. قالت عائشة ﵂: ولقد رأيته ينزلُ عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصَّد عرقًا] (٣).
стр. 5053
وفي المسند ومستدرك الحاكم بسند صحيح عن عبد اللَّه بن عمرو مرفوعًا: [الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة. يقول الصيام: أي ربِّ مَنَعْتُه الطعامَ والشهواتِ بالنهار فشفعني فيه. يقول القرآن: ربِّ مَنَعْتُه النومَ بالليل فشفعني فيه، فَيُشفَعان] (١).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾.
يقال نشأ: إذا قام من الليل. قال مجاهد: (إنما الناشئة القيام بالليل بعد النوم). وفي الصحاح: (ناشئة الليل أول ساعاته، وقيل ما ينشأ فيه من الطاعات) ذكره الرازي. وعن قتادة: (﴿هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا﴾: أي أثبت في الخير، وأحفظ في الحفظ). وقال مجاهد: (يواطئُ سمعك وبصرك وقلبك بعضه بعضًا). وفي سنن أبي داود بسند حسن عن ابن عباس قال: [و ﴿نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ أوله، وكانت صلاتهم لأول الليل. يقول: هو أجدر أن تحصوا ما فرض اللَّه عليكم من قيام الليل، وذلك أن الإنسان إذا نام لم يدر متى يستيقظ، وقوله: ﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ هو أجدر أن يفقه في القرآن] (٢).
وعن ابن زيد: (﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾: أقوم قراءة لفراغه من الدنيا).
قلت: والمقصود بناشئة الليل ساعاته وأوقاته التي ينهض بها العبد للقيام بين يدي اللَّه ، فهي ﴿أَشَدُّ وَطْئًا﴾ أي أشد مواطأة بين القلب واللسان وأجمع على التلاوة. فقم بها -يا محمد- واؤمر قومك ليقوموا فيها، فإن السكينة والقوة ستنزل على قلوبهم وستصقل بها نفوسهم وعقولهم.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾. أي تصَرُّفًا في حوائجك، وإقبالًا وإدبارًا وذهابًا ومجيئًا. قال مجاهد: (﴿سَبْحًا طَوِيلًا﴾: متاعًا طويلًا).
والسَّبْح: الجري والدوران، ومنه السابح في الماء، لتقلبه بيديه ورجليه.
وقيل: السبح الفراغ. أي إن لك فراغًا للحاجات بالنهار.
ففي سنن أبي داود بسند حسن عن ابن عباس قال: [وقوله: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ يقول: فراغًا طويلًا] (٣).
стр. 5054
قلت: والراجح في المعنى: إن -لك يا محمد- في النهار وقتًا لحوائجك وأمور حياتك، فأفرغ الليل واملأ القلب من القرآن والناس نيام.
وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾.
أي: واذكر ربك يا محمد، وأكثر من ذكره، وانقطع إليه، وتفرغ لعبادته.
والتبتل: الانقطاع إلى عبادة اللَّه . وفي لغة العرب: بتلت الشيء أي قطعته.
والمقصود: انقطع بعبادتك إلى اللَّه ولا تشرك به غيره.
وعن ابن عباس: (﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ قال: أخلص له إخلاصًا). وقال مجاهد: (أخلص إليه المسألة والدعاء). وقال الحسن: (بَتِّل نفسك واجتهد).
وقال قتادة: (أخلص له العبادة والدعوة). وقال ابن زيد: (أي تفرّغ لعبادته).
وفي التنزيل نحو ذلك: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: ٧ - ٨].
وفي المسند وجامع الترمذي بإسناد صحيح عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [إنَّ اللَّه تعالى يقول: يا ابنَ آدم تفرَّغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسُدَّ فقرك، وإن لا تفعل ملأت يديك شغلًا ولم أسُدَّ فقرك] (١).
وقوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾.
أي: هو رب المشارق والمغارب المتفرد بالملك والجبروت فلا يستحق العبادة غيره، فأفرده بالتعظيم والتأليه والتوكل. قال القرطبي: (﴿فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ أي قائمًا بأمورك. وقيل: كفيلًا بما وعدك).
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣].
٢ - وقال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥].
وقد كان من دعائه ﷺ : [اللهم لك أسلمت، وبك آمنتُ، وعليك توكَّلتُ، وإليك أنَبْتُ، وبكَ خاصمتُ، اللهم إني أعوذُ بعزتك، لا إله إلا أنت، أن تُضِلَّني،
стр. 5055
أنت الحيُّ الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون] (١).
١٠ - ١٨. قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (١٠) وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١) إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (١٣) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا (١٤) إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (١٦) فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (١٧) السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (١٨)﴾.
في هذه الآيات: أَمْرُ اللَّه تعالى نبيه ﷺ بالصبر على ما يقوله المكذبون من سفهاء قومه وهجرهم الهجر الجميل الذي لا عتاب معه فإن اللَّه أعد للمجرمين عذاب الجحيم، وقد أرسل إلى فرعون موسى من قبل فاستكبر هو وجنوده حتى نزل بهم العذاب الأليم.
فقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾. قال القرطبي: (﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ أي من الأذى والسبّ والاستهزاء، ولا تجزع من قولهم، ولا تمتنع من دعائهم. ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ أي لا تتعرض لهم، ولا تشتغل بمكافأتهم، فإن في ذلك ترك الدعاء إلى اللَّه، وكان هذا قبل الأمر بالقتال، ثم أمر بعدُ بقتالهم وقتلهم). وقال قتادة: (قوله: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ براءة نسخت ما هاهنا، أمر بقتالهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه، لا يقبل منهم غيرها).
وقال أبو الدرداء: (إنا لَنَكْشِرُ في وجوه أقوام ونضحك إليهم وإن قلوبنا لتقليهم أو لتلعنهم).
وقوله: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ﴾. قال ابن كثير: (أي: دَعني والمكذِّبين
стр. 5056
المُترَفين أصحابَ الأموال، فإنهم أقدرُ على الطاعة من غيرهم، وهم يطالبون من الحقوق بما ليس عند غيرهم).
وقوله: ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا﴾. يعني رويدًا. أي إلى مدّة آجالهم. وقيل: إلى مدة الدنيا.
قال قتادة: (إن للَّه فيهم طَلِبة وحاجة). قالت عائشة: (لما نزلت هذه الآية لم يكن إلا يسير حتى كانت وقعة بدر). رواه ابن جرير بسنده إلى عبد اللَّه بن الزبير عن عائشة.
وفي التنزيل: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا﴾. قال ابن عباس وعكرمة: (﴿أَنْكَالًا﴾: قيودًا).
وقال مجاهد: (الأنكال: القيود). وواحدها نِكْل، وهو ما منع الإنسان من الحركة.
وقيل: سمّي نِكلًا؛ لأنه يُنَكَّلُ به. والجحيم: السعير المضطرمة.
وقوله: ﴿وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ﴾. أي: طعامًا يغُصُّ به آكله فلا هو سالك ولا خارج.
قال ابن عباس: (يَنْشِب في الحلق فلا يدخلُ ولا يخرُج).
وقوله: ﴿وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾. أي: وعذابًا مؤلمًا موجعًا.
وقول: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾. أي: تُزَلزل فتتحرك وتضطرب بمن عليها.
ونصب ﴿يَوْمَ﴾ على الظرفية، والتقدير: ينكل بهم ويعذبون ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ﴾.
وقيل: بنزع الخافض، والتقدير: هذه العقوبة في يوم ترجف الأرض والجبال.
وقوله: ﴿وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾. قال مجاهد: (ينهال). وقال ابن عباس: (الكثيب المهيل: الرمل السائل. أو قال: اللين الذي إذا مسسته تتابع).
وفي لغة العرب: هلت الرمل إذا حُرِّك أسفله. والمهيل: الذي يمرّ تحت الأرجل. والمعنى: تصير الجبال يومئذ ككثبان الرمل بعدما كانت حجارة صماء.
ثم إنها تُنْسَفُ نسفًا لا يبقى لها أثر، حتى تصير الأرض ﴿قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا﴾ [طه: ١٠٦ - ١٠٧] أي: واديًا، ﴿وَلَا أَمْتًا﴾ أي رابية.
وقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾. الخطاب لقريش، والمراد سائر الناس. قال ابن جرير: (﴿رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾ بإجابة من أجاب منكم دعوتي، وامتناع
стр. 5057
من امتنع منكم من الإجابة، يوم تلقوني في القيامة).
وقوله: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾. أي: هو كإرسالنا موسى رسولًا إلى فرعون وقومه من قبل، لإقامة حجة الوحي والنبوة.
وقوله تعالى: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾. قال ابن عباس: (شديدًا).
قال ابن زيد: (الوبيل: الشّر، والعرب تقول لمن تتابع عليه الشر: لقد أوبل عليه).
وقال الزجاج: (﴿أَخْذًا وَبِيلًا﴾ أي ثقيلًا غليظًا. ومنه قيل للمطر وابل (١)).
وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾. توبيخ وتقريع.
أي: كيف تقون أنفسكم إن بقيتم على كفركم عذاب يوم يصير فيه الأطفال الصغار ﴿شِيبًا﴾ أي بيض الشعور لشدة هَوْله. وهذا كناية عن شدة الخوف.
أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: [يقول اللَّه تعالى يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك والخير كله في يديك. فيقول: أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسع مئة وتسعة وتسعين. فعندها يشيب الصغير ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢]] (٢).
وفي رواية: [فحينئذ تضع الحامِلُ حَمْلَها ويشيبُ الوليدُ].
وقوله: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾. أي: متشققة بذلك اليوم لشدّته وعظيم هوله، وانفطارها لنزول الملائكة. وقال ابن عباس: (تشقق السماء حين ينزل الرحمن جل وعزّ). وقال مجاهد: (﴿مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾: مثقلة به). قال النسفي: (﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ وصف لليوم بالشدة أيضًا. أي السماء على عظمها وإحكامها تنفطر به أي تنشق، فما ظنّك بغيرها من الخلائق).
وقوله: ﴿كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا﴾. أي: كان وعد اللَّه بالقيامة والحساب والجزاء كائنًا لا شك فيه ولا خُلْف. وقال مقاتل: (كان وعده بأن يظهر دينه على الدين كلّه).
١٩ - ٢٠. قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (١٩)
стр. 5058
إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾.
في هذه الآيات: يخبر جل ذكره أن هذه السورة من القرآن فيها تذكرة يتذكر بها أولو الألباب، وأن قِيامَ الليل كان فريضة أول الإِسلام ثم خفف اللَّه ذلك على النبي والأصحاب.
فقوله: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾. يعني هذه السورة. وقال قتادة: (يعني القرآن).
وقوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾. قال قتادة: (بطاعة اللَّه). قال النسفي: (أي فمن شاء اتعظ بها واتخذ سبيلًا إلى اللَّه بالتقوى والخشية).
ولا شك أن هذه المشيئة مقهورة بمشيئة اللَّه، فهو أعلم من يستحق الهداية والفضل. كما قال جل ثناؤه: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠].
وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾.
أي: إنّ ربك يا محمد يعلم أنك تقوم أقَلَّ من ثلثي الليل مصليًا، ونصفه وثلثه أحيانًا. ويقوم ذلك القدر معك طائفة من أصحابك، وذلك حين فرض عليهم قيام الليل.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾. أي: يعلم مقادير الليل والنهار على حَقائقها، فيعلم القدر الذي تقومونه من الليل، وإنما تعلمون أنتم قدْر قيامكم بالتحري والاجتهاد.
وقوله: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾. قال الحسن: (لن تطيقوه). وقال قتادة: (قيام الليل كتب عليكم). قال القرطبي: (أي علم أنكم لن تحصوه، لأنكم إن زدتم ثقل عليكم، واحتجتم إلى تكليف ما ليس فرضًا، وإن نقصتم شقّ ذلك عليكم).
وقوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾. أي: فعاد عليكم بالعفو، ورجع من تثقيل إلى تخفيف،
стр. 5059
ومن عُسْرٍ إلى يسر، فصفح عن التقصير فيما أمرتم به، وأسقط عنكم فرض قيام الليل.
وقوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾. قال ابن جرير: (يقول: فاقرؤوا من الليل ما تيسر لكم من القرآن في صلاتكم، وهذا تخفيف من اللَّه عن عباده فرضه الذي كان فرض عليهم بقوله: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا﴾).
أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث سعد بن هشام بن عامر -أنه قال لعائشة ﵂ أنبئيني عن قيام رسول اللَّه ﷺ . فقالت: ألستَ تَقْرَأُ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾؟ قُلْتُ: بلى. قالت: [فإنَّ اللَّه افترضَ قِيامَ الليل في أوَّل هذه السورة، فقام نَبِيُّ اللَّه ﷺ وأصحابُه حولًا، وأمسك اللَّه خاتِمَتَها اثْنَي عشر شَهْرًا في السماء، حتى أنزل اللَّه، في آخرِ هذه السورة، التخفيف، فصار قيامُ الليل تطوعًا بَعْدَ فريضة] (١).
وقوله: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
أي: علم اللَّه أن سيكون في هذه الأمة أصحاب أعذار في ترك قيام الليل: كالمرضى، والمسافرين في مكاسبهم ومتاجرهم، والمنشغلين بما هو أعظم من ذلك وهو أمر الغزو والجهاد لإعلاء كلمة اللَّه في الأرض.
وقوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾. أي فاقرؤوا إن تيسّر عليكم ذلك، وصلّوا من الليل ما استطعتم. قال ابن كثير: (أي: قوموا بما تَيَسَّرَ عليكمُ منه).
وقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾. أي: وأقيموا الصلاة المفروضة عليكم، وأدوا الزكاة الواجبة في أموالكم. والآية مكية، والمراد الصلاة التي فرضت بمكة أول الإِسلام، وكذلك الزكاة العامة قبل أن تحدد أنصبتها في المدينة.
وقوله: ﴿وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾. يعني من الصدقات. قال: عمر بن الخطاب: (هو النفقة في سبيل اللَّه). وقال زيد بن أسلم: (القرض الحسن النفقة على الأهل). وقال ابن زيد: (القرض: النوافل سوى الزكاة). قال القرطبي: (القرض الحسن ما قصد به وجه اللَّه تعالى خالصًا من المال الطيب).
стр. 5060
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥].
٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد: ١٨].
قال النسفي: (القرض لغة: القطع، فالمقرض يقطع ذلك القدر من ماله فيدفعه إلى غيره، وكذا المتصدق يقطع ذلك القدر من ماله فيجعله للَّه تعالى، وإنما أضافه إلى نفسه لئلا يَمُنَّ على الفقير فيما تصدق به عليه، وهذا لأن الفقير معاون له في تلك القربة فلا يكون له عليه منّة، بل المنّة للفقير عليه ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ من الحلال بالإخلاص).
قلت: وقد جاء النص بتحريم القرض الذي يجرّ نفعًا، فهو مخالف للقرض الحسن الذي رضيه اللَّه لعباده ورغّبه بهم.
فقد أخرج أحمد وأصحاب السنن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد اللَّه بن عمرو بن العاص: أن رسول اللَّه ﷺ بعث عتّاب بن أسيد إلى مكة فقال: [أتدري إلى أين أبعثك؟ إلى أهل اللَّه، وهم أهل مكة، فانَهَهُم عن أربع: عن بيع وسَلَفٍ، وعن شرطين في بيع، وربح ما لم يضمن، وبيع ما ليس عندك] (١).
فقوله: "بيع وسلف" فسّره ابن الأثير بقوله: (هو مثلُ أن يقول: بعتُكَ العبد بألف على أن تسلفني في متاع، أو على أن تقرضني ألفًا، لأنه إنما يقرضه ليحابيه في الثمن، فيدخل في حدّ الجهالة، ولأن كل قرض جرَّ منفعة فهو ربًا).
وقوله: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾.
﴿خَيْرًا﴾ مفعول به ثان لتجدوه. و ﴿أَجْرًا﴾ تمييز. والمعنى: كل ما تقدّموه من الصدقات والنفقات في سبيل اللَّه هو خيرٌ مما أبقيتموه لأنفسكم في الدنيا.
ففي صحيح البخاري عن عبد اللَّه: [قال النبي ﷺ : أَيُّكُم مالُ وارِثهِ أَحَبُّ إليه من
стр. 5061
مالِهِ؟ قالوا: يا رسول اللَّه، ما مِنّا أحدٌ إلا مالُه أحَبُّ إليه. قال: فإنَّ مالَه ما قدَّمَ، ومالَ وارثِه ما أخَّرَ] (١).
وقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. أيِ وسلوا اللَّه المغفرة لذنوبكم فإنه تعالى غفور رحيم. قال سعيد بن جبير: (﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لما كان قبل التوبة ﴿رَحِيمٌ﴾ لكم بعدها).
تم تفسير سورة المُزَّمِّل بِعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه عصر الثلاثاء ٢٧ شوال ١٤٢٦ هـ ٢٩/ تشرين الثاني/ ٢٠٠٥ م
* * *
стр. 5062
دروس ونتائج وأحكام
١ - أمر اللَّه رسوله بقيام الليل وترتيل القرآن.
٢ - علبكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى ربكم، ومنهاة عن الإثم، وتكفير للسيئات.
٣ - كان رسول اللَّه ﷺ يقطع قراءته آية آية، وكان يمدّ مَدًّا.
٤ - إنَّ من أحسن الناس صوتًا بالقرآن، الذي إذا سمعتموه يقرأ، حَسِبْتموه يخشى اللَّه.
٥ - قيام الليل كان فريضة سَنَة، ثم خَفَّفَهُ اللَّه إلى تطوع.
٦ - من يعص الرسول يأخذه اللَّه أخذًا وبيلًا.
٧ - الصدقة تُطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار.
٨ - أفضل أعمالكم، وأرفعها في درجاتكم، وأزكاها عند مليككم: ذكر اللَّه تعالى.
стр. 5063
٧٤ - سورة المدثر
وهي سورة مكية، وعدد آياتها (٥٦).
موضوع السورة
توجيه المدثر ﵊ إلى حياة الصبر والجهاد وتبليغ الدعوة للأنام
- منهاج السورة -
١ - أمر اللَّه رسوله بالإنذار، وتطهير العمل والثياب، والصبر للَّه العزيز الحكيم.
٢ - النفخ في الصور أمر عظيم، وَوَقْعُ ذلك اليوم على الكافرين أليم.
٣ - توعُّدُ اللَّه تعالى الوليد بن المغيرة العذاب المهين، لا تهامه بالسحر كلام اللَّه العظيم.
٤ - تهديد اللَّه تعالى الكفار بملائكة العذاب تقهرهم في نار الجحيم، وَعِدّة هؤلاء الملائكة الزبانية الشداد تسعة عشر كما هو مكتوب في كتب أهل الكتابين.
٥ - إقسام اللَّه تعالى بالقمر والليل والصبح أن جهنم إحدى الكُبَر، جعلها سبحانه نذيرًا للبشر.
٦ - ارتهانُ كل نفس بكسبها، ونجاة أصحاب اليمين، وخزي المجرمين في نار الجحيم.
٧ - هذا القرآن تذكرة للمتقين، وما يذكرون إلا بمشيئة اللَّه رب العالمين.
стр. 5064
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ١٠. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧) فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)﴾.
في هذه الآيات: أَمْرُ اللَّه تعالى نبيّه ﷺ بإنذار قومه وتعظيم اللَّه العلي العظيم، وتطهير الثياب والعمل من الشرك والصبر للَّه العزيز الحكيم، فإنه إذا نفخ في الصور فذلك يوم على الكافرين أليم.
فقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾. نزل ذلك بعد قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾.
فلقد علم النبي ﷺ يقينًا أنه أصبح نبيًا بعدما فجئه الملك بغار حراء، وأدرك أن جبريل سفيرُ الوحي الذي ينقل الخبر إليه من اللَّه في السماء، ولكن الوحي فتر أيامًا بعد ذلك -كما يروي ابن سعد عن ابن عباس- قبل أن يعاود المجيء والنداء، وكان ذلك قد أهمَّ النبي ﷺ .
قال ابن حجر في "الفتح": (وكان ذلك ليذهب ما كان ﷺ وجده من الروع، وليحصل له التشوف إلى العود).
وفي الصحيحين واللفظ للإمام مسلم عن أبي سلمة قال: [أخبرني جابر بن عبد اللَّه أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يحدث عن فترة الوحي. فقال في حديثه: فبينما أنا أمشي إذ سمعت صوتًا من السماء فرفعت بصري قبل السماء فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض فجثيت منه (وفي رواية للبخاري: فرُعبت منه) حتى هويت إلى الأرض فجئت إلى أهلي فقلت: زملوني زملوني، فأنزل اللَّه: ﴿يَاأَيُّهَا
стр. 5065
الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾. قال أبو سلمة: والرجز: الأوثان. ثمَّ حَمِيَ الوحي وتتابع] (١).
وكذلك في الصحيحين عن يحيى بن أبي كثير قال: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن؟ قال: يا أيها المدثر. قلت: يقولون اقرأ باسم ربك الذي خلق. فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد اللَّه ﵄ عن ذلك وقلت له مثلَ الذي قلت، فقال جابر: لا أُحَدِّثكَ إلا ما حَدَّثنا رسول اللَّه ﷺ . قال: [جَاوَرْتُ بحراء فلما قضيت جواري هَبَطْتُ فاستبطنت الوادي فنويت فنظرت عن يميني فلم أر شيئًا، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئًا، ونظرت أمامي فلم أر شيئًا، ونظرت خلفي فلم أر شيئًا، فرفعت رأسي فرأيت شيئًا، (وفي رواية: فإذا هو على العرش في الهواء، يعني جبريل ﵇، فأخذتني رجفة شديدة)، (وفي رواية: فإذا هو جالس على كرسي بين السماء والأرض)، (وفي رواية: على عرش بين السماء والأرض) فأتيت خديجة فقلت: دثروني وصُبُّوا عليّ ماء باردًا. قال: فدثروني وصبّوا عليّ ماء باردًا. قال: فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ] (٢).
وفي التحقيق أن ﴿اقْرَأْ﴾ نزلت قبل ﴿الْمُدَّثِّرُ﴾ لأسباب ذكرها ابن القيم ﵀:
الأوّل: أن قوله: "ما أنا بقارئ" صريح أنه لم يقرأ قبل ذلك شيئًا.
الثاني: أن الأمر بالقراءة هو في الترتيب قبل الأمر بالإنذار.
الثالث: أن اجتهاد جابر غيرُ تحديث عائشة عن النبي ﷺ وخبره عن نفسه.
الرابع: أنه جاء في حديث جابر ما يشير إلى أن ﴿اقْرَأْ﴾ نزلت أولًا، وهو قوله ﵇: "فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء. . ." أي يوم نزل عليه أول مرة بـ ﴿اقْرَأْ﴾.
فتكون هذه الآيات هي ثاني ما نزل من القرآن على النبي ﷺ ، وهي: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾.
والمُدَّثِّر في لغة العرب: من دثَرَ وتَدَثَّرَ أي تَلَفَّفَ في الدثار، وهو كل ما كان من
стр. 5066
الثياب فوق الشعار. حكاه الرازي. وله في التفاسير أكثر من تأويل:
التأويل الأول: قيل المراد: (يا أيها المتدثر بثيابِه عند نومه).
قال ابن عباس: (قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ قال: يا أيها النائم). وقال قتادة: (يقول المتدثر في ثيابه). وقال ابن جرير: (وذكر أن نبيَّ اللَّه ﷺ قيل له ذلك وهو متدثر بقطيفة). ثم روى عن إبراهيم -من التابعين- قوله: (كان متدثرًا في قطيفة).
التأويل الثاني: قيل بل المعنى: يا أيها المتدثر النبوة وأثقالها.
قال عكرمة: (دُثِّرت هذا الأمر فقم به). فيكون المعنى: يا مَنْ حُمِّلْتَ أعباء النبوة، وحُفِظْتَ وغُطيِّت بأمانة الوحي، قم فأنذر الناس عذاب اللَّه الشديد، وانهض إلى الأمة فأنقذها من مغبة الاسترسال بالشرك وتعظيم الشهوات وتجاهل الآخرة.
فقوله تعالى: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾. أي: قم من نومك فأنذر قومك عذابَ اللَّه الذي أشركوا به وعبدوا غيره. قال قتادة: (أي أنذر عذابَ اللَّه ووقائعه في الأمم وشدة نِقْمَتِه).
وقوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾. أي: ورّبك فَعَظِّم دون غيره من الآلهة والأنداد والطواغيت.
وقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. قال ابن عباس: (لا تلبسها على معصية ولا على غدرة. قال: وثيابك فَطَهِّرْ من الإثم. قال: نَقِّ الثياب في كلام العرب).
وقال: (لا تكن ثيابُكَ التي تلبس من مكسب غيرِ طائب). وقال مجاهد: (عملك فأصلح).
فيكون المعنى: أي نَقِّ سريرتك وَصَفِّها للَّه، وأطِبْ كسبك ومطعمك، وطهر الداخل والخارج.
وقوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾. قال مجاهد: (الأوثان). وقال الضحاك: (يقول: اهجر المعصية).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾. قال ابن عباس: (لا تعط عطية تلتمس بها أفضل منها). وقال الحسن: (لا تمنن تستكثر عملك الصالح). أي لا يكثر عملك في عينك فتمنن على ربك، فإنما هو فضله ومنّه عليك.
وقوله تعالى: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾. قال ابن زيد: (حمل أمرًا عظيمًا محاربة العرب ثم العجم من بعد العرب في اللَّه).
стр. 5067
قلت: وقد اشتملت هذه الآيات التي كانت في أول ما نزل من القرآن على منهاج الإِسلام كله، فرسمت محاور هذا الدين وأعمدة هذا البنيان، وأوضحت معالم هذا الدين بشكل مجمل. ففي مضمونها:
أولًا: تعظيم اللَّه وحده وتصغير الشرك والطغاة والطواغيت.
وقد ضُمِّنَ هذا المعنى بقوله: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾، ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾. فهي دعوة التوحيد دعوة الرسل ﵈.
أخرج أحمد وأبو داود بسند صحيح عن أبي تميمةَ عن رجل من قومه، أنه أتى رسول اللَّه ﷺ ، أو قال: شهدت رسول اللَّه ﷺ وأتاه رجل فقال: أنت رسول اللَّه -أو قال: أنت محمد؟ - فقال: نعم. قال: فإلامَ تَدْعو؟ قال: [أدعو إلى ربك الذي إنْ مَسَّكَ ضر فدعوته كشفَ عنكَ، والذي إن أضْلَلْتَ بأرض قفرٍ فدعوته ردّ عليك، والذي إن أصابتك سنة فدعوته أنبت لك] (١).
ثانيًا: تزكية النفس.
وقد تضمن هذا المفهوم في قوله سبحانه: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾.
ويكون هذا بلزوم عبادات وشرائع شرعها، وأخلاق ومعاليَ رغَّب ودعا إليها، وبتركِ قبائح وفواحِشَ حذّر من مغبتها.
ولقد وقع في رواية أخرى للحديث السابق تفصيلٌ آخر يربط هذه الأخلاق مع أعلاها، ويوضح نَسَبها إلى أرفعها وأرقاها، وهو تعظيم اللَّه جل ذكره وإفراده بكل معاني العبادة.
فقد أخرج أبو داود والترمذي عن أبي جري جابر بن سليم قال: [رأيت رجلًا يصدر الناس عن رأيه، لا يقول شيئًا إلا صدروا عنه، قلت: من هذا؟ قالوا: هذا رسول اللَّه ﷺ ، قلت: عليك السلام يا رسول اللَّه، مرتين، قال: "لا تقل عليك السلام، فإن عليك السلام تحية الميت، قل: السلام عليك". قال: قلت: أنت رسول اللَّه ﷺ ؟ قال: "أنا رسول اللَّه الذي إذا أصابك ضُرٌّ فدعوته كشفه عنك، وإن أصابك عامُ سنةٍ فَدَعَوْتَهُ أنْبَتَها لكَ، وإذا كنت بأرض قَفْراءَ أو فلاةٍ فَضَلَّتْ راحلتك
стр. 5068
فَدَعَوْتَهُ رَدَّها عليك". قلت: اعهد إلي، قال: "لا تَسُبَّنَّ أَحَدًا" قال: فما سَبَبْتُ بعده حرًا ولا عبدًا ولا بعيرًا ولا شاة، قال: "ولا تَحْقِرَنَّ شيئًا مِنَ المَعْرُوف، وأَنْ تُكَلِّمَ أخاك وأنْتَ مُنْبَسِطٌ إليه وَجْهُكَ إنَّ ذلكَ من المعروف، وارْفَعْ إزارك إلى نصف الساق، فإن أبَيْتَ فإلى الكعبين، وإياك وإسبالَ الإزار فإنها من المخيلة، وإن اللَّه لا يحب المخيلة، وإن امرؤ شتَمكَ وعَيَّركَ بما يعلم فيك فلا تعيّره بما تعلم فيه فإنما وبال ذلك عليه"] (١).
ثالثًا: حفظ الجماعة المؤمنة، بالدعوة إلى بنائها وتوثيق أواصر التعاون والأخوة فيما بينها.
فقد قال جل ذكره في أول ما نزل: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾. أي قم يا محمد إلى الجماعة فاحفظها، وإلى الأمة فأنذرها، فإن القوة والحفظ متعلقة ببناء الجماعة وحفظ كيانها وحماية صرحها، فليعطف غنيها على فقيرها، وليرحم قويها ضعيفها، وليشد بعضها أزر بعض.
وقد قال اللَّه في أواخر السورة نفسها: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧) فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾.
أخرج عبد اللَّه بن الإمام أحمد في زوائد المسند، بإسناد حسن عن النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [مَنْ لمْ يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر اللَّه، والتحدث بنعمة اللَّه شُكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب] (٢).
رابعًا: الصبر على الأذى.
وهو داخل في قوله سبحانه: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾. قال ابن زيد: (حمل أمرًا عظيمًا محاربة العرب ثم العجم من بعد العرب في اللَّه). وبنحوه قال اللَّه في سورة الأحقاف لنبيّه ﷺ : ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥].
стр. 5069
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد ﵄ عن النبي ﷺ قال: [ما يُصيبُ المسلمَ من نَصَبٍ ولا وَصَبٍ ولا همٍّ ولا حَزَنٍ ولا أذى ولا غمٍّ، حتى الشوكةُ يُشاكُها إلا كفَّر اللَّه بها من خطاياه] (١). والنصب: التعب والوصب: المرض.
خامسًا: التحذير من الدار الآخرة.
وهو داخل في قوله تعالى: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾. وبنحوه قوله جل ذكره في سورة مريم: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩].
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾. قال ابن عباس: (الناقور: الصور). وقال مجاهد: (وهو كهيئة القرن). والمقصود: ذِكْرُ أول شدائد القيامة، وهو النفخ في الصور.
وفي جامع الترمذي بسند صحيح عن أبي سعيد قال: [قال رسول اللَّه ﷺ : "وكيفَ أنْعَمُ وصاحِبُ القَرْنِ قد التقمَ القَرْنَ واسْتَمَعَ الإِذْنَ متى يُؤْمَرُ بالنَّفْخِ فَيَنْفُخَ". فكأن ذلك ثقل على أصحاب النبي ﷺ ، فقال لهم: "قولوا حَسْبُنا اللَّه ونِعْمَ الوكيلُ، على اللَّه توكَّلنا"] (٢).
وقوله تعالى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾. قال ابن عباس: (يقول: شديد).
وقوله تعالى: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾. قال قتادة: (فَبَيَّنَ اللَّه على من يقع).
قال النسفي: (وأكّد بقوله: ﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ ليؤذن بأنّه يسير على المؤمنين. أو ﴿عَسِيرٌ﴾ لا يرجى أن يرجع يسيرًا كما يرجى تيسير العسير من أمور الدنيا).
١١ - ٣٠. قوله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)
стр. 5070
سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)﴾.
في هذه الآيات: توعُّد اللَّه سبحانه الوليد بن المغيرة العذاب الأليم، لاتهامه القرآن بالسحر وافتراء الكذب على كلام اللَّه العظيم.
فإنه ما إنْ أتى موسم الحج عقب الأمر بالجهر بالدعوة، إلا وخشيت قريش ماذا تقول للعرب في شأن محمد، فاجتمعوا إلى الوليد بن المغيرة وكان من أعلمهم بالفصاحة والشعر ولسان العرب، وكلموه في الأمر عسى أن يجدوا له حلًا ومخرجًا.
يروي البيهقي والحاكم على شرط البخاري عن عكرمة عن ابن عباس: [أن الوليد بن المغيرة جاء رسول اللَّه ﷺ فقرأ عليه القرآن فكأنه رقّ له، فبلغ ذلك أبا جهل فأتاه فقال: يا عم! إنَّ قومك يريدون أن يجمعوا لك مالًا. قال: لم؟ قال: ليعطوكه فأنت أتيت محمدًا لتعرض ما قبله. قال: قد علمت قريش أني من أكثرها مالًا، قال: فقل فيه قولًا يبلغ قومك أنك منكر له. قال: وماذا أقول؟ فواللَّه ما منكم رجل أعرف بالأشعار مني، ولا أعلم بِرَجَزِه ولا بقصيده مني ولا بأشعار الجن، واللَّه ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا. وواللَّه إن لِقوله الذي يقوله حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو ولا يُعلى، وإنه ليحطم ما تحته. قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه. قال: قف عني حتى أفكر فيه، فلما فكَّر قال: إن هذا إلا سحر يؤثر بأثره عن غيره، فنزلت: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ الآيات] (١).
قال ابن عباس: (أنزل اللَّه في الوليد بن المغيرة قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾).
وقوله: ﴿وَحِيدًا﴾. قال مجاهد: (خلقته وحده ليس معه مال ولا ولد). وقال قتادة: (وهو الوليد بن المغيرة، أخرجه اللَّه من بطن أمه وحيدًا لا مال له ولا ولد، فرزقه اللَّه المال والولد، والثروة والنماء).
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا﴾. قال مجاهد: (كان ماله ألف دينار).
стр. 5071
وقال سفيان: (بلغني أنه أربعة آلاف دينار). وقال ابن جرير: (وهو الكثير الممدود عدده أو مساحته) - إشارة إلى الأراضي والمال.
وقوله تعالى: ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾. قال مجاهد: (كان بنوه عشرة، وقوله: ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ قال: من المال والولد). أي: وبسطت له في العيش بسطًا.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾. أي: ثم يأمل ويطمح أن أزيده مالًا وثروة وولدًا فوق ما أعطيته. كلا ليس الأمر كذلك كما يرجو، فإنه كان لآياتنا وحججنا جاحدًا معاندًا. قال الحارث: (معاندًا عنها، مجانبًا لها).
وعن قتادة: (﴿كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ قال: كفورًا بآيات اللَّه جحودًا بها).
وقوله تعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾. قال مجاهد: (مشقة من العذاب). وقيل: هو جبل في جهنم يصعد بها يوم القيامة ثم يهوي إرهاقًا وتعبًا من العذاب.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾. أي: فَكَّرَ في شأن النبي ﷺ والقرآن و ﴿وَقَدَّرَ﴾ أي هيأ الكلام في نفسه. قال قتادة: (زعموا أنه قال: واللَّه لقد نظرت فيما قال هذا الرجل، فإذا هو ليس له بشعر، وإنّ له لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وإنه ليعلو وما يعلى، وما أشك أنه سحر، فأنزل اللَّه فيه: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾: قبض ما بين عينيه وكلح).
وقوله تعالى: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾. أي لُعِنَ. وقيل: فَقُهر وغُلبَ، وكل مُذَلَّل مُقَتَّل.
وقال الزهري: (عُذِّب، وهو من باب الدعاء). وقال ناسٌ: ﴿كَيْفَ﴾ تعجيب، والمقصود: العجب كل العجب مما صدر منه في شأن القرآن بعد فكر وروية؟ !
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾. قال القرطبي: (﴿ثُمَّ قُتِلَ﴾ أي لُعِنَ لعنًا بعد لعن. وقيل: فقتل بضرب من العقوبة، ثم قتل بضرب آخر من العقوبة ﴿كَيْفَ قَدَّرَ﴾ أي على أي حال قَدر).
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾. أي: بأي شيء يرد الحق ويدفعه. وإنما هو المكر والكذب.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾. ﴿عَبَسَ﴾ أي قبض بين عينيه وقطَّب. ﴿وَبَسَرَ﴾ أي: كلح وكره. قال النسفي (﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ قطب وجهه ﴿وَبَسَرَ﴾ زاد في التقبض والكلوح).
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾. قيل: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ﴾ أي ولَّى وأعرض ذاهبًا إلى أهله
стр. 5072
﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾ أي تعظم عن أن يؤمن. وقيل: أدبر عن الإيمان واستكبر حين دُعي إليه.
والمقصود: ركبه الشيطان وعلا رأسه وفِكْرَه فأدبر واستكبر.
وقوله تعالى: ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾. قال أبو رزين: (يأخذه عن غيره). أو يأثره عن غيره.
والمقصود: نطق بكلمة الكذب في شأن الحق فجحده واتهمه ورماه بالسحر بعد التَّثَبُّتِ من أنه أعلى وأجل. فما أسهل اتهام الحق بالسحر للهروب من تكاليفه وتبعاته.
ثم قال سبحانه متوعدًا إياه إثر هذه المحاولة الماكرة لطمس الحق: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ قيل: وهو باب من أبواب جهنم.
والمقصود: سأغمره في جهنم كي يصْلى حرّها. قال القرطبي: (وإنما سُمِّيت سقر من سَقَرَتْه الشمس: إذا أذابته ولوحته، وأحرقت جلدة وجهه).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾. تهويل لأمرها، ومبالغة في وصفها. أي: وأيّ شيء سقر يا محمد؟ فهي كلمة تعظيم.
وقوله تعالى: ﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ﴾. أي: لا تبقى من فيها حيًّا، ولا تذر من فيها ميتًا، بل تحرقهم كلما جدد خلقهم. قال مجاهد: (لا تميت ولا تحيي). وقال مرثد: (لا تبقي منهم شيئًا أن تأكلهم، فإذا خلقوا لها لا تذرهم حتى تأخذهم فتأكلهم). وقال السدي: (لا تبقي لهم لحمًا ولا تذر لهم عظمًا). قال الزمخشري: (أي لا تبقي شيئًا يُلقى فيها إلا أهلكته، وإذا هلك لم تذره هالكًا حتى يعاد. أو لا تبقي على شيء، ولا تدعه من الهلاك، بل كل ما يطرح فيها هالك لا محالة).
وقوله تعالى: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾. لَوَّاحة: أي محرقة للجلود. قال قتادة: (حرّاقة للجلد). فهو من "لوّحته الشمس" إذا سوّدت ظاهره وأطرافه. والبَشَر: جمع بشرة، وهي ظاهر الجلد.
قال أبو رزين: (تلفح الجلد لفحة، فتدعه أشد سوادًا من الليل). وروي عن ابن عباس: (تحرق بشرة الإنسان). فهي تغير البشر أي الجلد وتحرقه.
وقيل: بل "البشر" اسم جنس بمعنى الناس. فيجوز أن يكون المعنى: لائحة للناس، من "لاح"، بمعنى ظهر، والبشر بمعنى الناس. حكاه القاسمي.
وقوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾. أي من الخزنة المتولِّين أمرها، والتسلّط على
стр. 5073
أهلها. قال ابن كثير: (﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ أي: من مُقَدَّمي الزبانية، عَظيمٌ خَلْقُهم، غَليظٌ خُلُقُهم).
فتوعد اللَّه سبحانه الوليد بن المغيرة مقابل هذا الكذب والنفاق والمراوغة في تعامله مع الوحي والحق أن يصليه سقر، بعد أن أعطاه في الدنيا من المال والولد ما كان ينبغي أن يستعين به على طاعة اللَّه وشكره، إذ كان أولاده جميعًا حاضرين أمامه يستأجرون في تجارتهم ولا يسافرون فيجهدون، وأغدق عليه من الأرض والثروة والخير الكثير، الذي سينقلب عليه في الآخرة نقمة أن كفر باللَّه وبرسوله.
٣١ - ٣٧. قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (٣١) كَلَّا وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (٣٤) إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧)﴾.
في هذه الآيات: تهديدُ اللَّه تعالى الكفار بملائكة العذاب تقهرهم وتغلبهم في نار الجحيم، وعدة هؤلاء الملائكة الزبانية الشداد تسعة عشر كما هي في كتب أهل الكتابين. وقد أقسم اللَّه تعالى بالقمر والليل والصبح أن جهنم إحدى الكبر، جعلها سبحانه نذيرًا للبشر، لمن شاء أن يتقدم في الطاعة أو يتأخر.
فقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴾. أي: وما جعلنا خزنة النار ﴿إِلَّا مَلَائِكَةً﴾ أي: إلا زبانيةً غلاظًا شدادًا. قال ابن كثير: (وذلك ردٌّ على مشركي قُريش حين ذَكَر عدد الخزنة، فقال أبو جهل: يا معشرَ قريش، أما يستطيع كلُّ عشرةٍ منكم لواحد منهم فتغلبونهم؟ فقال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴾، أي شديدي الخَلْق لا يُقاوَمونَ ولا يُغالبون. وقد قيل: إنَّ أبا الأشدَّين -واسمُه: كَلَدة بن أَسِيد بن خَلَف- قال: يا معشرَ قُريش! اكفُوني منهم اثنين وأنا أكفيكم سبعةَ عَشرَ، إعجابًا منه بنفسه، وكان قد بلغَ من القوة -فيما يزعمون- أنه كان يقِفُ على جلد البقر ويُجاذِبه عشَرَةٌ لينتزِعُوه من تحت قَدَميه، فيتمزَّق الجِلدُ ولا يتزحزحُ عنه. قال السهيلي: وهو الذي
стр. 5074
دعا رسول اللَّه ﷺ إلى مُصارعته وقال: إن صَرَعتني آمنتُ بك. فصَرعَهُ النبي ﷺ مرارًا فلم يؤمن).
وقال القرطبي: (﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴾ أي لم نجعلهم رجالًا فتتعاطون مغالبتهم).
والمقصود: فمن يطيق الملائكة ومن يغلبهم، وهم أقوم خلق اللَّه بحقه، والغضب له، وأشدهم بأسًا، وأقواهم بطشًا؟
وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال قتادة: (إلا بلاء). وروي عن ابن عباس من غير وجه قال: (ضلالة للذين كفروا، يريد أبا جهل وذويه).
وقيل: (إلا عذابًا). أي جعلنا ذلك سبب كفرهم وسبب العذاب.
والمقصود: إنما جعلنا عدد الملائكة الزبانية الشداد ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ إضلالًا ومحنة للكافرين، حتى قالوا ما قالوا مستهزئين، ليتضاعف عذابهم ويكثر غضب اللَّه عليهم، قال الجبائيّ: (المراد من الفتنة تشديد التعبد ليستدلوا ويعرفوا أنه تعالى قادر على أن يقوّي هؤلاء التسعة عشر على ما لا يقوى عليه مئة ألف ملك أقوياء). وقال الكعبي: (المراد من الفتنة الامتحان، حتى يفوّض المؤمنون حكمة التخصيص بالعدد المعيّن إلى علم الخالق سبحانه. قال: وهذا من المتشابه الذي أمروا بالإيمان به).
وقوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾. قال ابن عباس: (وإنها في التوراة والإنجيل تسعة عشر، فأراد اللَّه أن يستيقن أهل الكتاب، ويزداد الذين آمنوا إيمانًا). وقال مجاهد: (يجدونه مكتوبًا عندهم عدّة خزنة أهل النار).
وقال قتادة: (يصدق القرآن الكتب التي كانت قبله فيها كلها، التوراة والإنجيل، أن خزنة النار تسعة عشر). وقال أيضًا: (ليستيقن أهل الكتاب حين وافق عدّة خزنة النار ما في كتبهم). وقال ابن زيد: (﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ أنك رسول اللَّه).
وقوله: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾. أي: إلى إيمانهم، وذلك بما يشهدون من صدق إخبار نبيهم محمد ﷺ .
وقوله: ﴿وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: ولا يشكّ أهل التوراة والإنجيل في حقيقة ذلك والمؤمنون باللَّه من أمة محمد ﷺ ).
وقوله: ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾. أي: وليقول المنافقون
стр. 5075
والمشركون ما الحكمة من ذكر هذا هاهنا؟ . قال ابن زيد: (يقول: حتى يخوّفنا بهؤلاء التسعة عشر).
وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. قال ابن كثير: (أي: مِنْ مِثل هذا وأشباهه يتأكَّدُ الإيمانُ في قلوب أقوامٍ، ويتزلزل عند آخَرِين، وله الحكمة البالغة، والحجَّة الدامغةُ).
وقوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾. قال قتادة: (أي من كثرتهم).
قال الزمخشري: (أي وما يعلم ما عليه كل جند من العدد الخاص، من كون بعضها على عقد كامل، وبعضها على عدد ناقص، وما في اختصاص كل جند بعدده، من الحكمة إلا هو. ولا سبيل لأحد إلى معرفة ذلك، كما لا يعرف الحكمة في أعداد السماوات والأرضين وأمثالها. أو وما يعلم جنود ربك لفرط كثرتها إلا هو، فلا يعزّ عليه الزيادة على عدد الخزنة المذكور، ولكن له في هذا العدد الخاص حكمة لا تعلمونها).
ومن كنوز السنة العطرة في آفاق ذلك أحاديث:
الحديث الأول: روى مسلم في صحيحه من حديث أنس -حديث الإسراء- أن رسول اللَّه ﷺ قال: [ثم عرج بنا إلى السماء السابعة. . . ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه] (١).
وله شاهد في المسند عنه مرفوعًا بلفظ: [البيت المعمور في السماء السابعة، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ثم لا يعودون إليه حتى تقوم الساعة].
الحديث الثاني: أخرج الترمذي وابن ماجة بسند حسن من حديث أبي ذر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إني أرى ما لا تَرَوْن وأسْمَعُ ما لا تَسْمعون، أَطَّت السماء وحُقَّ لها أن تئِطّ، ما فيها مَوْضِعُ أربع أصابع إلا ومَلَكٌ واضِعٌ جبهتَهُ للَّه ساجدًا] الحديث (٢).
الحديث الثالث: أخرج الطيالسي في "مسنده"، وابن خزيمة في "صحيحه" بإسناد
стр. 5076
حسن عن أبي هريرة مرفوعًا: [ليلةُ القَدْر ليلةُ سابِعَةٍ أو تاسعةٍ وعِشرين، إنَّ الملائكة تلكَ الليلةَ في الأرض أكثرُ مِن عددِ الحصى] (١).
وقوله: ﴿وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾. قال مجاهد: (النار). والمعنى: ما هذه النار الموصوفة بما ذكر إلا تذكرة ذكر اللَّه تعالى بها البشر -وهم بنو آدم-.
وقوله تعالى: ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ﴾. قال القاسمي: (﴿كَلَّا﴾ ردع لمن أنكر العدة أو سقر أو الآيات، أو إنكار لأن تكون لهم ذكرى لأنهم لا يتذكرون).
ثم أقسم سبحانه بالقمر وبما بعده، فقال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾. أي: ولّى. قال ابن عباس: (دبوره: إظلامه).
وقوله تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾. أي أشرق. قال قتادة: (إذا أضاء وأقبل).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾. قال مجاهد: (يعني: جهنم).
والمقصود: إن جهنم لإحدى الكبر، أي الأمور العظام.
وقوله تعالى: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾. أي إنذارًا لهم. قال قتادة: (قال الحسن: واللَّه ما أُنذر الناسُ بشيء أدهى منها، أو بداهية هي أدهى منها).
وقوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾. قال ابن عباس: (من شاء اتبع طاعة اللَّه، ومن شاء تأخر عنها). وقال قتادة: (يتقدّم في طاعة اللَّه، أو يتأخَّر في معصيته).
وفي الآية إثبات مشيئة العبد في اختيار الطريق، وهي مشيئة مقهورة بمشيئة اللَّه ، كما قال جل ذكره: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠]. فله الأمر سبحانه وله الحكمة والحجة البالغة.
٣٨ - ٥٦. قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا
стр. 5077
الْيَقِينُ (٤٧) فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨) فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢) كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ (٥٣) كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦)﴾.
في هذه الآيات: ارتهانُ كل نفس بكسبها، ونجاة أصحاب اليمين، وخزي المجرمين في نار الجحيم، وهذا القرآن تذكرة للمتقين، وما يذكرون إلا بمشيئة اللَّه رب العالمين.
فقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾. أي: مرهونة ومحبوسة بكسبها، معتقلة بعملها يوم القيامة. قال ابن عباس: (يقول: مأخوذة بعملها).
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾. قال ابن زيد: (أصحاب اليمين لا يرتهنون بذنوبهم، ولكن يغفرها اللَّه لهم، وقرأ قول اللَّه: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ٤٠] قال: لا يؤاخذهم اللَّه بِسَيِّئِ أعمالهم، ولكن يغفرها اللَّه لهم، ويتجاوز عنهم كما وعدهم).
قال القاسمي: (﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ أي فإنهم فكّوا رقابهم بما أطابوه من كسبهم، كما يخلص الراهن رهنه بأداء الحق).
وقوله تعالى: ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾.
قال ابن جرير: (يقول: أصحاب اليمين في بساتين يتساءلون عن المجرمين الذين سُلكوا في سقر، أيّ شيء سلككم في سقر؟ ).
قال ابن كثير: (أي: يسألون المجرمين وهم في الغرفات وأولئك في الدركات قائلين لهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾).
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾. أي: ما قمنا بحق اللَّه تعالى، ولا بحق عباده الواجب علينا. فما عبدنا اللَّه ولا أحْسَنّا إلى خَلْقِه المحتاجين.
وقوله: ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾. أي: وكنا نخوض في الباطل وفيما لا نعلم. قال قتادة: (يقولون: كلما غوى غاوٍ غوينا معه).
стр. 5078
وقوله تعالى: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾. أي: وكنا نكذب بيوم الحساب، يوم الثواب والعقاب.
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾. أي: حتى أتانا الموت الموقن به. وهو كقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩].
وفي صحيح البخاري من حديث أم العلاء مرفوعًا: [أمّا هو -يعني عثمان بن مظعون- فقد جاءه اليقين من ربّه] (١).
وقوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾. قال النسفي: (من الملائكة والنبيين والصالحين، لأنها للمؤمنين دون الكافرين. وفيه دليل ثبوت الشفاعة للمؤمنين).
وفي سنن ابن ماجة بإسناد صحيح عن عبد اللَّه بن قيس قال: كنت عند أبي بردة ذات ليلة. فدخل علينا الحارث بن أقَيْش. فحدثنا الحارث ليلتئذ، أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: [إنَّ من أمتي مَنْ يدخُل الجنةَ بشفاعتِه أكثرُ مِنْ مُضَرَ. وإنَّ مِنْ أمتي من يَعْظُمُ للنار حتى يكونَ أحَدَ زواياها] (٢).
وقوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾. قال قتادة: (أي عن هذا القرآن).
أي: فما لهؤلاء المشركين الذين قِبَلك -يا محمد- لا يستمعون لهذه الذكرى من الوحي، فيعرضون ولا يعتبرون ولا يتعظون! ؟
وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾. أي فهم يُوَلُّونَ تولية الحمر لفرارها من الصيد. قال ابن عباس: (أراد الحمر الوحشية). وقرأ نافع وابن عامر بفتح الفاء، أي مُنَفَّرَة مذعورة. والباقون بالكسر، أي نافرة. وهما قراءتان مشهورتان.
وقوله تعالى: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾. أي نفرت وهربت من رُماة يرمونها، أو من أسد يريد افتراسها. قال ابن عباس: (﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: الرماة). أو قال: (رجال القَنْص). وقال زيد بن أسلم: (هو الأسد). وقال حَمَّاد بن سَلَمةَ، عن علي بن زيد، عن يوسف بن ماهك، عن ابن عباس: (الأسد بالعربية، ويقال له بالحبشية قَسْوَرة، وبالفارسية شِيرٌ، وبالنبطية أويا).
стр. 5079
والمقصود: كأن هؤلاء المشركين في نفِارهم عن الحق وإعراضهم عنه كحمر الوحش وهي تشتد هاربة من الأسد أو الرماة يريدون صيدها.
وقوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾. أي: كتبًا مفتوحة موجهة إليهم من رب العالمين، يقال لهم فيها: إني قد أرسلت إليكم محمدًا ﷺ فاتبعوه.
قال مجاهد: (﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ قال: إلى فلان من ربّ العالمين).
وقال قتادة: (قد قال قائلون من الناس: يا محمد إن سرّك أن نتبعك فائتنا بكتاب خاصة إلى فلان وفلان، نؤمر فيه باتباعك. قال قتادة: يريدون أن يؤتوا براءة بغير عمل). أو المعنى: يريد كل واحد منهم أن ينزل عليه كتاب كما أنزل علي النبي ﷺ ، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤]. وكقوله تعالى: ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣].
وقوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ﴾. قال قتادة: (إنما أفسدهم أنهم كانوا لا يصدّقون بالآخرة، ولا يخافونها، هو الذي أفسدهم). قال القاسمي: (﴿كَلَّا﴾ أي لا يكون مرادهم، ولا يتبع الحق أهواءهم. أو ليس إرادتهم تلك للرغبة في الإيمان، فقد جاءهم ما يكفيهم عن اقتراح غيره، وإنما هم مردة الداء، ولذا قال: ﴿بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ﴾ أي لا يؤمنون بالبعث والجزاء، ولا يخشون العقاب، لإيثارهم العاجلة).
وقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾. قال قتادة: (أي القرآن). أي حقًا إن القرآن تذكرة وعظة.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾. أي: فمن شاء اتعظ وعمل بما فيه من أمر اللَّه ونهيه، واستعدّ للقاء ربه.
وقوله: ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾. ترويحٌ لقلب النبي ﷺ مما كان يخامرهُ من إعراضهم، وتسلية له عما يلقاه من كبرهم وعنادهم وهو يحرص على إيمانهم.
والمعنى: ليس يقدرون على الاتعاظ والتذكير إلا بمشيئة اللَّه لهم. وهو كقوله سبحانه: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠].
وقوله: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾. قال قتادة: (ربنا حقوق أن تتقى محارمه،
стр. 5080
وهو أهل المغفرة يغفر الذنوب). أو قال: (أهل أن تتقى محارمه، وأهل المغفرة: أهل أن يغفر الذنوب).
والمقصود: اللَّه تعالى أهل أن يُخاف منه، وهو أهل أن يغفر ذنوب من تاب إليه وأناب.
تم تفسير سورة المدثر بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه عصر الخميس ١/ ذي القعدة/ ١٤٢٦ هـ الموافق ١/ كانون الأول/ ٢٠٠٥ م
* * *