حسن عن أبي هريرة مرفوعًا: [ليلةُ القَدْر ليلةُ سابِعَةٍ أو تاسعةٍ وعِشرين، إنَّ الملائكة تلكَ الليلةَ في الأرض أكثرُ مِن عددِ الحصى] (١).
وقوله: ﴿وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾. قال مجاهد: (النار). والمعنى: ما هذه النار الموصوفة بما ذكر إلا تذكرة ذكر اللَّه تعالى بها البشر -وهم بنو آدم-.
وقوله تعالى: ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ﴾. قال القاسمي: (﴿كَلَّا﴾ ردع لمن أنكر العدة أو سقر أو الآيات، أو إنكار لأن تكون لهم ذكرى لأنهم لا يتذكرون).
ثم أقسم سبحانه بالقمر وبما بعده، فقال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾. أي: ولّى. قال ابن عباس: (دبوره: إظلامه).
وقوله تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾. أي أشرق. قال قتادة: (إذا أضاء وأقبل).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾. قال مجاهد: (يعني: جهنم).
والمقصود: إن جهنم لإحدى الكبر، أي الأمور العظام.
وقوله تعالى: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾. أي إنذارًا لهم. قال قتادة: (قال الحسن: واللَّه ما أُنذر الناسُ بشيء أدهى منها، أو بداهية هي أدهى منها).
وقوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾. قال ابن عباس: (من شاء اتبع طاعة اللَّه، ومن شاء تأخر عنها). وقال قتادة: (يتقدّم في طاعة اللَّه، أو يتأخَّر في معصيته).
وفي الآية إثبات مشيئة العبد في اختيار الطريق، وهي مشيئة مقهورة بمشيئة اللَّه ، كما قال جل ذكره: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠]. فله الأمر سبحانه وله الحكمة والحجة البالغة.
٣٨ - ٥٦. قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا
стр. 5077
الْيَقِينُ (٤٧) فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨) فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢) كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ (٥٣) كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦)﴾.
في هذه الآيات: ارتهانُ كل نفس بكسبها، ونجاة أصحاب اليمين، وخزي المجرمين في نار الجحيم، وهذا القرآن تذكرة للمتقين، وما يذكرون إلا بمشيئة اللَّه رب العالمين.
فقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾. أي: مرهونة ومحبوسة بكسبها، معتقلة بعملها يوم القيامة. قال ابن عباس: (يقول: مأخوذة بعملها).
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾. قال ابن زيد: (أصحاب اليمين لا يرتهنون بذنوبهم، ولكن يغفرها اللَّه لهم، وقرأ قول اللَّه: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ٤٠] قال: لا يؤاخذهم اللَّه بِسَيِّئِ أعمالهم، ولكن يغفرها اللَّه لهم، ويتجاوز عنهم كما وعدهم).
قال القاسمي: (﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ أي فإنهم فكّوا رقابهم بما أطابوه من كسبهم، كما يخلص الراهن رهنه بأداء الحق).
وقوله تعالى: ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾.
قال ابن جرير: (يقول: أصحاب اليمين في بساتين يتساءلون عن المجرمين الذين سُلكوا في سقر، أيّ شيء سلككم في سقر؟ ).
قال ابن كثير: (أي: يسألون المجرمين وهم في الغرفات وأولئك في الدركات قائلين لهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾).
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾. أي: ما قمنا بحق اللَّه تعالى، ولا بحق عباده الواجب علينا. فما عبدنا اللَّه ولا أحْسَنّا إلى خَلْقِه المحتاجين.
وقوله: ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾. أي: وكنا نخوض في الباطل وفيما لا نعلم. قال قتادة: (يقولون: كلما غوى غاوٍ غوينا معه).
стр. 5078
وقوله تعالى: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾. أي: وكنا نكذب بيوم الحساب، يوم الثواب والعقاب.
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾. أي: حتى أتانا الموت الموقن به. وهو كقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩].
وفي صحيح البخاري من حديث أم العلاء مرفوعًا: [أمّا هو -يعني عثمان بن مظعون- فقد جاءه اليقين من ربّه] (١).
وقوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾. قال النسفي: (من الملائكة والنبيين والصالحين، لأنها للمؤمنين دون الكافرين. وفيه دليل ثبوت الشفاعة للمؤمنين).
وفي سنن ابن ماجة بإسناد صحيح عن عبد اللَّه بن قيس قال: كنت عند أبي بردة ذات ليلة. فدخل علينا الحارث بن أقَيْش. فحدثنا الحارث ليلتئذ، أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: [إنَّ من أمتي مَنْ يدخُل الجنةَ بشفاعتِه أكثرُ مِنْ مُضَرَ. وإنَّ مِنْ أمتي من يَعْظُمُ للنار حتى يكونَ أحَدَ زواياها] (٢).
وقوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾. قال قتادة: (أي عن هذا القرآن).
أي: فما لهؤلاء المشركين الذين قِبَلك -يا محمد- لا يستمعون لهذه الذكرى من الوحي، فيعرضون ولا يعتبرون ولا يتعظون! ؟
وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾. أي فهم يُوَلُّونَ تولية الحمر لفرارها من الصيد. قال ابن عباس: (أراد الحمر الوحشية). وقرأ نافع وابن عامر بفتح الفاء، أي مُنَفَّرَة مذعورة. والباقون بالكسر، أي نافرة. وهما قراءتان مشهورتان.
وقوله تعالى: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾. أي نفرت وهربت من رُماة يرمونها، أو من أسد يريد افتراسها. قال ابن عباس: (﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: الرماة). أو قال: (رجال القَنْص). وقال زيد بن أسلم: (هو الأسد). وقال حَمَّاد بن سَلَمةَ، عن علي بن زيد، عن يوسف بن ماهك، عن ابن عباس: (الأسد بالعربية، ويقال له بالحبشية قَسْوَرة، وبالفارسية شِيرٌ، وبالنبطية أويا).
стр. 5079
والمقصود: كأن هؤلاء المشركين في نفِارهم عن الحق وإعراضهم عنه كحمر الوحش وهي تشتد هاربة من الأسد أو الرماة يريدون صيدها.
وقوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾. أي: كتبًا مفتوحة موجهة إليهم من رب العالمين، يقال لهم فيها: إني قد أرسلت إليكم محمدًا ﷺ فاتبعوه.
قال مجاهد: (﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ قال: إلى فلان من ربّ العالمين).
وقال قتادة: (قد قال قائلون من الناس: يا محمد إن سرّك أن نتبعك فائتنا بكتاب خاصة إلى فلان وفلان، نؤمر فيه باتباعك. قال قتادة: يريدون أن يؤتوا براءة بغير عمل). أو المعنى: يريد كل واحد منهم أن ينزل عليه كتاب كما أنزل علي النبي ﷺ ، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤]. وكقوله تعالى: ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣].
وقوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ﴾. قال قتادة: (إنما أفسدهم أنهم كانوا لا يصدّقون بالآخرة، ولا يخافونها، هو الذي أفسدهم). قال القاسمي: (﴿كَلَّا﴾ أي لا يكون مرادهم، ولا يتبع الحق أهواءهم. أو ليس إرادتهم تلك للرغبة في الإيمان، فقد جاءهم ما يكفيهم عن اقتراح غيره، وإنما هم مردة الداء، ولذا قال: ﴿بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ﴾ أي لا يؤمنون بالبعث والجزاء، ولا يخشون العقاب، لإيثارهم العاجلة).
وقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾. قال قتادة: (أي القرآن). أي حقًا إن القرآن تذكرة وعظة.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾. أي: فمن شاء اتعظ وعمل بما فيه من أمر اللَّه ونهيه، واستعدّ للقاء ربه.
وقوله: ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾. ترويحٌ لقلب النبي ﷺ مما كان يخامرهُ من إعراضهم، وتسلية له عما يلقاه من كبرهم وعنادهم وهو يحرص على إيمانهم.
والمعنى: ليس يقدرون على الاتعاظ والتذكير إلا بمشيئة اللَّه لهم. وهو كقوله سبحانه: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠].
وقوله: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾. قال قتادة: (ربنا حقوق أن تتقى محارمه،
стр. 5080
وهو أهل المغفرة يغفر الذنوب). أو قال: (أهل أن تتقى محارمه، وأهل المغفرة: أهل أن يغفر الذنوب).
والمقصود: اللَّه تعالى أهل أن يُخاف منه، وهو أهل أن يغفر ذنوب من تاب إليه وأناب.
تم تفسير سورة المدثر بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه عصر الخميس ١/ ذي القعدة/ ١٤٢٦ هـ الموافق ١/ كانون الأول/ ٢٠٠٥ م
* * *
стр. 5081
دروس ونتائج وأحكام
١ - نزول المدثر لم يكن أول القرآن، إنما كان بعد فترة الوحي.
٢ - اشتمال سورة المدثر على منهاج الإِسلام: تعظيم الرب، وتطهير القلب والثياب، وهجر المعصية، والصبر على الأذى.
٣ - أثر الصاحب السَّيِّئِ في حياة ومصير صاحبه، فقد كاد الوليد بن المغيرة أن يسلم لولا مكر أبي جهل به لعنهما اللَّه.
٤ - ذكر عدد ملائكة النار ليستيقن أهل الكتاب بصدق رسالة محمد ﷺ .
٥ - اليقين الموت، وليس المعرفة كما يدعي أهل الحلول والاتحاد ووحدة الوجود.
* * *
стр. 5082
٧٥ - سورة القيامة
وهي سورة مكية، وعدد آياتها (٤٠).
قال المهايميّ: (سميت به لتضمنها غاية تعظيم ذلك اليوم، من لا يتناهى ثوابه وعقابه، بحيث تتحسَّر فيه كل نفس من تقصيرها، وإن عملت ما عملت).
موضوع السورة
أحوال الناس عند الاحتضار وأهوال القيامة والحساب والانتظار
- منهاج السورة -
١ - إثبات اللَّه تعالى المعاد، وتأكيد بعث الأجساد.
٢ - ذكر أهوال القيامة قبل الحساب، ومعرفة الإنسان بنفسه واستحقاقه الثواب أو العقاب.
٣ - تكفُّلُ اللَّه تعالى تثبيت القرآن في قلب نبيه ﵊، والناس في لهو وغفلة عن هول يوم الزحام.
٤ - الوجوه يوم القيامة إما ناضرة وهي وجوه المؤمنين، أو باسرة وهي وجوه الكافرين.
٥ - الإخبار عن حالة الإنسان عند الاحتضار، وما يرافق ذلك من تقلب الأحوال، وإلى اللَّه المرجع في النهاية والمآل.
* * *
стр. 5083
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ١٥. قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (٤) بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (٥) يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (٦) فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩) يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢) يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥)﴾.
في هذه الآيات: إثباتُ اللَّه تعالى المعاد، وتأكيد بعث الأجساد، وذِكْرُ أهوال القيامة قبل الحساب، ومعرفة الإنسان بنفسه وأعماله واستحقاقه الثواب أو العقاب.
فقوله: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. قيل: ﴿لَا﴾ صلة، وقيل: ﴿لَا﴾ توكيد للكلام:
أ - قال سعيد بن جبير: (﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ قال: أقسم بيوم القيامة).
ب - قال أبو بكر بن عياش: (قوله ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ توكيد للقسم، كقوله لا واللَّه).
والمقصود: إثبات المعاد، والردّ على منكري بعث الأجساد.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾. قال الحسن: (أقسم بيوم القيامة، ولم يُقسم بالنفس اللوامة). وقال قتادة: (بل أقسم بهما جميعًا). قلت: والصحيح أنه أقسم بهما تعالى جميعًا، وهو اختيار شيخ المفسرين الإمام ابن جرير ﵀.
وعن سعيد بن جبير: (﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ قال: تلوم على الخير والشر). وقال مجاهد: (تندَّم على ما فات وتلوم عليه). وقال الحسن البصري: (إن المؤمن -واللَّه- ما نراه إلا يلومُ نفسَه: ما أردتُ بِكلمتي؟ وما أردتُ بأكلتي؟ ما أردتُ بحديثِ نفسي؟ وإن الفاجر يمضي قُدُمًا ما يُعاتِبُ نفسه).
стр. 5084
قال القاشانيّ: (جمع بين القيامة والنفس اللوامة، في القسم بهما، تعظيمًا لشأنهما، وتناسبًا بينهما. إذ النفس اللوامة، هي المصدقة بها، المقرّة بوقوعها، المهيئة لأسبابها، لأنها تلوم نفسها أبدًا في التقصير، والتقاعد عن الخيرات، وإن أحسنت، لحرصها على الزيادة في الخير، وأعمال البر، تيقُّنًا بالجزاء، فكيف بها إن أخطأت وفرطت وبدرت منها بادرة غفلة ونسيانٍ).
وقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: أيَظُنُّ ابن آدم أن لن نقدر على جمع عظامه بعد تفرّقها؟ ).
وقوله تعالى: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾. البنان: الأصابع، واحدها بنانة. أي: بلى قادرين على ما هو أعظم من ذلك: أن نسوي أصابع يديه ورجليه لتصبح شيئًا واحدًا كخفّ البعير أو حافر الحمار، فإذا هو يأكل بفيه كسائر البهائم. قال ابن عباس: (﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ قال: لو شاء لجعله خفًا أو حافرًا). وقال الحسن: (جعلها يدًا، وجعلها أصابع يقبضهنّ ويبسطهنّ، ولو شاء لجمعهُنّ، فاتقيت الأرض بفيك، ولكن سوّاك خلقًا حسنًا).
و﴿قَادِرِينَ﴾ حال من الفاعل المضمر في الفعل المحذوف. قال سيبويه: (على معنى نجمعها قادرين). وقيل: بل المعنى نقدر قادرين، أو نقوى قادرين - حكاه الفرّاء.
وقوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾. فيه أقوال متقاربة:
١ - قال ابن عباس: (يعني الأمل، يقول الإنسان: أعمل ثم أتوب قبل يوم القيامة. ويقال: هو الكفر بالحق بين يدي القيامة). وقال: (﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ قال: يمضي قدمًا). وقال سعيد بن جبير: (﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ قال: سوف أتوب).
٢ - وقال عبد الرحمن بن زيد: (يعني الكافر يكذّب بما أمامه من البعث والحساب).
٣ - وقال مجاهد: (﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾: يمضي أمامه راكبًا رأسه). وقال الحسن: (لا تلقى ابن آدم إلا تنزع نفسه إلى معصية اللَّه قُدُمًا قُدُمًا، إلا من قد عصم اللَّه). وقال: (قدُمًا في المعاصي). وقال عكرمة: (قدمًا لا ينزع عن فجور).
٤ - وقال الضحاك: (هو الأمل، يؤمل الإنسان: أعيش وأصيب من الدنيا كذا، وأصيب كذا، ولا يذكر الموت).
стр. 5085
وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾. أي يسأل: متى يوم القيامة؟ سؤال استبعاد واستهزاء، أو تسويفًا منه للتوبة.
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ﴾. قال ابن عباس ومجاهد: (هذا عند الموت).
وقال الحسن: (هذا يوم القيامة). وقرأ نافع وأبان عن عاصم: "بَرَقَ" والمعنى: لمع البصر من شدة شخوصه، فتراه لا يطرِف. وقرأ الباقون بالكسر "بَرِق" والمعنى: تَحَيَّرِ فلم يطرِف. قال الفرّاء والخليل: (بَرِق: فزع وبُهِتَ وتحيَّر).
قلت: والمقصود تنبيه المستبعد للقيامة إلى معالم حدوثها: إنه انبهار الأبصار ولمعها وتحيّرها من شدة الشخوص للموت أو للبعث.
وقوله تعالى: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾. قال قتادة: (ذهب ضوؤه فلا ضوء له).
والمقصود: ذهب ضوؤه كله ولا يعود كما يعود إذا خسف في الدنيا.
وقوله تعالى: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾. قال مجاهد: (كُوِّرا يوم القيامة).
والمقصود: ذهب ضوؤهما جميعًا، فتجمع الشمس والقمر فلا يكون هناك تعاقب ليل ونهار.
وقوله تعالى: ﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾. قال ابن كثير: (أي: إذا عاينَ ابنُ آدم هذه الأهوالَ يومَ القيامة حينئذ يُريد أن يَفِرَّ ويقول: أينَ المَفَرُّ؟ أي: هل من مَلجأٍ أو موئِل؟ ).
وقوله تعالى: ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ﴾. قال ابن عباس: (يقول: لا حرز). وقال أيضًا: (يعني: لا حصن، ولا ملجأ). وقال الحسن: (يقول: لا جبل). والوزَرُ في لغة العرب: ما يُلجأُ إليه من حِصْنٍ أو جبل أو غيرهما. قال السدي: (كانوا في الدنيا إذا فزعوا تحصّنوا في الجبال، فقال اللَّه لهم: لا وزَرَ يعصمكم يومئذ مني).
والمقصود: ليس يومئذ فرار ينفع صاحبه، ولا شيء يلجأ إليه من حصن ولا جبل ولا معقل.
وقوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾. قال قتادة: (أي المنتهى).
والمقصود: إلى ربك أيها الإنسان يومئذ المرجع والمنتهى والاستقرار، وهو الذي يقرّ جميع خلقه مقرهم.
وقوله تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾. قال ابن عباس: (يقول: ما عمل قبل
стр. 5086
موته، وما سنّ فعمل به بعد موته). وقال أيضًا: (يقول: بما قدّم من المعصية، وأخَّر من الطاعة، فينبأ بذلك). وقال مجاهد: (بأول عمله وآخره).
وقال قتادة: (﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ﴾ من طاعة اللَّه ﴿وَأَخَّرَ﴾ مما ضَيَّعَ من حق اللَّه). أو قال: (بما قدّم من طاعته، وأخَّر من حقوق اللَّه).
والمقصود: يَخْبَرُ العبد يومئذ بجميع أعماله قديمها وحديثها، أولها وآخرها، صغيرها وكبيرها، مقطوعها ومستمرها، كما قال سبحانه: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩].
وقوله تعالى: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾.
أي: بل الإنسان يعرف ما هو عليه من إيمان أو كفر، وطاعة أو معصية، واستقامة أو اعوجاج، ولو اعتذر وجادل عن نفسه لم ينفعه ذلك، فعليه من يكذّب عذره، وجوارحه ستكون عليه شاهدة يوم الحساب.
فعن ابن عباس: (﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ يقول: الإنسان شاهد على نفسه وحده). وقال قتادة: (شاهد عليها بعملها). وقال سعيد بن جبير: (شاهد على نفسه ولو اعتذر). وعن مجاهد: (قوله: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ قال: ولو جادل عنها، فهو بصير عليها). وقال السدي: (﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ ولو أرخى الستور، وأغلق الأبواب). وقال الحسن: (﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ لم تقبل معاذيره).
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤].
٢ - وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤].
وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [ثم يلقى الثالث فيقول له مثل ذلك (١)، فيقول: يا رب آمنتُ بك وبكتابك وبرسلك، وصَلّيت وصُمْتُ وتَصَدَّقْتُ، ويُثَنّي بخير ما استطاع، قال: فيقول: هاهنا إذن. قال: ثم يقال له: الآن نبعث شاهدنا عليك، ويتفكَّر في نفسه من ذا الذي يشهد عليّ؟ فَيُخْتَم على فيه، ويقال لفخذه ولحمه وعظامه: انطِقِي، فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله، وذلك لِيُعْذِرَ من نفسه،
стр. 5087
وذلك المنافق، وذلك الذي يَسْخَطُ اللَّه عليه] (١).
١٦ - ٢٥. قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩) كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (٢١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (٢٥)﴾.
في هذه الآيات: تكفُّلُ اللَّه تعالى تثبيت القرآن في قلب نبيّه ﵊، والناس في لهو وغفلة عن يوم الزحام، والوجوه يومئذ إما ناضرة وهي وجوه المؤمنين، أو باسرة وهي وجوه الكافرين.
فقوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾. قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: (أنّ النبي ﷺ كان إذا نزل عليه القرآن تعَجَّل يريد حفظه). قال سعيد: (يحرّك شفتيه ليحفظه). وقال ابن عباس: (كان يحرك به لسانه وشفتيه، فيشتد عليه، فكان يعرف ذلك فيه). وقال قتادة: (كان النبي ﷺ يحرك به لسانه مخافة النسيان، فأنزل اللَّه ما تسمع). وقال الحسن: (كان رسول اللَّه ﷺ يحرك به لسانه ليستذكره، فقال اللَّه: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ إنا سنحفظه عليك).
وفي الصحيحين والمسند وجامع الترمذي عن سعيد بن جبير: [عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ قال: كان رسول اللَّه ﷺ يعالج من التنزيل شدة، وكان مما يحرك شفتيه، فقال ابن عباس: فأنا أحركهما لكم كما كان رسول اللَّه ﷺ يحركهما. وقال سعيد: أنا أحركهما كما رأيت ابن عباس يحركهما، فحرّك شفتيه، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾. قال: جَمْعَهُ في صدرك ثمَّ تقرأَه. ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾. قال: فاستمع وأنصت. ثم إنَّ علينا أن تقرأه، قال: فكان رسول اللَّه ﷺ بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع، فإذا انطلق جبريل قرأه النبي ﷺ كما أقرأه] (٢).
стр. 5088
وروى البخاري في كتاب التفسير من صحيحه عن ابن عباس ﵄ قال: [كان النبي ﷺ إذا نزل عليه الوحيُ حَرَّك به لسانَه يُريد أنْ يحفَظَهُ، فأنزل اللَّه: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾] (١). وفي رواية: [فقيل له: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ - يخشى أن يتفلت منه].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾. قال البخاري: قال ابن عباس: [﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾: أن نَجْمَعَهُ في صدرك ﴿وَقُرْآنَهُ﴾ أن تَقْرَأه] (٢).
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾. قال ابن عباس: (﴿قَرَأْنَاهُ﴾: بَيّناه. ﴿فَاتَّبِعْ﴾: اعْمَل به). ذكره البخاري في "كتاب التفسير" عند هذه الآية أول الباب.
وفي صحيح البخاري عن ابن عباس: [﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾: فإذا أَنْزلْنَاهُ فاستمع ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ علينا أن نُبَيِّنَهُ بلسانِك. قال: فكان إذا أتاهُ جِبريلُ أطْرَقَ، فإذا ذهب قرأهُ كما وعَدَهُ اللَّه] (٣).
وقوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾. قال قتادة: (اختار أكثر الناس العاجلة، إلا من رحم اللَّه وعصم). قال النسفي: (﴿كَلَّا﴾ ردع عن إنكار البعث أو ردع لرسول اللَّه ﷺ عن العجلة وإنكار لها عليه، وأكّده بقوله: ﴿بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾ كأنه قيل: بل أنتم يا بني آدم لأنكم خلقتم من عجل وطبعتم عليه تعجلون في كل شيء، ومن ثم تحبّون العاجلة الدنيا وشهواتها ﴿وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾ الدار الآخرة ونعيمها فلا تعملون لها).
وقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾. أي: ناعمة غضة حسنة مشرقة. قال مجاهد: (مسرورة). وقال: (الوجوه الحسنة. نضرة الوجوه: حُسنها. من السرور والنعيم والغبطة).
وقال ابن زيد: (الناضرة: الناعمة). قلت: والنَّضْرة في لغة العرب: الحُسْن والرَّوْنَق.
стр. 5089
وفي الحديث: [نَضَّرَ اللَّه امرأ سمع مقالتي فوعاها]: أي دعاء لوجهه بالنضارة. أي: نعَّمَهُ وحَسَّنه وزاده نورًا وإشراقًا وبهاء وجمالًا.
وقوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ أي: تنظر إلى ربها نظرًا. قاله عكرمة. وكان الحسن يقول: (نضرت وجوههم ونظروا إلى ربّهم). والآية في إثبات رؤية المؤمنين للَّه يوم القيامة، وأما الكفار فيحرمهم ربهم من هذه النعمة العظيمة فلا يبصرون إلا ما يخزيهم.
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥].
قال الحاكم: حدثنا الأصم حدثنا الربيع بن سليمان قال: [حضرت محمد بن إدريس الشافعي وقد جاءته رقعة من الصعيد فيها: ما تقول في قول اللَّه : ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾؟ فقال الشافعي: لما أن حُجب هؤلاء في السخط، كان في هذا دليل على أن أولياءه يرونه في الرضى]. وفي رواية: (ما حجب الفجار إلا وقد عَلِمَ أن الأبرار يرونه .
٢ - وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. فالحسنى هي الجنة، والزيادة هي النظر إلى وجه اللَّه الكريم.
ففي صحيح مسلم عن صهيب، عن النبي ﷺ قال: [إذا دخل أهل الجنة الجنة، يقول اللَّه تعالى: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار! قال: فيرفَعُ الحجاب فينظرون إلى وجه اللَّه، فما أعطوا شيئًا أحبَّ إليهم من النظر إلى ربهم، ثم تلا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾] (١).
ومن كنوز السنة الصحيحة في مفهوم هذه الآية كذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن جرير بن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إنكم سترون ربكم عيانًا. وفي رواية: كنا جلوسًا عند رسول اللَّه ﷺ فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تُغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا، ثم قرأ:
стр. 5090
﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩]] (١).
الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁: [أنَّ أناسًا قالوا: يا رسول اللَّه! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول اللَّه ﷺ : نعم. هل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صَحْوًا ليس معها سحاب؟ وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صحْوًا ليس معها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول اللَّه! قال: ما تضارون في رؤية اللَّه يوم القيامة إلا كما تضارون في رؤية أحدهما. .] الحديث (٢).
الحديث الثالث: أخرج أحمد والشيخان من حديث أبي موسى الأشعري، عن النبي ﷺ قال: [جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم جلّ وعزَّ إلا رِداءُ الكبرياء على وجهه في جنة عدن] (٣).
وفي أفراد مسلم، عن جابر في حديثه: [إن اللَّه يتجلّى للمؤمنين يضحك] (٤).
يعني في عرصات القيامة. فالمؤمنون ينظرُون إلى ربهم في العرصات، ثم في روضات الجنات.
وقوله تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ﴾. قال مجاهد: (كاشرة). وقال قتادة: (أي كالحة). وقال ابن زيد: (عابسة). وقال السدي: (تُغَيَّر ألوانها).
وفي كلام العرب: بسَرَ الرجل وجهه، أي: كَلَحَ، ويقال: عَبَسَ وبَسَرَ.
والمقصود: تكون وجوه الفجار يوم القيامة مسودة كالحة متغيرة الألوان من هول ما توقن أنها قادمة عليه.
وقوله تعالى: ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾. الفاقرة: الداهية والأمر العظيم. أي: توقن
стр. 5091
وتعلم أنها هالكة خاسرة، وفي الداهية والشر العظيم مقحمة ماضية.
قال مجاهد: (﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ قال: داهية). وقال قتادة: (أي شر).
وقال ابن زيد: (تظن أنه ستدخل النار، قال: تلك الفاقرة، وأصل الفاقرة: الوسم الذي يفقر به على الأنف). وقال الأصمعي: (أصلها الوسم على أنف البعير بحديدة أو نار حتى يخلص إلى العظم). فنعوذ باللَّه من حال ومستقبل الكفار والفجّار.
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - وقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس: ٣٨ - ٤٢].
٢ - وقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ -إلى قوله-: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (٩) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ [الغاشية: ٢ - ١٠].
٣ - وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦].
قال ابن عباس: (تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدعة والفُرْقة).
٢٦ - ٤٠. قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (٢٧) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (٢٨) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (٣٠) فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣) أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾.
في هذه الآيات: إخبارُ اللَّه سبحانه عن حالة الاحتضار، وما يرافق ذلك من الأحوال والأهوال، والمرجع إلى اللَّه سبحانه والمعاد والمآل.
فقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾. كلّا: رَدْعٌ وزَجْر. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ليس الأمر كما يظن هؤلاء المشركون من أنهم لا يعاقبون على شركهم ومعصيتهم ربهم، بل إذا بلغت نفس أحدهم التراقي عند مماته وحشرج بها).
وقال ابن زيد: (﴿التَّرَاقِيَ﴾: نفسه). قال القرطبي: (وقيل: ﴿كَلَّا﴾ معناه حقًا، أي
стр. 5092
حقًّا أن المساق للَّه ﴿إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ أي إذا ارتقت النفس إلى التراقي).
والتراقي: جمع تَرْقُوة، وهي العظام المكتنفة لِنُقْرَةِ النَّحر -بين ثُغرة النحر والعاتق-، وهو مقدّم الحلق من أعلى الصدر، موضع الحَشرجة. وقد يكنى عن الإشفاء على الموت ببلوغ النفس التراقي، والمقصود: تذكيرهم شدّة الحال عند نزول الموت.
وقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾. -هو على وجه الاستبعاد واليأس- قال ابن عباس: (أي: هل من راق يرقي). وقال أبو قلابة: (هل من طبيب شاف). وقال ابن زيد: (وقال أهله: من ذا يرقيه ليشفيه مما قد نزل به؟ وطلبوا له الأطباء والمداوين، فلم يغنوا عنه من أمر اللَّه الذي قد نزل به شيئًا).
وقيل: بل المعنى: من رَقِيَ يَرْقى، إذا صَعِدَ. قال أبو الجوزاء، عن ابن عباس: (﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ قال قيل: مَنْ يَرْقى بروحِه، ملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟ ).
وعلى هذا فإنه يكون من كلام الملائكة. وكلا المعنيين وارد منسجم مع السياق والإعجاز.
وقد أظهر عاصم وقوم النون في قوله تعالى: ﴿مَنْ رَاقٍ﴾ واللام في قوله: ﴿بَلْ رَانَ﴾ [المطففين: ١٤] لئلا يشبه مَرَّاق وهو بائع المَرْقة، وبَرَّان في تثنية البر. قال القرطبي: (والصحيح ترك الإظهار، وكسرة القاف في ﴿مَنْ رَاقٍ﴾ وفتحة النون في ﴿بَلْ رَانَ﴾ تكفي في زوالِ اللبس).
قلت: وكلام القرطبي مناسب في هذا المقام، لئلا يفهم قوم وجوب مثل هذا الوقف.
وقوله تعالى: ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ﴾. أي: وأيقن الإنسان حين عاين الملائكة أنه مفارق الدنيا والأهل والمال والولد.
وقوله تعالى: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾. فيه أقوال متقاربة ومتكاملة:
١ - قال ابن عباس: (التفت عليه الدنيا والآخرة. يقول: آخرَ يوم من أيام الدنيا، وأولَ يوم من أيام الآخرة، فتلتقي الشدَّة بالشدَّة إلا مَن رحم اللَّه).
٢ - وقال عكرمة: (﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾: الأمر العظيم بالأمر العظيم).
وقال مجاهد: (بلاء ببلاء. يقول: تتابعت عليه الشدائد). قال الضحاك: (اجتمع
стр. 5093
عليه أمران: الناس يجهزون جسده، والملائكة يجهزون روحه).
٣ - وقال الشعبي: (المعنى التفت ساقا الإنسان عند الموت من شدّة الكرب). وقال قتادة: (أما رأيته إذا أشرف على الموت يضرب إحدى رجليه على الأخرى).
٤ - وقال سعيد بن المسيب والحسن: (هما ساقا الإنسان إذا التفتا في الكفن). وقال زيد بن أسلم: (التفت ساق الكفن بساق الميت). وقال الحسن أيضًا: (ماتت رجلاه ويبست ساقاه فلم تحملاه، ولقد كان عليهما جوّالًا).
وقوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾. أي المرجع والمآب. والمساقُ: المصدر من ساق يسوق، وذلك أن الملائكة ترفع الروح فتسوقها عبر السماوات إلى السماء التي فيها اللَّه تعالى. -هذا إن كان الميت من أهل الإيمان-. وأما الكافر أو الفاجر فتساق روحه إلى السماء الدنيا فقط ولا يفتح لها ثم يقول اللَّه تعالى في الحالتين: [أعيدوا عبدي إلى الأرض، فإني وعدتهم أني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى] الحديث (١).
وفي التنزيل نحو ذلك: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام: ٦١ - ٦٢].
وفي سنن ابن ماجة -في احتضار الكافر- من حديث أبي هريرة مرفوعًا:
[فيقال: لا مَرْحبًا بالنفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث. ارجعي ذميمةً، فإنها لا تُفْتَحُ لكِ أبواب السَّماء، فيُرْسَلُ بها من السماء، ثم تصيرُ إلى القبر] (٢).
وأخرج الحاكم وابن ماجة وابن أبي عاصم بإسناد رجاله ثقات عن عبد اللَّه بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: [إذا كان أجَلُ أحدِكُم بِأَرْض، أَوْ ثَبَتْهُ إليها الحاجةُ. (وفي رواية: أثبتَ اللَّه له إليها حاجة) فإذا بلغ أقصى أثرِهِ، قبضَهُ اللَّه سبحانه. فتقول الأرض يوم القيامة: ربّ! هذا ما استودعتني] (٣).
стр. 5094
وقوله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾. إخبار عن الكافر كان في الدنيا مكذبًا بالحق معرضًا عن الإيمان والعمل الصالح. قال قتادة: (لا صدق بكتاب اللَّه ولا صلى للَّه ﴿وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ كذب بكتاب اللَّه، وتولى عن طاعة اللَّه).
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى﴾. قال ابن عباس: (يختال). وقال زيد بن أسلم: (يتبختر).
قال النسفي: (وأصله يتمطط أي يتمدد، لأن المتبختر يمد خطاه، فأبدلت الطاء ياء لاجتماع ثلاثة أحرف متماثلة).
والمقصود: ثم انصرف إلى أهله مختالًا يتبختر، فهو يتمطط -يتمدد- من التكسّل والتثاقل عن داعي الحق.
وفي جامع الترمذي ودلائل البيهقي بسند حسن عن ابن عمر مرفوعًا: [إذا مشت أمتي المُطَيْطاءَ وخدمتهم فارس والروم كان بأسهم بينهم] (١).
والمُطيطاء: التبختر ومدّ اليدين في المشي. قال ابن الأثير: (وهي من المصغرات التي لم يُستعمل لها مكبر).
وقوله تعالى: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾. تهديد بعد تهديد، ووعيد بعد وعيد، لذلك الكافر المتبختر.
أخرج النسائي في "التفسير"، والطبراني في "المعجم" والحاكم في "المستدرك" بإسناد صحيح عن سعيد بن جبير قال: [قلت لابن عباس: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ قال: قاله رسول اللَّه ﷺ لأبي جهل، ثم أنزله اللَّه ] (٢).
стр. 5095
و ﴿أَوْلَى لَكَ﴾ بمعنى ويل لك (١)، وهو دعاء عليه بأن يليه ما يكره ولاء متكررًا مضاعفًا، فَكُرِّر للتأكيد. كأنه قيل: ويل لك فويل لك، ثم ويل لك فويل لك.
وقيل: ويل لك يوم الموت، وويل لك في القبر، وويل لك حين البعث، وويل لك في النار. حكاه النسفي.
وقيل: المعنى بُعْدًا لك. فبعدًا في أمر دنياك، وبعدًا لك فبعدًا في أمر أخراك -حكاه الرازي عن القاضي. ثم قال: قال القفال: (هذا يحتمل وجوهًا: أحدها- أنه وعيد مبتدأ من اللَّه للكافر.
والثاني: أنه شيء قاله النبي ﷺ لعدوه -يعني أبا جهل- فاستنكره عدو اللَّه لعزته عند نفسه، فأنزل اللَّه تعالى مثل ذلك.
والثالث: أن يكون ذلك أمرًا من اللَّه لنبيّه بأن يقولها لعدو اللَّه، فيكون المعنى: ثم ذهب إلى أهله يتمطى، فقل له يا محمد: أولى لك فأولى، أي احذر، فقد قرب منك ما لا قبل لك به من المكروه).
وقيل: الأحسن أنه أفعل تفضيل خبر لمبتدأ يقدر كما يليق بمقامه. فالتقدير هنا: النار أولى لك. يعني: أنت أحق بها، وأهل لها - حكاه الزمخشري.
قلت: وكل ما سبق من وجوه الإعجاز البلاغي الذي يظهر وجوه الإعجاز القرآني، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾. قال ابن عباس: (يقول: هملًا).
وقال مجاهد: (لا يؤمر، ولا يُنهى). وقال السدي: (يعني لا يبعث).
وقال ابن كثير: (والظاهر أن الآية تعمّ الحالين، أي: ليس يترك في هذه الدنيا مُهْمَلًا لا يُؤمر ولا يُنْهى، ولا يُترك في قبره سُدًى لا يُبعث، بل هو مأمورٌ منهيٌّ في الدنيا، محشورٌ إلى اللَّه في الدار الآخرة. والمقصود هنا إثبات المعاد، والردّ على من أنكره من أهل الزَّيغِ والجهل والعِناد).
стр. 5096
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾. استدلال على الإعادة بالبدأة.
أي: ألم يكن الإنسان ماء مهينًا في قطرة تمنى في الرحم. والنطفة: الماء القليل، من نطفَ الماء: إذا قطرَ. و ﴿يُمْنَى﴾ أي يراق من الأصلاب فيصب في الأرحام.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى﴾. أي: ثم كان دمًا بعد النطفة فقَدّر الرحمن الخلق فسواه تسوية، وعدّله تعديلًا، بجعل الروح فيه، فجعله ناطقًا سميعًا بصيرًا.
وقوله تعالى: ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: فجعل من هذا الإنسان بعد ما سواه خلقًا سويًا أولادًا له، ذكورًا وإناثًا).
وقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾. أي: أليس الذي أنشأ هذا الخلق البديع، فبدأ خلق الإنسان من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ثم صيره إنسانًا، له أولاد ذكور وإناث، ﴿بِقَادِرٍ﴾ أن يعيد الأجسام بالبعث كما كانت عليه في الدنيا؟ فإن الإعادة أهون من الابتداء.
أخرج أبو داود بسند صحيح عن موسى ابن أبي عائشة قال: [كان رجل يُصَلِّي فوق بيته وكان إذا قرأ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ قال: سبحانك، فبلى، فسألوه عن ذلك فقال: سمعته من رسول اللَّه ﷺ ] (١).
قال أبو داود: قال أحمد: (يعجبني في الفريضة، أن يدعو بما في القرآن).
تم تفسير سورة القيامة بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه غروب شمس يوم السبت ٣/ ذي القعدة/ ١٤٢٦ هـ الموافق ٣/ كانون الأول/ ٢٠٠٥ م
* * *
стр. 5097
دروس ونتائج وأحكام
١ - " لا" التي تسبق القسم هي نفي لمزاعم الكفار، ثم يأتي القسم.
٢ - الذي يخلق يعيد، ولا مفرّ للمكذب بالبعث من النار.
٣ - نضّر اللَّه امرأ سمع حديث المصطفى ﷺ فنقله ورواه بأمانة، فإنه رب مُبَلَّغٍ أوعى من سامع، ورب حامل فقه ليس بفقيه.
٤ - إن اللَّه تعالى يتجلى للمؤمنين يوم القيامة يضحك.
٥ - حُقَّ لوجوه المؤمنين أن تنضر وهي تنظر إلى خالقها .
٦ - حُقَّ لوجوه الكفار أن تكون باسرة، ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾.
٧ - كان رسول اللَّه ﷺ إذا قرأ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ قال: سبحانك، فبلى.
* * *
стр. 5098
٧٦ - سورة الإنسان
وهي سورة مكية، وعدد آياتها (٣١).
قال البخاري في كتاب الجُمعة: حدثنا أبو نُعيم، حدثنا سفيان، عن سَعد بن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن هُرمُزَ الأعرج، عن أبي هريرةَ ﵁ قال: [كان النبي ﷺ يقرأ في الفجر يوم الجمعة: ﴿الم (١) تَنزِيلُ﴾ السجدة، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾] (١).
موضوع السورة
قصة الإنسان في الدارين
- منهاج السورة -
١ - خَلْقُ اللَّه الإنسان من نطفة فجعله سميعًا بصيرًا، وهداهُ لاختيار أحد السبيلين ليكون إما شاكرًا وإما كفورًا.
٢ - نَعْتُ حال الكافرين في السلاسل والجحيم، ونَعْتُ حال المتقين في جنات النعيم.
٣ - ذِكْرُ ما في الجنة لأهلها من النعيم والفضل العميم، وهو تكرمة لهم من اللَّه العلي الكريم.
٤ - امتنان الرحمن على نبيه الكريم، بهذا التنزيل العظيم، ودعوته للاستعانة بالصبر والصلاة على مكر المجرمين، الذين توعدهم اللَّه سوء العذاب في نار الجحيم.
стр. 5099
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ٣. قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾.
في هذه الآيات: خَلْقُ اللَّه تعالى الإنسان من نطفة فجعله سميعًا بصيرًا، وتوضيح السبيلين له ليختار لنفسه أن يكون شاكرًا أو كفورًا.
فقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾.
قال سيبويه: (﴿هَلْ﴾ بمعنى قد). وقال الفرّاء: ("هل" تكون جَحْدًا، وتكونُ خَبَرًا، فهذا من الخبر). فهو كما تقول: هل أعطيتك؟ تُقَرِّره بأنك أعطيته. والجحد أن تقول: هل يقدر أحد على مثل هذا؟ . وقيل: (هي بمنزلة الاستفهام، والمعنى أتى). قلت: هَلْ -في لغة العرب- للاستفهام، وقد تُصرف مجازًا إلى معاني أخرى، والأنسب للسياق هنا التقرير. قال الشهاب: (أي الحمل على الإقرار بما دخلت عليه، والمقرر بهِ من ينكر البعث).
والمرادُ بالإنسان جنس بني آدم. قال ابن كثير: (يقول تعالى مخبرًا عن الإنسان أنه أَوْجَدَهُ بعد أن لم يكن شيئًا يُذكر، لحقارتهِ وضَعفه).
وقد علم اللَّه تعالى أن جواب القوم: نعم، قد مضى دهر طويل لا إنسان فيه. فيقال لهم: فالذي أوجدهم بعد أن لم يكونوا، كيف يمتنع عليه إحياؤهم بعد موتهم؟ حكاه القاسمي.
وقوله: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾.
بيان وتفصيل لبدء ذلكَ الإيجاد والكون بعد عدم. وقوله: ﴿أَمْشَاجٍ﴾ يعني أخلاط، واحدها مِشْج وَمَشِيج. ويقال: مشجْتُ هذا بهذا أي خلطته، فهو مَمْشُوج
стр. 5100
ومشيج، أي مَخلوط وخليط. قال ابن عباس: (ماء المرأة وماء الرجل يمشجان). وقال عكرمة: (ماء الرجل وماء المرأة يختلطان).
وقال الربيع: (الأمشاج هو اختلاط ماء الرجل بماء المرأة).
وعن قتادة قال: (الأمشاج: اختلط الماء والدم، ثم كان علقة، ثم كان مضغة).
وقال أيضًا: (﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ أطوار الخلق، طورًا نطفة، وطورًا علقة، وطورًا مضغة، وطورًا عظامًا، ثم كسى اللَّه العظام لحمًا، ثم أنشأهُ خلقًا آخر، أنبت له الشعر).
والمقصود: خلق اللَّه تعالى الإنسان من اختلاط ماء الرجل بماء المرأة، ثم نقله بعد ذلكَ من طور إلى طور، وحال إلى حال، ولونٍ إلى لون.
وقوله: ﴿نَبْتَلِيهِ﴾. هو سرّ وغاية الخلق. أي نختبره ونمتحنه، كما قال جل ثناؤه: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢].
وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾. أي: فجعلنا له سمعًا وبصرًا يساعدانه على طاعة اللَّه أو معصيته.
وقوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾. قال مجاهد: (أي بيّنا له السبيل إلى الشقاء والسعادة). وقال عكرمة: (بيّنا له طريق الخير وطريق الشّر).
وقال النسفي: (بيّنا له طريق الهدى بأدلة العقل والسمع).
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧].
٣ - وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢].
فهذه الهداية المذكورة في قوله جل ثناؤه: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ والآيات السابقة بعدها هداية الدلالة والإرشاد -هداية الرسل وإقامة حجة اللَّه على عباده- وهي المرتبة الثانية من مراتب الهداية كما وردت في الكتاب والسنة. فمراتب الهداية:
أ - الهداية العامة لجميع الخلق لمصالحهم.
стр. 5101
ب - هداية الدلالة والإرشاد.
ج - هداية التوفيق والإلهام.
د - الهداية إلى الجنة يوم القيامة.
وقد فصلت هذا البحث في كتابي: "أصل الدين والإيمان، عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان"، فلله الحمد والمنة.
فهداية السبيل هنا هي بيان طريق النجاة والسعادة في الدارين، وقد قام بذلكَ الرسل صلوات اللَّه وسلامه عليهم على أكمل وجه.
ففي صحيح مسلم من حديث عبد اللَّه بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: [إنه لم يكن نبيّ قبلي إلا كان حقًا عليهِ أن يدلَّ أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شرّ ما يعلمه لهم. . .] الحديث (١).
وقوله: ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾. قال قتادة: (إما شاكرًا للنعم وإما كفورًا لها).
قال ابن جرير: (فيكون قوله: ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ حالًا من الهاء التي في هديناه، فيكون معنى الكلام إذا وجه ذلكَ إلى هذا التأويل: إنا هديناهُ السبيل، إما شقيًا وإما سعيدًا). وقيل التأويل: إنا بينا لهُ طريق الجنة، وعرفناه سبيله، إن شكر، أو كفر.
وفي صحيح مسلم من حديث أبي مالك الأشعري قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [والقرآنُ حُجَّةٌ لك أو عليك، كُلُّ الناس يغدو، فبايعٌ نفسَهُ، فمعتِقُها، أو موبِقها] (٢).
قال القرطبي: (وجمع بين الشاكر والكفور، ولم يجمع بين الشكور والكفور مع اجتماعهما في معنى المبالغة، نفيًا للمبالغة في الشكر، وإثباتًا لها في الكفر، لأن شكر اللَّه تعالى لا يُؤدَّى، فانتفت عنه المبالغة، ولم تنتفِ عن الكفر المبالغة).
والمقصود: لما كان الشكر قلّ من يتصف به قال: ﴿شَاكِرًا﴾، ولما كان الكفر كثيرًا
стр. 5102
من يتصف به ويكثر وقوعه من الإنسان بخلاف الشكر قال ﴿كَفُورًا﴾ بصيغة المبالغة، واللَّه تعالى أعلم.
٤ - ١٢. قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (٤) إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢)﴾.
في هذه الآيات: وَصْفُ حال الكافرين في السلاسل والجحيم، ونَعْتُ حال المتقين في الملذات والسرور والنعيم، فإنهم كانوا قبل ذلك محسنين، يعظمون أوامر ربهم ويخشون يوم الحشر العظيم.
فقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا﴾.
السلاسل: القيود في جهنم طول كل سلسلة سبعون ذراعًا كما مضى في "الحاقة". والأغلالُ جمع غُلّ. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: إنا أعتدنا لمن كفر نعمتنا وخالف أمرنا سلاسل يُسْتوثق بها منهم شدًّا في الجحيم ﴿وَأَغْلَالًا﴾ يقول: وتشدّ بالأغلال فيها أيديهم إلى أعناقهم. وقوله: ﴿وَسَعِيرًا﴾ يقول: ونار تُسعر عليهم فتتوقد).
وعن جبير بن نُفير، عن أبي الدرداء كان يقول: (ارفعوا هذه الأيدي إلى اللَّه جل ثناؤه قبل أن تُغَلَّ بالأغلال). وقال الحسن: (إن الأغلال لم تجعل في أعناقِ أهل النار؛ لأنهم أعجزوا الربّ سبحانه ولكن إذلالًا).
وفي جامع الترمذي ومسند أحمد بسند حسن عن عبد اللَّه بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: [يُحشر المتكبرون يوم القيامةِ أمثالَ الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل
стр. 5103
مكان، يُساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار، يُسقونَ من عُصَارةِ أهل النار، طينة الخبال] (١).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾.
الأبرار: أهل الصدق والوفاء بامتثال ما أمر اللَّه تعالى. واحدهم بَرُّ. والكأس: كل إناء كان فيه شراب. والكافور: مزاج يجمع بين التبريد والرائحة الطيبة.
وقال ابن عباس: (﴿يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ﴾ يريد الخمر). فنفس الخمر تسمى كأسًا، وقيل: الكأس الزجاجة إذا كان فيها خمر. قال قتادة: (تمزج لهم بالكافور وتُختم بالمسك). وقال الحسن: (بَرْدُ الكافورِ في طيب الزَّنجبيل).
وقوله: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾. فيه أكثر من تأويل حسب إعراب ﴿عَيْنًا﴾:
١ - قيل: يشربون عينًا. قال الزجاج: (المعنى من عين).
٢ - وقيل: ﴿عَيْنًا﴾ بدل من كافور. قال الفراء: (إن الكافور اسم لعين ماء في الجنة).
٣ - وقيل: ﴿عَيْنًا﴾ بدل من كأس على الموضع.
٤ - وقيل: ﴿عَيْنًا﴾ حال من المضمر في مزاجها.
٥ - وقيل: نصب على المدح. قلت: وكل ما سبق يقتضيه الإعجاز لهذا القرآن العظيم. والمقصود: أن الأبرار يشربون في الجنةِ من عين نضاخة بشراب ممزوج بالكافور، وقد جمع بين التبريد والرائحةِ الطيبة واللذاذة الرائعة.
وقوله: ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾. قال مجاهد: (يقودونها حيث شاؤوا). وقال قتادة: (مستقيد ماؤها لهمِ يفجرونها حيثُ شاؤوا). وقال الثوري: (يُصرِّفونها حيث شاؤوا). قال النسفي: (﴿يُفَجِّرُونَهَا﴾ يجرونها حيث شاؤوا من منازلهم ﴿تَفْجِيرًا﴾ سهلًا لا يمتنع عليهم).
وقوله: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾. قال قتادة: (بطاعة اللَّه، وبالصلاة، وبالحج، وبالعمرة).
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: إن الأبرار الذين يشربون من كأس كان مزاجها كافورًا، برّوا بوفائهم للَّه بالنذور التي كانوا ينذرونها في طاعة اللَّه).
стр. 5104
وفي صحيح البخاري عن عائشة ﵂: أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: [مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطيعَ اللَّهَ فليُطِعْهُ، ومَنْ نذرَ أَنْ يعصي اللَّه فلا يعصه] (١).
وفي سنن النسائي بسند صحيح عن عمران بن حُصين عن النبي ﷺ قال: [النَّذْرُ نَذْران، فما كان من نَذْرٍ في طاعة اللَّه فذلك للَّه، وفيه الوفاء. وما كان من نذر في معصية اللَّه، فذلك للشيطان، ولا وفاء فيه. ويكفّره ما يكفِّرُ اليمين] (٢).
وقوله: ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾. أي: ممتدًا طويلًا فاشيًا. قال ابن عباس: (﴿مُسْتَطِيرًا﴾: فاشيًا).
وقال قتادة: (استطار -واللَّه- شرُّ ذلك اليوم حتى ملأ السماوات والأرض).
والمعنى كما قال ابن كثير: (ويتركون المحرَّمات التي نهاهم عنها خِيْفةً من سوء الحساب يوم المعاد، وهو اليوم الذي شرّه مستطيرٌ، أي: منتشرٌ عام على الناس إلا من رحم اللَّه).
وقوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾. الضمير في ﴿حُبِّهِ﴾ يعود على الطعام. قال مجاهد: (﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ قال: وهم يشتهونه). وقال سليمان بن قيس: (على حبهم للطعام).
والمقصود: وكذلكَ من صفات هؤلاء الأبرار التي برّوا بها أنهم يطعمون المحتاجين الطعام في حال مَحبّتهم وشهوتهم له.
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧].
٢ - وقال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢].
وفي صحيح مسلم عن أبي زُرْعَةَ، عن أبي هُريرة قال: [أتى رسول اللَّه ﷺ رَجُلٌ
стр. 5105
فقال: يا رسول اللَّه! أيُّ الصَّدقة أعظَمُ؟ فقال: أن تَصَدَّقَ وأنت صحيحٌ شحيحٌ، تخشى الفقر وتأمل الغنى] الحديث (١).
والمراد: أن خير الصدقة ما كان حال محبتك للمال وحرصك عليه وحاجتكَ إليه، وهو مفهوم قوله ﷺ : (وأنتَ صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى).
وبعض المفسرين أعاد الضمير في قوله تعالى: ﴿عَلَى حُبِّهِ﴾ على اللَّه ، أي على حبّ اللَّه، والأول أرجح وأنسب للمعنى ولنظيره من الآيات والأحاديث كما سبق بيانه، واللَّهُ تعالى أعلم.
وقوله: ﴿مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾. المسكين هو الفقير ذو الحاجة لا يجد ما يكفيه. واليتيم هو مَنْ فقد أبويه أو أحدهما في حال صغره. والأسير المحبوس. قال مجاهد: (الأسير: المسجون). أو قال: (المحبوس).
وقال قتادة: (لقد أمَرَ اللَّه بالأُسراء أن يحسن إليهم، وإن أسراهم يومئذ لأهل الشرك)، وقال: (كان أسراهم يومئذ المشرك، وأخوك المسلم أحق أن تطعمه).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾. قال مجاهد: (أما إنهم ما تكلموا به، ولكن علمه اللَّه من قلوبهم، فأثنى بهِ عليهم ليرغب في ذلكَ راغب).
والمقصود: إنما يطعم هؤلاء الأبرار الفقراء واليتامى والأسارى لوجه اللَّه، فهم لا يتوقعون المكافأة، ولا يريدون ثناء الناس عليهم بذلكَ، علمه اللَّه من قلوبهم فأثنى عليهم بذلك.
وقال تعالى: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾. قال ابن عباس: (﴿عَبُوسًا﴾ ضَيِّقًا، ﴿قَمْطَرِيرًا﴾: طويلًا). وقال مجاهد: (﴿عَبُوسًا﴾، العابس الشفتين: ﴿قَمْطَرِيرًا﴾، قال: تقبيض الوجه بالبُسُور). وقال قتادة: (تعبس فيه الوجوه من الهول، ﴿قَمْطَرِيرًا﴾: تقليصُ الجبين وما بين العينين، من الهول). وقال ابن زيد: (العَبوس: الشرّ، والقمطرير: الشديد).
قلت: والعرب تقول اقمطَرّ اليوم فهو مُقْمَطِرّ إذا كان صعبًا شديدًا. ويوم عبوس أي تعبس فيهِ الوجوه من هوله وشدته. فيكون المعنى: إنا نخاف يومًا ذا عبوس -لكثرة
стр. 5106
عبوس الكفار فيه-، ﴿قَمْطَرِيرًا﴾ صعبًا شديد الأهوال.
وقوله تعالى: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾.
أي: فآمنهم اللَّه بلطفه ورحمته من شدائد ذلك اليوم، ومنحهم حسنًا وبهاءً في وجوههم، وسرورًا في قلوبهم. قال الحسن: (﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ قال: نضرة في الوجوه، وسرورًا في القلوب). فإن القلب إذا سُرَّ استنار الوجه.
وفي النضرة ثلاثة أوجه: قال الضحاك: (البياض والنقاء). وقال سعيد بن جبير: (الحسن والبهاء). وقال ابن زيد: (أثر النعمة. قال: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ قال: نعمة وسرورًا).
وفي التنزيل نحو ذلك: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ (عبس: ٣٨ - ٣٩).
وفي الصحيحين والمسند من حديث كعب بن مالك -حين تاب اللَّه عليه بعد التخلف عن تبوك- قال: [فلما سَلَّمتُ على رسول اللَّه ﷺ قال: وهو يَبْرُقُ وجهه من السرور: أبشر بخير يوم مَرَّ عليك منذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ. . قال: وكان رسول اللَّه ﷺ إذا سُرَّ استنار وجهُه كأنه قطعة قمر، حتى يُعْرَفَ ذلكَ منه] (١).
وقوله تعالى: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾. قال قتادة: (يقول: وجزاهم بما صبروا على طاعة اللَّه، وصبروا عن معصيته ومحارمه، جنة وحريرًا).
والمقصود: أورثهم سبحانهُ بصبرهم على إقامة الدين الحق خير منزل وأرغد عيش وأحسن لباس.
١٣ - ٢٢. قوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (١٣) وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (١٤) وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (١٦) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (١٨) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ
стр. 5107
شَرَابًا طَهُورًا (٢١) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (٢٢)﴾.
في هذه الآيات: ذِكْرُ ما فيه أهل الجنة من الفضل العميم، وروائع النعيم المقيم، وما ذاكَ إلا تكرمةً لهم من اللَّه العلي الكريم.
فقوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾.
الأرائك: جمع أريكة. قال ابن عباس: (يعني الحِجال). وقال قتادة: (كنا نُحَدَّثُ أنها الحجالُ في الأسرّة). ونصب ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ على الحال. والزمهرير: البرد الشديد. قال مُرَّة الهَمداني: (الزمهرير: البرد القاطع).
والمقصود: جزاهم ربهم جنة متكئين فيها على الأسرة التي عليها الكلل، ولا يرون حرَّ الشمس ولا برد الزمهرير، بل أعذب المناخ وأروع المجلس.
وقوله: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا﴾. قال ابن جرير: (وقَرُبت منهم ظلالُ أشجارها).
وقوله: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾. قال قتادة: (لا يردُّ أيديهم عنها بُعد ولا شوك).
وقال مجاهد: (إذا قام ارتفعت بقدره، وإن قعد تدلَّت حتى ينالها، وإن اضطجع تدلَّت حتى ينالها، فذلكَ تذليلها).
والمقصود: ذُلِّل لهم اجتناءُ ثمر شجرها، فقد دنت منهم أغصانها، كما قال جل ثناؤه: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤]، وكما قال جلت عظمته: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ٢٣]. قال ابن زيد: (الدانية: التي قد دنت عليهم ثمارها). وقال ابن كثير: (أي متى تعاطاه دنا القِطفُ إليهِ وتَدلَّى من أعلى غُصنِه، كأنهُ سامعٌ طائع).
وقوله: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ﴾. أي: وتدور عليهم الخدم إذا أرادوا الشرب بآنيةٍ من فضة وكؤوس الفضة. والأكواب: جمع كوب. وهو كوز لا أذن له، أو إبريق لا عروة له.
وقوله: ﴿كَانَتْ قَوَارِيرَا﴾. قال النسفي: (كان تامة، أي كونت فكانت قوارير بتكوين اللَّه، نصب على الحال). وقيل: ﴿قَوَارِيرَا﴾ في محل نصب خبر كان. وقال ابن جرير: (يقول: كانت هذه الأواني وأكواب قوارير، فحوّلها اللَّه فضة. وقيل: إنما قيل: ويطاف عليهم بآنية من فضة، ليدلّ بذلك على أن أرض الجنة فضة، لأن كلّ آنية تُتَّخَذُ، فإنما تُتخذ من تربة الأرض التي فيها، فدلَّ جلّ ثناؤهُ بوصفة الآنية متى يطاف
стр. 5108
بها على أهل الجنة أنها من فضة، ليعلم عباده أن تربة أرض الجنة فضة).
وقوله: ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾. قال الحسن: (صفاء القوارير في بياض الفضة). وقال مجاهد: (فيها رقة القوارير في صفاء الفضة). ونصب ﴿قَوَارِيرَا﴾ هنا على البدلية أو "تمييزًا" لتبيان اللَّه له بقوله: ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾. والمقصود: هذه القوارير الموصوفة تجمع بين صفاء الزجاج وبياض الفضة، والقوارير لا تكونُ عادة إلا من زجاج، فجعلها اللَّهُ من فضة شفافة يُرى ما في باطنها من ظاهرها مما لا نظير لهُ في الدنيا.
وقوله: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾. أي مصنوعة في حجومٍ على قدر ريِّ طالبيها من أهل الجَنَّة، وهو أبلغ في الاعتناءِ والتشريف والتكريم وحسن الضيافة. قال الحسن: (قُدِّرت لرّي القوم). وقال سعيد: (قدر ريِّهم). وقال مجاهد: (لا تنقص ولا تفيض).
وقال ابن جرير: (قدّرها لهم السُّقاة يطوفون بها عليهم).
وقوله تعالى: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا﴾. قال مجاهد: (يأثُرُ لهم ما كانوا يشربون في الدنيا فيحبِّبُه إليهم). وقال قتادة: (تمزج بالزنجبيل).
والمقصود: يسقون -أي الأبرار- في الجنة ﴿كَأْسًا﴾ أي: خمرًا مزجت بالزنجبيل. قال القاسمي: (أي ما يشبهه في الطعم. وكانت العرب يستلذون الشراب الممزوج به). وقال ابن كثير: (فتارة يُمزَجُ لهم الشرابُ بالكافور وهو باردٌ، وتارةً بالزنجبيل وهو حار، ليعتدل الأمرُ، وهؤلاء يُمزَجُ لهم من هذا تارة ومن هذا تارةً. وأما المقرَّبون فإنهم يشربونَ من كلِّ منهما صِرْفًا، كما قال قتادة وغير واحد).
وقوله تعالى: ﴿عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾. السلسبيل في لغة العرب: اسم لماء في غاية السلاسة، حديد الجرية، يسوغ في الحلوق. قال عكرمة: (اسم عين في الجنة). وقال مجاهد: (سميت بذلك لسلاسة سيلها وجدة جريها).
وقوله: ﴿عَيْنًا﴾ بدل من ﴿زَنْجَبِيلًا﴾، فسميت العين زنجبيلا لطعم الزنجبيل فيها. والعرب تستلذه وتستطيبه، وقد جمع بين سلاسة الانحدار وسهولة المساغ والمذاق الطيب.
وقوله: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾. أي: ويطوف على أهل الجنةِ غلمانٌ ينشئهم اللَّه لخدمةِ المؤمنين، أو ولدان الكفرة يجعلهم اللَّه تعالى قائمين على خدمة أصحاب النعيم، وهم ﴿مُخَلَّدُونَ﴾ أي: على حالة واحدة وسن واحدة لا يتغيرون عنها. وقال قتادة: (﴿مُخَلَّدُونَ﴾ أي لا يموتون). والمعنى الأول أرجح.
стр. 5109
قال القرطبي: (﴿مُخَلَّدُونَ﴾ أي باقون على ما هم عليهِ من الشباب والغضاضةِ والحُسن، لا يَهْرَمونَ ولا يتغيرون، ويكونون على سنّ واحدة على مر الأزمنة. وقيل: مخلّدون لا يموتون. وقيل: مُسوَّرون مَقَرَّطون، أي مُحَلَّونَ والتخليد التحلية).
أخرج أبو نعيم في "الحلية"، والطبراني في "الأوسط"، بسند حسن في الشواهد عن أنس بن مالك قال: [سألت رسول اللَّه ﷺ عن ذراري المشركين لم يكن لهم ذنوب يعاقبون بها فيدخلون النار، ولم تكن لهم حسنة يجازون بها فيكونون من ملوك الجنة؟ فقال النبي ﷺ : هم خدم أهل الجنة] (١).
وله شاهد عند ابن مندة في "المعرفة" عن سنان بن سعد عن أبي مالك قال: سئل النبي ﷺ عن أطفال المشركين؟ قال: [أطفال المشركين هم خَدَمُ أهل الجنة] (٢).
وقوله: ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾. أي: وإذا نظرت إليهم في حسنهم وكثرتهم وصفاء ألوانهم وسرعة انتشارهم في قضاء حوائج السادة ظننتهم لؤلؤًا مفرقًا منثورًا. وأما الحور العين فشبَّههن باللؤلؤ المكنون المخزون لأنهن لا يُمتهنَّ بالخدمة.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾.
﴿ثَمَّ﴾ ظرف مكان. والمقصود: وإذا رأيت هناك في الجنة -يا محمد- ورميت بطرفك في أرجائها رأيت مملكة للَّه عظيمة وسلطانًا باهرًا وكرامة لهؤلاء الأبرار في الكسوة والطعام والشراب وألوان الملذات وروعة الخدمة.
وفي صحيح مسلم ومسند أحمد من حديث أبي سعيد مرفوعًا: [إن أدنى أهل الجنة منزلًا رجل صرفَ اللَّه وجهه عن النار قِبَل الجنة. . . فيقول: أي رب أدخلني الجنة، فيدخلُ الجنة، فإذا دخلَ الجنة قال: هذا لي؟ فيقول اللَّه لهُ: تمنَّ، فيتمنى، ويذكره اللَّه : سَلْ مِنْ كذا وكذا، حتى إذا انقطعت به الأماني، قال اللَّه: هو لك وعشرةُ أمثالِه، ثم يدخله اللَّهُ الجنة، فيدخلُ عليه زوجتاهُ من الحور العين، فيقولان: الحمدُ
стр. 5110
للَّه الذي أحياكَ لنا، وأحيانا لكَ. فيقول: ما أعطيَ أحدٌ مثل ما أعطيتُ] الحديث (١).
وقوله: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾.
السندس: ما رقّ من الديباج، والإستبرق: ما غلظ منه. قال الزجاج: (هما نوعان من الحرير). وقوله: ﴿عَالِيَهُمْ﴾ يفيد أن ذلكَ اللباس ظاهر بارز للزينة والجمال.
فالرفيع منه كالقمصان مما يلي الأبدان، والنوع الأغلظ على الظاهر وله البريق واللمعان. و ﴿خُضْرٌ﴾ نعت للثياب.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [مَن يدخل الجنة ينعم ولا يبأس، ولا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه، في الجنة ما لا عينٌ رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر] (٢).
وفي الصحيحين عن أنس بن مالك قال: [أهدى أكيدر (٣) دومة إلى النبي ﷺ جبة من سندس، فتعجب الناس من حسنها. فقال: "لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا"] (٤).
وفيهما من حديث البراء قال: [أهدي لرسول اللَّه ﷺ ثوب حرير فجعلوا يعجبون من لينه، فقال رسول اللَّه ﷺ : تعجبون من هذا؟ لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا] (٥). وفي رواية: (خير منها وألين).
وقوله: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾. أي: وحلَّاهم ربهم أساور -جمع أسورة- من فضة. والمقصود بذلك: حلية الأبرار. وأما المقرّبون فتميزوا عنهم كما قال جل ذكره: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣].
وقوله: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾. قال أبو قلابة وإبراهيم النخعي: (يؤتون بالطعام، فإذا كان آخره أُتوا بالشراب الطهور، فيشربون، فتضمر بطونهم من ذلك ويفيض عرق من أبدانهم مثل ريح المسك). قال ابن جرير: (﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾. يقول تعالى ذكره: وسقى هؤلاء الأبرار ربُّهم شرابًا طهورًا، ومن طهره أنه
стр. 5111
لا يصير بولًا نَجِسًا، ولكنه يصير رشحًا من أبدانهم كرشح المسك).
وقال النسفي: (﴿شَرَابًا طَهُورًا﴾ ليس برجس كخمر الدنيا لأن كونها رجسًا بالشرع لا بالعقل ولا تكليف ثمّ، أو لأنه لم يعصر فتمسه الأيدي الوضرة وتدوسه الأقدام الدنسة).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾. قال قتادة: (لقد شكر اللَّه سعيًا قليلًا. قال: غفر لهم الذنب وشكر لهم الحُسْنَى). وقال مجاهد: (﴿مَشْكُورًا﴾ أي مقبولَا). قال القرطبي: (والمعنى متقارب، فإنه سبحانهُ إذا قبل العمل شكره، فإذا شكره أثاب عليه بالجزيل، إذ هو سبحانه ذو الفضل العظيم).
والمقصود: يقال لأهل الجنة تكريمًا لهم وإحسانًا إليهم: إن هذا النعيم الذي وردتموه إنما كانَ جزاء لأعمالكم، وكان سعيكم محمودًا ومقبولًا ومرضيًا.
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣].
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [ينادي منادٍ: إن لكم أن تصحّوا فلا تسقموا أبدًا، وإن لكم أن تَحْيَوا فلا تموتوا أبدًا. وإن لكم أن تَشِبُّوا فلا تهرموا أبدًا، وإن لكم أن تَنْعَموا فلا تَبأسوا أبدًا، فذلكَ قوله : ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾] (١).
٢٣ - ٣١. قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلَا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلَا (٢٥) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلَا طَوِيلَا (٢٦) إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلَا (٢٧) نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلَا (٢٨) إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلَا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠)
стр. 5112
يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١)﴾.
في هذه الآيات: امتنانُ الرحمن على نبيهِ الكريم، بما نزل عليهِ من هذا التنزيل العظيم، ودعوته للاستعانة بالصبر والصلاة على مكر المجرمين، الذين توعدهم اللَّه سوء العذاب يوم الدين.
فقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾. قال ابن عباس: (أنزل القرآن متفرّقًا: آية بعد آية، ولم ينزل جملة واحدة، فلذلكَ قال: ﴿نَزَّلْنَا﴾).
قال النسفي: (﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ تكرير الضمير بعد إيقاعه اسمًا لإنّ تأكيد على تأكيد لمعنى اختصاص اللَّه بالتنزيل ليستقر في نفس النبي ﷺ أنه إذا كان هو المنزل لم يكن تنزيلهُ مفرقًا إلا حكمة وصوابًا ومن الحكمةِ الأمر بالمصابرة).
وقوله: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾. قال ابن عباس: (اصبر على أذى المشركين، هكذا قضيت).
قال ابن كثير: (أي: كما أكرمتُكَ بما أنزلتُ عليكَ فاصبر على قضائه وقدره، واعلم أنه سَيُدَبِّرُكَ بِحُسْنِ تدبيره).
وقوله: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾. الآثم الفاجر في أفعاله، والكفور: الكافر بقلبه. قال ابن جرير: (يقول: ولا تطع في معصية اللَّه من مشركي قومكَ آثمًا يريدُ بركوبه معاصيه، أو كفورًا: يعني جحودًا لنعمه عنده، وآلائه قبله، فهو يكفر به، ويعبد غيره).
وقوله: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾. أي: واذكر -يا محمد- ربك فادعهُ بكرة في صلاة الصبح، وعشيًا في صلاة الظهر والعصر. قال ابن زيد: (بكرة: صلاة الصبح. وأصيلًا: صلاة الظهر الأصيل). وقيل: هو الذكر المطلق سواء كان في الصلاة أو في غيرها.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾. قال ابن عباس: (يعني الصلاة والتسبيح). قال القرطبي: (﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ﴾ يعني صلاة المغرب والعشاء الآخرة. ﴿وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ يعني التطوع في الليل، قاله ابن حبيب).
وقوله: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾. توبيخ وتقريع لكفار مكة الذين آثروا العاجلة وهي الدنيا الفانية على الآخرة الباقية، فهم يحبون البقاء فيها وتعجبهم زينتها.
стр. 5113
وقوله: ﴿وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾. أي: ويدعونَ بين أيديهم يومًا عسيرًا شديدًا هم قادمون عليه، قد أثقلته المصائب والأهوال.
وقوله: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾. قال ابن عباس: (يقول: شددنا خلقهم). والمقصود: خلقناهم ابتداء، وشددنا أوصالهم بعضًا إلى بعض بالعروق والعصب.
وقوله: ﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا﴾. أي: لو شئنا لأهلكناهم وجئنا بأطوع للَّه منهم.
وقوله: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾. قال قتادة: (إن هذه السورة تذكرة). أي: لمن تذكر واتعظ واعتبر.
وقوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾. اي: فمن شاء أيها الناس اتخذ طاعة اللَّه واتباع رسوله سبيلًا له، فإن في ذلك النجاة كل النجاة، والسعادة في الدارين.
وقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾. أي: وما اتخاذكم السبيل إلى ربكم أيها الناس إلا بمشيئته جلَّت عظمته، فإنه لا يُطاع سبحانه إلا بإذنه، كما لا يعصى إلا بإذنه، فمشيئتهُ قاهرة لكل مشيئةٍ، وهو الحكيم في أقواله وأفعاله وقدره وشرعه، العليم بمن يستحق الهداية والنجاة، ولذلكَ ختم الآية بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.
أخرج الإمام أحمد في المسند، وابن أبي عاصم في "السنة"، بإسناد صحيح على شرط الشيخين عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [لا تعجبوا بعمل أحد حتى تنظروا بما يختم له، فإن العامل يعمل زمانًا من دهره، أو برهة من دهره بعمل صالح لو مات عليه دخل الجنة، ثم يتحول فيعملُ عملًا سيئًا. وإن العبد ليعملُ زمانًا من دهره بعمل سَيِّئٍ لو ماتَ عليهِ دخل النار، ثم يتحول فيعملُ عملًا صالحًا. وإذا أرادَ اللَّهُ بعبدٍ خيرًا استعملهُ قبل موتهِ فوفقه لعمل صالحٍ، ثم يقبضه عليه] (١).
وقوله: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾. قال أبو السعود: (بيان لإحكامِ مشيئتهِ تعالى المترتبة على علمه وحكمته).
وقوله: ﴿وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. أي: وأعدَّ اللَّهُ للظالمينَ الذين صرفوا مشيئتهم
стр. 5114
إلى معصيتهِ عذابًا في نارِ جهنمَ مؤلمًا موجعًا.
تم تفسير سورة الإنسان بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه صبيحة يوم الثلاثاء ٦/ ذي القعدة/ ١٤٢٦ هـ الموافق ٦/ كانون الأول/ ٢٠٠٥ م
دروس ونتائج وأحكام
١ - خلق اللَّه الإنسان ودلّه على طريقي الخير والشر.
٢ - مراتب الهداية:
أ - الهداية العامة للخلق.
ب - هداية الدلالة والإرشاد.
ج - هداية التوفيق والإلهام.
د - الهداية إلى الجنة يوم القيامة.
٣ - الأبرار في الدنيا في الطاعات والقيام بالواجبات، ووفاء بالنذر وإطعامُ المساكين واليتيم والأسير والقرابات.
٤ - الأبرار في الجنةِ في النعيم المقيم، تكرمةً لهم من اللَّه رب العالمين.
٥ - في الجنة ما لا عينٌ رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
٦ - هذه السورة تذكرة لمن شاء أن يسلك طريق الحق.
٧ - إذا أرادَ اللَّهُ بعبدٍ خيرًا استعملهُ قبل موتهِ فوفقهُ لعمل صالحٍ، ثم يقبضه عليه.
* * *
стр. 5115
٧٧ - سورة المرسلات
وهي سورة مكية، وعدد آياتها (٥٠).
الأحاديث الواردة في ذكرها:
الحديث الأول: أخرج الترمذي بسند صحيح عن ابن عباس قال: قال أبو بكر: يا رسول اللَّه قد شبت. قال: [شَيَّبَتْنِي هودٌ، والواقعةُ، والمُرسلاتُ، وعَمَّ يتساءلون، وإذا الشمس كورت] (١).
الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن عبد اللَّه -هو ابن مسعود- قال: [بينما نحن مع النبي ﷺ ، في غار بمنى، إذ نزلت عليهِ: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾، فإنه ليتلوها وإني لأتلقَّاها من فيه، وإنَّ فاه لَرَطْبٌ بها، إذ وَثَبت علينا حَيَّةٌ، فقال النبي ﷺ : "اقتلوها". فابتدرناها فذهبت. فقال النبي ﷺ : "وُقِيَتْ شَرَّكم كما وُقيتم شرَّها"] (٢). قال عمر: (حَفِظْتُهُ مِنْ أُبَيٍّ في غارٍ بمنًى).
الحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄ أَنَّه قال: [إنَّ أُمُّ الفَضْل سَمِعَتْهُ وهو يَقْرأُ: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ فقالت: واللَّه يا بُنَيَّ لقد ذكَّرْتَنِي